لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ) من البركة، وفَضَل من التَّمر بعد قضاء الدَّين (فَوَجَدَهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالفَضْلِ، فَقَالَ) ﵊ له: (أَخْبِرْ ذَلِكَ) الذي ذكرته من الفضل (ابْنَ الخَطَّابِ) عُمَرَ ﵁، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بإسقاط اللَّام (فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ) بذلك (فَقَالَ لَهُ) أي: لجابرٍ (عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، مؤكَّدًا بالنُّون الثَّقيلة، قيل: وخَصَّ عمر بذلك لكونه (١) كان مهتمًّا بقصَّة جابرٍ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٩] وأبو داود في «الوصايا»، وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».
(١٠) (باب مَنِ اسْتَعَاذَ) بالله (مِنَ الدَّيْنِ) أي: من ارتكابه.
٢٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. (ح) مهملةٌ، لتحويل السَّند، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله «حدّثنا أبو اليمان … » إلى آخر واو «وحدَّثنا إسماعيل» (٢) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد أبو بكرٍ، وهو بكنيته أشهر (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيقٍ محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ:
стр. 5077
اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ) ولأبي ذرٍّ: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك» (مِنَ المَأْثَمِ) الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم (وَالمَغْرَمِ) هو أيضًا مصدرٌ وُضِعَ موضع الاسم، يريد به: مغرم الذُّنوب والمعاصي، وقيل: كالغرم، وهو (١) الدَّين، ويريد به: ما استُدِين ممَّا (٢) يكرهه الله، أو فيما يجوز ثمَّ عجز، فأمَّا دينٌ احتاج إليه وهو قادرٌ على أدائه فلا يُستعاذ منه، أو المراد: الاستعاذة من الاحتياج إليه، ولا تعارض بين الاستعاذة من الدَّين وجواز الاستدانة؛ لأنَّ الذي استُعيذ منه ليس هو نفس الدَّين، بل غوائل الدَّين المشار إليهما بقوله: (فَقَالَ (٣) قَائِلٌ) هي عائشة ﵂، كما في الرِّواية الأخرى: (مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ) بالله (يَا رَسُولَ اللهِ مِنَ المَغْرَمِ! قَالَ) ﵊: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ) قال البيضاويُّ:، أي: أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التَّقصير (فَكَذَبَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كَذَبَ» (وَوَعَدَ) فيما يستقبل (فَأَخْلَفَ) لا يفي بوعده (٤)، وتعقَّبه في «شرح المشكاة» بأنَّه لم يرد بإدخال «إذا» في «حدَّث» و «وعد» أنَّهما شرطان، و «كذب» و «أخلف» جزاءان، بل أراد بيان ترتُّبهما عليهما بحرف التَّعقيب، فكيف يُتصوَّر ذلك؟ وأنَّ الشَّرط في الحديث «غرم»، و «حدَّث» جزاءٌ، و «وعد» عطفٌ عليه، و «كذب» و «أخلف» مرتَّبان على الجزاء وما عطف عليه؟!
(١١) (باب) حكم (الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ) عليه (دَيْنًا).
٢٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الكوفيِّ التَّابعيِّ المشهور، وثَّقه أحمد والعجليُّ والدارقُطنيُّ إلَّا أنَّه كان يغلو في التَّشيُّع، لكن أخرج له الجماعة، ولم يُخَرَّجْ له في «الصَّحيح»
стр. 5078
شيءٌ ممَّا يقوِّي بدعته (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالزَّاي بعد الحاء المهملة، سلمان الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَرَكَ) بعد وفاته (مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللَّام: الثِّقل من كلِّ ما يُتكلَّف، والكَلُّ: العيال، قاله في «النِّهاية»، ولا ريب أنَّ الدَّين من كلِّ ما يُتكلَّف، والمعنى: من مات وترك عيالًا أو دينًا (فَإِلَيْنَا) يرجع أمره، فنوفِّي دَينه، ونقوم بمصالح عياله.
٢٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ -بفتح النُّون- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو العَقَديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان الخزاعيُّ أو الأسلميُّ، أبو يحيى المدنيُّ، ويُقال: فليحٌ لقبٌ، واسمه عبد الملك، من طبقة مالكٍ، واحتجَّ به البخاريُّ وأصحاب «السُّنن»، وروى له مسلمٌ حديثًا واحدًا وهو حديث الإفك، وهو ثقةٌ لكنَّه كثير الخطأ، وضعَّفه ابن معين وأبو داود، وقال ابن عديٍّ: له أحاديثُ صالحةٌ مستقيمةٌ وغرائبُ (١)، وهو عندي لا بأس به. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: لم يعتمد عليه البخاريُّ اعتماده على مالكٍ وابن عيينة وأضرابهما، وإنَّما أخرج له أحاديث أكثرها في المتابعات (٢)، وبعضها في «الرِّقاق» (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) العامريِّ المدنيِّ، وقد يُنسب إلى جدِّه أسامة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي (٣) عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، آخره هاء تأنيثٍ، الأنصاريِّ النَّجاريِّ، يقال: وُلد في عهد النَّبيِّ ﷺ ، وقال ابن أبي حاتمٍ: ليست له صحبةٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا) بالواو، ولأبي الوقت (٤): «إلَّا أنا» (٥) (أَوْلَى) أحقُّ النَّاس (بِهِ فِي) كلِّ شيءٍ من أمور
стр. 5079
(الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ) قوله تعالى: (﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]) قال بعض الكبراء: إنَّما كان ﵊ أولى بهم من أنفسهم؛ لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النَّجاة، قال ابن عطيَّة: ويؤيِّده قوله ﵊ [خ¦٦٤٨٣]: «أنا آخذٌ بحُجَزِكم عن النَّار، وأنتم تقتحمون فيها»، ويترتَّب على كونه أولى بهم من أنفسهم أنَّه يجب (١) عليهم إيثار طاعته على شهوات أنفسهم وإن شقَّ ذلك عليهم، وأن يحبُّوه أكثر من محبَّتهم لأنفسهم، ومن ثَمَّ قال ﵊ [خ¦١٤]: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه ووالده (٢) … » الحديث، واستنبط بعضهم من الآية أنَّ له ﵊ أن يأخذ الطَّعام والشَّراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ﵊ (٣) إليهما، وعلى صاحبهما البذل، ويفدي بمهجته (٤) مهجة (٥) نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه، وأنَّه لو قصده ﵊ ظالمٌ وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه، ولم يذكر ﵊ عند نزول هذه الآية ما له في ذلك من الحظِّ، وإنَّما ذكر ما هو عليه فقال: (فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا) أي: أو حقًّا، وذِكْرُ المالِ خرج مخرج الغالب، فإنَّ الحقوق تُورَث كالمال (فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا) عبَّر بـ «مَن» الموصولة ليعمَّ أنواع العصبة، والذي عليه أكثر الفرضيِّين أنَّهم ثلاثة أقسامٍ، عصبةٌ بنفسه، وهو من له ولاءٌ وكلُّ ذكرٍ نسيبٍ يُدلَى إلى الميِّت بلا واسطةٍ أو بتوسُّط محض الذُّكور، وعصبةٌ بغيره، وهو كلُّ ذات نصفٍ (٦) معها ذكرٌ
стр. 5080
يعصِّبها، وعصبةٌ مع غيره، وهو أختٌ فأكثر لغير أمٍّ معها بنتٌ أو بنت ابنٍ فأكثر (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضَّاد المعجمة، مصدرٌ أُطلِقَ على اسم الفاعل للمُبالَغة، كالعَدْل والصَوْم، وجوَّز ابن الأثير الكسر على أنَّه جمع ضائعٍ كـ «جياعٍ» (١) في جمع «جائعٍ»، وأنكره الخطَّابي، أي: من ترك عيالًا محتاجين (فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلَاهُ) أي: وليُّه أتولَّى أموره، فإن ترك دينًا وفيته عنه، أو عيالًا فأنا كافلهم، وإليَّ ملجؤهم ومأواهم، وقد كان ﵊ في صدر الإسلام لا يصلِّي على من عليه دَينٌ، فلمَّا فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلِّي عليه ويوفي دَينه، فصار ذلك ناسخًا لفعله الأوَّل، وهل كان ذلك محرَّمًا عليه أم لا؟ فيه خلافٌ للشَّافعيَّة، حكاه الرُّويانيُّ في «الجرجانيَّات»، وحكى خلافًا أيضًا في أنَّه هل كان يجوز له أن يصلِّي مع وجود الضَّامن؟ قال النَّوويُّ: والصَّواب الجزم بجوازه مع وجود الضَّامن. انتهى. قال في «شرح تقريب الأسانيد»: والظَّاهر أنَّ ذلك لم يكن مُحرَّمًا عليه، وإنَّما كان يفعله ليحرِّض النَّاس على قضاء الدَّين في حياتهم، والتَّوصُّل إلى البراءة منه، لئلَّا تفوتهم صلاة النَّبيِّ ﷺ عليهم، فلمَّا فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلِّي عليهم، ويقضي دَين من لم يُخلف وفاءً -كما مرَّ- وهل كان ذلك واجبًا عليه أو يفعله تكرُّمًا وتفضُّلًا؟ فيه (٢) خلافٌ عند الشَّافعيَّة أيضًا، والأشهر عندهم وجوبه، وعدُّوه من الخصائص، وعند ابن حبَّان وصحَّحه: «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه»، فهو ﵊ لا يرث لنفسه، بل يصرفه للمسلمين.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧٨١].
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ).
стр. 5081
٢٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى البصريُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوحَّدة فيهما (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ) قال الأزهريُّ: المَطْلُ المُدافَعة، وإضافة المطل إلى «الغنيِّ» إضافة المصدر للفاعل هنا، وإن كان المصدر قد يُضاف إلى المفعول؛ لأنَّ المعنى: أنَّه يحرم على الغنيِّ القادر أن يمطل بالدَّين بعد استحقاقه بخلاف العاجز، وقيل: إنَّه مضافٌ إلى المفعول، والمعنى: أنَّه يجب وفاء الدَّين ولو كان مستحقُّه غنيًّا، ولا يكون غناه سببًا لتأخير حقِّه عنه، وإذا (١) كان كذلك في حقِّ الغنيِّ فهو في حقِّ الفقير أَولى، وفيه تكلُّفٌ وتعسُّفٌ على ما لا يخفى، وعن سحنون: تُرَدُّ شهادة المَلِيِّ إذا مطل لكونه سُمِّي ظالمًا، وعند الشَّافعيَّة (٢): إذا تكرَّر.
وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا أحال على مَلِيٍّ» من «الحوالة» [خ¦٢٢٨٨].
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالٌ) فلا يُلام إذا تكرَّر طلبه لحقِّه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا وصله أحمد وإسحاق في «مُسنَديهما» وأبو داود والنَّسائيُّ من حديث عمرو بن (٣) الشَّريد بن أوسٍ (٤) الثَّقفيِّ عن أبيه، وإسناده حسنٌ (لَيُّ الوَاجِدِ) بفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، و «الواجد» بالجيم، أي: مطلُ قادرٍ على قضاء دَينه (يُحِلُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ، قَالَ سُفْيَانُ) هو (٥) الثَّوريُّ، ممَّا وصله البيهقيُّ من طريق الفريابيِّ عنه: (عِرْضُهُ يَقُولُ: مَطَلْتَنِي) بتاء الخطاب، وللأبوين (٦): «مَطَلَنِي» أي: حقِّي (وَعُقُوبَتُهُ الحَبْسُ) تأديبًا له؛ لأنَّه ظالمٌ، والظُّلم حرامٌ وإن قلَّ.
стр. 5082
٢٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بمُهمَلاتٍ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهَيلٍ، بضمِّ الكاف وفتح الهاء (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ) أعرابيٌّ (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب أن يقضيه بَكْرًا اقترضه منه (فَأَغْلَظَ لَهُ) في الطَّلب بكلامٍ غير مؤذٍ؛ إذ إيذاؤه ﵊ كفرٌ (فَهَمَّ بِهِ) أي: الأعرابيِّ (أَصْحَابُهُ) رضوان الله عليهم، أي: عزموا أن يوقعوا به فعلًا (فَقَالَ) ﵊: (دَعُوهُ) اتركوه (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا).
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَجَدَ) شخصٌ (مَالَهُ عِنْدَ) شخصٍ (مُفْلِسٍ) حكم القاضي بإفلاسه (فِي البَيْعِ) بأن يبيع رجلٌ متاعًا لرجلٍ (١)، ثمَّ يفلس المشتري (٢) ويجد البائع متاعه الذي باعه عنده (وَ) في (القَرْضِ) بأن يقرض لرجلٍ ثمَّ يفلس المقترض (٣)، فيجد المقرض ما أقرضه عنده (وَ) في (الوَدِيعَةِ) بأن يُودِع شخصٌ (٤) عند آخر وديعةً، ثمَّ يفلس المُودَع -بفتح الدَّال- وجواب «إذا» قوله: (فَهْوَ) أي: فكلٌّ من البائع والمقرِض والمودِع -بكسر الدَّال- (أَحَقُّ بِهِ) أي: بمتاعه من غيره من غرماء المفلس.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (إِذَا أَفْلَسَ) شخصٌ (وَتَبَيَّنَ) إفلاسه عند الحاكم (لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ) أي: إذا أحاط الدَّين بماله (وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ) وكذا هبته ورهنه ونحوها، كشرائه بالعين بغير إذن الغرماء؛ لتعلُّق حقِّهم بالأعيان كالرَّهن، ولأنَّه محجورٌ عليه بحكم الحاكم، فلا يصحُّ تصرُّفه
стр. 5083
على مراغمة مقصود الحَجْر كالسَّفيه، قال الأذرعيُّ (١): ويجب أن يُستثنى من منع الشِّراء بالعين ما لو دفع له الحاكم كلَّ يومٍ نفقةً له ولعياله فاشترى بها؛ فإنَّه يصحُّ جزمًا فيما يظهر، ويصحُّ تدبيره ووصيَّته لعدم الضَّرر؛ لتعلُّق التَّفويت بما بعد الموت، ويصحُّ إقراره بالدَّين من (٢) معاملةٍ أو غيرها، كما لو ثبت بالبيِّنة، والفرق بين الإنشاء والإقرار أنَّ مقصود الحجر منعُ التَّصرُّف فأُلغِي إنشاؤه، والإقرار إخبارٌ، والحجر لا يسلب العبارة عنه (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) ممَّا وصله أبو عبيدٍ في «كتاب الأموال»، والبيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ إلى سعيدٍ: (قَضَى عُثْمَانُ) بن عفَّان (مَنِ اقْتَضَى) أي: أخذ (مِنْ حَقِّهِ) الذي له عند شخصٍ شيئًا (قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ) الشَّخص المأخوذ منه، ولفظ أبي عبيدٍ: قبل أن يتبيَّن (٣) إفلاسه (فَهْوَ) أي: الذي أخذه (لَهُ) لا يتعرَّض إليه (٤) أحدٌ من الغرماء (وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ) عند أحدٍ (فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ) من سائر الغرماء.
٢٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) -بالتَّصغير- ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (٥) (أَبُو بَكْرِ بْنُ (٦) مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو) بفتح العين المهملة (٧) وسكون الميم (بْنِ حَزْمٍ) بفتح (٨) الحاء المهملة وسكون الزَّاي (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) بن
стр. 5084
مروان، القرشيَّ الأمويَّ الخليفة العادل رحمه الله تعالى (١) (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المعروف براهب قريشٍ لكثرة صلاته (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) شكٌّ من الرَّاوي: (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ) أي: وجده (بِعَيْنِهِ) لم يتغيَّر ولم يتبدَّل (عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ) قال: عند (إِنْسَانٍ) بالشَّكِّ؛ كأنِ ابتاعه الرَّجل أو اقترضه منه (قَدْ أَفْلَسَ) أو مات بعد ذلك، وقبل أن يؤدِّي ثمنه ولا وفاء عنده (فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) من غرماء المشتري المفلس أو الميت، وإذا اختار الفسخ (٢) فله فسخ العقد واسترداد العين ولو بلا حاكم؛ كخيار المسلم بانقطاع المُسلَم فيه، والمكتري بانهدام الدَّار، بجامع تعذُّر استيفاء الحقِّ، ويُشتَرط كون الرَّدِّ على الفور، كالردِّ بالعيب (٣) بجامع دفع الضَّرر (٤)، وفرَّق المالكيَّة بين الفلس والموت، فهو أحقُّ به في الفلس دون الموت، فإنَّه فيه أسوة الغرماء لحديث أبي داود أنَّه ﷺ قال: «أيُّما رجلٍ باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من الثَّمن شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحقُّ به، فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء»، واحتجُّوا: بأنَّ الميت خربت ذمَّته، فليس للغرماء محلٌّ يرجعون إليه، فلو اختصَّ البائع بسلعته عاد الضَّرر على بقيَّة الغرماء؛ لخراب ذمَّة الميت وذهابها، بخلاف ذمَّة المفلس فإنَّها باقيةٌ، ولنا: ما رواه إمامنا الشَّافعيُّ من طريق عمرو بن خلدة قاضي المدينة عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ : «أيُّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقُّ بمتاعه إذا وجده بعينه»، وهو حديثٌ حسنٌ يُحتَجُّ بمثله، أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم والدَّارقُطنيُّ، وزاد بعضهم في آخره: «إلَّا أن يترك صاحبه وفاءً»، فقد صرَّح ابن خلدة قاضي المدينة (٥) بالتَّسوية بين الإفلاس والموت، فتعيَّن المصير إليه؛ لأنَّها زيادةٌ من ثقةٍ، وخالف الحنفيَّة الجمهور فقالوا: إذا وجد سلعته بعينها عند
стр. 5085
مفلسٍ فهو كالغرماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فاستحقَّ النَّظرة إلى الميسرة بالآية، وليس له الطَّلب قبلها، ولأنَّ العقد يوجب ملك الثَّمن للبائع في ذمَّة المشتري وهو الدَّين، وذلك وصفٌ في الذِّمَّة فلا يُتصوَّر قبضه، وحملوا حديث الباب على المغصوب والعواري والإجارة والرَّهن وما أشبهها، فإنَّ ذلك ماله بعينه فهو أحقُّ به، وليس المبيع مال البائع ولا متاعًا له (١)، وإنَّما هو مال المشتري؛ إذ هو قد خرج عن ملكه وعن ضمانه بالبيع والقبض، واستدلَّ الطَّحاويُّ لذلك بحديث سَمُرة بن جُندبٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من سُرِق له متاعٌ أو ضاع له متاعٌ فوجده في يد رجلٍ بعينه فهو أحقُّ به، ويرجع المشتري على البائع بالثَّمن»، ورواه (٢) الطَّبرانيُّ وابن ماجه، ولنا: أنَّه وقع التَّنصيص في حديث الباب أنَّه في صورة البيع، فروى سفيان الثَّوريُّ في «جامعه»، وأخرجه من طريقه (٣) ابنا خزيمة وحبَّان عن يحيى بن سعيدٍ بهذا الإسناد: «إذا ابتاع الرَّجل سلعةً ثمَّ أفلس وهي عنده بعينها فهو أحقُّ بها من الغرماء»، ولـ «مسلمٍ» من رواية ابن أبي حسينٍ (٤) عن أبي بكر بن محمَّدٍ بسندِ حديث الباب أيضًا: في الرَّجل الذي يُعْدِمُ إذا وُجِد عنده المتاعُ، ولم يفرِّقه أنَّه لصاحبه الذي باعه، فقد تبيَّن أنَّ حديث الباب واردٌ في صورة البيع، وحينئذٍ فلا وجه للتَّخصيص بما ذكره الحنفيَّة، ولا خلاف أنَّ صاحب الوديعة وما أشبهها أحقُّ بها، سواءٌ وجدها عند مفلسٍ أو غيره، وقد شرط الإفلاس في الحديث، قال البيهقيُّ: وهذه الرِّوايةُ الصَّحيحةُ الصَّريحةُ في البيع أو السِّلعة تمنعُ مِنْ حَمْلِ الحكم فيها على الودائع، والعواري، والمغصوب (٥) مع تعليقه إيَّاه في جميع الرِّوايات بالإفلاس. انتهى. وأيضًا فإنَّ الشَّارع ﵊ جعل لصاحب المتاع الرُّجوع إذا وجده بعينه، والمُودِع أحقُّ بعينه، سواءٌ كان على صفته أو تغيَّر عنها، فلم يجز حمل الخبر عليه، ووجب حمله على البائع؛ لأنَّه إنَّما يرجع بعينه إذا كان على صفته لم يتغيَّر، فإذا تغيَّر فلا رجوع له، وأيضًا لا مدخل للقياس إلَّا إذا عُدِمت السُّنَّة، فإن وُجِدت فهي
стр. 5086
حجَّةٌ على من خالفها، وأمَّا حديث سمرة ففيه الحجَّاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتَّدليس، قال ابن معينٍ: ليس بالقويِّ، وإن روى له مسلمٌ فمقرونٌ بغيره، والله أعلم.
وحديث الباب أخرجه أيضًا (١) مسلمٌ في «البيوع» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».
(١٥) (باب مَنْ أَخَّرَ) من الحكُّام (الغَرِيمَ) أي: مطالبته بالدَّين لربِّه (إِلَى الغَدِ أَوْ نَحْوِهِ) كيومين أو ثلاثةٍ (وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ) التَّأخير (مَطْلًا) أي: تسويفًا عن الحقِّ. (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ﵄ فيما سبق قريبًا موصولًا من طريق ابن كعب بن مالكٍ عن جابرٍ [خ¦٢٣٩٥]: (اشْتَدَّ الغُرَمَاءُ) في الطَّلب (فِي حُقُوقِهِمْ فِي دَيْنِ أَبِي، فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن أتيته، فقلت له: إنَّ أبي ترك دَينًا وليس عندي إلَّا ما يُخرِج نخلُه، ولا يبلُغ ما يُخرج سنين ما عليه، فانطلقْ معي؛ لكيلا يُفْحِش عليَّ الغرماء (أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي) بالثَّاء المُثلَّثة وفتح الميم، وفي «باب إذا قضى دون حقِّه أو حلَّله (٢)» [خ¦٢٣٩٥]: بالمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم، كذا في الفرع (فَأَبَوْا) أي: امتنعوا أن يقبلوه (فَلَمْ يُعْطِهِمِ) النَّبيُّ ﷺ (الحَائِطَ) أي: ثمره (٣) (وَلَمْ يَكْسِرْهُ) أي: لم يكسر الثَّمر من النَّخل (لَهُمْ) أي: لم يعيِّن ولم يقسمه عليهم (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (سَأَغْدُو عَلَيْكَ غَدًا) ولأبي ذرٍّ: «عليكم» بميم الجمع، وسقط عنده لفظ «غدًا» (فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَدَعَا فِي ثَمَرِهَا) بالمُثلَّثة، أي: في ثمر النَّخل (٤) (بِالبَرَكَةِ) أي: بعد أن طاف بها (فَقَضَيْتُهُمْ) حقَّهم.
стр. 5087
وموضع التَّرجمة من هذا الحديث (١) قوله: «سأغدو عليك»، وقد سقطت التَّرجمة وحديثها هذا في رواية النَّسفيِّ، وتبعه أكثر الشُّرَّاح، وقد سبق الحديث في «باب إذا قضى دون حقِّه أو حلَّله» [خ¦٢٣٩٥] ويأتي بعد بابين إن شاء الله تعالى [خ¦٢٤٠٥].
(١٦) (باب مَنْ بَاعَ) من الحكَّام (مَالَ المُفْلِسِ أَوِ المُعْدِمِ) -بكسر الدَّال- مال الفقير (فَقَسَمَهُ) أي: ثمن مال المفلس (بَيْنَ الغُرَمَاءِ) بنسبة ديونهم الحالَّة لا المُؤجَّلة، فلا يُدَّخَر منه شيءٌ للمُؤجَّل، ولا يُستَدام له الحَجْر كما لا يُحجَر عليه (٢) به، فلو لم يُقسَّم حتَّى حلَّ المُؤجَّل، التحق بالحالِّ (أَوْ أَعْطَاهُ) أي: أعطى الحاكمُ المُعدَمَ ثمن ما باعه يومًا بيوم (حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ) أي: وقريبه وزوجته القديمة ومملوكه (٣) -كأمِّ ولده- نفقة المعسرين، ويكسوهم بالمعروف؛ لإطلاق حديث: «ابدأ بنفسك ثمَّ بمن تعول» إن لم يكن له كسبٌ لائقٌ به، وإِلَّا فلا، بل يُنفِق ويكسو من كسبه، فإن فَضَلَ منه شيءٌ رُدَّ إلى المال، أو نَقَصَ كُمِّلَ من المال، فإن امتنع من الكسب فقضيَّة كلام «المنهاج» و «المطلب» أنَّه يُنفِق عليه من ماله، واختاره الإسنويُّ، وقضيَّة كلام المتولِّي خلافه، واختاره السُّبكيُّ، والأوَّل أشبه بقاعدة الباب من أنَّه لا يُؤمَر بتحصيل ما ليس بحاصلٍ.
٢٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المهملة، هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ) بكسر اللَّام، قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والموحَّدة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وزاد الكُشْمِيْهَنِيِّ:
стр. 5088
«منَّا»، ولمسلمٍ وأبي داود والنَّسائيِّ من رواية أبي الزُّبير: أعتق رجلٌ من بني عُذْرة، ولهم أيضًا في لفظ: أنَّ رجلًا من الأنصار يُقال له: أبو مذكور أعتق (غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ) يقال له: يعقوب، وكان قبطيًّا، كما عند البيهقيِّ وغيره، وذكره ابن فتحون في «ذيله» على «الاستيعاب في الصَّحابة»، وأنَّه سمَّاه في «البخاريِّ» و «مسلمٍ»، لكنَّ ذِكْرَهُ البخاريَّ وَهمٌ، وعند النَّسائيِّ: وكان -، أي: الرَّجل- محتاجًا، وكان عليه دينٌ، وفي روايةٍ له: «فاحتاج الرَّجل»، وفي لفظٍ: فقال ﵊: «ألك مالٌ غيره»؟ فقال: لا (فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ : مَنْ يَشْتَرِيهِ) أي: العبد (مِنِّي؟) مقتضاه: أنَّه ﵊ باشر البيع بنفسه الكريمة، وهو أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، وتصرُّفه عليهم ماضٍ؛ ليدلَّ على أنَّه يجوز للمدبِّر -بكسر الموحَّدة- بيع المدبَّر -بفتحها- وأنَّ الحاكم يبيع على المديون ماله عند الفلس (١) ليقسمه بين الغرماء (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ النُّون والميم (٢) وفتح العين المهملة، النَّحَّام-بفتح النُّون وتشديد الحاء المهملة- القرشيُّ، وفي روايةٍ للبخاريِّ [خ¦٧١٨٦]: فباعه بثمان مئة درهمٍ، وعند أبي داود: بسبع مئةٍ أو بتسع مئةٍ، والصَّحيح الأوَّل، وأمَّا رواية أبي داود فلم يضبطها راويها؛ ولهذا شكَّ فيها (فَأَخَذَ) ﵊ (ثَمَنَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ) زاد في لفظٍ للنَّسائيِّ قال: «اقضِ دينك»، ولمسلمٍ والنَّسائيِّ: فدفعها إليه، ثمَّ قال: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فَضَلَ شيءٌ فلأهلك، فإن فَضَلَ عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا» يقول: «فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك»، ولم يذكر في هذا الحديث الرَّقيق، ولعلَّه داخلٌ في الأهل، أو لأنَّ أكثر النَّاس لا رقيق لهم، فأجرى الكلام على الغالب، أو أنَّ ذلك الشَّخص المخاطب لا رقيق له، وليس المراد بقوله: «فهكذا وهكذا» حقيقة هذه الجهات المحسوسة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّه ﷺ باع على الرَّجل ماله لكونه مديانًا، ومال المديان إمَّا أن يقسمه الإمام بنفسه، أو يسلمه إليه ليقسمه بين غرمائه، قاله ابن المنيِّر.
وهذا الحديث قد سبق في «باب بيع المُدبَّر» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢٣٠].
стр. 5089
(١٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَقْرَضَهُ) أي: إذا أقرض رجلٌ رجلًا دراهم أو دنانير، أو شيئًا ممَّا يصحُّ فيه القرض (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) معلومٍ (أَوْ أَجَّلَهُ) أي: الثَّمن (فِي البَيْعِ) فهو جائزٌ فيهما عند الجمهور خلافًا للشَّافعيَّة في القرض، فلو شرط أجلًا لا يجرُّ منفعةً للمقرض لغا الشَّرط دون العقد، نعم (٢) يُستحَبُّ الوفاء باشتراط الأجل (٣)، قاله ابن الرِّفعة (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (فِي القَرْضِ إِلَى أَجَلٍ) معلومٍ: (لَا بَأْسَ بِهِ وَ) كذا (إِنْ أُعْطِيَ) بضمِّ الهمزة، أي: وإن أعطى المقترض للمقرض (أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ) كالصَّحيح عن المُكسَّر (مَا لَمْ يَشْتَرِطْ) ذلك، فإن اشترطه حرم أخذه بل يبطل العقد، وما رُوِي: من أنَّه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ يأخذ بعيرًا ببعيرين إلى أجلٍ، فمحمولٌ على البيع أو السَّلَم؛ إذ لا أَجَلَ في القرض كالصَّرف؛ بجامع أنَّه يمتنع فيهما التَّفاضل، وقد رواه أبو داود وغيره بلفظ: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بعيرًا ببعيرين إلى أجلٍ، وتعليق ابن عمر هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق المغيرة قال: قلت لابن عمر: إنِّي أسلف جيراني إلى العطاء، فيقضوني أجود من دراهمي، قال: لا بأس به ما لم تشترط (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنهما: (هُوَ) أي: المقترض (إِلَى أَجَلِهِ) المقرَّر بينه وبين المقرض (فِي القَرْضِ) فلو طلب أخذه قبل الأجل لم يكن له ذلك، وهذا مذهب المالكيَّة خلافًا للأئمَّة الثَّلاثة، فيثبت عندهم في ذمَّة المقترض حالًّا، وإن أجَّل فيأخذه المقرض متى أحبَّ.
стр. 5090
٢٤٠٤ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله المؤلِّف في «باب الكفالة» [خ¦٢٢٩١]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل بن حسنة، الكنديُّ المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لم يُسَمَّ، وقيل: هو النَّجاشيُّ، وحينئذٍ فتكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتِّباع لهم، لا أنَّه من نسلهم (أَنْ يُسْلِفَهُ) سقط هنا قوله في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١]: ألف دينارٍ (فَدَفَعَهَا) المسلف (إِلَيْهِ) إلى المستسلف (١) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى … ) معلومٍ (الحَدِيثَ) بطوله في «الكفالة» وغيرها، ولأبي ذرٍّ: «فذكر الحديث»، واحتجَّ به على جواز التَّأجيل في القرض، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرعَ من قبلنا شرع لنا، وفي ذلك خلافٌ يأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في محلِّه.
(١٨) (باب الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعِ) بعض (الدَّيْنِ) لا إسقاطه كلِّه.
٢٤٠٥ - ٢٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن
стр. 5091
عبد الله اليشكريُّ (عَنْ مُغِيرَةَ) بن مِقسم -بكسر الميم- الضَّبِّيِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريّ (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: أُصِيبَ) أبي (عَبْدُ اللهِ) هو ابن عمرو (١) بن حرامٍ يوم أُحُدٍ، أي: قُتِل (وَتَرَكَ عِيَالًا) -بكسر العين- سبع بناتٍ أو تسعًا (وَدَيْنًا) ثلاثين وَسْقًا -كما مرَّ-[خ¦٢٣٩٦] مع غيره (فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ) أي: انتهى طلبي إليهم (أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ) وسقط لأبي ذرٍّ قوله «من دينه»، وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعضها» بدل قوله: «بعضًا» (فَأَبَوْا) أن يضعوا (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا) أن يضعوا بعد أن سألهم ﵊ في ذلك (فَقَالَ) ﵊ لي: (صَنِّفْ تَمْرَكَ) اجعله أصنافًا متميِّزةً (كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ) -بكسر الحاء وتخفيف الدَّال- على انفراده غير مختلطٍ بغيره، والهاء عوضٌ من الواو، مثل: عِدَةٍ (عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ) بكسر العين المهملة، وفي نسخةٍ بفتحها وسكون الذَّال المعجمة، والنَّصب بدلًا من السَّابق، وهو عَلَمٌ على شخصٍ نُسِبَ إليه هذا النَّوع الجيِّد من التَّمر، وقال الدِّمياطيُّ: المشهور عذق زيدٍ، والعَذق بالفتح: النَّخلة، وبالكسر: الكباسة (عَلَى حِدَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «على حدته» (وَاللِّينَ) -بكسر اللَّام وسكون التَّحتيَّة- اسم جنسٍ جمعيٍّ، واحده لينةٌ، وهو من اللَّون، فياؤه منقلبةٌ عن واوٍ لسكونها وانكسار ما قبلها: نوعٌ من التَّمر أيضًا، أو هو رديئه، وقيل: إنَّ أهل المدينة يسمُّون النَّخل كلَّها ما عدا البرنيِّ والعجوة اللَّونَ (عَلَى حِدَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «على حدته» (وَالعَجْوَةَ) وهي من أجود التَّمر (عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ) بكسر الضَّاد المعجمة والجزم، فعل أمرٍ، أي: أحضر الغرماء (حَتَّى آتِيَكَ) قال جابرٌ: (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به ﵊ من التَّصنيف وإحضار الغرماء (ثُمَّ جَاءَ ﵇ وفي نسخةٍ: « ﷺ » (٢) (فَقَعَدَ عَلَيْهِ) أي: على التَّمر (وَكَالَ) من التَّمر (لِكُلِّ رَجُلٍ) من أصحاب الدُّيون حقَّه (حَتَّى اسْتَوْفَى) حقَّهم (وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ) قال الكِرمانيُّ: كلمة «ما» موصولةٌ، مبتدأٌ خبره محذوفٌ أو زائدةٌ، أي: كمثله (كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ)
стр. 5092
بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وقال (١) جابرٌ بالسَّند المذكور: (وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) غزوة ذات الرِّقاع كما قاله ابن إسحاق، أو تبوك، كما يأتي -إن شاء الله تعالى- في تعليق داود بن قيسٍ في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨] (عَلَى نَاضِحٍ لَنَا) بالضَّاد المعجمة والحاء المهملة، جملٍ يُسقَى عليه النَّخل (فَأَزْحَفَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فزايٍ فحاءٍ مهملةٍ ففاءٍ، أي: كلَّ وأعيا (الجَمَلُ) بالجيم، وأصله: أنَّ البعير إذا تعب يجرُّ رسنه (٢)، فكأنَّهم كنَّوا بقولهم: أزحف رسنه، أي: جرَّه من الإعياء، ثمَّ حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال (فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ) أي: عن القوم (فَوَكَزَهُ) بالواو بعد الفاء، أي: ضربه (النَّبِيُّ ﷺ ¬) بالعصا (مِنْ خَلْفِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فركزه» بالرَّاء بدل الواو، أي: ركز فيه العصا، والمرادُ المبالغةُ في ضربه بها (٣) فسبق القوم (قَالَ) ﵊: (بِعْنِيهِ) في روايةٍ سبقت [خ¦٢٠٩٧]: «بِوَقِيَّةٍ» (وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ) أي: ركوبه، وللنَّسائيِّ: «وأعرتك ظهره إلى المدينة» (فَلَمَّا دَنَوْنَا) قربنا من المدينة (اسْتَأْذَنْتُ، فقُلْتُ (٤): يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ ﷺ : فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ) بالميم، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أو» (ثَيِّبًا؟) بالمُثلَّثة أوَّله (قُلْتُ): تزوَّجت (ثَيِّبًا، أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ) أبي (٥) (وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (ائْتِ أَهْلَكَ، فَقَدِمْتُ) عليهم (فَأَخْبَرْتُ خَالِي) ثعلبة بن عَنَمة -بفتح العين المهملة والنُّون- ابن عديٍّ (٦) بن سنانٍ، الأنصاريَّ الخزرجيَّ، وله خالٌ آخر اسمه عمرو بن غَنَمَة وأختهما أُنَيْسَة بنت غَنَمة أمُّ جابر بن عبد الله (٧) (بِبَيْعِ الجَمَلِ
стр. 5093
فَلَامَنِي) يحتمل أن يكون لومه (١) لكونه محتاجًا إليه، أو لكونه باعه للنَّبيِّ ﷺ ولم يهبه منه، وعند ابن عساكر بإسناده إلى جابرٍ: أنَّ اسمَ خاله الذي شهد به العقبة الجَدُّ بن قيسٍ، بالجيم والدَّال المهملة، ورواه الطَّبرانيُّ وابن منده من طريق معاوية بن عمَّارٍ عن أبيه عن أبي الزُّبير عن جابرٍ بلفظ: حملني خالي جَدُّ بن قيسٍ -وما أقدر أن أرمي بحجرٍ- في السَّبعين راكبًا من (٢) الأنصار الذين وفدوا على رسول الله ﷺ … ، فذكر الحديث في «بيعة العقبة»، وإسناده قويٌّ، ويُقال (٣): إنَّه كان منافقًا، فروى أبو نُعيمٍ وابن مردويه من طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ أنَّه نزل فيهم: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] فيحتمل أنَّ الجدَّ خالُ جابرٍ من جهةٍ مجازيَّةٍ، وأن يكون هو الذي لامه على بيع الجمل؛ لِمَا اتُّهِم به من النِّفاق بخلاف ثعلبة وعمرٍو، وقد ذكر أبو عمر في آخر ترجمة جدِّ بن قيسٍ: أنَّه تاب وحسنت توبته (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: خالي (بِإِعْيَاءِ الجَمَلِ وَبِالَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَوَكْزِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وركزه» (٤) (إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الجَمَلِ) وزادني (وَ) أعطاني (الجَمَلَ وَسَهْمِي) من الغنيمة -بإسكان الهاء- اسمٌ مضافٌ إلى (٥) الياء (٦) مع نصبه (٧) عطفًا على المنصوب السابق، وفي البرماوي كالكِرماني: ويُروَى: «وسَهَمَني» (مَعَ القَوْمِ) بفتح الهاء والميم فعل
стр. 5094
اتصلت به نون الوقاية، وضبطه في «المصابيح» كـ «التَّنقيح» (١): بتشديد الهاء، وهذا كما قال ابن الجوزيِّ (٢): من أحسن التَّكرُّم؛ لأنَّ من باع شيئًا فهو في الغالب محتاجٌ لثمنه، فإذا تعوَّض الثَّمن بقي في قلبه من البيع أسفٌ على فراقه، فإذا رُدَّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب أسفه، وثبت فرحه، وقُضِيت حاجته، فكيف مع ما انضمَّ إليه من الزِّيادة في الثَّمن؟!
(١٩) (باب مَا يُنْهَى) أي: النَّهي (عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) صرفه في غير وجهه أو في (٣) غير طاعة الله (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة البقرة: (﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]) وعند النَّسفيِّ (٤) ممَّا ذكره في «فتح الباري»: «إنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ» ولعله سهو من الناسخ، وإِلَّا فالأول هو لفظ التنزيل (وَ) قوله تعالى في سورة يونس: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]) لا يجعله ينفعهم، وقال ابن حجرٍ: ولابن شبُّويه والنَّسفيِّ: «وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ» بدل ﴿لَا يُصْلِحُ﴾ وهذا سهوٌ، والأوَّل هو التِّلاوة (وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (٥)) في سورة هود: (﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ﴾)، أي: بترك (﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾) من الأصنام (﴿أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء﴾ [هود: ٨٧]) من البخس (٦) والظُّلم ونقص المكيال والميزان، وقد يتبادر إلى بعض الأذهان عطف ﴿أَن نَّفْعَلَ﴾ على ﴿أَن نَّتْرُكَ﴾ لأنَّه يرى «أن» والفعل مرَّتين وبينهما حرف العطف، وذلك باطلٌ؛ لأنَّه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون، وإنَّما هو عطفٌ على «ما»، فهو معمولٌ للتَّرك، أي: بترك أن (٧) نفعل؛ كذا في «المغني»
стр. 5095
لابن هشامٍ، و «تفسير» البيضاويِّ وغيرهما، وقال زيد بن أسلم: كان ممَّا ينهاهم شعيبٌ ﵇ عنه وعُذِّبوا لأجله قطع الدَّنانير والدَّراهم، وكانوا يقرضون من أطراف الصِّحاح لتفضل لهم القراضة (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء﴾) النِّساء والصِّبيان (﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]) يقول: لا تعمدوا إلى أموالكم التي (١) خوَّلكم الله وجعلها لكم معيشةً، فتعطونها إلى أزواجكم وبَنِيْكم، فيكونوا هم الذين يقومون عليكم، ثمَّ تنظروا إلى ما في أيديهم، ولكن أمسكوا أموالكم وأنفقوا أنتم عليهم في كسوتهم ورزقهم، وعن أبي أمامة ممَّا (٢) رواه ابن أبي حاتمٍ بسنده قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ النِّساءَ هنّ السُّفهاءُ إلَّا التي أطاعت قَيِّمها»، وعنده أيضًا: عن أبي هريرة: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: الخدم، وهم شياطين الإنس، وعند ابن جريرٍ عن أبي موسى: ثلاثةٌ يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجلٌ كانت له امرأةٌ سيِّئة الخلق فلم يطلِّقها، ورجلٌ أعطى ماله سفيهًا، وقد قال: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ ورجلٌ كان له دَينٌ على رجلٍ فلم يُشهد عليه. وقال الطَّبريُّ: الصَّواب عندنا أنَّها عامَّةٌ في حقِّ كلِّ سفيهٍ (وَالحَجْرِ فِي ذَلِكَ) بالجرِّ عطفًا على «إضاعةِ المال» أي: والحجر في السَّفه (٣)، والحَجْر في اللُّغة: المنع، وفي الشَّرع: المنع من التَّصرُّفات الماليَّة، والأصل فيه: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ الاية [النساء: ٦] … وقوله تعالى: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا (٤)﴾ الاية [البقرة: ٢٨٢]. وقال ابن كثيرٍ في «تفسيره»: ويُؤخَذ الحجر على السُّفهاء من هذه الآية، يعني: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ والحجر نوعان: نوعٌ شُرِع لمصلحة الغير كالحَجْر على المفلس للغرماء، والرَّاهن للمرتهن في المرهون، والمريض للورثة في ثلثي ماله، والعبد لسيِّده، والمُكاتَب لسيِّده (٦) ولله تعالى، والمرتدِّ
стр. 5096
للمسلمين، ونوعٌ شُرِع لمصلحة المحجور عليه، وهو ثلاثةٌ: حَجْر الجنون، والصِّبا، والسَّفه، وكلٌّ منها أعمُّ ممَّا بعده (وَمَا يُنْهَى عَنِ الخِدَاعِ) في البيع (١)، وهو (٢) عطفٌ على سابقه أيضًا.
٢٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو حَبَّان بن منقذٍ، أو والده منقذ (٣) ابن عمرٍو (لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ) بضمِّ الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الدَّال آخره عينٌ مهملتين، أي: أُغبَن (فِي البُيُوعِ، فَقَالَ) ﵊ له: (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مُوحَّدةٌ، أي: لا خديعة (فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ) وهذه واقعةُ عينٍ وحكاية حالٍ، فمذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة: أنَّ الغبن غير لازمٍ، سواءٌ قلَّ الغبن أو كَثُرَ، وهو الأصحُّ من روايتي مالكٍ، وقال البغداديُّون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، وإن كان دونه فلا، وكذا قاله (٤) بعض الحنابلة.
وهذا الحديث قد سبق في «باب ما يُكرَه من الخداع في البيع» من «كتاب البيوع» [خ¦٢١١٧] ومطابقته لما ترجم له هنا (٥) من حيث إنَّ الرَّجل كان يُغبَن في البيوع، وهو (٦) من إضاعة المال.
٢٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عُثْمَانُ) بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن
стр. 5097
عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ وَرَّادٍ) بتشديد الرَّاء، الكوفيِّ (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) بن مسعودٍ، الثَّقفيِّ، الصَّحابيِّ المشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثمَّ الكوفة، المُتوفَّى سنة خمسين على الصَّحيح، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : إِنَّ اللهَ) (حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ) وكذا حرَّم عقوق الآباء، وخصَّ الأمَّهات بالذِّكر؛ لأنَّ بِرَّهنَّ مُقدَّمٌ على برِّ الأب في التَّلطُّف والحنوِّ لضعفهنَّ، فهو من تخصيص الشَّيء بالذِّكر إظهارًا لتعظيم موقعه (وَوَأْدَ) بفتح الواو وسكون الهمزة: دفن (البَنَاتِ) أحياءً حين يُولَدْنَ، وكان أهل الجاهليَّة يفعلون ذلك كراهيةً فيهنَّ، وقيل: إنَّ أوَّل من فعل ذلك قيس بن عاصمٍ التَّميميُّ، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأَسَرَ ابنته (٢)، فاتَّخذها لنفسه، ثمَّ حصل بينهم صلحٌ، فخيَّر ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيسٌ على نفسه ألَّا تُولَد له بنتٌ إلَّا دفنها حيَّةً، فتبعه العرب على ذلك (وَمَنَعَ) بفتحاتٍ، بغير صرفٍ، ولأبي ذرٍّ: «ومنْعًا» بسكون النُّون مع تنوين العين، أي: وحرَّم عليكم منعَ الواجبات من الحقوق (وَهَاتِ) بالبناء على الكسر: فعل أمرٍ من الإيتاء، أي: وحرَّم أخذ ما لا يحلُّ من أموال النَّاس، أو يمنع النَّاس رفده (٣) ويأخذ رفدهم (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ) كذا (وَقَالَ) فلانٌ كذا، ممَّا يتحدَّث به من فضول الكلام (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) في العلم؛ للامتحان وإظهار المراء، أو مسألة أناسٍ أموالَهم، أو عمَّا لا يعني، وربَّما يكرهُ المسؤولُ الجوابَ، فيفضي
стр. 5098
إلى سكوته فيحقد عليهم (١)، أو يلتجئ إلى أن يكذب، وعُدَّ منه قول الرَّجل لصاحبه: أين كنت؟ وأمَّا المسائل المنهيُّ عنها في زمنه ﵊ فكان ذلك خوف (٢) أن يُفرَض عليهم ما لم يكن فرضًا، وقد أُمِنت الغائلة (وَ) كره أيضًا (إِضَاعَةَ المَالِ) السَّرف في إنفاقه؛ كالتَّوسُّع في الأطعمة اللَّذيذة، والملابس الحسنة، وتمويه الأواني والسُّقوف بالذَّهب والفضَّة؛ لما ينشأ عن ذلك من القسوة وغلظ الطَّبع، وقال سعيد بن جبيرٍ: إنفاقه في الحرام، والأقوى أنَّه ما أُنفِق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواءٌ كانت دينيَّةً أو دنيويَّةً، فمنع منه؛ لأنَّ الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك (٣) المصالح، إمَّا في حقِّ مضيِّعها، وإمَّا في حقِّ غيره، ويُستثنَى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البرِّ لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوِّت حقًّا أخرويًّا هو أهمُّ منه، والحاصل: أنَّ (٤) في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجهٍ، الأوَّل: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا، فلا شكَّ في منعه، والثَّاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا، فلا ريب في كونه مطلوبًا بالشَّرط المذكور، والثَّالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذِّ النَّفس، فهذا ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يكون على وجهٍ يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسرافٍ، والثَّاني: ما لا يليق به عرفًا، وهو ينقسم أيضًا إلى قسمين: ما يكون لدفع مفسدةٍ ناجزةٍ أو متوقَّعةٍ، فهذا ليس (٥) بإسرافٍ، والثَّاني: ما لا يكون في شيءٍ من ذلك، والجمهور: على أنَّه إسرافٌ، وذهب بعض الشَّافعيَّة: إلى أنَّه ليس بإسرافٍ، قال: لأنَّه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرضٌ صحيحٌ، وإذا كان في غير معصيةٍ فهو مباحٌ، قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قاله. انتهى. وقد صرَّح بالمنع القاضي حسينٌ، وتبعه الغزاليُّ، وجزم به الرَّافعيُّ، وصَحَّح في «باب الحجر» من الشَّرح، وفي «المُحرَّر»: أنَّه ليس بتبذيرٍ، وتبعه النَّوويُّ، والذي يترجَّح أنَّه ليس مذمومًا لذاته، لكنَّه يُفضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور (٦)، كسؤال النَّاس، وما أدَّى إلى المحذور فهو محذورٌ.
стр. 5099
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، ومنصورٌ وشيخه وشيخ شيخه تابعيُّون، وسبق في «باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٧٧].
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ).
٢٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَ) كلُّ راعٍ (مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) أصل راعٍ: «راعي» بالياء، فأُعِلَّ إعلال «قاضٍ»، من رعى يرعى، وهو حفظ الشَّيء وحسن التَّعهُّد له، والرَّاعي هو الحافظ المُؤتَمَن الملتزم صلاح ما قام عليه، فكلُّ من كان تحت نظره شيءٌ فهو مطلوبٌ بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلِّقاته، فإن وفى ما عليه من الرِّعاية حصل له الحظُّ الأوفر والجزاء الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كلُّ أحدٍ (١) من رعيَّته بحقِّه، ثمَّ فصَّل ما أجمله فقال: (فَالإِمَامُ) الأعظم أو نائبه (رَاعٍ) فيما استرعاه الله، فعليه حفظ رعيَّته فيما تعيَّن عليه من حفظ شرائعهم والذَّبِّ عنها، وعدم إهمال (٢) حدودهم أو (٣) تضييع حقوقهم، وترك حمايتهم ممَّن جار عليهم ومجاهدة عدوِّهم، فلا يتصرَّف فيهم
стр. 5100
إلَّا بإذن الله ورسوله، ولا يطلب أجره إلَّا من الله (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ) زوجته وغيرها (رَاعٍ) بالقيام عليهم بالحقِّ في النَّفقة وحسن العِشْرة (١) (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ) بحسن التَّدبير في أمر بيته والتَّعهُّد لخدمه (٢) وأضيافه (وَهْيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ) أي: العبد (فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ) بالقيام بحفظ ما في يده منه وخدمته، وسقط من (٣) رواية أبي ذرٍّ قوله «راع» (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ) ابن عمر: (فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ (٤) رَاعٍ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) قال الطِّيبيُّ: الفاء في «فكلُّكم» جواب شرطٍ محذوفٍ للفذلكة، وهي التي يأتي بها الحاسب (٥) بعد التَّفصيل، ويقول: فذلك (٦) كذا وكذا ضبطًا للحساب وتوقِّيًا عن الزِّيادة والنُّقصان فيما فصَّله، وقوله: «كلُّكم راعٍ» تشبيهٌ (٧) مُضمَر الأداة، أي: كلُّكم مثل الرَّاعي، «وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته» حالٌ عمل فيه معنى التَّشبيه، وهذا مطَّردٌ في التَّفصيل، ووجه التَّشبيه حفظ الشَّيء وحسن التَّعهُّد لما استُحفِظه، وهو القدر المشترك في التَّفصيل، وفيه: أنَّ الرَّاعيَ ليس مطلوبًا لذاته، وإنَّما أُقيم بحفظ ما استرعاه. انتهى. فمن لم يكن إمامًا ولا أهل له ولا سيِّد ولا أب فرعايته على أصدقائه وأصحاب معاشرته، وإذا كان كلٌّ منَّا راعيًا فَمَنِ الرَّعيَّة؟ أجاب (٨) الكِرمانيُّ: أعضاؤه وجوارحه وقواه وحواسُّه، أو الرَّاعي يكون مرعيًّا باعتبارٍ آخر (٩) ككونه مرعيًّا للإمام، راعيًا (١٠) لأهله، أو الخطاب خاصٌّ بأصحاب التَّصرُّفات.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الجمعة في القرى والمدن» من «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩٣].
стр. 5101
((٤٤)) (فِي الخُصُومَاتِ) جمع خصومةٍ (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله «في الخصومات».
(١) (باب مَا يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (فِي الإِشْخَاصِ) بكسر الهمزة وسكون الشِّين وبالخاء (١) المعجمتين، أي: إحضار الغريم من موضعٍ إلى موضعٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «والملازمة» وهي «مفاعلةٌ» من اللُّزوم، والمراد: أن يمنع الغريم غريمه من (٢) التَّصرُّف حتَّى يعطيه حقَّه (وَ) ما يُذكَر في (الخُصُومَةِ بَيْنَ المُسْلِمِ وَاليَهُودِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «واليهوديِّ» بالإفراد.
٢٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) الهلاليُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ الزَّرَّاد، بزايٍ فراءٍ مُشدَّدةٍ: (أَخْبَرَنِي) هو من تقديم الرَّاوي على الصِّيغة، وهو جائزٌ عندهم (قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ) بتشديد النَّون والزَّاي، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن سَبْرة» -بفتح السِّين المهملة وسكون المُوحَّدة- الهلاليَّ التَّابعيَّ الكبير، وذكره بعضهم في الصَّحابة لإدراكه، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا
стр. 5102
الحديث عن ابن مسعودٍ، وآخر في «الأشربة» [خ¦٥٦١٥] عن عليٍّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة»: لم أعرف اسمه، وقال في «الفتح»: يحتمل أن يُفسَّر بعمر ﵁ (قَرَأَ آيَةً) في «صحيح ابن حبَّان» أنَّها من سورة الرَّحمن (سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) زاد في روايته عن آدم بن أبي إياسٍ في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٦]: فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية (١) (فَقَالَ) ﵊: (كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ) فإن قلت: كيف يستقيم هذا القول مع إظهار الكراهية؟ أُجيب بأنَّ معنى الإحسان راجعٌ إلى ذلك الرَّجل لقراءته، وإلى ابن مسعودٍ لسماعه من رسول الله ﷺ ، ثمَّ تحرِّيه في الاحتياط (٢)، والكراهة راجعةٌ إلى جداله مع ذلك الرَّجل، كما فعل عمر بهشامٍ، كما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-؛ لأنَّ ذلك مسبوقٌ بالاختلاف، وكان الواجب عليه أن يقرَّه على قراءته، ثمَّ يسأل عن وجهها، وقال المظهريُّ: الاختلاف في القرآن غير جائزٍ؛ لأنَّ كلَّ لفظٍ منه إذا جاز قراءته على وجهين أو أكثر، فلو أنكر أحدٌ واحدًا (٣) من ذينك الوجهين أو الوجوه فقد أنكر القرآن، ولا يجوز في القرآن القول بالرَّأي؛ لأنَّ القرآن سُنَّةٌ متَّبعةٌ، بل عليهما أن يسألا عن ذلك ممَّن هو أعلم منهما (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج بالسَّند السَّابق: (أَظُنُّهُ قَالَ) ﷺ : (لَا تَخْتَلِفُوا) أي: في القرآن، وفي «معجم» البغويِّ عن أبي جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة: أنَّه ﷺ قال: «إنَّ هذا القرآن أُنزِل على سبعة أحرفٍ، فلا تماروا
стр. 5103
في القرآن؛ فإنَّ المراء فيه كفرٌ» (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا) وسقط لأبي الوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (١) لفظ «كان».
ومطابقة الحديث للتَّرجمة -قال العينيُّ- في قوله: «لا تختلفوا» لأنَّ الاختلاف الذي يورِّث الهلاك هو أشدُّ الخصومة، وقال الحافظ ابن حجرٍ في قوله: «فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ » قال: فإنَّه المناسب للتَّرجمة (٢). انتهى. فهو شاملٌ للخصومة، وللإشخاص الذي هو إحضار الغريم من موضعٍ إلى آخر، والله أعلم.
٢٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحات، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريُّ المدنيُّ نزيل بغداد، ثقةٌ حجَّةٌ، تُكلِّم فيه بلا قادحٍ، وأحاديثه عن الزُّهريِّ مستقيمةٌ (٣)، روى له الجماعة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجِ) كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ، رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، كما أخرجه سفيان بن عيينة في «جامعه»، وابن أبي الدُّنيا في «كتاب البعث»،
стр. 5104
لكن في «تفسير سورة الأعراف» [خ¦٤٦٣٨] من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ التَّصريحُ بأنَّه من الأنصار، فيحمل على تعدُّد القصَّة (وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) زعم ابن بشكوال: أنَّه فِنْحاص -بكسر الفاء وسكون النُّون وبمهملتين (١) - وعزاه لابن إسحاق، قال في «الفتح»: والذي ذكره ابن إسحاق (٢): لفِنْحاص مع أبي بكرٍ قصَّةٌ أخرى في نزول (٣) قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] (قَالَ المُسْلِمُ) أبو بكرٍ ﵁ أو غيره، ولأبي ذرٍّ: «فقال المسلم»: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ) وفي رواية عبد الله بن الفضل [خ¦٣٤١٤]: بينما يهوديٌّ يعرض سلعته أُعطِي بها شيئًا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر (فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند سماع قول اليهوديِّ: «والذي اصطفى موسى على العالمين» لما فهمه من عموم لفظ «العالمين»، فيدخل فيه النَّبيُّ ﷺ ، وقد تقرَّر عند المسلم: أنَّ محمَّدًا أفضل (فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ) عقوبةً له على كذبه عنده (فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ) وفي رواية عبد الله بن الفضل: فقال اليهوديُّ: يا أبا القاسم، إنَّ لي ذمَّةً وعهدًا، فما بال فلانٍ لطم وجهي؟ فقال: «لِم لطمت وجهه؟» فذكره، فغضب النَّبيُّ ﷺ حتَّى رُئِيَ في وجهه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) تخييرًا يؤدِّي إلى تنقيصه (٤)، أو تخييرًا يفضي بكم إلى الخصومة، أو قاله تواضعًا، أو قبل أن (٥) يعلم أنَّه سيِّد ولد آدم (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ) بفتح العين من «صعِق» بكسرها، إذا أُغمِي عليه من الفزع (يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) لم يبيِّن في رواية الزُّهريِّ محلَّ الإفاقة من أيِّ الصَّعقتين، ووقع في رواية عبد الله بن الفضل: «فإنَّه يُنفَخ في الصُّور فيُصعَق من في السَّموات، ومن في الأرض إلَّا من شاء الله، ثمَّ يُنفَخ فيه أخرى فأكون أوَّل من بُعِث» (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ) آخذٌ بناحيةٍ منه بقوَّةٍ (فَلَا أَدْرِي أَكَانَ) بهمزة
стр. 5105
الاستفهام، ولأبي الوقت (١): «كان» (فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي) فيكون ذلك له فضيلةً ظاهرةً (٢) (أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فلم يُصعَق، فهي فضيلةٌ أيضًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٧٢] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٧]، ومسلمٌ في «الفضائل»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت» (٣).
٢٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بينا» (رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌّ) قيل: اسمه فِنْحاص، كما مرَّ (فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (مَنْ؟ قَالَ) اليهوديُّ: ضربني (رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) سبق أنَّه أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، وهو مُعارَضٌ بقوله هنا: «من الأنصار»، فيُحمَل «الأنصار» على المعنى الأعمِّ، أو على التَّعدُّد (قَالَ) ﵊: (ادْعُوهُ) فدعوه فحضر (فَقَالَ) له ﵊: (أَضَرَبْتَهُ؟ قَالَ): نعم (سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «على النَّبيِّين» (قُلْتُ: أَيْ) حرف نداءٍ، أي: يا (خَبِيثُ) أصطفى موسى (عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؟) استفهامٌ إنكاريٌّ (فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ
стр. 5106
ضَرَبْتُ وَجْهَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) تخييرَ تنقيصٍ، وإلَّا، فالتَّفضيل بينهم ثابتٌ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] و ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ) أي: أوَّل من يخرج من قبره قبل النَّاس أجمعين من (١) الأنبياء وغيرهم (فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى) هو (٢) (آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ) أي: بعمودٍ من عمده (فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ) أي: فيمن غُشِي عليه من نفخة البعث فأفاق قبلي (أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ) الدَّار (الأُولَى) وهي صعقة الطُّور المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولا منافاة بين قوله في الحديث السَّابق [خ¦٢٤١١]: «أو كان ممَّن استثنى الله»، وبين قوله هنا: «أم حُوسِب بصعقة الأولى» لأنَّ المعنى: لا أدري أيَّ هذه الثَّلاثة كانت، من الإفاقة، أو الاستثناء، أو المحاسبة (٣).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله ﵊: «ادعوه»؛ فإنَّ المراد به إشخاصه بين يديه ﷺ .
والحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٣٨]، و «الدِّيات» [خ¦٦٩١٧] و «أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٣٣٩٨] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٧]، ومسلمٌ في «أحاديث الأنبياء»، وأبو داود في «السُّنَّة» مختصرًا: «لا تخيِّروا بين الأنبياء».
٢٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى بن دينارٍ البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ) بتشديد الضَّاد المعجمة،
стр. 5107
أي: دقَّ (رَأْسَ جَارِيَةٍ) لم تُسَمَّ هي ولا اليهوديُّ، نعم في رواية أبي داود: أنَّها كانت من الأنصار (بَيْنَ حَجَرَيْنِ) وعند الطَّحاويِّ: عدا (١) يهوديٌّ في عهد رسول الله ﷺ على جاريةٍ، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، وَرَضَخَ (٢) رأسها، والأوضاح نوعٌ من الحليِّ يُعمَل من الفضَّة، ولمسلمٍ: فرضخ رأسها بين حجرين، وللتِّرمذيِّ: خرجت جاريةٌ عليها أوضاحٌ، فأخذها يهوديٌّ فرضخ رأسها، وأخذ ما عليها من الحليِّ، قال: فأُدرِكت (٣) وبها رمقٌ، فأُتِي بها النَّبيُّ ﷺ (قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا) الرَّضَّ (بِكِ؟ أَفُلَانٌ) فَعَلهُ؟ استفهامٌ استخباريُّ (أَفُلَانٌ) (٤) فَعَلهُ؟ قاله مرَّتين، وفائدته: أن يُعرَف المتَّهم، ليُطالَب (حَتَّى سَمَّى) القائل (اليَهُودِيَّ) ولغير أبي ذرٍّ: «حتَّى سُمِّي» بضمِّ السِّين وكسر الميم مبنيًّا للمفعول «اليهوديُّ» بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (فَأَوْمَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فأومأت» بهمزةٍ بعد الميم، أي: أشارت (بِرَأْسِهَا) أي: نعم (فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة، و «اليهوديُّ» رَفعٌ (فَاعْتَرَفَ) أنَّه فعل بها ذلك (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) احتجَّ به (٥) المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور: على أنَّ من قَتَلَ بشيءٍ يُقتَل بمثله، وعلى أنَّ القصاص لا يختصُّ بالمُحدَّد، بل يثبت بالمُثقَّل خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: لا قصاص إلَّا في القتل بمُحدَّدٍ (٦)، وتمسَّك المالكيَّة بهذا الحديث لمذهبهم في ثبوت القتل على المتَّهم بمُجرَّد قول المجروح، وهو تمسُّكٌ باطلٌ؛ لأنَّ اليهوديَّ اعترف كما ترى (٧)، وإنَّما قُتِل باعترافه، قاله النَّوويُّ.
стр. 5108
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف (١) أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٦] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٧٦]، ومسلمٌ في «الحدود»، وابن ماجه في «الدِّيات».
(٢) (باب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ) السَّفه: ضدُّ الرُّشد الذي هو صلاح الدِّين والمال (وَ) أَمْرَ (الضَّعِيفِ العَقْلِ) وهو أعمُّ من السَّفيه (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ) وهذا مذهب ابن القاسم، وقَصَرَه (٢) أصبغُ على من ظهر سَفَهُه، وقال الشَّافعيَّة: لا يُرَدُّ مطلقًا إلَّا ما تصرَّف بعد الحجر.
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ رَدَّ عَلَى المُتَصَدِّقِ) المحتاج لما تصدَّق به (قَبْلَ النَّهْيِ، ثُمَّ نَهَاهُ) أي: عن مثل هذه الصَّدقة بعد ذلك، ومراده: ما رواه عبد بن حُمَيدٍ موصولًا في «مسنده» من طريق محمود بن لبيدٍ عن جابرٍ في قصَّة الذي أتى بمثل البيضة من ذهبٍ أصابها في معدنٍ، فقال: يا رسول الله، خذها منِّي صدقةً، فوالله ما لي مالٌ غيرها، فأعرض عنه، فأعاد، فحذفه بها، ثمَّ قال: «يأتي أحدكم بماله لا يملك غيره فيتصدَّق به، ثمَّ يقعد بعد ذلك يتكفَّف النَّاس، إنَّما الصَّدقة عن ظهر غنًى»، ورواه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة؛ كذا قاله ابن حجرٍ في «المقدِّمة»، وزاد في الشَّرح: ثمَّ ظهر لي أنَّ البخاريَّ إنَّما أراد قصَّة الذي دبَّر عبده فباعه النَّبيُّ ﷺ [خ¦٢٥٣٤] كما قاله عبد الحقِّ، وإنَّما لم يجزم، بل عبَّر بصيغة التَّمريض؛ لأنَّ القدر الذي يحتاج إليه في التَّرجمة ليس على شرطه، وهو من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ أنَّه قال: أعتق رجلٌ من بني عُذْرة عبدًا له عن دبرٍ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ألك مال غيره؟» فقال: لا … الحديث، وفيه: ثمَّ قال: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيءٌ فلأهلك … »
стр. 5109
الحديث، وهذه الزِّيادة تفرَّد بها أبو الزُّبير وليس هو من شرط البخاريِّ، والبخاريُّ (١) لا يجزم غالبًا إلَّا بما كان على شرطه (وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم ممَّا أخرجه ابن وهبٍ في «المُوطَّأ» عنه: (إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ) وهذا استنبطه من قصَّة المدبَّر السَّابقة.
(٣) (ومَنْ بَاعَ) بواو العطف على سابقه، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «باب من باع» (عَلَى الضَّعِيفِ) العقل (وَنَحْوِهِ) وهو السَّفيه (فَدَفَعَ) وللأبوين (٢): «ودفع» (ثَمَنَهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالإِصْلَاحِ وَالقِيَامِ بِشَأْنِهِ) وهذا حاصل ما فعله النَّبيُّ ﷺ في «بيع المُدبَّر» [خ¦٢٥٣٤] (فَإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ) بالضَّمِّ، أي: فإن أفسد الضَّعيفُ العقلِ بعد ذلك (مَنَعَهُ) من التَّصرُّف (لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) كما مرَّ قريبًا (وَقَالَ) ﵊ (لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي البَيْعِ) أي يُغبَن فيه: (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) كما مرَّ أيضًا (٣) [خ¦٢٤٠٧] (وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مَالَهُ) أي: مال الرَّجل الذي باع غلامه؛ لأنَّه لم يظهر عنده سفهه حقيقةً؛ إذ لو ظهر لَمنعه من أخذه.
٢٤١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ المروزيُّ ثمَّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ:
стр. 5110
سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) اسمه حَبَّان بن منقذٍ، الأنصاريُّ الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، المازنيُّ (يُخْدَعُ فِي البَيْعِ) وكان قد شُجَّ في بعض مغازيه مع النَّبيِّ ﷺ بحجرٍ من بعض الحصون، فأصابته في رأسه مأمومةٌ فتغيَّر بها لسانه وعقله، لكنَّه لم يخرج عن التَّمييز (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن شكا (١) إليه ما يلقى من الغبن: (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام، أي: لا خديعة (فَكَانَ يَقُولُهُ) وعند الدَّارقُطنيِّ: فجعل رسول الله ﷺ له الخيار فيما يشتريه ثلاثًا، فلو كان الغبن مثبتًا للخيار لَمَا احتاج إلى اشتراط الخيار ثلاثًا، ولا احتاج أيضًا إلى قوله: «لا خِلابة»، فهي واقعةُ عينٍ وحكايةُ حالٍ مخصوصة بصاحبها لا تتعدَّاه (٢) إلى غيره، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث أنسٍ: أنَّ رجلًا كان في عُقْدته (٣) ضعفٌ وكان يبايع، وأنَّ أهله أتوا النَّبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله احجر عليه، فدعاه النَّبيُّ ﷺ فنهاه، فقال: يا رسول الله إنِّي لا أصبر عن البيع، فقال: «إذا بايعت فقل: هاء ولا خِلابة»، واستدل به الشَّافعيُّ وأحمد على حجر السَّفيه الذي لا يُحسِن التَّصرُّف، ووجه ذلك أنَّه لمَّا طلب أهله إلى النَّبيِّ ﷺ الحجر عليه دعاه فنهاه عن البيع، وهذا هو الحجر، وقال التِّرمذيُّ: وفي الباب عن ابن عمر حديث أنسٍ، وحديثٌ (٤) حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وقالوا: يُحجَر على الرَّجل الحرِّ في البيع والشِّراء إذا كان ضعيف العقل، وهو قول أحمد وإسحاق، ولم ير بعضهم أن يُحجَر على الحرِّ البالغ. انتهى. وهو قول الحنفيَّة.
وسبق هذا الحديث في «باب ما يُكرَه من الخداع في البيع» في «كتاب البيوع» (٥) [خ¦٢١١٧].
стр. 5111
٢٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير -بالتَّصغير- التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا) من الصَّحابة يُسمَّى بأبي مذكورٍ (أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ) يُقال له: يعقوب (لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ) وأطلق العتق هنا وقيَّده في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٤٠٣] بقوله: «عن دبرٍ»، فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد جمعًا بين الحديثين (فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) تدبيرَه (فَابْتَاعَهُ مِنْهُ) أي: ابتاع العبد من النَّبيِّ ﷺ بثمان مئة درهمٍ (نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ) بنونٍ مفتوحةٍ وحاءٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ، وقوله: «ابن النَّحَّام» وقع كذلك في «مُسنَد أحمد» وفي «الصَّحيحين» وغيرهما، لكن قال النَّوويُّ: قالوا: وهو (١) غلطٌ، وصوابه: فاشتراه النَّحَّام، فإنَّ المشتري هو نُعَيمٌ؛ وهو النَّحَّام، سُمِّي بذلك لقول النَّبيِّ ﷺ : «دخلت الجنَّة فسمعت فيها نحمةً لنُعَيمٍ»، والنَّحمة: الصَّوت، وقيل: هو السَّعلة (٢)، وقيل: هو النَّحنحة. ونُعَيمٌ هذا قرشيٌّ من بني عديٍّ، أسلم قديمًا قبل إسلام عمر، وكان يكتم إسلامه، قال مصعبٌ الزُّبيريُّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنَّه لم يهاجر إلَّا قبيل فتح مكَّة؛ وذلك لأنَّه كان ينفق على أرامل بني عديٍّ وأيتامهم، فلمَّا أراد أن يهاجر قال له قومه: أقم ودِنْ بأيِّ دينٍ شئت، وقال الزُّبير: ذكروا أنَّه لمَّا قدم المدينة قال له النَّبيُّ ﷺ : «يا نُعَيمُ؛ إنَّ قومك كانوا خيرًا لك من قومي»، قال: بل قومك خيرٌ يا رسول الله، قال: «إنَّ قومي أخرجوني، وإنَّ قومك أقرُّوك» (٣) فقال نُعَيمٌ: يا رسول الله، إنَّ قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإنَّ قومي حبسوني عنها. انتهى. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين التَّرجمة وما ساقه معها؟ فالجواب ما قاله ابن المنيِّر، وهو أنَّ العلماء اختلفوا في سفيه الحال قبل الحكم هل تُرَدُّ عقوده؟ واختلف قول مالكٍ في ذلك، واختار البخاريُّ ردَّها، واستدلَّ بحديث المُدبَّر، وذكر قول مالكٍ في ردِّ عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدَّين بماله، ويلزم مالكًا ردُّ أفعال سفيه الحال؛ لأنَّ الحجر في المديان والسَّفيه مطَّردٌ، ثمَّ فهم البخاريُّ أنَّه يردُّ (٤) عليه حديث الذي يُخدَع، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ اطَّلع
стр. 5112
على أنَّه يُخدَع، وأمضى أفعاله الماضية والمستقبلة، فنبَّه على أنَّ الذي تُرَدُّ أفعاله هو الظَّاهرُ السَّفهِ البيِّنُ الإضاعةِ؛ كإضاعة صاحب المُدبَّر، وأنَّ المخدوع في البيوع يمكنه الاحتراز، وقد نبَّهه (١) الرَّسول على ذلك، ثمَّ فهم أنَّه يردُّ عليه كون النَّبيِّ ﷺ أعطى صاحب المُدبَّر ثمنه، ولو كان بيعه لأجل السَّفه؛ لَمَا سلَّم إليه الثَّمن، فنبَّه على أنَّه إنَّما أعطاه بعد أن أعلمه طريق الرُّشد، وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه، وما كان السَّفه حينئذٍ فسقًا، وإنَّما كان لشيءٍ من الغفلة، وعدم البصيرة بمواقع المصالح، فلمَّا بيَّنها كفاه ذلك، ولو ظهر للنَّبيِّ ﷺ بعد ذلك أنَّه لم يهتد ولم يرشد؛ لمنعه التَّصرُّفَ مطلقًا وحجر عليه.
(٤) (باب كَلَامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ) أي (٢): فيما لا يوجب حدًّا ولا تعزيرًا.
٢٤١٦ - ٢٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ كما ذكره أبو نعيمٍ وخلفٌ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالخاء المعجمة والزَّاي- الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ، هو ابن سلمة، الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ:
стр. 5113
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمينٍ، أو على شيءٍ بيمينٍ (وَهْوَ فِيهَا) أي: والحال أنَّه فيها (فَاجِرٌ) كاذبٌ (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) أي: باليمين الفاجرة (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب، كما جرى على الغالب في تقييده بمالٍ، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم (١)، ولا بين المال وغيره في ذلك؛ لأنَّ الحقوق (٢) كلَّها في ذلك (٣) سواءٌ، ومعنى اقتطاعه المال: أن يأخذه بغير حقِّه، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشَّرع (لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، والغضب من المخلوقين شيءٌ يداخل قلوبهم، ولا يليق أن يُوصَف الباري تعالى بذلك، فيؤَوَّل ذلك على ما يليق به تعالى، فيُحمَل على آثاره ولوازمه، فيكون المراد: أن يعامله معاملة المغضوب عليه، فيعذِّبه بما شاء من أنواع العذاب (قَالَ (٤): فَقَالَ الأَشْعَثُ) ابن قيسٍ الكنديُّ: (فِيَّ -وَاللهِ- كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ) اسمه الجَفْشِيش (٥)، بالجيم المفتوحة والشِّينين المعجمتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ على الأشهر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كان بين رجل وبيني» (أَرْضٌ) ولـ «مسلمٍ»: أرضٌ باليمن، وفي «باب الخصومة في البئر» [خ¦٢٣٥٦]: كانت لي بئرٌ في أرضٍ (فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) أي: تشهد لك باستحقاقك ما ادَّعيته؟ قال الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنةَ لي (قَالَ: فَقَالَ) ﵊ (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ، قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي) بنصب «يذهبَ» عطفًا على سابقه، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه نسبه إلى الحلف الكاذب؛ لأنَّه أخبر بما كان يعلمه منه (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرَّسول (٦) والوفاء بالأمانات (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) في سورة آل عمران [الآية: ٧٧]،
стр. 5114
﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ أي: بما يسرُّهم (١) ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقيل: نزلت في أحبارٍ حرَّفوا التَّوراة، وبدَّلوا نعت (٢) محمَّدٍ ﷺ وحكم الأمانات وغيرهما (٣)، وأخذوا على ذلك رشوةً، وقيل: نزلت في رجلٍ أقام سلعةً في السُّوق، فحلف لقد اشتراها بما لم يشتر به.
وقد سبق هذا (٤) الحديث في «المساقاة» [خ¦٢٣٥٦].
٢٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ -بفتح النُّون- قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ابن فارسٍ العبديُّ البصريُّ، وأصله من بخارى قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (يُونُسُ) بن يزيد، الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ) أبيه (كَعْبٍ ﵁: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بفتح الحاء وسكون الدَّال المهملتين ثمَّ راءٍ مفتوحةٍ ثمَّ دالٍ مُهمَلةٍ، قال الجوهريُّ: ولم يأتِ من الأسماء على «فعلع» بتكرير العين غير «حَدْرَدٍ»، واسمه عبد الله الأسلميّ (دَيْنًا) وعند الطَّبرانيِّ: أنَّه كان أوقيتين (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ) متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (٥) (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا) أي: الأصواتَ (رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 5115
وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) بكسر السِّين المهملة وسكون الجيم وبالفاء، أي: سترها، أو هو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) ﷺ : (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﵊: (ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، فَأَوْمَأَ) بالفاء، أي: أشار، ولأبي ذرٍّ: «وأومأ» (إِلَيْهِ، أَي): ضع (الشَّطْرَ) أي: ضع النِّصف (قَالَ) كعبٌ: (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) عبَّر بالماضي مبالغةً في امتثال الأمر (قَالَ) ﵊ لابن أبي حدردٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) الشَّطر الآخر، ومطابقة التَّرجمة في قوله: «فارتفعت أصواتهما» مع قوله في بعض طرق الحديث: «فتلاحيا»، فإنَّ ذلك يدلُّ على أنَّه وقع بينهما ما يقتضي ذلك.
وهذا الحديث قد سبق في «باب التَّقاضي والملازمة في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥٧].
٢٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ، الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر) بن العوَّامِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بالتَّنوين، غير مضافٍ لشيءٍ (القَارِيِّ) بتشديد التَّحتيَّة، نسبةً (١) إلى القارة، بطنٌ من خزيمة بن مدركة، وليس منسوبًا إلى القراءة، وكان عبد الرَّحمن هذا من كبار التَّابعين، وذُكِر في الصَّحابة لكونه أُتي به النَّبيّ ﷺ وهو صغيرٌ، كما (٢) أخرجه البغويُّ في «مُعجَم الصَّحابة» بإسنادٍ (٣) لا بأس به (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، الأسديَّ، وله ولأبيه صحبةٌ، وأسلما يوم