← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

٢٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير -بالتَّصغير- التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا) من الصَّحابة يُسمَّى بأبي مذكورٍ (أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ) يُقال له: يعقوب (لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ) وأطلق العتق هنا وقيَّده في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٤٠٣] بقوله: «عن دبرٍ»، فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد جمعًا بين الحديثين (فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) تدبيرَه (فَابْتَاعَهُ مِنْهُ) أي: ابتاع العبد من النَّبيِّ ﷺ بثمان مئة درهمٍ (نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ) بنونٍ مفتوحةٍ وحاءٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ، وقوله: «ابن النَّحَّام» وقع كذلك في «مُسنَد أحمد» وفي «الصَّحيحين» وغيرهما، لكن قال النَّوويُّ: قالوا: وهو (١) غلطٌ، وصوابه: فاشتراه النَّحَّام، فإنَّ المشتري هو نُعَيمٌ؛ وهو النَّحَّام، سُمِّي بذلك لقول النَّبيِّ ﷺ : «دخلت الجنَّة فسمعت فيها نحمةً لنُعَيمٍ»، والنَّحمة: الصَّوت، وقيل: هو السَّعلة (٢)، وقيل: هو النَّحنحة. ونُعَيمٌ هذا قرشيٌّ من بني عديٍّ، أسلم قديمًا قبل إسلام عمر، وكان يكتم إسلامه، قال مصعبٌ الزُّبيريُّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنَّه لم يهاجر إلَّا قبيل فتح مكَّة؛ وذلك لأنَّه كان ينفق على أرامل بني عديٍّ وأيتامهم، فلمَّا أراد أن يهاجر قال له قومه: أقم ودِنْ بأيِّ دينٍ شئت، وقال الزُّبير: ذكروا أنَّه لمَّا قدم المدينة قال له النَّبيُّ ﷺ : «يا نُعَيمُ؛ إنَّ قومك كانوا خيرًا لك من قومي»، قال: بل قومك خيرٌ يا رسول الله، قال: «إنَّ قومي أخرجوني، وإنَّ قومك أقرُّوك» (٣) فقال نُعَيمٌ: يا رسول الله، إنَّ قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإنَّ قومي حبسوني عنها. انتهى. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين التَّرجمة وما ساقه معها؟ فالجواب ما قاله ابن المنيِّر، وهو أنَّ العلماء اختلفوا في سفيه الحال قبل الحكم هل تُرَدُّ عقوده؟ واختلف قول مالكٍ في ذلك، واختار البخاريُّ ردَّها، واستدلَّ بحديث المُدبَّر، وذكر قول مالكٍ في ردِّ عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدَّين بماله، ويلزم مالكًا ردُّ أفعال سفيه الحال؛ لأنَّ الحجر في المديان والسَّفيه مطَّردٌ، ثمَّ فهم البخاريُّ أنَّه يردُّ (٤) عليه حديث الذي يُخدَع، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ اطَّلع

стр. 5112

على أنَّه يُخدَع، وأمضى أفعاله الماضية والمستقبلة، فنبَّه على أنَّ الذي تُرَدُّ أفعاله هو الظَّاهرُ السَّفهِ البيِّنُ الإضاعةِ؛ كإضاعة صاحب المُدبَّر، وأنَّ المخدوع في البيوع يمكنه الاحتراز، وقد نبَّهه (١) الرَّسول على ذلك، ثمَّ فهم أنَّه يردُّ عليه كون النَّبيِّ ﷺ أعطى صاحب المُدبَّر ثمنه، ولو كان بيعه لأجل السَّفه؛ لَمَا سلَّم إليه الثَّمن، فنبَّه على أنَّه إنَّما أعطاه بعد أن أعلمه طريق الرُّشد، وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه، وما كان السَّفه حينئذٍ فسقًا، وإنَّما كان لشيءٍ من الغفلة، وعدم البصيرة بمواقع المصالح، فلمَّا بيَّنها كفاه ذلك، ولو ظهر للنَّبيِّ ﷺ بعد ذلك أنَّه لم يهتد ولم يرشد؛ لمنعه التَّصرُّفَ مطلقًا وحجر عليه. (٤) (باب كَلَامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ) أي (٢): فيما لا يوجب حدًّا ولا تعزيرًا. ٢٤١٦ - ٢٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ كما ذكره أبو نعيمٍ وخلفٌ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالخاء المعجمة والزَّاي- الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ، هو ابن سلمة، الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ:

стр. 5113

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمينٍ، أو على شيءٍ بيمينٍ (وَهْوَ فِيهَا) أي: والحال أنَّه فيها (فَاجِرٌ) كاذبٌ (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) أي: باليمين الفاجرة (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب، كما جرى على الغالب في تقييده بمالٍ، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم (١)، ولا بين المال وغيره في ذلك؛ لأنَّ الحقوق (٢) كلَّها في ذلك (٣) سواءٌ، ومعنى اقتطاعه المال: أن يأخذه بغير حقِّه، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشَّرع (لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، والغضب من المخلوقين شيءٌ يداخل قلوبهم، ولا يليق أن يُوصَف الباري تعالى بذلك، فيؤَوَّل ذلك على ما يليق به تعالى، فيُحمَل على آثاره ولوازمه، فيكون المراد: أن يعامله معاملة المغضوب عليه، فيعذِّبه بما شاء من أنواع العذاب (قَالَ (٤): فَقَالَ الأَشْعَثُ) ابن قيسٍ الكنديُّ: (فِيَّ -وَاللهِ- كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ) اسمه الجَفْشِيش (٥)، بالجيم المفتوحة والشِّينين المعجمتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ على الأشهر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كان بين رجل وبيني» (أَرْضٌ) ولـ «مسلمٍ»: أرضٌ باليمن، وفي «باب الخصومة في البئر» [خ¦٢٣٥٦]: كانت لي بئرٌ في أرضٍ (فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) أي: تشهد لك باستحقاقك ما ادَّعيته؟ قال الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنةَ لي (قَالَ: فَقَالَ) ﵊ (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ، قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي) بنصب «يذهبَ» عطفًا على سابقه، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه نسبه إلى الحلف الكاذب؛ لأنَّه أخبر بما كان يعلمه منه (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرَّسول (٦) والوفاء بالأمانات (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) في سورة آل عمران [الآية: ٧٧]،

стр. 5114

﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ أي: بما يسرُّهم (١) ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقيل: نزلت في أحبارٍ حرَّفوا التَّوراة، وبدَّلوا نعت (٢) محمَّدٍ ﷺ وحكم الأمانات وغيرهما (٣)، وأخذوا على ذلك رشوةً، وقيل: نزلت في رجلٍ أقام سلعةً في السُّوق، فحلف لقد اشتراها بما لم يشتر به. وقد سبق هذا (٤) الحديث في «المساقاة» [خ¦٢٣٥٦]. ٢٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ -بفتح النُّون- قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ابن فارسٍ العبديُّ البصريُّ، وأصله من بخارى قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (يُونُسُ) بن يزيد، الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ) أبيه (كَعْبٍ ﵁: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بفتح الحاء وسكون الدَّال المهملتين ثمَّ راءٍ مفتوحةٍ ثمَّ دالٍ مُهمَلةٍ، قال الجوهريُّ: ولم يأتِ من الأسماء على «فعلع» بتكرير العين غير «حَدْرَدٍ»، واسمه عبد الله الأسلميّ (دَيْنًا) وعند الطَّبرانيِّ: أنَّه كان أوقيتين (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ) متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (٥) (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا) أي: الأصواتَ (رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 5115

وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) بكسر السِّين المهملة وسكون الجيم وبالفاء، أي: سترها، أو هو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) ﷺ : (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﵊: (ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، فَأَوْمَأَ) بالفاء، أي: أشار، ولأبي ذرٍّ: «وأومأ» (إِلَيْهِ، أَي): ضع (الشَّطْرَ) أي: ضع النِّصف (قَالَ) كعبٌ: (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) عبَّر بالماضي مبالغةً في امتثال الأمر (قَالَ) ﵊ لابن أبي حدردٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) الشَّطر الآخر، ومطابقة التَّرجمة في قوله: «فارتفعت أصواتهما» مع قوله في بعض طرق الحديث: «فتلاحيا»، فإنَّ ذلك يدلُّ على أنَّه وقع بينهما ما يقتضي ذلك. وهذا الحديث قد سبق في «باب التَّقاضي والملازمة في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥٧]. ٢٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ، الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر) بن العوَّامِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بالتَّنوين، غير مضافٍ لشيءٍ (القَارِيِّ) بتشديد التَّحتيَّة، نسبةً (١) إلى القارة، بطنٌ من خزيمة بن مدركة، وليس منسوبًا إلى القراءة، وكان عبد الرَّحمن هذا من كبار التَّابعين، وذُكِر في الصَّحابة لكونه أُتي به النَّبيّ ﷺ وهو صغيرٌ، كما (٢) أخرجه البغويُّ في «مُعجَم الصَّحابة» بإسنادٍ (٣) لا بأس به (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، الأسديَّ، وله ولأبيه صحبةٌ، وأسلما يوم

стр. 5116

الفتح (يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ) وغلط من قال: «سورة الأحزاب» (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الجيم، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: «أن أُعَجِّل عليه» بضمِّ الهمزة وفتح العين وتشديد الجيم المكسورة، أي: أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه (ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ) قال العينيُّ كالكِرمانيِّ: أي: من القراءة. انتهى. وفيه نظرٌ؛ فإنَّ في «الفضائل» في «باب أُنزِل القرآن على سبعة أحرفٍ» [خ¦٤٩٩٢] من رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ: فكدت أُساوره في الصَّلاة، فتصبَّرت حتَّى سلَّم، فيكون المراد هنا: حتَّى انصرف من الصَّلاة (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ) بتشديد المُوحَّدة الأولى وسكون الثَّانية (بِرِدَائِهِ) (١) جعلته في عنقه وجررته به؛ لئلَّا ينفلت، وإنَّما فعل ذلك به (٢) اعتناءً بالقرآن، وذبًّا عنه، ومحافظةً على لفظه (٣) كما سمعه من غير عدول إلى ما تجوِّزه العربيَّة، مع ما كان عليه من الشِّدَّة في الأمر بالمعروف (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬)، وفي رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ: فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ (فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ) زاد عُقَيلٌ: سورة الفرقان (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ) ﵊ (لِي: أَرْسِلْهُ) أي: أطلق هشامًا؛ لأنَّه كان ممسوكًا معه (٤) (ثُمَّ قَالَ) ﵊ (لَهُ) أي: لهشامٍ: (اقْرَأْ، فَقَرَأَ) زاد عُقَيلٌ: القراءة التي سمعته يقرأ (قَالَ) ﵊: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ) قال عمر: (ثُمَّ قَالَ) ﵊ (لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُ) كما أقرأني (فَقَالَ) ﵊: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ) ثمَّ قال ﵊ تطييبًا لعمر؛ لئلَّا ينكر تصويب الشَّيئين المختلفين: (إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي: أوجهٍ من الاختلاف، وذلك إمَّا في الحركات (٥) بلا تغييرٍ في المعنى والصُّورة، نحو: البُخْلِ (٦) والبَخَلِ (٧) ويُحسَب بوجهين، أو بتغييرٍ في المعنى فقط، نحو:

стр. 5117

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] و (أَمَهٍ) (١)، وإما في الحروف بتغيير المعنى لا الصُّورة نحو: ﴿تَتْلُوا﴾ و ﴿تَبْلُو ا﴾ [يونس: ٣٠] و ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] و ﴿نُنجِيكَ بِبَدَنِكَ﴾ (٢) [يونس: ٩٢] أو عكس ذلك نحو: ﴿بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧] و ﴿بَصطَةً﴾، [البقرة: ٢٤٧] و ﴿السِّرَاطَ﴾ و ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] أو بتغييرهما نحو: ﴿أَشَدَّ مِنكُمْ﴾ و ﴿مِنْهُمْ﴾ [غافر: ٢١] و ﴿يَأْتَلِ﴾ و ﴿يتألَّ﴾ [النور: ٢٢] و (فامضوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩] وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] (وجاءت سكرة الحق بالموت (٣)) [ق: ١٩] أو في الزِّيادة والنُّقصان نحو: ﴿وَأوَصَّى﴾ و ﴿وَصَّى﴾ [البقرة: ١٣٢] و ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [الليل: ٣] فهذا ما يرجع إليه صحيح القراءات وشاذِّها، وضعيفها ومُنكَرها، لا يخرج شيءٌ عنه، وأمَّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام والرَّوم والإشمام ممَّا يُعبَّر عنه بالأصول، فليس من الاختلاف الذي يتنوَّع فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذه الصِّفات المتنوِّعة في أدائه لا تُخرِجه عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرِض فيكون من الأوَّل، ويأتي -إن شاء الله تعالى بعونه سبحانه- مزيدٌ لذلك في «فضائل القرآن»، وفي كتابي الذي جمعته في «فنون القراءات الأربعة عشر» من ذلك ما يكفي ويشفي (فَاقْرَؤُوْا مِنْهُ) أي: من المُنزَّل بالسَّبعة (مَا تَيَسَّرَ) فيه إشارةٌ إلى الحكمة في التَّعدُّد، وأنَّه للتَّيسير على القارئ، ولم يقع في شيءٍ من الطُّرق فيما علمت تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشامٌ من سورة الفرقان، نعم يأتي -إن شاء الله تعالى- ما اختُلِف في ذلك من دون الصَّحابة، فمن بعدهم في هذه السُّورة في «باب الفضائل» [خ¦٤٩٩٢] والغرض من الحديث هنا قوله: «ثمَّ لبَّبته بردائه»، ففيه مع إنكاره عليه بالقول إنكاره عليه (٤) بالفعل. وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٢] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٠] وفي «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٣٦]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا أبو داود، وأخرجه التِّرمذيُّ في «القراءة»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» وفي «فضائل القرآن».

стр. 5118

(٥) (باب إِخْرَاجِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالخُصُومِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ) أي: بأحوالهم على سبيل التَّأديب لهم (وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ أمَّ فروة من بيتها (حِينَ نَاحَتْ) لمَّا تُوفِّي أبو بكرٍ أخوها، وعلاها بالدِّرَّة ضرباتٍ فتفرَّق النَّوائح حين سمعن ذلك، كما وصله ابن سعدٍ في «الطَّبقات» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق الزُّهريِّ عن سعيد بن المُسيَّب. ٢٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، ابن عثمان العبديُّ البصريُّ، أبو بكرٍ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه إبراهيم، البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن (١) عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ ﵁ (عَنْ) عمِّه (حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ) أي: قصدت (أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب بـ «أن»، و «أل» في «الصَّلاة» للعهد، ففي روايةٍ: أنَّها العشاء، وفي أخرى: الفجر، وفي أخرى: الجمعة، أو للجنس فهو عامٌّ، وفي روايةٍ: «يتخلَّفون عن الصَّلاة» مطلقًا، فيُحمَل على التَّعدُّد (ثُمَّ أُخَالِفَ) أي: آتي (إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ) في الجماعة (فَأُحَرِّقَ) بالتَّشديد (عَلَيْهِمْ) أي: بيوتهم، كما في الأخرى [خ¦٦٤٤] وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّه إذا أحرقها عليهم بادروا بالخروج منها. وسبق هذا الحديث في «باب وجوب صلاة الجماعة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٤٤]. (٦) (باب دَعْوَى الوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ) أي: عنه في الاستلحاق وغيره من الحقوق.

стр. 5119

٢٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ عَبْدَ (١) بْنَ زَمْعَةَ) بسكون الميم (٢)، ولأبي ذرٍّ: «زَمَعة (٣)» بفتحها (وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) أخا عتبة بن أبي وقَّاصٍ لأبيه، واسم أبي وقَّاصٍ مالكُ بن أُهَيبٍ (اخْتَصَمَا) عام الفتح (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ) أي: جاريته، واسمُ ابنها عبدُ الرَّحمن الصَّحابيُّ (فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصَانِي أَخِي) عتبة (إِذَا قَدِمْتُ) بتاء المتكلِّم، أي: مكَّة، ولأبي ذرٍّ: «إذا قدمتَ» بتاء الخطاب (أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ) بسكون النُّون وقطع همزة «أنظر»، أو بوصل الهمزة فتُكسَر النُّون والرَّاء (فَاقْبِضْهُ) بهمزة الوصل والجزم على الأمر، ولأبي ذرٍّ: «فأقبضَه» بهمزة قطعٍ وفتح الضَّاد (٤) (فَإِنَّهُ ابْنِي) أي: لكونه وطئها (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ): هو (أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زمعة (فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) في عبد الرَّحمن الابن (٥) المُتنازَع فيه (شَبَهًا بَيِّنًا) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «بعتبة» (فَقَالَ) ﵊: (هُوَ) أي: الولد (لَكَ) أي: أخوك (يَا عَبْدَُ بْنَ زَمْعَةَ) برفع «عبدَُ» ونصبه، ونصب «ابن» كذا في الفرع، وقال البرماويُّ: ينبغي أن يقرأ برفع

стр. 5120

«عبد» فقط؛ لأنَّه (١) علمٌ، ونصب «ابن» دائمًا على الأكثر، فقد قال في «التَّسهيل»: فربَّما ضمَّ «ابن» إتباعًا (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبه، زاد في الأخرى [خ¦٢٠٥٣]: و «للعاهر الحَجَر» (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من الولد (يَا سَوْدَةُ) قطعًا للذَّريعة بعد حكمه بالظَّاهر، فكأنَّه حكم بحكمين حكم ظاهرٍ وهو الولد للفراش، وباطنٍ وهو الاحتجاب لأجل الشَّبه، وللرَّجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها. وهذا الحديث سبق في أوائل «البيوع» [خ¦٢٠٥٣] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الفرائض» [خ¦٦٧٤٩]. (٧) (باب) مشروعيَّة (التَّوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ) بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الرَّاء، أي: فساده (وَقَيَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن سعدٍ في «الطَّبقات» وأبو نعيمٍ في «الحلية» (عِكْرِمَةَ) مولاه (عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالفَرَائِضِ).

стр. 5121

٢٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا) أي: ركبانًا (قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة نجدٍ ومقابلها، وكان أميرهم محمَّد بن مسلمة أرسله ﵊ في ثلاثين راكبًا إلى القُرْطاء (١) سنة ستٍّ، قاله ابن إسحاق، وقال سيفٌ في «الفتوح» له: كان أميرها العبَّاس بن عبد المطَّلب، وهو الذي أسر ثمامة (فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميم وبعد الألف ميمٌ أخرى مفتوحةٌ، و «أُثال»: بضمِّ الهمزة وتخفيف المُثلَّثة وبعد الألف لامٌ (سَيِّدُ أَهْلِ اليَمَامَةِ) بتخفيف الميمين: مدينةٌ من اليمن على مرحلتين من الطَّائف (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) للتَّوثُّق خوفًا من معرَّته، وهذا موضع التَّرجمة، وقد كان شريحٌ القاضي إذا قضى على رجلٍ أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطى حقَّه وإلَّا أمر به إلى السِّجن (فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال»: (مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ) وفي «صحيح ابن خزيمة»: أنَّ ثمامة أُسِر، فكان النَّبيُّ ﷺ يغدو إليه، فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: إن تَقْتُلْ تقتلْ ذا دمٍ، وإن تَمُنَّ تَمنَّ على شاكرٍ، وإن تُرِدِ المال نعطِك منه ما شئت (فَذَكَرَ الحَدِيثَ) بتمامه كما سيأتي (٢) -إن شاء الله تعالى- في «المغازي» [خ¦٤٣٧٢] (قَالَ) ﵊، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال»: (أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) أي: بعد أن أسلم، كما قد صرَّح به في بقيَّة (٣) حديث ابن خزيمة السَّابق، ولفظه: فمرَّ ﷺ يومًا فأسلم فحلَّه، وهو يردُّ على ظاهر قول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: أسره رسول الله ﷺ ، ثمَّ أطلقه فأسلم، بفاء التَّعقيب المقتضية لتأخُّر إسلامه عن حَلِّه (٤).

стр. 5122

وقد سبق الحديث في «باب الاغتسال إذا أَسْلَم، وربطِ الأسير أيضًا في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» (١) [خ¦٤٦٢] ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٧٢]. (٨) (باب الرَّبْطِ وَالحَبْسِ) للغريم (فِي الحَرَمِ، وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ) الخزاعيُّ، وكان من فضلاء الصَّحابة، وكان من جملة عمَّال عمر، واستعمله على مكَّة (دَارًا لِلسَّجْنِ بِمَكَّةَ) بفتح السِّين، مصدر: «سجَن يسجُن» من «باب نصَر ينصُر» سَجنًا، بالفتح (مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) الجمحيِّ المكِّيِّ الصَّحابيِّ (عَلَى أَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁، بفتح الهمزة وتشديد النُّون (إِنْ رَضِيَ) بكسر الهمزة وتسكين (٢) النُّون، ولأبي ذرٍّ: «على إِنْ عُمَرُ رضي» بكسر الهمزة وسكون (٣) النُّون، أدخل «على» على «إن» الشَّرطيَّة نظرًا إلى المعنى، كأنَّه قال: على هذا الشَّرط: (فالبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ) بالابتياع المذكور (فَلِصَفْوَانَ) في مقابلة الانتفاع إلى أن يعود الجواب من عمر (أَرْبَعُ مِئَةٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «دينارٍ (٤)»، واستُشكِل: بأنَّ البيع بمثل هذا الشَّرط فاسدٌ، وأُجيب بأنَّه لم يدخل الشَّرط في نفس العقد، بل هو وعدٌ وهو يقتضيه العقد، أو بيعٌ بشرط الخيار لعمر بعد أن أوقع العقد له، كما صرَّح به في رواية عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة والبيهقيِّ، حيث ذكروه موصولًا من طرقٍ عن (٥) عمرو بن دينارٍ عن عبد الرَّحمن بن فَرُّوخٍ به، قال في «الفتح»: ووجَّهه ابن المنيِّر: بأنَّ العهدة في ثمن البيع على المشتري وإن ذكر أنَّه يشتري لغيره، لأنَّه المباشر للعقد، قال: وكأنَّ ابن المنيِّر وقف مع ظاهر اللَّفظ، ولم ير سياقه تامًّا فظنَّ أنَّ الأربع مئةٍ هي الثَّمن الذي اشترى به نافعٌ، وليس

стр. 5123

كذلك، وإنَّما كان الثَّمن أربعة آلافٍ. انتهى. وقال العينيُّ: يحتمل أن تكون هذه الأربعةُ آلافٍ دراهمَ أو دنانيرَ، لكنَّ الظَّاهر الدَّراهم، وكانت من بيت المال، وبعيدٌ أنَّ عمر ﵁ كان يشتري دارًا للسَّجن بأربعة آلاف دينارٍ لشدَّة احترازه على بيت المال. انتهى. وليُنظَر قوله في رواية أبي ذرٍّ: «أربع مئة دينارٍ» (وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، أي: المديون (بِمَكَّةَ) أيَّام ولايته عليها، وهذا وصله ابن سعدٍ من طريقٍ ضعيفٍ، وكذا وصله خليفة بن خيَّاطٍ في «تاريخه» وأبو الفرج الأصبهانيُّ في كتابه (١) «الأغاني». ٢٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا) فرسانًا (قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) وهذا الحديث قد سبق في الباب المتقدِّم بأتمَّ منه [خ¦٢٤٢٢] وقد أشار (٢) المؤلِّف بما (٣) ساقه هنا إلى ردِّ ما رواه ابن أبي شيبة من طريق قيس بن سعدٍ عن طاوسٍ: أنَّه كان يكره السَّجن بمكَّة ويقول: إنَّه لا ينبغي لبيت عذابٍ أن يكون في بيت رحمةٍ، فأراد المؤلِّف (٤) ﵀ أن يعارضه بأثر عمر وابن الزُّبير وصفوان ونافعٍ، وهم من الصَّحابة، وقوَّى ذلك بقصَّة ثُمَامة، وقد رُبِط في مسجد المدينة، وهو أيضًا حرمٌ، فلم يَمْنَعْ ذلك من الرَّبط فيه، قاله في «فتح الباري»، والله أعلم (٥).

стр. 5124

(٩) (باب المُلَازَمَةِ بسم الله الرحمن الرحيم) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «في الملازمة» كذا في فرع (١) «اليونينيَّة»، ونسب في «الفتح» ثبوت البسملة قبل التَّرجمة لرواية الأَصيليِّ وكريمة، وسقوطها للباقين. ٢٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) ولأبي ذرٍّ: «عن جعفرٍ» (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير يحيى ابن بكيرٍ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ من طريق شعيب بن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) قال العينيُّ: والفرق بين الطَّريقين أنَّ الأوَّل رُوِي بـ «عن»، والثَّاني بـ «حدَّثني». انتهى. وهذا الذي قاله إنَّما يتأتَّى على رواية أبي ذرٍّ، أمَّا على رواية الآخرين فلا (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن عبد الله» (٢) (بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ) أبيه (كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ) وكان أوقيتين، كما عند الطَّبرانيِّ (فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ) أي: فلزم كعبُ بن مالكٍ ابنَ أبي حدردٍ (فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) وكعبٌ ملازِمُه، ولم ينكر عليه ذلك (فَقَالَ) ﵊: (يَا كَعْبُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ) له: ضع (النِّصْفَ) من دَينك (فَأَخَذَ) كعبٌ (نِصْفَ مَا) له (عَلَيْهِ وَتَرَكَ) له (نِصْفًا) وقد سبق هذا الحديث غير مرَّةٍ [خ¦٤٥٧] [خ¦٢٤١٨].

стр. 5125

(١٠) (باب التَّقَاضِي) للدَّين، أي: المُطالَبة به. ٢٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ (١) بْنُ جَرِيرِ) بفتح الجيم (٢) (بْنِ حَازِمٍ) الأزديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع (عَنْ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة وبعد الألف مُوحَّدةً أخرى، ابن الأرتِّ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا) أي: حدَّادًا (فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ) وفي روايةٍ: «وكانت» (لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِمُ) أجرة (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي: أطلب منه دراهمي (فَقَالَ) أي: العاص لي: (لَا أَقْضِيكَ) دراهمك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ، لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ) خاطبه على اعتقاده أنَّه لا يُبعَث، فكأنَّه قال: لا أكفر أبدًا، زاد التِّرمذيُّ: قال: وإنِّي لميِّتٌ ثمَّ مبعوثٌ؟! فقلت: نعم (قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (فَأُوتَى مَالًا) بضمِّ الهمزة وفتح التَّاء مبنيًّا للمفعول (وَوَلَدًا، ثُمَّ أَقْضِيَكَ) بالنَّصب عطفًا على السَّابق (فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾) بالقرآن (﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾) أي: في الجنَّة بعد البعث (الآيَةَ [مريم: ٧٧]) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «الآية».

стр. 5126

((٤٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابٌ) بالتَّنوين (فِي اللُّقَْطَةِ) بضمِّ اللَّام وفتح القاف ويجوز إسكانها، والمشهور عند المحدِّثين: فتحها، قال الأزهريُّ: وهو الذي سُمِع من العرب، وأجمع عليه أهل اللُّغة والحديث، ويُقال: لُقاطة، بضمِّ اللَّام، ولَقَطٍ، بفتحها بلا هاءٍ، وهي في اللُّغة: الشَّيء الملقوط، وشرعًا: ما وُجِد من حقٍّ ضائعٍ مُحترَمٍ غير مُحرَزٍ، ولا ممتنعٍ بقوَّته ولا يعرف الواجدُ مستحقَّه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إنَّ الملتقط أمينٌ فيما التقطه، والشَّرع ولَّاه حفظه، كالوليِّ في مال الطِّفل، وفيه معنى الاكتساب من حيث إنَّ له التَّملُّك بعد التَّعريف (وإِذَا أَخْبَرَ رَبُّ اللُّقَْطَةِ) أي: مالكها (بِالعَلَامَةِ) التي بها (دَفَعَ) الملتقط (إِلَيْهِ) اللُّقطة، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «دُفِع إليه» بضمِّ الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «إذا أخبره» بالضَّمير المنصوب، ولغير المُستملي والنَّسفيِّ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، بابٌ في اللُّقطة، وإذا أخبر ربُّ اللُّقطة … » إلى آخره. ٢٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، قال المؤلِّف:

стр. 5127

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، والواو في الفرع مرقومًا (١) عليها علامة أبي ذرٍّ، وفي غير الفرع: «ح» للتَّحويل: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهَيلٍ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ) بفتح المعجمة والفاء واللَّام، و «سُويدَ»: بضمِّ السِّين مُصغَّرًا، الجعفيَّ الكوفيَّ التَّابعيَّ المُخضرَم، قدم المدينة يوم دُفِن النَّبيُّ ﷺ ، وكان مسلمًا في حياته، وتُوفِّي سنة ثمانين، وله مئةٌ وثلاثون سنةً (قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ: أَخَذْتُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وجدتُ»، وللمُستملي: «أصبتُ» (صُرَّةً مِئَةَ دِينَارٍ) بنصب «مئةَ» بدلًا من «صُرَّة» قال العينيُّ: ويجوز الرَّفع على تقدير: فيها مئةُ دينارٍ (٢). انتهى. قلت: كذا في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «وجدت صرَّةً فيها مئة دينارٍ» (فَأَتَيْتُ) بها (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) لي: (عَرِّفْهَا حَوْلًا) أمرٌ بالتَّعريف (٣)، كأن ينادي: من ضاع له شيءٌ فليطلبه عندي، ويكون في الأسواق، ومجامع النَّاس، وأبواب المساجد عند خروجهم من الجماعات ونحوها؛ لأنَّ ذلك أقرب إلى وجود صاحبها إلَّا في المساجد، كما لا تُطلَب اللُّقطة فيها، نعم يجوز تعريفها في المسجد الحرام اعتبارًا بالعُرْف، ولأنَّه مجمع النَّاس، وقضيَّة التَّعليل أنَّ مسجد المدينة والأقصى كذلك، وقضيَّة كلام النَّوويِّ في «الرَّوضة» تحريم التَّعريف في بقيَّة المساجد، قال في «المهمَّات»: وليس كذلك، فالمنقول الكراهة، وقد جزم به في «شرح المُهذَّب»، قال الأذرعيُّ وغيره: بل المنقول والصَّواب التَّحريم للأحاديث الظَّاهرة فيه، وبه صرَّح الماورديُّ وغيره، ولعلَّ النَّوويَّ لم يُرِدْ بإطلاق الكراهةِ كراهة

стр. 5128

التَّنزيه، ويجب أن يكون محلُّ التَّحريم، أو الكراهة إذا وقع ذلك برفع الصَّوت؛ كما أشارت إليه الأحاديث، أمَّا لو سأل الجماعة في المسجد بدون ذلك فلا تحريم ولا كراهة، ويجب التَّعريف في محلِّ اللُّقطة، ولو التقط (١) في الصَّحراء، وهناك قافلةٌ تبعها (٢) وعرَّف فيها، وإلَّا ففي بلدٍ يقصدها (٣) قَرُبت أم بَعُدت، ويجب التَّعريف حولًا كاملًا (٤) إن أخذها للتَّملُّك بعد التَّعريف، وتكون أمانةً ولو بعد السَّنَةِ (٥) حتَّى يتملَّكها، والمعنى في كون التَّعريف سَنَةً: أنَّها لا تتأخَّر فيها القوافل، وتمضي فيها الأزمنة الأربعة، ولو التقط اثنان لقطةً عرَّف كلٌّ منهما سنةً، قال ابن الرِّفعة: وهو الأشبه؛ لأنَّه في النِّصف كملتقطٍ واحدٍ، وقال السُّبكيُّ: بل الأشبه أنَّ كلًّا منهما يعرِّفها (٦) نصف سنةٍ (٧)؛ لأنَّها لقطةٌ واحدةٌ، والتَّعريف من (٨) كلٍّ منهما لكلِّها لا لنصفها، وإنَّما تُقسَم (٩) بينهما عند التَّملُّك، ولا يُشترَط الفور للتَّعريف، بل المُعتَبر تعريف سنةٍ متى كان، ولا الموالاة، فلو فرَّق السَّنة، كأن عرَّف شهرين وترك شهرين كفاه ذلك؛ لأنَّه (١٠) عرَّف سنةً، ولا يجب الاستيعاب للسَّنة، بل يُعرِّف على العادة، فينادي في كلِّ يومٍ مرَّتين في (١١) طرفيه في الابتداء، ثمَّ في كلِّ يومٍ مرَّةً، ثمَّ في كلِّ أسبوعٍ مرَّتين أو مرَّةً، ثمَّ في كلِّ شهرٍ (١٢).

стр. 5129

قال أُبيُّ بن كعبٍ: (فَعَرَّفْتُهَا) أي: الصُّرَّة (حَوْلَهَا) بالهاء والنَّصب على الظَّرفيَّة، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «حولها»، وثبت في بعض الأصول قوله: «حولًا» بإسقاط الهاء بدل: «حولها» (فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا) بالتَّخفيف (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) ﷺ (فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ) أي (١): من يعرفها (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) ﵊ (ثَلَاثًا) أي: مجموع (٢) إتيانه ثلاث مرَّاتٍ، لا أنَّه أتى بعد المرَّتين الأوليين ثلاثًا وإن كان ظاهر اللَّفظ يقتضيه؛ لأنَّ «ثمَّ» إذا تخلَّفت عن معنى التَّشريك في الحكم والتَّرتيب والمهلة، تكون زائدةً لا عاطفةً ألبتَّة (٣)، قاله الأخفش والكوفيُّون (فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «قال»: (احْفَظْ وِعَاءَهَا) الذي (٤) تكون فيه (٥) اللُّقطة من جلدٍ أو خرقةٍ أو غيرهما، وهي (٦) بكسر الواو وبالهمزة ممدودًا (وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا) بكسر الواو الثَّانية وبالهمزة ممدودًا، الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الصُّرَّة أو الكيس، أو نحوهما، والمعنى فيه: ليعرف صدق مُدَّعيها، ولئلَّا تختلط بماله، وليتنبَّه على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جاريةٌ بإلقائه إذا أُخِذت النَّفقة، وهل الأمر للوجوب أو النَّدب؟ قال ابن الرِّفعة بالأوَّل، وقال الأذرعيُّ وغيره: للنَّدب، وكذا يُندَب كتب الأوصاف المذكورة، قال الماورديُّ: وأنَّه التقطها من موضع كذا في وقت كذا (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فارددها إليه، فحذف جزاء الشَّرط للعلم به، وفي رواية أحمد والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق الثَّوريِّ، وأحمد وأبي داود من طريق حمَّادٍ، كلُّهم عن سلمة بن كُهَيلٍ في هذا الحديث: «فإن جاء أحدٌ يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إيَّاه»، أي: على الوصف من غير بيِّنةٍ، وبه قال المالكيَّة والحنابلة، وقال الحنفيَّة والشَّافعيَّة: يجوز للملتقط دفعها إليه على الوصف، ولا يُجبَر على الدَّفع؛ لأنَّه يدَّعي مالًا في يد غيره، فيحتاج إلى البيِّنة؛ لعموم قوله ﷺ : «البيِّنة على المدَّعي»، فيُحمَل الأمر بالدَّفع في الحديث على

стр. 5130

الإباحة؛ جمعًا بينالحديثين، فإن أقام شاهدين بها وجب الدَّفع، وإلَّا لم يجب، ولو أقام مع الوصف شاهدًا بها ولم يحلف معه لم يجب الدَّفع إليه، فإن قال له: يلزمك تسليمها إليَّ، فله -إذا لم يَعلَمْ صِدقَهُ- الحلفُ أنَّه لا يَلْزَمُه ذلك، ولو قال: تعلمُ أنَّها مِلكي، فله الحلف أنَّه لا يعلم؛ لأنَّ الوصف لا يفيد العلم كما صرَّح به في «الرَّوضة»، لكن يجوز له، بل يُستحَبُّ -كما نُقِل عن النَّصِّ- الدَّفعُ إليه إن ظنَّ صدقه في وصفٍ لها عملًا بظنِّه، ولا يجب لأنَّه مُدَّعٍ، فيحتاج إلى حجَّةٍ، فإن لم يظنَّ صدقه لم يجز ذلك، ويجب الدَّفع إليه إن علم صدقه، ويلزمه الضَّمان، لا إن ألزمه بتسليمها إليه بالوصف حاكمٌ يرى ذلك، كمالكيٍّ وحنبليٍّ، فلا تلزمه العهدة؛ لعدم تقصيره في التَّسليم، وإن سلَّمها إلى الواصف باختياره من غير إلزامِ حاكمٍ له (١)، ثمَّ تَلِفت عند الواصف وأثبت بها آخَرُ حجَّةً، وغَرِمَ الملتقطُ بَدَلَها؛ رَجَعَ الملتقطُ بما غَرِمه على الواصف إن سلَّم اللُّقطة (٢) له، ولم يُقِرَّ له الملتقطُ بالمِلْك؛ لحصول التَّلف عنده، ولأنَّ الملتقط سلَّمه بناءً على ظاهرٍ، وقد بان خِلافُه، فإن أقرَّ له بالملك لم يرجِعْ عليه مؤاخذةً له بإقراره. (وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) أي: بعد التَّملُّك (٣) باللَّفظ (٤) كتملَّكت، وتكفي إشارة الأخرس كسائر العقود، وكذا الكتابة مع النِّيَّة، قال أُبيٌّ: (فَاسْتَمْتَعْتُ) أي: بالصُّرَّة، قال شعبة: (فَلَقِيتُهُ) أي: لقيت سلمة بن كُهَيلٍ (بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ، حال كونه (بِمَكَّةَ، فَقَالَ) أي (٥): سلمة (لَا أَدْرِي) قال سُويد بن غَفَلَة: (ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ) قال: (حَوْلًا وَاحِدًا) ولم يقل أحدٌ بأنَّ اللُّقطة تُعرَّف ثلاثةَ أحوالٍ، والشَّكُّ يوجب سقوط المشكوك فيه، وهو الثَّلاثة، فوجب العمل بالجزم، وهو رواية العام الواحد، لكن قد روى الحديث غير شعبة عن سلمة بن كُهَيلٍ وجماعةٍ بغير شكٍّ، وهذه الزِّيادة أخرجها مسلمٌ من طريق الأعمش والثَّوريِّ وزيد بن أبي أنيسة، كلُّهم عن سلمة، وقال: قالوا في حديثهم جميعًا: ثلاثة أحوالٍ إلَّا حمَّاد بن سلمة فإنَّ في

стр. 5131

حديثه: عامين أو ثلاثة، وجمع بعضهم بين حديث أُبَيٍّ هذا وحديث زيد بن خالدٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- في الباب اللَّاحق [خ¦٢٤٢٧] فإنَّه لم يُختلَف عليه (١) في الاقتصار على سنةٍ واحدةٍ، فقال: يُحمَل حديث أُبيِّ بن كعبٍ على مزيد (٢) التَّورُّع عن التَّصرُّف في اللُّقطة، والمبالغة في التَّعفُّف عنها، وحديث زيدٍ على ما لا بدَّ منه، أو لاحتياج الأعرابيِّ واستغناء أبيٍّ. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف هنا من طريقين، والمتن للطَّريق النَّازلة، وقد أخرجه مسلمٌ في «اللُّقطة» وكذا أبو داود، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «اللُّقطة»، وابن ماجه في «الأحكام». (٢) (باب) حكم التقاط (ضَالَّةِ الإِبِلِ) هل يجوز التقاطها أم لا؟ ٢٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاسٍ» بالموحَّدة وبعد الألف مهملةٌ، الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأْي -بسكون الهمزة- أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ) من الزِّيادة (مَوْلَى المُنْبَعِثِ) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح المُوحَّدة وكسر المهملة، بعدها مُثلَّثةٌ، المدنيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) المدنيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ (٣) النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ) سواءٌ كان ذهبًا أو فضَّةً أو لؤلؤًا أو غير ذلك ممَّا

стр. 5132

عدا الحيوان، وقد زعم ابن بشكوال: أنَّ السَّائل بلالٌ، وعُورِض: بأنَّه لا يُقال له: أعرابيٌّ، ورجَّح الحافظ ابن حجرٍ: أنَّه سُوَيدٌ والد عقبة بن سُوَيدٍ الجهنيُّ، لما (١) في «معجم» البغويِّ بسندٍ جيِّدٍ أنَّه قال: سألت رسول الله ﷺ عن اللُّقطة، قال: وهو أولى ما فُسِّر به المبهم (٢) الذي في «الصَّحيح» لكونه من رهط زيد بن خالدٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه لا يلزم من كون سويدٍ من رهط زيد بن خالدٍ (٣) أن يكون حديثهما واحدًا بحسب الصُّورة وإن كانا في المعنى من بابٍ واحدٍ (فَقَالَ) ﵊ للسَّائل، ولأبي الوقت: «قال»: (عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ثمَّ اعرف» (عِفَاصَهَا) بكسر العين المهملة وبعد الفاء المُخفَّفة ألفٌ ثمَّ صادٌ مهملةٌ، أي: وعاءها الذي (٤) تكون فيه من العفص -وهو الثَّني- لأنَّ الوعاء ينثني على ما فيه (وَوِكَاءَهَا) الخيط الذي يشدُّ به رأس الصُّرَّة، أو الكيس ونحوهما، ولم يقل في هذه: «وعددها» فيُقاس بمعرفةِ خارجِها معرفةُ داخلها كالجنس، هل هي ذهبٌ أو غيره؟ والنَّوع أهرويَّةٌ أم غيرها؟ والقدر بوزنٍ، أو كيلٍ، أو عددٍ (فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا) أي: باللُّقطة، فأدِّها إليه، فحذف جواب الشَّرط للعلم به (وَإِلَّا) بأن لم يجئ أحدٌ (فَاسْتَنْفِقْهَا) أي: بعد أن تعرِّفها سنةً، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه. (قَالَ) أي: السَّائل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟) أي: ما حكمها، والأكثرون على أنَّ الضَّالَّة مختصَّةٌ بالحيوان، وأمَّا غيره من سائر الحيوان (٥) فيُقال فيه: لقطةٌ، وسوَّى الطَّحاويُّ بين الضَّالَّة واللُّقطة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ضالَّة الغنم» بغير فاءٍ قبل الضَّاد (قَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «فقال» (لَكَ) إن أخذتها وعرَّفتها سنةً ولم تجد صاحبها (أَوْ لأَخِيكَ) في الدِّين، ملتقطٌ آخر (أَوْ لِلذِّئْبِ) إن تركتها ولم يأخذها غيرك؛ لأنَّها لا تحمي نفسها، وهذا على طريق (٦)

стр. 5133

السَّبر والتَّقسيم، وأشار إلى إبطال قسمين، فتعيَّن الثَّالث، فكأنَّه قال: ينحصر الأمر في ثلاثة أقسامٍ: أن تأخذها لنفسك، أو تتركها فيأخذها مثلك، أو يأكلها الذِّئب، ولا سبيل إلى تركها للذِّئب، فإنَّه إضاعة مالٍ، ولا معنى لتركها لملتقطٍ آخر مثل الأوَّل، بحيث يكون الثَّاني أحقَّ، لأنَّهما استويا، وسبق الأوَّل، فلا معنى لترك السَّابق واستحقاق المسبوق، وإذا بطل هذان القسمان تعيَّن الثَّالث، وهو أن تكون لهذا الملتقط، والتَّعبير بالذِّئب ليس بقيدٍ، فالمراد: جنس ما يأكل الشَّاةَ ويفترسها من السِّباع (قَالَ) السَّائل، ولأبي الوقت: «فقال»: (ضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ (فَتَمَعَّرَ) بتشديد العين المهملة (١)، أي: تغيَّر (وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من الغضب (فَقَالَ) ﵊: (مَا لَكَ وَلَهَا؟!) استفهامٌ إنكاريٌّ (مَعَهَا حِذَاؤُهَا) بكسر الحاء المهملة وبالذَّال المعجمة، ممدودًا: أخفافها، فتقوى بها على السَّير، وقطع البلاد الشَّاسعة، و ورود (٢) المياه النَّائية (وَسِقَاؤُهَا) بكسر السِّين المهملة والمدِّ: جوفها، أي: حيث وردت الماء شربت ما يكفيها حتَّى ترد ماءً آخر، أو السِّقاء: العنق، أي: ترد الماء وتشرب من غير ساقٍ يسقيها، قال ابن دقيق العيد: لمَّا كانت مستغنيةً عن الحافظ والمتعهِّد وعن النَّفقة عليها بما رُكِّب (٣) في طبعها من الجلادة على العطش والحفاء، عبَّر عن ذلك بالحِذَاء والسِّقاء مجازًا، وبالجملة فالمراد بهذا: النَّهيُ عن التَّعرُّض لها؛ لأنَّ الأخذ إنَّما هو للحفظ على صاحبها إمَّا بحفظ العين أو بحفظ القيمة، وهذه لا تحتاج إلى حفظٍ؛ لأنَّها محفوظةٌ بما خلق الله فيها من القوَّة والمَنَعَة، وما يُسِّر

стр. 5134

لها من الأكل والشُّرب، كما قال: (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) ويُلحَق (١) بالإبل ما (٢) يمتنع بقوَّته من صغار السِّباع كالبقر والفرس، أو بعَدْوِه كالأرنب والظَّبي، أو بطيرانه كالحمام، فهذا ونحوه لا يحلُّ التقاطه بمفازةٍ؛ لأنَّه مصونٌ بالامتناع عن أكثر السِّباع، مستغنٍ بالرَّعي إلى أن يجده مالكه، إذا كان التقاطه (٣) له للتَّملُّك، ويجوز للحفظ، صيانةً له من (٤) الخونة، أمَّا إذا وجده في العمارة فيجوز له التقاطه للتَّملُّك كما يجوز للحفظ، وقيل: لا يجوز كالمفازة، وفرَّق الأوَّل: بأنَّه في العمارة يضيع بامتداد اليد الخائنة إليه، بخلاف المفازة فإنَّ طُروَّ النَّاس بها لا يعمُّ، ولو وجد في زمن نهبٍ جاز التقاطه للتَّملُّك والحفظ قطعًا في المفازة وغيرها، والمراد بالعمارة: الشَّارع والمسجد ونحوهما؛ لأنَّها مع الموات محالُّ اللُّقطة، ولو التقط الممتنع من صغار السِّباع للتَّملُّك في مفازةٍ آمنةٍ ضمنه، ولا يبرأ بردِّه إلى مكانه، فإن سلَّمه إلى الحاكم برئ، كما في الغصب، وبالجملة فأخذ الجمهور بظاهر الحديث أنَّ ضالَّة الإبل ونحوها لا تُلتقَط، وقال الحنفيَّة: الأولى أن تُلتقَط. وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب الغضب في الموعظة» [خ¦٩١]. (٣) (باب) حكم التقاط (ضَالَّةِ الغَنَمِ).

стр. 5135

٢٤٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أُوَيسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سليمان بن بلالٍ» (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ) المدنيِّ (١): (أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ (¬﵁ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ وفي الباب السَّابق [خ¦٢٤٢٧]: أنَّ السَّائل أعرابيٌّ، وقيل: هو بلالٌ، وقيل غيره (فَزَعَمَ) أي: زيد بن خالدٍ، والزَّعم يُستعمَل في القول المُحقَّق كثيرًا (أَنَّهُ) ﷺ (قَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) وعاءها الذي (٢) تكون فيه (وَوِكَاءَهَا) الخيط الذي يُربَط به الوعاء (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً) أي: متواليةً، فلو عرَّفها سنةً متفرِّقةً، كأن عرَّفها في كلِّ سنةٍ شهرًا لم يكفِ، ولو فرَّق السَّنة، كأن عرَّف شهرين وترك شهرين وهكذا جاز؛ لأنَّه عرَّف سنةً، ولا يُشترَط أن يعرِّفها بنفسه، بل يجوز أن يوكِّل، فإن قصد التَّملُّك ولو بعد التقاطه للحفظ أو مطلقًا فمؤنةُ التَّعريف الواقع بعد قصده عليه تملَّكَ أم لا، لأنَّ التَّعريف سببٌ لتملُّكه، ولأن الحظَّ له، وإن قصد الحفظ ولو بعد التقاطه للتَّملُّك، أو مطلقًا فمؤنة التَّعريف على بيت المال إن كان فيه سعةٌ، وإِلَّا فعلى المالك بأن يقترض عليه الحاكم منه أو من غيره، أو يأمره بصرفها ليرجع كما في هرب الجِمَال، وإنَّما لم تجب على الملتقط لأنَّ الحظَّ (٣) للمالك فقط، قال يحيى بن سعيدٍ (٤) الأنصاريُّ بالإسناد السَّابق: (يَقُولُ يَزِيدُ) مولى المنبعث (٥): (إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون المهملة وفتح الفوقيَّة والرَّاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إن لم تُعرَف» بإسقاط الفوقيَّة الثَّانية، أي: اللُّقطة (اسْتَنْفَقَ بِهَا) بفتح الفاء والقاف (صَاحِبُهَا) أي: ملتقطها (وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ). قال سليمان بن بلالٍ: (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ بالإسناد السَّابق: (فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم (أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ) أي (٦): قوله: «وكانت وديعةً عنده» (أَمْ

стр. 5136

شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ) أي (١): من عند يزيد (٢) من قوله، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في كلام المؤلِّف «باب إذا جاء صاحب اللُّقطة بعد سنةٍ ردَّها عليه؛ لأنَّها وديعةٌ عنده» [خ¦٢٤٣٦]، وفيه إشارةٌ إلى ترجيح رفعها، وقد جزم يحيى بن سعيدٍ برفعها مرَّةً أخرى فيما أخرجه مسلمٌ عن القعنبيِّ، والإسماعيليُّ من طريق يحيى بن حسَّان، كلاهما عن سليمان بن بلالٍ عن يحيى بلفظ: «فإن لم تعرف فاستنفقها، أو لتكن وديعةً عندك» (ثُمَّ قَالَ) السَّائل: يا رسول الله (كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ) أي: إنَّها ضعيفةٌ لعدم الاستقلال، معرَّضةٌ للهلاك، مُردَّدةٌ بين أن تأخذها أنت أو أخوك، قيل: والمراد بالأخ ما هو أعمُّ من صاحبها، أو ملتقطٌ آخر، وعُورِض: بأنَّ البلاغة لا تقتضي أن يُقرَن (٣) صاحبها المستحق لها بالذِّئب العادي، فالمراد: ملتقطٌ آخر، والمراد: جنس ما يأكل الشَّاة، وفي قوله: «خذها» تصريحٌ بالأمر بالأخذ، ففيه ردُّ إحدى الرِّوايتين عن أحمد في قوله: يترك (٤) التقاط الشَّاة، واستدلَّ به المالكيَّة: في (٥) أنَّه إذا وجدها في فلاةٍ تملَّكها (٦) بالأخذ، ولا يلزمه بدلها ولو جاء صاحبها، واحتجَّ لهم بالتَّسوية بين الذِّئب والملتقط، والذئبُ لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط، كذا نقله في «الفتح»، والظَّاهر أنَّهم تمسَّكوا بقوله في الشَّاة: «هي لك» واللَّام للتَّمليك، بخلاف قوله في غيرها: «فاستمتع بها» إذ ظاهره أنَّه ليس على وجه التَّمليك (٧) لها؛ إذ لو كان المرادُ التَّمليكَ التَّامَّ؛ لم يقتصر به على الاستمتاع الذي ظاهره الانتفاع لا بأصل (٨) الملك، بخلاف قوله: «فهي لك»، وأُجيب بأنَّ اللَّام ليست للتَّمليك، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ ما لا يمتنع من صغار السِّباع -كالعجل والفصيل- يجوز التقاطه للتَّملُّك مطلقًا، سواءٌ وجده

стр. 5137

بمفازةٍ أم لا، صيانةً له عن السِّباع والخونة، ويتخيَّر (١) آخذه من المفازة، فإن شاء عرَّفه وتملَّكه بعد التَّعريف، وإن شاء باعه استقلالًا إن لم يجد حاكمًا، أو بإذنه في الأصحِّ إن وجده وتملَّك ثمنه (٢) بعد التَّعريف، وله أكله إن كان مأكولًا في الحال متملِّكًا له بقيمته، فيغرمها إن ظهر مالكه، ولا يجب بعد أكلِه تعريفُه، فإن أخذه من العمران فله الخصلتان الأُوليان لا الثَّالثة، وهي الأكل على الأصحِّ في «المنهاج» والأظهر في «الرَّوضة»، لسهولة البيع فيه، بخلافه في المفازة، فقد لا يجد فيها من يشتري ويشقُّ (٣) النَّقل إلى العمران. (قَالَ يَزِيدُ) مولى المنبعث بالإسناد المذكور: (وَهْيَ) أي: ضالَّة الغنم (تُعَرَّفُ أَيْضًا) أي: على سبيل الوجوب، كذا عند الجمهور، لكن قال الشَّافعيَّة: لا يجب تعريفها بعد الأكل إذا وُجِدت في الفلاة، وأمَّا في القرية فيجب على الأصحِّ (ثُمَّ قَالَ) السَّائل: يا رسول الله (كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ) زيدٌ (٤): (فَقَالَ) ﵊: (دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا) بكسر الحاء المهملة وبالذَّال المعجمة، أي: خفَّها (وَسِقَاءَهَا) بكسر السِّين: جوفها، أو عنقها (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فهي مستغنيةٌ عن الحفظ لها بما رُكِّب في طباعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول لطول عنقها، ومصونةٌ بالامتناع عن أكثر السِّباع (حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا) أي: مالكها، فمن أخذها للتَّملُّك ضمنها، ولا يبرأ من الضَّمان بردِّها إلى موضعها -كما مرَّ -. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ) أي: بعد التَّعريف سنةً (فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا) اكتفاءً بقصده عند الأخذ للتَّملُّك، وهذا أحد الوجوه الثَّلاثة عند الشَّافعيَّة، وقيل: يملكها بمضيِّ الحول والتَّصرُّف، والأظهر التَّملُّك باللَّفظ -كما مرَّ- وسواءٌ كان المتملِّك غنيًّا أو فقيرًا، وخصَّها الحنفيَّة بالفقير دون الغنيِّ؛ لأنَّ تناول مال الغير بغير إذنه غير جائزٍ بلا ضرورةٍ بإطلاق النُّصوص.

стр. 5138

٢٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بـ «الرَّأي»، المدنيِّ، واسم أبيه فرُّوخ (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) أي: أعرابيٌّ كما في السَّابقة [خ¦٢٤٢٧] أو هو بلالٌ كما قال ابن بشكوال، أو سويدٌ والد عقبة، كما رجَّحه ابن حجرٍ وقد مرَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) أي: عن حكمها (فَقَالَ) ﵊: (اعْرِفْ عِفَاصَهَا) وعاءها الذي (١) هي فيه (وَوِكَاءَهَا) الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الوعاء لتعرف صدق مدَّعيها عند طلبها (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فأدِّها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَشَأْنَكَ بِهَا) بالنَّصب، أي: الزم شأنَك بها، والشَّأن الحال، أي: تصرَّفْ فيها، وسبق في حديث أُبَيٍّ بلفظ [خ¦٢٤٢٦]: «فاستمتعْ بها»، ولمسلمٍ من طريق ابن وهبٍ: «فإن لم يأت لها طالبٌ فاستنفقها»، واستدلَّ به على أنَّ اللَّاقط يملكها بعد انقضاء مدَّة التَّعريف، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، لكنَّ المشهورَ عند الشَّافعيَّة اشتراطُ التَّلفُّظ بالتَّملُّك كما مرَّ قريبًا، وإذا تصرَّف فيها بعد التَّعريف سنةً ثمَّ جاء صاحبها فالجمهور على وجوب الرَّدِّ إن كانت العين موجودةً، أو البدل إن كانت استُهلِكت؛ لقوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٤٢٨]: «ولتكن وديعةً عندك»، وقوله أيضًا عند مسلمٍ: «ثمَّ كُلْها، فإن جاء صاحبُها فأدِّها إليه»، فإنَّه يقتضي وجوب ردِّها بعد أكلها، فيُحمَل على ردِّ البدل وحينئذٍ فيُحمَل قول المصنِّف في التَّرجمة «فهي لمن وجدها»

стр. 5139

أي: في إباحة التَّصرُّف إذ ذاك، وأمَّا أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكتٌ عنه (قَالَ) السَّائل: يا رسول الله (فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ) السَّائل: يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ (قَالَ) ﵊: (مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) أي: ما لك وأخذها؟! والحال أنَّها مستقلَّةٌ بأسباب تُعِيْشُهَا (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) مالكُها. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَجَدَ) شخصٌ (خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ) وجد (سَوْطًا أَوْ) وجد شيئًا (نَحْوَهُ) كعصًا ماذا يصنع به؟ هل يأخذه أو يتركه؟ وإذا أخذه، هل يتملَّكه أو يكون سبيله سبيل اللُّقطة؟ ٢٤٣٠ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا هو موصولٌ عند المؤلِّف (١) في «باب التِّجارة في البحر» [خ¦٢٠٦٣] في رواية أبوي ذرٍّ والوقت، حيث قال في آخر الحديث: «حدَّثني عبد الله بن صالحٍ قال: حدَّثني اللَّيث بهذا»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل بن حسنة، القرشيُّ المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لم يُسَمَّ (وَسَاقَ الحَدِيثَ) هنا مختصرًا، وبأتمَّ منه في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١] ولفظه: «وسأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلِفه ألف دينارٍ، فقال (٢): ائتني بالشُّهداء أُشْهِدُهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: ائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجلٍ مُسمًّى»، وزاد في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٨]: «فخرج في البحر، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبةً فنقرها، فأدخل فيها ألف دينارٍ، فرمى بها في البحر» (فَخَرَجَ) أي: الرَّجل الذي

стр. 5140

أسلفه، وهو فيما قيل: النَّجاشيُّ (١)، كما مرَّ في «الزَّكاة» و «البيع» و «الكفالة» (يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ) الذي أسلفه (فَإِذَا بِالخَشَبَةِ) التي أرسلها المستلف، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «فإذا هو بالخشبة» (فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ) الذي بعثه (٢) المستلف إليه (وَالصَّحِيفَةَ) التي كتبها ببعث المال المذكور، وموضع التَّرجمة قوله: «فأخذها»، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرعَ مَنْ قبلنا شرعٌ لنا ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه، لا سيَّما إذا ورد بصورة الثَّناء على فاعله، ولم يقع للسَّوط ونحوه في الحديث ذكرٌ، وأُجيب: بأنَّه استنبطه بطريق الإلحاق. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَجَدَ) شخصٌ (تَمْرَةً) بالمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم، أو غيرها من المُحقَّرات (فِي الطَّرِيقِ) جاز له أخذ ذلك وأكله. ٢٤٣١ - ٢٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّفٍ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ) مُلْقاةٍ (فِي الطَّرِيقِ، قَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال» بالفاء قبل القاف: (لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ (٣)) المُحرَّمة عليَّ (لأَكَلْتُهَا) ظاهره: أنَّه تركها تورُّعًا خشية أن تكون من الصَّدقة، فلو لم يخش ذلك لَأكلها، ولم يذكر تعريفًا، فدلَّ على أنَّ مثل ذلك من المُحقَّرات يُملَك بالأخذ، ولا يحتاج إلى تعريفٍ، لكن هل يُقال: إنَّها لقطةٌ رُخِّص في ترك تعريفها أو ليست لقطةً؛ لأنَّ اللُّقطة ما من شأنه أن يُتمَلَّك دون ما لا قيمة له. (وَقَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان، ممَّا وصله مُسدَّدٌ في «مُسنَده» عنه، وأخرجه الطَّحاويُّ من طريق مُسدَّدٍ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (وَقَالَ زَائِدَةُ) هو

стр. 5141

ابن قدامة، ممَّا وصله مسلمٌ من طريق أبي أسامة عن زائدة (عَنْ مَنْصُورٍ) أيضًا (عَنْ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّفٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ). قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا) وفي بعض الأصول: «ح» للتَّحويل «وحدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة المُشدَّدة وتشديد ميم «همامٍ»، الصَّنعانيِّ أخي وهبٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنِّي لأَنْقَلِبُ (١) إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ) بسكون الميم، وقال «أجد» بلفظ المضارع استحضارًا للصُّورة الماضية (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي (٢) فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا) بالنَّصب (ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا) بضمِّ الهمزة وسكون اللَّام وكسر القاف والرَّفع، قال الكِرمانيُّ: لا غير، قال العينيُّ: يعني (٣): لا يجوز نصب الياء؛ لأنَّه معطوفٌ على «فأرفعها»، فإذا نُصِب فربَّما يُظَنُّ أنَّه معطوفٌ على قوله: «أن تكون» فيفسد المعنى. انتهى. نعم في فروع (٤)

стр. 5142

«اليونينيَّة»: «فألقيَها» بالنَّصب، وكذا في كثيرٍ من الأصول التي وقفت عليها، وفي الفرع «التِّنكزيِّ»: «فألفيَها» بالفاء بدل القاف والنَّصب، وعليها علامة أبي ذرٍّ مُصحَّحًا عليها، و (١) خرَّج بعض علماء العصر النَّصبَ على أنَّه عطفٌ على «تكون» بمعنى: «ألقيها في جوفي»، أي: أخشى أن أطرحها في جوفي، وأمَّا رواية الفاء والنَّصب فعلى معنى: «ثمَّ أخشى أن أجدها من الصَّدقة»، أي: أن يظهر لي أنَّها من الصَّدقة. انتهى. فليُتأمَّل، ويحتمل تخريجه على نحو: خذ اللِّصَّ قبل يأخذَك -بالنَّصب- على تقدير: قبل أن يأخذك، كقوله: سأترك منزلي لبني تميمٍ … وألحقُ بالحجاز فأستريحا وقُرِئ شاذًّا (فيدمغَه) بـ «الأنبياء» [الآية: ١٨] بالنَّصب، قال في «الكشَّاف»: وهو في ضعفٍ (٢)، والذي في «اليونينيَّة»: «فألفيها» بالفاء وسكون الياء لا غير، مُصحَّحًا عليها (٣). (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ تُعَرَّفُ) بفتح العين والرَّاء المُشدَّدة مبنيًّا للمفعول (لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ؟ وَقَالَ طَاوُسٌ) اليمانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في حديث «باب لا يحلُّ القتال بمكَّة» من «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا) أي: مكَّة وحرمها (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) للحفظ لصاحبها (وَقَالَ خَالِدٌ) الحذَّاء، ممَّا (٤) وصله (٥) في «باب

стр. 5143

ما قيل في الصَّوَّاغ» من أوائل «البيوع» [خ¦٢٠٩٠] في حديثٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (لَا تُلْتَقَطُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (لُقَطَتُهَا) يعني: مكَّة (إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) يحفظها لمالكها، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لا يَلتقِط» -بفتح أوَّله وكسر ثالثه- «لقطتها» بالنَّصب على المفعوليَّة «إلَّا معرِّفٌ». ٢٤٣٣ - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين مُضبَّبًا عليه، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سعيدٍ» بكسرها، وهو -فيما حكاه ابن طاهرٍ- الرِّباطيُّ، وفيما ذكره أبو نعيمٍ الدَّارميُّ: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو ثمَّ حاءٌ مهملةٌ، هو ابن عبادة، وقد وصله الإسماعيليُّ من طريق العبَّاس بن عبد العظيم وأبو نعيمٍ من طريق خلف بن سالمٍ، عن رَوْح بن عبادة قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن إسحاق المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) أي: عن مكَّة: (لَا يُعْضَدُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الضَّاد المعجمة، والرَّفع في الفرع على النَّفي، وجوَّز الكِرمانيُّ الجزم على النَّهي، أي: لا يُقطَع (عِضَاهُهَا) بكسر العين المهملة وفتح الضَّاد المعجمة وبعد الألف هاءان، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل: شجر أمِّ غيلان، أو كلُّ شجرٍ له شوكٌ عظيمٌ (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بالرَّفع (وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) أي: لمعرِّفٍ على الدَّوام يحفظها، وإلَّا فسائر البلاد كذلك، فلا تظهر فائدة التَّخصيص، فأمَّا من يريد (١) أن يعرِّفها ثمَّ يتملَّكها فلا، قال النَّوويُّ في «الرَّوضة»: قال أصحابنا: ويلزم الملتقط بها الإقامة للتَّعريف، أو دفعها إلى الحاكم، ولا يجيء الخلاف فيمن التقط للحفظ هل يلزمه التَّعريف؟ بل يجزم هنا بوجوبه للحديث، والله أعلم، وإنَّما اختُصَّت مكَّة بأنَّ لقطتها لا تُملَك؛ لإمكان إيصالها (٢) إلى ربِّها، لأنَّها إن كانت للمكِّيِّ فظاهرٌ، وإن كانت للآفاقيِّ فلا تخلو غالبًا من واردٍ إليها، فإذا عرَّفها واجدُها في كلِّ عامٍ سَهُلَ التَّوصُّل إلى معرفة صاحبها، ولا تُلحَق لقطة المدينة الشَّريفة

стр. 5144

بلقطة مكَّة كما صرَّح به الدَّارميُّ والرُّويانيُّ، وقضيَّة كلام صاحب «الانتصار»: أنَّه (١) كحرم مكَّة كما في حرمة الصَّيد، وجرى (٢) عليه البلقينيُّ؛ لما روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ في حديث المدينة: «ولا تُلتقَط لقطتها إلَّا لمن أشاد بها»، وهو بالشِّين المعجمة ثمَّ الدَّال المهملة، أي: رفع صوته، وقال جمهور المالكيَّة وبعض الشَّافعيَّة: لقطة مكَّة كغيرها من البلاد، ووافق جمهورَ الشَّافعيَّة من المالكيَّة الباجيُّ وابن العربيِّ؛ تمسُّكًا بحديث الباب، لكن قال ابن عرفة منتصرًا لمشهور مذهب المالكيَّة: والانفصال عن التَّمسُّك به على قاعدة مالكٍ في تقديمه العمل على الحديث الصَّحيح حسبما ذكره ابن يونس في «كتاب الأقضية»، ودلَّ عليه استقراء المذهب، وقال ابن المنيِّر: مذهب مالكٍ التَّمسُّك بظاهر الاستثناء؛ لأنَّه نفى الحلَّ واستثنى المنشِد، والاستثناء من النَّفي إثباتٌ، فيكون الحلُّ ثابتًا للمنشد، أي: المُعرِّف، يريد: بعد قيامه بوظيفة التَّعريف، وإنَّما يريد (٣) على هذا: أنَّ مكَّة وغيرها بهذا الاعتبار في تحريم اللُّقطة قبل التَّعريف، وتحليلها بعد التَّعريف واحدٌ، والسِّياق يقتضي اختصاصها عن غيرها، والجواب: أنَّ الذي أشكل على غير مالكٍ (٤) إنَّما هو تعطيل المفهوم، إذ مفهوم اختصاص مكَّة بحلِّ اللُّقطة بعد التَّعريف (٥) وتحريمها قبله أنَّ غير مكَّة ليس كذلك، بل (٦) تحلُّ لقطته مطلقًا، أو تحرم مطلقًا، وهذا لا قائل به، فإذا آل الأمر إلى هذا، فالخطب سهلٌ (٧) يسيرٌ، وذلك أنَّا اتَّفقنا على أنَّ التَّخصيص إذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وكذلك نقول هنا: الغالب أنَّ لقطة مكَّة ييْئَس ملتقطها من صاحبها لتفرُّق الخلق عنها إلى الآفاق البعيدة، فربَّما داخله الطَّمع فيها من أوَّل وهلةٍ، فاستحلَّها قبل التَّعريف، فخصَّها الشَّارع بالنَّهي عن استحلال لقطتها قبل التَّعريف لاختصاصها بما ذكرناه، فقد ظهر للتَّخصيص فائدةٌ سوى المفهوم، فسقط الاحتجاج به (٨)،

стр. 5145

وانتظم (١) الاختصاص حينئذٍ وتناسب السِّياق؛ وذلك أنَّ المأيوس من معرفة صاحبه لا يُعرَّف، كالموجود بالسَّواحل، لكنَّ مكَّة تختصُّ بأن تُعرَّف لقطتها، وقد نصَّ بعضهم على أنَّ لقطة العسكر ببلد (٢) الحرب إذا تفرَّق العسكر لا تُعرَّف سنةً لأنَّها إمَّا لكافرٍ فهي مباحةٌ، وإمَّا لأهل العسكر فلا معنى لتعريفها في غيرهم، فظهر حينئذٍ اختصاص مكَّة بالتَّعريف، وإن تفرَّق أهل الموسم مع أنَّ الغالب كونها لهم وأنَّهم لا يرجعون لأجلها، فكأنَّه ﵊ قال: ولا تحلُّ لقطتها إلَّا بعد الإنشاد والتَّعريف سنةً بخلاف ما هو من جنسها؛ كمجتمعات العساكر ونحوها، فإنَّ تلك تحلُّ بنفس (٣) افتراق العسكر، ويكون المذهب حينئذٍ أقعد بظاهر الحديث من مذهب المخالف، لأنَّهم يحتاجون إلى تأويل اللَّام وإخراجها عن التَّمليك، ويجعلون المراد: ولا تحلُّ لقطتها إلَّا لمنشدٍ فيحلُّ له إنشادها لا أخذها، فيخالفون ظاهر اللَّام وظاهر الاستثناء، ويحقِّق ما قلناه: -من أنَّ (٤) الغالب على مكَّة أنَّ لقطتها لا يعود لها صاحبها- أنَّا لم نسمع أحدًا ضاعت له نفيقةٌ (٥) بمكَّة، فرجع إليها ليطلبها ولا بعث (٦) في ذلك، بل ييأس منها بنفس التَّفرُّق، والله أعلم. (وَلَا يُخْتَلَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون المعجمة، مقصورًا، أي: لا يُقطَع (خَلَاهَا) بفتح المعجمة، مقصورًا: كلؤها الرَّطب (فَقَالَ عَبَّاسٌ) بدون «ال» عمُّه ﵊: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ) بكسر الهمزة وبالذَّال (٧) والخاء المكسورة المعجمتين: نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة (فَقَالَ) ﵊ (٨)، ولأبي الوقت: «قال»: (إِلَّا الإِذْخِرَ) بالنَّصب على الاستثناء كالأوَّل، قال ابن مالكٍ: وهو المختار على الرَّفع، إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة (٩)، وإمَّا لكون الاستثناء عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أوَّلًا.

стр. 5146

٢٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) ابن عبد ربِّه، السَّختيانيُّ البلخيُّ المعروف بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ، أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، واسمه صالحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ) عقب ما (٢) قَتَلَ رجلٌ من خزاعة رجلًا من بني ليثٍ راكبًا على راحلته، فخطب (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، وهو المذكور في التَّنزيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «القَتْل» بالقاف المفتوحة والفوقيَّة السَّاكنة، والصَّواب الأوَّل، والذي في الفرع كأصله (٣): «القتل» بالوجهين لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا) على مكَّة (رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) أي: لم تحلَّ (لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء المهملة، أي: أن أقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) هي ساعة الفتح (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) ولأبي ذرٍّ:

стр. 5147

«لن تحلَّ» (لأَحَدٍ بَعْدِي) ولأبي ذرٍّ: «من بعدي» (١) (فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، أي: لا يجوز لمحرمٍ ولا حلالٍ (٢) (وَلَا يُخْتَلَى) أي: لا يُقطَع (شَوْكُهَا) بالرَّفع أيضًا كسابقه (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) لقطتها (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) معرِّفٍ يعرِّفها ويحفظها لمالكها، ولا يتملَّكها كسائر اللُّقطات في غيرها من البلاد (وَمَنْ قُتِلَ) بضمِّ القاف وكسر التَّاء (لَهُ قَتِيلٌ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، أي: يُعطَى الدِّية (وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٣)، أي: يقتصَّ (فَقَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب ﵁: (إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا) وللحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّما» (نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا) نمِّهدها به، ونسدُّ به فرج (٤) اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنات (وَ) سُقُف (بُيُوتِنَا) نجعله فوق الخشب، والمعنى: ليكن الإذخر استثناءً (٥) من كلامك يا رسول الله، فيتمسَّك به من يرى انتظام الكلام من متكلِّمين، لكنَّ التَّحقيق في المسألة أنَّ كلًّا من المتكلِّمين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر، كان كلٌّ متكلِّمًا (٦) بكلامٍ تامٍّ، ولهذا لم يكتف في هذا الحديث بقول العبَّاس: «إلَّا الإذخر» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِلَّا الإِذْخِرَ) وذلك إمَّا بوحيٍ أو إلهامٍ أو اجتهادٍ على الخلاف المشهور في مثله (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) بالهاء الأصليَّة منوَّنةً، وهو مصروفٌ، قال عياضٌ: كذا ضبطه بعضهم وقرأته أنا معرفةً ونكرةً، ونقل ابن الملقِّن عن ابن دحية أنَّه بالتَّاء منصوبًا، قال في «المصابيح»: لا يُتصوَّر نصبه؛ لأنَّه مضافٌ إليه في مثل هذا العَلَم دائمًا، وإنَّما مراده: أنَّه مُعرَبٌ بالفتحة في حال الجرِّ لكونه غير منصرفٍ؛ وذلك لأنَّ القاعدةَ في العَلَم ذي الإضافة اعتبارُ حال المضاف إليه بالنِّسبة إلى الصِّرف وعدمه، وامتناع دخول اللَّام (٧) ووجوبها، فيمتنع مثلُ هذا، ومثلُ: «أبي هريرة» من

стр. 5148

الصَّرف، ومن دخول الألف واللَّام، وينصرف مثل: «أبي بكرٍ»، وتجب اللَّام في مثل: «امرئ القيس»، وتجوز في مثل: «ابن العبَّاس (١)». انتهى. و (٢) أبو شاه: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) ويُقال: إنَّه كلبيٌّ، ويُقال: فارسيٌّ، من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن (٣) ذي يزن، قال في «الإصابة»: كذا رأيته بخطِّ السِّلَفيِّ، وقال: إنَّ هاءه أصليَّةٌ، وهو بالفارسيِّ، ومعناه: الملك، قال (٤): ومن ظنَّ أنَّه (٥) باسم أحد الشِّياه فقد وهم. انتهى. (فَقَالَ) أي: أبو شاهٍ: (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ) يعني: الخطبة المذكورة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ) قال الوليد بن مسلمٍ: (قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن: (مَا قَوْلُهُ) أي: أبي شاهٍ (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «قال: هذه الخطبةُ» بالرَّفع (الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬). وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من المدلِّسين على نسقٍ واحدٍ، لكن قد صرَّح كلُّ واحدٍ من رواته بالتَّحديث، فزالت التُّهمة، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود وفي «العلم» و «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «العلم»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الدِّيات». (٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ) بالتَّنوين (٦)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بغير إذنه» بالهاء، والماشية -فيما قاله في «النِّهاية» - تقع على الإبل والبقر والغنم، لكنَّها في الغنم أكثر.

стр. 5149

٢٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) وفي «مُوطَّأ» محمَّد بن الحسن عن مالكٍ أخبرنا نافعٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية يزيد بن الهاد عن مالكٍ عند الدَّارقُطنيِّ في «المُوطَّآت» له: أنَّه سمع رسول الله (١) (¬ ﷺ قَالَ: لَا يَحْلُبَنَّ) بضمِّ اللَّام، وفي رواية يزيد بن الهاد المذكورة: «لا يحتلِبنَّ» بكسرها وزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبلها (أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ) وكذا امرأةٍ، مسلمين أو ذمِّيين (بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَُبَتُهُ) بضمِّ الرَّاء وفتحها في الفرع وأصله (٢) وغيرهما، أي: موضعه المَصُون لما يخزِّن فيه (٣) كالغُرْفة (فَتُكْسَرَ) بضمِّ التَّاء وفتح السِّين والنَّصب عطفًا على «أن تُؤتَى» (خِزَانَتُهُ) بكسر الخاء وبالرَّفع (٤) نائبًا عن الفاعل: مكانُه، أو وعاؤُه الذي يُخزِّن فيه ما يريد حفظه (فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟) بضمِّ الياء وسكون النُّون وفتح التَّاء والقاف من «فيُنْتَقل»، منصوبٌ عطفًا على المنصوب السَّابق (فَإِنَّمَا تَخْزُنُ) بضمِّ الزَّاي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «تُحرِز» بضمِّ أوَّله وإهمال الحاء وكسر الرَّاء، بعدها زايٌ (لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ) نُصِب بالكسرة

стр. 5150

على المفعوليَّة لـ «ضروع»، والمراد: اللَّبن، فشبَّه ﵊ ضروع المواشي في ضبطها الألبانَ على أربابها بالخزانة التي تحفظ ما أُودِعت من متاعٍ وغيره (فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وفيه النَّهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه، وإنَّما خصَّ اللَّبن بالذِّكر لتساهل النَّاس فيه، فنبَّه به على ما هو أعلى منه، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: اختلف العلماء فيمن مرَّ ببستانٍ أو زرعٍ أو ماشيةٍ؟ فقال الجمهور: لا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا إلَّا في حال الضَّرورة، فيأخذ ويغرم عند الشَّافعيِّ والجمهور، وقال بعض السَّلف: لا يلزمه شيءٌ، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائطٌ جاز له الأكل من الفاكهة الرَّطبة في أصحِّ الرَّوايتين ولو لم يحتج إلى ذلك، وفي الرِّواية (١) الأخرى: إذا احتاج، ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلَّق الشَّافعيُّ القول بذلك على صحَّة الحديث، قال البيهقيُّ: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا مرَّ أحدكم بحائطٍ فليأكل، ولا يتَّخذ خُبْنَةً» أخرجه التِّرمذيُّ واستغربه، قال البيهقيُّ (٢): لم يصحَّ، وجاء من أوجهٍ أُخَرَ غيرِ قويَّةٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والحقُّ أنَّ مجموعها لا يَقْصُرُ عن درجة الصَّحيح، وقد احتجُّوا في كثيرٍ من الأحكام بما هو دونها. انتهى. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القضاء»، وأبو داود في «الجهاد». (٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ (٣) لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ).
следующие страницы →