٢٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) ابن عبد ربِّه، السَّختيانيُّ البلخيُّ المعروف بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ، أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، واسمه صالحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ) عقب ما (٢) قَتَلَ رجلٌ من خزاعة رجلًا من بني ليثٍ راكبًا على راحلته، فخطب (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، وهو المذكور في التَّنزيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «القَتْل» بالقاف المفتوحة والفوقيَّة السَّاكنة، والصَّواب الأوَّل، والذي في الفرع كأصله (٣): «القتل» بالوجهين لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا) على مكَّة (رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) أي: لم تحلَّ (لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء المهملة، أي: أن أقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) هي ساعة الفتح (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) ولأبي ذرٍّ:
стр. 5147
«لن تحلَّ» (لأَحَدٍ بَعْدِي) ولأبي ذرٍّ: «من بعدي» (١) (فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، أي: لا يجوز لمحرمٍ ولا حلالٍ (٢) (وَلَا يُخْتَلَى) أي: لا يُقطَع (شَوْكُهَا) بالرَّفع أيضًا كسابقه (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) لقطتها (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) معرِّفٍ يعرِّفها ويحفظها لمالكها، ولا يتملَّكها كسائر اللُّقطات في غيرها من البلاد (وَمَنْ قُتِلَ) بضمِّ القاف وكسر التَّاء (لَهُ قَتِيلٌ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، أي: يُعطَى الدِّية (وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٣)، أي: يقتصَّ (فَقَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب ﵁: (إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا) وللحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّما» (نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا) نمِّهدها به، ونسدُّ به فرج (٤) اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنات (وَ) سُقُف (بُيُوتِنَا) نجعله فوق الخشب، والمعنى: ليكن الإذخر استثناءً (٥) من كلامك يا رسول الله، فيتمسَّك به من يرى انتظام الكلام من متكلِّمين، لكنَّ التَّحقيق في المسألة أنَّ كلًّا من المتكلِّمين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر، كان كلٌّ متكلِّمًا (٦) بكلامٍ تامٍّ، ولهذا لم يكتف في هذا الحديث بقول العبَّاس: «إلَّا الإذخر» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِلَّا الإِذْخِرَ) وذلك إمَّا بوحيٍ أو إلهامٍ أو اجتهادٍ على الخلاف المشهور في مثله (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) بالهاء الأصليَّة منوَّنةً، وهو مصروفٌ، قال عياضٌ: كذا ضبطه بعضهم وقرأته أنا معرفةً ونكرةً، ونقل ابن الملقِّن عن ابن دحية أنَّه بالتَّاء منصوبًا، قال في «المصابيح»: لا يُتصوَّر نصبه؛ لأنَّه مضافٌ إليه في مثل هذا العَلَم دائمًا، وإنَّما مراده: أنَّه مُعرَبٌ بالفتحة في حال الجرِّ لكونه غير منصرفٍ؛ وذلك لأنَّ القاعدةَ في العَلَم ذي الإضافة اعتبارُ حال المضاف إليه بالنِّسبة إلى الصِّرف وعدمه، وامتناع دخول اللَّام (٧) ووجوبها، فيمتنع مثلُ هذا، ومثلُ: «أبي هريرة» من
стр. 5148
الصَّرف، ومن دخول الألف واللَّام، وينصرف مثل: «أبي بكرٍ»، وتجب اللَّام في مثل: «امرئ القيس»، وتجوز في مثل: «ابن العبَّاس (١)». انتهى. و (٢) أبو شاه: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) ويُقال: إنَّه كلبيٌّ، ويُقال: فارسيٌّ، من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن (٣) ذي يزن، قال في «الإصابة»: كذا رأيته بخطِّ السِّلَفيِّ، وقال: إنَّ هاءه أصليَّةٌ، وهو بالفارسيِّ، ومعناه: الملك، قال (٤): ومن ظنَّ أنَّه (٥) باسم أحد الشِّياه فقد وهم. انتهى.
(فَقَالَ) أي: أبو شاهٍ: (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ) يعني: الخطبة المذكورة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ) قال الوليد بن مسلمٍ: (قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن: (مَا قَوْلُهُ) أي: أبي شاهٍ (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «قال: هذه الخطبةُ» بالرَّفع (الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).
وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من المدلِّسين على نسقٍ واحدٍ، لكن قد صرَّح كلُّ واحدٍ من رواته بالتَّحديث، فزالت التُّهمة، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود وفي «العلم» و «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «العلم»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الدِّيات».
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ) بالتَّنوين (٦)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بغير إذنه» بالهاء، والماشية -فيما قاله في «النِّهاية» - تقع على الإبل والبقر والغنم، لكنَّها في الغنم أكثر.
стр. 5149
٢٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) وفي «مُوطَّأ» محمَّد بن الحسن عن مالكٍ أخبرنا نافعٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية يزيد بن الهاد عن مالكٍ عند الدَّارقُطنيِّ في «المُوطَّآت» له: أنَّه سمع رسول الله (١) (¬ ﷺ قَالَ: لَا يَحْلُبَنَّ) بضمِّ اللَّام، وفي رواية يزيد بن الهاد المذكورة: «لا يحتلِبنَّ» بكسرها وزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبلها (أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ) وكذا امرأةٍ، مسلمين أو ذمِّيين (بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَُبَتُهُ) بضمِّ الرَّاء وفتحها في الفرع وأصله (٢) وغيرهما، أي: موضعه المَصُون لما يخزِّن فيه (٣) كالغُرْفة (فَتُكْسَرَ) بضمِّ التَّاء وفتح السِّين والنَّصب عطفًا على «أن تُؤتَى» (خِزَانَتُهُ) بكسر الخاء وبالرَّفع (٤) نائبًا عن الفاعل: مكانُه، أو وعاؤُه الذي يُخزِّن فيه ما يريد حفظه (فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟) بضمِّ الياء وسكون النُّون وفتح التَّاء والقاف من «فيُنْتَقل»، منصوبٌ عطفًا على المنصوب السَّابق (فَإِنَّمَا تَخْزُنُ) بضمِّ الزَّاي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «تُحرِز» بضمِّ أوَّله وإهمال الحاء وكسر الرَّاء، بعدها زايٌ (لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ) نُصِب بالكسرة
стр. 5150
على المفعوليَّة لـ «ضروع»، والمراد: اللَّبن، فشبَّه ﵊ ضروع المواشي في ضبطها الألبانَ على أربابها بالخزانة التي تحفظ ما أُودِعت من متاعٍ وغيره (فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وفيه النَّهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه، وإنَّما خصَّ اللَّبن بالذِّكر لتساهل النَّاس فيه، فنبَّه به على ما هو أعلى منه، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: اختلف العلماء فيمن مرَّ ببستانٍ أو زرعٍ أو ماشيةٍ؟ فقال الجمهور: لا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا إلَّا في حال الضَّرورة، فيأخذ ويغرم عند الشَّافعيِّ والجمهور، وقال بعض السَّلف: لا يلزمه شيءٌ، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائطٌ جاز له الأكل من الفاكهة الرَّطبة في أصحِّ الرَّوايتين ولو لم يحتج إلى ذلك، وفي الرِّواية (١) الأخرى: إذا احتاج، ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلَّق الشَّافعيُّ القول بذلك على صحَّة الحديث، قال البيهقيُّ: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا مرَّ أحدكم بحائطٍ فليأكل، ولا يتَّخذ خُبْنَةً» أخرجه التِّرمذيُّ واستغربه، قال البيهقيُّ (٢): لم يصحَّ، وجاء من أوجهٍ أُخَرَ غيرِ قويَّةٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والحقُّ أنَّ مجموعها لا يَقْصُرُ عن درجة الصَّحيح، وقد احتجُّوا في كثيرٍ من الأحكام بما هو دونها. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القضاء»، وأبو داود في «الجهاد».
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ (٣) لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ).
стр. 5151
٢٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي (١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التَّيميُّ (٢) مولاهم المدنيُّ المعروف بربيعة الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) وفي السَّابقة [خ¦٢٤٢٧]: أنَّه أعرابيٌّ، وهو يردُّ على ابن بشكوال حيث فسَّره ببلالٍ، وفسَّره الحافظ ابن حجرٍ بسُوَيدٍ والد عقبة بن سُوَيدٍ الجهنيِّ؛ لحديثٍ أخرجه الحميديُّ وابن السَّكن وغيرهما -كما مرَّ- (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ (قَالَ) ﷺ : (عَرِّفْهَا سَنَةً) وجوبًا، ولا يجب الاستيعاب للسَّنة، بل تُعرَّف (٣) على العادة (ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا) بكسر الواو: الخيط الذي يُربَط به وعاؤها (وَعِفَاصَهَا) بكسر العين: وعاءها، وهذا يقتضي أنَّ التَّعريف يكون قبل معرفة علاماتها، وفي «باب ضالَّة الغنم» [خ¦٢٤٢٨]: «اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرِّفها سنةً»، وهي رواية الأكثر، وهي تقتضي أن يكون التَّعريف متأخِّرًا عن العلامات، فجمع بينهما النَّوويُّ بأن يكون مأمورًا بمعرفة العلامات أوَّل ما يَلْتَقِط حتَّى يعلم صِدْقَ واصفها إذا وصفها كما مرَّ، ثمَّ بعد تعريفها سنةً إذا أراد أن يتملَّكها يعرِّفها (٤) مرَّةً أخرى تعرُّفًا وافيًا مُحقَّقًا، لِيَعْلَم قَدْرَها وصفتها قبل التَّصرُّف فيها (ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) أي: مالكها (فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) إن كانت موجودةً، وإلَّا فردَّ مثلها إن كانت مثليَّةً، أو قيمتها يوم التَّملُّك إن كانت متقوَّمةً؛ لأنَّه يوم دخولها في ضمانه، وضمانها ثابتٌ في ذمَّته من يوم التَّلف، ولا ريب أنَّ المأذون في استنفاقه إذا أُنفِق لا تبقى عينه، وإن جاء المالك وقد بيعت اللُّقطة فله الفسخ في زمن الخيار لاستحقاقه الرُّجوع بعين (٥) ماله مع بقائه، وقيل: ليس له الفسخ؛ لأنَّ خيار العقد إنَّما يستحقُّه العاقد دون غيره؛ لأنَّ (٦) شرط
стр. 5152
الخيار للمشتري وحده، فليس للمالك الخيار، ولو كانت موجودةً، لكنَّها نقصت بعد التَّملُّك لزم الملتقط ردُّها مع غرم الأرش؛ لأنَّ جميعها مضمونٌ عليه، فكذا بعضها، وزاد المؤلِّف في الحديث المسوق في «ضالَّة الغنم» [خ¦٢٤٢٨]: «وكانت وديعةً عنده» (قَالُوا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال» أي: الرَّجل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ) ما حكمها؟ (قَالَ) ﵊: (خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ) أي: إن تركتها ولم يأخذها غيرك يأكلها الذِّئب غالبًا، فنبَّه على جواز التقاطها وتملُّكها وعلى ما هو العلَّة، وهو (١) كونها مُعرَّضةً للضَّياع ليدلَّ على اطِّراد هذا الحكم في كلِّ حيوانٍ يعجز عن الرِّعْيَةِ بغير راعٍ، والتَّحفُّظ عن صغار السِّباع (قَالَ) السَّائل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ (قَالَ) زيد بن خالدٍ: (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) ما ارتفع من وجهه الكريم (أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) شكَّ الرَّاوي (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا) خفُّها وجوفها، زاد في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٤٢٩]: «ترد الماء وتأكل الشَّجر» (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) وأشار بالتَّقييد بقوله: «معها سقاؤها» إلى أنَّ المانعَ والفارقَ بينها وبين الغنم ونحوها (٢) استقلالُها بالتَّعيُّش.
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَأْخُذُ) الشَّخص (اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا) حال كونها (تَضِيعُ) بتركه إيَّاها (حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: سقطت «لا» بعد «حتَّى» في رواية ابن شبُّويه، وأظنَّ الواو سقطت من قبل «حتَّى»، والمعنى: لا يدعها تضيع ولا يدعها حتَّى يأخذها من لا يستحقُّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا يحتاج إلى هذا الظَّنِّ ولا إلى تقدير الواو؛ لأنَّ المعنى صحيحٌ، والمعنى: لا يتركها ضائعةً ينتهي إلى أخذها من لا يستحقُّ، وأشار بهذه التَّرجمة إلى الرَّدِّ على من كره اللُّقطة مستدلًّا بحديث الجارود مرفوعًا عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «ضالَّة المسلم حَرَْق النَّار» بفتح الحاء المهملة (٣) والرَّاء، وقد تُسكَّن الرَّاء، والمعنى: أنَّ ضالَّة المسلم إذا أخذها إنسانٌ ليتملَّكها أدَّته إلى النَّار، وهو تشبيهٌ بليغٌ حُذِف منه حرف التَّشبيه للمبالغة، وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس، ومذهب الشَّافعيَّة استحبابها لأمينٍ
стр. 5153
وثق بنفسه، وتُكرَه لفاسقٍ لئلَّا تدعوه نفسه إلى الخيانة، ولا تجب وإن غلب على ظنِّه ضياع اللُّقطة وأمانة نفسه كما لا يجب قبول الوديعة، وحملوا حديث الجارود على من لا يعرِّفها؛ لحديث زيد بن خالدٍ عند مسلمٍ: «من آوى الضَّالَّة فهو ضالٌّ ما لم يُعرِّفها».
٢٤٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) بالتَّصغير، الحضرميِّ أبي يحيى الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ) بتصغير «سُوَيد»، وفتح الغين المعجمة والفاء واللَّام من «غَفَلَة»، الجعفيَّ المخضرم التَّابعيَّ الكبير (قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح السِّين وسكون اللَّام، ابن يزيد ابن عمرٍو، الباهليِّ، يُقال: له صحبةٌ، وكان يلي الخيول أيَّام عمر، وهو أوَّل من استُقضِي على الكوفة (وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ) بضمِّ الصَّاد المهملة وسكون الواو وبالحاء المهملة، العبديِّ التَّابعيِّ الكبير المخضرم (فِي غَزَاةٍ) زاد أحمد من طريق سفيان عن سلمة: حتَّى إذا كنَّا بالعُذَيب، وهو بضمِّ العين المهملة وفتح الذَّال المعجمة آخره مُوحَّدةٌ، موضعٌ، أو هو بين الجار وينبع (١)، أو وادٍ بظاهر الكوفة (فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَ لِي) أحدهما، ولأبي ذرٍّ: «فقالا لي» أي: سلمان وزيدٌ: (أَلْقِهِ) قال ابن غَفَلَة: (قُلْتُ: لَا) ألقيه (وَلَكِنْ) ولأبي ذرٍّ: «ولكنِّي» (إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ) دفعته إليه (وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا (٢) حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ)
стр. 5154
تعالى (عَنْهُ) عن حكم التقاط السَّوط (فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِئَةُ دِينَارٍ) استُدِلَّ به لأبي حنيفة في تفرقته بين قليل اللُّقطة وكثيرها (١)، فيعرِّف الكثير سنةً، والقليل أيَّامًا، وحدُّ القليل عنده ما لا يوجب القطع وهو ما دون العشرة (فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا) أي: فلم أجد من يعرفها (ثُمَّ أَتَيْتُ) النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ) ﵊: (عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا) أي: فلم أجد من يعرفها (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) ﵊ (فَقَالَ) ﵊: (عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا (٢)) أي (٣): فلم أجد من يعرفها (ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ) أي: بعد أن عرَّفتها ثلاثًا (فَقَالَ: اعْرِفْ عِدَّتَهَا (٤)، وَوِكَاءَهَا، وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) فأدِّها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ (اسْتَمْتِعْ بِهَا) بدون فاءٍ، قال ابن مالكٍ: في هذه الرِّواية حذف جواب «إن» الأولى، وحذف شرط «إن» الثَّانية، وحذف الفاء من جوابها، والأصل: فإن جاء صاحبها أخذها، أو نحو ذلك، وإلَّا يجئ فاستمتع بها.
وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) واسمه عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جَبَلة -بفتح الجيم والمُوحَّدة- الأزديُّ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ) هو ابن كُهَيلٍ (بِهَذَا) الحديث المذكور (قَالَ) شعبة بن الحجَّاج: (فَلَقِيتُهُ) أي: سلمة بن كُهَيلٍ، كما صرَّح به مسلمٌ (بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ، حال كونه (بِمَكَّةَ، فَقَالَ) سلمة (٥): (لَا أَدْرِي) قال سويدٌ: (أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ) قال: (حَوْلًا وَاحِدًا؟) وقد مرَّ ما في هذه المسألة من البحث، وأنَّ الشَّكَّ يوجب سقوط المشكوك فيه وهو الثَّلاثة، فيجب العمل بالجزم وهو التَّعريف سنةً واحدةً في أوَّل «اللُّقطة» [خ¦٢٤٢٦].
стр. 5155
(١١) (باب: مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا) بالدَّال المهملة (١)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولم يرفعها» -بالرَّاء- (إِلَى السُّلْطَانِ).
٢٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ -بكسر الفاء- قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ (¬﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا) مرَّ الخلاف في اسمه [خ¦٢٤٢٧] (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ (قَالَ) ﵊: (عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا) وعائِها (وَوِكَائِهَا) فادفعها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ أحدٌ أو جاء، ولم يخبر بعلاماتها (فَاسْتَنْفِقْ بِهَا) فإن جاء صاحبها فَرُدَّ بدلها (وَسَأَلَهُ) الأعرابيُّ (عَنْ) حكم (ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ) بتشديد العين المهملة، أي: تغيَّر (وَجْهُهُ) ﵊ من الغضب (وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا) بالذَّال المعجمة (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فهي مستغنيةٌ بذلك عن الحفظ (دَعْهَا) اتركها (حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا) مالكها، نعم إذا وجد الإبل أو نحوها في العمارة (٢) فيجوز له التقاطها للتَّملُّك -كما مرَّ- مع غيره في ضالَّة الإبل (وَسَأَلَهُ) الأعرابيُّ أيضًا (عَنْ) حكم (ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ) ﵊: (هِيَ لَكَ) إن أخذتها (أَوْ لأَخِيكَ) ملتقطٍ آخر (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها إن تركتها ولم يأخذها غيرك لأنَّها لا تحمي نفسها.
стр. 5156
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ، وسقط لأبي ذرٍّ، فهو كالفصل من سابقه.
٢٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بسكون الضَّاد المعجمة، ابن شُمَيلٍ -مُصغَّرًا- قال: (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (البَرَاءُ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬).
وبه (١) قال: «ح» (٢): (وحَدَّثَنَا (٣) عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ -بضمِّ الغين المعجمة والتَّخفيف- البصريُّ، وثَّقه غير واحدٍ، قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (٤) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: انْطَلَقْتُ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٥] من طريق زهير بن معاوية: أَسْرَينا ليلتَنا ومن الغد حتَّى قام قائم الظَّهيرة، وخلا الطَّريق لا يمرُّ فيه أحدٌ، فرُفِعتْ لنا صخرةٌ طويلةٌ لها ظلٌّ لم تأتِ عليه الشَّمس، فنَزَلْنا عنده، وسَوَّيتُ للنَّبيِّ ﷺ مكانًا بيدي ينام عليه، وبسطتُ فيه فروةً وقلت: نَمْ يا رسول، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجتُ أنفض ما حوله (فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ، فَقُلْتُ) وسقطت «الفاء» لغير أبي ذرٍّ، وثبتت له في نسخةٍ (لِمَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ممَّن» -بالميم بدل اللَّام- (أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ) ولم يُعرَف اسم الرَّاعي، ولا صاحب الغنم، وذكر الحاكم في «الإكليل» ما يدلُّ على أنَّه ابن مسعودٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ.
стр. 5157
(فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟) بفتح اللَّام والمُوحَّدة، وحكى عياضٌ: أنَّ في روايةٍ (١): «لُبَّنٍ» بضمِّ اللَّام (٢) وتشديد المُوحَّدة، جمع لابنٍ، أي: ذوات لبنٍ (فَقَالَ: نَعَمْ) فيها (فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟) قال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّ مرادَه بهذا الاستفهام، أي: أمعك إذنٌ في الحلب لمن يمرُّ بك على سبيل الضِّيافة؟ وبهذا يندفع الإشكال، وهو كيف استجاز أبو بكرٍ أخذ اللَّبن من الرَّاعي بغير إذن مالك الغنم، ويحتمل أن يكون أبو بكرٍ لمَّا عرفه عرف رضاه بذلك؛ لصداقته له أو إذنه العامِّ بذلك.
(قَالَ) الرَّاعي: (نَعَمْ) أحلب لك، قال أبو بكرٍ ﵁: (فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ) أي: حبسها، والاعتقال أن يضع رجله بين فخذي الشَّاة ويحلبها (ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا) أي: ثديها (مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ) من الغبار أيضًا (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (هَكَذَا، -ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى- فَحَلَبَ كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المُثلَّثة وفتح المُوحَّدة، أي: قَدْرَ قَدْحٍ، أو شيئًا قليلًا، أو قَدْرَ حَلْبَةٍ (مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِدَاوَةً) ركوةً (عَلَى فَمِهَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على فيها» (خِرْقَةٌ) بالرَّفع (فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ) من الماء الذي في الإداوة (حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) بفتح (٣) الموحَّدة والرَّاء (فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد في «العلامات»: فوافقته حين استيقظ [خ¦٣٦١٥] (فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) الحديث في شأن «الهجرة» [خ¦٣٩٠٨] وقد ساقه بأتمَّ من هذا السِّياق في «العلامات» [خ¦٣٦١٥] قال ابن المنيِّر: أدخل البخاريُّ هذا الحديث في أبواب «اللُّقطة»؛ لأنَّ اللَّبن إذ ذاك في حكم الضَّائع المُستهلَك، فهو كالسَّوط الذي اغتُفِر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشَّاة المُلتقَطة في المضيعة، وقد قال فيها: «هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب»، وكذا هذا اللَّبن إن لم يُحلَب ضاع، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه قد يُمنَع ضياعُه مع وجود الرَّاعي بحفظه، وهذا يقدح في تشبيهه بالشَّاة؛ لأنَّها بمحل مضيعةٍ بخلاف هذا اللَّبن. والله الموفِّق والمعين على إتمام هذا الكتاب والنَّفع به والإخلاص فيه (٤).
стр. 5158
((٤٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابٌ فِي (١) المَظَالِمِ) جمع مَظْلَِمةٍ -بكسر اللَّام وفتحها- حكاه الجوهريُّ وغيره، والكسر أكثر، ولم يضبطها ابن سيده في سائر تصرُّفها إلَّا بالكسر، وفي «القاموس»: والمظلِمة -بكسر اللَّام- وكَثُمامةٍ: ما تُظُلِّمَهُ الرَّجل (٢)، فلم يذكر فيه غير (٣) الكسر، ونقل أبو عبيدٍ عن أبي بكر بن القوطيَّة: لا تقول العرب: مظلَمةٌ -بفتح اللَّام- إنَّما هي (٤) مظلِمةٌ، بكسرها، وهي اسمٌ لما (٥) أُخِذَ بغير حقٍّ، والظُّلْم -بالضَّمِّ- قال صاحب «القاموس» وغيره: وضعُ الشَّيء في غير موضعه (٦). (وَالغَصْبِ) وهو لغةً: أخذ الشَّيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبةٍ، وشرعًا: الاستيلاء
стр. 5159
على حقِّ الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرِّ لأبي ذرٍّ وابن عساكر، و «المظالمُ» بالرَّفع، و «الغصبُ» عطفٌ عليه، وسقط لفظ «كتاب» لغير المُستملي، وللنَّسفيِّ: «كتابُ الغصب بابٌ في المظالم» (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾) يا محمَّد (﴿اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾) أي: لا تحسبه إذا أنظرهم وأجَّلهم أنَّه (١) غافلٌ عنهم، مهملٌ لهم، لا يعاقبهم على صنيعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدُّه عدًّا، فالمراد تثبيته ﷺ ، أو هو خطابٌ لغيره ممَّن يجوز أن يحسبه غافلًا لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة: تسليةً للمظلوم وتهديدًا للظَّالم (﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾) يؤخِّر عذابهم (﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾) أي: تشخص فيه أبصارهم، فلا تقرُّ في أماكنها من شدَّة الأهوال، ثمَّ ذكر تعالى كيفيَّة قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى المحشر، فقال: (﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾) [إبراهيم: ٤٣] أي: (رَافِعِي) رؤوسهم (المُقْنِعُ) بالنُّون والعين (وَالمُقْمِحُ) بالميم والحاء المهملة، معناهما (وَاحِدٌ) وهو رفع الرَّأس فيما أخرجه الفريابيُّ عن مجاهدٍ، وهو تفسير أكثر أهل اللُّغة، وسقط قوله «المقنع … » إلى آخره في رواية غير المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وزاد أبو ذرٍّ هنا: «باب قصاص المظالم» (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿مُهْطِعِينَ﴾) أي: (مُدِيمِي النَّظَرِ) أي (٣): لا يطرفون، هيبةً وخوفًا، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ، ولأبوي ذر والوقت: «مدمني النَّظر» (وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ) أي: إلى الدَّاعي، كما قال تعالى: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ (٤) [القمر: ٨] وهذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز» (﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾) بل تثبت عيونهم شاخصةً لا تطرف لكثرة
стр. 5160
ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لِما يحلُّ بهم (﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ يَعْنِي: جُوْفًا) بضمِّ الجيم وسكون الواو: خاويةً خاليةً (لَا عُقُولَ لَهُمْ) لفرط الحيرة والدَّهشة، وهو تشبيهٌ محضٌ؛ لأنَّها ليست بهواءٍ حقيقةً، وجهة التَّشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرَّجاء والطَّمع في الرَّحمة (﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾) يا محمَّد (﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾) يعني: يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنَّه أوَّل يوم عذابهم، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿أذةآر﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفًا؛ لأنَّ القيامة ليست بموطن الإنذار (﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾) بالشِّرك والتَّكذيب (﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾) أخِّر العذاب عنَّا ورُدَّنا إلى الدُّنيا، وأمهلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ نتدارك ما فرَّطنا فيه (﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾) جوابٌ للأمر، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] (﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسَّفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمَّلوا بعيدًا، وقوله: ﴿مَا لَكُم﴾ جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ ولو حُكِي لفظ المقسمين لقِيل: ما لنا من زوالٍ، والمعنى: أقسمتم أنَّكم باقون في الدُّنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى -يعني: كفرهم بالبعث- كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قاله الزَّمخشريُّ.
(﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾) بالكفر والمعاصي، كعادٍ وثمود (﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم (﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾) من أحوالهم، أي: بيَّنا لكم أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفُعِل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة (﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾) أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل (﴿وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ﴾) ومكتوبٌ عنده فعلُهم، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظم منه، أو عنده ما يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقُّونه (﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ﴾) في العِظَم والشِّدَّة (﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾) مُسوًّى لإزالة الجبال، مُعَدًّا لذلك،
стр. 5161
وقيل: (١) «إنْ» نافيةٌ، واللَّام مؤكِّدَةٌ لها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمعنى: ومُحالٌ أن تزول الجبال بمكرهم على أنَّ الجبال مَثَلٌ لآيات الله وشرائعه، لأنَّها بمنزلة الجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنًا، وتنصره قراءة ابن مسعودٍ: (وما كان مكرهم)، وقُرِئ: ﴿لَتَزُولُ﴾ بلام الابتداء على معنى: وإن كان مكرهم من الشِّدَّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع (٢) عن أماكنها (﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧]) يعني قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وأصله: مُخْلِفَ رُسُلِه وعدَه، فقدَّم المفعول الثَّاني على الأوَّل إيذانًا بأنَّه لا يخلف الوعد (٣) أصلًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] وإذا لم يخلف وعده أحدًا، فكيف يخلف رسله؟ (﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾) غالبٌ لا يمُاكَر، قادرٌ لا يُدافَع (﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾) لأوليائه من أعدائه -كما مرَّ- ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾»، وعنده بعد قوله: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾ … «الآية».
(١) (باب: قصاص المَظَالِمِ) (٤) أي: يوم القيامة (٥)، وسقط التَّبويب والتَّرجمة هنا لأبي ذرٍّ، وثبتا عنده بعد قوله: «المقنع والمقمح واحدٌ»، وسقطت الواو من قوله «وقال مجاهدٌ».
стр. 5162
٢٤٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو (١) ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشام بن أبي (٢) عبد الله، الدَّستوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة بن قتادة، السَّدوسيِّ (٣) البصريِّ الأكمه، أحد الأعلام (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن دُؤاد، بدالٍ مضمومةٍ (٤) بعدها واوٌ بهمزةٍ (النَّاجِيِّ) بالنُّون والجيم (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ) نجَوا (مِنَ) الصِّراط المضروب (٥) على (النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ) كائنةٍ (بَيْنَ الجَنَّةِ وَ) الصِّراط الذي على متن (النَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ) بالصَّاد المهملة المُشدَّدة المضمومة، من القصاص، والمراد به: تتبُّع ما بينهم من المظالم وإسقاط بعضها ببعضٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيتقاضَون» بالضَّاد المعجمة المفتوحة المُخفَّفة (٦) (مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا) من أنواع المظالم المتعلِّقة بالأبدان والأموال، فيتقاصُّون (٧)
стр. 5163
بالحسنات والسَّيِّئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه، أخذ من حسناته، ولا يدخل أحدٌ الجنَّة ولأحدٍ عليه تباعةٌ (حَتَّى إِذَا نُقُّوا) بضمِّ النُّون والقاف المُشدَّدة مبنيًّا للمفعول، من التَّنقية، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «تَقَصَّوا» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والقاف وتشديد الصَّاد المهملة المفتوحة، أي: أكملوا التَّقاصَّ (وَهُذِّبُوا) بضمِّ الهاء وتشديد الذَّال المعجمة المكسورة، أي: خُلِّصوا من الآثام بمقاصصة بعضها ببعضٍ (أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة، ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكلِّ واحدٍ من الحسنات (فَوَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ) استعارةً لنور قدرته (لأَحَدُهُمْ) بالرَّفع مبتدأٌ، وفتح اللَّام للتَّأكيد (بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ) وخبر المبتدأ قوله: (أَدَلُّ) بالدَّال المُهمَلة (بِمَنْزِلِهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «بمسكنه» (كَانَ فِي الدُّنْيَا) وإنَّما كان أدلَّ لهم؛ لأنَّهم عرفوا مساكنهم بتعريضها عليهم بالغداة والعشيِّ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٥].
(وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدِّب (١) البغداديُّ، فيما وصله ابن منده في «كتاب الإيمان» قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن، التَّيميُّ مولاهم النَّحويُّ البصريُّ، نزيل الكوفة، يُقال: إنَّه منسوبٌ إلى نحوة، بطنٌ من الأزد، لا إلى علم النَّحو (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ) هو النَّاجي، وغرض المؤلِّف بسياق هذا التَّعليق تصريح قتادة بالتَّحديث عن أبي المتوكِّل.
(٢) (باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة هودٍ: (﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾) وأوَّلها: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] قال ابن كثيرٍ: بَيَّن الله (٢) تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدَّار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرُّسل وسائر البشر والجانِّ.
стр. 5164
وقال غيره: من جوارحهم، وفي قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ تهويلٌ عظيمٌ بما يحيق بهم حينئذٍ؛ لظلمهم بالكذب على الله.
٢٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ -بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف- قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى بن دينارٍ البصريُّ العَوْذِيُّ، بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الرَّاء وبالزَّاي (المَازِنِيِّ) وقيل: الباهليِّ البصريِّ، أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، وفي روايةٍ: «بينا» (أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ) بمدِّ الهمزة، مرفوعٌ بدلًا (١) من «أمشي» الذي هو خبرٌ لقوله: «أنا»، والجملة حاليَّةٌ، والضَّمير في «يده» لابن عمر، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ عَرَضَ) له (رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (فَقَالَ) له: (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي النَّجْوَى؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يقول في النَّجوى» أي (٢): التي تقع
стр. 5165
بين (١) الله وبين (٢) عبده يوم القيامة (٣)، وهو فضلٌ من الله تعالى، حيث يذكر المعاصي للعبد سرًّا (فَقَالَ) ابن عمر ﵄: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: إِنَّ الله) (يُدْنِي المُؤْمِنَ) أي: يقرِّبه (فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) بفتح الكاف والنُّون والفاء، أي: حفظَه وستره، وفي «كتاب خلق الأفعال» في رواية عبد الله بن المبارك عن محمَّد بن سواء (٤) عن قتادة في آخر الحديث: قال عبد الله بن المبارك: كنفه: ستره (٥) (وَيَسْتُرُهُ) عن أهل الموقف (فَيَقُولُ) تعالى له: (أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟) مرَّتين، ولأبي ذرٍّ: «ذنبًا» بالتَّنوين في الأخيرة (فَيَقُولُ) المؤمن: (نَعَمْ أَيْ رَبِّ) أعرفه (حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ) جعله مُقِرًّا بأن أظهر له ذنوبه وألجأه إلى الإقرار بها حتَّى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدُّنيا، وفي عفوه عنه (٦) في الآخرة، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ «إذا» (وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ) باستحقاقه العذاب (قَالَ) تعالى له: (سَتَرْتُهَا) أي: الذُّنوب (عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى) حينئذٍ (كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ) بالإفراد (وَالمُنَافِقُونَ) بالجمع في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي، وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا: «والمنافق» بالإفراد (فَيَقُولُ الأَشْهَادُ) جمع شاهدٍ وشهيدٍ، من الملائكة والنَّبيِّين وسائر الإنس والجنِّ: (﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٥] و «الأدب» [خ¦٦٠٧٠] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٤]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير» وفي «الرَّقائق»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ) بضمِّ الياء وسكون المهملة وكسر اللَّام، مضارع «أسلم» أي: لا يلقيه إلى هلكةٍ بل يحميه من عدوِّه.
стр. 5166
٢٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيْرٍ، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بالفتح- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المُسْلِمُ) سواءٌ كان حرًّا أو عبدًا، بالغًا أو لا (أَخُو المُسْلِمِ) في الإسلام (لَا يَظْلِمُهُ) خبرٌ بمعنى النَّهي (١)؛ لأنَّ ظلم المسلم للمسلم حرامٌ (وَلَا يُسْلِمُهُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه: لا يتركه مع من يؤذيه بل يحميه، وزاد الطَّبرانيُّ: «ولا يسلمه في مصيبةٍ نزلت به» (وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ) المسلم (كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ) وعند مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون الرَّاء، وهي الغمُّ الذي يأخذ النَّفس، أي (٢) من كرب الدُّنيا (فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ) بضمِّ الكاف والرَّاء، جمع كربةٍ (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) رآه على معصيةٍ قد انقضت، فلم يُظْهِر ذلك للنَّاس، فلو رآه حال تلبُّسه بها وجب عليه الإنكار لاسيَّما إن كان مجاهرًا بها (٣)، فإن انتهى. وإلَّا رفعه إلى الحاكم، وليس من الغيبة المُحرَّمة، بل من (٤) النَّصيحة الواجبة (سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي حديث أبي هريرة عند التِّرمذيِّ: «ستره الله في الدُّنيا والآخرة».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإكراه» [خ¦٦٩٥١]، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
стр. 5167
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَعِنْ أَخَاكَ) المسلم، سواءٌ كان (ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا).
٢٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ (١): «حدَّثني» بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسمه (٢) إبراهيم بن عثمان، أبو الحسن العبسيُّ (٣) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة -بالتَّصغير - (٤) ابن بُشَيرٍ -بالتَّصغير أيضًا- الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن مالكٍ، الأنصاريُّ (وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) سقط «الطَّويل» لأبي ذرٍّ، أن كلًّا منهما (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «سمعا» بالتَّثنية، أي: عبيدُ الله وحُمَيدٌ، وقول العينيِّ: إنَّ الضَّمير في «سمع» بلفظ الإفراد يعود على حُمَيدٍ، لا يخفى ما فيه (قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : انْصُرْ أَخَاكَ) أي: في الإسلام (ظَالِمًا) كان (أو مَظْلُومًا) زاد في «الإكراه» [خ¦٦٩٥٢] من طريقٍ أخرى عن هُشَيمٍ عن عبيد الله وحده، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا، كيف أنصره؟ قال: «تحجزه عن الظُّلم، فإنَّ ذلك نصره» أي: منعُك إيَّاه من الظُّلم نصرُك إيَّاه على شيطانه الذي يغويه، وعلى نفسه التي تأمره بالسُّوء وتطغيه.
٢٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بمُهمَلاتٍ وتشديد الدَّال الأولى، ابن مسرهد بن مسربلٍ الأسديُّ البصريُّ
стр. 5168
قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) من الاعتمار، هو ابن سليمان بن طرخان التَّيميُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا) ولأبي الوقت في نسخةٍ: «قال»، وفي «الإكراه» [خ¦٦٩٥٢]: «فقال رجلٌ»: (يَا رَسُولَ اللهِ) ولم يُسَمَّ هذا الرَّجل (هَذَا) أي: الرَّجل الذي (نَنْصُرُهُ) حال كونه (مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ) حال كونه (ظَالِمًا؟ قَالَ) ﵊: (تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وهو كنايةٌ عن منعه عن الظُّلم بالفعل إن لم يمتنع بالقول، وعنى بالفوقيَّة الإشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوَّة، وقد ترجم المؤلِّف بلفظ الإعانة، وساق الحديث بلفظ النَّصر، فأشار إلى ما ورد في بعض (١) طرقه، وذلك فيما رواه حُدَيْج بن معاوية، وهو بالمهملة وآخره جيمٌ مُصغَّرًا (٢)، عن أبي الزُّبير عن جابرٍ مرفوعًا: «أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (٣) … » الحديث، أخرجه ابن عديٍّ وأبو نعيمٍ في «المستخرج» من الوجه الذي أخرجه منه المؤلِّف، قال ابن بطَّالٍ: النَّصر عند العرب الإعانة، وقد فسَّر ﷺ أنَّ نصرَ الظَّالم منعُه من الظُّلم، لأنَّك إذا تركته على ظلمه، أدَّاه ذلك إلى أن يُقتَصَّ منه، فمنعُكَ له من وجوبِ القصاصِ نصرةٌ له، وهذا من باب الحكم للشَّيء وتسميته بما يؤول إليه، وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، وقد ذكر مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ سببًا لحديث الباب يُستفاد منه زمن وقوعه، ولفظه: اقتتل رجلٌ من المهاجرين وغلامٌ من الأنصار فنادى المهاجريُّ: يا لَلْمُهاجرين، ونادى الأنصاريُّ: يا لَلْأنصار، فخرج رسول الله ﷺ ، فقال: «ما هذا، أدعوى (٤) الجاهليَّة؟!» قالوا: لا، إلَّا (٥) أنَّ غلامين اقتتلا، فكَسَعَ أحدُهما الآخرُ، فقال: «لا بأس، ولْيَنْصُرِ الرَّجلُ أخاه ظالمًا أو مظلومًا» الحديث، وذكر المُفضَّل الضَّبِّيُّ في كتابه «الفاخر»: أنَّ (٦) أوَّل من قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» جندبُ
стр. 5169
ابن العَنْبر بن عمرو بن تميمٍ، وأراد بذلك ظاهره، وهو ما اعتادوه من حميَّة الجاهليَّة، لا على ما فسَّره النَّبيُّ، وفي ذلك يقول شاعرهم:
إذا أنا لم أنصرْ أخي وهو ظالمٌ … على القوم لم أنصر أخي حين يُظْلَم
قاله الحافظ ابن حجرٍ.
(٥) (باب نَصْرِ المَظْلُومِ).
٢٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة وكسر عين «سعِيد»، العامريُّ الحَرَشيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ) هوبضمِّ السِّين وفتح اللَّام مُصغَّرًا، و «الأشعث» بالمعجمة والمُثلَّثة، ابن (٢) أبي الشَّعثاء الكوفيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ) بضمِّ السِّين وفتح الواو، ابن مقرِّنٍ المزنيَّ الكوفيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، فَذَكَرَ عِيَادَةَ المَرِيضِ) وهي سنَّةٌ إذا كان له متعهِّدٌ، وإلَّا فواجبةٌ (وَاتِّبَاعَ الجَنَائِزِ) فرضٌ على الكفاية (وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ) إذا حمد الله سنَّةٌ (وَرَدَّ السَّلَامِ) فرض كفايةٍ (وَنَصْرَ المَظْلُومِ) مسلمًا كان أو ذمِّيًّا، واجبٌ على الكفاية، ويتعيَّن على السُّلطان، وقد يكون بالقول أو بالفعل، ويكفُّه عن الظُّلم، وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أَمَرَ اللهُ بعبدٍ من عباده أن يُضرَب في قبره مئةَ جلدةٍ، فلم يَزَلْ يسألُ الله تعالى ويدعوه حتَّى صارت واحدةً، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلمَّا ارتفع عنه أفاق، فقال: علامَ
стр. 5170
جلدتموني؟ قالوا: إنَّك صلَّيت صلاةً بغير طهورٍ، ومررت على مظلومٍ فلم تنصره» رواه الطَّحاويُّ، إذا (١) كان هذا حال مَنْ لم ينصره فكيف من ظلمه؟! (وَإِجَابَةَ الدَّاعِي) سُنَّةٌ إلَّا في وليمة النِّكاح، فعند الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّها (٢) فرض عينٍ إن (٣) كان الدَّاعي مسلمًا، وأن تكون في اليوم (٤) الأوَّل، وألَّا يكون هناك مُنكَرٌ كشرب الخمر (وَإِبْرَارَ المُقْسِمِ) بميمٍ مضمومةٍ وكسر السِّين، سنَّةٌ، أي: الحالف إذا أَقْسَمَ عليه في مُبَاحٍ يستطيع فعله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وإبرار القسم».
وهذا الحديث قد سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٣٩] تامًّا، وساقه هنا مختصرًا لم يذكر السَّبع المنهيَّ عنها، والمراد منه هنا قوله: «ونصر المظلوم».
٢٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيبٍ الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة مُصغَّرًا، ابن عبد الله بن أبي بردة (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) التَّعريف فيه للجنس، والمراد: بعض المؤمن للبعض (٥) (كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) بيانٌ لوجه التَّشبيه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يشدُّ بعضهم بعضًا» بميم الجمع (وَشَبَّكَ) ﵊ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) كالبيان (٦) للوجه، أي: شدًّا مثل هذا الشَّدِّ، وفيه تعظيمُ حقوق المسلمين بعضهم لبعضٍ، وحثُّهم على التَّراحم والملاطفة والتَّعاضد، والمؤمن إذا شدَّ المؤمن فقد نصره، والله أعلم.
стр. 5171
(٦) (باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ، لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) في (١) سورة النساء: (﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾) أي: إلَّا جهر من ظُلِم بالدُّعاء على الظَّالم والتَّظلُّم منه، وعن السُّدِّيِّ: نزلت في رجلٍ نزل بقومٍ فلم يضيِّفوه، فرُخِّص له أن يقول فيهم، ونزولها في واقعة عينٍ لا يمنع حملها على عمومها، وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: المراد بالجهر من القول: الدُّعاء، فرُخِّص للمظلوم أن يدعوَ على مَنْ ظَلَمَه (﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا﴾) لكلام المظلوم (﴿عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]) بالظَّالم، ولقوله تعالى في سورة الشورى: (﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾) يعني: الظُّلم (﴿هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]) ينتقمون ويقتصُّون (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله عبدُ بن حُمَيدٍ وابن عيينة في «تفسيريهما»: (كَانُوا) أي: السَّلف (يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا) بضمِّ الياء وفتح التَّاء والمعجمة، من الذُّلِّ (فَإِذَا قَدَرُوا) بفتح الدَّال المُهمَلة (عَفَوْا) عمَّن بغى عليهم.
(٧) (باب عَفْوِ المَظْلُومِ) عمَّن ظلمه (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا﴾) طاعةً
стр. 5172
وبِرًّا (﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾) أي: تفعلوه سرًّا (﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ﴾) لكم المُؤاخَذة عليه، وهو المقصود، وذكر إبداء الخير وإخفائه تسبيبٌ (١) له، ولذلك رتَّب عليه قوله: (﴿فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]) أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أَولى بذلك، وهو حثٌّ للمظلوم (٢) على العفو بعدما رُخِّص له في الانتصار؛ حملًا على مكارم الأخلاق، وقوله تعالى في سورة ﴿حم. عسق﴾: (﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾) وسمَّى الثَّانية سيِّئةً للازدواج، ولأنَّها تسوء من تنزل به (﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾) بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء (﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾) عِدَةٌ مُبهَمةٌ لا يُقاس أمرها في العظم (﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾) المبتدئين بالسَّيِّئة والمتجاوزين في الانتقام (﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾) بعدما ظُلِم، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول (﴿فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾) من مأثمٍ (﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾) يعني: الإثم والحرج (﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾) يبتدئونهم بالإضرار، يطلبون ما لا يستحقُّونه تجبُّرًا عليهم (﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾) على ظلمهم وبغيهم (﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾) على الأذى ولم يقتصَّ من صاحبه (﴿وَغَفَرَ﴾) تجاوز عنه وفوَّض أمره إلى الله (﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾) الصَّبر والتَّجاوز (﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٣]) أي: إنَّ ذلك منه، فحُذِف للعلم به، كما حُذِف في قولهم: السَّمن مَنَوان بدرهمٍ، ويُحكَى أنَّ رجلًا سبَّ رجلًا في مجلس الحسن ﵀، فكان المسبوب يكظم ويعرق، فيمسح العرق، ثمَّ قال: فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عَقَلها والله وفهمها إذ ضيَّعها الجاهلون. وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد وأبي داود أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأبي بكرٍ: «ما من عبدٍ ظُلِم مظلمةً فعفا عنها إلَّا أعزَّ الله بها نصره»، وقد قالوا: العفو مندوبٌ إليه، ثمَّ قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كفِّ زيادة البغي وقطع مادَّة الأذى، وسقط من الفرع قوله تعالى: «﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ﴾»، أي: من ناصرٍ يتولَّاه، أي: من بعد
стр. 5173
خذلان الله له (١)، وثبت فيه قول الله (٢) تعالى: (﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾) حين يرونه، فذكره بلفظ الماضي تحقيقًا (﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]) أي: إلى رجعةٍ إلى الدُّنيا، وفي رواية (٣) أبي ذرٍّ: «﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ (٤) لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿إِلَى (٦) مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾» فأسقط ما ثبت في رواية غيره.
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ).
٢٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، أبو عبد الله التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن عبد الله بن أبي سلمة، واسمه دينارٌ (المَاجِشُونُ) بكسر الجيم وبالشِّين المعجمة المضمومة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الظُّلْمُ) بأخذ مال الغير بغير حقٍّ، أو التناول من عرضه، أو نحو ذلك (ظُلُمَاتٌ) على صاحبه (يَوْمَ القِيَامَةِ) فلا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدُّنيا، فربَّما وقع قدمه في ظلمة ظلمه، فهوت في حفرةٍ من حُفَر النَّار، وإنَّما ينشأ الظُّلم من ظلمة القلب؛ لأنَّه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتَّقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التَّقوى اكتنفت ظلماتُ الظُّلم الظَّالمَ، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئًا،
стр. 5174
قال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: يُؤتَى بالظَّلمة فيُوضعون في تابوتٍ من نارٍ، ثمَّ يُزَجُّون فيها.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ».
(٩) (باب الاِتِّقَاءِ وَالحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ).
٢٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربِّه، البلخيُّ المُلقَّب بخَتٍّ -بفتح المعجمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة- قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح، الرُّؤَاسيُّ -بضمِّ الرَّاء وهمزةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ المَكِّيُّ) الثِّقة (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِي) بالصَّاد المهملة، المكِّيِّ (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) (١) نافذٍ؛ بالفاء والمعجمة أو المهملة (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى) أهل (اليَمَنِ) واليًا عليهم سنة عشرٍ يعلِّمهم الشَّرائع، ويقبض الصَّدقات (فَقَالَ) له: (اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ) وإن كان عاصيًا (فَإِنَّهَا) أي: دعوة المظلوم، وللمُستملي: «فإنَّه» أي: الشَّأن (لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ) كنايةٌ عن الاستجابة وعدم الرَّدِّ، كما صرَّح به في حديث أبي هريرة عند التِّرمذيِّ (٢) مرفوعًا بلفظ: «ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الصَّائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السَّماء، ويقول الرَّبُّ: وعزَّتي (٣) لأنصرنَّك ولو بعد حينٍ».
стр. 5175
وحديث الباب قد سبق في «باب أخذ الصَّدقة من الأغنياء» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٩٦] بأتمَّ من هذا، واقتصر منه (١) هنا على المراد.
(١٠) (باب مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَِمَةٌ) بكسر اللَّام، وحُكِي فتحُها (عِنْدَ الرَّجُلِ) وفي روايةٍ: «عند رجلٍ» (فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ) حتَّى يصحَّ التَّحليل (٢) منها أم لا؟
٢٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) عبد الرَّحمن، العسقلانيُّ الخراسانيُّ الأصل قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَِمَةٌ) بكسر اللَّام، وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٤] من رواية مالكٍ عن المقبريِّ: «من كانت عنده مَظْلَمَةٌ» (لأَحَدٍ) ولأبي ذرٍّ: «لأخيه» (مِنْ عِرْضِهِ) بكسر العين المهملة، موضع الذَّمِّ والمدح منه، سواءٌ كان في نفسه أو أصله أو فرعه (أَوْ شَيْءٍ) من الأشياء كالأموال والجراحات حتَّى اللَّطمة، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، والمراد من «اليوم» أيَّامُ الدُّنيا لمقابلته بقوله: (قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ) يُؤخَذ (٣) منه بدل مظلمته، وهو يوم القيامة، والمراد بالتَّحلُّل: أن يسأله أن يجعله في حلٍّ وليطلبه ببراءة ذمَّته، وقال الخطَّابيُّ: معناه: يستوهبه ويقطع دعواه عنه؛ لأنَّ
стр. 5176
ما حرَّم الله من الغيبة لا يمكن تحليله، وجاء رجلٌ إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حِلٍّ فقد اغتبتك، فقال: إنِّي لا أحلُّ ما حرَّم الله، ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حلٍّ، ولمَّا قال: «قبل ألَّا يكون دينارٌ ولا درهمٌ» كأنَّه قيل: فما يُؤخَذ منه بدل مظلمته؟ فقال: (إِنْ كَانَ لَهُ) أي: الظَّالم (عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ) أي: من ثواب عمله الصَّالح (بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ) التي ظلمها لصاحبه (وَإِنْ لَمْ يَكُن لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ) الذي ظلمه (فَحُمِلَ عَلَيْهِ) أي: على الظَّالم عقوبة سيِّئات المظلوم، قال المازريُّ: زعم بعض المبتدعة أنَّ هذا الحديث معارِضٌ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهو باطلٌ وجهالةٌ بيِّنةٌ؛ لأنَّه إنَّما عُوقِب بفعله ووزره فتُوجِّه عليه حقوقٌ لغريمه، فدُفِعت إليه من حسناته، فلمَّا فرغت حسناته أُخِذ من سيِّئات خصمه فوُضِعت عليه، فحقيقة العقوبة مُسبَّبةٌ عن ظلمه، ولم يُعاقَب بغير جنايةٍ منه.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو شيخ المؤلِّف: (إِنَّمَا سُمِّيَ) أي: أبو سعيدٍ المذكور في السَّند (المَقْبُرِيَّ؛ لأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «ينزل» (نَاحِيَةَ المَقَابِرِ) بالمدينة الشَّريفة، وقيل: لأنَّ عمر بن الخطَّاب ﵁ جعله على حفر القبور بالمدينة، وهو تابعيٌّ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ) كان مكاتبًا لامرأةٍ من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ) بفتحِ الكاف، ومات سعيدٌ المقبريُّ في أوَّل خلافة هشامٍ، وقال ابن سعدٍ: مات سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ، واتَّفقوا على توثيقه، قال محمَّد بن سعدٍ: كان ثقةً كثير الحديث، لكنَّه اختلط قبل موته بأربع سنين، وقد سقط قوله «قال أبو عبد الله: قال إسماعيل … » إلى آخره في غير رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، وثبت فيها، والله أعلم.
стр. 5177
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ) سواء كان معلومًا أو مجهولًا عند من يجيزه.
٢٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن مقاتلٍ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ «في هذه الآية» (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أ﴾) تجافيًا عنها وترفُّعًا عن صحبتها، كراهةً لها ومنعًا لحقوقها (﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]) بأن يُقِلَّ مجالستها ومحادثتها (قَالَت) عائشة: (الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ) حال كونه (لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أي: ليس بطالبٍ كثرة الصُّحبة منها، إمَّا لكبرها أو لسوء خُلُقها أو لغير ذلك، وخبر المبتدأ الذي هو «الرَّجلُ» قولُه: (يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا) أي (١): لِمَا ذكر (فَتَقُولُ) المرأة: (أَجْعَلُكَ مِنْ) أجل (شَأْنِي فِي حِلٍّ) أي: من حقوق الزَّوجيَّة وتتركني بغير (٢) طلاقٍ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ) وعن عليٍّ ﵁: نزلت في المرأة تكون عند الرَّجل تكره مفارقته، فيصطلحان على أن يجيئها كلَّ ثلاثة أيَّامٍ أو أربعةٍ، وروى التِّرمذيُّ من طريق سِمَاكٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خشيت سَودة أن يُطلِّقها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا تُطلِّقني، واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية، وقال: حسنٌ غريبٌ، وقد تبيَّن أنَّ مورد الحديث إنَّما هو في حقِّ من تُسقِط حقَّها من القسمة، وحينئذٍ فقول
стр. 5178
الكِرمانيِّ: -إنَّ المطابقة بين التَّرجمة وما بعدها من جهة أنَّ الخلع عقدٌ لازمٌ لا يصحُّ الرُّجوع فيه، فيلتحق به كلُّ عقدٍ لازمٍ- وهمٌ، كما نبَّه عليه في «فتح الباري».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٠١].
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَذِنَ) رجلٌ (لَهُ) أي: لرجلٍ آخر في استيفاء حقِّه (أَوْ أَحَلَّهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو أحلَّ له» (وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ) أي: مقدار المأذون في استيفائه أو المُحلَّل.
٢٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي نسخةٍ صحَّح عليها في «اليونينيَّة» (١): «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ) في قدحٍ، والشَّراب هو اللَّبن الممزوج بالماء (فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) هو ابن عبَّاسٍ (وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ) ﵊ (لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ) القدح (هَؤُلَاءِ؟) أي: الأشياخ (فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا) إنَّما قال ذلك لأنَّه ﵊ لم يأمره به، ولو أمره لأطاع، وظاهره: أنَّه لو أذن له لأعطاهم (قَالَ: فَتَلَّهُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة واللَّام المُشدَّدة، أي: دفعه (رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ) ولم يظهر لي وجه المناسبة بين التَّرجمة والحديث، فالله أعلم، وقد قيل: إنَّها تُؤخَذ من معنى الحديث؛ لأنَّه لو أذن الغلام له ﵊ بدفع الشَّراب إلى الأشياخ، لكان تحليل الغلام غير معلومٍ، وكذلك مقدار شربهم وشربه.
стр. 5179
(١٣) (باب إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ).
٢٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عوفٍ، ابن أخي عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ) القرشيَّ، وقيل: الأنصاريَّ المدنيَّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث (أَخْبَرَهُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ) القرشيَّ، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا) قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية عروة في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٨]: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا»، ولأحمد من حديث أبي هريرة: «من أخذ من الأرض شبرًا بغير حقِّه» (طُوِّقَهُ) بضمِّ الطَّاء المهملة وكسر الواو المُشدَّدة وبالقاف مبنيًّا للمفعول (مِنْ سَبْعِ أَرَْضِينَ) بفتح الرَّاء، وقد تُسكَّن، أي: يوم القيامة، قيل: أراد طوق التَّكليف، وهو أن يُطوَّق (١) حملها يوم القيامة، ولأحمد والطَّبرانيِّ من حديث يعلى بن مُرَّة مرفوعًا: «من أخذ أرضًا بغير حقِّها كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر»، وفي روايةٍ للطَّبرانيِّ في «الكبير»: «من ظلم من الأرض شبرًا كُلِّف أن يحفره حتَّى يبلغ به الماء، ثمَّ يحمله إلى المحشر»، وقيل: إنَّه أراد أنَّه يُخسَف به الأرض، فتصير الأرض المغصوبة في عنقه كالطَّوق، ويعظم قدر عنقه حتَّى يسع ذلك؛ كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه، قال البغويُّ: وهذا أصحُّ، ويؤيِّده حديث ابن عمر المسوق في هذا الباب [خ¦٢٤٥٤] ولفظه: «خُسِف به يوم القيامة إلى سبع أرضين»، وفي حديث ابن مسعودٍ عند أحمد بإسنادٍ حسنٍ، والطَّبرانيِّ في «الكبير»: قلت: يا رسول الله؛ أيُّ الظُّلم أظلم (٢)؟ فقال: «ذراعٌ من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حقِّ أخيه، فليس حصاةٌ من الأرض يأخذها إلَّا
стр. 5180
طُوِّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إِلَّا الله الذي خلقها»، أو المراد بالتَّطوُّق: الإثم، فيكون الظُّلم لازمًا في عنقه لزومَ الإثم عنقه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وفي هذا تهديدٌ عظيمٌ للغاصب، خصوصًا ما يفعله بعضهم من بناء المدارس والرُّبط ونحوهما ممَّا يظنُّون به القُرَب والذِّكر الجميل من غصب الأرض لذلك، وغصب الآلات واستعمال العمَّال ظلمًا، وعلى تقدير أن يعطي، فإنَّما يعطي من المال الحرام الذي اكتسبه ظلمًا الذي لم يقل أحدٌ بجواز أخذه، ولا الكفَّار على اختلاف مِللهم، فيزداد هذا الظَّالم بإرادته الخير على زعمه من الله بُعْدًا، أَمَا سمع هذا الظَّالمُ قولَه ﷺ : «من ظلم من الأرض شيئًا طُوِّقه من سبع أرضين»، وقوله ﵊ (١) فيما يروي عن ربِّه: «ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي العهد ثمَّ غدر، ورجلٌ باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه عمله ولم يعطه أجره» رواه البخاريُّ (٢) [خ¦٢٢٢٧].
٢٤٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو بن أبي (٣) الحجَّاج، المُقعَد البصريُّ قال:
стр. 5181
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) المعلِّم (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطَّائيِّ اليماميِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميُّ: (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ (١) خُصُومَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على أسمائهم، ووقع لمسلمٍ من طريق حرب بن شدَّادٍ عن يحيى: وكان (٢) بينه وبين قومه خصومةٌ في أرضٍ، ففيه نوع تعيينٍ للخصوم وتعيين المُتخاصَم (٣) فيه (فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ ﵂¬) أي: ذلك كما في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٥] (فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ (٤)، اجْتَنِبِ الأَرْضَ) فلا تغصب منها شيئًا (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) وفي روايةٍ: «يقول»: (مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ) بكسر القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، أي: قدر شبرٍ (مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) أي: يوم القيامة، وفي حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ عند ابن أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ: «أعظمُ الغلول عند الله يوم القيامة ذراعُ أرضٍ يسرقه رجلٌ فيُطوَّقه من سبع أرضين»، وعند ابن حبَّان من حديث أبي يَعلى بن مرَّة مرفوعًا: «أيُّما رجلٍ ظَلَمَ شبرًا من الأرض كَلَّفه الله أن يحفره حتَّى يبلغ آخر (٥) سبع أرضين، ثمَّ يُطَوَّقه يوم القيامة حتَّى يقضيَ بين النَّاس».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٥]، ومسلمٌ في «البيوع».
٢٤٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفَرَاهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ)
стр. 5182
المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا) قلَّ أو كَثُر (بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ) أي: بالآخذ غصبًا تلك الأرض المغصوبة (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ) فتصير له كالطَّوق في عنقه بعد أن يطوِّله الله تعالى، أو أنَّ هذه الصِّفات تتنوَّع لصاحب هذه الجناية على حسب قوَّة المفسدة وضعفها، فيُعذَّب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، وفي الحديث: إمكانُ غصب الأرض خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف حيث قالا: الغصب لا يتحقَّق إلَّا فيما يُنقَل ويُحوَّل (١)؛ لأنَّ إزالة اليد بالنَّقل، ولا نقلَ (٢) في العقار، وإذا غصب عقارًا فهلك في يده لم يضمنه، وقال محمد: يضمنه، وهو قول أبي يوسف الأوَّل، وبه قال الشَّافعيُّ؛ لتحقُّق إثبات اليد، ومن ضرورته زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محلٍّ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ، فيتحقَّق الوصفان، وهو الغصب فصار كالمنقول وجحود الوديعة، ولهما -يعني: لأبي حنيفة وأبي يوسف-: أنَّ الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعلٍ في العين، وهذا لا يُتصوَّر في العقار؛ لأنَّ يد المالك لا تزول إلَّا بإخراجه عنها، وهو فعلٌ فيه لا في العقار، قاله في «الهداية»، واستدلَّ لهما في «الاختيار شرح المختار» بحديث الباب: «من ظلم من الأرض شيئًا طُوِّقه من سبع أرضين» لأنَّه ﵊ ذكر الجزاء في غصب العقار، ولم يذكر الضَّمان، ولو وجب لذكره، وصوَّر المسألة بما إذا سكن دار غيره بغير إذنه ثمَّ خربت، أمَّا إذا هدم البناء وحفر الأرض فيضمن؛ لأنَّه وُجِد منه النَّقل والتَّحويل فإنَّه إتلافٌ، ويضمن بالإتلاف ما لا يُضمَن بالغصب، والعقار يُضمَن بالإتلاف وإن لم يُضمَن بالغصب، ولأنَّه تصرُّفٌ في العين. انتهى. ومن فوائد حديث الباب ما قاله ابن المنيِّر: إنَّ فيه دليلًا على أنَّ الحكم إذا تعلَّق بظاهر الأرض تعلَّق بباطنها إلى التُّخوم، فمن مَلَكَ ظاهرَ الأرض مَلَكَ باطنها من حجارةٍ وأبنيةٍ ومعادنٍ، ومن حبس أرضًا مسجدًا أو غيره يتعلَّق التَّحبيس بباطنه، حتَّى لو أراد إمام المسجد أن يحتفر تحت أرض المسجد، ويبني مطامير تكون أبوابها إلى جانب المسجد تحت مصطبةٍ
стр. 5183
له أو نحوها، أو جعل المطامير حوانيت ومخازن لم يكن له ذلك؛ لأنَّ باطن الأرض تعلَّق به الحبس كظاهرها، فكما لا يجوز اتِّخاذ قطعةٍ من المسجد حانوتًا كذلك لا يجوز ذلك في باطنه.
(قَالَ الفَِرَبْريُّ: قَالَ أَبُو جَعْفَر بن أَبِي حَاتِم) واسمه محمَّدٌ البخاريُّ ورَّاق المؤلِّف: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (هَذَا الحَدِيثُ) أي: حديث الباب (لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابِ ابْنِ المُبَارَكِ) ولأبي ذرٍّ: «في كتب ابن المبارك التي صنَّفها بها» (أَمْلَاهُ) أي: الحديث، وللمُستملي والحَمُّويي: «إنَّما أُمْلِيَ» بزيادة: «إنَّما» وضمِّ الهمزة وحذف الضَّمير المنصوب (عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ) لكنَّ نعيم بن حمَّادٍ المروزيَّ ممَّن حمل عنه بخراسان، وقد حدَّث عنه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون حدَّث به بخراسان، والله أعلم، وهذه الفائدة التي ذكرها الفَِرَبْريُّ ثابتةٌ في رواية أبي ذرٍّ، ساقطةٌ لغيره.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا) أي: في شيءٍ (جَازَ).
٢٤٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ جَبَلَةَ) بالجيم والمُوحَّدة واللَّام المفتوحات، ابن سُحَيمٍ -بضمِّ السِّين وفتح الحاء المهملتين- الشَّيبانيِّ، أنَّه قال: (كُنَّا بِالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ) وعند التِّرمذيِّ: في بعث أهل (١) العراق (فَأَصَابَنَا سَنَةٌ) غلاءٌ وجدبٌ (فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ الله (يَرْزُقُنَا) أي: يطعمنا (التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمُرُّ بِنَا) أي: ونحن نأكله (فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ) بهمزةٍ مكسورةٍ بين اللَّام والقاف، من الثُّلاثيِّ المزيد فيه، قال عياضٌ: والصَّواب: القران، بإسقاط الهمزة، وهو أن تقرن تمرةً بتمرةٍ عند الأكل لأنَّ فيه إجحافًا برفيقه مع ما فيه من الشَّرَه المزري بصاحبه، نعم إذا كان التَّمر ملكًا له فله (٢) أن يأكل كيف شاء (إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ
стр. 5184
الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ) فيأذن له، فإنَّه يجوز لأنَّه حقُّه، فله إسقاطه، واختُلِف هل قوله: «إلَّا أن يستأذن … » إلى آخره مُدرَجٌ من قول ابن عمر أو مرفوعٌ؟ فذهب الخطيب إلى الأوَّل، وعُورِض بحديث جَبَلة عند البخاريِّ [خ¦٢٤٨٩]: سمعت ابن عمر يقول: «نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التَّمرتين جميعًا حتَّى يستأذن أصحابه»، وهل النَّهي للتَّحريم أو للتَّنزيه؟ فنقل عياضٌ عن أهل الظَّاهر: أنَّه للتَّحريم، وعن غيرهم: أنَّه للتَّنزيه، وصوَّب النَّوويُّ التَّفصيل؛ فإن كان مشتركًا بينهم حَرُم إلَّا برضاهم، وإلَّا فلا.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٤٦] و «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٠]، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
٢٤٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو الأنصاريِّ البدريِّ: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ) يبيع اللَّحم، ولم يُسَمَّ (فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ) لعلمه أنَّ النَّبيَّ ﷺ سيتبعه (١) غيره (لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ) أي: أحد خمسةٍ (وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ، يعني أنَّه قال لغلامه: اصنع لنا في حال رؤيته تلك (فَدَعَاهُ) أي: دعا أبو شعيبٍ النَّبيَّ ﷺ (فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ) أي: سادسٌ لهم لم يُسَمَّ أيضًا (لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا) بتشديد التَّاء (أَتَأْذَنُ لَهُ) في الدُّخول؟ (قَالَ: نَعَمْ).
وهذا الحديث قد مضى في «باب ما قيل في اللَّحَّام والجزَّار» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٠٨١].
стр. 5185
(١٥) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة البقرة: (﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]) ﴿أَلَدُّ﴾ أفعل تفضيلٍ، من اللَّدد، وهو شدَّة الخصومة و ﴿الْخِصَامِ﴾: المخاصمة، ويجوز أن يكون جمع خصمٍ، كصعبٍ وصعابٍ، بمعنى: أشدُّ الخصوم خصومة، أو أنَّ «أفعل» هنا ليست للتَّفضيل، بل بمعنى الفاعل، أي: وهو لديد الخصام، أي: شديد المخاصمة، فيكون (١) من إضافة الصِّفة المُشبَّهة، وعن ابن عبَّاسٍ: أي: ذو جدالٍ، وقال السُّدِّيُّ فيما ذكره ابن كثيرٍ: نزلت في الأخنس ابن شريقٍ الثَّقفيِّ جاء إلى رسول الله (٢) ﷺ وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عبَّاسٍ: أنها نزلت في نفرٍ من المنافقين تكلَّموا في خُبَيبٍ وأصحابه الذين قُتِلوا بالرَّجيع وعابوهم، فأنزل الله ذمَّ المنافقين، ومَدْحَ خُبَيبٍ (٣) وأصحابه.