← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) المعلِّم (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطَّائيِّ اليماميِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميُّ: (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ (١) خُصُومَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على أسمائهم، ووقع لمسلمٍ من طريق حرب بن شدَّادٍ عن يحيى: وكان (٢) بينه وبين قومه خصومةٌ في أرضٍ، ففيه نوع تعيينٍ للخصوم وتعيين المُتخاصَم (٣) فيه (فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ ﵂¬) أي: ذلك كما في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٥] (فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ (٤)، اجْتَنِبِ الأَرْضَ) فلا تغصب منها شيئًا (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) وفي روايةٍ: «يقول»: (مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ) بكسر القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، أي: قدر شبرٍ (مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) أي: يوم القيامة، وفي حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ عند ابن أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ: «أعظمُ الغلول عند الله يوم القيامة ذراعُ أرضٍ يسرقه رجلٌ فيُطوَّقه من سبع أرضين»، وعند ابن حبَّان من حديث أبي يَعلى بن مرَّة مرفوعًا: «أيُّما رجلٍ ظَلَمَ شبرًا من الأرض كَلَّفه الله أن يحفره حتَّى يبلغ آخر (٥) سبع أرضين، ثمَّ يُطَوَّقه يوم القيامة حتَّى يقضيَ بين النَّاس». وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٥]، ومسلمٌ في «البيوع». ٢٤٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفَرَاهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ)

стр. 5182

المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا) قلَّ أو كَثُر (بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ) أي: بالآخذ غصبًا تلك الأرض المغصوبة (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ) فتصير له كالطَّوق في عنقه بعد أن يطوِّله الله تعالى، أو أنَّ هذه الصِّفات تتنوَّع لصاحب هذه الجناية على حسب قوَّة المفسدة وضعفها، فيُعذَّب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، وفي الحديث: إمكانُ غصب الأرض خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف حيث قالا: الغصب لا يتحقَّق إلَّا فيما يُنقَل ويُحوَّل (١)؛ لأنَّ إزالة اليد بالنَّقل، ولا نقلَ (٢) في العقار، وإذا غصب عقارًا فهلك في يده لم يضمنه، وقال محمد: يضمنه، وهو قول أبي يوسف الأوَّل، وبه قال الشَّافعيُّ؛ لتحقُّق إثبات اليد، ومن ضرورته زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محلٍّ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ، فيتحقَّق الوصفان، وهو الغصب فصار كالمنقول وجحود الوديعة، ولهما -يعني: لأبي حنيفة وأبي يوسف-: أنَّ الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعلٍ في العين، وهذا لا يُتصوَّر في العقار؛ لأنَّ يد المالك لا تزول إلَّا بإخراجه عنها، وهو فعلٌ فيه لا في العقار، قاله في «الهداية»، واستدلَّ لهما في «الاختيار شرح المختار» بحديث الباب: «من ظلم من الأرض شيئًا طُوِّقه من سبع أرضين» لأنَّه ﵊ ذكر الجزاء في غصب العقار، ولم يذكر الضَّمان، ولو وجب لذكره، وصوَّر المسألة بما إذا سكن دار غيره بغير إذنه ثمَّ خربت، أمَّا إذا هدم البناء وحفر الأرض فيضمن؛ لأنَّه وُجِد منه النَّقل والتَّحويل فإنَّه إتلافٌ، ويضمن بالإتلاف ما لا يُضمَن بالغصب، والعقار يُضمَن بالإتلاف وإن لم يُضمَن بالغصب، ولأنَّه تصرُّفٌ في العين. انتهى. ومن فوائد حديث الباب ما قاله ابن المنيِّر: إنَّ فيه دليلًا على أنَّ الحكم إذا تعلَّق بظاهر الأرض تعلَّق بباطنها إلى التُّخوم، فمن مَلَكَ ظاهرَ الأرض مَلَكَ باطنها من حجارةٍ وأبنيةٍ ومعادنٍ، ومن حبس أرضًا مسجدًا أو غيره يتعلَّق التَّحبيس بباطنه، حتَّى لو أراد إمام المسجد أن يحتفر تحت أرض المسجد، ويبني مطامير تكون أبوابها إلى جانب المسجد تحت مصطبةٍ

стр. 5183

له أو نحوها، أو جعل المطامير حوانيت ومخازن لم يكن له ذلك؛ لأنَّ باطن الأرض تعلَّق به الحبس كظاهرها، فكما لا يجوز اتِّخاذ قطعةٍ من المسجد حانوتًا كذلك لا يجوز ذلك في باطنه. (قَالَ الفَِرَبْريُّ: قَالَ أَبُو جَعْفَر بن أَبِي حَاتِم) واسمه محمَّدٌ البخاريُّ ورَّاق المؤلِّف: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (هَذَا الحَدِيثُ) أي: حديث الباب (لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابِ ابْنِ المُبَارَكِ) ولأبي ذرٍّ: «في كتب ابن المبارك التي صنَّفها بها» (أَمْلَاهُ) أي: الحديث، وللمُستملي والحَمُّويي: «إنَّما أُمْلِيَ» بزيادة: «إنَّما» وضمِّ الهمزة وحذف الضَّمير المنصوب (عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ) لكنَّ نعيم بن حمَّادٍ المروزيَّ ممَّن حمل عنه بخراسان، وقد حدَّث عنه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون حدَّث به بخراسان، والله أعلم، وهذه الفائدة التي ذكرها الفَِرَبْريُّ ثابتةٌ في رواية أبي ذرٍّ، ساقطةٌ لغيره. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا) أي: في شيءٍ (جَازَ). ٢٤٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ جَبَلَةَ) بالجيم والمُوحَّدة واللَّام المفتوحات، ابن سُحَيمٍ -بضمِّ السِّين وفتح الحاء المهملتين- الشَّيبانيِّ، أنَّه قال: (كُنَّا بِالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ) وعند التِّرمذيِّ: في بعث أهل (١) العراق (فَأَصَابَنَا سَنَةٌ) غلاءٌ وجدبٌ (فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ الله (يَرْزُقُنَا) أي: يطعمنا (التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمُرُّ بِنَا) أي: ونحن نأكله (فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ) بهمزةٍ مكسورةٍ بين اللَّام والقاف، من الثُّلاثيِّ المزيد فيه، قال عياضٌ: والصَّواب: القران، بإسقاط الهمزة، وهو أن تقرن تمرةً بتمرةٍ عند الأكل لأنَّ فيه إجحافًا برفيقه مع ما فيه من الشَّرَه المزري بصاحبه، نعم إذا كان التَّمر ملكًا له فله (٢) أن يأكل كيف شاء (إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ

стр. 5184

الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ) فيأذن له، فإنَّه يجوز لأنَّه حقُّه، فله إسقاطه، واختُلِف هل قوله: «إلَّا أن يستأذن … » إلى آخره مُدرَجٌ من قول ابن عمر أو مرفوعٌ؟ فذهب الخطيب إلى الأوَّل، وعُورِض بحديث جَبَلة عند البخاريِّ [خ¦٢٤٨٩]: سمعت ابن عمر يقول: «نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التَّمرتين جميعًا حتَّى يستأذن أصحابه»، وهل النَّهي للتَّحريم أو للتَّنزيه؟ فنقل عياضٌ عن أهل الظَّاهر: أنَّه للتَّحريم، وعن غيرهم: أنَّه للتَّنزيه، وصوَّب النَّوويُّ التَّفصيل؛ فإن كان مشتركًا بينهم حَرُم إلَّا برضاهم، وإلَّا فلا. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٤٦] و «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٠]، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة». ٢٤٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو الأنصاريِّ البدريِّ: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ) يبيع اللَّحم، ولم يُسَمَّ (فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ) لعلمه أنَّ النَّبيَّ ﷺ سيتبعه (١) غيره (لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ) أي: أحد خمسةٍ (وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ، يعني أنَّه قال لغلامه: اصنع لنا في حال رؤيته تلك (فَدَعَاهُ) أي: دعا أبو شعيبٍ النَّبيَّ ﷺ (فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ) أي: سادسٌ لهم لم يُسَمَّ أيضًا (لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا) بتشديد التَّاء (أَتَأْذَنُ لَهُ) في الدُّخول؟ (قَالَ: نَعَمْ). وهذا الحديث قد مضى في «باب ما قيل في اللَّحَّام والجزَّار» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٠٨١].

стр. 5185

(١٥) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة البقرة: (﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]) ﴿أَلَدُّ﴾ أفعل تفضيلٍ، من اللَّدد، وهو شدَّة الخصومة و ﴿الْخِصَامِ﴾: المخاصمة، ويجوز أن يكون جمع خصمٍ، كصعبٍ وصعابٍ، بمعنى: أشدُّ الخصوم خصومة، أو أنَّ «أفعل» هنا ليست للتَّفضيل، بل بمعنى الفاعل، أي: وهو لديد الخصام، أي: شديد المخاصمة، فيكون (١) من إضافة الصِّفة المُشبَّهة، وعن ابن عبَّاسٍ: أي: ذو جدالٍ، وقال السُّدِّيُّ فيما ذكره ابن كثيرٍ: نزلت في الأخنس ابن شريقٍ الثَّقفيِّ جاء إلى رسول الله (٢) ﷺ وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عبَّاسٍ: أنها نزلت في نفرٍ من المنافقين تكلَّموا في خُبَيبٍ وأصحابه الذين قُتِلوا بالرَّجيع وعابوهم، فأنزل الله ذمَّ المنافقين، ومَدْحَ خُبَيبٍ (٣) وأصحابه.

стр. 5186

٢٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عُبَيد الله، واسم أبي مليكة زهيرٌ، المكِّيِّ الأحول (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ) (الأَلَدُّ الخَصِمُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصَّاد المهملة، المُولَع بالخصومة، الماهر فيها، واللَّام في «الرِّجال» للعهد، فالمرادُ: الأخنسُ، وهو منافقٌ، أو المراد: الألدُّ في الباطل المستحلُّ له، أو هو تغليظٌ في الزَّجر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٨٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٢٣]، ومسلمٌ في «القدر»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (١٦) (باب إِثْمِ (١) مَنْ خَاصَمَ فِي) أمرٍ (بَاطِلٍ وَهْوَ يَعْلَمُهُ) أي: يعلم أنَّه باطلٌ. ٢٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ نزيل بغداد، تُكلِّم فيه بلا قادحٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام (أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ) بنت أبي سلمة عبد الله، وكان اسمُها برَّة، فسمَّاها النَّبيُّ (٢) ﷺ زينبَ (٣) (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة (¬﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ

стр. 5187

سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ) التي هي سكنُ (١) أمِّ سلمة (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ) أي: إلى الخصوم، ولم يُسمَّوا (فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) من باب الحصر المجازيِّ؛ لأنَّه حصرٌ خاصٌّ، أي: باعتبار علم البواطن، ويُسمَّى عند علماء البيان قصر القلب؛ لأنَّه أتى به على الرَّدِّ (٢) على من زعم أنَّ من كان رسولًا يعلم الغيب، فيطَّلع على البواطن، ولا يخفى عليه المظلوم، ونحو ذلك، فأشار إلى أنَّ الوضع البشريَّ يقتضي ألَّا يدرك من الأمورإلَّا ظواهرها، فإنَّه خُلِق خلقًا لا يَسْلَمُ من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء، فإذا تُرِك على (٣) ما جُبِل عليه من القضايا البشريَّة ولم يُؤيَّد بالوحي السَّماويِّ طرأ عليه ما يطرأ على سائر البشر (وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ) وفي «الأحكام» [خ¦٧١٦٩]: «وإنَّكم تختصمون إليَّ» (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ) أي: أحسن إيرادًا للكلام (مِنْ بَعْضٍ) أي: وهو كاذبٌ، وفي «الأحكام»: «ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعضٍ»، أي: ألسنَ وأفصحَ وأبينَ كلامًا وأقدرَ على الحجَّة، وفيه اقتران خبر «لعلَّ» التي اسمها «بعض» بـ «أن» المصدريَّة (فَأَحْسَِبَُ) بفتح السِّين وكسرها لغتان، والنَّصب عطفًا على «أن يكون أبلغَ»، وبالرَّفع، أي: فأظنُّ لفصاحته ببيان حجَّته (أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ) الذي سمعتُ منه (فَمَنْ قَضَيْتُ) أي: حكمت (لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ) أي: أو ذمِّيٍّ أو معاهدٍ، فالتَّعبير بالمسلم لا مفهوم له، وإنَّما خرج مخرج الغالب كنظائره ممَّا سبق (فَإِنَّمَا هِيَ) أي: القصَّة أو الحالة (قِطْعَةٌ) طائفةٌ (مِنَ النَّارِ) أي: من قضيت له بظاهرٍ يخالف الباطن فهو حرامٌ، فلا يأخذنَّ ما قضيتُ له؛ لأنَّه يأخذ ما يؤول به إلى قطعةٍ من النَّار، فوضع المُسبَّب -وهو قطعةٌ من النَّار- موضع السَّبب -وهو ما حكم له به- (فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا) ولأبي ذرٍّ: «أو ليتركها» بإسقاط الفاء، قال النَّوويُّ: ليس معناه التَّخيير، بل هو للتَّهديد والوعيد، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه إن أراد أنَّ كلتا (٤) الصِّيغتين للتَّهديد فممنوعٌ، فإنَّ قوله: «فليتركها» للوجوب، وإن أراد الأُولى -وهو: «فليأخذها» - فلا تخيير فيها بمجرَّدها حتَّى يقول: ليس للتَّخيير، ثمَّ إنَّ «أو» ممَّا يشرك (٥) لفظًا

стр. 5188

ومعنىً، والتَّهديد ضدَّ الوجوب، وأُجيب: بأنَّه يحتمل إرادة الصِّيغتين لا على معنى أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما للتَّهديد، بل الأمر للتَّخيير المستفاد من مجموعهما بدليل تنظيره بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وكلاهما نظيرُ: «خذ من مالي درهمًا أو خذ دينارًا»، وكذلك في معنى ذلك ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] لأنَّه ينحلُّ إلى: اعملوا خيرًا إن شئتم، واعملوا شرًّا إن شئتم، والتَّهديد هو التَّخويف، ودلالة هذه الصِّيغ عليها إنَّما هي بقرينةٍ خارجةٍ عن (١) اللَّفظ، وهي ما قُصِد في الكلام من التَّخويف بعاقبة ذلك، ويحتمل أنَّ الصِّيغة الأولى هي التي (٢) للتَّهديد، وهو قريبٌ من نحو [خ¦١٠٧]: «فليتبوّأ مقعده من النَّار»، وحينئذٍ فـ «أو» للإضراب، والصِّيغة الثَّانية على حقيقتها من الإيجاب، أي: بل ليدعها، وقد قال سيبويه: إنَّ «أو» تأتي للإضراب بشرطين: سبق نفيٍ أو نهيٍ، وإعادة العامل، والشَّرطان موجودان فيه؛ لأنَّا إذا حَمَلْنا «فليأخذها» على التَّهديد، كأنَّ معناه: فلا يأخذها بل يدعها، قاله في «العدَّة» (٣). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٨١] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٠٨] و «ترك (٤) الحيل» [خ¦٦٩٦٧]، ومسلمٌ في «القضاء» (٥)، وأبو داود في «الأحكام». (١٧) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين، في ذمِّ مَنْ (إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) وفي نسخةٍ: بترك تنوين «باب».

стр. 5189

٢٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بالمُوحَّدة المكسورة والمعجمة السَّاكنة، العسكريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفرٍ» (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) الهمدانيِّ الخارفيِّ -بخاءٍ معجمةٍ وراءٍ وفاءٍ- الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع، أبو عائشة، الهَمْدانيُّ (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن العاص (¬﵄، عَنِ (٢) النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَرْبَعٌ) أي: أربع خصالٍ (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا) عمليًّا لا إيمانيًّا، أو منافقًا عرفيًّا لا شرعيًّا، وليس المراد الكفر الملقي في الدَّرك الأسفل من النَّار (أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ) أي: خَلَّةٌ -بفتح الخاء- (مِنْ أَرْبَعَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «أربعٍ» (كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) يتركها: (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ (كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) في الخصومة، أي: مالَ عن الحقِّ، والمراد به هنا: الشَّتم والرَّمي بالأشياء القبيحة والبهتان، وزاد في «كتاب الإيمان» [خ¦٣٤]: «إذا اؤتُمِن خان»، لكنَّه أسقطه هنا و (٣) أسقط: «وإذا وعد أخلف» (٤) لأنَّ المُسقَط (٥) في الموضعين داخلٌ تحت المذكور منهما، فحصل من الرِّوايتين خمس خصالٍ، وفي حديث أبي هريرة في «كتاب الإيمان» [خ¦٣٣] أيضًا: «آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمِن خان»، فأسقط: الغدر في المعاهدة، وفي رواية مسلمٍ لحديث الباب: الخلف في الوعد بدل (٦) «الغدر» كحديث أبي هريرة هذا، فكأنَّ بعض الرُّواة تصرَّف في لفظه؛ لأنَّ معناهما قد يتَّحد، وعلى هذا فالمزيد: الفجور في الخصومة، وقد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث، ووجه الاقتصار على الثَّلاثة أنَّها منبِّهةٌ (٧) على ما عداها، إذ أصل الدِّيانة منحصرٌ (٨) في ثلاثةٍ (٩): القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على

стр. 5190

فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف؛ لأنَّ خُلْف الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا ثمَّ عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ، فهذا (١) لم توجد منه صورة النِّفاق، وعند أبي داود والتِّرمذيِّ من حديث زيد بن أرقم: «إذا وعد الرَّجلُ أخاه ومن نيَّته أن (٢) يفي له فلم يفِ، فلا إثم عليه»، قال الكِرمانيُّ: والحقُّ أنَّها خمسةٌ متغايرةٌ عُرْفًا، وباعتبار تغاير الأوصاف واللَّوازم أيضًا، ووجه الحصر فيها أنَّ إظهار خلاف الباطن إمَّا في الماليَّات، وهو «إذا اؤتُمِن خان»، وإمَّا في غيرها، فهو إمَّا في حالة الكدورة، وهو «إذا خاصم فجر» (٣)، وإمَّا في حالة الصَّفاء فهو إمَّا مُؤكَّدة (٤) باليمين، وهو «إذا عاهد» أو لا، فهو إمَّا بالنَّظر إلى المستقبل، وهو «إذا وعد»، وإمَّا بالنَّظر إلى الحال، وهو «إذا حدَّث»، وقال البيضاويُّ: يحتمل أن يكون هذا مختصًّا بأبناء زمانه، فإنَّه ﷺ علم بنور الوحي بواطن أحوالهم، وميَّز بين من آمن به صدقًا، ومن أذعن له نفاقًا، وأراد تعريف أصحابه عن حالهم (٥) ليكونوا على حذرٍ منهم، ولم يصرِّح بأسمائهم لأنَّه ﵊ علم أنَّ منهم مَن سيتوب، فلم يفضحهم بين النَّاس، ولأنَّ عدم التَّعيين أوقعُ في النَّصيحة، وأجلبُ للدَّعوة إلى الإيمان، وأبعد عن النُّفور، ويحتمل أن يكون عامًّا لينزجر الكلُّ عن هذه الخصال على آكد وجهٍ، إيذانًا بأنَّها طلائع النِّفاق الذي هو أسمج القبائح، كأنَّه كفرٌ مُمَّوَهٌ باستهزاءٍ وخداعٍ مع ربِّ الأرباب، ومسبِّب الأسباب، فعُلِم من ذلك أنَّها منافيةٌ لحال المسلمين، فينبغي للمسلم ألَّا يرتع حولها، فإنَّ من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. انتهى. وسُئِل الطِّيبيُّ: أيُّ الرَّذائل أقبح؟ فأجاب (٦): بأنَّه الكذب، قال: ولذلك علَّل عذابهم به في قوله: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] ولم يقل: بما كانوا يصنعون من النِّفاق، ليؤذن بأنَّ الكذب قاعدة مذهبهم وأسُّه (٧)، فينبغي للمؤمن المصدِّق أن يجتنب الكذب لأنَّه مُنافٍ لوصف الإيمان والتَّصديق، ومنه: الفجورُ في الخصومة.

стр. 5191

وقد سبق الحديث في «علامة (١) المنافق» (٢) من «كتاب الإيمان» [خ¦٣٤]. (١٨) (باب قِصَاصِ المَظْلُومِ) الذي أُخِذ مالُه (إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ) الذي ظلمه، هل يأخذ منه بقدر الذي له ولو بغير حكم حاكمٍ؟ وهي مسألة الظَّفر (٣)، (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، ممَّا وصله عبدُ بن حُمَيدٍ في «تفسيره»: (يُقَاصُّهُ) بتشديد الصَّاد المهملة، أي: يأخذ مثل ماله (وَقَرَأَ) ابن سيرين: (﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]) أي: من غير زيادةٍ ولا نقصٍ. ٢٤٦٠ - وبه قال (٤): (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) أمُّ معاوية، أسلمت يوم الفتح، وتُوفِّيت في خلافة عمر ﵁ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوجها، والد معاوية (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) بكسر الميم وتشديد السِّين (٥) المهملة في المشهور عند المحدِّثين، وفي كتب اللُّغة: الفتح والتَّخفيف، أي: بخيلٌ شديد المسك لما في يده (فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ) إثمٌ (أَنْ أُطْعِمَ) بضمِّ الهمزة وكسر العين (مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا حَرَجَ) لا إثمَ (عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ) أي: بإطعامك إيَّاهم (بِالمَعْرُوفِ) أي: بقدر ما يتعارف أن يأكل العيال.

стр. 5192

ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من جهة إذنه ﵊ لهندٍ بالأخذ من مال زوجها أبي سفيان، إذ فيه دلالةٌ على جواز أخذ صاحب الحقِّ من مالِ مَنْ لم يوفه، أو جحده قدر حقِّه، وهذا الحديث قد مرَّ [خ¦٢٢١١] ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٩] وفيه فوائد، وقوله في «شرح السُّنَّة»: -إنَّ من فوائده: أنَّ القاضي له أن يقضي بعلمه؛ لأنَّه ﵊ لم يكلِّفها البيِّنة- فيه نظرٌ؛ لأنَّه إنَّما كان فتوى لا حكمًا، وكذا استدلال جماعةٍ به على جواز القضاء على الغائب، لأنَّ أبا سفيان كان حاضرًا بالبلد. ٢٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ) بن أبي حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثدٍ -بالمُثلَّثة- ابن عبد الله اليزنيِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيِّ، أنَّه (قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا) بفتح أوَّله وإسقاط نون الجمع للتَّخفيف، ولأبي ذرٍّ: «لا يقروننا» أي: لا يضيِّفوننا (فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ) ﵊ (لَنَا: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم (بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا) ذلك منهم (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فخذوا منه»، أي: من مالهم (حَقَّ الضَّيْفِ) ظاهرُه الوجوبُ بحيث لو امتنعوا من فعله أُخِذ منهم قهرًا، وحُكِي القول به عن اللَّيث، وقال أحمد بالوجوب على أهل البادية دون القرى، ومذهب أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ والجمهور: أنَّ ذلك سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وأجابوا عن حديث الباب بحمله على المُضطَرين، فإنَّ ضيافتهم واجبةٌ تُؤخَذ من مال الممتنع بعوضٍ عند الشَّافعيِّ، أو هذا كان في أوَّل الإسلام حيث كانت المواساة واجبةً، فلمَّا اتَّسع الإسلام نُسِخ ذلك بقوله ﵊: «جائزته يومٌ وليلةٌ» [خ¦٦١٣٥] والجائزة تفضُّلٌ وليست بواجبةٍ، أو المراد: العمَّال المبعوثون من جهة الإمام، بدليل قوله: «إنَّك تبعثنا»، فكان على المبعوث إليهم طعامُهم ومركبُهم وسُكْناهم يأخذونه على العمل الذي يتولَّونه؛ لأنَّه لا مقام لهم إلَّا بإقامة هذه الحقوق، واستدلَّ به المؤلِّف على مسألة

стр. 5193

الظَّفر، وبها قال الشَّافعيُّ فجزم بالأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحقِّ بالقاضي بأن يكون منكرًا ولا بيِّنة لصاحب الحقِّ، قال: ولا يأخذ غير الجنس مع ظفره بالجنس، فإن لم يجد إلَّا غير الجنس جاز الأخذ، وإن أمكن تحصيل الحقِّ بالقاضي بأن كان مُقِرًّا مماطلًا أو منكرًا، وعليه بيِّنةٌ، أو كان يرجو إقراره لو حضر عند القاضي، وعرض عليه اليمين، فهل يستقلُّ بالأخذ أم يجب الرَّفع إلى القاضي؟ فيه للشَّافعيَّة وجهان، أصحُّهما عند أكثرهم: جواز الأخذ، واختلف المالكيَّة، والمُفتَى به عندهم: أنَّه (١) يأخذ بقدر حقِّه إنْ أَمن فتنةً أو نسبةً إلى رذيلةٍ، وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذَّهب الذَّهبَ، ومن الفضَّة الفضَّةَ، ومن المكيلِ المكيلَ، ومن الموزون الموزونَ، ولا يأخذ غير ذلك، وفي «سنن أبي داود» من حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّما رجلٍ ضاف قومًا فأصبح الضَّيف محرومًا، فإنَّ نصره حقٌّ على كلِّ مسلمٍ حتَّى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله»، ورواه ابن ماجه بلفظ: «ليلة الضَّيف واجبةٌ، فمن أصبح بفنائه فهو دينٌ عليه، فإن شاء اقتضى، وإن شاء ترك»، فظاهره: أنَّه يقتضي ويطالب وينصره المسلمون ليصل إلى حقِّه، لا أنَّه يأخذ ذلك بيده من غير علم أحدٍ. (١٩) (باب مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ) جمع سقيفةٍ، وهي المكان المُظلَّل (وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) التي وقعت المبايعة فيها بالخلافة لأبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله المؤلِّف في «الأشربة» [خ¦٥٦٣٧] من حديث سهل بن سعدٍ، ومراد المؤلِّف التَّنبيهُ على جواز اتِّخاذها، وهي أنَّ صاحب جانبي الطَّريق يجوز له أن يبني سقفًا على الطَّريق تمرُّ المارَّة تحته، ولا يُقَال: إنَّه تصرُّفٌ في هواء الطَّريق (٢)، وهو تابعٌ لها يستحقُّه المسلمون؛ لأنَّ الحديث دالٌّ على جواز اتِّخاذها، ولولا ذلك لَمَا أقرَّها النَّبيُّ ﷺ ولا جلس تحتها.

стр. 5194

٢٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) (١) الإمام، قال ابن وهبٍ (٢): «ح»: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (يُونُسُ) أي: ابن يزيد الأيليُّ، كلاهما (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين في الأوَّل مُصغَّرًا، وفي الثَّالث وسكون ثانيه (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ ﵃ قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) نُسبِت إليهم لأنَّهم كانوا يجتمعون إليها، أو لأنَّهم بَنَوها، و «ساعدة» هو ابن كعب بن الخزرج، قال عمر: (فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق: (انْطَلِقْ بِنَا) زاد في «الحدود» [خ¦٦٨٣٠]: إلى إخوانِنا هؤلاءِ من الأنصار، فانطلقْنا نريدُهم (فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) الحديث بطوله في «الحدود»، وساقه هنا مختصرًا، والغرض منه أنَّ الصَّحابة استمرُّوا على الجلوس في السَّقيفة المذكورة، فليس ظلمًا. والحديث أخرجه أيضًا في «الهجرة» [خ¦٣٩٢٨] و «الحدود» [خ¦٦٨٣٠] وسيأتي ما فيه من المباحث إن شاء الله تعالى. (٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، في قوله ﵊: (لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً) بالإفراد لأبي ذرٍّ، ولغيره: «خشبهُ» بالهاء بصيغة الجمع (فِي جِدَارِهِ) ومعنى الجمع والإفراد واحدٌ، لأنَّ المراد بالواحد الجنس كما نُقِل عن ابن عبد البرِّ، قال في «الفتح»: وهذا الذي يتعيَّن للجمع بين الرِّوايتين، وإِلَّا فالمعنى قد يختلف باعتبار أنَّ أمر الخشبة الواحدة أخفُّ في مسامحة الجار؛

стр. 5195

بخلاف الخشب الكثير، وقول عبد الغنيِّ بن سعيدٍ: -كلُّ النَّاس يقولونه بالجمع إلَّا الطَّحاويُّ، فإنَّه قال عن روح بن الفرج: سألت أبا زيدٍ والحارث بن بُكَيرٍ ويونس بن عبد الأعلى عنه، فقالوا كلُّهم: «خشبةً» بالتَّنوين- مردودٌ بموافقة أبي ذرٍّ. ٢٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ الحارثيُّ البصريُّ المدنيُّ الأصل (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمْنَعُْ) بالجزم على أنَّ «لا» ناهيةٌ، وبالرَّفع -وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ- على أنَّه خبرٌ بمعنى النَّهي، ولأحمد: «لا يمنعنَّ» (جَارٌ جَارَهُ) الملاصق له (أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً) بالإفراد، و «خشبهُ» بالجمع -كما مرَّ-، وقال المزنيُّ فيما ذكره البيهقيُّ في «المعرفة» بسنده: حدَّثنا الشَّافعيُّ قال: أخبرنا مالكٌ … ، فذكره وقال: «خشبه» من غير (١) تنوينٍ، وقال يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهبٍ عن مالكٍ: «خشبةً» بالتَّنوين (فِي جِدَارِهِ) حمله الشَّافعيُّ في الجديد على النَّدب، فليس لصاحب الخشب أن يغرزها في جدار جاره إلَّا برضاه، ولا يجبر مالكُ الجدار إن امتنع من وضعها، وبه قال المالكيَّة والحنفيَّة جمعًا بين حديث الباب وحديث خطبة حجَّة (٢) الوداع المرويِّ عند الحاكم بإسنادٍ على شرط الشَّيخين في معظمه، ولفظه: «لا يحلُّ لامرئٍ من مال أخيه إلَّا ما أعطاه عن طيب نفسٍ»، وفي القديم على الإيجاب عند الضَّرورة وعدم تضرُّر الحائط، واحتياج المالك، لحديث الباب، فليس له منعه، فإن أبى جبره (٣) الحاكم، وبه قال أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وابن حبيبٍ من المالكيَّة، ولا فرق في ذلك عندهم بين أن يحتاج في وضع الخشب إلى نقب الجدار أم لا، لأنَّ رأس الخشب يسدُّ المنفتح ويقوِّي الجدار، وجزم التِّرمذيُّ وابن

стр. 5196

عبد البرِّ عن الشَّافعيِّ بالقول القديم، وهو نصُّه في «البويطيِّ»، وقال البيهقيُّ في «معرفة السُّنن والآثار»: وأمَّا حديث الخشب في الجدار فإنَّه حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ لم نجد في سنن رسول الله ﷺ ما يعارضه، ولا تصحُّ معارضته بالعمومات، وقد نصَّ الشَّافعيُّ في القديم والجديد على القول به، فلا عذر لأحدٍ في مخالفته، وقد حمله الرَّاوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد بما حدَّث به، يشير (١) إلى قوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) بعد روايته لهذا الحديث محافظةً على العمل بظاهره وتحضيضًا على ذلك لمَّا رآهم توقَّفوا عنه: (مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا) أي: عن (٢) هذه المقالة (٣) (مُعْرِضِينَ؟) وعند أبي داود: «إذا استأذن أحدُكم أخاه أن يغرز خشبةً في جداره فلا يمنعه» فنكَّسوا رؤوسهم، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم قد أعرضتم؟ (وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا) أي: بالمقالة (٤) (بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، جمع كتفٍ، وفي رواية أبي داود: لألقيَّنها، أي: لأصرخنَّ بالمقالة فيكم ولأوجعنَّكم بالتَّقريع بها، كما يُضرَب الإنسان بالشَّيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته، أو الضَّمير للخشبة، والمعنى: إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين؛ لأجعلنَّ الخشبة على رقابكم كارهين، وقصد بذلك المبالغة، قاله الخطَّابيُّ، وقال الطِّيبيُّ: هو كنايةٌ عن إلزامهم بالحجَّة القاطعة على ما ادَّعاه، أي: لا أقول الخشبة تُرمَى على الجدار، بل بين أكتافكم، لما وصَّى رسول الله ﷺ بالبرِّ والإحسان في حقِّ الجار وحمل أثقاله. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود في «القضاء»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام» وأخرجه ابن ماجه أيضًا. (٢١) (باب صَبِّ الخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ) أي: المشتركة بين النَّاس، وفي روايةٍ: «في الطُّرق» بالجمع.

стр. 5197

٢٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى) المعروف بصاعقة قال: (أَخْبَرَنَا عَفَّانُ) بن مسلمٍ، الصَّفَّار، وهو من شيوخ المؤلِّف، روى عنه في «الجنائز» [خ¦١٣٦٨] بغير واسطةٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) البصريُّ، واسم جدِّه درهمٌ، قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) هو ابن أسلم البنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه قال: (كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ) سهلٍ الأنصاريِّ، زوجِ أمِّ أنسٍ، وقد جاءت أسامي القوم مُفرَّقةً في أحاديثَ صحيحةٍ في هذه القصَّة وهم: أُبيُّ بن كعبٍ، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، ومعاذ بن جبلٍ، وأبو دجانة سِمَاك ابن خَرَشَة، وسُهَيل بن بيضاء، وأبو بكرٍ رجلٌ من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو ابن شعوب (١) الشَّاعر (وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ) بفاءٍ ومعجمتين، بوزن «عظيمٍ» اسمٌ للبُسْر الذي يحمرُّ أو يصفرُّ قبل أن يترطَّب، وقد يُطلَق الفضيخُ على خليط البُسْر والرُّطب كما يُطلَق على خليط البُسْر والتَّمر، وكما يُطلَق على البُسْر وحده، وعلى التَّمر وحده (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أرَ التَّصريح باسمه (يُنَادِي: أَلَا) بفتح الهمزة والتَّخفيف (إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ) أي: أنسٌ: (فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: فَجَرَتْ في سِكَك المدينة، جمع سِكَّةٍ -بكسر السِّين في المُفرَد والجمع- أي: طرقها وأزقَّتها، وفي السِّياق حذفٌ تقديره: حُرِّمت فأمر النَّبيُّ ﷺ بإراقتها، فأُرِيقت، فَجَرَتْ في سِكَك المدينة، فقال لي أبو طلحة: (اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا) بقطع الهمزة في الفرع، ووصلها في غيره، والجزم على الأمر، أي: صبَّها، قال أنسٌ: (فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا) بفتح الهاء والرَّاء (٢) وسكون القاف، والأصل: أَرَقْتُها، فأُبدِلت الهمزة هاءً، وقد يُستعمَل بالهمزة والهاء معًا -كما مرَّ- وهو نادرٌ، أي: صببتها (فَجَرَتْ) أي: سالت الخمر (فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) وفيه إشارةٌ إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتَّى جَرَت في الأزقَّة من كثرتها، قال المُهلَّب: إنَّما صُبَّتِ الخمرُ في الطَّريق للإعلان برفضها، وليشتهر تركها، وذلك أرجح في المصلحة من

стр. 5198

التَّأذِّي بصبِّها في الطَّريق، ولولا ذلك لم يحسن صبُّها فيه لأنَّها قد تؤذي النَّاس في ثيابهم، ونحن نمنع من إراقة الماء في الطَّريق من أجل أذى النَّاس في ممشاهم، فكيف أذى (١) الخمر؟ قال ابن المنيِّر: إنَّما أراد البخاريُّ التَّنبيهَ على جواز مثل هذا في الطَّريق للحاجة، فعلى هذا يجوز تفريغ الصَّهاريج ونحوها في الطُّرقات، ولا يُعَدُّ ذلك ضررًا، ولا يضمن فاعله ما ينشأ عنه من زلقٍ ونحوه. انتهى. ومذهب الشَّافعيَّة: لو رشَّ الماء في الطَّريق فزلق به إنسانٌ أو بهيمةٌ فإن رشَّ لمصلحةٍ عامَّةٍ كدفع الغبار عن المارَّة، فليكن كحفر البئر للمصلحة العامَّة، وإن كان لمصلحة نفسه وجب الضَّمان، ولو جاوز القدر المعتاد في الرَّشِّ، قال المتولِّي: وجب الضَّمان قطعًا كما لو بلَّ الطِّين في الطَّريق فإنَّه يضمن ما تلف به، ويحتمل أنها إنَّما أُريقت في الطُّرق (٢) المنحدرة بحيث ينصبُّ (٣) إلى الأتربة والحشوش، أو الأودية فتُستهلَك فيها، ويؤيِّده ما أخرجه ابن مردويه من حديث جابرٍ بسندٍ جيِّدٍ في قصَّة صبِّ الخمر، قال: فانصبَّت حتَّى استنقعت في بطن الوادي. (فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ) لم أقف على اسم القائل: (قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ) أي: الخمر (فِي بُطُونِهِمْ) وعند البيهقيِّ والنَّسائيِّ من طريق ابن عبَّاسٍ، قال: نزل تحريم الخمر في ناسٍ شربوا، فلمَّا ثملوا عبثوا، فلمَّا صَحَوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر، فنزلت، فقال ناسٌ من المتكلِّفين: هي رجسٌ وهي في بطن فلانٍ وقد قُتِل بأُحدٍ، وروى البزَّار من حديث جابرٍ: إنَّ الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود (فَأَنْزَلَ اللهُ) الآية التي في سورة المائدة (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ … الآيَةَ [المائدة: ٩٣]) يعني: شربوا قبل تحريمها، ووقع في رواية الإسماعيليِّ عن ابن ناجية عن أحمد بن عبدة ومحمَّد بن موسى عن حمَّادٍ في آخر هذا الحديث، قال: حمَّادٌ: فلا أدري هذا في الحديث، أي (٤) عن أنسٍ، أو قاله ثابتٌ، أي (٥) مرسلًا، يعني: قوله: «فقال بعض القوم … » إلى آخر الحديث.

стр. 5199

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «تفسير سورة المائدة» [خ¦٤٦٢٠] وفي «الأشربة» [خ¦٥٥٨٢]، ومسلمٌ وأبو داود في «الأشربة». (٢٢) (باب) جواز تحجير (أَفْنِيَةِ الدُّورِ) جمع فِناءٍ -بكسر الفاء والمدِّ-: المكان المتَّسع أمام الدَّار، كبناء مساطب فيها إذا لم يضرَّ الجار والمارَّ (وَ) حكم (الجُلُوسِ فِيهَا وَ) حكم (الجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ) بضمِّ الصَّاد والعين المهملتين، جمع صُعُدٍ -بضمَّتين أيضًا- جمع صَعِيدٍ، كطريقٍ وطُرُقٍ وطُرُقاتٍ، وزنًا ومعنىً، ولأبي ذرٍّ: «الصُّعَُدات» بفتح العين وضمِّها (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ في حديث «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] الطَّويل الموصول في بابها: (فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ) بالقاف والصَّاد المهملة المُشدَّدة (عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ) أي: يزدحمون عليه حتَّى يسقط بعضهم على بعضٍ فيكاد ينكسر، وأطلق «يتقصَّف» مُبالَغةً (يَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ، كقوله: «يعجبون منه». ٢٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، الزُّهريُّ أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ) بضمِّ العين (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) العُقيليُّ -بضمِّ العين- الصَّنعانيُّ نزيل عسقلان (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين (١) المهملة المُخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ) بالنَّصب على التَّحذير (عَلَى الطُّرُقَاتِ) لأنَّ الجالس بها لا يسلم

стр. 5200

غالبًا من رؤية ما يكره، وسماع ما لا يحلُّ … إلى غير ذلك، وترجم بـ «الصُّعُدات»، ولفظ المتن «الطُّرقات» ليفيد تساويهما في المعنى، نعم ورد بلفظ: «الصُّعُدات» عند ابن حبَّان من حديث أبي هريرة (فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ) أي: غنىً عنها (إِنَّمَا هِيَ) أي: الطُّرقات، ولأبي ذرٍّ: «إنَّما هو» (مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «فيه» بالتَّذكير (قَالَ) ﵊: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ) من الإباء، وتشديد «إلَّا»، أي: إن أبيتم إلَّا الجلوس، فعبَّر عن الجلوس بـ «المجالس»، وللحَمُّويي والمُستملي: «فإذا أتيتم» من الإتيان «إلى المجالس» (فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا) بهمزة قطعٍ (قَالُوا): يا رسول الله (وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ) ﵊: (غَضُّ البَصَرِ) عن الحرام (وَكَفُّ الأَذَى) عن النَّاس فلا تحتقرنَّهم (١) ولا تغتابنَّهم إلى غير ذلك (وَرَدُّ السَّلَامِ) على من يسلِّم من المارَّة (وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ) ونحوهما ممَّا ندب إليه الشَّارع من المُحَسَّنات، ونهى عنه من المُقَبَّحات، وزاد أبو داود: «وإرشاد السَّبيل، وتشميت العاطس»، والطَّبريُّ من حديث عمر: «وإغاثة الملهوف»، وقد تبيَّن من سياق الحديث: أنَّ النَّهي للتَّنزيه لئلَّا يضعف الجالس عن أداء هذه الحقوق المذكورة، وفيه حجَّةٌ لمن يقول: إنَّ (٢) سدَّ الذَّرائع بطريق الأَولى لا على الحتم؛ لأنَّه ﵊ نهى أوَّلًا عن الجلوس حسمًا للمادَّة، فلمَّا قالوا: «ما لنا بدٌّ» فسح لهم في الجلوس بها على شريطة (٣) أن يعطوا الطَّريق حقَّها، وفسَّرها لهم بذكر المقاصد الأصليَّة، فرجَّح أوَّلًا عدم الجلوس على الجلوس وإن كان فيه مصلحةٌ؛ لأنَّ القاعدة تقتضي تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٩]، ومسلمٌ فيه وفي «اللِّباس»، وأبو داود في «الأدب». (٢٣) (باب) حكم (الآبَارِ) التي حُفِرت (عَلَى الطُّرُقِ) ولأبي ذرٍّ: «على الطَّريق» بالإفراد (إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهَا) أحدٌ من المارَّة، وفي «اليونينيَّة» بضمِّ تحتيَّة «يُتأذَّ» (٤)، و «الأَبْأر»: جمع بئرٍ، مُؤنَّثةٌ،

стр. 5201

وهو بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُوحَّدةٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ، قال في «الصِّحاح»: ومن العرب من يقلب الهمزة (١)، فيقول: آبَارٌ، بمدِّ الهمزة وفتح الموحَّدة، وبه ضُبِط في «البخاريِّ»، وهذا جمعُ قلَّةٍ، كأبؤرٍ وأبورٍ، بالهمز وتركه، فإذا كَثُرت جُمِعت على «بِئَارٍ»، والأبَّار: حافرها. ٢٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) ولأبي ذرٍّ: «بينما» بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (بِطَرِيقٍ) وفي رواية الدَّارقُطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ: «فاشتدَّ» بزيادة الفاء (عَلَيْهِ العَطَشُ) والفاء في موضع «إذا» (فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) أي: بالمُثلَّثة، أي: يرتفع (٢) نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرِج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة: الأرض النَّديَّة (مِنَ العَطَشِ) ويجوز أن يكون قوله: «يأكل الثَّرى» خبرًا ثانيًا (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ) بالنَّصب مفعولٌ (٣) به (مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي) برفع «مثلُ» فاعل «بَلَغَ» (فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً) ولابن حبَّان: خفَّيه -بالتَّثنية- (فَسَقَى الكَلْبَ) بعد أن خرج من البئر حتَّى روي (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عملَه (فَغَفَرَ لَهُ) الفاء للسَّببيَّة، أي: بسبب قبول عمله غَفَرَ اللهُ له

стр. 5202

(قَالُوا) أي: الصَّحابة، ومنهم: سراقة بن مالك بن جعشمٍ، كما عند أحمد وغيره: (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما قلت: (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ) ﵊: (فِي) إرواء (كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات المحترمة (أَجْرٌ) أي: أجرٌ حاصلٌ في الإرواء المذكور، فـ «أجرٌ» مبتدأٌ قُدِّم خبره، وفي الحديث: جواز حفر الآبار في الصَّحراء لانتفاع عطشانٍ وغيره بها، فإن قلت: كيف ساغ مع مظنَّة الاستضرار بها بساقطٍ بليلٍ، أو وقوع بهيمةٍ، أو نحوها فيها؟ أُجيب: بأنَّه لمَّا كانت المنفعة أكثر ومتحقِّقةً، والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع، وسقط الضَّمان، فكانت جُبَارًا، فلو تحقَّقت المضرَّة لم يجز، وضمن الحافر. وهذا الحديث قد سبق في «باب سقي الماء» من «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣]. (٢٤) (باب إِمَاطَةِ الأَذَى) أي: إزالته عن المسلمين (وَقَالَ هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن منبِّه، أخو وهبٍ، ممَّا وصله المؤلِّف في «باب من أخذ بالرِّكاب» من «الجهاد» [خ¦٢٩٨٩] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (يُمِيطَ الأَذَى) هو على حدِّ قوله: «تسمعَ بالمعيديِّ» أي: «أن تسمعَ» و «أن يميطَ الأذى»، فـ «أن» مصدريَّةٌ، أي: إماطة الرَّجل الأذى كتنحية حجرٍ أو شوكٍ (عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) على أخيه المسلم؛ لأنَّه لمَّا تسبَّب إلى (١) سلامته عند المرور بالطَّريق من ذلك الأذى فكأنَّه تصدَّق عليه بذلك، فحصل له أجر الصَّدقة. (٢٥) (باب) جواز سكنى (الغُرْفَةِ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون الرَّاء وفتح الفاء: المكان المرتفع في البيت (وَ) سكنى (العُِلِّيَّةِ) بضمِّ العين المهملة وكسرها وتشديد اللَّام المكسورة

стр. 5203

والمُثنَّاة التَّحتيَّة، قال الكِرمانيُّ: وهي مثل الغرفة، وقال الجوهريُّ: الغرفة: العلِّيَّة، فهو من العطف التَّفسيريِّ (المُشْرِفَةِ) على المنازل (وَغَيْرِ المُشْرِفَةِ) بالشِّين المعجمة السَّاكنة والفاء وتخفيف الرَّاء فيهما (١) صفتان للسَّابق (فِي السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا) ما لم يطَّلع منها على حرمة أحدٍ، وقد تحصَّل ممَّا ذكره أربعةٌ: علِّيَّةٌ مشرفةٌ على مكانٍ على سطحٍ، مشرفةٌ على مكانٍ على غير سطحٍ، غير مشرفةٍ على مكانٍ على سطحٍ، غير مشرفةٍ على مكانٍ على غير سطحٍ. ٢٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) لأبي ذرٍّ (٢): «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ) بضمِّ الهمزة والطَّاء (مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ) بمدِّ الهمزة، جمع أطمٍ؛ وهو بناءٌ مرتفعٌ كالعلِّيِّة المشرفة، وقيل: الآطام: حصونٌ على (٣) المدينة (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟) بفتح الهمزة، وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «إنِّي أرى» (مَوَاقِعَ الفِتَنِ) بنصب «مواقعَ» على المفعوليَّة، وعلى رواية غير المُستملي بحذف: «إنِّي أرى» يكون بدلًا من «ما أرى» (٤) (خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) بكسر الخاء المعجمة، أي: وسطها، و «خلالَ» نصبُ مفعولٍ ثانٍ، قال شارح «المشكاة»: والأقرب إلى الذَّوق أن يكون حالًا (كَمَوَاقِعِ القَطْرِ) أي: المطر، وهو كنايةٌ عن كثرة وقوع الفتن بالمدينة، والرُّؤية هنا بمعنى النَّظر، أي: كُشِفَ لي فأبصرتها عيانًا. وقد سبق هذا الحديث في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٧٨] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٦٠].

стр. 5204

٢٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١)، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة وضمِّ العين وفتح المُوحَّدة في العبد الأوَّل، المدنيُّ مولى بني (٢) نوفلٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ) (لَهُمَا (٣): ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ

стр. 5205

قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ مَعَهُ) ولابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن ابن عبَّاسٍ: أردت أن أسأل عمر فكنت أهابه، حتَّى حججنا معه، فلمَّا قضينا حجَّنا (فَعَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكة إلى طريقٍ لا تُسلَك غالبًا ليقضي حاجته (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ يُتَّخَذ للماء كالسَّطيحة (فَتَبَرَّزَ) أي: خرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة (١) (حَتَّى) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ» (جَاءَ) أي: من البراز (فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ) ماءً (مِنَ الإِدَاوَةِ، فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ) له عقب وضوئه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «قال الله لهما»: (﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾) أي: من التَّعاون والتَّظاهر (٢) على رسول الله ﷺ (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْقُلُوبُكُمَا﴾ فقال» أي: عمر: (وَا عَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ!) بكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «واعجبًا» بالتَّنوين نحو: يا رجلًا، وفي نسخةٍ مُقابَلةٍ على «اليونينيَّة» أيضًا بالألف في آخره من غير تنوينٍ، نحو: وازيدا (٣)، قال الكِرمانيُّ: يُندَب على التَّعجُّب، وهو إمَّا تعجُّبٌ من ابن عبَّاسٍ كيف خفي عليه هذا الأمر (٤) مع شهرته بينهم بعلم التَّفسير، وإمَّا من جهة حرصه على سؤاله عمَّا لا يتنبَّه له إلَّا الحريص على العلم من تفسير ما أُبهِم في (٥) القرآن، وقال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: «وا» في قوله: «وا عجبًا» اسم فعل إذا نُوِّن «عجبًا» بمعنى: أعجب، ومثله: «وي»، وجيء بعده بقوله: «عجبًا» توكيدًا، وإذا لم يُنوَّن فالأصل فيه: «وا عجبي»، فأُبدِلت (٦) المُثنَّاة التَّحتيَّة ألفًا، وفيه استعمال «وا» في غير النُّدبة كما هو رأي المبرِّد، قال الزَّمخشريُّ: قاله تعجُّبًا (٧)، كأنَّه كره ما سأله عنه (عَائِشَةُ

стр. 5206

وَحَفْصَةُ) هما المرأتان اللَّتان قال الله تعالى لهما: ﴿تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾. (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ) ﵁ (الحَدِيثَ) حال كونه (يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ) هو عتبان بن مالك بن عمرٍو العجلانيُّ الخزرجيُّ، كما عند ابن بشكوال، والصَّحيح أنَّه أوس بن خوليِّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريُّ، كما سمَّاه ابن سعدٍ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في حديثٍ، ولفظه: فكان عمر مواخيًا أوس بن خوليٍّ لا يسمع شيئًا إلَّا حدَّثه، ولا يسمع عمر شيئًا إلَّا حدَّثه، فهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه ﷺ آخى بين عِتْبان وبين عمر أن يتجاورا، فالأخذ بالنَّصِّ مُقدَّمٌ على الأخذ بالاستنباط، وقوله: «وجارٌ» بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المرفوع المتَّصل الذي في «كنت» بدون فاصلٍ على مذهب الكوفيِّين وهو قليلٌ، وفي (١) روايةٍ (٢) في «باب التَّناوب» في «كتاب العلم» [خ¦٨٩]: «كنت أنا وجارٌ لي» وهذا على مذهب البصريِّين؛ لأنَّ عندهم لا يصحُّ العطف بدون إظهار «أنا»، حتَّى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، والكوفيُّون لا يشترطون ذلك، وجوَّز الزَّركشيُّ والبرماويُّ النَّصب، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه الصَّحيح عطفًا على الضَّمير في قوله: «إنِّي»، قال في «المصابيح»: لكنَّ الشَّأن في الرِّواية وأيضًا فالظَّاهر أنَّ قوله: (فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) بضمِّ الهمزة، خبر «كان»، وجملة «كان» ومعموليها خبر «إنَّ»، فإذا جعلت «جارًا» معطوفًا على اسم «إنَّ» لم يصحَّ كون الجملة المذكورة

стр. 5207

خبرًا لها إلَّا بتكلُّف حذفٍ لا داعيَ له. انتهى. وقوله: «في بني أميَّة» في موضع جرٍّ، صفةٌ لسابقه، أي: وجارٌ لي من الأنصار كائنين في بني أميَّة بن زيدٍ (وَهْيَ) أي: أمكنتهم (مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ) القرى التي بقربها وأدناها منها على أربعة أميالٍ، وأقصاها من جهة نجدٍ ثمانيةٌ (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَنْزِلُ) هُوَ (يَوْمًا وَ) أنا (أَنْزِلُ يَوْمًا) والفاء تفسيريَّةٌ للتَّناوب المذكور (فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ) أي: الوحي؛ إذ اللَّام للأمر المعهود عندهم (١)، أو الأوامر الشَّرعيَّة (وَغَيْرِهِ) من الحوادث الكائنة عنده ﷺ (وَإِذَا نَزَلَ) أي: جاري (فَعَلَ مِثْلَهُ) أي: مثل الذي أفعله معه من الإخبار بأمر الوحي وغيره (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أي: نحكم عليهنَّ (٢) ولا يحكمن علينا (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ) أي (٣): المدينة (إِذَا هُمْ) أي: فاجأناهم (قَوْمٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذْ هم» -بسكون الذَّال- «قومٌ» (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ) فليس لهم شدَّة وطأةٍ عليهنَّ (فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا) أي: أخذن (٤) (يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ) بالدَّال المُهمَلة، أي: من سيرتهنَّ وطريقتهنَّ، كذا وجدته في جميع ما وقفت عليه من الأصول المُعتمَدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه بالرَّاء، قال: وهو العقل (فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أي: رفعت صوتي عليها (فَرَاجَعَتْنِي) ردَّت عليَّ الجواب (فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي: تراددني في القول (فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟! فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ) بسكون العين (وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ) بجرِّ «اللَّيل» بـ «حتَّى»، وفي رواية عُبَيد بن حُنَينٍ عند المؤلِّف في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣]: وإنَّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتَّى يظلَّ يومه غضبان (فَأَفْزَعَنِي) كلامها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفزعتني» أي:

стр. 5208

المرأة (فَقُلْتُ: خَابَتْ) بتاء التَّأنيث السَّاكنة، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «خاب» (مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ) ذلك (بِعَظِيمٍ) أي: بأمرٍ عظيمٍ، وفي نسخةٍ: «لَعظيم» بلامٍ مفتوحةٍ بدل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «جاءت» من المجيء «مَنْ فعل منهنَّ بعظيمٍ» (ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستها جميعًا (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يعني: ابنته (فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ (١)) أي: يا حَفْصَةُ (أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟) بالجرِّ (فَقَالَتْ: نَعَمْ) إنَّا لَنراجعه (فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ) أي: مَنْ غاضبته (أَفَتَأْمَنُ) التي (٢) تغاضبه منكنَّ (أَنْ يَغْضَبَ اللهُ) عليها (لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِينَ) بكسر اللَّام، وفي آخره نونٌ، قال أبو عليٍّ الصَّدفيُّ (٣): والصَّواب: «أفتأمنين»، وفي آخره: «فَتَهْلَكي» أي: بحذف النُّون، كذا قال، وليس بخطأٍ لإمكان توجيهه، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: القياس فيه حذف النُّون، فتأويله: فأنت تهلكين، وقال في «المصابيح»: بكسر اللَّام وفتح الكاف، وفاعله ضمير الأوَّل (لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: لا تطلبي منه الكثير (وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ) أي: لا ترادديه في الكلام (وَلَا تَهْجُرِيهِ) ولو هجرك (وَاسْأَلِينِي) بسكون السِّين وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ، ولأبي ذرٍّ: «وسَليني» بفتح السِّين وإسقاط الهمزة (مَا بَدَا لَكِ) أي: ظهر لك من الضَّرورات (وَلَا يَغُرَّنَّكِ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَنْ كَانَتْ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، أي: بأن كانت (جَارَتُكِ) أي: ضرَّتُك، والعرب تطلق على الضَّرَّة جارةً، لتجاورهما المعنويِّ، ولكونهما عند شخصٍ واحدٍ وإن لم يكن حسِّيًّا (هِيَ أَوْضَأَ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبعد الضَّاد المعجمة المفتوحة همزةٌ، من الوضاءة، أي: ولا يغرنَّك كون ضرَّتك أجمل وأنظف (مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولغير أبي ذرٍّ: «أوضأَ وأحبَّ» بالنَّصب فيهما، خبر «كان» ومعطوفًا عليه (يُرِيدُ) عمر ﵁ بجارتها الموصوفة بالوضاءة (عَائِشَةَ) ﵂، والمعنى: لا تغترِّي بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك،

стр. 5209

فإنَّها تُدِلُّ بجمالها ومحبَّة النَّبيِّ ﷺ فيها، فلا تغترِّي أنت بذلك لاحتمال ألَّا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها. (وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا) وفي نسخةٍ عليها علامة السُّقوط في «اليونينيَّة» (١): «حُدِّثنا» بإسقاط المُثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُهمَلة (٢) المُشدَّدة (أَنَّ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ: رهطًا من قحطان، نزلوا حين تفرَّقوا من مأرب بماءٍ يُقال له: غسَّان، فسُمُّوا بذلك، وسكنوا بطرف الشَّام (تُنْعِلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبعد النُّون السَّاكنة عينٌ مُهمَلةٌ مكسورةٌ، الدَّوابَّ (النِّعَالَ) بكسر النُّون، وفيه حذف أحد المفعولين للعلم به، وللحَمُّويي والمُستملي: «تَنْتَعل (٣)» بمُثنَّاتين فوقيتيَّن مفتوحتين (٤)، بينهما نونٌ ساكنةٌ، وفي «باب موعظة الرَّجل ابنته» من «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: تُنْعِلُ الخيلَ (لِغَزْوِنَا) معشرَ المسلمين (فَنَزَلَ صَاحِبِي) الأنصاريُّ المُسمَّى عِتْبان بن مالكٍ على النَّبيِّ ﷺ (يَوْمَ نَوْبَتِهِ) فسمع اعتزال رسول الله ﷺ عن زوجاته (فَرَجَعَ) إلى العوالي (عِشَاءً) نُصِب على الظَّرفيَّة (٥)، أي: في عشاءٍ، فجاء (٦) إليَّ (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «أَثَمَّ هو» بفتح المُثلَّثة، أي: في البيت وذلك لبطء إجابتهم له، فظنَّ أنَّه خرج من البيت، قال عمر ﵁: (فَفَزِعْتُ) بكسر الزَّاي، أي: خفت لأجل الضَّرب الشَّديد (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟) وفي رواية عُبيد بن حنينٍ [خ¦٤٩١٣]: جاء الغسَّانيُّ، واسمه -كما في «تاريخ ابن أبي خيثمة» و «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ- جبلة بن الأيهم (قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ) وعند ابن سعدٍ من حديث عائشة: فقال الأنصاريُّ: أعظم من ذلك،

стр. 5210

ما أرى رسول الله ﷺ إلَّا قد طلَّق نساءه، فوقع «طلَّق» مقرونًا بالظَّنِّ، وفي جميع الطُّرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثورٍ [خ¦٥١٩١]: «طَلَّقَ» بالجزم، فيحتمل أن يكون الجزم وقع من إشاعة بعض أهل النِّفاق فتناقله النَّاس، وأصله ما وقع من اعتزاله ﷺ بذلك ولم تجر عادته بذلك، فظنُّوا أنَّه طلقهنَّ (قَالَ) أي: عمر: (قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) خصَّها بالذِّكر لمكانتها منه لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك (كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ) بكسر الشِّين (أَنْ يَكُونَ) أي: يقرب كونه لأنَّ المُراجَعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستُها (فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً) بفتح الميم وسكون الشِّين المعجمة وضمِّ الرَّاء وفتح المُوحَّدة: غرفةً (لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ؟) أي: من أن تغاضبي رسول الله ﷺ ، أو تراجعيه، أو تهجريه، زاد في رواية سِمَاك بن الوليد عند مسلمٍ: لقد علمت أنَّ رسول الله ﷺ لا يحبُّك ولولا أنا لَطلَّقك، فبكت أشدَّ البكاء، وذلك لما اجتمع عندها من الحزن على فراق النَّبيِّ ﷺ ، ولما تتوقَّعه من شدَّة غضب أبيها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه: والله إن كان طلَّقك لا أكلِّمك أبدًا، ثمَّ استفهمها عمَّا سمعه، فقال: (أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ) من بيت حفصة (فَجِئْتُ المِنْبَرَ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ) لم يُسمَّوا (يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي: من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه ﵊ نساءه، ومن جملتهنَّ حفصة بنته، وفي ذلك من المشقَّة ما لا يخفى (فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ) ﷺ (فِيهَا) وفي نسخةٍ: «التي فيه»، وفي الفرع علامة السُّقوط على قوله: «هو فيها»، ثمَّ كُتِب بالهامش: «الذي (١) فيه» بالتَّذكير، وإسقاط: «هو»، وصحَّح على ذلك (٢) (فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ) اسمه رَبَاحٌ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة (٣) المُخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وسقط لفظ «له» في رواية أبي ذرٍّ (اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ) ﵊ (فَصَمَتَ) قال عمر ﵁: (فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ،

стр. 5211

ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ) ولأبي ذرٍّ: «فجئت، فقلت للغلام» أي: استأذنْ لعمر، فذكر مثله (فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ) حال كوني (مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلَامُ) فاجأني (يَدْعُونِي، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: في الدُّخول (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) ﷺ (فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ) بكسر الرَّاء والإضافة، ما رُمِل، أي: نُسِج من حصيرٍ وغيره (لَيْسَ بَيْنَهُ) ﵊ (وَبَيْنَهُ) أي: الحصير (فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) الشَّريف وهو (مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين: جلدٍ مدبوغٍ (حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ) أي: أطلقَّتَ (نِسَاءَكَ؟) فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (فَرَفَعَ) ﵊ (بَصَرَهُ) الشَّريف (إِلَيَّ فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ) أي: أتبصَّر، هل يعود ﷺ إلى الرِّضا أو هل أقول قولًا أُطيِّب به قلبه وأُسكِّن غضبه: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي) بفتح التَّاء (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ-) بسكون العين (نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ) أي: السَّابق من القصَّة (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ) ولغير أبي ذرٍّ وكريمة: «فتبسَّم رسول الله» (١) (¬ ﷺ ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأُ مِنْكِ وَأَحَبُّ) بالرَّفع فيهما لأبي ذرٍّ، ولغيره: «أوضأَ وأحبَّ» بنصبهما خبر «كان» ومعطوفًا عليه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يُرِيدُ: عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ) ﵊ (أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي) أي: نظرتُ (فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ) بفتح الهمزة والهاء، جمع إهابٍ: جلدٍ قبل أن يُدبَغ، أو مطلقًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاثٍ» بغير هاءٍ (فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ) ليوسِّع (فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ) فالفاء عطفٌ على محذوفٍ، فكرَّر لفظ الأمر الذي هو بمعنى الدُّعاء للتَّأكيد، قاله الكِرمانيُّ (فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ) ﵊ (مُتَّكِئًا) فجلس (٢) (فَقَالَ: أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟) بفتح الهمزة والواو للإنكار

стр. 5212

التَّوبيخيِّ، أي: أأنت (١) في شكٍّ في أنَّ التَّوسُّع في الآخرة خيرٌ من التَّوسُّع في الدُّنيا؟ (أُولَئِكَ) فارس والرُّوم (قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي) أي: عن جراءتي بهذا القول في حضرتك، أو عن (٢) اعتقادي أنَّ التَّجمُّلات الدُّنيويَّة مرغوبٌ فيها، قال عمر ﵁: (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) وهو أنَّه ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «اكتمي عليَّ، وقد حرَّمت مارية على نفسي»، فأفشت (٣) حفصة إلى عائشة، فغضبت عائشة حتَّى حلف النَّبيُّ ﷺ أنَّه لا يقربها شهرًا، وهو معنى قوله (وَكَانَ قَدْ قَالَ) ﵊: (مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ) أي: نسائه (شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم، وفتحها في الفرع كأصله، مصدرٌ ميميٌّ، أي: غضبِه (عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى عاتبه الله» أي: بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] والذي في «الصَّحيحين» [خ¦٤٩١٢]: أنَّه ﷺ كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة (٤) على (٥) أنَّ أيَّتهما دخل عليها فلتقل له: أكلتَ مغافير، إنِّي أجد منك ريح مغافير، فقال: «لا، ولكنِّي كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ، ولن أعود له، وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلك أحدًا»، فقد اختُلِف في الذي حرَّمه على نفسه وعُوتِب على تحريمه، كما اختُلِف في سبب حلفه، والأوَّل رواه جماعةٌ يأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى- في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣] وعند ابن مردويه عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية بيتَ حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي (٦) دون نسائك، فحلف لها لا يقربها،

стр. 5213

وقال: «هي حرامٌ»، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشَّيئين معًا، ووقع عند ابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن عائشة ما يجمع القولين، وفيه: أنَّ حفصة أُهدِيت لها عُكَّةٌ فيها عسلٌ، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتَّى تُلعقه أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجاريةٍ عندها حبشيَّةٍ يُقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما تصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنَّ فقلن: إنَّا نجد منك ريح مغافير، فقال: «هو عسلٌ، والله لا أطعمه أبدًا»، فلمَّا كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها (١)، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مُغلَقًا، فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: «أُشْهِدُكِ أنَّها حرامٌ، انظري، لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندك أمانةٌ»، فلمَّا خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أُبشِّرك أنَّ رسول الله ﷺ قد حرَّم أَمَتَه، فنزلت، أي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]. (فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ليلةً (دَخَلَ) ﵊ (عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) باللَّام، وللحَمُّويي والمُستملي: «بتسعٍ» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الشَّهْرُ) الذي آليت فيه (٢) (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ) وُجِد (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وفي روايةٍ: «تسعًا وعشرين» بالنَّصب خبر «كان» النَّاقصة (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ) الآتية (فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: لا بأس عليك في عدم التَّعجيل، أو «لا» زائدةٌ، أي: ليس عليك التَّعجيل والاستئمار (قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه) ولأبي ذرٍّ: «بفراقك» (ثُمَّ

стр. 5214

قَالَ) ﵊: (إِنَّ اللهَ) (قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى قَولِه: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]) سقط لفظ «قوله» لأبي ذرٍّ، وهذه آية التَّخيير المذكورة (قُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ) ﵊ (نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ): نريد اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخرة. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فدخل مَشْرُبةً له» لأنَّ المشربة هي الغرفة، وكان البخاريُّ يكفيه أن يكتفي من هذا الحديث بقوله مثلًا: ودخل النَّبيُّ ﷺ مشربةً له، فاعتزل كما هو شأنه وعادته، والظَّاهر أنَّه تأسَّى بعمر ﵁ في سياق الحديث بتمامه، وكان يكفيه في جواب سؤال ابن عبَّاسٍ أن يكتفي بقوله: «عائشة وحفصة» لكنَّه ساق القصَّة كلَّها، لما في ذلك من زيادة شرحٍ وبيانٍ، وفي هذا الحديث فوائد جمَّةٌ يأتي الكلام عليها في محالِّها إن شاء الله تعالى بمنِّه وعونه. ٢٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، هو محمَّدٌ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي المُخفَّفة وبالرَّاء، هو مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الكوفيُّ، نزيل مكَّة ودمشق (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: آلَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، أي: حلف (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ) أي: انفرجت، والفكُّ: انفراج المنكب أو القدم عن مفصله (فَجَلَسَ فِي عِلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ) ﵁ إليه في علِّيَّته (فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ) (١) ﵊: (لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَمَكُثَ) بضمِّ الكاف (تِسْعًا وَعِشْرِينَ) يومًا (ثُمَّ نَزَلَ) من العلِّيَّة (فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «على عائشة»، وتأتي إن شاء الله تعالى مباحث هذا الحديث مستوفاةً (٢) في «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٢٠١].

стр. 5215

(٢٦) (باب مَنْ عَقَلَ) أي: شدَّ (بَعِيرَهُ) بالعقال (عَلَى البَلَاطِ) بفتح المُوحَّدة (أَوْ) عَقَلَه على (بَابِ المَسْجِدِ). ٢٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين وكسر القاف، بشير بن عقبة الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ) عليٌّ (النَّاجِيُّ) بالنُّون والجيم (قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الجَمَلَ) أي: الذي اشتراه منه ﷺ في السَّفر (فِي نَاحِيَةِ البَلَاطِ) الحجارة المفروشة عند باب المسجد (فَقُلْتُ): يا رسول الله (هَذَا جَمَلُكَ) أي: الذي ابتعته منِّي (فَخَرَجَ) ﵊ من المسجد (فَجَعَلَ يُطِيفُ) أي: يلمُّ (بِالجَمَلِ) ويقاربه (قَالَ) ﵊: (الثَّمَنُ) أي: ثمنُ الجمل (وَالجَمَلُ لَكَ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وعقلت الجمل في ناحية البَلاط»، فإنَّه يُستفاد منه: جواز ذلك إذا لم يحصل به ضررٌ، وقوله: «أو باب المسجد» هو بالاستنباط من ذلك، وقال في «المصابيح»: يشير بالتَّرجمة إلى أنَّ مثل هذا الفعل لا يكون موجبًا للضَّمان، قال ابن المنيِّر: ولا ضمان على من ربط دابَّته بباب المسجد، أو السُّوق لحاجةٍ عارضةٍ إذا رَمَحَتْ ونحوه بخلاف من يعتاد ذلك ويجعله مربطًا لها دائمًا وغالبًا فيضمن. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع». (٢٧) (باب) جواز (الوُقُوفِ وَالبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة: الكناسة، أو هي المزبلة، ومعناهما متقاربٌ، لأنَّ الكناسة الزِّبل الذي يُكنَس.

стр. 5216

٢٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة والمهملة- البصريُّ، قاضي مكَّة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج بن الورد الواسطيِّ البصريِّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، السُّلميِّ الكوفيِّ، أحد الأعلام (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ) بضمِّ المهملة وبعدها مُوحَّدةٌ: مزبلتهم وكناستهم تكون بفناء الدُّور مِرْفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلةً لا يرتدُّ فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافةُ اختصاصٍ لا ملكٍ؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة (فَبَالَ قَائِمًا) لبيان الجواز، أو لجرحٍ كان في مأبضه، أي: باطن ركبته لم يتمكَّن لأجله من القعود، أو يُستشفَى به من وجع الصُّلب، أو لغير ذلك ممَّا سبق في «كتاب الوضوء» [خ¦٢٢٤] والغرض منه هنا: جواز البول في السُّباطة وإن كانت لقومٍ معيَّنين؛ لأنَّها أُعِدَّت لإلقاء النَّجاسات المُستقذَرات، والله أعلم. (٢٨) (باب) ثواب (مَنْ أَخَذَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من أَخَّرَ» (الغُصْنَ) الذي يؤذي المارِّين (وَ) ثواب من أخذ (مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ) وفي نسخةٍ: «في الطُّرق» بلفظ الجمع (فرَمَى بِهِ) في غير الطَّريق. ٢٤٧٢ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، وسقط قوله «ابن يوسف» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ المُهمَلة وفتح الميم وتشديد الياء، مولى أبي بكر ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (٢) (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ) زاد أبو ذرٍّ: «على الطَّريق» (فَأَخَذَهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فأخَّره» (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أي (٣): أثنى عليه، أو قبل عمله (فَغَفَرَ لَهُ).

стр. 5217

(٢٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ) بكسر الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الفوقيَّة ألفٌ ممدودةٌ التي لعامَّة النَّاس (-وَهْيَ الرَّحْبَةُ) الواسعة (تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ- ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا) أصحابها (البُنْيَانَ، فَتُرِكَ) ولأبي الوقت في نسخة: «فيُترَك» (مِنْهَا الطَّرِيقُ (٢) سَبْعَةَ) وفي نسخةٍ: «سبع» (أَذْرُعٍ) بالذَّال المُعجَمة، ولأبي ذرٍّ: «فتُرِك منها للطَّريق سبعةُ أذرعٍ» لتسلُكَها الأحمال والأثقال دخولًا وخروجًا، وتسعَ (٣) ما لا بدَّ لهم (٤) من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافَّة الطَّريق، فإن كانت الطَّريق (٥) أزيد من سبعة أذرعٍ لم يُمنَع من القعود في الزَّائد، وإن كان أقلَّ مُنِع منه (٦) لئلَّا يضيِّق الطَّريق على غيره. ٢٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالجيم في الأوَّل، والحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني، ابن زيد بن عبد الله الأزديُّ البصريُّ (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ) بكسر الخاء المعجمة والرَّاء المُشدَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُثنَّاةٌ (٧) فوقيَّةٌ، البصريِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا) بالشِّين المعجمة والجيم، أي: تخاصموا (فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ) متعلِّقٌ بقوله: «قضى»، وسقط «الميتاء» في رواية المُستملي والحَمُّويي (٨)، كذا في فرع «اليونينيَّة»،

стр. 5218

وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: زاد المُستملي في روايته (١): «الميتاء»، ولم يُتابَع عليه، وليست بمحفوظةٍ في حديث أبي هريرة، وإنَّما ذكرها المؤلِّف في التَّرجمة مشيرًا بها إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا اختلفتم في الطَّريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرعٍ»، أي: يجعل قدر الطَّريق المشتركة سبعة أذرعٍ، ثمَّ يبقى بعد ذلك لكلِّ واحدٍ من الشُّركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضرُّ غيره، قال الزَّركشيُّ تبعًا للأذرعيِّ: ومذهب الشَّافعيِّ اعتبار قدر الحاجة، والحديث محمولٌ عليه، فإنَّ ذلك عرف المدينة، صرَّح بذلك الماورديُّ والرُّويانيُّ. (٣٠) (باب النُّهْبَى) بضمِّ النُّون وسكون الهاء وفتح المُوحَّدة (بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ) أي: صاحب الشَّيء المنهوب (وَقَالَ عُبَادَةُ) بن الصَّامت الأنصاريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «وفود الأنصار» [خ¦٣٨٩٣]: (بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَلَّا نَنْتَهِبَ) لأنَّه كان من شأن الجاهليَّة انتهاب ما يحصل لهم من الغارات، فوقعت البيعة على الزَّجر عن ذلك. ٢٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الكوفيُّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الخطميَّ (الأَنْصَارِيَّ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن زيدٍ»، قال ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ (وَهُوَ) يعني: عبد الله بن يزيد (٢) (جَدُّهُ) أي: جدُّ عديِّ بن ثابتٍ (أَبُو أُمِّهِ) فاطمة، واختُلِف في سماع عبد الله بن يزيد هذا من النَّبيِّ ﷺ ، قال الدَّارقُطنيُّ: له ولأبيه (٣) صحبةٌ، وشهد بيعة الرِّضوان وهو صغيرٌ (قَالَ:

стр. 5219

نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ) بضمِّ الميم وسكون المُثلَّثة: العقوبة الفاحشة في الأعضاء كجدع الأنف وقطع الأذن، ونحوهما. ٢٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام (١) بن المغيرة المخزوميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٢) ﷺ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ (وَلَا يَشْرَبُ) هو، أي: الشَّارب (الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ) أي: كاملٌ، وفي «يشرب» ضميرٌ مستترٌ مرفوعٌ على الفاعليَّة راجعٌ إلى الشَّارب الدَّالِّ عليه «يشرب» بالالتزام؛ لأنَّ «يشرب» يستلزم شاربًا، وحسَّنَ ذلك تقدُّمُ نظيره، وهو: «لا يزني الزَّاني»، وليس براجعٍ إلى «الزَّاني» لفساد المعنى، وقول الزَّركشيِّ: -فيه حذف الفاعل بعد النَّفي، فإنَّ الضَّمير لا يرجع إلى «الزَّاني» بل لفاعلٍ (٣) مُقدَّرٍ دلَّ عليه ما قبله، أي: ولا يشرب الشَّاربُ الخمرَ- تعقَّبه العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ فقال: في كلامه تدافعٌ، فتأمَّله، ووجه التَّدافع كونه قال: فيه حذف الفاعل، ثمَّ قال: فإنَّ الضَّمير لا يرجع إلى «الزَّاني»، بل لفاعلٍ مقدَّرٍ لأنَّ الفاعل عمدةٌ فلا يُحذَف، وإنَّما هو ضميرٌ مستترٌ في الفعل (وَلَا يَسْرِقُ) أي: السَّارق (حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ

стр. 5220

(وَلَا يَنْتَهِبُ) النَّاهب (نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ) أي: إلى المنتهب (فِيهَا) أي: في النُّهبة (أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ، فالمراد سلب كمال الإيمان دون أصله، أو المراد مَنْ فَعَلَ ذلك مستحلًّا له، أو هو من باب الإنذار بزوال الإيمان إذا اعتاد هذه المعاصي واستمرَّ عليها، وقال في «المصابيح»: انظر ما الحكمة في تقييد الفعل المنفيِّ بالظَّرف في الجميع، أي: لا يزني الزَّاني حين يزني، ولا يشرب الخمر حين يشربها، ولا يسرق حين يسرق، ولا ينتهب نهبةً حين ينتهبها، ويظهر لي -والله أعلم- أنَّ ما أُضِيف إليه الظَّرف هو (١) من باب التَّعبير عن الفعل بإرادته، وهو كثيرٌ في كلامهم، أي: لا يزني الزَّاني حين إرادته الزِّنا وهو مؤمنٌ لتحقُّق قصده وانتفاء ما عداه بالسَّهو (٢) لوقوع الفعل منه في حين إرادته، وكذا البقيَّة، فذكر القيد لإفادة كونه متعمِّدًا لا عذرَ له. انتهى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ولا ينتهب نهبةً يرفع النَّاس إليه فيها أبصارهم» لأنَّه يُستفاد منه التَّقييد بالإذن في التَّرجمة لأنَّ رفع البصر إلى المنتهب في العادة لا يكون إلَّا عند عدم الإذن، ومفهوم التَّرجمة أنَّه: إذا أذن جاز، ومحلُّه في المنهوب المبتاع كالطَّعام يُقدَّم للقوم، فلكلٍّ منهم أن يأكل ممَّا يليه، ولا يجذب من غيره إلَّا برضاه. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الحدود» [خ¦٦٧٧٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن». (وَعَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المُسيَّب (وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث أبي بكر بن عبد الرَّحمن (إِلَّا النُّهْبَةَ) فلم يذكرها، فانفرد أبو بكر بن عبد الرَّحمن بزيادتها. (قَالَ الفَِرَبْرِيُّ) محمَّد بن يوسف: (وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي جَعْفَرٍ) هو ابن أبي حاتمٍ ورَّاق المؤلِّف: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف: (تَفْسِيرُهُ) أي: تفسير قوله: «لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمنٌ» (أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ، يُرِيدُ: الإِيمَانَ) كذا في فرعين لـ «اليونينيَّة» وروايته (٣) فيها عن المُستملي بلفظ: «يريد» من الإرادة، وقال في «فتح الباري»: «نور الإيمان»، والإيمان هو
следующие страницы →