٢٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بالمعجمة والمهملة- البصريُّ، قاضي مكَّة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج بن الورد الواسطيِّ البصريِّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، السُّلميِّ الكوفيِّ، أحد الأعلام (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ) بضمِّ المهملة وبعدها مُوحَّدةٌ: مزبلتهم وكناستهم تكون بفناء الدُّور مِرْفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلةً لا يرتدُّ فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافةُ اختصاصٍ لا ملكٍ؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة (فَبَالَ قَائِمًا) لبيان الجواز، أو لجرحٍ كان في مأبضه، أي: باطن ركبته لم يتمكَّن لأجله من القعود، أو يُستشفَى به من وجع الصُّلب، أو لغير ذلك ممَّا سبق في «كتاب الوضوء» [خ¦٢٢٤] والغرض منه هنا: جواز البول في السُّباطة وإن كانت لقومٍ معيَّنين؛ لأنَّها أُعِدَّت لإلقاء النَّجاسات المُستقذَرات، والله أعلم.
(٢٨) (باب) ثواب (مَنْ أَخَذَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من أَخَّرَ» (الغُصْنَ) الذي يؤذي المارِّين (وَ) ثواب من أخذ (مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ) وفي نسخةٍ: «في الطُّرق» بلفظ الجمع (فرَمَى بِهِ) في غير الطَّريق.
٢٤٧٢ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، وسقط قوله «ابن يوسف» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ المُهمَلة وفتح الميم وتشديد الياء، مولى أبي بكر ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (٢) (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ) زاد أبو ذرٍّ: «على الطَّريق» (فَأَخَذَهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فأخَّره» (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أي (٣): أثنى عليه، أو قبل عمله (فَغَفَرَ لَهُ).
стр. 5217
(٢٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ) بكسر الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الفوقيَّة ألفٌ ممدودةٌ التي لعامَّة النَّاس (-وَهْيَ الرَّحْبَةُ) الواسعة (تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ- ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا) أصحابها (البُنْيَانَ، فَتُرِكَ) ولأبي الوقت في نسخة: «فيُترَك» (مِنْهَا الطَّرِيقُ (٢) سَبْعَةَ) وفي نسخةٍ: «سبع» (أَذْرُعٍ) بالذَّال المُعجَمة، ولأبي ذرٍّ: «فتُرِك منها للطَّريق سبعةُ أذرعٍ» لتسلُكَها الأحمال والأثقال دخولًا وخروجًا، وتسعَ (٣) ما لا بدَّ لهم (٤) من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافَّة الطَّريق، فإن كانت الطَّريق (٥) أزيد من سبعة أذرعٍ لم يُمنَع من القعود في الزَّائد، وإن كان أقلَّ مُنِع منه (٦) لئلَّا يضيِّق الطَّريق على غيره.
٢٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالجيم في الأوَّل، والحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني، ابن زيد بن عبد الله الأزديُّ البصريُّ (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ) بكسر الخاء المعجمة والرَّاء المُشدَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُثنَّاةٌ (٧) فوقيَّةٌ، البصريِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا) بالشِّين المعجمة والجيم، أي: تخاصموا (فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ) متعلِّقٌ بقوله: «قضى»، وسقط «الميتاء» في رواية المُستملي والحَمُّويي (٨)، كذا في فرع «اليونينيَّة»،
стр. 5218
وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: زاد المُستملي في روايته (١): «الميتاء»، ولم يُتابَع عليه، وليست بمحفوظةٍ في حديث أبي هريرة، وإنَّما ذكرها المؤلِّف في التَّرجمة مشيرًا بها إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا اختلفتم في الطَّريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرعٍ»، أي: يجعل قدر الطَّريق المشتركة سبعة أذرعٍ، ثمَّ يبقى بعد ذلك لكلِّ واحدٍ من الشُّركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضرُّ غيره، قال الزَّركشيُّ تبعًا للأذرعيِّ: ومذهب الشَّافعيِّ اعتبار قدر الحاجة، والحديث محمولٌ عليه، فإنَّ ذلك عرف المدينة، صرَّح بذلك الماورديُّ والرُّويانيُّ.
(٣٠) (باب النُّهْبَى) بضمِّ النُّون وسكون الهاء وفتح المُوحَّدة (بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ) أي: صاحب الشَّيء المنهوب (وَقَالَ عُبَادَةُ) بن الصَّامت الأنصاريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «وفود الأنصار» [خ¦٣٨٩٣]: (بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَلَّا نَنْتَهِبَ) لأنَّه كان من شأن الجاهليَّة انتهاب ما يحصل لهم من الغارات، فوقعت البيعة على الزَّجر عن ذلك.
٢٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الكوفيُّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الخطميَّ (الأَنْصَارِيَّ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابن زيدٍ»، قال ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ (وَهُوَ) يعني: عبد الله بن يزيد (٢) (جَدُّهُ) أي: جدُّ عديِّ بن ثابتٍ (أَبُو أُمِّهِ) فاطمة، واختُلِف في سماع عبد الله بن يزيد هذا من النَّبيِّ ﷺ ، قال الدَّارقُطنيُّ: له ولأبيه (٣) صحبةٌ، وشهد بيعة الرِّضوان وهو صغيرٌ (قَالَ:
стр. 5219
نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ) بضمِّ الميم وسكون المُثلَّثة: العقوبة الفاحشة في الأعضاء كجدع الأنف وقطع الأذن، ونحوهما.
٢٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام (١) بن المغيرة المخزوميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٢) ﷺ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ (وَلَا يَشْرَبُ) هو، أي: الشَّارب (الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ) أي: كاملٌ، وفي «يشرب» ضميرٌ مستترٌ مرفوعٌ على الفاعليَّة راجعٌ إلى الشَّارب الدَّالِّ عليه «يشرب» بالالتزام؛ لأنَّ «يشرب» يستلزم شاربًا، وحسَّنَ ذلك تقدُّمُ نظيره، وهو: «لا يزني الزَّاني»، وليس براجعٍ إلى «الزَّاني» لفساد المعنى، وقول الزَّركشيِّ: -فيه حذف الفاعل بعد النَّفي، فإنَّ الضَّمير لا يرجع إلى «الزَّاني» بل لفاعلٍ (٣) مُقدَّرٍ دلَّ عليه ما قبله، أي: ولا يشرب الشَّاربُ الخمرَ- تعقَّبه العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ فقال: في كلامه تدافعٌ، فتأمَّله، ووجه التَّدافع كونه قال: فيه حذف الفاعل، ثمَّ قال: فإنَّ الضَّمير لا يرجع إلى «الزَّاني»، بل لفاعلٍ مقدَّرٍ لأنَّ الفاعل عمدةٌ فلا يُحذَف، وإنَّما هو ضميرٌ مستترٌ في الفعل (وَلَا يَسْرِقُ) أي: السَّارق (حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ
стр. 5220
(وَلَا يَنْتَهِبُ) النَّاهب (نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ) أي: إلى المنتهب (فِيهَا) أي: في النُّهبة (أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ، فالمراد سلب كمال الإيمان دون أصله، أو المراد مَنْ فَعَلَ ذلك مستحلًّا له، أو هو من باب الإنذار بزوال الإيمان إذا اعتاد هذه المعاصي واستمرَّ عليها، وقال في «المصابيح»: انظر ما الحكمة في تقييد الفعل المنفيِّ بالظَّرف في الجميع، أي: لا يزني الزَّاني حين يزني، ولا يشرب الخمر حين يشربها، ولا يسرق حين يسرق، ولا ينتهب نهبةً حين ينتهبها، ويظهر لي -والله أعلم- أنَّ ما أُضِيف إليه الظَّرف هو (١) من باب التَّعبير عن الفعل بإرادته، وهو كثيرٌ في كلامهم، أي: لا يزني الزَّاني حين إرادته الزِّنا وهو مؤمنٌ لتحقُّق قصده وانتفاء ما عداه بالسَّهو (٢) لوقوع الفعل منه في حين إرادته، وكذا البقيَّة، فذكر القيد لإفادة كونه متعمِّدًا لا عذرَ له. انتهى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ولا ينتهب نهبةً يرفع النَّاس إليه فيها أبصارهم» لأنَّه يُستفاد منه التَّقييد بالإذن في التَّرجمة لأنَّ رفع البصر إلى المنتهب في العادة لا يكون إلَّا عند عدم الإذن، ومفهوم التَّرجمة أنَّه: إذا أذن جاز، ومحلُّه في المنهوب المبتاع كالطَّعام يُقدَّم للقوم، فلكلٍّ منهم أن يأكل ممَّا يليه، ولا يجذب من غيره إلَّا برضاه.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الحدود» [خ¦٦٧٧٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن».
(وَعَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المُسيَّب (وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث أبي بكر بن عبد الرَّحمن (إِلَّا النُّهْبَةَ) فلم يذكرها، فانفرد أبو بكر بن عبد الرَّحمن بزيادتها.
(قَالَ الفَِرَبْرِيُّ) محمَّد بن يوسف: (وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي جَعْفَرٍ) هو ابن أبي حاتمٍ ورَّاق المؤلِّف: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف: (تَفْسِيرُهُ) أي: تفسير قوله: «لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمنٌ» (أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ، يُرِيدُ: الإِيمَانَ) كذا في فرعين لـ «اليونينيَّة» وروايته (٣) فيها عن المُستملي بلفظ: «يريد» من الإرادة، وقال في «فتح الباري»: «نور الإيمان»، والإيمان هو
стр. 5221
التَّصديق بالجَنان، والإقرار باللِّسان، ونورُه: الأعمالُ الصَّالحة، واجتناب المناهي، فإذا زنى أو شرب الخمر أو سرق ذهب نوره وبقي صاحبه في الظُّلمة (١).
(٣١) (باب كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ).
٢٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جعفرٍ المدينيُّ (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ) أي: القيامة (حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ) أي: في هذه الأمَّة (ابْنُ مَرْيَمَ) عيسى (٣) صلوات الله وسلامه عليه (حَكَمًا) بفتح الحاء والكاف، أي: حاكمًا (مُقْسِطًا) عادلًا في حكمه، فيحكم بالشَّريعة المُحمَّدية (فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) الذي اتَّخذه النَّصارى زاعمين أنَّ عيسى ﵊ صُلِب على خشبةٍ على تلك الصُّورة، وفي كسره له إشعارٌ بأنَّهم كانوا على الباطل في تعظيمه، والفاء في قوله: «فيكسر الصَّليب» تفصيليَّةٌ لقوله: «حَكَمًا مقسطًا» (وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ) بنصب «يقتلَ» عطفًا على «فيكسرَ» المنصوب، وكذا قوله: (وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) يتركها فلا يقبل من الكفَّار إلَّا الإسلام (وَيَفِيضَ المَالُ) بفتح الياء وكسر الفاء والنَّصب عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «ويفيضُ» بالرَّفع على الاستئناف، أي: يكثر (حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) لعلمهم بقيام السَّاعة، وأشار المؤلِّف بإيراد هذا الحديث هنا إلى أنَّ من كسر صليبًا أو قتل خنزيرًا لا يضمن؛ لأنَّه فَعَلَ مأمورًا به، لكنَّ محلَّه إذا كان مع المحاربين، أو الذِّمِّيُّ إذا جاوز الحدَّ الذي عُوهِد عليه، فإذا لم يجاوزه وكسره مسلمٌ كان متعدِّيًا؛ لأنَّهم على تقريرهم على ذلك يؤدُّون (٤) الجزية.
стр. 5222
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٨] وتقدَّم من وجهٍ آخر في «باب قتل الخنزير» في أواخر «البيوع» [خ¦٢٢٢٢]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «الفتن».
(٣٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ) بكسر الدَّال، جمع دَنٍّ: الحُبُّوهو الخابية، فارسيٌّ مُعرَّبٌ (الَّتِي فِيهَا الخَمْرُ) صفةٌ لـ «الدِّنان»، ولأبي ذرٍّ: «فيها خمرٌ» بالتَّنكير (أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ) بضمِّ التَّاء وفتح الخاء المعجمة والرَّاء مبنيًّا للمفعول، عطفًا على «هل تُكسَر الدِّنان»، و «الزِّقاق» -بكسر الزَّاي- جمع زقٍّ، أي: التي فيها الخمر أيضًا، فيه تفصيلٌ، فإن كانت الأوعية بحيث تُراق وإذا غُسِلت طَهُرت ويُنتَفع بها، لم يجز إتلافها، وإلَّا جاز، وقال أبو يوسف وأحمد في روايةٍ: إن (٢) كان الدَّنُّ أو الزِّقُّ لمسلمٍ لم (٣) يضمن، وقال محمَّد بن الحسن وأحمد في روايةٍ (٤): يضمن؛ لأنَّ الإراقة بغير الكسر ممكنةٌ، وإن كان الدَّنُّ لذمِّيٍّ؛ فقال الحنفيَّة: يضمن بلا خلافٍ؛ لأنَّه مالٌ مُتقوَّمٌ في حقِّهم، وقال الشَّافعيُّ وأحمد: لا يضمن؛ لأنَّه غير مُتقوَّمٍ في حقِّ المسلم، فكذا في حقِّ الذِّمِّيِّ، وإن كان الدَّنُّ لحربيٍّ فلا يضمن بلا خلافٍ، وعن مالكٍ: زقُّ الخمر لا يطهِّره الماء لأنَّ الخمر غاص فيه (فَإِنْ كَسَرَ صَنَمًا) ما يُتَّخَذ إلهًا من دون الله، ويكون من خشبٍ وغيره، حديدٍ ونحاسٍ وغيرهما (أَوْ) كسر (صَلِيبًا أَوْ
стр. 5223
طُنْبُورًا) بضمِّ الطَّاء والموحَّدة، بينهما نونٌ ساكنةٌ: آلةً مشهورةً من آلات الملاهي (أَوْ) كسر (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ) قبل الكسر، كآلات الملاهي المُتَّخَذة من الخشب، فهو تعميمٌ بعد تخصيصٍ، وجزاء الشَّرط محذوفٌ، أي: هل يضمن، أو يجوز، أو فما حكمه؟ (وَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (شُرَيْحٌ) هو ابن الحارث الكنديُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يلقَه، واستقضاه عمر بن الخطَّاب على الكوفة، أي: أتاه اثنان (فِي طُنْبُورٍ كُسِرَ) ادَّعى أحدهما على الآخر أنَّه كسر طنبوره (فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ) أي: لم يحكم فيه بغرامةٍ، وهذا وصله ابن أبي شيبة.
٢٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، النَّبيل البصريُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميِّ، مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، الأسلميِّ، أبو مسلمٍ، شهد بيعة الرضوان، وتُوفِّي سنة أربعٍ وسبعين (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ) غزوة (خَيْبَرَ) سنة سبعٍ (قَالَ: عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة مع دخول الجارِّ عليها، وهو قليلٌ، و «النِّيرانُ» -بكسر النُّون الأولى- جمع نارٍ، والياء منقَلبةٌ عن واوٍ، وللأَصيليِّ: «قال: علامَ» بحذف ألف «ما» الاستفهاميَّة، ولأبي ذرٍّ: «فقال: علامَ» بفاءٍ قبل القاف، وحذف ألف «ما» (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (عَلَى الحُمُرِ) بضمِّ المُهمَلة والميم (الإِنْسِيَّةِ) بكسر الهمزة وسكون النُّون، نسبةً إلى الإنس -بني آدم- وثبت قوله: «على» لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره (قَالَ) ﵊: (اكْسِرُوهَا) أي: القدور (وَأَهْرِقُوهَا) بسكون الهاء، ولأبي ذرٍّ: «وهَريقوها» بحذف الهمزة وزيادة مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل القاف، والهاء مفتوحةٌ، أي: صبُّوها (قَالُوا) مستفهمين: (أَلَا نُهْرِيقُهَا) بضمِّ النُّون وفتح الهاء وبعد الرَّاء المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: من غير كسرٍ (وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) ﷺ مجيبًا لهم: (اغْسِلُوا) بحذف الضَّمير المنصوب، أي: اغسلوها، أي: القدور، وإنَّما قال ذلك ﵊
стр. 5224
لاحتمال تغيُّر اجتهاده، أو أُوحِي إليه بذلك، وقال ابن الجوزيِّ: أراد التَّغليظ عليهم في طبخهم ما نُهِي عن أكله، فلمَّا رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأواني، وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ دنان الخمر لا سبيل إلى تطهيرها، فإنَّ الذي دخل القدور من الماء الذي طُبِخت به الحمر (١) نظيره (٢)، وقد أذن ﷺ في غسلها فدلَّ على إمكان تطهيرها.
وهذا الحديث تاسع ثلاثيَّات البخاريِّ، وقد أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٩٦] و «الأدب» [خ¦٦١٤٨] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٧] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣١]، ومسلمٌ في «المغازي» و «الذَّبائح» (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاري: (كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيسٍ) إسماعيلُ، وهو (٣) شيخ المؤلِّف وابن أخت الإمام مالكٍ (يَقُولُ: الحُمُر الأَنَسِيَّة، بِنَصْبِ الأَلِفِ وَالنُّونِ) نسبةً إلى الأَنس -بالفتح- ضدَّ الوحشة، قال في «فتح الباري»: وتعبيره -عن الهمزة بالألف، وعن الفتح بالنَّصب- جائزٌ عند المتقدِّمين وإن كان الاصطلاح أخيرًا قد استقرَّ على خلافه، فلا يبادر إلى إنكاره. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس هذا بمصطلحٍ عند النُّحاة المتقدِّمين والمتأخِّرين، أنَّهم يعبِّرون عن الهمزة بالألف وعن الفتح بالنَّصب، فمن ادَّعى خلاف ذلك فعليه البيان، فالهمزة ذات حركةٍ، والألف مادَّةٌ هوائيَّةٌ فلا (٤) تقبل الحركة، والفتح من ألقاب البناء، والنَّصب من ألقاب الإعراب، وهذا ممَّا لا يخفى على أحدٍ.
стр. 5225
٢٤٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الله بن يسارٍ، بالتَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) بفتح الميمين (٢) وسكون المهملة بينهما، عبد الله بن سَخْبرة، الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ) في غزوة الفتح في رمضان سنة ثمانٍ (وَحَوْلَ البَيْتِ) وفي نسخةٍ وهي التي في الفرع وأصله (٣): «الكعبة» (ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا) بضمِّ النُّون والصَّاد المهملة وبالمُوحَّدة: حجرًا كانوا ينصبونه في الجاهليَّة ويتَّخذونه صنمًا يعبدونه، والجمع أنصابٌ، والواو في قوله: «وحول البيت» للحال (فَجَعَلَ) النَّبيُّ ﷺ (يَطْعَُنُهَا) بضمِّ العين في الفرع، ويجوز فتحها، أي: يطعن الأصنامَ (بِعُودٍ فِي يَدِهِ) صفةٌ لـ «عودٍ»، وفيه إذلالٌ للأصنام وعابديها، وإظهار أنَّها لا تضرُّ ولا تنفع ولا تدفع عن أنفسها (وَجَعَلَ) ﵊ (يَقُولُ: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾) أي: هلك واضمحلَّ (الآيَةَ [الإسراء: ٨١]) إلى آخرها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٨٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٠]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» وكذا النَّسائيُّ.
стр. 5226
٢٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثيُّ أبو ضمرة (١) المدنيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، العمريِّ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عمر» (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا) بفتح السِّين المهملة كالصُّفَّة تكون بين يدي البيت، أو الطَّاق يُوضَع فيه الشَّيء، أو خزانةٍ، أو رفٍّ (سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ) جمع تمثالٍ، وهو ما صُوِّر من الحيوانات (٢) (فَهَتَكَهُ) أي: نزعه، أو خرقه (النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَتْ) عائشة ﵂ (مِنْهُ) أي: من السِّتر (نُمْرُقَتَيْنِ) تثنية نُمرُقةٍ -بضمِّ النُّون والرَّاء-: وسادةٍ صغيرةٍ، وقد تُطلَق على الطِّنْفِسة (فَكَانَتَا) يعني: النُّمْرُقتين (فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا) النَّبيُّ ﷺ ، فإن قلت: ما وجه دخول هذا الحديث في المظالم؟ أُجيب: بأنَّ هتك السِّتر الذي فيه التَّماثيل من إزالة الظُّلم؛ لأنَّ الظُّلمَ وضعُ الشَّيء في غير موضعه.
وهذا الحديث من أفراده.
(٣٣) (باب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ) أي: عند ماله فقُتِل فهو شهيدٌ.
стр. 5227
٢٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، القرشيُّ العدويُّ، أبو عبد الرَّحمن المقرئ، مولى آل عمر بن الخطَّاب قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الخزاعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، يتيم عروة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن العاص (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ).
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ بهذا الإسناد بلفظ: «من قُتِل دون ماله مظلومًا فله الجنَّة»، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث سعيد بن زيدٍ مرفوعًا: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيدٌ، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيدٌ»، ثمَّ قال: حديثٌ صحيحٌ.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَسَرَ) شخصٌ (قَصْعَةً) بفتح القاف: إناءً من خشبٍ (أَوْ) كسر (شَيْئًا لِغَيْرِهِ) هو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، أي: هل يضمن المثل أو القيمة؟ فجواب «إذا» محذوفٌ.
٢٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ) هي عائشة (فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ) هي صفيَّة كما رواه أبو داود والنَّسائيُّ، أو حفصة رواه الدَّارقُطنيُّ وابن ماجه، أو أمُّ سلمة، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وإسناده أصحُّ من إسناد الدَّارقُطنيِّ، وساقه بسندٍ صحيحٍ، وهو أصحُّ ما ورد في ذلك، ويحتمل التَّعدُّد (مَعَ خَادِمٍ) لم يُسَمَّ (بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ) وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ: بصفحةٍ (١) فيها خبزٌ ولحمٌ من بيت أمِّ سلمة (فَضَرَبَتْ) عائشة (بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ) زاد أحمد: نصفين، وعند النَّسائيِّ من حديث أمِّ سلمة: فجاءت عائشة ومعها فهرٌ ففلقت الصَّحفة (فَضَمَّهَا) ﵊، أي: القصعة، وفي رواية ابن عُلَيَّة عند المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥٢٢٥]: فجمع النَّبيُّ ﷺ فِلَقَ الصَّحفة (وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ) الذي انتثر منها (وَقَالَ) ﵊ لأصحابه الذين كانوا معه: (كُلُوا وَحَبَسَ الرَّسُولَ) أي: الذي جاء بالطَّعام
стр. 5228
(وَالقَصْعَةَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (حَتَّى فَرَغُوا) من الأكل، وأتى بقصعةٍ من عند عائشة (فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ) إلى الرَّسول ليعطيها للتي كُسِرت صحفتُها (وَحَبَسَ) القصعة (المَكْسُورَةَ) في بيتِ التي كَسَرَت، زاد الثَّوريُّ: وقال: «إناءٌ كإناءٍ، وطعامٌ كطعامٍ»، واستُشكِل: بأنَّه إنَّما يُحكَم في الشَّيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدَّراهم وسائر المثليَّات، والقصعة إنَّما هي من المتقوَّمات، والجواب ما حكاه البيهقيُّ: بأنَّ القصعتين كانتا للنَّبيِّ ﷺ في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصَّحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم.
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو شيخ المؤلِّف سعيدٌ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وغرض المؤلِّف بسياق هذا: بيانُ التَّصريح بتحديث أنسٍ لحُميدٍ، قاله في «الفتح».
(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا هَدَمَ) شخصٌ (حَائِطًا) لشخصٍ آخر (فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ) خلافًا لمن قال من المالكيَّة وغيرهم: تلزمه القيمة.
٢٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ) هو (١) (بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، ابن زيد بن عبد الله، الأزديُّ البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ
стр. 5229
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ) بضمِّ الجيم الأولى (١) وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة وفي رواية كريمة: «جريجٌ الرَّاهب» (يُصَلِّي) أي: في صومعته، وفي أوَّل حديث أبي سلمة عند أحمد (٢) «كان رجلٌ في بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرَّة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التِّجارة خيرٌ لألتمسنَّ تجارةً هي خيرٌ من هذه، فبنى صومعةً وترهَّب فيها»، وهذا يدلُّ على أنَّه كان بعد عيسى ﵊ وأنَّه كان من أتباعه؛ لأنَّهم الذين ابتدعوا التَّرهُّب وحبس النَّفس في الصَّوامع، وهو يردُّ قول ابن بطَّالٍ: إنَّه يمكن أن يكون نبيًّا (فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ) لم تُسَمَّ (فَدَعَتْهُ) وفي رواية أبي رافعٍ عند أحمد: فأتته أمُّه ذات يومٍ فنادته، فقالت: ابني جريج، أشرِفْ حتَّى أكلِّمك، أنا أمُّك (فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ) في نفسه مناجيًا لله تعالى سرًّا (٣) من غير نطقٍ، أو نَطَقَ، وكان الكلام مباحًا في شريعتهم كما كان عندنا في صدر الإسلام: (أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ) أي: بعدما رجعت، وفي رواية أبي رافعٍ: «فصادَفَته يصلِّي، فقالت: يا جريج، فقال: يا ربِّ، أمِّي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، فأتته وصادفته يصلِّي، فقالت: يا جريج، أنا أمُّك فكلِّمني» فقال مثله، وفي حديث عمران بن حُصَينٍ عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: أنَّها جاءته ثلاث مرَّاتٍ تناديه في كلِّ مرَّةٍ ثلاث مرَّاتٍ، وقوله: «أمِّي وصلاتي» أي: اجتمع عليَّ إجابة أمِّي وإتمام صلاتي، فوفِّقْني لأفضلهما (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ (٤) المُومِسَاتِ) جمع مُومِسَةٍ -بضمِّ الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مُهمَلةٌ-: الزَّانية، وفي رواية الأعرج في «باب إذا دعت الأمُّ ولدها في الصَّلاة» من (٥) أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١٢٠٦]: «حتَّى ينظر في وجوه المياميس»، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حتَّى تُرِيه وجوهَ المومسات» (وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ) بفتح الصَّاد المهملة (٦) وسكون الواو، وهي البناء المرتفع المُحدَّد أعلاه، ووزنها «فوعلةٌ»، من: صمعت، إذا دقِّقت؛ لأنَّها دقيقة الرَّأس (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) بغيٌّ منهم: (لأَفْتِنَنَّ
стр. 5230
جُرَيْجًا) ولم تُسَمَّ، نعم في حديث عمران بن حُصَينٍ: أنَّها كانت بنت ملك القرية، لكن يعكِّر عليه ما في رواية الأعرج [خ¦١٢٠٦]: «وكانت تأوي إلى صومعته راعيةٌ ترعى الغنم»، وأجيب: باحتمال (١) أنَّها خرجت من دارها بغير علم أهلها متنكِّرةً للفساد إلى أن ادَّعت أنَّها تستطيع أن تفتن جريجًا، فاحتالت بأن خرجت في صورة راعيةٍ ليمكنها أن تأوي إلى ظلِّ صومعته، لتتوصَّل بذلك إلى فتنته.
(فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ) أن يواقعها (فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا) قال القطب القسطلانيُّ في «المبهمات» له: اسمه صهيبٌ، وكذا قال ابن حجرٍ في المقدِّمة، لكنَّه قال في «فتح الباري» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦]: لم أقف على اسم الرَّاعي، وزاد أحمد في رواية وهب بن جرير بن حازمٍ عن أبيه: «كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريجٍ» (فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا) فَوَاقَعَها، وحَمَلَت منه (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) بعد انقضاء مدَّة الحمل، فسُئِلت: ممَّن هذا الغلام؟ (فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ) وفي رواية أبي رافعٍ: «فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم»، وفي حديث عمران: «فما شعر حتَّى سمع بالفؤوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم: ويلَكم (٢)، ما لكم؟ فلم يجيبوه، فلمَّا رأى ذلك أخذ الحبل فتدلَّى» (فَأَنْزَلُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «وأنزلوه» بالواو بدل الفاء (وَسَبُّوهُ) زاد أحمد في رواية وهب بن جريرٍ: «وضربوه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنَّك زنيت بهذه»، وفي رواية أبي رافعٍ عند أحمد أيضًا: فجعلوا في عنقه وعنقها حبلًا، فجعلوا يطوفون بهما في النَّاس (فَتَوَضَّأَ) وفيه: أنَّ الوضوء ليس من خصائص هذه الأمَّة خلافًا لمن قال ذلك، نعم من خصائصها الغرَّة والتَّحجيل في القيامة (وَصَلَّى) زاد في حديث عمران: «ركعتين»، وفي رواية وهب بن جريرٍ: «ودعا» (ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟) وفي رواية الأعرج [خ¦١٢٠٦]: «قال (٣): يا بابوسُ، من أبوك؟» أي: يا صغير، وليس هو اسم هذا الغلام بعينه (قَالَ) الغلام: أبي (الرَّاعِي) وفيه: أنَّ الطِّفل يُدعَى غلامًا، وقد تكلَّم
стр. 5231
من الأطفال ستَّةٌ: شاهد يوسف، وابن ماشطة بنت فرعون، وعيسى ﵇، وصاحب جُرَيجٍ هذا، وصاحب الأخدود، وولد المرأة التي من بني إسرائيل لمَّا مرَّ بها رجلٌ من بني إسرائيل، وقالت: اللَّهمَّ اجعل ابني مثله، فترك ثديها وقال: اللَّهمَّ لا تجعلني مثله، وزعم الضَّحَّاك في «تفسيره»: أنَّ يحيى تكلَّم في المهد، أخرجه الثَّعلبيُّ، فإن ثبت صاروا سبعةً، ومُبارَك اليمامة في الزَّمن النَّبويِّ المُحمَّديِّ، وتأتي دلائل ذلك إن شاء الله تعالى في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦].
(قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ) جريجٌ: (لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ) كما كانت، ففعلوا، قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: فيه شاهدٌ على حذف المجزوم بـ «لا» النَّاهية، فإنَّ مراده: لا تبنوها إلَّا من طينٍ، قال في «المصابيح»: يحتمل أن يكون التَّقدير: لا أريدها إلَّا من طينٍ، فلا شاهد فيه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «نبني صومعتك … » إلى آخره؛ لأنَّ شَرْعَ مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا ما لم يأتِ شرعُنا بخلافه، لكن في الاستدلال بهذه القصَّة فيما ترجم به نظرٌ؛ لأنَّ شرعنا أوجبَ المثلَ في المثليَّات، والحائط متقوَّمٌ لا مِثْلِيٌّ، لكن لو التزم الهادم الإعادة ورضي صاحبه بذلك جاز بلا خلافٍ، وفي الحديث: إيثار إجابة الأمِّ على صلاة التَّطوُّع؛ لأنَّ الاستمرار فيها نافلةٌ، وإجابة الأمِّ وبرُّها واجبٌ، قال النَّوويُّ: وإنَّما دعت عليه (١) وأُجيبت؛ لأنَّه كان يمكنه أن يخفِّف ويجيبها، لكن لعلَّه خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدُّنيا وتعلُّقاتها. انتهى. وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى وعند الحسن بن سفيان من حديث (٢) يزيد بن حوشبٍ عن أبيه أنَّ (٣) النَّبيَّ ﷺ قال: «لو كان جريجٌ فقيهًا لعلم أنَّ إجابة أمِّه أَوْلى من عبادة ربِّه».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦]، ومسلمٌ في «الأدب».
стр. 5232
((٤٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب الشَّرِكَةِ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء كما ضبطها في «اليونينيَّة» (١)، وهي لغةً: الاختلاط، وشرعًا: ثبوت الحقِّ في شيءٍ لاثنين فأكثر على جهة الشُّيوع، وقد تحدث الشَّركة قهرًا كالإرث، أو باختيارٍ كالشِّراء، وهي أنواعٌ أربعةٌ: -شركة الأبدان- كشركة الحمَّالين وسائر المحترفة، ليكون كسبهما (٢) متساويًا أو متفاوتًا مع اتِّفاق الصَّنعة واختلافها -وشركة الوجوه -كأن يشترك وجيهان عند النَّاس ليبتاع كلٌّ منهما بمُؤجَّلٍ، ويكون المبتاع لهما، فإذا باعا كان الفاضل عن (٣) الأثمان بينهما -وشركة المفاوضة- بأن يشترك اثنان بأن يكون بينهما كسبهما بأموالهما أو أبدانهما، وعليهما ما يعرض من مغرمٍ (٤)، وسُمِّيت مفاوضةً من تفاوضا في الحديث: شرعا فيه جميعًا -وشركة العِنان- بكسر العين، من عنَّ الشَّيء: ظهر؛ إمَّا لأنَّها أظهر الأنواع، أو لأنَّه ظهر لكلٍّ منهما مال الآخر. وكلُّها باطلةٌ إلَّا شركة العِنان، لخلوِّ الثَّلاثة الأُوَل عن المال المشترك، ولكثرة الغرر فيها بخلاف الأخيرة فهي الصَّحيحة، ولها شروطٌ: العاقدان، وشرطهما: أهليَّة التَّوكيل والتَّوكُّل، والصِّيغة، ولا بدَّ فيها من لفظٍ يدلُّ على الإذن من كلٍّ منهما للآخر في التَّصرُّف بالبيع والشِّراء، والمال المعقود عليه، وتجوز
стр. 5233
الشَّركة في الدَّراهم والدَّنانير بالإجماع، وكذا في (١) سائر المثليَّات كالبُرِّ والحديد؛ لأنَّها إذا اختلطت بجنسها ارتفع عنها التَّمييز، فأشبهت النَّقدين، وأن يخلطا قبل العقد ليتحقَّق معنى الشَّركة، وسقط (٢) لفظ «باب» في رواية أبي ذرٍّ، وقال: «في الشِّرْكة» بكسر المعجمة وسكون الرَّاء؛ كما في الفرع، ولم يضبطه في أصله (٣)، وفي رواية النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «كتاب الشَّركة».
(فِي الطَّعَامِ) الآتي (٤) حكمه في بابٍ مُفرَدٍ (وَالنِّهْدِ) بكسر النُّون، ولأبي ذرٍّ: «والنَّهْد» بفتحها والهاء في الرِّوايتين ساكنةٌ؛ وهو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرُّفقة وخلطها عند المرافقة في السَّفر، وقد يتَّفق رفقةٌ فيصنعونه في الحضر؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (وَالعُرُوضِ) بضمِّ العين، جمع عرْضٍ -بسكون الرَّاء- مقابل النَّقد، ويدخل فيه الطَّعام (وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ) هل تجوز قسمته (مُجَازَفَةً أَوْ) لا بدَّ من الكيل في المكيل والوزن في الموزون، كما قال: (قَبْضَةً قَبْضَةً) يعني متساويةً (لَمَّا) بفتح اللَّام وتشديد الميم في أصلين مُقابَلين على «اليونينيَّة» وغيرهما ممَّا وقفت عليه، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: «لِمَا» بكسر اللَّام وتخفيف الميم (لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ فِي النِّهْدِ بَأْسًا أَنْ) أي: بأن (يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا) مجازفةً (وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ) بالفضَّة (وَالفِضَّةِ) بالذَّهب لجواز التَّفاضل في ذلك كغيره ممَّا يجوز التَّفاضل فيه ممَّا (٥) يُكال أو يُوزَن من المطعومات ونحوها (وَالقِرَانُِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وفي روايةٍ: «والإقران» (فِي التَّمْرِ) وقد مرَّ ذكره في «المظالم»، والذي في «اليونينيَّة» وفرعها [خ¦٢٤٥٥]: رفع «القِران» و «الإقران» لا غير.
стр. 5234
٢٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ) في رجب سنة ثمانٍ من الهجرة، و «السَّاحل»: شاطئ البحر (فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) بفتح الجيم وتشديد الرَّاء وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، واسمُ أبي عبيدة عامرُ بن عبد الله (وَهُمْ) أي: البعث (ثَلَاثُ مِئَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ) أي: أشرف على الفناء (فَأَمَرَ) الأمير (١) (أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) بكسر الميم وإسكان الزَّاي وفتح الواو والدَّال وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، تثنية مِزْوَدٍ: ما يُجعَل فيه الزَّاد كالجِرَاب (فَكَانَ يُقَوِّتُنَا) بتشديد الواو وحذف الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يقوِّتناه» (كُلَّ يَوْمٍ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (قَلِيلًا قَلِيلًا) بالنَّصب، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي روايةٍ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يَقُوْتنا» -بفتح أوَّله وضمِّ القاف وسكون الواو- «كلَّ يومٍ قليلٌ قليلٌ» بالرَّفع (حَتَّى فَنِيَ) أكثره (فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ) قال وهب بن كيسان: (فَقُلْتُ) لجابرٍ: (وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟) أي: عن الجوع (فَقَالَ) جابرٌ: (لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ) مؤثِّرًا، وفي رواية أبي (٢) الزبير عن جابرٍ عند مسلمٍ: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصُّها كما يمصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى اللَّيل (قَالَ) أي: جابرٌ: (ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى) ساحل (البَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ) بظاءٍ مُعجَمةٍ مشالةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ فمُوحَّدةٍ، أي: الجبل الصَّغير، وضُبِط أيضًا في الفرع بكسر الظَّاء وسكون الرَّاء، أي: منبسطٌ ليس بالعالي (فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الجَيْشُ) الثَّلاث مئةٍ (ثَمَانِيَ عَشْرَةَ
стр. 5235
لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح (بِضِلَعَيْنِ) بكسر الضَّاد المعجمة وفتح اللَّام (مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا) استُشكِل إسقاط تاء التَّأنيث؛ لأنَّ الضِّلع مُؤنَّثةٌ، وأُجيب بأنَّ تأنيثها غير حقيقيٍّ فيجوز التَّذكير (ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا) أي: تحت الضِّلعين (فَلَمْ تُصِبْهُمَا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجُمِع» لأنَّه لمَّا كان يُفرَّق عليهم قليلًا قليلًا (١)؛ صار في معنى: النِّهد، واعتُرِض: بأنَّه ليس فيه ذكر المجازفة لأنَّهم لم يريدوا المبايعة (٢) ولا البذل، وأُجيب: بأنَّ حقوقهم تساوت فيه بعد جمعهم، فتناولوه مجازفةً كما جرت العادة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٦٠] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨٣]، ومسلمٌ في «الصَّيد»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد» و «السِّير».
стр. 5236
٢٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ ابْنُ مَرْحُومٍ) هو بِشْر بن عُبَيسٍ -بالعين المهملة والمُوحَّدة والسِّين المُهمَلة مُصغَّرًا- ابن مرحومٍ، الطَّائيُّ البصريُّ نزيل الحجاز، ونسبه لجدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنيُّ الحارثيُّ، صدوقٌ يهم (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميِّ مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) أي: ابن الأكوع (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ) أي: في غزوة هوازن، كما عند (١) الطَّبرانيِّ، وللحَمُّويي والمُستملي: «أزودة القوم» (وَأَمْلَقُوا) أي: افتقروا (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ) في نحرها (فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَأَخْبَرُوهُ) بذلك (فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟) إذا نحرتموها لأنَّ توالي المشي قد يفضي إلى الهلاك (فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَادِ فِي النَّاسِ) فهم (يَأْتُونَ) ولغير أبي ذرٍّ: «فيأتون» (بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَبُسِطَ لِذَلِكَ نَِطَْعٌ) بكسر النُّون وفتح الطَّاء، ويجوز فتح النُّون وسكون الطَّاء، فهي أربع لغاتٍ (وَجَعَلُوهُ) أي: فضلَ الأزواد (عَلَى النِّطَعِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَعَا وَبَرَّكَ) بتشديد الرَّاء (عَلَيْهِ) أي: على (٢) ما على النِّطع (ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ) جمع وعاءٍ (فَاحْتَثَى النَّاسُ) بهمزة وصلٍ وسكون الحاء المهملة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُثلَّثة، أي: أخذوا حثيةً حثيةً (٣)، وهي الأخذ بالكفَّين (حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي
стр. 5237
رَسُولُ اللهِ) إشارةً إلى أنَّ ظهور المعجزة ممَّا يؤيِّد الرِّسالة، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «جمع أزوادهم» لأنَّه أخذها منهم بغير قسمةٍ مستويةٍ (١).
وقد أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٨٢] وهو من أفراده.
٢٤٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو الفريابيُّ كما قاله أبو نعيمٍ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ) بتخفيف الجيم وبعد الألف مُعجَمةٌ، عطاء بن صُهَيبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة وبعد المُثنَّاة التَّحتيَّة جيمٌ (¬﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا، فَتُقْسَمُ (٢) عَشْرَ قِسَمٍ) بكسر القاف وفتح السِّين، جمع قسمةٍ (فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا) بفتح النُّون وكسر المعجمة آخره جيمٌ، أي: مستويًا (قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ) والغرض منه قوله: «فتُقسَم عشر قِسَمٍ»، فإنَّ فيه جمع الأنصباء مجازفةً، وهو من الأحاديث المذكورة في غير مظنَّتها، وفيه تعجيل العصر، وقد ذكر في «المواقيت» [خ¦٥٥٩] من هذا الوجه تعجيل المغرب، ولفظه: «حدَّثنا محمَّد بن مهران: حدَّثنا الوليد: حدَّثنا الأوزاعيُّ قال: حدَّثني أبو النَّجاشيِّ مولى رافعٍ -هو عطاء بن صُهَيبٍ- قال: سمعت رافع بن خَديجٍ يقول: كنَّا نصلِّي المغرب مع النَّبيِّ (٣) ﷺ ، فينصرف أحدُنا وإنَّه لَيبصِرُ مواقعَ نَبْله». انتهى.
стр. 5238
٢٤٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن (١) كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ) القرشيُّ مولاهم الكوفيُّ أبو أسامة (٢) (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ) بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة؛ نسبةً إلى الأشعر قبيلةٍ من اليمن (إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ) بفتح الهمزة والميم، أي: فَنِيَ زادُهم، وأصله من الرَّمل، كأنَّهم لصقوا بالرَّمل من القلَّة، كما قيل: تَرِب الرَّجل؛ إذا افتقر، كأنَّه لصق بالتُّراب (أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ اقتسموا» بحذف الضَّمير المنصوب (فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) أي: متَّصلون بي، أو فعلوا فعلي في هذه المُواسَاة، وفيه منقبةٌ عظيمةٌ للأشعريِّين، وفي الحديث استحباب خلط الزَّاد سفرًا وحضرًا، وقول ابن حجرٍ -فيه جواز هبة المجهول- تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ له وليس فيه إلَّا مواساة (٣) بعضهم بعضًا والإباحة، وهذا لا يُسمَّى هبةً؛ لأنَّ الهبةَ تمليكُ المال، والتَّمليك غير الإباحة، وأيضًا الهبة لا تكون إلَّا بالإيجاب والقبول، ولا بدَّ فيها من القبض عند جمهور العلماء، ولا تجوز فيما يُقسَم إلَّا محوزةً (٤) مقسومةً، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «السِّير»، والله أعلم.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ) أي: مخالطين، وهما الشَّريكان (فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ
стр. 5239
بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ) قيَّد بالصَّدقة لوروده فيها، لأنَّ التَّراجع (١) لا يصحُّ بين الشَّريكين في الرِّقاب.
٢٤٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى) بن عبد الله بن أنس بن مالكٍ الأنصاريُّ (٢) البصريُّ القاضي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميم (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) وثُمَامة عمُّ عبد الله بن المُثنَّى (أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا) هو ابن مالك (حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (٣) (¬﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ) أي: قدَّر (رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ) تثنية خليطٍ، وهو الشَّريك (فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) أي: أنَّ الشَّريكين إذا خلطا رأس مالهما والرِّبح بينهما، فمن أنفق من مال الشَّركة أكثر ممَّا أنفق صاحبه تراجعا عند القسمة بقدر ذلك؛ لأنَّه ﷺ أمر الخليطين في الغنم بالتَّراجع بينهما وهما شريكان، فدلَّ ذلك على أنَّ كلَّ شريكين في معناهما، قاله أبو سليمان الخطَّابيُّ، وتعقَّبه ابن المنيِّر: بأنَّ التَّراجع الواقع بين الخليطين في الغنم ليس من باب قسمة الرِّبح، وإنَّما أصله غُرْمٌ مُستهلَكٌ؛ لأنَّا نقدِّر من لم يعطِ استهلكَ مالَ من أعطى إذا أعطى عن (٤) حقٍّ وَجَبَ على غيره، وقيل: إنَّما يُقدَّر مُسْتَلِفًا من صاحبه على ذلك الخلاف في وقت التَّقويم عند التَّراجع، هل يُقوَّم (٥) وقت الأخذ أو وقت (٦) الوفاء، فالأوَّل على أنَّه استهلك، والثَّاني على أنَّه استلف، قال: وفيه حجَّةٌ لمذهب مالكٍ ﵀ أنَّ من قام عن غيره بواجبٍ فله الرُّجوع عليه وإن لم يكن أَذِنَ له في القيام عنه، وأمَّا لو ذبح أحد الخليطين أو الشَّريكين من الشَّركة شيئًا فهو مستهلكٌ،
стр. 5240
فالقيمة يوم الاستهلاك قولًا واحدًا بخلاف ما يأخذه السَّاعي؛ كذا نقله عن ابن المنيِّر في «المصابيح» و «الفتح» بنحوه مختصرًا.
وهذا الحديث بهذا السَّند قد ذكره المؤلِّف في مواضع مُقطَّعًا في عشرة مواضع، سبق منها في «الزَّكاة» ستَّةٌ [خ¦١٤٤٨] [خ¦١٤٥٠] [خ¦١٤٥١] [خ¦١٤٥٣] [خ¦١٤٥٤] [خ¦١٤٥٥] وباقيها في: «الشَّركة» [خ¦٢٤٨٧] و «الخمس» [خ¦٣١٠٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٧٨] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٥]، وأخرجه أبو داود في موضعٍ واحدٍ بتمامه.
(٣) (باب قِسْمَةِ الغَنَمِ) أي: بالعدد.
٢٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن ظَبْيان -بفتح المُعجَمة وسكون المُوحَّدة- المروزيُّ (الأَنْصَارِيُّ) المُؤدِّب قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) بن عديٍّ، والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مفتوحةٌ، و «رِفاعة» بكسر الرَّاء (بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وآخره جيمٌ (عَنْ جَدِّهِ) رافع بن خديجٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) زاد مسلمٌ كالمؤلِّف في «باب من عَدَلَ عشرًا من الغنم بجَزُورٍ» [خ¦٢٥٠٧] من تهامة وهو يردُّ على النَّوويِّ حيث قال تبعًا للقابسيِّ: إنَّه المُهَلُّ الذي بقرب المدينة، قال السَّفاقسيُّ: وكان ذلك سنة ثمانٍ من الهجرة في قصَّة (١) حُنينٍ (فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا
стр. 5241
إِبِلًا وَغَنَمًا) بكسر الهمزة والمُوحَّدة، لا واحد له من لفظه، بل واحدُه بعيرٌ (قَالَ) رافعٌ: (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ) بضمِّ الهمزة؛ للرِّفق بهم وحمل المنقطع (فَعَجِلُوا) بكسر الجيم، وفي الفرع بفتحها، ولم يضبطها في «اليونينيَّة» (١) (وَذَبَحُوا) مما أصابوه (وَنَصَبُوا القُدُورَ) بعد أن وضعوا اللَّحم فيها للطَّبخ (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقُدُورِ) أن تُكفَأ (فَأُكْفِئَتْ) بضمِّ الهمزة الأولى، أي: أُمِيلت ليُفرَّغ ما فيها، يُقال: كفأت الإناء وأكفأته إذا أملته، وإنَّما أُكفِئت لأنَّهم ذبحوا الغنم قبل أن تُقسَم، ولم يكن لهم ذلك، وقال النَّوويُّ: لأنَّهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، والمحلِّ الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة، فإنَّ الأكل منها قبل القسمة إنَّما يُباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنَّما هو إتلاف المرق عقوبةً لهم، وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوه، بل يُحمَل على أنَّه جُمِع ورُدَّ إلى المغنم، ولا يُظَنُّ بأنَّه أتلف مال الغانمين؛ لأنَّه ﷺ نهى عن إضاعة المال، نعم في «سنن أبي داود» بسندٍ جيَّدٍ: أنَّه ﷺ أكفأ القدور بقوسه، ثمَّ جعل يُرمِّلُ (٢) اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال: «إنَّ النُّهْبَةَ ليست بأحلَّ من الميتة، أو إنَّ الميتة ليست بأحلَّ من النُّهبة»، شكَّ هَنَّادٌ أحد رواته، وقد يُجاب: بأنَّه لا يلزم من ترميله إتلافه لإمكان تداركه بالغسل، لكنَّه بعيدٌ، ويحتمل أنَّ فعله ﷺ ذلك لأنَّه أبلغُ في الزَّجر، ولو ردَّها إلى المغنم لم يكن فيه كبيرُ زجرٍ؛ إذ ما ينوب الواحد منهم في ذلك نزرٌ يسيرٌ، فكان إفسادُها عليهم مع تعلُّق قلوبهم بها وغلبة شهواتهم أبلغَ في الزَّجر.
(ثُمَّ قَسَمَ) ﵊ (فَعَدَلَ) بتخفيف الدَّال (عَشْرَةً) بإثبات تاء التَّأنيث في أصل أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، والأصل المسموع على أبي الوقت بقراءة الحافظ ابن السَّمعاني، لكن قال ابن مالكٍ: لا يجوز إثباتها، فالصَّواب: فعدل عشرًا (مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ) أي: سوَّاها به، وهو محمولٌ على أنَّه كان بحسب قيمتها يومئذٍ، ولا يخالف هذا قاعدة الأضحية من إقامة بعيرٍ
стр. 5242
مقام سبع شياهٍ؛ لأنَّه الغالب في قيمة الشِّياه والإبل المعتدلة، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (فَنَدَّ) بفتح النُّون وتشديد الدَّال المُهمَلة، أي: هرب وشرد (مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ) أي: أعجزهم (وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) أي: قليلةٌ (فَأَهْوَى) أي: مال وقصد (رَجُلٌ مِنْهُمْ) إليه (بِسَهْمٍ) أي: فرماه به (فَحَبَسَهُ اللهُ) أي: بذلك السَّهم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) أي: الإبل (أَوَابِدَ) جمع آبدةٍ -بالمدِّ وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة- أي: نوافرَ وشواردَ (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي: ارموه بالسَّهم كالصَّيد، قال عباية بن رفاعة: (فَقَالَ جَدِّي) رافعُ بن خديجٍ: (إِنَّا نَرْجُو -أَوْ) قال: (نَخَافُ- العَدُوَّ غَدًا) والشَّكُّ من الرَّاوي، والرَّجاء هنا بمعنى: الخوف (١) (وَلَيْسَتْ مُدًى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «وليست معنا مُدًى»، وللحَمُّويي والمُستملي: «وليست لنا مُدًى»، وهي (٢) بضمِّ الميم وبالدَّال المهملة، مقصورٌ مُنوَّنٌ، جمع مَُِدْيةٍ -مُثلَّث الميم-: سكِّين، أي: وإن استعملنا السُّيوف في الذَّبائح (٣) تكلُّ وتعجز عند لقاء العدوِّ عن المُقاتَلة بها (أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟) ولمسلمٍ: فنُذَكِّي باللِّيْط -بكسر اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالطَّاء المهملة-: قطع القصب أو قشوره (قَالَ) ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أي: صبَّه بكثرةٍ، وهو مُشبَّهٌ بجري الماء في النَّهر، وكلمة «ما» موصولةٌ مبتدأٌ، والخبر: «فكلوه»، أو شرطيَّةٌ، والفاء جواب الشَّرط، وقال البرماويُّ كالزَّركشيِّ: ورُوِي بالزَّاي، حكاه القاضي عياضٌ، وهو غريبٌ، قال في «المصابيح»: وهذا (٤) تحريف في النَّقل، فإنَّ القاضي قال في «المشارق»: ووقع للأَصيليِّ في «كتاب الصَّيد»: «أنهز (٥)» بالزَّاي، وليس بشيءٍ، والصَّواب ما لغيره: «أنهر» أي: بالرَّاء؛ كما في سائر المواضع، فالقاضي إنَّما حكى هذا عن الأَصيليِّ في «كتاب الصَّيد» لا في المكان الذي نحن فيه، وهو «كتاب الشَّركة»، وكلام الزَّركشيِّ ظاهرٌ في روايته في هذا المحلِّ الخاصِّ، وهو تحريفٌ بلا شكٍّ. انتهى.
(وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ) هذا تمسَّكَ به من اشترط التَّسمية عند الذَّبح، وهم المالكيَّة
стр. 5243
والحنفيَّة، فإنَّه علَّق الإذن في الأكل بمجموع أمرين، والمُعلَّق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما، وأجاب أصحابنا الشَّافعيَّة: بأنَّ هذا مُعارَضٌ بحديث عائشة ﵂ [خ¦٢٠٥٧]: أنَّ قومًا قالوا: إنَّ قومًا يأتوننا باللَّحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم وكلوا»، فهو محمولٌ على الاستحباب، وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٥٤٣].
قال العلاَّمة البدر الدَّمامينيُّ، فإن قلت: الضَّمير من قوله: «فكلوه» لا يعود على «ما»؛ لأنَّها عبارةٌ عن آلة التَّذكية، وهي لا تُؤكَل، فعلى ماذا يعود؟ وأجاب: بأنَّه يعود على المُذكَّى المفهوم من الكلام؛ لأنَّ إنهارَ الآلةِ للدَّم يدلُّ على شيءٍ أُنهِر دمه ضرورةً، وهو المُذكَّى، ولكن لا بدَّ من رابطٍ يعود على «ما» من الجملة، أو ملابسها، فيُقدَّر محذوف الملابس (١)، أي: فكلوا مذبوحه، أو يُقدَّر (٢) ذلك مضافًا إلى «ما»، ولكنَّه حُذِف، فالتَّقدير: مذبوحُ ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه فكلوه، فإن قلت: يلزم عدم الارتباط حينئذٍ؛ وأجاب: بأنَّ الرَّبط حاصلٌ، قال: وذلك أنَّا (٣) نقدِّر التَّركيب هكذا: ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه (٤) على مُذكَّاه فكلوا، فالضَّمير عائدٌ على (٥) ملتبسٍ، فحصل الرَّبط، وقد قال الكسائيُّ وتبعه ابن مالكٍ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]: إنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأٌ، و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ الخبر، والأصل: يتربَّص أزواجهم، ثمَّ جيء بالضَّمير مكان الأزواج لتقدُّم ذكرهنَّ، فامتنع ذكر الضَّمير؛ لأنَّ النُّون لا تُضاف لكونها ضميرًا، وجعل الرَّبط بالضَّمير القائم مقام الظَّاهر المضاف إلى الضَّمير، وهذا مثل مسألتنا.
(لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) قال الزَّركشيُّ والبرماويُّ والكِرمانيُّ والعينيُّ: «ليس» هنا للاستثناء بمعنى «إلَّا»، وما بعدها نُصِب على الاستثناء، قال في «المصابيح»: الصَّحيح أنَّها ناسخةٌ، وأنَّ اسمها ضميرٌ راجعٌ للبعض المفهوم ممَّا تقدَّم، واستتاره واجبٌ، فلا يليها في اللَّفظ إلَّا
стр. 5244
المنصوب (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) أي: سأبيِّن لكم علَّته وحكمته لتتفقَّهوا (١) في الدِّين (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) لا يقطع غالبًا، وإنَّما يجرح ويدمي، فتزهق النَّفس من غير تيقُّن الذَّكاة، وهذا يدلُّ على أنَّ النَّهي عن الذَّكاة بالعظم كان متقدِّمًا، فأحال بهذا القول على معلومٍ قد سبق، قال ابن الصَّلاح: ولم أجد بعد البحث أحدًا ذكر ذلك بمعنىً يُعقَل، قال: وكأنَّه عندهم تعبُّديٌّ، وكذا نُقِل عن الشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام أنَّه قال: للشَّرع عِلَلٌ تُعبِّد بها، كما أنَّ له أحكامًا تُعبِّد بها، أي: وهذا منها، وقال النَّوويُّ: المعنى: لا تذبحوا بالعظام؛ لأنَّها تنجس بالدَّم، وقد نُهِيتم عن تنجيس العظام في الاستنجاء؛ لكونها زاد إخوانكم من الجنِّ. انتهى. قال في «جمع العدَّة»: وهو ظاهرٌ.
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) ولا يجوز التَّشبُّه بهم ولا بشعارهم؛ لأنَّهم كفَّارٌ وهم يدمون المذبح بأظفارهم حتَّى تزهق النَّفس خنقًا وتعذيبًا، ويحلُّونها محلَّ الذَّكاة فلذلك ضرب المثل بهم، والألف واللَّام في «الظُّفر» للجنس فلذلك وصفها بالجمع، ونظيره قولهم: أهلك النَّاس الدِّرهم البيض والدِّينار الصُّفر، قال النَّوويُّ: ويدخل فيه ظفر الآدميِّ وغيره متَّصلًا ومنفصلًا، طاهرًا أو نجسًا، وكذا السِّنُّ، وجوَّزه (٢) أبو حنيفة وصاحباه بالمنفصلين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٧] و «الجهاد» [خ¦٣٠٧٥] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٨]، ومسلمٌ في «الأضاحي»، وأبو داود في «الذَّبائح»، والتِّرمذيُّ في «الصَّيد» و «الأضاحي»، وابن ماجه في «الأضاحي» و «الذَّبائح».
(٤) (باب) ترك (القِرَانِ فِي التَّمْرِ) هو الجمع بين التَّمرتين (٣) عند الأكل (بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى
стр. 5245
يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ) فيه حذف المضاف، وهو «ترك»، وإقامة المضاف إليه مقامه لوجود الدَّليل عليه، والأصل: ترك القِرَان، فحُذِف التَّرك؛ لأنَّ الغاية المذكورة تدلُّ عليه، قاله البدر الدَّمامينيُّ، وهو أحسن من قول غيره: إنَّ «حتَّى» كانت «حين» فتصحَّفت، أو سقط من التَّرجمة لفظ النَّهي من أوَّلها.
٢٤٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان السُّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح الحاء المهملتين (١) وبعد المُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة ميمٌ، و «جَبَلَة» بفتح الجيم والمُوحَّدة واللَّام، التَّيميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهيَ تنزيهٍ (أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ) بفتح الياء وسكون القاف وضمِّ الرَّاء، وصحَّح عليه في «اليونينيَّة» (٢)، وفي غيرها: «يقرِن» بكسر الرَّاء، قال الصَّغانيُّ: يُقال فيه: يَقرُن ويَقْرِن؛ بضمِّ الرَّاء وكسرها مع فتح أوَّلهما (٣)، ويُقْرِن: بكسر الرَّاء مع ضمِّ الأوَّل (بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا) في الأكل بين الشُّركاء (حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ).
وهذا الحديث قد سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٥٥].
٢٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ جَبَلَةَ) بن سُحَيمٍ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ) عامٌ مقحطٌ (٤) لم تُنبِت
стр. 5246
الأرض فيه شيئًا، سواءٌ نزل غيثٌ أم لم ينزل (فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ الله (يَرْزُقُنَا التَّمْرَ) أي: يقوتنا به (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (١) ﵄ (يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا تَقْرُنُوا) بضم الرَّاء في «اليونينيَّة»، وبكسرها في غيرها، من باب نصرَ ينصُر، وضرَب يضرِب، أي: لا تجمعوا في الأكل بين تمرتين (٢) (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ) بكسر الهمزة، من الثُّلاثيِّ المَزيد فيه، وللحَمُّويي والمُستملي: «عن القِران» بغير همزٍ، من الثُّلاثيِّ، وهو الصَّواب، والنَّهيُ للتَّنزيه لما فيه من الحرص على الأكل والشَّره (٣) مع ما فيه من الدَّناءة، وقال ابن بطَّالٍ: النَّهي عن القِران من حُسْن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التَّحريم خلافًا للظَّاهريَّة؛ لأنَّ الذي يُوضع للأكل سبيله سبيل المكارمة لا التَّشاحِّ لاختلاف النَّاس في الأكل، لكن إذا استأثر بعضهم بأكثر من بعضٍ لم يُحمَد له ذلك (إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ) في القِران فلا كراهة.
(٥) (باب تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ) نحو الأمتعة والعروض (بَيْنَ الشُّرَكَاءِ) حال كون التَّقويم (بِقِيمَةِ عَدْلٍ) واختُلِف في قسمتها بغير تقويمٍ، فأجازه الأكثر إذا كان على سبيل التَّراضي، ومنعه الشَّافعيُّ.
٢٤٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بفتح الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، أبو الحسن
стр. 5247
البصريُّ الأدميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ العنبريُّ التَّنُّوريُّ -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا) بكسر الشِّين المعجمة: نصيبًا (لَهُ) قليلًا كان أو كثيرًا (مِنْ عَبْدٍ) أي: ذكرٍ أو أنثى، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فإنَّه يتناول الذَّكر والأنثى قطعًا (أَوْ) قال: (شِرْكًا) بكسر الشِّين أيضًا (أَوْ قَالَ: نَصِيبًا) من عبدٍ مُشتَركٍ بينه وبين آخر (وَكَانَ لَهُ) أي: الذي أعتق (مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ) أي: ثمن بقيَّة العبد، أمَّا حصَّته فهو موسرٌ بها لملكه لها، فتُعتَق على كلِّ حالٍ، قال أصحابنا وغيرهم: ويُصرَف في ثمن بقيَّة العبد جميع ما يُباع في الدَّين، فيُباع مسكنه وخادمه وكلُّ ما فضل عن قوت يومه (١) وقوت من تلزمه نفقته، ودَسْتِ ثوبٍ يلبسه وسكنى يومه (٢)، والمرادُ بالثَّمن هنا القيمةُ؛ لأنَّ الثَّمن ما اشتريت به العين، واللَّازم هنا القيمة لا الثَّمن، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في رواية أيُّوب في «كتاب العتق» [خ¦٢٥٢٤] بلفظ: «ما يَبْلُغُ قيمتَه» (بِقِيمَةِ العَدْلِ) بفتح العين، من غير زيادةٍ ولا نقصٍ (فَهْوَ عَتِيقٌ) أي: مُعتَقٌ (٣) كلُّه؛ بعضه بالإعتاق وبعضه بالسِّراية، ويُقاس الموسر ببعض الباقي على الموسر بكلِّه في السِّراية إليه (٤)، وقيل: لا يسري إليه اقتصارًا على الوارد في الحديث (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكن له مالٌ يبلغ ثمنه (فَقَدْ عَتَقَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فأُعتِق» (مِنْهُ) أي: من العبد (مَا عَتَقَ) أي: المقدار الذي عتقه فقط، وعَيْنُ «عَتَقَ» في الموضعين مفتوحةٌ، ولأبي ذرٍّ: «عُتِق» بضمِّها
стр. 5248
وكسر (١) الفوقيَّة، وجوَّزه الدَّاوديُّ، وتعقَّبه السَّفاقسيُّ: بأنَّه لم يقله غيره، وإنَّما يُقال: «عَتَقَ» بالفتح، و «أُعتِق» بضمِّ الهمزة، ولا يُعرَف «عُتِق» بضمِّ العين؛ لأنَّ الفعل لازمٌ غير متعدٍّ.
(قَالَ) أي: أيُّوب، كما في «باب إذا أَعْتَقَ عبدًا بين اثنين» من «كتاب العتق» [خ¦٢٥٢٤]: (لَا أَدْرِي قَوْلُهُ) بالرَّفع: («عَتَقَ (٢) مِنْهُ مَا عَتَقَ» قَوْلٌ مِنْ نَافِعٍ) فيكون منقطعًا مقطوعًا (أَوْ فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيكون موصولًا مرفوعًا، وفي هذا بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى مع بقيَّة مباحث الحديث في «كتاب العتق».
ومطابقته للتَّرجمة (٣) ظاهرةٌ، وأخرجه أيضًا في «العتق» (٤) [خ¦٢٥٢٢]، ومسلمٌ في «النُّذور» و «العتق»، وأبو داود في «العتق»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «البيوع».
٢٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، السَّختيانيُّ، أبو محمَّدٍ، المروزيُّ، صدوقٌ لكنَّه رُمِي بالإرجاء، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء وبالمُوحَّدة، اسمه مهران اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، ابن مالكٍ الأنصاريِّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح النُّون وكسر الهاء وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة كافٌ، و «بَشِير» بفتح المُوحَّدة وكسر المعجمة، السَّلوليِّ أو السَّدوسيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ (٥): مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا) بفتح الشِّين المعجمة وبعد القاف المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فصادٌ مُهمَلةٌ: نصيبًا وزنًا (٦) ومعنًى (مِنْ مَمْلُوكِهِ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ) أي: فعليه أداء
стр. 5249
قيمة الباقي من ماله ليتخلَّص من الرِّقِّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أي: للذي أعتق (مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ) أي: كلُّه (قِيمَةَ عَدْلٍ) نُصِب على المفعول المُطلَق، والعَدل بفتح العين، أي: قيمة استواءٍ، لا زيادة فيها ولا نقصٌ (ثُمَّ اسْتُسْعِيَ) بضمِّ تاء «الاستفعال» على البناء للمفعول، أي: أُلزِم العبد الاكتساب لقيمة نصيب الشَّريك؛ ليفكَّ بقيَّة رقبته من الرِّقِّ (غَيْرَ مَشْقُوقٍ) أي: مُشدَّدٍ (عَلَيْهِ) في الاكتساب إذا عجز، و «غير» نُصِب على الحال من الضَّمير المستتر العائد على العبد، و «عليه» في محلِّ رفعٍ نائبٌ عن الفاعل، ولم يذكر بعض الرُّواة السِّعاية، فقيل: هي مُدرَجةٌ في الحديث من قول قتادة، ليست من كلامه ﷺ ، وبذلك صرَّح النَّسائيُّ وغيره، والقول بالسِّعاية مذهب أبي حنيفة، وخالفه صاحباه والجمهور، ويأتي إن شاء الله تعالى بقيَّة المباحث المتعلِّقة بذلك في «كتاب العتق» [خ¦٢٥٢٧].
ومطابقة الحديث للتَّرجمة لا تخفى، وقد أخرجه أيضًا في «العتق» [خ¦٢٥٢٧] وفي «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٤]، ومسلمٌ في «العتق» و «النُّذور»، وأبو داود في «العتق»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «العتق»، وابن ماجه في «الأحكام».
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقْرَِعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه وكسره، من القُرْعة (فِي القِسْمَةِ) بين الشُّركاء (وَالاِسْتِهَامِ فِيهِ؟) أي: في أخذ السَّهم، وهو النَّصيب، قال الكِرمانيُّ: والضَّمير في «فيه» عائدٌ إلى القسم أو المال الذي تدلُّ عليهما القسمة، وقال في «الفتح»: على القسم، بدلالة «القسمة»، وتعقَّبهما في «عمدة القاري» فقال: كلاهما بمعزلٍ عن نهج الصَّواب، ولم يذكر هنا قسمٌ ولا مالٌ حتَّى يعود الضَّمير إليه، بل الضَّمير يعود إلى «القسمة» والتَّذكير باعتبار أنَّ القسمة هنا بمعنى القسم، وفي «المغرب»: القسم اسمٌ من أسماء الاقتسام، وجواب «هل» محذوفٌ تقديره: نعم يُقرَع.
стр. 5250
٢٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، خالدٍ، ويُقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز، الهمدانيُّ الوادعيُّ الكوفيُّ الثِّقة، لكنَّه كان يدلِّس (قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا) الشَّعبيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ) الآمر بالمعروف والنَّاهي عن المنكر (وَالوَاقِعِ فِيهَا) أي: في الحدود، التَّارك للمعروف والمرتكب (١) للمُنكَر (٢) (كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا) اقترعوا (عَلَى سَفِينَةٍ) مشتركةٍ بينهم بالإجارة أو الملك، تنازعوا في المقام بها علوًّا أو سفلًا (فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ) بالقرعة (أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فكان الذي» (فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ) قال في «المصابيح»: يظهر لي أنَّ قوله: «الذي» صفةٌ لموصوفٍ مُفرَد اللَّفظ؛ كالجمع، فاعتُبِر لفظه فوُصِف بـ «الذي»، واعتُبِر معناه فأُعيد عليه ضمير الجماعة في قوله: «إذا استقَوا»، وهو أَولى من أن يجعل «الذي» مُخفَّفًا من «الذين» بحذف النُّون. انتهى. وفي «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٦]: «فكان الذي في (٣) أسفلها يمرُّون بالماء على الذين في أعلاها فتأذَّوا به» (فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ) بضمِّ النُّون وسكون الهمزة وبالذَّال المعجمة، أي: لم نضرَّ (مَنْ فَوْقَنَا) وفي «الشَّهادات»: «فأخذ فأسًا فجعل ينقر
стр. 5251
أسفل السَّفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذَّيتم بي (١) ولا بدَّ لي من الماء» (فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا) من الخرق في نصيبهم (هَلَكُوا جَمِيعًا) أهل العلوِّ والسُّفل لأنَّ مِنْ لازمِ خرقِ السَّفينة غرقَها وأهلها (وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ) منعوهم من الخرق (نَجَوْا) أي: الآخذون (وَنَجَوْا جَمِيعًا) أي: جميع مَنْ في السَّفينة، وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النَّجاة لمن أقامها وأُقيمت عليه، وإلَّا هلك العاصي بالمعصية والسَّاكت بالرِّضا بها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة غير خفيَّةٍ، وفيه: وجوب الصَّبر على أذى الجار إذا خشي وقوع ما هو أشدُّ ضررًا، وأنَّه ليس لصاحب السُّفل أن يُحْدِث على صاحب العلوِّ ما يضرُّ به، وأنَّه إن أحدث عليه ضررًا لزمه إصلاحه، وأنَّ لصاحب العلوِّ منعَه من الضَّرر، وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة، قال ابن بطَّالٍ: والعلماء متَّفقون على القول بالقرعة إلَّا الكوفيِّين (٢) فإنَّهم قالوا: لا معنى لها؛ لأنَّها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها، ويأتي مزيدٌ لما ذكرته هنا في «باب الشَّهادات» إن شاء الله تعالى [خ¦٢٦٨٦] وقد أخرج الحديثَ التِّرمذيُّ في «الفتن»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(٧) (باب شَرِكَةِ اليَتِيمِ وَأَهْلِ المِيرَاثِ) أي: مع أهل الميراث.
стр. 5252
٢٤٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو وسكون التَّحتيَّة وكسر المُهمَلة، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله، العامريُّ الأويسيُّ» قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، القرشيُّ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ سَأَلَ) خالته (عَائِشَةَ ﵂، وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الطَّبريُّ في «تفسيره»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (١)، أمُّه أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٢) (أَنَّهُ سَأَلَ) خالته (٣) (عَائِشَةَ ﵂ عَنْ) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: ((فَإِنْ خِفْتُمْ)) بالفاء في الفرع، وفي النُّسخة المقروءة على الشَّرف الميدوميِّ: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾» بالواو (﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) تعدلوا (إِلَى) قوله: (﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]) وسقط لغير أبي الوقت «ألَّا تقسطوا» (فَقَالَتْ) أي: عائشة، ولأبي الوقت: «قالت»: (يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائم بأمورها، زاد في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٦٠٠] من رواية أبي أسامة: ووارثُها (تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ) زاد أبو أسامة أيضًا: حتَّى في العَذْق (فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا) التي هي تحت حجره (أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ) أن يعدل (فِي صَدَاقِهَا) في «النِّكاح» [خ¦٥١٤٠] من (٤) رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ:
стр. 5253
ويريد أن ينتقص من صَدَاقها (فَيُعْطِيهَا) بالنَّصب عطفًا على معمول «بغير أن»، أي: يريد أن يتزوَّجها بغير أن يعطيها (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا) بضمِّ النُّون والهاء على وزن «فُعُوا» بحذف لام الفعل؛ لأنَّ الأصل: «نُهِيوا» فنُقِلت (١) ضمَّة الياء إلى الهاء، فالتقى ساكنان، فحُذِفت الياء (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ) أي: طريقتهنَّ (مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ).
(قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) طلبوا منه الفتيا في أمر النِّساء (بَعْدَ) نزول (هَذِهِ الآيَةِ) وهي ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ (فَأَنْزَلَ اللهُ) (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) في أن تنكحوهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ (وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ أَنَّهُ (٢) يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ) تعالى (فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾) أي: إن خفتم أَلَّا تعدلوا في يتامى النِّساء إذا تزوَّجتم بهنَّ (﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣]) من غيرهنَّ (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «يعني: هي (٣) رغبة أحدكم» (لِيَتِيمَتِهِ) التي في حجره، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يتيمته» بإسقاط اللَّام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والمُستملي: «عن يتيمته» (٤) (الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ) قال ابن حجرٍ: ولعلَّ روايةَ: «عن» أصوبُ، وقد تبيَّن أنَّ أولياء اليتامى كانوا
стр. 5254
يرغبون فيهنَّ إن كنَّ جميلاتٍ ويأكلون أموالهنَّ (١)، وإِلَّا يعضلوهنَّ (٢) طمعًا في ميراثهنَّ (فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا) أي: التي (رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ) بالعدل (مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ) لقلَّة مالهنَّ وجمالهنَّ، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السَّواء في العدل، وفي الحديث: أنَّ للوليِّ أن يتزوَّج من هي تحت حجره، لكن يكون العاقد غيره، وسيأتي البحث فيه مع غيره إن شاء الله تعالى في «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٠٩٢] [خ¦٥١٤٠] وغيره.
وقد أخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٦٩٦٥] و «الشَّركة» [خ¦٢٧٦٣]، ومسلمٌ في «التَّفسير»، وأخرجه أبو داود في «النِّكاح» وكذا النَّسائيُّ.
(٨) (باب الشَّرِكَةِ فِي الأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا) كالعقارات والبساتين.
٢٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ اليمانيُّ، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ) أي: في كلِّ مُشتَركٍ لم يُقسَم من الأراضي ونحوها، ومفهومه: أنَّ ما لم يُقسَم يكون بين الشُّركاء (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ) جمع حدٍّ؛ وهو هنا ما تتميَّز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحدِّ: المنعُ، ففي تحديد الشَّيء منعُ خروج شيءٍ منه، ومنع دخول غيره فيه (وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) أي: بُيِّنت مصارفها وشوارعها، و رَاءُ «صُرِّفت» مُشدَّدةٌ (فَلَا شُفْعَةَ) وفيه: أنَّه لا شفعةإلَّا في العقار.
والحديث قد سبق في «الشُّفعة» [خ¦٢٢٥٧] بمباحثه، فليُراجَع.
стр. 5255
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اقْتَسَمَ) ولأبي ذرٍّ: «قسم» (الشُّرَكَاءُ الدُّورَ أَوْ غَيْرَهَا) كالبساتين، ولأبي ذرٍّ: «وغيرها» (فَلَيْسَ لَهُمْ رُجُوعٌ) لأنَّ القسمة عقدٌ لازمٌ فلا رجوع فيها (وَلَا شُفْعَةٌ) لأنَّ الشُّفعة في الشَّركة لا في القسمة، لأنَّها لا تكون إلَّا في المُشاع.
٢٤٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المُهمَلة وتشديد الدَّال المُهمَلة الأولى، ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بعينٍ مهُمَلةٍ ساكنةٍ بين ميمين مفتوحتين، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (١) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) دلَّ بمنطوقه صريحًا على أنَّ الشُّفعة في مُشتَركٍ مشاعٍ لم يُقسَم بعد، فإذا قُسِم وتميَّزت الحقوق، ووقعت الحدود، وصُرِّفت الطُّرق بأن تعدَّدت وحصل لنصيب كلٍّ طريقٌ مخصوصٌ، لم يبق للشُّفعة مجالٌ، فإن قلت: لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، لأنَّ فيها لزومَ القسمة، وليس في الحديث إلَّا نفي الشُّفعة، أجاب ابن المنيِّر: بأنَّه يلزم من نفيِ الشُّفعة نفيُ الرُّجوع، إذ لو كان للشَّريك الرُّجوع لعاد ما يشفع فيه مشاعًا، فحينئذٍ تعود الشُّفعة.
(١٠) (باب) جواز (الاِشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) بشرط خلطهما حتَّى لا يتميَّز إلَّا كدراهم (٢) سود خُلِطت ببيضٍ، وألَّا تكون الدَّراهم من أحدهما والدَّنانير من الآخر عند الشَّافعيِّ ومالكٍ في المشهور عنه والكوفيِّين إلَّا الثَّوريَّ، وأَلَّا تختلف الصِّفة، كصِحَاحٍ ومُكسَّرةٍ عند الشَّافعيِّ،