← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

أسفل السَّفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذَّيتم بي (١) ولا بدَّ لي من الماء» (فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا) من الخرق في نصيبهم (هَلَكُوا جَمِيعًا) أهل العلوِّ والسُّفل لأنَّ مِنْ لازمِ خرقِ السَّفينة غرقَها وأهلها (وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ) منعوهم من الخرق (نَجَوْا) أي: الآخذون (وَنَجَوْا جَمِيعًا) أي: جميع مَنْ في السَّفينة، وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النَّجاة لمن أقامها وأُقيمت عليه، وإلَّا هلك العاصي بالمعصية والسَّاكت بالرِّضا بها. ومطابقة الحديث للتَّرجمة غير خفيَّةٍ، وفيه: وجوب الصَّبر على أذى الجار إذا خشي وقوع ما هو أشدُّ ضررًا، وأنَّه ليس لصاحب السُّفل أن يُحْدِث على صاحب العلوِّ ما يضرُّ به، وأنَّه إن أحدث عليه ضررًا لزمه إصلاحه، وأنَّ لصاحب العلوِّ منعَه من الضَّرر، وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة، قال ابن بطَّالٍ: والعلماء متَّفقون على القول بالقرعة إلَّا الكوفيِّين (٢) فإنَّهم قالوا: لا معنى لها؛ لأنَّها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها، ويأتي مزيدٌ لما ذكرته هنا في «باب الشَّهادات» إن شاء الله تعالى [خ¦٢٦٨٦] وقد أخرج الحديثَ التِّرمذيُّ في «الفتن»، وقال: حسنٌ صحيحٌ. (٧) (باب شَرِكَةِ اليَتِيمِ وَأَهْلِ المِيرَاثِ) أي: مع أهل الميراث.

стр. 5252

٢٤٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو وسكون التَّحتيَّة وكسر المُهمَلة، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله، العامريُّ الأويسيُّ» قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، القرشيُّ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ سَأَلَ) خالته (عَائِشَةَ ﵂، وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الطَّبريُّ في «تفسيره»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (١)، أمُّه أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٢) (أَنَّهُ سَأَلَ) خالته (٣) (عَائِشَةَ ﵂ عَنْ) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: ((فَإِنْ خِفْتُمْ)) بالفاء في الفرع، وفي النُّسخة المقروءة على الشَّرف الميدوميِّ: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾» بالواو (﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) تعدلوا (إِلَى) قوله: (﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]) وسقط لغير أبي الوقت «ألَّا تقسطوا» (فَقَالَتْ) أي: عائشة، ولأبي الوقت: «قالت»: (يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائم بأمورها، زاد في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٦٠٠] من رواية أبي أسامة: ووارثُها (تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ) زاد أبو أسامة أيضًا: حتَّى في العَذْق (فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا) التي هي تحت حجره (أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ) أن يعدل (فِي صَدَاقِهَا) في «النِّكاح» [خ¦٥١٤٠] من (٤) رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ:

стр. 5253

ويريد أن ينتقص من صَدَاقها (فَيُعْطِيهَا) بالنَّصب عطفًا على معمول «بغير أن»، أي: يريد أن يتزوَّجها بغير أن يعطيها (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا) بضمِّ النُّون والهاء على وزن «فُعُوا» بحذف لام الفعل؛ لأنَّ الأصل: «نُهِيوا» فنُقِلت (١) ضمَّة الياء إلى الهاء، فالتقى ساكنان، فحُذِفت الياء (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ) أي: طريقتهنَّ (مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ). (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) طلبوا منه الفتيا في أمر النِّساء (بَعْدَ) نزول (هَذِهِ الآيَةِ) وهي ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ (فَأَنْزَلَ اللهُ) (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) في أن تنكحوهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ (وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ أَنَّهُ (٢) يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ) تعالى (فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾) أي: إن خفتم أَلَّا تعدلوا في يتامى النِّساء إذا تزوَّجتم بهنَّ (﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣]) من غيرهنَّ (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «يعني: هي (٣) رغبة أحدكم» (لِيَتِيمَتِهِ) التي في حجره، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يتيمته» بإسقاط اللَّام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والمُستملي: «عن يتيمته» (٤) (الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ) قال ابن حجرٍ: ولعلَّ روايةَ: «عن» أصوبُ، وقد تبيَّن أنَّ أولياء اليتامى كانوا

стр. 5254

يرغبون فيهنَّ إن كنَّ جميلاتٍ ويأكلون أموالهنَّ (١)، وإِلَّا يعضلوهنَّ (٢) طمعًا في ميراثهنَّ (فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا) أي: التي (رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ) بالعدل (مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ) لقلَّة مالهنَّ وجمالهنَّ، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السَّواء في العدل، وفي الحديث: أنَّ للوليِّ أن يتزوَّج من هي تحت حجره، لكن يكون العاقد غيره، وسيأتي البحث فيه مع غيره إن شاء الله تعالى في «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٠٩٢] [خ¦٥١٤٠] وغيره. وقد أخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٦٩٦٥] و «الشَّركة» [خ¦٢٧٦٣]، ومسلمٌ في «التَّفسير»، وأخرجه أبو داود في «النِّكاح» وكذا النَّسائيُّ. (٨) (باب الشَّرِكَةِ فِي الأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا) كالعقارات والبساتين. ٢٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ اليمانيُّ، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ) أي: في كلِّ مُشتَركٍ لم يُقسَم من الأراضي ونحوها، ومفهومه: أنَّ ما لم يُقسَم يكون بين الشُّركاء (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ) جمع حدٍّ؛ وهو هنا ما تتميَّز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحدِّ: المنعُ، ففي تحديد الشَّيء منعُ خروج شيءٍ منه، ومنع دخول غيره فيه (وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) أي: بُيِّنت مصارفها وشوارعها، و رَاءُ «صُرِّفت» مُشدَّدةٌ (فَلَا شُفْعَةَ) وفيه: أنَّه لا شفعةإلَّا في العقار. والحديث قد سبق في «الشُّفعة» [خ¦٢٢٥٧] بمباحثه، فليُراجَع.

стр. 5255

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اقْتَسَمَ) ولأبي ذرٍّ: «قسم» (الشُّرَكَاءُ الدُّورَ أَوْ غَيْرَهَا) كالبساتين، ولأبي ذرٍّ: «وغيرها» (فَلَيْسَ لَهُمْ رُجُوعٌ) لأنَّ القسمة عقدٌ لازمٌ فلا رجوع فيها (وَلَا شُفْعَةٌ) لأنَّ الشُّفعة في الشَّركة لا في القسمة، لأنَّها لا تكون إلَّا في المُشاع. ٢٤٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المُهمَلة وتشديد الدَّال المُهمَلة الأولى، ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بعينٍ مهُمَلةٍ ساكنةٍ بين ميمين مفتوحتين، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (١) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) دلَّ بمنطوقه صريحًا على أنَّ الشُّفعة في مُشتَركٍ مشاعٍ لم يُقسَم بعد، فإذا قُسِم وتميَّزت الحقوق، ووقعت الحدود، وصُرِّفت الطُّرق بأن تعدَّدت وحصل لنصيب كلٍّ طريقٌ مخصوصٌ، لم يبق للشُّفعة مجالٌ، فإن قلت: لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، لأنَّ فيها لزومَ القسمة، وليس في الحديث إلَّا نفي الشُّفعة، أجاب ابن المنيِّر: بأنَّه يلزم من نفيِ الشُّفعة نفيُ الرُّجوع، إذ لو كان للشَّريك الرُّجوع لعاد ما يشفع فيه مشاعًا، فحينئذٍ تعود الشُّفعة. (١٠) (باب) جواز (الاِشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) بشرط خلطهما حتَّى لا يتميَّز إلَّا كدراهم (٢) سود خُلِطت ببيضٍ، وألَّا تكون الدَّراهم من أحدهما والدَّنانير من الآخر عند الشَّافعيِّ ومالكٍ في المشهور عنه والكوفيِّين إلَّا الثَّوريَّ، وأَلَّا تختلف الصِّفة، كصِحَاحٍ ومُكسَّرةٍ عند الشَّافعيِّ،

стр. 5256

وظاهر إطلاق المؤلِّف يقتضي موافقة الثَّوريِّ (وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ) والأكثرون على (١) أنَّه يصحُّ في كلِّ مثليٍّ، وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وقيل: يختصُّ بالنَّقد المضروب (٢). ٢٤٩٧ - ٢٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحرٍ، الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ، النَّبيل، شيخ المؤلِّف أيضًا (عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي: ابْنَ الأَسْوَدِ-) بن موسى بن باذان المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ) الأحول (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون، عبد الرَّحمن بن مطعمٍ البُنَانيَّ -بضمِّ المُوحَّدة ونونين، بينهما ألفٌ، مُخفَّفًا- البصريَّ، نزيل مكَّة (عَنِ الصَّرْفِ) وهو بيع الذَّهب بالذَّهب والفضَّة بالفضَّة، أو أحدهما بالآخر (يَدًا بِيَدٍ) أي: متقابضين في المجلس (فَقَالَ) أي: أبو المنهال (اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي) لم يُسَمَّ (شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً) أي: متأخِّرًا من غير تقابضٍ (فَجَاءَنَا البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ﵁ (فَسَأَلْنَاهُ) عن ذلك (فَقَالَ: فَعَلْتُ) ذلك (أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ) بالذَّال المعجمة، أي: اتركوه، وفي رواية (٣): «فَرُدُّوه» من الرَّدِّ، وفيه -كما قال ابن المنيِّر-: حجَّةٌ للقول بتفريق الصَّفقة، وأنَّه يصحُّ منها الصَّحيح، ويبطل منها الفاسد، وتُعقِّب: باحتمال أن يكون أشار إلى عقدين مختلفين، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية النَّسفيِّ: «ردُّوه» بدون الفاء، لأنَّ الاسم الموصول بالفعل المتضمِّن للشَّرط يجوز فيه دخول الفاء في خبره ويجوز تركه.

стр. 5257

(١١) (باب) جواز (مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ وَالمُشْرِكِينَ فِي المُزَارَعَةِ) وعطفُ «المشركين» على «الذِّمِّيِّ» من عطف العامِّ على الخاصِّ، والمراد بـ «المشركين» المُستأْمَنون، فيكونون في معنى أهل الذِّمَّة. ٢٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) تصغير (١) جارية، الضُّبَعيُّ، بضمِّ المُعجَمة وفتح المُوحَّدة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أرض (خَيْبَرَ اليَهُودَ) وكانوا أهلَ ذمَّةٍ (أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا) أي: بياض أرضها (وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) من زرعٍ، وإذا جاز مشاركة الذِّمِّيِّ في المُزارَعة جاز في غيرها، خلافًا لأحمد ومالكٍ إلَّا أنَّه أجاز إذا كان يتصرَّف بحضرة المسلم خشية أن يدخل في مال المسلم ما لا يحلُّ، كالرِّبا وثمن الخمر والخنزير، وأُجيب بمشروعيَّة أخذ الجزية منهم مع أنَّ في أموالهم ما فيها، وبمعاملته ﷺ يهود خيبر، وأُلِحقَ بالذِّمِّيِّ المشركُ، نعم مذهب الشَّافعيَّة يُكرَه مشاركة الذِّمِّيِّ ومن لا يحترز من الرِّبا ونحوه -كما نقله ابن الرِّفعة عن البندنيجيِّ- لما في أموالهما من الشُّبهة. (١٢) (باب قِسْمَةِ الغَنَمِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قسم الغنم» (وَالعَدْلِ فِيهَا). ٢٥٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البَغْلانيُّ -بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجَمة- الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الفهميُّ، أبو الحارث، المصريُّ، الإمام المشهور (عَنْ

стр. 5258

يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) أبي رجاء البصريِّ، واسم أبيه سُوَيدٌ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مِرْثَد -بالميم والمُثلَّثة، بوزن حِمْير- ابن عبد الله اليزنيِّ، بالتَّحتيَّة والزَّاي والنُّون (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيِّ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ) أي: منها، والعَتُود -بفتح العين المُهمَلة وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة-: ما بلغ سنةً، وقال في «المشارق»: هو من ولد المعز إذا بلغ السِّفاد (١)، وقيل: إذا قوي (٢) وشبَّ (فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ) واستدلَّ به: على أنَّه يجزئ في الأضحية الجَذَع من المعز، وإذا جاز ذلك منه فمن الضَّأن أَولى، وقد دلَّت رواية النَّسائيِّ من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيبٍ عن عقبة بن عامرٍ على الضَّأن صريحًا، ولفظه … (٣). وبقيَّة المبحث (٤) في ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في «الأضحية» [خ¦٥٥٥٥] وتبويب البخاريِّ بقوله: «قسمة الغنم والعدل فيها» يدلُّ على أنَّه فهم أنَّ هذه القسمة هي القسمة المعهودة التي يُعتَبر فيها تسوية الأجزاء، وفيه نظرٌ لأنَّه ﷺ إنَّما أمره بتفرقة غنمٍ على أصحابه، فإمَّا أن يكون ﵊ عيَّن ما يعطيه لكلِّ واحدٍ (٥) منهم، وإمَّا أن يكون وكَل ذلك إلى رأيه من غير تقييدٍ عليه بالتَّسوية (٦)، فإنَّ في ذلك عسرًا وحرجًا، والغنم لا يتأتَّى فيها قسمة الأجزاء، ولا تُقسَم (٧) إلَّا بالتعديل، ويحتاج ذلك في الغالب إلى ردٍّ؛ لأنَّ استواء قسمتها (٨) على التَّحرير بعيدٌ، والظَّاهر أنَّ هذه الغنم كانت للنَّبيِّ ﷺ ، وقسمتها بينهم على سبيل التَّبرُّع.

стр. 5259

وهذا الحديث قد سبق في أوَّل «الوكالة» [خ¦٢٣٠٠]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ في «الأضاحي». (١٣) (باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ) ممَّا يجوز تملُّكه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، فيما (١) وصله سعيد بن منصورٍ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (سَاوَمَ شَيْئًا فَغَمَزَهُ آخَرُ) حتَّى اشتراه (فَرَأَى عُمَرُ) ﵁ (أَنَّ لَهُ) أي: للذي غمز (شَرِكَةً) فيه مع الذي ساوم اكتفاءً بالإشارة مع ظهور القرينة عن الصِّيغة، وإلى هذا ذهب مالكٌ ﵀ (٢)، وقال أيضًا في السِّلعة تُعرَض للبيع فيقف (٣) من يشتريها للتِّجارة، فإذا اشتراها واحدٌ منهم واستشركه الآخر لزمه أن يشركه؛ لأنَّه انتفع بتركه الزِّيادة عليه. ٢٥٠١ - ٢٥٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) أبو عبد الله الأمويُّ، مولاهم الفقيه المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيُّ مولاهم أبو محمَّدٍ المصريُّ، الفقيه الحافظ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (سَعِيدٌ) هو ابن أبي أيُّوب مقلاصٍ، الخزاعيُّ (عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ) بضمِّ الزَّاي وسكون الهاء، و «مَعْبَدٍ» بفتح الميم والمُوحَّدة، بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، القرشيِّ التَّيميِّ، أبو (٤) عقيلٍ

стр. 5260

المدنيُّ نزيل مصر (عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ) واسم جدِّه (١) زهرةُ بن عثمان (وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) قبل موته بستِّ سنين فيما ذكره ابن منده (وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ) الصَّحابيَّة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في الفتح (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْهُ) بسكون العين، أي: عاقِدْه على الإسلام (فَقَالَ) ﵊: (هُوَ صَغِيرٌ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ) أي: بالبركة. (وَعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ) بالإسناد السَّابق: (أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَلْقَاهُ (٢) ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله (¬﵃ (٣)، فَيَقُولَانِ لَهُ) أي: لعبد الله بن هشامٍ (اشْرَِكْنَا) بوصل الهمزة في الفرع وفتح الرَّاء وكسرها، وفي غيره -وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير-: بقطعها مفتوحةً وكسر الرَّاء، أي: اجعلنا شريكين لك في الطَّعام الذي اشتريته (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالبَرَكَةِ، فَيَشْرَكُهُمْ) بفتح الياء والرَّاء في ذلك (فَرُبَّمَا أَصَابَ) أي: من الرِّبح (الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ) أي: بتمامها (فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ) والرَّاحلة يحتمل أن يُراد بها المحمول من الطَّعام، وأن يُراد بها الحامل، والأوَّل أَولى؛ لأنَّ سياق الكلام واردٌ في الطَّعام، وقد ذهب المظهريُّ إلى المجموع حيث قال: يعني: ربَّما يجد دابَّةً، مع متاعٍ على ظهرها، فيشتريها من الرِّبح ببركة النَّبيِّ ﷺ . ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «اشركنا» لكونهما طلبا منه الاشتراك في الطَّعام الذي اشتراه، فأجابهما إلى ذلك وهم من الصَّحابة، ولم يُنقَل عن غيرهم ما يخالف ذلك، فيكون حُجَّةً، والجمهور على صحَّة الشَّركة في كل ما يُتملَّك، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة اختصاصها بالمثليِّ، لكن من أراد الشَّركة مع غيره في العروض المتقوَّمة باع أحدهما نصف عرضه بنصف

стр. 5261

عرض صاحبه وتقابضا، أو باع كلٌّ منهما بعض (١) عرضه لصاحبه بثمنٍ في الذِّمِّة، وتقابضا -كما صرَّح به في «الرَّوضة» - وأذن بعد ذلك كلٌّ منهما للآخر في التَّصرُّف، سواءٌ تجانس العرضان أم اختلفا، وإنَّما اعتُبِر التَّقابض ليستقرَّ الملك، وعن المالكيَّة: تُكرَه الشَّركة في الطَّعام، والرَّاجح عندهم الجواز. (١٤) (باب الشَّرِكَةِ فِي الرَّقِيقِ) بفتح الشِّين وكسر الرَّاء. ٢٥٠٣ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) الضُّبَعيُّ (٢) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا) بكسر الشِّين المعجمة (٣) وسكون الرَّاء: نصيبًا، قال ابن دقيق العيد: وهو في الأصل مصدرٌ لا يقبل العتق، وأُطلِق على متعلِّقه وهو المُشتَرك، وعلى هذا لابدَّ من إضمارٍ تقديرُه: جزءٌ مشتركٌ أو ما يقارب ذلك؛ لأنَّ المُشتَرك في الحقيقة هو جملة العين، أو الجزء المُعيَّن منها إذا أُفرِد بالتَّعيين كاليد والرِّجل مثلًا، وأمَّا النَّصيب المُشاع فلا اشتراك فيه. انتهى. وحينئذٍ فيكون من إطلاق المصدر على المفعول، أو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو أُطلِق الكلُّ على البعض، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الإعتاق مبنيٌّ على صحَّة الملك، فلو لم تكن الشَّركة في الرَّقيق صحيحةً لَمَا ترتَّب عليها

стр. 5262

صحَّة العتق، وفي روايةٍ سبقت [خ¦٢٤٩١]: «من أعتق شقصًا» وفي أخرى [خ¦٢٤٩٢]: «شقيصًا» (لَهُ فِي مَمْلُوكٍ) شاملٌ للذَّكر والأنثى (وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ) بضمِّ أوَّله وكسر المُثنَّاة الفوقيَّة (كُلَّهُ) قال في «المصابيح»: الغالب على «كلٍّ» أن تكون تابعةً نحو: جاء القوم كلُّهم، وحيث تخرج عن التَّبعيَّة فالغالب ألَّا يعمل فيها إلَّا الابتداء، ووقعت هنا في غير الغالب، قال: ويحتمل أن يجري (١) فيه على غير الغالب بأن يجعل «كلَّه» تأكيدًا لضميرٍ محذوفٍ، أي: يعتقه كلَّه بناءً على جواز حذف المُؤكَّد وبقاء التَّأكيد، وقد قال به إماما أهل العربيَّة (٢) -الخليل وسيبويه-. انتهى. وظاهر الحديث: أنَّه لا فرق بين أن يكون المعتق والشَّريك والعبد مسلمين أو كفَّارًا أو بعضهم مسلمين وبعضهم كفَّارًا، وبه قال الشَّافعيَّة، وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شركًا له من عبدٍ مسلمٍ، هل يسري عليه أم لا؟ وقال المالكيَّة: إن كانوا كفَّارًا فلا سراية، وإن كان المعتِق كافرًا دون شريكه فهل يسري عليه أم لا؟ أو يسري فيما إذا كان العبد مسلمًا دون ما إذا كان كافرًا؟ ثلاثة أقوالٍ، وإن كانا كافرين والعبد مسلمًا فروايتان، وإن كان المعتِق مسلمًا سرى عليه بكلِّ حالٍ. (إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ) عليه (قِيمَةَ عَدْلٍ) بفتح العين؛ أي (٣): قيمة استواءٍ لا زيادة فيه (٤) ولا نقص، و «قيمةَ» نُصِب على المفعول المطلق (وَيُعْطَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (شُرَكَاؤُهُ) رفعُ نائبٍ عن الفاعل (٥) (حِصَّتَهُمْ) (٦) نُصِب على المفعوليَّة (وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ) (٧) بفتح التَّاء (٨) الفوقيَّة، و «يُخلَّى» مبنيٌّ (٩) للمفعول، و «سبيلُ» نائب الفاعل.

стр. 5263

٢٥٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ البصريُّ، المُلقَّب بعارمٍ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ البصريُّ، وثَّقه ابن معينٍ، وضعَّفه في قتادة خاصَّةً، ووثَّقه النَّسائيُّ، وقال أبو حاتمٍ: صدوقٌ، وقال ابن سعدٍ: ثقةٌ إلَّا أنَّه اختلط في آخر عمره. انتهى. ولم يحدِّث في حال اختلاطه، واحتجَّ به الجماعة، ولم يُخرِج له البخاريُّ عن قتادة إلَّا أحاديث تُوبِع فيها (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنِ النَّضْرِ) بسكون (١) الضَّاد المعجمة (بْنِ أَنَسٍ) الأنصاريِّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح المُوحَّدة وكسر الشِّين في الأوَّل، وفتح النُّون وكسر الهاء وبعد التَّحتيَّة كافٌ في الثَّاني، السَّلوليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا) بكسر الشِّين، زاد في غير رواية (٢) أبي ذرٍّ: «له» (فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ) بضمِّ الهمزة (إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا) أي: وإن لم يكن له مالٌ (يُسْتَسْعَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح العين من غير إشباعٍ مبنيًّا للمفعول، مجزومٌ على الأمر بحذف حرف العلَّة، ولأبي ذرٍّ: «يُستسعَى» بإشباع الفتحة، وفي أخرى: «استُسعِيَ» بألف وصلٍ وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر العين وفتح الياء، والمعنى: أنَّه يكلّف العبد الاكتساب لقيمة نصيب الشَّريك، حال كونه (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) بل مُرفَّهًا مُسامَحًا. ويأتي إن شاء الله تعالى في «العتق» [خ¦٢٥٢٦] ما في ذلك من البحث، وقد سبق الحديث قريبًا [خ¦٢٤٩٢] والله الموفِّق والمعين.

стр. 5264

(١٥) (باب الاِشْتِرَاكِ فِي الهَدْيِ) بسكون الدَّال: ما يُهدَى إلى الحرم من النَّعم (وَالبُدْنِ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون المهملة، من عطف الخاصِّ على (١) العامِّ (وَإِذَا أَشْرَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ) ولأبي ذرٍّ: «الرَّجل رجلًا» (فِي هَدْيِهِ بَعْدَمَا أَهْدَى) هل يجوز ذلك أم لا؟ ٢٥٠٥ - ٢٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) عارمٌ محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه درهمٌ (٢)، الأزديُّ (٣) الجهضميُّ، أبو إسماعيل البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ) بضمِّ الجيم الأولى وفتح الرَّاء (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ أسلمَ، القرشيِّ مولاهم أحد أعلام التَّابعين (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (وَعَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، عُطِف على قوله: «عطاءٍ» لأنَّ ابن جريجٍ سمع منهما، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: الذي يظهر لي أنَّ ابن جريجٍ عن طاوس منقطعٌ، فقد قال الأئمَّة: إنَّه لم يسمع من مجاهدٍ ولا من عكرمة، وإنَّما أرسل عنهما، وطاوسٌ من أقرانهما، وإنَّما سمع من عطاءٍ لكونه تأخَّرت عنهما وفاته نحو عشر سنين (٤) (عَنِ ابْنِ

стр. 5265

عَبَّاسٍ ﵃ (١) قَالَ) ولأبي ذرٍّ وكريمة: «قالا» أي: جابرٌ وابن عبَّاسٍ: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: مكَّة (صُبْحَ رَابِعَةٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ وأصحابه صبح رابعةٍ» (مِنْ ذِي الحَجَّةِ) حال كونهم (مُهِلِّينَ) مُحْرِمين، وجُمِع على رواية من أسقط لفظ «أصحابه» باعتبار أنَّ قدومه ﵊ مستلزمٌ لقدوم أصحابه معه، وأمَّا على إثباته فواضحٌ، وللحَمُّويي: «مهلُّون» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هُمْ مُحْرِمون (بِالحَجِّ لَا يَخْلِطُهُمْ) بفتح الياء وسكون الخاء المعجمة وكسر اللَّام (شَيْءٌ) من العمرة، أي: في وقت الإحرام (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي: مكَّة -شرَّفها الله تعالى وجعلنا من ساكنيها- (أَمَرَنَا) ﵊ (فَجَعَلْنَاهَا) أي: تلك الحجَّة (عُمْرَةً) فصرنا متمتِّعين (وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى (٢) نِسَائِنَا (٣)، فَفَشَتْ) بالفاء والشِّين المعجمة والفتحات، أي: فشاعت وانتشرت (فِي ذَلِكَ) أي: في فسخ الحجِّ إلى العمرة (القَالَةُ) بالقاف واللَّام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «المقالة» بزيادة ميمٍ قبل القاف، أي: مقالة النَّاس لاعتقادهم أنَّ العمرة غير صحيحةٍ في أشهر الحجِّ، وأنَّها من أفجر الفجور. (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ بالسَّند (٤) السَّابق: (فَقَالَ جَابِرٌ) الأنصاريُّ: (فَيَرُوحُ) استفهامٌ تعجُّبيٌّ محذوف الأداة، أي: أفيروح (أَحَدُنَا إِلَى مِنًى) أي: محرمًا بالحجِّ (وَذَكَرُهُ) لقرب عهده من الجماع (٥) (يَقْطُرُ مَنِيًّا؟!) وهو من باب المبالغة (فَقَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ) (٦) أي: أشار به إلى التَّقطُّر (٧)، وإنَّما أشار إلى ذكره استهجانًا لذلك الفعل ولذا واجههم ﵊ بقوله الآتي: «لأنا أَبَرُّ وأتقى»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَكُفُّه (٨)» وهو من: كَفَّه، إذا منعه، أي: قال جابرٌ ذلك والحال أنَّه يكفُّه (فَبَلَغَ) ذلك الذي صدر منهم من القول (النَّبِيَّ ﷺ فَقَامَ) حال كونه (خَطِيبًا، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ: كَذَا وَكَذَا، وَاللهِ لأَنَا) بلام التَّوكيد، مبتدأٌ خبره قوله: (أَبَرُّ وَأَتْقَى للهِ) (مِنْهُمْ) وفي الفرع علامة السُّقوط على لفظ الجلالة الشَّريفة، وثبت في

стр. 5266

أصله (وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو عرفت في أوَّل الحال ما عرفت في آخره من جواز العمرة في أشهر الحجِّ (مَا أَهْدَيْتُ) أي: ما سقت الهدي (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من الإحرام، لكن امتنع الإحلال لصاحب الهدي، وهو المفرد أو القارن حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، وذلك في أيَّام النَّحر لا قبلها (فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والمُعجَمة، بينهما عينٌ مُهمَلةٌ، المدلجيُّ الصَّحابيُّ الشَّهير (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هِيَ) أي: العمرة في أشهر الحجِّ (لَنَا) أي: خاصَّةً (أَوْ (١) لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا) أي: ليست لكم خاصَّةً (بَلْ) هي (لِلأَبَدِ) أي: إلى يوم القيامة ما دام الإسلام (قَالَ) جابرٌ: (وجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، أي: من اليمن (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وهو جابرٌ: (يَقُولُ) عليٌّ: (لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: (٢) وَقَالَ الآخَرُ) وهو ابن عبَّاسٍ: يقول عليٌّ ﵃: (لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقط «وقال» الأولى في رواية أبي ذرٍّ (فَأَمَرَ النَّبِيُّ) بإسقاط ضمير النَّصب، ولأبي ذرٍّ: «فأمره رسول الله» (¬ ﷺ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ) أي: يثبت عليه (وَأَشْرَكَهُ) بفتح الهمزة والرَّاء، أي: أشرك ﷺ عليًّا (فِي الهَدْيِ) قال في «فتح الباري»: فيه بيان أنَّ الشَّركة وقعت بعد ما ساق النَّبيُّ ﷺ الهدي من المدينة، وهو ثلاثٌ وستُّون بدنةً، وجاء عليٌّ من اليمن إلى النَّبيِّ ﷺ ومعه سبعٌ وثلاثون بدنةً، فصار جميع ما ساقه النَّبيُّ ﷺ من الهدي مئة بدنةٍ وأشرك عليًّا معه فيها. انتهى. وقال المُهلَّب: ليس في حديث الباب ما ترجم به من الاشتراك في الهدي بعد ما أهدى، بل لا يجوز الاشتراك (٣) بعد الإهداء ولا هبته ولا بيعه، والمراد منه: ما أهدى عليٌّ من الهدي الذي كان معه عن رسول الله ﷺ وجعل له ثوابه، فيحتمل أن يفرد بثواب ذلك الهدي كلِّه، فهو شريكٌ له في هديه؛ لأنَّه أهدى

стр. 5267

عنه ﵊ متطوِّعًا من ماله، ويحتمل أن يشركه في ثواب هديٍ واحدٍ، فيكون بينهما إذا كان متطوِّعًا (١) كما ضحَّى ﷺ عنه وعن أهل بيته بكبشٍ، وعمَّن لم يضحِّ من أمَّته بآخر (٢) وأشركهم في ثوابه، فجعل ضمير الفاعل في «أشرك» لعليٍّ ﵁ لا لرسول الله ﷺ ، وقال القاضي عياضٌ: عندي أنَّه لم يكن شريكًا حقيقةً بل أعطاه قدرًا يذبحه، والظَّاهر أنَّه ﷺ نحر البدن التي جاءت من المدينة، وأعطى عليًّا من البدن التي جاء بها من اليمن. (١٦) (باب مَنْ عَدَلَ عَشْرًا) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «عشرةً» (مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ فِي القَسْمِ) بفتح القاف. ٢٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، وعند ابن شبُّويه: «محمَّد بن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح، الرُّؤَاسيُّ -بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ ثمَّ سينٍ مُهمَلةٍ- الكوفيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروقٍ الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح عين «عَباية»، وكسر راء «رِفاعة» (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ) خرج بقيد «تهامة» ميقاتُ أهل المدينة (فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا) ولأبوي الوقت

стр. 5268

وذرٍّ: «أو إبلًا» (فَعَجِلَ القَوْمُ) بكسر الجيم (فَأَغْلَوْا (١) بِهَا) أي: بلحوم ما أصابوه (القُدُورَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا) أي: بالقدور أن تُكفَأ (فَأُكْفِئَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فكُفِئت»: فأُرِيقت بما فيها من المرق واللَّحم زجرًا لهم، وقد مرَّ ما فيه من البحث في «باب قسمة الغنم» [خ¦٢٤٨٨] قريبًا (ثُمَّ عَدَلَ) وفي روايةٍ: «وعدل» (٢) (عَشْرًا) ولأبي ذرٍّ: «عشرةً» بإثبات تاء التَّأنيث، لكن قال ابن مالكٍ: لا يجوز إثباتها (مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ) أي: سوَّاها به (ثُمَّ إِنَّ بَعِيرًا مِنْهَا نَدَّ) أي: هرب (وَلَيْسَ فِي القَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ) وسقط ضمير النَّصب لأبي ذرٍّ (فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ) أصابه، وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٤٨٨]: «فحبسه الله» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) أي: الإبل (أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) كنفراته (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي: ارموه بالسَّهم (قَالَ) عَبَاية: (قَالَ جَدِّي) رافع بن خديجٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَرْجُو، أَوْ) قال: (نَخَافُ (٣) أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) جمع مديةٍ، أي: سكِّينٍ، وإن استعملنا (٤) السُّيوف في الذَّبح تكلُّ عند لقاء العدوِّ عن المقاتلة (أفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (اعْجَلْ) بفتح الجيم (أَوْ) قال: (أَرْنِي) بهمزةٍ مفتوحةٍ وراءٍ ساكنةٍ ونونٍ مكسورةٍ وياءٍ حاصلةٍ من إشباع كسرة النُّون، وليست ياء إضافةٍ على ما لا يخفى، ولأبي ذرٍّ: «أرِنْ» بكسر الرَّاء وسكون النُّون، وهي (٥) بمعنى: أعجل، أي: أعجل ذبحها لئلَّا تموت خنقًا، فإنَّ الذَّبح إذا كان بغير حديدٍ احتاج صاحبه إلى خفَّة يدٍ وسرعةٍ (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أي: أراقه بكثرةٍ (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا) الضَّمير في «فكلوا» لا يصحُّ عوده

стр. 5269

على «ما»، ولابدَّ من رابطٍ يعود على «ما» من الجملة أو ملابسها فيُقدَّر، أي: فكلوا مذبوحه، ويحتمل أن يُقدَّر ذلك مضافًا إلى «ما» ولكنَّه حُذِف، والتَّقدير: مذبوح ما أنهر الدَّم وذُكِر اسم الله عليه فكلوه (لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) نُصِب على الاستثناء، أو أنَّ «ليس» ناسخةٌ، واسمها ضميرٌ راجعٌ للبعض المفهوم ممَّا تقدَّم كما مرَّ (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ) علَّة (ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) يتنجَّس بالدَّم، وقد نُهيتم عن تنجيسه بالاستنجاء (١)؛ لأنَّه زادُ إخوانكم من الجنِّ (وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) ولا يجوز التَّشبُّه بهم. وهذا الحديث قد سبق قريبًا في «باب قسمة الغنم» [خ¦٢٤٨٨] (٢).

стр. 5270

((٤٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم كتابٌ) بالتَّنوين (فِي الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كتاب الرَّهن»، ولغير أبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين بدل كتابٌ «في الرَّهن»، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «كتاب الرَّهن، باب الرَّهن في الحضر»، ولابن شَبُّويه: «باب ما جاء … » إلى آخره، والرَّهن لغةً: الثُّبوت، ومنه الحالة الرَّاهنة، أي: الثَّابتة، وقال الإمام: الاحتباس، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وشرعًا: جعل عينٍ متموَّلةٍ وثيقةً بدَينٍ يُستوفَى منها عند تعذُّر وفائه، ويُطلَق أيضًا على العين المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]) بكسر الرَّاء وفتح الهاء وألفٍ بعدها، جمع رهنٍ، و «فَعْلٌ» و «فِعَالٌ» يطَّرد كثيرًا؛ نحو: كَعْبٍ وكِعَابٍ، وكَلْبٍ وكِلَابٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: فَرُهُنٌ «﴿فَرُهُنٌ﴾» بضمِّ الرَّاء والهاء من غير ألفٍ، جمع رهنٍ، و «فَعْلٌ» يُجمَع على «فُعُل»؛ نحو: سَقْفٍ وسُقُفٍ، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثيرٍ وابن مُحَيْصِنٍ واليزيديِّ، قال أبو عمرو بن العلاء: إنَّما قرأت: ﴿فَرُهُنٌ﴾ للفصل بين الرِّهان في الخيل وبين جمع رهنٍ في غيرها، ومعنى الآية -كما قال القاضي ﵀: فارهنوا واقبضوا؛ لأنَّه مصدرٌ جُعِل جزاءً للشَّرط بالفاء، فجرى مجرى الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] وقيَّده في

стр. 5271

التَّرجمة بالحضر؛ إشارةً إلى أنَّ التَّقييد بالسَّفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيَّته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجُّوا له من حيث المعنى: بأنَّ الرَّهن شُرِع توثقة (١) على الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنَّه يشير إلى أنَّ المراد بالرَّهن: الاستيثاق (٢)، وإنَّما قيَّده بالسَّفر لأنَّه مظنَّة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب، وخالف (٣) في ذلك مجاهدٌ والضَّحَّاك فيما نقله الطَّبريُّ عنهما فقالا: لا يُشرَع إلَّا في السَّفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظَّاهر، وفي رواية أبي ذرٍّ: «وقول الله تعالى: ﴿فَرُهُنٌ (٤) مَّقْبُوضَةٌ﴾» كذا في الفرع، وهو ينافي قول الحافظ ابن حجرٍ: وكلُّهم ذكر الآية من أوَّلها. ٢٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (٥) (قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ رَسُولُ اللهِ) هو عطفٌ على شيءٍ محذوفٍ بيَّنه أحمد من طريق أبان العطَّار عن قتادة عن أنسٍ: «أنَّ يهوديًّا دعا رسول الله ﷺ فأجابه». ولقد رهن رسول الله، ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ دِرْعَهُ) بكسر الدَّال وسكون الرَّاء (بِشَعِيرٍ) أي: في مقابلة شعيرٍ، فالباء للمقابلة عند أبي الشَّحم اليهوديِّ، وكان قدر الشَّعير ثلاثين صاعًا كما عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٩١٦] وغيره (٦) [خ¦٤٤٦٧]. قال أنسٌ: (وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ) بالإضافة (وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ) بكسر الهمزة

стр. 5272

وتخفيف الهاء: ما أُذِيب من الشَّحم والألية، و «سَنِخَة»؛ بفتح السِّين المُهمَلة وكسر النُّون وفتح الخاء المعجمة، صفةٌ لـ «إهالةٍ» أي: متغيِّرة الرِّيح، وقال أنسٌ أيضًا: (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) ﵊ (يَقُولُ: مَا أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا صَاعٌ، وَلَا أَمْسَى) أي: ليس (١) لهم إلَّا صاعٌ، وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق ابن أبي عديٍّ ومعاذ بن هشامٍ عن هشامٍ (٢) بلفظ (٣): «ما أمسى لآل محمَّدٍ (٤) صاع تمرٍ ولا صاع حبٍّ»، وسبق في أوائل «البيوع» من وجهٍ آخر بلفظ [خ¦٢٠٦٩]: «بُرٍّ» بدل «تمرٍ»، والمرادُ بالآل: أهلُ بيته ﵊، وقد بيَّنه بقوله: (وَإِنَّهُمْ) أي: آله (لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ) أي: تسع نسوةٍ، وأراد بقوله ذلك بيانًا للواقع لا تضجُّرًا وشكايةً -حاشاه الله من ذلك- بل قاله معتذرًا عن إجابته لدعوة اليهوديِّ ولرهنه درعه عنده، وفيه: ما كان ﵊ من التَّواضع والزُّهد في الدُّنيا والتَّقلُّل منها مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادِّخار حتَّى احتاج إلى رهن درعه، والصَّبر على ضيق العيش والقناعة باليسير. وهذا الحديث قد سبق في أوائل «البيع» [خ¦٢٠٦٩]. (٢) (باب مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ). ٢٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ مولاهم

стр. 5273

البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ: (الرَّهْنَ وَالقَبِيلَ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة، هو الكفيل وزنًا ومعنىً (فِي السَّلَفِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النَّخعيُّ: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ) اسمه أبو الشَّحم كما في رواية الشَّافعيِّ والبيهقيِّ (طَعَامًا) ثلاثين صاعًا من شعيرٍ، وعند البيهقيِّ والنَّسائيِّ: بعشرين، ولعلَّه كان دون الثَّلاثين، فجبر الكسر تارةً، وألغاه أخرى، وعند ابن حبَّان من طريق شيبان عن قتادة عن أنسٍ: أنَّ قيمة الطَّعام كانت دينارًا (إِلَى أَجَلٍ) في «صحيح» ابن حبَّان من طريق عبد الواحد بن زيادٍ عن الأعمش: أنَّه سَنَة (١) (وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) أي: ذات الفضول كما بيّنه أبو عبد الله التِّلمسانيُّ في «كتاب الجوهرة»، وقد قيل: إنَّه ﵊ افتكَّه قبل موته؛ لحديث أبي هريرة، وصحَّحه ابن حبَّان: «نفس المؤمن مُعلَّقةٌ بدَينه حتَّى يُقضَى عنه»، وهو ﷺ مُنزَّهٌ عن ذلك، وهذا معارضٌ بما وقع في أواخر «المغازي» [خ¦٤٤٦٧] من طريق الثَّوريِّ عن الأعمش بلفظ: تُوفِّي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونةٌ، وفي حديث أنسٍ عند أحمد: فما وجد ما يفتكُّها (٢) به، وأُجيب عن حديث: «نفس المؤمن مُعلَّقةٌ بدينه» بالحمل على من لم يترك عند صاحب الدَّين ما يحصل له به الوفاء، وإليه جنح الماورديُّ، وذكر ابن الطَّلَّاع في «الأقضية النَّبويَّة»: أنَّ أبا بكرٍ افتكَّ الدِّرع بعد النَّبيِّ ﷺ ، وفي الحديث: جوازُ البيع إلى أجلٍ، واختُلِف هل

стр. 5274

هو رخصةٌ أو عزيمةٌ؟ قال ابن العربيِّ: جعلوا (١) الشِّراء إلى أجلٍ رخصةً وهو في الظَّاهر عزيمةٌ؛ لأنَّ الله تعالى يقول في مُحكَم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأنزله أصلًا في الدَّين ورتَّب عليه كثيرًا من الأحكام. وهذا الحديث قد سبق في «باب شراء النَّبيِّ ﷺ بالنَّسيئة» [خ¦٢٠٦٨]. (٣) (باب رَهْنِ السِّلَاحِ). ٢٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟) اليهوديِّ، أي: من يتصدَّى لقتله (فَإِنَّهُ آذَى اللهَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّه قد آذى الله» (وَرَسُولَهُ ﷺ ¬) وكان كعبٌ قد خرج من المدينة إلى مكَّة لمَّا جرى ببدرٍ ما جرى، فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدرٍ، ويحرِّض النَّاس على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار (فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام، ابن خالدٍ: (أَنَا) لقتله يا رسول الله، زاد في «المغازي» [خ¦٤٠٣٧]: فَأْذن لي أن أقول شيئًا؟ قال: «قل» (فَأَتَاهُ) محمَّد بن مَسْلَمَة (فَقَالَ: أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا) وزاد في «المغازي»: فقال: إنَّ هذا الرَّجل قد سألنا صدقةً، وإنَّه قد عَنَّانا، وإنِّي قد أتيتك أستسلفك (وَِسْقًا) بفتح الواو وكسرها؛ وهو ستُّون صاعًا (أَوْ وَسْقَيْنِ) شكٌّ من الرَّاوي (فَقَالَ) كعبٌ: (ارْهَنُونِي) وللحَمُّويي والمُستملي: «أترهنوني؟» (نِسَاءَكُمْ، قَالُوا)

стр. 5275

يعني: محمَّد بن مسلمة ومن معه: (كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ (١): «كيف نرهنك» (أَبْنَاءَنَا؟ فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المُهمَلة، و «أحدُهم» رفعُ نائبٍ عن الفاعل (فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول (هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ) بالهمزة وقد تُترَك تخفيفًا (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة في تفسير «اللَّأمة»: (-يَعْنِي: السِّلَاحَ- فَوَعَدَهُ) محمَّد بن مسلمة (أَنْ يَأْتِيَهُ) زاد في «المغازي» [خ¦٤٠٣٧]: فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعبٍ من الرَّضاعة، فدعاهم إلى الحِصْن، فنزل إليهم، فقالت امرأته: أين تخرج هذه السَّاعة؟ فقال: إنَّما هو محمَّد بن مَسْلَمَة، وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرٍو: قالت (٢): أسمع صوتًا كأنَّه يقطر منه الدَّم، قال: إنَّما هو أخي محمَّد بن مَسْلَمَةَ، ورضيعِي أبو نائلة، إنَّ الكريم لو (٣) دُعِي إلى طعنةٍ بليلٍ (٤) لأجاب، قال: ويدخلُ محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ معه برجلين -قيل لسفيان: سمَّاهم عمرٌو؟ قال: سمَّى بعضهم- قال عمرٌو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرٍو: أبو عبسِ بنُ جَبْرٍ، والحارث بن أوسٍ، وعَبَّاد بن بِشْرٍ (٥)، فقال: إذا ما جاء فإنِّي قائلٌ (٦) بشعره فأَشَمُّه، فإذا رأيتموني استمكنتُ من رأسه فدونكم فاضربوه، وقال مرَّةً: ثمَّ أُشِمُّكُم (٧)، فنزل إليهم متوشِّحًا وهو ينفحُ منه ريحُ الطِّيب (٨)، فقال: ما رأيتُ كاليوم ريحًا، أي: أطيبَ، وقال غير عمرٍو: قال (٩): عندي أعطرُ نساءِ العربِ وأكملُ العربِ، قال عمرٌو: فقال: أتأذن لي أن أَشُمَّ رأسك؟ قال:

стр. 5276

نعم، فشمَّه، ثمَّ أشم أصحابه ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلمَّا استمكن منه؛ قال: دونكم (فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ) ففرح ودعا لهم، قال ابن بطَّالٍ: وليس في قولهم: «نرهنك اللَّأمة» دليلٌ (١) على (٢) جواز رهن السِّلاح عند الحربيِّ، وإنَّما كان ذلك من معاريض الكلام المُبَاحة في الحرب وغيره، وقال العينيُّ: المطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قوله: «ولكنَّا نرهنك اللَّأمة»، أي: السِّلاح بحسب ظاهر الكلام وإن لم يكن في نفس الأمر حقيقة الرَّهن، وهذا المقدار كافٍ في وجه المطابقة. انتهى. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٣٧] و «الجهاد» [خ¦٣٠٣١]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير». (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ) أي: يجوز إذا كان ظهرًا يُركَب، أو من ذوات الدَّرِّ يُحلَب، وهذا لفظ حديثٍ أخرجه الحاكم وصحَّحه على شرط الشَّيخين (وَقَالَ مُغِيرَةُ) هو ابن مِقْسمٍ -بكسر الميم وسكون القاف- ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ: (تُرْكَبُ الضَّالَّةُ) ما ضلَّ من البهائم، ذكرًا كان أو أنثى (بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا) وفي نسخةٍ لأبي ذرٍّ (٣) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عملها»، قال في «الفتح»: والأوَّل أصوب (وَالرَّهْنُ) أي: المرهون (مِثْلُهُ) في الحكم المذكور؛ يعني: يُركَب ويُحلَب بقدر العلف، وهذا وصله سعيد بن منصورٍ أيضًا. ٢٥١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ)

стр. 5277

هو الشَّعبيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الرَّهْنُ) أي: الظَّهر المرهون (يُرْكَبُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (بِنَفَقَتِهِ) أي: يُركَب ويُنفَق عليه (وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا) بفتح الدَّال المهملة وتشديد الرَّاء، قال الكِرمانيُّ وتبعه العينيُّ وغيره: مصدرٌ بمعنى: الدَّارَّة، أي: ذات الضَّرع، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هو من إضافة الشَّيء إلى نفسه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نفسه لا تصحُّ إلَّا إذا وقع في الظَّاهر فيُؤوَّل، وإذا كان المراد بـ «الدَّرِّ» الدَّارَّة؛ فلا يكون من إضافة الشَّيء إلى نفسه؛ لأنَّ اللَّبن غير الدَّارَّة، واحتجَّ به الإمام؛ حيث قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرَّهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك، وأجمع الجمهور: على أنَّ المرتهن لا ينتفع من الرَّهن بشيءٍ، قال ابن عبد البرِّ: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يردُّه أصولٌ مُجمَعٌ عليها، وآثارٌ ثابتةٌ لا يُختَلف في صحَّتها، ويدلُّ على نسخه حديث ابن عمر، أي: الماضي في «أبواب المظالم» [خ¦٢٤٣٥]: «لا تُحلب ماشيةُ امرئٍ بغير إذنه». انتهى. وقال إمامنا الشَّافعيُّ: يُشْبِه أن يكون المرادُ من رهن ذات دَرٍّ وظهرٍ لم يمنعِ الرَّاهنُ من درِّها وظهرها، فهي محلوبةٌ ومركوبةٌ له كما كانت قبل الرَّهن. انتهى. فيجوز للرَّاهن (١) انتفاعٌ لا ينقص المرهون؛ كركوبٍ وسكنى واستخدامٍ ولبسٍ وإنزاء فحلٍ لا ينقصانه، وقال الحنفيَّة ومالكٌ وأحمد في روايةٍ عنه: ليس للرَّاهن ذلك؛ لأنَّه ينافي حكم الرَّهن؛ وهو الحبس الدَّائم، واحتجَّ الطَّحاويُّ في «شرح الآثار»: بأنَّ هذا الحديث مُجمَلٌ لم يُبيِّن فيه من الذي يركب ويشرب اللَّبن، فمن أين جاز لهم أن يجعلوه للرَّاهن دون أن يجعلوه للمرتهن؟ إلَّا أن يعاونه (٢) دليلٌ من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ، قال: ومع ذلك فقد روى هُشَيمٌ هذا الحديث بلفظ: «إذا كانت الدَّابَّة مرهونةً؛ فعلى المرتهن علفُها وثمن الذي يشرب (٣)، وعلى الذي يشرب نفقتُها، ويَرْكَبُ»، فدلَّ هذا الحديث أنَّ المَعْنِيَّ بالرُّكوب وشرب اللَّبن في الحديث الأوَّل هو المرتهن لا الرَّاهن، فجُعِل ذلك له، وجُعِلت النَّفقة عليه بدلًا ممَّا يتعوَّض منه ممَّا (٤) ذكرنا،

стр. 5278

وكان هذا عندنا في الوقت الذي كان الرِّبا مباحًا، فلمَّا حُرِّم الرِّبا حُرِّمت أشكاله، ورُدَّت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللَّبن في الضَّرع، فدخل في ذلك النَّهي عن النَّفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضَّرع، وتلك النَّفقة غير موقوفٍ (١) على مقدارها، واللَّبن أيضًا كذلك، فارتفع بنسخ الرِّبا أن تجب النَّفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا (٢) منها، وباللَّبن الذي يحتلبه ويشربه، وتُعقِّب: بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، والتَّاريخ في هذا متعذِّرٌ، والله أعلم. ٢٥١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن، الكسائيُّ المروزيُّ، نزيل بغداد ثمَّ مكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين المُعجَمة وسكون العين المهملة وكسر المُوحَّدة، عامرٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الرَّهْنُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال رسول الله ﷺ : الظَّهر» (يُرْكَبُ (٣) بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ) أي: ذات الضَّرع (يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا) أي: يركبه الرَّاهن ويشرب اللَّبن لأنَّ له رقبتها، أو المراد المرتهن، وهذا الأخير قول أحمد؛ كما مرَّ في السَّابق، واحتجَّ له في «المغني»: بأنَّ نفقة الحيوان واجبةٌ وللمرتهن فيه حقٌّ، وقد أمكنه استيفاء حقِّه من نماء الرَّهن والنِّيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه، فجاز ذلك؛ كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه (وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ) الظَّهر (وَيَشْرَبُ) لبن الدَّارَّة (النَّفَقَةُ) عليها، وكذا مؤونة المرهون غيرهما التي يبقى بها كنفقة العبد، وسقي الأشجار والكروم وتجفيف الثِّمار وأجرة الإصطبل والبيت الذي يُحفَظ فيه المتاع

стр. 5279

المرهون إذا لم يتبرَّع بذلك المرتهن، وحكى الإمام والمتولِّي وجهين في أنَّ هذه المؤن هل (١) يُجبَر عليها الرَّاهن حتَّى يقوم بها من خالص ماله وجهان أصحُّهما: الإجبار حفظًا للوثيقة، وأمَّا المؤن التي تتعلَّق بالمداواة؛ كالفصد والحجامة والمعالجة بالأدوية والمراهم؛ فلا تجب عليه. (٥) (باب الرَّهْنِ عِنْدَ اليَهُودِ وَغَيْرِهِمْ). ٢٥١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ) هو أبو الشَّحْم-بفتح الشِّين المعجمة وسكون الحاء المهملة- اليهوديُّ، من بني ظَفَرٍ -بفتح الظَّاء (٢) والفاء- بطنٍ من الأوس، وكان حليفًا لهم (طَعَامًا) وكان ثلاثين صاعًا من شعيرٍ كما مرَّ [خ¦٢٠٦٨] (وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) ذات الفضول. وهذا الحديث قد سبق ذكره كثيرًا [خ¦٢٠٦٨] [خ¦٢٠٦٩] ومراد المؤلِّف من سياقه هنا: جوازُ معاملة غير المسلمين وإن كانوا يأكلون (٣) أموال الرِّبا كما أخبر الله تعالى عنهم، ولكنَّ مبايعتهم وأكل طعامهم مأذونٌ لنا فيه بإباحة الله، وقد ساقاهم النَّبيُّ ﷺ على خيبر -كما مرَّ-[خ¦٢٣٢٨]. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالمُرْتَهِنُ) في أصل الرَّهن؛ كأن قال: رهنتني (٤)

стр. 5280

كذا فأنكر، أو في قدره؛ كأن قال: رهنتني الأرض بأشجارها، فقال: بل وحدها، أو تعيينه كهذا العبد، فقال: بل الثَّوب، أو قدر المرهون به؛ كبعشرةٍ، فقال: بل بعشرين (وَنَحْوُهُ) كاختلاف المتبايعين (فَالبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي) وهو من إذا تَرَكَ تُرِك (وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) وهو من إذا ترك؛ لا يُترَك، بل يُجبَر. ٢٥١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان السُّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) ابن عبد (١) الله الجمحيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة كافٌ، هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهيرٌ، المكِّيِّ الأحول، وكان قاضيًا لابن الزُّبير، أنَّه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أي: أسأله في قضيَّة امرأتين ادَّعت إحداهما على الأخرى؛ كما سيأتي في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢] ففيه حذف المفعول (فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بكسر «إنَّ» على الحكاية، وبفتحها على تقدير الجارِّ، أي: بأنَّ النَّبيَّ ﷺ (قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) قال العلماء: والحكمة في كون البيِّنة على المدَّعي واليمين على المُدَّعى عليه: أنَّ جانب المُدَّعي ضعيفٌ؛ لأنَّه يقول (٢) خلاف الظَّاهر، فكُلِّف الحجَّة القويَّة؛ وهي البيِّنة، وهي لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضعف المدَّعي، وجانب المُدَّعى عليه قويٌّ؛ لأنَّ الأصل فراغُ ذمَّته، فاكتُفِي فيه بحجَّةٍ ضعيفةٍ وهي اليمين؛ لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النَّفع ويدفع الضَّرر فكان ذلك في غاية الحكمة، نعم؛ قد يجعل اليمين في جانب المدَّعي في مواضع تُستثنَى لدليلٍ؛ كأيمان القسامة ودعوى القيمة في المُتلَفات، ونحو ذلك، كما هو مبسوطٌ في محلِّه من كتب الفقه، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في محلِّه (٣) من هذا

стр. 5281

الكتاب، ومذهب الشَّافعيَّة (١) في مسألة الرَّهن تصديق الرَّاهن بيمينه حيث لا بيِّنة؛ لأنَّ الأصل عدم رهن ما ادَّعاه المرتهن، فإن قال الرَّاهن: لم تكن الأشجار موجودةً عند العقد بل أحدثتها؛ فإن لم يتصوَّر حدوثها بعده فهو كاذبٌ وطُولِب بجواب الدَّعوى، فإن أصرَّ على إنكار وجودها عند العقد جُعِل ناكلًا وحَلَفَ المرتهنُ، وإن لم يُصِرَّ عليه واعترف بوجودها وأنكر رهنها؛ قَبِلْنا منه إنكاره؛ لجواز صدقه في نفي الرَّهن، وإن كان قد بان كذبه في الدَّعوى الأولى؛ وهي نفي الوجود، أمَّا إذا تصوَّر حدوثها بعد العقد؛ فإن لم يمكن وجودُها عنده صُدِّق بلا يمينٍ، وإن أمكن وجودُها وعدمُه عنده؛ فالقول قوله بيمينه لما مرَّ، فإن حلف فهي كالأشجار الحادثة بعد الرَّهن في القلع وسائر الأحكام، وقد مرَّ بيانها، هذا إن كان رهنَ تبرُّعٍ، فإن اختلفا في رهنٍ مشروطٍ في بيعٍ بأن اختلفا في اشتراطه فيه، أو اتَّفقا عليه واختلفا في شيءٍ ممَّا سبق؛ تحالفا كسائر صور البيع إذا اختلف فيها، نعم إن اتَّفقا على اشتراطه فيه واختلفا في أصله فلا تحالُفَ؛ لأنَّهما لم يختلفا في كيفيَّة البيع، بل يُصدَّق الرَّاهن، وللمرتهن الفسخ إن لم يَرْهَنْ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٨] و «تفسير آل عمران» [خ¦٤٥٥٢]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأحكام»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضايا». ٢٥١٥ - ٢٥١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد

стр. 5282

(عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على (١) محلوف يمينٍ، فسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه (يَسْتَحِقُّ بِهَا) أي: باليمين (مَالًا) لغيره (وَهْوَ فِيهَا) أي: في اليمين (فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ، وهو من باب الكناية، إذ الفجورُ لازمُ الكذبِ، والواو في «وهو» للحال (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) من باب المجازاة، أي: يعامله معاملة المغضوب عليه، فيعذِّبه (فَأَنْزَلَ اللهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ثمَّ أنزل الله» (تَصْدِيقَ ذَلِكَ) في كتابه العزيز: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ فَقَرَأَ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) برفعهما على الحكاية (ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ) الكنديَّ (خَرَجَ إِلَيْنَا) من المكان الذي كان فيه (فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) يعني: ابن مسعودٍ (قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ) بسكون المُثلَّثة (قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ) بفتح اللَّام وكسر الفاء وتشديد التَّحتيَّة (-وَاللهِ- أُنْزِلَتْ) (٢) ولأبي ذرٍّ: «لفيَّ نَزَلَتْ» (٣) أي: الآية (كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ) اسمه معدان بن الأسود بن معد يكرب الكنديُّ (خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ (٤) رَسُولُ اللهِ ﷺ : شَاهِدُكَ) بالرَّفع والإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «شاهداك»، أي: ليحضر شاهداك، أو ليشهد شاهداك، فالرَّفع على الفاعليَّة بفعلٍ محذوفٍ، أو على أنَّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره، أي: الواجبُ شرعًا شاهداك، أي: شهادةُ شاهديك، أو مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: شهادةُ شاهديك (٥) الواجبُ في الحكم (أَوْ يَمِينُهُ) عطفٌ عليه، قال الأشعث: (قُلْتُ): يا رسول الله (إِنَّهُ) أي: الرَّجل (إِذَنْ يَحْلِفَ وَلَا يُبَالِي) بنصب يحلف بـ «إذن» لوجود شرائط عملها التي هي التَّصدُّر والاستقبال وعدم الفصل، ولغير أبي

стр. 5283

الوقت: «يحلفُ» بالرَّفع، وذكر ابن خروفٍ في «شرح سيبويه»: أنَّ من العرب من لا ينصب بها مع استيفاء الشُّروط حكاه سيبويه، قال: ومنه الحديث: «إذًا يحلفُ» ففيه جواز الرَّفع على ما لا يخفى (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا هُوَ) ولأبي ذرٍّ: «وهو» (فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) بغير تنوينٍ للصِّفة وزيادة الألف والنُّون (فَأَنْزَلَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ أنزل الله» (تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ) ﷺ (هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ إِلَى (١): ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]). وهذا الحديث قد سبق في «باب الخصومة في البئر» من «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٥٦].

стр. 5284

((٤٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم فِي العِتْقِ وَفَضْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «ما جاء في العتق، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وله عن المُستملي: «كتاب العتق، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، ولم يقل: «باب»، وللنَّسفيِّ: «كتابٌ في العتق، باب ما جاء في العتق وفضله»، و «العتق» بمعنى الإعتاق، وهو إزالة الرِّقِّ عن الآدميِّ (وَقَوْلُِهِ تَعَالَى) بالرَّفع في «اليونينيَّة» على الاستئناف، وبالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) برفع الكاف، وخفض ﴿رَقَبَةٍ﴾ (﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾) بوزن «إكرامٍ»، وهذه قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة على جعل ﴿فَكُّ﴾ خبر مبتدأٍ مضافًا إلى ﴿رَقَبَةٍ﴾ و ﴿إِطْعَامٌ﴾ مصدرًا، ولأبي ذرٍّ: «فَكَّ رَقَبَةً» فعلًا ماضيًا، و «رقبةً» مفعوله، أو «أطعمَ» فعلًا ماضيًا، والمراد بفكِّ الرَّقبة: تخليصُها من الرِّقِّ، من باب (١) تسمية الشَّيء باسم بعضه، وإنَّما خُصَّت بالذِّكر إشارةً إلى أنَّ حكم السَّيِّد عليه كالغلِّ في رقبته، فإذا عتق فُكَّ من عنقه (٢) (﴿فِي يَوْمٍ﴾) المراد مُطلَق الزَّمان ليلًا كان أو نهارًا (﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾) مجاعةٍ (﴿يَتِيمًا﴾) نُصِب بـ «أطعم» أو بالمصدر؛ لأنَّه يعمل عمل فعله (﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣ - ١٥]) صفةً لـ ﴿يَتِيمًا﴾ أي: قرابةٍ.

стр. 5285

٢٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ (١) اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، العمريُّ المدنيُّ ﵃ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بالقاف، ابن زيدٍ أخو عاصمٍ الرَّاوي عنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ) بفتح الميم وسكون الرَّاء بعدها جيمٌ، وهو سعيد بن عبد الله، ومرجانةُ أمُّه، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث (صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) ولأبي ذرٍّ: «صاحب عليِّ بن الحسين» بالتَّعريف ﵉ هو زين العابدين بن حسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ (قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا رَجُلٍ) بالجرِّ في «اليونينيَّة» وغيرها، وقال الكِرمانيُّ: وبالرَّفع على البدليَّة، وكلمة «أيٍّ» للشَّرط (٢)، دخلت عليها «ما»، وللإسماعيليِّ من طريق عاصم بن عليٍّ عن عاصم (٣) بن محمَّدٍ؛ كمسلمٍ والنَّسائيِّ من طريق إسماعيل بن أبي حكيمٍ عن سعيد ابن مرجانة: «أيُّما مسلمٍ» (أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ) أي (٤): خلَّص الله (بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ) زاد في «كفَّارات الأيمان» [خ¦٦٧١٥]: «حتَّى فرجَه بفرجِه»، وخصَّ الفرج بالذِّكر؛ لأنَّه محلُّ أكبر الكبائر بعد الشِّرك، قال الخطَّابيُّ:

стр. 5286

ويُستحَبُّ عند بعض العلماء: ألَّا يكون العبد المُعتَق ناقص العضو بالعور أو الشَّلل ونحوهما، بل يكون سليمًا ليكون معتِقه قد نال الموعود في عتق أعضائه كلِّها من النَّار بإعتاقه إيَّاه من الرِّقِّ في الدُّنيا، قال: وربَّما كان نقصان الأعضاء زيادةً في الثَّمن كالخصيِّ إذا صلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم وغيره. انتهى. ففيه إشارةٌ إلى أنَّه يُغتَفر النَّقص المجبور بالمنفعة، ولا شكَّ أنَّ في عتق الخصيِّ فضيلةً، لكنَّ الكامل أَوْلى. (قَالَ سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ) بالسَّند السَّابق: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى) ولأبي ذرٍّ: «به»، أي: بالحديث إلى (عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين»، ولمسلمٍ: فانطلقت حتَّى سمعت الحديث من أبي هريرة فذكرته لعليٍّ، زاد أحمد وأبو عوانة من طريق إسماعيل بن أبي حكيمٍ عن سعيد ابن مرجانة: فقال عليُّ بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال: نعم (فَعَمَدَ) بفتح الميم، أي: قصد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ﵄¬) ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين» (إِلَى عَبْدٍ لَهُ) اسمه مُطَرِّفٌ كما عند أحمد وأبي عَوانة وأبي نُعيمٍ في «مستخرجيهما على مسلمٍ» (قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ) أي: في مقابلة العبد (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالبٍ، وهو ابن عمِّ والد عليِّ بن الحسين (عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ -أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ- فَأَعْتَقَهُ) وفي رواية إسماعيل عند مسلمٍ: فقال: اذهب، فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الدِّينار إذ ذاك بعشرة دراهم. وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «كفَّارات الأيمان» [خ¦٦٧١٥]، ومسلمٌ في «العتق» وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ. (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ) أي: للعتق.

стр. 5287

٢٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (١) اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الرَّاء وكسر الواو، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، الغفاريِّ، ويُقال: اللَّيثيُّ المدنيُّ، من كبار التَّابعين، وقيل: له صحبةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يره، ولا (٢) يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه سعدٌ، ولا يصحُّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَرَنَهما لأنَّ الجهاد كان إذ ذاك أفضلَ الأعمال (قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي: للعتق (قَالَ: أَغْلَاهَا) بالغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعلاها» (ثَمَنًا) بالعين المهملة، ومعناهما متقاربٌ، ولمسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشامٍ: «أكثرها ثمنًا»، وهو يبيِّن المراد، قال النَّوويُّ: محلُّه -والله أعلم- فيمن أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهمٍ مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبةً يُعتقها، فوجد رقبةً نفيسةً ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان (٣) أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحيَّة فإنَّ الواحدة السَّمينة أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طِيبُ اللَّحم. انتهى. قال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرُبَّ شخصٍ واحدٍ إذا عتق انتَفَع بالعتق وانتُفِع به أضعافَ ما يحصلُ من النَّفع بعتقٍ أكثرَ عددًا منه، ورُبَّ محتاجٍ إلى كثرة اللَّحم لتفرقته (٤) على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر ممَّا ينتفع هو بطِيب اللَّحم، والضَّابط: أنَّ أيَّهما كان أكثر نفعًا كان أفضلَ، سواءٌ قلَّ أو كَثُر. (وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) بفتح الفاء، أي: أكثرها رغبةً عند أهلها لمحبَّتهم فيها؛ لأنَّ عتق مثل ذلك لا يقع إلَّا خالصًا (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي: إن لم أقدر على العتق، وللدَّارقطنيِّ في

стр. 5288

«الغرائب»: فإن لم أستطع (قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا) بالصَّاد المهملة والنُّون، من الصَّنعة؛ كذا في «اليونينيَّة» المقابلة بالأصول؛ كأصل أبي ذرٍّ وأبي (١) الوقت والأَصيليِّ وغيرهم (٢)، وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشَّرف الميدوميِّ وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ وغيره (٣): «ضايعًا» بالضَّاد المعجمة والهمزة تكتب ياءً، أي: تعين ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ أو حالٍ قصَّر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُرَاوحٍ، قال القاضي عياضٌ ممَّا نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: روايتنا في هذا من طريق هشامٍ: «فتعين ضائعًا» بمُعجَمةٍ (٤)، قال: وكذا في الرِّواية الأخرى، أي: من «صحيح مسلمٍ»، وهي رواية الزُّهريِّ عن حبيبٍ مولى عروة بن الزُّبير عن عروة عن أبي مُرَاوحٍ: «فتعين الضَّائع» بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلمٍ في حديث هشامٍ والزُّهريِّ إلَّا من رواية أبي الفتح السَّمرقنديِّ عن عبد الغافر الفارسيِّ، فإنَّ (٥) شيخنا أبا بحرٍ حدَّثنا عنه فيهما: بالمهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الضَّائع صحيحًا، لكن صحَّت الرِّواية عن هشامٍ هنا (٦) بالصَّاد المهملة، وكذلك (٧) رويناه في «صحيح البخاريِّ». انتهى. وجزم الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه بالمُعجَمة في جميع روايات البخاريِّ، قال: وقد خَبَطَ من قال من شرَّاح البخاريِّ: إنَّه رُوِي بالصَّاد المُهمَلة والنُّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيءٍ من طرقه. انتهى. ويؤيِّده قول ابن الصَّلاح: هو في رواية هشامٍ بالمُهمَلة والنُّون في أصل الحافظين أبي عامرٍ العبدريِّ وابن

стр. 5289

عساكر، ولكنَّه ليس من (١) رواية هشامٍ وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، ولكنَّ روايته إنَّما هي بالمُعجَمة، وأمَّا رواية الزُّهريِّ فالمحفوظ عنه أنَّها بالمُهمَلة، وكان ينسب هشامًا إلى التَّصحيف، قال: وذكر القاضي عياضٌ (٢): أنَّه في رواية الزُّهريِّ بالمُعجَمة إلَّا رواية السَّمرقنديِّ، وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلمٍ، فكلُّها مُقيَّدةٌ في رواية الزُّهريِّ بالمُهمَلة. انتهى. لكنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ ﵀: -إنَّ القاضي عياضًا (٣) جزم بأنَّه في «البخاريِّ» بالمُعجَمة- يردُّه ما سبق عن القاضي عياضٍ (٤) من قوله (٥): صحَّت الرِّواية عن هشامٍ بالصَّاد المُهمَلة، وكذا رويناه في «صحيح البخاريِّ»، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: يُروَى بهما فيهما، والصَّحيحُ عند العلماء المُهمَلةُ، والأكثرُ في الرِّواية المُعجَمةُ. انتهى. وممَّن نسب هشامًا إلى التَّصحيف في هذه الدَّارقُطنيُّ وحكاه ابن المدينيِّ، وقد تقرَّر ممَّا ذكرناه أنَّ رواية هشامٍ بالمُعجَمة لا بالمُهمَلة وإن نُسِب إلى التَّصحيف، ويبقى النَّظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشَّأن على الاعتماد على الأصول المُعتَمدة على ما لا يخفى. (أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) بفتح الهمزة والرَّاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ وآخره قافٌ، لا يُحسِن صنعةً ولا يهتدي إليها (قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) أي: تكفُّ عنهم شرَّك (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بحذف إحدى التَّاءين، والأصل: تتصدَّق، والضَّمير في قوله: «فإنَّها» للمصدر الذي دلَّ عليه الفعل، وأنَّثه لتأنيث الخبر.

стр. 5290

وهذا الحديث من أعلى حديثٍ وقع عند المؤلِّف وهو في حكم الثُّلاثيَّات لأنَّ هشام بن عروة شيخ شيخه من التَّابعين وإن كان روى هنا عن تابعيٍّ آخر وهو أبوه عروة، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ -هشامٌ وأبوه وأبو مراوحٍ- وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «العتق» و «الجهاد»، وابن ماجه في «الأحكام». (٣) (باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ) بفتح العين، أي: الإعتاق (فِي الكُسُوفِ وَالآيَاتِ) كخسوف القمر والظُّلمة الشَّديدة، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «أو الآيات» بألفٍ قبل الواو. ٢٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) هو أبو حذيفة النَّهديُّ -بفتح النُّون- البصريُّ، مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه، قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ) أبو الصَّلت الثَّقفيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العوَّام، زوج هشامٍ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَاقَةِ) أي: فكِّ الرَّقبة من العبوديَّة بالإعتاق (فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) لأنَّ الخيراتِ تدفعُ العذابَ (تَابَعَهُ) أي: تابع موسى بن مسعودٍ (عَلِيٌّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: يعني: ابن المدينيِّ، وهو شيخ البخاريِّ، ووَهِمَ من قال: المرادُ به ابنُ حُجْرٍ. انتهى. أي: بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم وبالرَّاء، والقائل بأنَّه المراد هو الكِرمانيُّ، قال العينيُّ: كلٌّ من ابن المدينيِّ وابن حُجْرٍ شيخ المؤلِّف، وروى عن اللَّاحق، فما الدَّليل على تخصيص ابن المدينيِّ ونسبة الوهم إلى غيره؟ (عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ) بفتح الدَّال المُهمَلة والرَّاء المُخفَّفة والواو وسكون الرَّاء وكسر الدَّال المُهمَلة وتشديد التَّحتيَّة، نسبةً إلى دراورد (١)؛ قريةٌ من
следующие страницы →