ويُستحَبُّ عند بعض العلماء: ألَّا يكون العبد المُعتَق ناقص العضو بالعور أو الشَّلل ونحوهما، بل يكون سليمًا ليكون معتِقه قد نال الموعود في عتق أعضائه كلِّها من النَّار بإعتاقه إيَّاه من الرِّقِّ في الدُّنيا، قال: وربَّما كان نقصان الأعضاء زيادةً في الثَّمن كالخصيِّ إذا صلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم وغيره. انتهى. ففيه إشارةٌ إلى أنَّه يُغتَفر النَّقص المجبور بالمنفعة، ولا شكَّ أنَّ في عتق الخصيِّ فضيلةً، لكنَّ الكامل أَوْلى.
(قَالَ سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ) بالسَّند السَّابق: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى) ولأبي ذرٍّ: «به»، أي: بالحديث إلى (عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين»، ولمسلمٍ: فانطلقت حتَّى سمعت الحديث من أبي هريرة فذكرته لعليٍّ، زاد أحمد وأبو عوانة من طريق إسماعيل بن أبي حكيمٍ عن سعيد ابن مرجانة: فقال عليُّ بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال: نعم (فَعَمَدَ) بفتح الميم، أي: قصد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ﵄¬) ولأبي ذرٍّ: «ابن الحسين» (إِلَى عَبْدٍ لَهُ) اسمه مُطَرِّفٌ كما عند أحمد وأبي عَوانة وأبي نُعيمٍ في «مستخرجيهما على مسلمٍ» (قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ) أي: في مقابلة العبد (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالبٍ، وهو ابن عمِّ والد عليِّ بن الحسين (عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ -أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ- فَأَعْتَقَهُ) وفي رواية إسماعيل عند مسلمٍ: فقال: اذهب، فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الدِّينار إذ ذاك بعشرة دراهم.
وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «كفَّارات الأيمان» [خ¦٦٧١٥]، ومسلمٌ في «العتق» وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ) أي: للعتق.
стр. 5287
٢٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (١) اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الرَّاء وكسر الواو، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، الغفاريِّ، ويُقال: اللَّيثيُّ المدنيُّ، من كبار التَّابعين، وقيل: له صحبةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يره، ولا (٢) يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه سعدٌ، ولا يصحُّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَرَنَهما لأنَّ الجهاد كان إذ ذاك أفضلَ الأعمال (قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي: للعتق (قَالَ: أَغْلَاهَا) بالغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعلاها» (ثَمَنًا) بالعين المهملة، ومعناهما متقاربٌ، ولمسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشامٍ: «أكثرها ثمنًا»، وهو يبيِّن المراد، قال النَّوويُّ: محلُّه -والله أعلم- فيمن أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهمٍ مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبةً يُعتقها، فوجد رقبةً نفيسةً ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان (٣) أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحيَّة فإنَّ الواحدة السَّمينة أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طِيبُ اللَّحم. انتهى. قال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرُبَّ شخصٍ واحدٍ إذا عتق انتَفَع بالعتق وانتُفِع به أضعافَ ما يحصلُ من النَّفع بعتقٍ أكثرَ عددًا منه، ورُبَّ محتاجٍ إلى كثرة اللَّحم لتفرقته (٤) على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر ممَّا ينتفع هو بطِيب اللَّحم، والضَّابط: أنَّ أيَّهما كان أكثر نفعًا كان أفضلَ، سواءٌ قلَّ أو كَثُر.
(وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) بفتح الفاء، أي: أكثرها رغبةً عند أهلها لمحبَّتهم فيها؛ لأنَّ عتق مثل ذلك لا يقع إلَّا خالصًا (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي: إن لم أقدر على العتق، وللدَّارقطنيِّ في
стр. 5288
«الغرائب»: فإن لم أستطع (قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا) بالصَّاد المهملة والنُّون، من الصَّنعة؛ كذا في «اليونينيَّة» المقابلة بالأصول؛ كأصل أبي ذرٍّ وأبي (١) الوقت والأَصيليِّ وغيرهم (٢)، وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشَّرف الميدوميِّ وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ وغيره (٣): «ضايعًا» بالضَّاد المعجمة والهمزة تكتب ياءً، أي: تعين ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ أو حالٍ قصَّر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُرَاوحٍ، قال القاضي عياضٌ ممَّا نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: روايتنا في هذا من طريق هشامٍ: «فتعين ضائعًا» بمُعجَمةٍ (٤)، قال: وكذا في الرِّواية الأخرى، أي: من «صحيح مسلمٍ»، وهي رواية الزُّهريِّ عن حبيبٍ مولى عروة بن الزُّبير عن عروة عن أبي مُرَاوحٍ: «فتعين الضَّائع» بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلمٍ في حديث هشامٍ والزُّهريِّ إلَّا من رواية أبي الفتح السَّمرقنديِّ عن عبد الغافر الفارسيِّ، فإنَّ (٥) شيخنا أبا بحرٍ حدَّثنا عنه فيهما: بالمهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الضَّائع صحيحًا، لكن صحَّت الرِّواية عن هشامٍ هنا (٦) بالصَّاد المهملة، وكذلك (٧) رويناه في «صحيح البخاريِّ». انتهى. وجزم الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه بالمُعجَمة في جميع روايات البخاريِّ، قال: وقد خَبَطَ من قال من شرَّاح البخاريِّ: إنَّه رُوِي بالصَّاد المُهمَلة والنُّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيءٍ من طرقه. انتهى. ويؤيِّده قول ابن الصَّلاح: هو في رواية هشامٍ بالمُهمَلة والنُّون في أصل الحافظين أبي عامرٍ العبدريِّ وابن
стр. 5289
عساكر، ولكنَّه ليس من (١) رواية هشامٍ وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، ولكنَّ روايته إنَّما هي بالمُعجَمة، وأمَّا رواية الزُّهريِّ فالمحفوظ عنه أنَّها بالمُهمَلة، وكان ينسب هشامًا إلى التَّصحيف، قال: وذكر القاضي عياضٌ (٢): أنَّه في رواية الزُّهريِّ بالمُعجَمة إلَّا رواية السَّمرقنديِّ، وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلمٍ، فكلُّها مُقيَّدةٌ في رواية الزُّهريِّ بالمُهمَلة. انتهى. لكنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ ﵀: -إنَّ القاضي عياضًا (٣) جزم بأنَّه في «البخاريِّ» بالمُعجَمة- يردُّه ما سبق عن القاضي عياضٍ (٤) من قوله (٥): صحَّت الرِّواية عن هشامٍ بالصَّاد المُهمَلة، وكذا رويناه في «صحيح البخاريِّ»، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: يُروَى بهما فيهما، والصَّحيحُ عند العلماء المُهمَلةُ، والأكثرُ في الرِّواية المُعجَمةُ. انتهى. وممَّن نسب هشامًا إلى التَّصحيف في هذه الدَّارقُطنيُّ وحكاه ابن المدينيِّ، وقد تقرَّر ممَّا ذكرناه أنَّ رواية هشامٍ بالمُعجَمة لا بالمُهمَلة وإن نُسِب إلى التَّصحيف، ويبقى النَّظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشَّأن على الاعتماد على الأصول المُعتَمدة على ما لا يخفى.
(أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) بفتح الهمزة والرَّاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ وآخره قافٌ، لا يُحسِن صنعةً ولا يهتدي إليها (قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) أي: تكفُّ عنهم شرَّك (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بحذف إحدى التَّاءين، والأصل: تتصدَّق، والضَّمير في قوله: «فإنَّها» للمصدر الذي دلَّ عليه الفعل، وأنَّثه لتأنيث الخبر.
стр. 5290
وهذا الحديث من أعلى حديثٍ وقع عند المؤلِّف وهو في حكم الثُّلاثيَّات لأنَّ هشام بن عروة شيخ شيخه من التَّابعين وإن كان روى هنا عن تابعيٍّ آخر وهو أبوه عروة، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ -هشامٌ وأبوه وأبو مراوحٍ- وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «العتق» و «الجهاد»، وابن ماجه في «الأحكام».
(٣) (باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ) بفتح العين، أي: الإعتاق (فِي الكُسُوفِ وَالآيَاتِ) كخسوف القمر والظُّلمة الشَّديدة، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «أو الآيات» بألفٍ قبل الواو.
٢٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) هو أبو حذيفة النَّهديُّ -بفتح النُّون- البصريُّ، مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه، قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ) أبو الصَّلت الثَّقفيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العوَّام، زوج هشامٍ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَاقَةِ) أي: فكِّ الرَّقبة من العبوديَّة بالإعتاق (فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) لأنَّ الخيراتِ تدفعُ العذابَ (تَابَعَهُ) أي: تابع موسى بن مسعودٍ (عَلِيٌّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: يعني: ابن المدينيِّ، وهو شيخ البخاريِّ، ووَهِمَ من قال: المرادُ به ابنُ حُجْرٍ. انتهى. أي: بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم وبالرَّاء، والقائل بأنَّه المراد هو الكِرمانيُّ، قال العينيُّ: كلٌّ من ابن المدينيِّ وابن حُجْرٍ شيخ المؤلِّف، وروى عن اللَّاحق، فما الدَّليل على تخصيص ابن المدينيِّ ونسبة الوهم إلى غيره؟ (عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ) بفتح الدَّال المُهمَلة والرَّاء المُخفَّفة والواو وسكون الرَّاء وكسر الدَّال المُهمَلة وتشديد التَّحتيَّة، نسبةً إلى دراورد (١)؛ قريةٌ من
стр. 5291
قرى خراسان، واسمه عبد العزيز بن محمَّدٍ (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروة، عن فاطمة بنت المنذر … إلى آخره، وقد مضى الحديث في «أبواب الكسوف» [خ¦١٠٥٤].
٢٥٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقَدَّميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَثَّامٌ) بفتح العين المهملة وتشديد المُثلَّثة وبعد الألف ميمٌ، ابن عليِّ بن الوليد العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة (عَنْ) زوجته (فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الخُسُوفِ) بالخاء المعجمة (١)، أي: خسوف القمر (بِالعَتَاقَةِ) بفتح العين، أي: الإعتاق للرَّقبة، وقد وضَّح برواية زائدة السَّابقة [خ¦٢٥١٩]: أنَّ الآمرَ في رواية عثَّامٍ هو الرَّسولُ ﷺ ، وفيه تقويةٌ للقائل: إنَّ قول الصَّحابيِّ: «كنَّا نُؤمَر بكذا» له حكم الرَّفع، وهو الأصحُّ.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَعْتَقَ) الشَّخص (عَبْدًا) مشتركًا (بَيْنَ اثْنَيْنِ) أو أكثر (أَوْ) أعتق (٢) (أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ) وإنَّما قال: في العبد «بين اثنين»، وفي الأَمَة «بين الشُّركاء» محافظةً على لفظ الحديث، وإلَّا فالحكم سواءٌ (٣).
٢٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا) أي: أو أَمَةً (بَيْنَ اثْنَيْنِ) فأكثر (فَإِنْ كَانَ) الذي أعتق (مُوسِرًا) صاحبَ يسارٍ (قُوِّمَ عَلَيْهِ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، أي: قيمة عدلٍ، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٥٠٣] أي: سواءٌ
стр. 5292
من غير زيادةٍ ولا نقصٍ (ثُمَّ يُعْتَقُ) أي (١): العبد أو الأَمَة، وأوَّل «يُعتَق» مضمومٌ وثالثه مفتوحٌ، وقول ابن المنيِّر: قوله: «من أعتق عبدًا بين اثنين» فيه دليلٌ لطيفٌ على صحَّة إطلاق الجمع على الواحد؛ لأنَّه قال: «عبدًا بين اثنين»، ثمَّ قال [خ¦٢٥٢٢]: «فأعطى شركاءه حصصهم»، والمرادُ شريكُه قطعًا، قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: هذا سهوٌ منه، فإنَّ الحديث الذي فيه: «من أعتق عبدًا بين اثنين» ليس فيه: «فأعطى (٢) شركاءه حصصهم» والذي فيه: «فأعطى شركاءه حصصهم» ليس فيه: «من أعتق عبدًا بين اثنين»، إنَّما فيه: «من أعتق شركًا له في عبدٍ». انتهى. وليس في قوله: «ثمَّ يُعتَق» دليلٌ للمالكيَّة على أنَّه لا يُعتَق إلَّا بعد أداء القيمة، كما سيأتي بيانه قريبًا في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث قد سبق في «باب (٣) تقويم الأشياء بين الشُّركاء بقيمةِ عَدْلٍ» [خ¦٢٤٩١].
٢٥٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا) بكسر الشِّين، أي: نصيبًا (لَهُ فِي عَبْدٍ) سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، و «الشِّرك» (٤) في الأصل مصدرٌ أُطلِق على مُتعلَّقه وهو «المُشتَرك»، ولابدَّ من إضمارٍ، أي: جزءٌ مُشتَركٌ؛ لأنَّ المُشتَرَكَ في الحقيقة الجملةُ (فَكَانَ لَهُ) أي: للذي أعتق (مَالٌ يَبْلُغُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ما يَبْلُغُ» أي: شيءٌ يبلغُ (ثَمَنَ العَبْدِ) أي: قيمة بقيَّته (قُوِّمَ العَبْدُ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «عليه» (قِيمَةَ عَدْلٍ) بألَّا يُزاد من قيمته ولا يُنقَص (فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ) أي: قيمة حصصهم، ورُوِي: «فأُعطِي» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول «شركاؤُه» بالرَّفع نائبًا (٥) عن الفاعل
стр. 5293
(وَعَتَقَ عَلَيْهِ) بفتح العين والتَّاء، ولا يُبنَى للمفعول إلَّا إذا كان بهمزة التَّعدية، فيُقال: أعتق، ولأبي ذرٍّ: «وعَتَقَ عليه العبدُ» (وَإِلَّا) بأن لم يكن موسرًا (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ (١) مَا عَتَقَ) أي: حصَّته.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «العتق».
٢٥٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه -في الأصل- عبدُ الله، وعُبَيدٌ لقبٌ غلب عليه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة (٢) (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (٣)، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه قال: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ (٤) كُلِّهِ) قال الزَّركشيُّ وتبعه ابن حجرٍ: بالجرِّ على أنَّه تأكيدٌ للضَّمير المضاف، أي: عتقُ العبدِ كلِّه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه ليس هنا ضميرٌ مضافٌ حتَّى يكون تأكيدًا له، وفيه مساهلةٌ جدًّا، وإنَّما هو تأكيدٌ لقوله: «في (٥) مملوكٍ». انتهى. أي: فعليه عتقُ المملوكِ كلِّه، والأحسن أن يُقال: إنَّه تأكيدٌ للضَّمير المضاف إليه (إِنْ كَانَ لَهُ) أي: للذي أعتق (مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ) أي: قيمة بقيَّة (٦) العبد (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ عَلَى المُعْتِقِ) بكسر التَّاء، و «يُقوَّم» بفتح الواو المُشدَّدة، صفةٌ لقوله:
стр. 5294
«مالٌ» أي: من لا مال له بحيث يقع عليه التَّقويم، فإنَّ العتق يقع في نصيبه خاصَّةً، وليس المراد أنَّ التَّقويم يُشرَع فيمن لم يكن له مالٌ، فليس «يُقوَّم» (١) جوابًا للشَّرط، بل هو قوله: (فَأُعْتِقَ مِنْهُ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، أي: فأُعتِق من العبد (مَا أَعْتَقَ) بفتح الهمزة والتَّاء، أي: ما أعتق المعسر، وقال الإمام البلقينيُّ: يحتمل أن يكون المراد: فإن لم يكن له مالٌ يبلغ قيمة حصَّة الشَّريك بل البعض فيُقوَّم لأجل ذلك، ويكون حجَّةً لأصحِّ الوجهين في مذهب الشَّافعيِّ: أنَّه يُعتَق من حصَّة الشَّريك بقدر ما يوسر به، أو يُحكَم على هذه اللَّفظة بالشُّذوذ والمخالفة لما رواه النَّاس، فإنَّها لا تُعرَف إلَّا من هذا الطَّريق الذي أوردها به البخاريُّ. انتهى. وفي نسخةٍ: «ما أُعتِق» بضمِّ الهمزة وكسر التَّاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «قيمةَ عَدْلٍ على العِتْق (٢)» بكسر (٣) العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، وعند النَّسائيِّ من رواية خالد بن الحارث عن عبيد الله: «فإن كان له مالٌ قُوِّم عليه قيمةُ عدلٍ في ماله، فإن لم يكن له مالٌ عَتَقَ منه ما عَتَقَ».
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المُهمَلة، ابن مسرهدٍ، أبو الحسن الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين (٤) المعجمة، ابن المُفضَّل (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) ابن عمر العمريِّ (اخْتَصَرَهُ) مُسَدَّدٌ بالإسناد المذكور، فذكر المقصود منه فقط، قال في «فتح الباري»: وقد أخرجه مُسَدَّدٌ في «مُسنَده» من رواية معاذ بن المُثنَّى عنه بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقيُّ من طريقه، ولفظه: «من أعتق شِرْكًا له في مملوكٍ فقد عَتَقَ كلُّه»، وقد رواه غير مُسَدَّدٍ عن بِشْرٍ مُطوَّلًا، وقد أخرجه النَّسائيُّ عن عمرو بن عليٍّ عن بِشْرٍ، لكن ليس فيه أيضًا قوله: «عتق منه ما عتق» فيحتمل أن يكون مراده أنَّه اختصر هذا القدر.
стр. 5295
٢٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي ذرٍّ: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، أَوْ) قال: (شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ) شكَّ أيُّوب (وَكَانَ) بالواو، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فكان» (لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ) أي: قيمة بقيَّة العبد (بِقِيمَةِ العَدْلِ) من غير زيادةٍ ولا نقصٍ (فَهْوَ) أي: العبد (عَتِيقٌ) أي: مُعتَقٌ -بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة- كلُّه؛ بعضه بالإعتاق وبعضه بالسِّراية، فلو كان له مالٌ لا (١) يفي بحصصهم سرى إلى القدر الذي هو موسرٌ به، تنفيذًا للعتق بحسب الإمكان، وخرج بقوله: «أعتق» ما إذا عتق (٢) عليه قهرًا بأن ورث بعض من يُعتَق عليه بالقرابة، فإنَّه يَعْتِقُ ذلك القدرَ خاصَّةً، ولا سراية، وبهذا صرَّح الفقهاء من أصحابنا الشَّافعيَّة وغيرهم، وعن أحمد روايةٌ بخلافه، وخرج أيضًا ما إذا أوصى بإعتاق نصيبه من عبدٍ، فإنَّه يعتق ذلك القدر، ولا سراية لأنَّ المال ينتقل إلى الوارث ويصير الميت معسرًا، بل لو كان كلُّ العبد له فأوصى بإعتاق بعضه عتق ذلك البعض ولم يسرِ كما قاله الجمهور، ولا تتوقَّف السِّراية فيما إذا أعتق البعض على أداء القيمة؛ لأنَّه لو لم يعتق قبل الأداء لَمَا وجبت القيمة، وإنَّما تجب على تقدير انتقالٍ أو قرضٍ أو إتلافٍ، ولم يوجد الأخيران فتعيَّن الأوَّل وهو الانتقال إليه، وهذا مذهب الجمهور، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة وبعض المالكيَّة، وفي رواية النَّسائيِّ وابن حبَّان من طريق سليمان بن موسى عن نافعٍ عن ابن عمر: «من أعتق عبدًا وله فيه شركاء وله وفاءٌ (٣) فهو حرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته»، وللطَّحاويِّ نحوه، ومشهور مذهب المالكيَّة: أنَّه لا يُعتَق إلَّا بدفع القيمة، فلو أَعْتَقَ الشَّريكُ قبل أخذ القيمة نَفَذَ عتقُه، واستدلَّ لهم بقوله في رواية سالمٍ المذكورة أوَّل الباب [خ¦٢٥٢١]: «فإن كان موسرًا قُوِّم عليه، ثمَّ عُتِق»، وأجيب: بأنَّه لا يلزم من ترتيب العتق على التَّقويم ترتيبه على أداء القيمة، فإنَّ التَّقويم يفيد معرفة القيمة، وأمَّا الدَّفع فقدرٌ زائدٌ على ذلك، وأمَّا رواية مالكٍ: «فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد» فلا يقتضي ترتيبًا لسياقها بالواو (٤)، ولا فرق بين أن
стр. 5296
يكون العبدُ والمعتِق والشَّريك مسلمين أو كفَّارًا، أو بعضهم مسلمين وبعضهم كفَّارًا، ولا خيار للشَّريك في ذلك ولا للعبد ولا للمعتِق، بل ينفذ الحكم (١)، وإن كرهوا كلُّهم (٢) مراعاةً لحقِّ الله تعالى في الحرِّيَّة، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شِرْكًا له في (٣) عبدٍ مسلمٍ، هل يسري عليه أم لا؟ وقال المالكيَّة: إن كانوا كفَّارًا فلا سراية، وإن كان المعتِق كافرًا دون شريكه فهل يسري عليه أم لا؟ أم يسري فيما إذا كان العبد مسلمًا دون ما إذا كان كافرًا؟ ثلاثة أقوالٍ، وإن كانا كافرين والعبد مسلمًا فروايتان، وإن كان المعتِق مسلمًا سرى عليه بكلِّ حالٍ. (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكن له مالٌ (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) بفتح العين والتَّاء فيهما، وهو نصيبه، ونصيب الشَّريك رقيقٌ لا يُكلَّف إعتاقَه، ولا يُستَسعى العبدُ في فكِّه، ولأبي ذرٍّ: «أُعتِق مَا أَعْتَقَ» بضمِّ الهمزة في الأوَّل وكسر التَّاء مبنيًّا للمفعول، وفتحها في الثَّاني، وإسقاط: «منه». (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ: (لَا أَدْرِي أَشَيْءٌ) أي: حكم المعسر (قَالَهُ نَافِعٌ) من قِبَلِهِ (٤)، فيكون منقطعًا موقوفًا (أَوْ شَيْءٌ فِي الحَدِيثِ) فيكون موصولًا مرفوعًا، وقد وافق أيُّوبَ على الشَّكِّ في رفع هذه الزِّيادة يحيى بن سعيدٍ عن نافعٍ فيما رواه مسلمٌ والنَّسائيُّ، ولم يُختلَف عن مالكٍ في وصلها ولا عن عبيد الله بن عمر، لكن اختُلِف عليه في إثباتها وحذفها، والذين أثبتوها حفَّاظٌ، فإثباتها عند عبيد الله مُقدَّمٌ، وقد رجَّح الأئمَّة رواية من أثبت هذه الزِّيادة مرفوعةً، قال إمامنا الشَّافعيُّ ﵁: لا أحسب عالمًا بالحديث يشكُّ في أنَّ مالكًا أحفظُ لحديث نافعٍ من أيُّوب؛ لأنَّه كان ألزم له منه، حتَّى لو استويا فشكَّ أحدهما في شيءٍ لم يشكَّ فيه صاحبه كانت الحجَّة مع من لم يشكَّ، ويقوِّي ذلك قول عثمان الدَّارميِّ: قلت لابن معينٍ: مالكٌ في نافعٍ أحبُّ إليك أو أيُّوب؟ قال: مالكٌ، ومَنْ جَزَمَ حجَّةٌ على من تردَّد، وزاد فيه بعضهم -كما قاله الشَّافعيُّ ﵁ فيما نقله عنه البيهقيُّ في «المعرفة» -: «ورقَّ منه ما رقَّ»، ووقعت هذه الزِّيادة عند الدَّارقُطنيِّ وغيره من طريق إسماعيل بن أميَّة وغيره عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ: «ورقَّ منه ما بقي»، واستدلَّ بذلك على ترك
стр. 5297
الاستسعاء، لكن في إسناده إسماعيل ابن مرزوقٍ الكعبيُّ، وليس بالمشهور عن يحيى بن أيُّوب، وفي حفظه شيءٌ.
٢٥٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَامٍ) بكسر الميم وسكون القاف، أبو الأشعث العجليُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ (٢) بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المُعجَمة في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في (٣) الثَّاني، النُّميريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ (٤)، فَيُعْتِقُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة (أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ) من العبد أو الأَمَة (يَقُولُ) أي: ابن عمر: (قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ) بالجرِّ، تأكيدًا للضَّمير المضاف إليه كما مرَّ [خ¦٢٥٢٤] أي: وجب عليه عتق العبد كلِّه أو الأَمَة كلِّها (إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ) أي: قيمةَ نصيب شركائه، فحُذِف المفعول (يُقَوَّمُ مِنْ مَالِه) أي: من مال الذي أعتقَ (قِيمَةَ العَدْلِ) بفتح العين، أي: قيمة استواءٍ من غير زيادةٍ ولا نقصٍ، و «قيمةَ» نصبُ مفعولٍ مُطلَقٍ (وَيُدْفَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ) بالرَّفع نائبًا (٥) عن الفاعل (وَيُخَلَّى) بفتح اللَّام، مبنيًّا للمفعول (سَبِيلُ المُعْتَقِ) بالرَّفع نائبًا (٦) عن الفاعل، و «المُعتَق» بفتح التَّاء، أي: العتيق، ولأبي ذرٍّ: «ويَدْفَع» -بفتح أوَّله- «إلى الشُّركاء أنصباءَهم» بالنَّصب على المفعوليَّة «ويخلِّي»
стр. 5298
بكسر اللَّام مبنيًّا للفاعل، أي: المعتِق -بكسر التَّاء- «سبيلَ المُعتَق» بنصب «سبيلَ» على المفعوليَّة، وفتح الفوقيَّة من «المُعتَق» (يُخْبِرُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(وَرَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكورَ (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدٌ، فيما وصله أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه» (وَابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ صاحب «المغازي»، فيما وصله أبو عوانة (وَجُوَيْرِيَةُ) بن أسماء، فيما وصله المؤلِّف في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٣] (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ، فيما وصله مسلمٌ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، فيما وصله عبد الرَّزَّاق، كلُّهم (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُخْتَصَرًا) بفتح الصَّاد؛ يعني: لم يذكروا الجملة الأخيرة في حقِّ المعسر وهي قوله [خ¦٢٥٢٤]: «فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ».
وقد أخرج المؤلِّف حديث ابن عمر في هذا الباب من ستَّة طرقٍ، تشتمل على فصولٍ من أحكام عتق العبد المُشتَرك -كما ترى-.
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَعْتَقَ) شخصٌ (نَصِيبًا) له (فِي عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ) وجواب «إذا» قوله: (اسْتُسْعِيَ) بضمِّ تاء «الاستفعال» مبنيًّا للمفعول، أي: أُلزِم (العَبْدُ) السَّعيَ في تحصيل القدر الذي يخلِّص به باقيه من الرِّقِّ، حال كونه (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ) عقد (الكِتَابَةِ).
٢٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) واسمه عبدُ الله بن
стр. 5299
أيُّوب، أبو (١) الوليد الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) البصريُّ قال: (سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة أبا الخطَّاب السَّدوسيَّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المُعجَمة، الأنصاريُّ البصريُّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمة، وفتح النُّون وكسر (٢) الهاء في الثَّاني وآخره كافٌ، السَّدوسيِّ، ويُقال: السَّلوليُّ البصريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ : مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا) بفتح الشِّين المُعجَمة وكسر القاف، أي: نصيبًا (مِنْ عَبْدٍ) كذا ساقه مختصرًا، وعطف عليه طريق سعيدٍ عن قتادة، فقال بالسَّند إليه:
٢٥٢٧ - (وَحَدَّثَنَا) وفي «الفرع»: «حدَّثنا» بحذف واو العطف (مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بتقديم الزَّاي على الرَّاء مُصغَّرًا، أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة مهران اليشكريُّ، مولاهم أبو النَّضر، البصريُّ الثِّقة الحافظ، ذو التَّصانيف (٥)، كثير التَّدليس، واختلط لكنَّه من أثبتِ النَّاسِ في قتادة، وقد سمع منه يزيد بن زُرَيعٍ (٦) قبل اختلاطه (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) الأنصاريِّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح أوَّلهما وكسر ثانيهما، وزنًا واحدًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ) قال: (شَقِيصًا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه (٧)، والشَّكُّ من الرَّاوي (فِي مَمْلُوكٍ) مُشتَركٍ بينه وبين غيره (فَخَلَاصُهُ) كلُّه من الرِّقِّ (عَلَيْهِ فِي مَالِهِ) بأن يؤدِّيَ قيمة باقيه من ماله (إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا) بأن لم يكن للذي أعتق مالٌ (قُوِّمَ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول (عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ) بضمِّ التَّاء،
стр. 5300
أي: أُلزِم العبد (بِهِ) أي: باكتساب ما قُوِّم من قيمة نصيب الشَّريك ليفكَّ بقيَّة رقبته من الرِّقِّ، أو يخدم سيِّده الذي لم يعتقه بقدر ما له فيه من الرِّقِّ، والتَّفسير الأوَّل هو الأصحُّ عند القائل بالاستسعاء، لاسيَّما (١) وفي رواية عبدة عند النَّسائيِّ ومحمَّد بن بِشْرٍ (٢) عند أبي داود كلاهما عن سعيدٍ ما يوضِّح أنَّ المراد الأوَّل، ولفظه: «واستُسعِي في قيمته لصاحبه» (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) في الاكتساب إذا عجز، وقال ابن التِّين: معناه: لا يُستغلَى (٣) عليه في الثَّمن، وهو قول أبي حنيفة مستدلًّا بهذا الحديث، وما رواه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن»، وخالفه أصحابه، وهو مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سعيدَ بن أبي عروبة في روايته عن قتادة على ذكر السِّعاية (حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ) بتشديد الجيم فيهما، الأسلميُّ الباهليُّ البصريُّ الأحول، ممَّا هو في نسخته عن قتادة من رواية أحمد بن حفصٍ -أحد شيوخ البخاريِّ- عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجَّاجٍ، وفيها ذكر السِّعاية (وَأَبَانُ) بن يزيد العطَّار (٤)، ممَّا أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من طريقه، قال: حدَّثنا قتادة: أخبرنا النَّضر بن أنسٍ، ولفظه: «فإنَّ عليه أن يُعتِق بقيَّتَه إن كان له مالٌ، وإلَّا استَسْعَى العبدَ … » الحديث (٥) (وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ) العمِّيُّ، فيما وصله الخطيب في كتاب «الفصل (٦) للوصل» من طريق أبي ظَفَرٍ عبد السَّلام بن مُطهَّرٍ (٧) عنه، كلُّهم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة، وأراد المؤلِّف بهذا الرَّدَّ على من زعم أنَّ الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظٍ، وأنَّ (٨) سعيد بن أبي عَروبة تفرَّد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازمٍ لموافقته (٩)، ثمَّ ذكر ثلاثةً تابعوهما على ذكرها، فنفى
стр. 5301
عنه التَّفرُّد، ثمَّ قال: (اخْتَصَرَهُ) أي: الحديث (شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج، وكأنَّه جوابٌ عن سؤالٍ مُقدَّرٍ، وهو أنَّ شعبة أحفظ النَّاس لحديث قتادة، فكيف لا يذكر الاستسعاء؟ فأجاب: بأنَّ هذا لا يؤثِّر فيه ضعفًا؛ لأنَّه أورده مختصرًا، وغيره (١) بتمامه، والعدد الكثير أَوْلى بالحفظ من الواحد، ورواية شعبة أخرجها مسلمٌ والنَّسائيُّ من طريق غندرٍ عنه عن قتادة بإسناده، ولفظه: عن النَّبيِّ ﷺ في المملوك بين الرَّجلين، فيُعتِق أحدُهما نصيبَه، قال: «يَضْمَن»، ومن طريق معاذٍ عن شعبة بلفظ: «من أعتق شقصًا من مملوكٍ فهو حرٌّ من ماله»، وقد اختصر ذكر السِّعاية أيضًا هشامٌ الدَّستوائيُّ عن قتادة، إلَّا أنَّه اختُلِف عليه في إسناده، فمنهم من ذكر فيه النَّضر بن أنسٍ، ومنهم من لم يذكره، وقد أجاب أصحابنا الشَّافعيَّة عن الأحاديث المذكور فيها السِّعاية بأجوبةٍ، أحدها: أنَّ الاستسعاء مُدرَجٌ في الحديث من كلام قتادة لا من كلامه ﷺ ، كما رواه همَّام بن يحيى عن قتادة بلفظ: أنَّ رجلًا أعتق شقصًا من مملوكٍ، فأجاز النَّبيُّ ﷺ عتقه، وغرَّمه بقيَّة ثمنه، قال قتادة: إن لم يكن له مالٌ استُسعِي العبد غير مشقوقٍ عليه، أخرجه الدَّارقُطنيُّ والخطَّابيُّ والبيهقيُّ، وفيه فصلُ السِّعاية من الحديث، وجعلها من (٢) قول قتادة، وقال ابن المنذر والخطَّابيُّ في «معالم السُّنن»: هذا الكلام لا يثبته أكثر أهل النَّقل مسندًا عن النَّبيِّ ﷺ ، ويزعمون أنَّه من كلام قتادة، واستدلَّ له ابن المنذر برواية همَّامٍ، وقد ضعَّف الشَّافعيُّ ﵁ أمر السِّعاية فيما ذكره عنه البيهقيُّ بوجوهٍ منها: أنَّ شعبة وهشامًا الدَّستوائيَّ رَوَيا هذا الحديث ليس فيه استسعاءٌ، وهما أحفظ، ومنها: أنَّ الشَّافعيَّ ﵁ سمع بعض أهل النَّظر والقياس والعلم بالحديث يقول: لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء منفردًا لا يخالفه غيره؛ ما كان ثابتًا، قال الشَّافعيُّ ﵁ في القديم: وقد أنكر النَّاس حفظ سعيدٍ، قال البيهقيُّ: وهذا -كما قال الشَّافعيُّ (٣) - فقد (٤) اختلط سعيد (٥) بن أبي عروبة في آخر عمره حتَّى أنكروا حفظه إلَّا أنَّ حديث الاستسعاء قد رواه أيضًا جرير بن
стр. 5302
حازمٍ عن قتادة؛ ولذلك أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في «الصَّحيح»، واستشهد البخاريُّ برواية الحجَّاج بن الحجَّاج وأبان وموسى عن قتادة، فذكر الاستسعاء فيه، وإنَّما يضعِّف الاستسعاء في هذا الحديث رواية همَّام بن يحيى عن قتادة فإنَّه فَصَلَهُ من الحديث، وجعله من قول قتادة، ولعلَّ الذي أخبر الشَّافعيُّ بضعفه وقفَ على رواية همَّامٍ، أو عرفَ علَّةً أخرى لم يقف عليها. انتهى. فجزم هؤلاء الأئمَّة بأنَّه مُدرَجٌ، وأبى ذلك جماعةٌ -منهم الشَّيخان- فصحَّحا كون الجميع مرفوعًا، وهو الذي رجَّحه ابن دقيق العيد وجماعةٌ؛ لأنَّ سعيدَ بن أبي عروبة أعرفُ بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همَّامٍ وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيدٍ لكنَّهما لم ينافيا ما رواه، وإنَّما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متَّحدًا حتَّى يتوقَّف في زيادة سعيدٍ، فإنَّ ملازمة سعيدٍ لقتادة كانت أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كلُّه لو انفرد وسعيدٌ لم ينفرد، وقد قال النَّسائيُّ في حديث (١) قتادة عن أبي المَلِيح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشامٌ وسعيدٌ أثبت في قتادة من همَّامٍ، وما أُعِلَّ به حديث سعيدٍ من كونه اختلط أو تفرَّد به مردودٌ؛ لأنَّه في «الصَّحيحين» وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زُرَيعٍ، ووافقه عليه أربعةٌ تقدَّم ذكرهم، وآخرون معهم (٢) يطول ذكرهم، وهمَّامٌ هو الذي انفرد بالتَّفصيل (٣)، وهو الذي خالف الجميع في القدر المُتَّفق على رفعه، فإنَّه جعله واقعة عينٍ، وهم جعلوه حكمًا عامًّا، فدلَّ على أنَّه لم يضبطه كما ينبغي، وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة، أخرجه الطَّبرانيُّ من حديث جابرٍ، واحتجَّ من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حُصَينٍ عند مسلمٍ: أنَّ رجلًا أعتق ستَّة مملوكين له عند موته، لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعاهم رسول الله ﷺ ، فجزَّأهم أثلاثًا (٤)، ثمَّ أَقْرَعَ بينهم، فأَعْتَقَ اثنين، وأَرَقَّ أربعةً، ووجه الدَّلالة منه أنَّ الاستسعاء لو كان مشروعًا لنجز (٥) من كلِّ واحدٍ منهم عتَق ثلثه، وأمره (٦) بالاستسعاء في بقيَّة قيمته لورثة الميت،
стр. 5303
وروى النَّسائيُّ من طريق سليمان بن موسى عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من أعتق عبدًا وله وفاءٌ فهو حرٌّ، ويضمن نصيبَ شركائِه بقيمته (١) لِمَا (٢) أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيءٌ»، ورواه البيهقيُّ أيضًا من وجهٍ آخر.
(٦) (باب) حكم (الخَطَأ وَالنِّسْيَانِ فِي العَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ) أي: نحو كلٍّ منهما (٣) من الأشياء التي يريد الشَّخص أن يتلفَّظ بشيءٍ منها، فيسبق لسانه إلى غيره كأن يقول (٤) لعبده: أنت حرٌّ، أو لامرأته: أنت طالقٌ من غير قصدٍ، فقال الحنفيَّة: يلزمه الطَّلاق، وقال الشَّافعيَّة: من سبق لسانُه إلى لفظ الطَّلاق في محاورته، وكان يريد أن يتكلَّم بكلمةٍ أخرى لم يقع طلاقه، لكن لم تُقبَل (٥) دعواه سبق اللِّسان في الظَّاهر إلَّا إذا وُجِدت قرينةٌ تدلُّ عليه، فإذا قال: طلَّقتك، ثمَّ قال: سبق لساني وإنَّما أردت طلبتك (٦) فنصَّ الشَّافعيُّ ﵀ أنَّه لا يسع (٧) امرأته أن تقبل منه، وحكى الرُّويانيُّ عن صاحب «الحاوي» وغيره: أنَّ هذا فيما إذا كان الزَّوج مُتَّهَمًا، فأمَّا إن (٨) ظنَّت صدقه بأمارةٍ
стр. 5304
فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه (١)، قال الرُّويانيُّ: وهذا هو الاختيار، نعم يقع الطَّلاق والعتق من الهازل ظاهرًا وباطنًا، ولا يُدَيَّن فيهما (وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللهِ) تعالى أي: لذاته ولجهة (٢) رضاه، ومراده بذلك: إثبات اعتبار النِّيَّة؛ لأنَّه لا يظهر كونه لوجه الله تعالى إلَّا مع القصد، وفي حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا -كما في الطَّبرانيِّ-: «لا طلاقَ إلَّا لعدَّةٍ ولا عِتاقَ (٣) إلَّا لوجه الله» (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما سبق موصولًا في حديث عمر بن الخطَّاب ﵁ [خ¦١]: (لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) الحديث (وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالمُخْطِئِ) وهو من أراد الصَّواب فصار إلى غيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وللقابسيِّ: «والخاطئ» وهو من تعمَّد (٤) لما لا ينبغي.
٢٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَام؛ بكسر الكاف ودالٍ مُهمَلةٍ مُخفَّفةٍ (٥) (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) هو من ثقات التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللهَ) (تَجَاوَزَ
стр. 5305
لِي) أي: لأجلي (عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) جملةٌ في محلِّ نصبٍ (١) على المفعوليَّة، و «ما» موصولٌ، و «وسوست» صلته، و «به» عائدٌ، و «صدورُها» بالرَّفع فاعل «وسوست»، ولأبي ذرٍّ: «صدورَها» بالنَّصب على أنَّ «وسوست» بمعنى: حدَّثت، ونسب هذه في «الفتح» وغيره لرواية الأَصيليِّ، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] بلفظ: «ما حدَّثت به أَنْفُسَها»، والمعنى: ما حدَّثت به نفسه، وهو ما يخطر بالبال (٢)، والوسوسة: الصَّوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواس الحليِّ لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر، إن كانت تدعو إلى الرَّذائل والمعاصي تُسمَّ وسوسةً، فإن كانت تدعو إلى الخصال المرضيَّة والطَّاعات تُسمَّ إلهامًا، ولا تكون الوسوسة (٣) إلَّا مع التَّردُّد والتَّزلزل من غير أن يطمئنَّ إليه أو يستقرَّ عنده (مَا لَمْ تَعْمَلْ) في العمليَّات بالجوارح (أَوْ تَكَلَّمْ) في القوليَّات باللِّسان على وفق ذلك، وأصل «تَكَلَّمْ» (٤): تتكلَّم بمُثنَّاتين، حُذِفت (٥) إحداهما تخفيفًا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من (٦) قوله: «ما وسوست» لأنَّ الوسوسة لا اعتبار لها عند عدم التَّوطُّن (٧)، فكذلك المخطئ والنَّاسي لا توطُّن لهما، وأمَّا قول ابن العربيِّ: -إنَّ المرادَ بقوله: «ما لم تكلَّمْ» الكلامُ النَّفسيُّ إذ هو الكلام الأصليُّ، وإنَّ القول الحقيقيَّ هو الموجود بالقلب (٨) الموافق للعلم- فمراده به الانتصار لما رُوِي عن الإمام الأعظم مالكٍ: أنَّه يقع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة وإن لم يتلفَّظ، قال في «المصابيح»: وقد أشكل هذا على كثير من أصحابه؛ لأنَّ النِّيَّة عبارةٌ عن القصد في الحال، أو العزم في الاستقبال، فكما لا يكون قاصدُ الصَّلاة مصلِّيًا
стр. 5306
حتَّى يفعل المقصود، وكذا قاصد الزَّكاة والنِّكاح وغيرها (١)؛ كذلك ينبغي أن يكون (٢) قاصد الطَّلاق، ثمَّ قول القائل: يقع الطَّلاق بالقصد متدافعٌ، وحاصله: يقع ما لم يوقعه المُكلَّف؛ إذ القصد ضرورةٌ يفتقر إلى مقصود النِّيَّة، فكيف يكون القصدُ نفسَ المقصود؟ هذا قلبٌ للحقائق، فمن هنا اشتدَّ الإنكار حتَّى حُمِل على التَّأويل، والذي يرفع الإشكال أنَّ النِّيَّة التي أُريدت هنا هي الكلام النَّفسيُّ الذي يُعبَّر عنه بقول القائل: أنت طالقٌ، فالمعنى الذي هذا لفظه هو المراد بالنِّيَّة، وإيقاع الطَّلاق على من تكلَّم بالطَّلاق وأنشأه حقيقةً لا ريب فيه، وذلك أنَّ الكلام يُطلَق على النَّفسيِّ حقيقةً، وعلى اللَّفظيِّ، قيل: حقيقةً، وقيل: مجازًا، ولهذا نقول: قاصد الإيمان مؤمنٌ؛ لأنَّ المتكلِّم بالإيمان (٣) كلامًا نفسيًّا مصدِّقًا عن معتقده مؤمنٌ، وكذلك المعتقد الكفر بقلبه المصدِّق له كافرٌ، وأمَّا المتكلِّم في نفسه بإحرام الصَّلاة وبالقراءة، فإنَّما لم يُعَدَّ مصلِّيًا ولا قارئًا بمُجرَّد الكلام النَّفسيِّ لتعبُّدِ الشَّرعِ في هذه المواضع الخاصَّة بالنُّطق اللَّفظيِّ، ألا ترى أنَّ المتكلِّم بإحرام الحجِّ في نفسه محرمٌ وإن لم يلبِّ، وكذلك المُخيَّرة إذا تستَّرت (٤)، ونقلت قماشها، ونحو ذلك كان ذلك (٥) اختيارًا للطلاق وإن لم تتكلَّم بلفظٍ؛ لأنَّها قد تكلَّمت في نفسها ونصبتْ هذه الأفعالَ دلالاتٍ على الكلام النَّفسيِّ، فإنَّ الدَّليل عليه لا يَخُصُّ النُّطقَ، بل تدخل فيه الإشارات والرُّموز والخطوط ولهذا كانت المعاطاة عنده بيعًا؛ لدلالتها على الكلام النَّفسيِّ عرفًا، فاندفع السُّؤال وصار ما كان مشكلًا هو اللَّائح. انتهى. وهذا نقضه الخطَّابيُّ بالظِّهار، فإنَّهم أجمعوا على أنَّه لو عزم على الظِّهار
стр. 5307
لم يلزم (١) حتَّى يتلفَّظ به، قال: وهو في معنى الطَّلاق، وكذلك لو حدَّث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا، ولو حدَّث نفسه في الصَّلاة لم يكن عليه إعادةٌ، وقد حرَّم الله تعالى الكلام في الصَّلاة، فلو كان حديث النَّفس في معنى الكلام لبطلت الصَّلاة، وقد قال عمر بن الخطَّاب ﵁: إنِّي لأجهِّز جيشي وأنا في الصَّلاة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] و «النُّذور» [خ¦٦٦٦٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّلاق».
٢٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ الثِّقة، ولم يُصِبْ من ضَعَّفَهُ، وقد وثَّقه أحمد (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ التَّابعيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ) القرشيِّ المدنيِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) -بالمُثلَّثة- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الأَعْمَالُ) (٢) إنَّما تصحُّ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد (وَلاِمْرِئٍ) ثوابُ (مَا نَوَى) بحذف «إنَّما» في الموضعين، ومعنى النِّيَّة القصدُ إلى الفعل، وقال الحافظ المقدسيُّ في «أربعينه»: النِّيَّة والقصد والإرادة والعزم بمعنىً، والعرب تقول: نواك الله بحفظه، أي: قصدك، وعبارة بعضهم: إنَّها تصميم القلب على فعل الشَّيء، وقال الماورديُّ في «كتاب الإيمان»: النِّيَّة (٣): قصد الشَّيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه كان عزمًا، وقال الخطَّابيُّ: قصدك الشَّيء بقلبك وتحرِّي الطَّلب منك له، وقال البيضاويُّ: النِّيَّة عبارةٌ عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، والشَّرع خصَّها
стр. 5308
بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله وامتثالًا لحكمه، والنِّيَّة في الحديث محمولةٌ على المعنى اللُّغويِّ ليحسن تطبيقه وتقسيمه بقوله: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لدنيا» (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فإنَّه تفصيلٌ لِمَا أجمله، واستنباطٌ للمقصود (١) عمَّا أصله، والمعنى: من قصدَ بهجرته وجهَ الله وقع أجرُه على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأةً فهي حظُّه، ولا نصيبَ له في الآخرة، فالأُولى للتَّعظيم، والثَّانية للتَّحقير، ولا يُقال: اتَّحد الشَّرط والجزاء؛ لأنَّا نقول: ليس الجزاء هنا نفس الشَّرط (٢)، وإنَّما الجزاء محذوفٌ أُقيم هذا المذكور مقامه، وتأوَّله ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، وفيه بحثٌ سبق أوَّل هذا الكتاب [خ¦١] وأواخر «الإيمان» [خ¦٥٤] فليُراجَع.
وتنقسم النِّيَّة إلى أقسامٍ كثيرةٍ، كالتَّعبُّد: وهو إخلاص العمل لله تعالى، والتَّمييز، كمن أقبض ربَّ الدَّين من جنس دَينه شيئًا، فإنَّه يحتمل الهبة والقرض والوديعة والإباحة ونحوها، ويحتمل أن يكون من وفاء الدَّين، وكذا في مواضعَ من المُعامَلات ونحوها، ككناية البيع والطَّلاق، فإنَّه لو لم ينوِ الطَّلاق لم يقع، وكمن أُكرِه على الكفر فتكلَّم به وهو ينوي خلافه فإنَّه لا يكفر، ونحو ذلك ممَّا هو معروفٌ في كتب الفقه، وزعم قومٌ: أنَّ الاستدلال بالحديث في غير العبادات غير صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما جاء في اختلاف مصارف (٣) وجوه العبادات، والجواب: أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، واستنبط المؤلِّف منه عدمَ وقوع العِتَاق والطَّلاق من النَّاسي والمخطئ؛ لأنَّه لا نيَّة لهما، ولا يحتاج صريحُ الطَّلاق إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ الصَّريحَ موضوعٌ للطَّلاق شرعًا، فكان حقيقةً فيه فاستغنى عن النِّيَّة، وقال الحنفيَّة: طلاق الخاطئ والنَّاسي والهازل واللَّاعب والذي تكلَّم به من غير قصدٍ واقعٌ؛ لأنَّه كلامٌ صحيحٌ صادرٌ من عاقلٍ بالغٍ.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: «إذا قال رجلٌ لعبده» (هُوَ لِلهِ
стр. 5309
وَ) الحال أنَّه (نَوَى العِتْقَ) صحَّ (وَالإِشْهَادِ (١) بالعِتْقِ) بجرِّ «الإشهاد» في الفرع وأصله، أي: وبابُ الإشهادِ، وهو مشكلٌ؛ لأنَّه إن قُدِّر منوَّنًا احتاج إلى (٢) خبرٍ، وإلَّا لزم حذف التَّنوين من الأوَّل ليصحَّ العطف عليه، وهو بعيدٌ، ومن ثمَّ قال العينيُّ: ومن جرَّ «الإشهاد» فقد جرَّ ما لا يطيق حمله، وفي نسخةٍ: «والإشهادُ» بالرَّفع، أي: وبابٌ -بالتَّنوين- يُذكَر فيه الإشهادُ، وهذا هو الوجه.
٢٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمْدانيُّ -بسكون (٣) الميم- الكوفيُّ، أبو عبد الرَّحمن (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة، العبديِّ الكوفيِّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ سعدٍ (٤)، الأحمسيِّ البجليِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ -بالحاء المُهمَلة والزَّاي- واسمه: عوفٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّه لَمَّا أَقْبَلَ) حال كونه (يُرِيدُ الإِسْلَامَ) وكان مقدمُه -فيما قاله الفلَّاس- عامَ خيبر، وكانت (٥) في المُحرَّم سنة سبعٍ، وكان إسلامه بين الحديبية
стр. 5310
وخيبر (وَمَعَهُ غُلَامُهُ) قال ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (ضَلَّ) أي: تاه (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ) فذهب إلى ناحيةٍ (فَأَقْبَلَ) أي: الغلام (بَعْدَ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «بعد ذاك» (وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ، فَقَالَ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أي: حقًّا (إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ، قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ) أي: الوقت الذي وصل فيه إلى المدينة: (يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا) بفتح العين المُهمَلة وتخفيف النُّون، ممدودًا: تعبِها ومشقَّتِها (عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ) أي: الحرب (نَجَّتِ) وهذا من بحر الطَّويل، وفيه: الخَرْم -بالمعجمة والرَّاء السَّاكنة- وهو أن يُحذَف من أوَّل الجزء حرفٌ؛ لأنَّ أصله: فيا ليلةً، وهذا الشِّعر لأبي هريرة، أو لغلامه، أو لأبي مرثدٍ الغنويِّ تمثَّل به أبو هريرة، وفيه التَّألُّم من النَّصَب والسَّفر.
٢٥٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنُ سَعِيدٍ) السَّرخسيُّ اليشكريُّ، أبو قدامة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ الأحمسيُّ البجليُّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: أريد الإسلام (قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ):
(يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ)
(قَالَ) أبو هريرة: (وَأَبَقَ) بفتحاتٍ، وحكى ابن القطَّاع كسر المُوحَّدة، أي: هرب (مِنِّي غُلَامٌ لِي (١)
стр. 5311
فِي الطَّرِيقِ، قَالَ) أبو هريرة: (فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَايَعْتُهُ) على الإسلام، ولأبي ذرٍّ: «فبايعته» (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا عِنْدَهُ) وجواب «بينا» قوله: (إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ) يحتمل أن يكون وَصَفَه أبو هريرة له ﵊ فعرفه، أو رآه مقبلًا إليه، أو أخبره المَلَك، قال أبو هريرة: (فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ) (١) أي: باللَّفظ المذكور، فالفاء تفسيريَّةٌ، وليس المراد أنَّه أعتقه بعد هذا بلفظٍ آخر (لَمْ يَقُلْ) ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» البخاريُّ: «لم يقل» (أَبُو كُرَيْبٍ) هو محمَّد بن العلاء أحد مشايخه في روايته (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ) بل قال: هو لوجه الله، فأعتقه، وهذا وصله في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٩٣].
٢٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة، أبو عمر (٢) العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) الرُّؤَاسيُّ -بضمِّ الرَّاء وبعدها همزةٌ فسينٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ البجليِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لم يُسَمَّ (وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالنَّصب على نزع الخافض، أي: من صاحبه، كما في الطَّريق الأولى [خ¦٢٥٣٠] (بِهَذَا) اللَّفظ (٣) السَّابق، وقوله: «فضلَّ» كذا هو في رواية أبي ذرٍّ، لكنَّه ضُبِّب عليه في فرع «اليونينيَّة»، وقال في الهامش: إنَّ الصَّواب: «فأضلَّ» أي: مُعدًّى بالهمزة، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقديرٍ (وَقَالَ: أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ) أي: الغلام (للهِ) وهذا من الكناية كقوله: لا ملك لي عليك ولا سبيل ولا سلطان، أو أزلتُ ملكي عنك، وأمَّا قوله: هو حرٌّ، أو مُحرَّرٌ، أو حرَّرته فصريحٌ لا يحتاج إلى نيَّةٍ، ولا أثر للخطأ في التَّذكير والتَّأنيث بأن يقول للعبد: أنتِ حرَّةٌ، وللأمة: أنتَ حرٌّ، وفكُّ الرَّقبة صريحٌ على الأصحِّ، ولو كانت أمته تُسمَّى قبل جريان الرِّقِّ عليها حرَّةً، فقال
стр. 5312
لها: يا حرَّةُ، فإن لم يخطر له (١) النِّداء باسمها القديم عَتَقَتْ، وإن قصد نداءها لم تُعتَق على الأصحِّ، وقيل: تُعتَق لأنَّه صريحٌ، ولو كان اسمها في الحال حرَّةً، أو اسم العبد حرٌّ أو عتيقٌ، فإن قصد النِّداء لم يُعتَق، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وفي «فتاوى» الغزاليِّ: أنَّه لو اجتاز بالمَكَّاس فخاف أن يطالبه بالمَكْس عن عبده، فقال: هو حرٌّ وليس بعبدٍ، وقصد الإخبار، لم يُعتَق فيما بينه وبين الله تعالى، وهو كاذبٌ في خبره ومقتضى (٢) هذا ألَّا يُقبَل ظاهرًا، ولو قيل لرجلٍ استخبارًا: أطلَّقتَ زوجتك؟ فقال: نعم، فإقرارٌ بالطَّلاق، فإن كان كاذبًا فهي زوجته في الباطن، فإن قال: أردتُ طلاقًا ماضيًا وراجعتُ، صُدِّق بيمينه في ذلك، وإن قيل له ذلك التماسًا لإنشاءٍ (٣)، فقال: نعم فصريحٌ؛ لأنَّ «نعم» قائمٌ مقام «طلَّقتها» المراد بذكره في السُّؤال، وأنَّه لو قال لعبده: افرغ من هذا العمل قبل العشيِّ وأنت حرٌّ، وقال: أردت حرًّا من العمل دون العتق دِينَ، فلا يُقبَل ظاهرًا، ولو قال لعبده: يا مولاي فكنايةٌ، ولو قال له: يا سيِّدي، قال القاضي حُسَينٌ والغزاليُّ: هو لغوٌ، وقال الإمام: الذي أراه أنَّه كنايةٌ، ولو قال لعبد غيره: أنت حرٌّ، فهو إقرارٌ بحرِّيَّته، وهو باطلٌ في الحال، فلو مَلَكَهُ حَكَمْنا بعتقه، مُؤَاخَذةً له بإقراره.
(٨) (باب) حكم (أُمِّ الوَلَدِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما تقدَّم بمعناه موصولًا في «الإيمان» [خ¦٥٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا) أي: سيِّدها؛ لأنَّ ولدها من سيِّدها ينزل منزلة سيِّدها لمصير (٤) مال الإنسان إلى ولده (٥) غالبًا، ولا دلالة فيه على جواز بيع أمِّ
стр. 5313
الولد ولا عدمه كما سبق تقريره في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] فليُراجَع، وقال ابن المنيِّر: استدلَّ البخاريُّ بقوله: «تلد الأَمَةُ ربَّها» على إثبات حريَّة أمِّ الولد، وأنَّها لا تُباع من جهة كونه من أشراط السَّاعة، أي: يعتق الرَّجلُ والمرأةُ أمَّهما الأَمَةَ ويعاملانها معاملة السَّيِّد تقبيحًا لذلك، وعدَّه من الفتن، ومن أشراط السَّاعة، فدلَّ على أنَّها مُحتَرمةٌ شرعًا.
٢٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «كان عتبة (٢) ابن أبي وقَّاصٍ» (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريَّ، ولم تُسَمَّ الوليدة، نعم ذكر مصعبٌ الزُّبيريُّ في «نسب قريشٍ» أنَّها كانت أَمَةً يمانيةً، واسمُ ولدها عبدُ الرَّحمن (قَالَ عُتْبَةُ) بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ) أي: عبد الرَّحمن (ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مكَّة (زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ) بالتَّنوين (ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن بنصب «ابنَ» (٣) على المفعوليَّة، ويُكتَب بالألف (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ) أخي سودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ سَعْدٌ) بالتَّنوين، وفي «اليونينيَّة» برفعه من غير تنوينٍ (يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي: عبد الرَّحمن (ابْنُ أَخِي)
стр. 5314
عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي (١): عبد الرَّحمن (أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ) أبي (زَمْعَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٢): «هذا أخي ابن زمعة» (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من جاريته (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن (فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) أي: بعتبة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُوَ) أي: عبد الرَّحمن (لَكَ) أخٌ، إمَّا بالاستلحاق (٣) وإمَّا من (٤) القضاء بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ﷺ ، فألحق ولده به لمَّا علمه من فراشه (يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل، ونصب «ابن» (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ) زمعة (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَُ بِنْتَ زَمْعَةَ) بضمِّ «سودة» ونصبها على الوجهين
стр. 5315
المشهورين في مثل: يا زيدَُ بن عمرٍو، وذلك أنَّ توابع المبنيِّ المفرد من التَّأكيد والصِّفة وعطف البيان تُرفَع على لفظه وتُنصَب على محلِّه، بيانه: أنَّ لفظ «سودة» في «يا سودة»، و «عبد» في «يا عبد» منادىً مبنيٌّ على الضَّمِّ، فإذا أُكِّد أو اتَّصف أو عُطِف عليه يجوز فيه الوجهان، وأمَّا «بنت زمعة» فالنَّصب لا غير؛ لأنَّه مضافٌ إضافةً معنويَّةً، وما كان كذلك من توابع المنادى وجب نصبه، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: يجوز رفع «بنت» فقال في «المصابيح»: هو خطأٌ منه، أو من النَّاسخ، والأمر هنا للنَّدب والاحتياط عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأخوَّته لها في ظاهر الشَّرع، قيل: يحتمل أن يكون قوله: «هو لك» أي: ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يُقِرَّ به، فلم يبق إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا (١) لأمِّه؛ ولذا (٢) أمرها بالاحتجاب منه، وهذا يردُّه قوله في رواية البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٣٠٣]: هو لك فهو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنَّه أخو عبدٍ لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، وإنَّما أمرها بالاحتجاب (مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال إمامنا الشَّافعيُّ ﵀: رؤيةُ ابن زمعة لسودة مباحةٌ، لكنَّه كرهه للشُّبهة، وأمرها بالتَّنزُّه عنه اختيارًا. انتهى. وقد (٣) استُشكِل الحديث من جهة خروجه عن الأصول المُجمَع عليها، وذلك أنَّ الاتِّفاق على (٤) أنَّه لا يدَّعي أحدٌ عن أحدٍ إلَّا بتوكلٍ من المدَّعى له، فكيف ادَّعى سعدٌ وليس وكيلًا عن أخيه عتبة، وادَّعى عبد بن زمعة على أبيه (٥) ولدًا بقوله: «أخي ابن وليدة أبي»، ولم يأتِ ببيِّنةٍ تشهد على إقرار أبيه زمعة بذلك، ولا تجوز دعواه على أمةٍ؟ وأُجيب: باحتمال أن يكون حكمًا مستوفيًا الشُّروطَ (٦)، ولم تستوعب الرُّواة القصَّة، وقد سبق [خ¦٢٠٥٣]: أنَّ عتبةَ عَهِدَ إلى أخيه سعدٍ: أنَّ ابن وليدةِ زمعةَ منِّي فاقبضه إليك، وإذا كان وصيَّ أخيه فهو أحقُّ بكفالة ابن
стр. 5316
أخيه وحفظ نسبه، فتصحُّ دعواه بذلك، وكذا دعوى عبد بن زمعة المُخاصَمة في أخيه، فإنَّه كافله وعاصبه إن كان حرًّا، ومالكه إن كان عبدًا (١)، فلا يحتاج إلى إثبات وكالةٍ ولا وصيَّةٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يطلب الحضانة، وهي حقُّه، إذ أحدهما في دعواه عمٌّ والآخر أخٌ، وغرض المؤلِّف من هذا (٢) الحديث قول عبد بن زمعة: «أخي ابن وليدة زمعة وُلِد على فراشه»، وحكمه ﷺ لابن زمعة بأنَّه أخوه: فإنَّ فيه ثبوت أمِّيَّة الأَمَة لكن ليس فيه تعريضٌ لحرِّيَّتها ولا لإرقاقها، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّه رأى في بعض النُّسخ في آخر الباب ما نصُّه: فسمَّى النَّبيُّ ﷺ أمَّ ولد (٣) زمعة أمةً ووليدةً، فدلَّ على أنَّها لم تكن عتيقةً. انتهى. وحينئذٍ فهو ميلٌ من المؤلِّف إلى أنَّها لا تُعتَق بموت السَّيِّد؟ وأُجيب: بأنَّ عتق أمِّ الولد بموت السَّيِّد ثبت بأدلَّةٍ أخرى، وقيل: غرض البخاريِّ بإيراده أنَّ بعض الحنفيَّة لمَّا التزم أنَّ أمَّ الولد المُتنازَع فيه كانت حرَّةً، ردَّ ذلك، وقال: بل كانت عتقت، وكأنَّه قال: قد ورد في بعض طرقه [خ¦٢٧٤٥]: أنَّها أمةٌ، فمن ادَّعى أنَّها عتقت فعليه البيان، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ البخاريَّ استدلَّ بقوله [خ¦٢٠٥٣]: «الولد للفراش» على أنَّ أمَّ الولد فراشٌ كالحرَّة بخلاف الأَمَة، ولهذا سوَّى بينها وبين الزَّوجة في هذا اللَّفظ العامِّ. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩] وقد اختلف السَّلف والخَلَف في عتق أمِّ الولد وفي جواز بيعها، فالثَّابت عن عمر عدم جواز بيعها، وهو مرويٌّ عن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وقول أكثر التَّابعين وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أكثر كتبه وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمَّدٍ وزفر وأحمد وإسحاق، وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق جواز بيعها، وهو (٤) كذا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وجابرٍ، وفي حديثه: كنَّا نبيع سراريَّنا أمَّهاتِ أولادنا والنَّبيُّ ﷺ حيٌّ، لا يرى (٥) بذلك بأسًا، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وفي لفظٍ: بِعْنا أمَّهات الأولاد على عهد النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ،
стр. 5317
فلمَّا كان عمر نهانا فانتهينا، ولم يستند (١) الشَّافعيُّ إلى (٢) القول بالمنع إلَّا إلى عمر، فقال: قلته تقليدًا لعمر، قال بعض أصحابه: لأنَّ عمر لمَّا نهى عنه فانتهوا صار إجماعًا، يعني: فلا عبرة بندور المخالف (٣) بعد ذلك، وإذا قلنا بالمذهب: إنَّه لا يجوز بيع أمِّ الولد فقضى (٤) قاضٍ بجوازه، فحكى الرُّويانيُّ عن الأصحاب -كما قاله في الرَّوضة-: أنَّه يُنقَض قضاؤُه، وما كان فيه من خلافٍ، فقد انقطع وصار مُجمَعًا على منعه، ونقل الإمام فيه وجهين، والمُستولَدة فيما سوى (٥) نقلِ المِلْكِ فيها كالقِنَّة، فله إجارتها واستخدامها ووطؤها، وأَرْشُ الجناية عليها وعلى أولادها التَّابعين لها، وقيمتُهم إذا قُتِلوا، ومن غصبها فتلفت في يده ضَمِنَها كالقِنَّة، وفي تزويجها أقوالٌ أظهرها: للسَّيِّد الاستقلالُ به؛ لأنَّه يملك إجارتها ووطأها كالمُدَبَّرة، والثَّاني قاله في القديم: لا يزوِّجها إلَّا برضاها، والثَّالث: لا يجوز وإن رضيت، وعلى هذا هل يزوِّجها القاضي؟ وجهان: أحدهما (٦): نعم بشرط (٧) رضاها ورضا السَّيِّد، والثَّاني: لا.
(٩) (باب) جواز (بَيْعِ المُدَبَّرِ) وهو الذي علَّق سيِّده عتقه على الموت، وسُمِّي به؛ لأنَّ الموت دبر الحياة، وقيل: لأنَّ السَّيِّد دبَّر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته (٨) بإعتاقه.
٢٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ:
стр. 5318
أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا) أي: من الأنصار يُسمَّى بأبي مذكورٍ (عَبْدًا لَهُ) يُسمَّى يعقوب (عَنْ دُبُْرٍ) بضمِّ الدَّال المهملة والمُوحَّدة وسكونها أيضًا (١)، أي: بعد موته، يُقال: دبَّرتَ العبد؛ إذا علَّقتَ عتقَه بموتك؛ وهو التَّدبير كما مرَّ، أي أنَّه يُعتَق بعدما يُدبِّر سيِّدهُ ويموت (فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِهِ) أي: بالعبد (٢) (فَبَاعَهُ) من نعيمٍ النَّحَّام بثمان مئة (٣) درهمٍ، فدفعها إليه كما عند المؤلِّف [خ¦٦٧١٦] وفي لفظٍ لأبي داود: فبيع بسبع مئةٍ أو بتسع مئةٍ. (قَالَ جَابِرٌ) ﵁: (مَاتَ الغُلَامُ) يعقوب (عَامَ أَوَّلَ) بالفتح على البناء، وهو من باب إضافة الموصوف لصفته، وله نظائر، فالكوفيُّون يجيزونه، والبصريُّون يمنعونه، ويؤوِّلون ما ورد من ذلك على حذف مضافٍ تقديره هنا: عام الزَّمن الأوَّل، أو نحو ذلك (٤)، واختُلِف في بيع المُدبَّر على مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الشَّافعيِّ، والمشهور من مذهب أحمد، وحكاه الشَّافعيُّ عن التَّابعين وأكثر الفقهاء، كما نقله عنه البيهقيُّ في «معرفة الآثار» لهذا الحديث؛ لأنَّ الأصل عدم الاختصاص بهذا الرَّجل.
الثَّاني: المنع مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة، وحكاه النَّوويُّ عن جمهور العلماء والسَّلف من الحجازيِّين والشَّاميِّين والكوفيِّين، وتأوَّلوا الحديث بأنَّه لم يبع رقبته، وإنَّما باع خدمته، وهذا خلاف ظاهر اللَّفظ، وتمسَّكوا بما رُوِي عن أبي جعفرٍ محمَّد بن عليِّ بن الحسين، قال: إنَّما باع رسول الله ﷺ خدمة المُدبَّر، وهذا مرسلٌ لا حجَّة فيه، ورُوِي عنه موصولًا ولا يصحُّ،
стр. 5319
وأمَّا ما عند الدَّارقُطنيِّ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ (١) ﷺ قال: «المُدبَّر لا يُباع ولا يُوهَب، وهو حرٌّ من الثُّلث» فهو حديثٌ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ بمثله.
الثَّالث: المنع من بيعه إلَّا أن يكون على السَّيِّد دينٌ مستغرقٌ، فيُباع في حياته وبعد مماته، وهذا مذهب المالكيَّة؛ لزيادةٍ في الحديث عند النَّسائيِّ وهي: «وكان عليه دَينٌ»، وفيه: فأعطاه وقال: «اقضِ دَيْنَكَ»، وعُورِض بما عند مسلمٍ: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها» إذ ظاهره أنَّه أعطاه الثَّمن لإنفاقه، لا لوفاء دينٍ عليه (٢) به.
الرَّابع: تخصيصه بالمُدبَّر، فلا يجوز في المُدبَّرة، وهو روايةٌ عن أحمد، وجزم به ابن حزمٍ عنه، وقال: هذا تفريقٌ لا برهان على صحَّته، والقياس الجليُّ يقتضي (٣) عدم الفرق (٤).
الخامس: (٥) بيعه إذا احتاج صاحبه إليه تمسُّكًا بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٧١٦]: «ولم يكن له مالٌ غيره».
السَّادس: لا يجوز بيعه إلَّا إذا أعتقه الذي ابتاعه، وكأنَّ القائل بهذا رأى بيعه موقوفًا كبيع الفضوليِّ عند القائل به، فإن أعتقه تبيَّن أنَّ البيع صحيحٌ، وإِلَّا فلا، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن دقيق العيد: من منع بيعه مطلقًا فالحديث حجَّةٌ عليه؛ لأنَّ المنعَ الكلِّيَّ (٦) يناقضه الجوازُ الجزئيُّ، ومن أجاز بيعه في بعض الصُّور يقول: أنا أقول بالحديث في صورة كذا، فالواقعة واقعة حالٍ لا عموم لها، فلا تقوم عليَّ الحجة في المنع من بيعه في غيرها، كما يقول مالكٌ في بيع الدَّين، وقال النَّوويُّ: الصَّحيح أنَّ الحديث على ظاهره، وأنَّه يجوز بيع المُدبَّر بكلِّ حالٍ ما لم يمت السَّيِّد.
وهذا الحديث قد سبق في «البيع» [خ¦٢٢٣٠].
стр. 5320
(١٠) (باب) منع (بَيْعِ الوَلَاءِ) بفتح الواو والمدِّ: ميراث المُعتَق -بالفتح- (وَ) منع (هِبَتِهِ).
٢٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويُّ مولاهم أبو عبد الرَّحمن المدنيُّ مولى ابن عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ) أي: ولاء العتق (١) (وَعَنْ هِبَتِهِ) وقد اشتهر هذا الحديث عن (٢) عبد الله بن دينارٍ، حتَّى قال مسلمٌ في «صحيحه»: النَّاس في هذا الحديث عيالٌ عليه، وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهانيُّ بجمع طرق هذا الحديث عن عبد الله بن دينارٍ فأورده عن خمسةٍ وثلاثين نفسًا ممَّن حدَّث به عن عبد الله بن دينارٍ، وأخرج الشَّافعيُّ ﵁ من رواية أبي يوسف القاضي عن عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر (٣): «الولاء لحمةٌ كلحمة النَّسب»، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» عن أبي يعلى، وأخرجه أبو نعيمٍ من طريق عبد الله بن جعفر بن أَعْيَن عن بشرٍ، فزاد في المتن: «ولايُباع ولا يُوهَب»، ومن طريق عبد الله بن نافعٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «إنَّما الولاء نسبٌ، لا يصح بيعه ولا هبته»، والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن داود بن أبي هندٍ عن سعيد بن المُسيَّب موقوفًا عليه: الولاء لُحْمَةٌ (٤) كلُحْمَةِ النَّسب، قال ابن بطَّالٍ: أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تحويل النَّسب، وإذا كان حكمُ الولاء حكمَ النَّسب، فكما لا يُنقَل النَّسب لا يُنقَل الولاء، وكانوا في الجاهليَّة ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشَّرع عن ذلك، وقال ابن العربيِّ: معنى «الولاء لحمةٌ كلحمة النَّسب»: أنَّ الله أخرجه بالحرِّيَّة إلى النَّسب حكمًا، كما أنَّ الأب أخرجه بالنُّطفة إلى الوجود حسًّا؛ لأنَّ العبد كالمعدوم في حقِّ الأحكام لا يقضي ولا يلي
стр. 5321
ولا يشهد، فأخرجه سيِّده بالحرِّيَّة إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شَابَهَ حكمَ النَّسب نيط بالمُعتَق؛ فلذلك جاء [خ¦١٤٩٣]: «إنَّما الولاء لمن أَعْتَقَ»، وأُلحِق برتبة النَّسب فنُهِي عن بيعه وعن هبته، وأجاز بعض السَّلف نقله، ولعلَّهم لم يبلغهم الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العتق»، وأبو داود في «الفرائض» والنَّسائيُّ.
٢٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّدٍ الكوفيُّ الثِّقة الحافظ الشَّهير إلَّا أنَّه كان له أوهامٌ، لكن وثَّقه يحيى بن معينٍ وابن عبد البرِّ والعجليُّ (١) وجماعةٌ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء، بعدها طاءٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر بن عبد الله السُّلميِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ (٢) أَهْلُهَا وَلَاءَهَا) أن يكون لهم (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ) بفتح الواو وكسر الرَّاء: الدَّراهم المضروبة، وللتِّرمذيِّ: «وإنَّما الولاء لمن أعطى الثَّمن»، قالت عائشة (٣): (فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: دعا بريرة (فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا) (٤) مغيثٍ؛ لأنَّه كان عبدًا على الأصحِّ (فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) ومراد المؤلِّف من هذا الحديث -كما قاله في «فتح الباري» -: أصله «فإنَّما الولاء لمن أعتق» وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللَّفظ؛ فكأنَّه أشار إليه كعادته، ووجه الدَّلالة منه حصره في المعتِق،
стр. 5322
فلا يكون لغيره معه (١) منه شيءٌ.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ، هَلْ يُفَادَى) بضمِّ الياء وفتح الدَّال المُهمَلة بأن يعطي مالًا ويستنقذه من الأسر (إِذَا كَانَ) أخوه أو عمُّه (مُشْرِكًا؟ وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ سبق موصولًا في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٢١]: (قَالَ العَبَّاسُ) ﵁ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين وكسر القاف، ابن أبي طالبٍ، وكان العبَّاس قد أُسِر في وقعة بدرٍ، فأفدى نفسه بمئة أوقيةٍ من ذهبٍ، قاله ابن إسحاق، وقال ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وهذه المئة عن نفسه وعن ابني أخيه عقيلٍ ونوفلٍ. قال البخاري: (وَكَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ) فلو كان الأخ ونحوه من ذوي الرَّحم يُعتَق بمُجرَّد المِلْك لَعَتَقَ العبَّاس وعَقيلٌ في حصَّته من الغنيمة، وكذلك في نصيبه ﷺ ، وهو حجَّةٌ على أبي حنيفة ﵀ في أنَّ من ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه، وأُجيب: بأنَّ الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداءً، بل يتخيَّر الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والفداء والمنِّ، فالغنيمة سببٌ في (٢) الملك بشرط اختيار الإرقاق، فلا يلزم العتق بمجرَّد الغنيمة.
٢٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالك بن أنسٍ،
стр. 5323
احتجَّ به الشَّيخان، ولم يُخرِج له البخاريُّ ممَّا ينفرد به سوى حديثين، وروى له الباقون إلَّا النَّسائيَّ؛ فإنَّه أطلق القول بضعفه؛ لأنَّه أخطأ في أحاديث رواها من حفظه، لكن الذي أخرجه له البخاريُّ من صحيحِ حديثِه فلا يُحتَجُّ بشيءٍ من حديثه غير ما في «الصَّحيح» (١) من أجل ذلك. وقدح فيه النَّسائيُّ وغيره إلَّا أن يشاركه غيره فيُعتبَر به، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، وثَّقه النَّسائيُّ ويحيى بن معينٍ وأبو حاتمٍ، وتكلَّم فيه السَّاجي (٢) بكلامٍ لا يستلزم قدحًا، وقد احتجَّ به البخاريُّ والنَّسائيُّ، لكن لم يُكثِرا عنه (عَنْ مُوسَى) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عقبة» الإمام في المغازي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ أسماءهم (اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ) زاد أبو ذرٍّ: «لنا» (فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (عَبَّاسٍ) هو ابن عبد المطَّلب، وليسوا بأخواله، إنَّما هم أخوال أبيه عبد المطَّلب؛ لأنَّ أمَّه سلمى بنت عمرو بن (٣) أُحَيْحَة -بمُهمَلتين مُصغَّرًا- وهي (٤) من بني النَّجار، وأمَّا أمُّ عبَّاسٍ فهي نُتَيلة -بالنُّون والمُثنَّاة الفوقيَّة مُصغَّرًا- بنت جَنَابٍ -بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ- وليست من الأنصار اتِّفاقًا، وإنَّما قالوا: «ابن أختنا» لتكون المنَّة عليهم في إطلاقه بخلاف ما لو قالوا: ائذن لنا فلنترك لعمِّك (فِدَاءَهُ) أي: المال الذي يستنقذ به نفسه من الأسر (فَقَالَ) ﵊: (لَا تَدَعُونَ مِنْهُ) أي: لا تتركون من فدائه (دِرْهَمًا) وإنَّما لم يجبهم ﵊ إلى ذلك؛ لئلَّا يكون في الدِّين نوعٌ من (٥) محاباة، وكان العبَّاس ذا مالٍ، فاستُوفيت منه الفدية، وصُرِفت إلى الغانمين، وأراد المؤلِّف بإيراده هنا الإشارة إلى أنَّ العمَّ وابن العمِّ لا يَعتِقَان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد ملك من عمِّه العبَّاس ومن ابن عمِّه عقيلٍ بالغنيمة التي له فيها نصيبٌ، وكذلك عليٌّ ﵁ قد ملك من أخيه عقيلٍ وعمِّه العبَّاس ولم يَعْتِقا
стр. 5324
عليه، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة كما سبق، والحديث الذي تمسَّكوا به في ذلك المرويُّ عند أصحاب «السُّنن» من طريق الحسن عن (١) سَمُرة استنكره ابن المدينيِّ ورجَّح إرساله، وقال البخاريُّ: لا يصحُّ، وقال أبو داود: تفرَّد به حمَّادٌ، وكان يشكُّ في وصله، وذهب الشَّافعيُّ إلى أنَّه لا (٢) يعتق على المرء إلَّا (٣) أصولُه ذكورًا وإناثًا وإن علوا، وفروعه كذلك وإن سفلوا، لا لهذا (٤) الدَّليل بل لأدلَّةٍ أخرى، منها: قوله ﷺ : «لن يجزي ولدٌ والده إلَّا أن يجده مملوكًا، فيشتريَه، فيعتقَه» رواه مسلمٌ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] دلَّ على نفي اجتماع الولديَّة والعبديَّة، وهذا مذهب مالكٍ أيضًا، لكنَّه زاد الإخْوَة حتَّى (٥) من الأمِّ، وإنَّما خالف الشَّافعيَّة في الإِخْوَة لقصَّة عقيلٍ وعليٍّ كما مرَّ على ما لا يخفى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٤٨] و «المغازي» [خ¦٤٠١٨].
(١٢) (باب) حكم (عِتْقِ المُشْرِكِ) المصدر مضافٌ إلى الفاعل.
٢٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، غير مضافٍ، واسمه -في الأصل- عبد الله، أبو محمَّدٍ، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بكسر الحاء المُهمَلة
стр. 5325
وبالزَّاي، و «حَكِيم» بفتح المُهمَلة وكسر الكاف، ابن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى، القرشيَّ الأسديَّ، ابن أخي خديجة أمِّ المؤمنين، أسلم يوم الفتح وصحب وله أربعٌ وسبعون سنةً (¬﵁ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) وهو مشركٌ (مِئَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِئَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِئَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِئَةَ رَقَبَةٍ) في الحجِّ، لما رُوِي أنَّه حجَّ في الإسلام ومعه مئةُ بدنةٍ قد جلَّلها بالحبرة، ووقف بمئة عبدٍ وفي أعناقهم أطواق الفضَّة فنحر وأعتق الجميع، وظاهر قوله: «أنَّ حكيم بن حزام» الإرسالُ؛ لأنَّ عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن بقيَّة الحديث أوضحت الوصل، وهي قوله: (قَالَ) أي: حكيمٌ: (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا) بالحاء المُهمَلة المفتوحة والنُّون المُشدَّدة والمُثلَّثة، قال هشام بن عروة: (يَعْنِي: أَتَبَرَّرُ) بالمُوحَّدة والرَّاءين المهملتين أولاهما مُشدَّدةٌ، أي: أطلب (بِهَا) البرَّ والإحسان إلى النَّاس والتَّقرُّب إلى الله تعالى؟ (قَالَ) حكيمٌ: (فَقَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ) ليس المراد به صحَّة التَّقرُّب في حال الكفر، بل إذا أسلم ينتفع بذلك الخير الذي فَعَلَه، أو أنَّك بفعل ذلك اكتسبت طباعًا سليمةً (١) جميلةً فانتفعت بتلك الطِّباع في الإسلام، وتكون (٢) تلك (٣) العادة قد مهَّدت لك معونةً على فعل الخير، أو أنَّك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإسلام؛ لأنَّ المبادي عنوان الغايات.
وهذا الحديث قد سبق في «باب من تصدَّق في الشِّرك ثمَّ أسلم» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٣٦].
(١٣) (باب مَنْ مَلَكَ مِنَ العَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى) حذف مفعولات الأربعة للعلم بها،