← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

ولا يشهد، فأخرجه سيِّده بالحرِّيَّة إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شَابَهَ حكمَ النَّسب نيط بالمُعتَق؛ فلذلك جاء [خ¦١٤٩٣]: «إنَّما الولاء لمن أَعْتَقَ»، وأُلحِق برتبة النَّسب فنُهِي عن بيعه وعن هبته، وأجاز بعض السَّلف نقله، ولعلَّهم لم يبلغهم الحديث. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العتق»، وأبو داود في «الفرائض» والنَّسائيُّ. ٢٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّدٍ الكوفيُّ الثِّقة الحافظ الشَّهير إلَّا أنَّه كان له أوهامٌ، لكن وثَّقه يحيى بن معينٍ وابن عبد البرِّ والعجليُّ (١) وجماعةٌ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء، بعدها طاءٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر بن عبد الله السُّلميِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ (٢) أَهْلُهَا وَلَاءَهَا) أن يكون لهم (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ) بفتح الواو وكسر الرَّاء: الدَّراهم المضروبة، وللتِّرمذيِّ: «وإنَّما الولاء لمن أعطى الثَّمن»، قالت عائشة (٣): (فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: دعا بريرة (فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا) (٤) مغيثٍ؛ لأنَّه كان عبدًا على الأصحِّ (فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) ومراد المؤلِّف من هذا الحديث -كما قاله في «فتح الباري» -: أصله «فإنَّما الولاء لمن أعتق» وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللَّفظ؛ فكأنَّه أشار إليه كعادته، ووجه الدَّلالة منه حصره في المعتِق،

стр. 5322

فلا يكون لغيره معه (١) منه شيءٌ. (١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ، هَلْ يُفَادَى) بضمِّ الياء وفتح الدَّال المُهمَلة بأن يعطي مالًا ويستنقذه من الأسر (إِذَا كَانَ) أخوه أو عمُّه (مُشْرِكًا؟ وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ سبق موصولًا في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٢١]: (قَالَ العَبَّاسُ) ﵁ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين وكسر القاف، ابن أبي طالبٍ، وكان العبَّاس قد أُسِر في وقعة بدرٍ، فأفدى نفسه بمئة أوقيةٍ من ذهبٍ، قاله ابن إسحاق، وقال ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وهذه المئة عن نفسه وعن ابني أخيه عقيلٍ ونوفلٍ. قال البخاري: (وَكَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ) فلو كان الأخ ونحوه من ذوي الرَّحم يُعتَق بمُجرَّد المِلْك لَعَتَقَ العبَّاس وعَقيلٌ في حصَّته من الغنيمة، وكذلك في نصيبه ﷺ ، وهو حجَّةٌ على أبي حنيفة ﵀ في أنَّ من ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه، وأُجيب: بأنَّ الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداءً، بل يتخيَّر الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والفداء والمنِّ، فالغنيمة سببٌ في (٢) الملك بشرط اختيار الإرقاق، فلا يلزم العتق بمجرَّد الغنيمة. ٢٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالك بن أنسٍ،

стр. 5323

احتجَّ به الشَّيخان، ولم يُخرِج له البخاريُّ ممَّا ينفرد به سوى حديثين، وروى له الباقون إلَّا النَّسائيَّ؛ فإنَّه أطلق القول بضعفه؛ لأنَّه أخطأ في أحاديث رواها من حفظه، لكن الذي أخرجه له البخاريُّ من صحيحِ حديثِه فلا يُحتَجُّ بشيءٍ من حديثه غير ما في «الصَّحيح» (١) من أجل ذلك. وقدح فيه النَّسائيُّ وغيره إلَّا أن يشاركه غيره فيُعتبَر به، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، وثَّقه النَّسائيُّ ويحيى بن معينٍ وأبو حاتمٍ، وتكلَّم فيه السَّاجي (٢) بكلامٍ لا يستلزم قدحًا، وقد احتجَّ به البخاريُّ والنَّسائيُّ، لكن لم يُكثِرا عنه (عَنْ مُوسَى) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عقبة» الإمام في المغازي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ أسماءهم (اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ) زاد أبو ذرٍّ: «لنا» (فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (عَبَّاسٍ) هو ابن عبد المطَّلب، وليسوا بأخواله، إنَّما هم أخوال أبيه عبد المطَّلب؛ لأنَّ أمَّه سلمى بنت عمرو بن (٣) أُحَيْحَة -بمُهمَلتين مُصغَّرًا- وهي (٤) من بني النَّجار، وأمَّا أمُّ عبَّاسٍ فهي نُتَيلة -بالنُّون والمُثنَّاة الفوقيَّة مُصغَّرًا- بنت جَنَابٍ -بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ- وليست من الأنصار اتِّفاقًا، وإنَّما قالوا: «ابن أختنا» لتكون المنَّة عليهم في إطلاقه بخلاف ما لو قالوا: ائذن لنا فلنترك لعمِّك (فِدَاءَهُ) أي: المال الذي يستنقذ به نفسه من الأسر (فَقَالَ) ﵊: (لَا تَدَعُونَ مِنْهُ) أي: لا تتركون من فدائه (دِرْهَمًا) وإنَّما لم يجبهم ﵊ إلى ذلك؛ لئلَّا يكون في الدِّين نوعٌ من (٥) محاباة، وكان العبَّاس ذا مالٍ، فاستُوفيت منه الفدية، وصُرِفت إلى الغانمين، وأراد المؤلِّف بإيراده هنا الإشارة إلى أنَّ العمَّ وابن العمِّ لا يَعتِقَان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد ملك من عمِّه العبَّاس ومن ابن عمِّه عقيلٍ بالغنيمة التي له فيها نصيبٌ، وكذلك عليٌّ ﵁ قد ملك من أخيه عقيلٍ وعمِّه العبَّاس ولم يَعْتِقا

стр. 5324

عليه، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة كما سبق، والحديث الذي تمسَّكوا به في ذلك المرويُّ عند أصحاب «السُّنن» من طريق الحسن عن (١) سَمُرة استنكره ابن المدينيِّ ورجَّح إرساله، وقال البخاريُّ: لا يصحُّ، وقال أبو داود: تفرَّد به حمَّادٌ، وكان يشكُّ في وصله، وذهب الشَّافعيُّ إلى أنَّه لا (٢) يعتق على المرء إلَّا (٣) أصولُه ذكورًا وإناثًا وإن علوا، وفروعه كذلك وإن سفلوا، لا لهذا (٤) الدَّليل بل لأدلَّةٍ أخرى، منها: قوله ﷺ : «لن يجزي ولدٌ والده إلَّا أن يجده مملوكًا، فيشتريَه، فيعتقَه» رواه مسلمٌ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] دلَّ على نفي اجتماع الولديَّة والعبديَّة، وهذا مذهب مالكٍ أيضًا، لكنَّه زاد الإخْوَة حتَّى (٥) من الأمِّ، وإنَّما خالف الشَّافعيَّة في الإِخْوَة لقصَّة عقيلٍ وعليٍّ كما مرَّ على ما لا يخفى. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٤٨] و «المغازي» [خ¦٤٠١٨]. (١٢) (باب) حكم (عِتْقِ المُشْرِكِ) المصدر مضافٌ إلى الفاعل. ٢٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، غير مضافٍ، واسمه -في الأصل- عبد الله، أبو محمَّدٍ، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بكسر الحاء المُهمَلة

стр. 5325

وبالزَّاي، و «حَكِيم» بفتح المُهمَلة وكسر الكاف، ابن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى، القرشيَّ الأسديَّ، ابن أخي خديجة أمِّ المؤمنين، أسلم يوم الفتح وصحب وله أربعٌ وسبعون سنةً (¬﵁ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) وهو مشركٌ (مِئَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِئَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِئَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِئَةَ رَقَبَةٍ) في الحجِّ، لما رُوِي أنَّه حجَّ في الإسلام ومعه مئةُ بدنةٍ قد جلَّلها بالحبرة، ووقف بمئة عبدٍ وفي أعناقهم أطواق الفضَّة فنحر وأعتق الجميع، وظاهر قوله: «أنَّ حكيم بن حزام» الإرسالُ؛ لأنَّ عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن بقيَّة الحديث أوضحت الوصل، وهي قوله: (قَالَ) أي: حكيمٌ: (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا) بالحاء المُهمَلة المفتوحة والنُّون المُشدَّدة والمُثلَّثة، قال هشام بن عروة: (يَعْنِي: أَتَبَرَّرُ) بالمُوحَّدة والرَّاءين المهملتين أولاهما مُشدَّدةٌ، أي: أطلب (بِهَا) البرَّ والإحسان إلى النَّاس والتَّقرُّب إلى الله تعالى؟ (قَالَ) حكيمٌ: (فَقَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ) ليس المراد به صحَّة التَّقرُّب في حال الكفر، بل إذا أسلم ينتفع بذلك الخير الذي فَعَلَه، أو أنَّك بفعل ذلك اكتسبت طباعًا سليمةً (١) جميلةً فانتفعت بتلك الطِّباع في الإسلام، وتكون (٢) تلك (٣) العادة قد مهَّدت لك معونةً على فعل الخير، أو أنَّك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإسلام؛ لأنَّ المبادي عنوان الغايات. وهذا الحديث قد سبق في «باب من تصدَّق في الشِّرك ثمَّ أسلم» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٣٦]. (١٣) (باب مَنْ مَلَكَ مِنَ العَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى) حذف مفعولات الأربعة للعلم بها،

стр. 5326

ثمَّ عطف على قوله: «مَلَكَ» قوله: (وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ) قال في «الصِّحاح»: الذُّرِّيَّة: نسل الثَّقلين، يُقال: ذرأ الله الخلق، أي: خلقهم إلَّا أنَّ العرب تركت همزها (١)، والمراد: الصِّبيان، والعرب هم الجيل المعروف من النَّاس، وهم سكَّان الأمصار، أو عامٌّ، والأعراب منهم سكَّان البادية خاصَّةً، ولا واحد له من لفظه، ويُجمَع على أعاريب، قال في «القاموس»: والعَرَبَةُ مُحرَّكَةٌ: ناحيةٌ قرب المدينة، وأقامت قريشٌ بعَرَبَةَ، فنُسِب العرب إليها، وهي: باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل ﵊، وقد ساق المؤلِّف هنا أربعة أحاديث دالَّةً على ما ترجم به إلَّا البيع، لكن في بعض طرق حديث أبي هريرة ذكره كما سيأتي إن شاء الله تعالى (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله: «من مَلَك»: (﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله تعالى: عبدًا» (﴿مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾) قال العوفيُّ عن ابن عبَّاسٍ: هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر والمؤمن، واختاره ابن جريرٍ، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيءٍ مثل الكافر، والمرزوق الرِّزق الحسن مثل المؤمن، وقال ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: هو مَثَلٌ مضروبٌ للوثن (٢) وللحقِّ تعالى، أي: مَثَلُكم في إشراككم بالله الأوثان مَثَلُ مَنْ سوَّى بين عبدٍ مملوكٍ عاجزٍ عن التَّصرُّف، وبين حرٍّ قادرٍ (٣) مالكٍ قد رزقه الله مالًا، فهو يتصرَّف فيه وينفق منه كيف يشاء، وتقييد العبد بالمملوك للتَّمييز من الحرِّ؛ لأنَّ اسم العبد يقع عليهما جميعًا؛ لأنَّهما (٤) من عباد الله تعالى، وسلب القدرة في قوله: ﴿لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ للتَّمييز عن المُكاتَب والمأذون له، فإنَّهما (٥) يقدران (٦) على التَّصرُّف،

стр. 5327

وجعله قسيمًا للمالك المتصرِّف يدلُّ على أنَّ المملوك لا يملك، و ﴿مَن﴾ في قوله: ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا (١)﴾ موصوفةٌ على الأظهر لتطابق ﴿عَبْدًا﴾ وجمع الضَّمير في ﴿يَسْتَوُونَ﴾ لأنَّه للجنسين، أي: هل يستوي الأحرار والعبيد؟! (﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾) شكرٌ على بيان الأمر (٢) بهذا المثال وعلى إذعان الخصم كأنَّه لمَّا (٣) قال: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ قال الخصم: لا، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ ظهرت الحُجَّة (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]) أبدًا، ولا يداخلهم إيمانٌ (٤). ووجه مطابقة هذه الآية للتَّرجمة من جهة أنَّ الله تعالى أطلق القول في العبد المملوك، ولم يقيِّده بكونه عجميًّا، فدلَّ على أنَّ العبد يكون عجميًّا وعربيًّا، قاله ابن المنيِّر. ٢٥٣٩ - ٢٥٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، الجمحيُّ

стр. 5328

مولاهم المصريُّ (١) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالد بن عَقيلٍ -بالفتح- وفي نسخةٍ: «حدَّثني» بالإفراد «عُقَيلٌ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (ذَكَرَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير، وفي «الشُّروط» [خ¦٢٧١١]: أخبرني عروة (أَنَّ مَرْوَانَ) بن الحكم (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وهذه الرِّواية مُرسَلةٌ؛ لأنَّ مروان لا صحبةَ له، وأمَّا المسور (٢) فلم يحضر القصَّة؛ لأنَّه إنَّما قدم مع أبيه وهو صغيرٌ بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة قبل ذلك بسنتين، وحينئذٍ فلم يُصِبْ من أخرجه من أصحاب «الأطراف» في مُسنَد المِسْوَر أو مروان، ووقع في أوَّل «الشُّروط» [خ¦٢٧١١] من طريق شيخ المؤلِّف يحيى ابن بكيرٍ عن اللَّيث عن عقيلٍ عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزُّبير: أنَّه سمع مروان والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكر قصَّة الحديبية (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) زاد في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧]: مسلمين (فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ) لهم ﵊: (إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) بالرَّفع خبر المبتدأ الذي هو: «أَحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (٣) (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا المَالَ، وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ) أي: أخَّرت قسم السَّبي ليحضروا (٤). (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي وتركه بالجعرانة (حِينَ قَفَلَ) رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجعرانة، وقسم بها الغنائم (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ) أي: للوفد (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) المال أو السَّبي (قَالُوا: فَإِنَّا) وللحَمُّويي والمُستملي: «إنَّا» (نَخْتَارُ سَبْيَنَا) زاد في «مغازي ابن عقبة»: ولا نتكلَّم في شاةٍ ولا بعيرٍ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاؤونَا) ولأبي ذرٍّ: «قد جاؤونا» حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) بضمِّ الياء وفتح الطَّاء وتشديد الياء، أي: من أحبَّ أن يُطَيِّبَ بدفع السَّبي إلى هوازن نفسه (فَلْيَفْعَلْ) جواب «من» المتضمِّنة معنى الشَّرط، فلذا دخلت عليه الفاء (وَمَنْ أَحَبَّ) أي: منكم (أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ (٥)) نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ)

стр. 5329

أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) أي: يرجع إلينا من أموال الكفَّار من غنيمةٍ، أو خراجٍ، أو غير ذلك، ولم يرد الفيء الاصطلاحيَّ وحده، و «يُفيء» بضمِّ أوَّله، من: أفاء (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «طيَّبنا لك ذلك» (قَالَ) ﵊: (إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ) زاد في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧]: «في ذلك» (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) أراد ﵊ بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: النَّاس (طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) له ﵊ أن يردَّ السَّبي إليهم، قال الزُّهريُّ: (فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ) وزاد في «الهبة» [خ¦٢٦٠٧]: هذا آخر قول الزُّهريِّ، يعني: فهذا الذي بلغنا. انتهى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مَنْ مَلَكَ رقيقًا من العرب فوَهَب». (وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ ممَّا سبق موصولًا، ونبَّهت عليه قريبًا في «باب إذا أُسِرَ أخو الرَّجل» [خ¦٢٥٣٧]: (قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) وأوَّله: أُتي النَّبيُّ ﷺ بمالٍ من البحرين، فقال: «انثروه في المسجد»، وفيه: فجاء العبَّاس فقال: يا رسول الله، أعطني فإنِّي فاديت … إلى آخره [خ¦٤٢١]. ٢٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الحاء، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن شقيقٍ» أبو عبد الرَّحمن، العبديُّ مولاهم المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك، المروزيُّ، قال (١): (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون (٢)، عبد الله بن (٣) أرطبان البصريُّ (قَالَ: كَتَبْتُ) وفي نسخةٍ: «كَتَبَ» (٤) (إِلَى نَافِعٍ)

стр. 5330

مولى ابن عمر (فَكَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (١)، أي: نافعٌ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ) ولمسلمٍ من طريق سُلَيم بن أخضر عن ابن عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ أسأله عن الدُّعاء (٢) قبل القتال؟ قال: فكتب إليَّ: إنَّما كان ذلك في أوَّل الإسلام، قد أغارَ رسول الله ﷺ (عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ) بضمِّ الميم وسكون الصَّاد وفتح الطَّاء المهملتين وبعد اللَّام المكسورة قافٌ: بطنٍ من خزاعة، وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ (وَهُمْ غَارُّونَ) بالغين المُعجَمة وتشديد الرَّاء، جمع غارٍّ، بالتَّشديد، أي: غافلون، أي: أخذهم على غرَّةٍ (وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف (عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ) (٣) أي: الطَّائفة الباغية (٤) (وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ) بتشديد الياء وقد تُخفَّف، وفي هذا جواز الإغارة على الكفَّار الذين بلغتهم الدَّعوة من غير إنذارٍ بالإغارة، لكنَّ الصَّحيحَ استحبابُ الإنذار، وبه قال الشَّافعيُّ واللَّيث وابن المنذر والجمهور، وقال مالكٌ: يجب الإنذار مطلقًا، وفيه جواز استرقاق العرب؛ لأنَّ بني المصطلق عربٌ من خزاعة (٥) كما مرَّ، وهذا قول إمامنا الشَّافعيِّ في الجديد، وبه قال مالكٌ وجمهور أصحابه وأبو حنيفة، وقال جماعةٌ من العلماء: لا يُسْتَرَقُّون لشرفهم، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم (وَأَصَابَ) ﵊ (يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية وسكون الأولى، بنت الحارث بن أبي ضِرَارٍ -بكسر المعجمة وتخفيف الرَّاء- ابن الحارث بن مالك بن المصطلق، وكان أبوها سيِّدَ قومه، وقيل: وقعت في سهم ثابت بن قيسٍ، وكاتبته نفسها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوَّجها، فأرسل النَّاس ما في أيديهم من السَّبايا المصطلقيَّة ببركة مُصاهَرة النَّبيِّ ﷺ ، فلا تُعلَم امرأةٌ أكثر بركةً على قومها

стр. 5331

منها. قال نافعٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِهِ) أي (١): بالحديث (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَكَانَ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ). ٢٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التَّيميِّ (٢) مولاهم المدنيِّ المعروف بربيعة الرَّأي (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المُوحَّدة وبعد الألف نونٌ (عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وتسكين (٣) التَّحتيَّتين، بينهما راءٌ وآخره زايٌ، وهو عبد الله بن مُحَيريز بن جنادة بن وهب، الجُمَحيِّ -بضمِّ الجيم وفتح الميم، بعدها مهملةٌ- المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ (¬﵁ فَسَأَلْتُهُ) عن العزل (فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا (٤) مِنْ سَبْيِ العَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا العَزْلَ) أي: نزع الذَّكر من الفرج بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج دفعًا لحصول الولد المانع من البيع، والمرأة تتأذَّى بذلك، ولأبي ذرٍّ: «وأحببنا الفداء» (فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا) أي: لا بأس عليكم أن تفعلوا، و «لا» مزيدةٌ (٥)، واختار إمامنا الشَّافعيُّ

стр. 5332

جوازه عن الأَمَة مطلقًا، وعن الحرَّة بإذنها، نعم هو مكروهٌ؛ لأنَّه طريقٌ إلى قطع النَّسل، ولذا ورد: «العزلُ الوأدُ الخفيُّ»، وفي حديث جابرٍ عند مسلمٍ التَّصريحُ بالتَّجويز حيث قال: «اعزل عنها إن شئت»، ويأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- في «النِّكاح» [خ¦٥٢١٠] (مَا مِنْ نَسَمَةٍ) أي: ما من نفس (كَائِنَةٍ) في علم الله (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كَائِنَةٌ) في الخارج، لابدَّ من مجيئها من العدم إلى الوجود سواءٌ (١) عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم، فإنَّه إن كان الله تعالى قدَّر خلقها سبقكم الماء، فلا ينفعكم الحرص، وعند أحمد في «مُسنَده»، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أنسٍ: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ يسأل عن العزل، فقال: «لو أنَّ الماء الذي يكون منه الولد أهرقْتَه على صخرةٍ لأخرجَ الله منها -أو يُخرِج (٢) الله منها- ولدًا، وليخلُقَنَّ الله نفسًا هو خالقُها». ٢٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النَّسائيُّ، والد أبي بكر بن أبي خيثمة، ثقةٌ، روى عنه مسلمٌ أكثر من ألف حديثٍ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضمِّ الزَّاي وسكون الرَّاء وفتح العين المهملة، هرم بن جرير بن عبد الله البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي

стр. 5333

تَمِيمٍ) هو (١) ابن مرَّة (٢) بن أُدِّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) محمَّدٌ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن قُرْطٍ، بضمِّ القاف وسكون الرَّاء، وهو السَّابق قريبًا (عَنِ المُغِيرَةِ) بن مِقْسَمٍ -بكسر الميم وسكون القاف- الضَّبِّيِّ مولاهم أبي هشامٍ الكوفيِّ (عَنِ الحَارِثِ) بن يزيدٍ (٣)، العكليِّ التَّميميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ عُمَارَةَ) بن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذرٍّ: «مذ» (ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليالٍ (سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ) أي: في بني تميمٍ (سَمِعْتُهُ يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ) أي: صدقات بني تميمٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا) لاجتماع نسبهم بنسبه الشَّريف ﵊ في إلياس بن مضر (وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ) بفتح السِّين وكسر المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، لكن عند الإسماعيليِّ: «وكانت على عائشة نسمةٌ من بني إسماعيل»، قال ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها، وعند أبي عوانة من رواية الشَّعبيِّ: وكان على عائشة مُحرَّرٌ، وبيَّن الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من رواية الشَّعبيِّ المراد بالذي كان عليها وأنَّه كان نذرًا، وعنده في «الكبير»: أنَّها قالت: يا نبيَّ الله، إنِّي نذرت عتيقًا من ولد إسماعيل، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «اصبري حتَّى يجيء فيء بني العنبر غدًا»، فجاء فيءُ بني العنبر (٤)، فقال لها: «خذي منهم أربعةً» فأخذت منهم (٥) رُدَيحًا -بمُهمَلاتٍ مُصغَّرًا- وزُبَيبًا -

стр. 5334

بالزَّاي والمُوحَّدتين (١) مُصغَّرًا أيضًا- وهو ابن ثعلبة، وزُخَيًّا: بالزَّاي والخاء المعجمتين، مُصغَّرًا أيضًا، وسَمُرة، أي: ابن عمرٍو فمسح النَّبيُّ ﷺ على رؤوسهم وبرَّك عليهم، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي تعيَّن لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة، إمَّا رُدَيحٌ، وإمَّا زُخَيٌّ، ففي «سنن أبي داود» من حديث الزُّبَيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك. انتهى. (فَقَالَ) ﵊ لعائشة: (أَعْتِقِيهَا) أي: النَّسمة (فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وفيه دليلٌ على جواز استرقاق العرب وتملُّكهم كسائر فرق العجم إلَّا أنَّ عتقهم أفضل، لكن قال ابن المنيِّر (٢): تملُّك العرب لا بدَّ عندي فيه من تفصيلٍ وتخصيصٍ للشُّرفاء، فلو كان العربيُّ مثلًا من ولدِ فاطمةَ ﵂، فلو فرضنا أنَّ حَسَنيًّا أو حُسينيًّا تزوَّج أَمَةً بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبيِّ من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه (٣)، فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حرِّيَّته حتمًا، وقد ساق المؤلِّف حديث أبي هريرة هذا هنا عن شيخين له، كلٌّ منهما حدَّثه به عن جريرٍ، لكنَّه فرَّقه لأنَّ أحدهما زاد فيه عن جريرٍ إسنادًا آخر، وساقه هنا على لفظ محمَّد بن سَلَامٍ، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٦] على لفظ زهير بن حربٍ، وقد أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» عن زهير، والله أعلم. (١٤) (باب: فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا) زاد النَّسفيُّ: «وأعتقها»، وسقط له ولأبي ذرٍّ لفظ «فضل». ٢٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن رَاهُوْيَه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ) أي:

стр. 5335

ابن غزوان (عَنْ مُطَرِّفٍ) هو ابن طريفٍ، الحارثيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، الحارث بن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَعَالَهَا) أي: أنفق عليها، من عال الرَّجلُ عيالَه يعولُهم، إذا قام بما يحتاجون إليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فعلَّمها» من التعليم وهو المناسب للتَّرجمة (فَأَحْسَنَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (١): «وأحسن» (إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ بالنِّكاح والتَّعليم، وأجرٌ بالعتق، قال المهلَّب: فيه أنَّ من تواضع في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشَّرف رُجِي له جزيل الثَّواب. وتأتي مباحث هذا الحديث في «كتاب النِّكاح» -إن شاء الله تعالى- وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وقد سبق في «باب تعليم الرَّجل أمته وأهله» من «كتاب العلم» [خ¦٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (١٥) (باب) ذكر (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) وهذا وصله المؤلِّف بالمعنى من حديث أبي ذرٍّ ومن حديث جابرٍ وصحابيٍّ لم يُسَمَّ في «الأدب المفرد». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾) صنمًا أو غيره، أو شيئًا من الإشراك، جليًّا أو خفيًّا (﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾) وبصاحب القرابة (﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾) الذي قرب جواره (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾) البعيد (﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾) الرَّفيق في أمرٍ حسنٍ، كتعلُّمٍ وتصرُّفٍ وصناعةٍ وسفرٍ، فإنَّه صحبك وحصل بجنبك، وقيل: المرأة (﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) العبيد والإماء (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾) متكبِّرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه وعبيده وإمائه، ولا يلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يتفاخر عليهم، يرى أنَّه خيرٌ منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، واقتصر في رواية أبي ذرٍّ من أوَّل الآية إلى

стр. 5336

آخر (١) قوله تعالى: «﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾»، ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿مُخْتَالاً فَخُورًا﴾»، وزاد في روايته: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «ذِي القُرْبَى» أي: القريب، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة، ولفظه: يعني: الذي بينك وبينه قرابةٌ، والجنب: الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابةٌ، وقيل: القريب: المسلم، والجنب: اليهوديُّ والنَّصرانيُّ، رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ، وفي غير رواية أبي ذرٍّ ممَّا في «اليونينيَّة» وغيرها: «الجار الجنب» يعني: الصَّاحب في السَّفر، وهذا قاله مجاهدٌ وقتادة. ٢٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) عبد الرَّحمن العسقلانيُّ، الفقيه العابد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (٢) قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) هو ابن حَبَّان -بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة- الأسديُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ المَعْرُورَ) بفتح الميم وسكون العين المُهمَلة وبضمِّ الرَّاء الأولى، ولأبي ذرٍّ: «سمعت معرور» (بْنَ سُوَيْدٍ) الأسديَّ، أبا أميَّة الكوفيَّ، عاش مئةً وعشرين سنةً (٣) (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ) جندب بن جنادة (الغِفَارِيَّ ﵁¬) زاد في «الإيمان» [خ¦٣٠] من وجهٍ آخر عن شعبة: بالرَّبذة، وهو موضعٌ بالبادية على ثلاث مراحل من المدينة (٤) (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) من بُرُود اليمن، ولا تُسمَّى حُلَّةً إلَّا إذا كانت ثوبين من جنسٍ واحدٍ (وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) مثلها، ولم يُسَمَّ الغلام (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ) بضمير المفعول، وسقط لأبي ذرٍّ، والمعنى: سألناه عن السَّبب في إلباسه غلامه مثل لبسه؛ لأنَّه على (٥) خلاف المعهود (فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ)

стр. 5337

بفتح المُوحَّدة الأولى وسكون الثَّانية، أي: وقع بيني وبينه سبابٌ -بالتَّخفيف- وهو من السَّبِّ -بالتَّشديد- و (١) عند الإسماعيليِّ: «شاتمت» (رَجُلًا) قيل: هو بلالٌ المؤذِّن مولى أبي بكرٍ، وزاد مسلمٌ: من إخواني، وزاد المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦٣٠]: فعيَّرته بأمِّه (فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟) زاد في «الإيمان» [خ¦٣٠]: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ»، أي: خصلةٌ من خصال الجاهليَّة، وفيه دليلٌ (٢) على جواز تعدية «عيَّرت» بالباء (٣)، وقد أنكره ابن قتيبة، وتبعه غيره، وقالوا: إنَّما يُقال: عيَّرته أمَّه، وأثبت آخرون أنَّها لغةٌ، والحديث حجَّةٌ لهم في ذلك (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) أي: مماليككم إخوانُكم، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، واعتبار الأخوَّة إمَّا من جهة آدم، أي: إنَّكم متفرِّعون من أصلٍ واحدٍ، أو من جهة الدِّين (خَوَلُكُمْ) بفتح الخاء المعجمة والواو، أي: خَدَمُكم، سُمُّوا بذلك لأنَّهم يتخوَّلون الأمور، أي: يصلحونها، ومنه الخوليُّ لمن يقوم بإصلاح (٤) البستان، أو التَّخويل: التمليك (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) أي: ملككم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ) ملكه، ولأبي ذرٍّ: «يديه» بالتَّثنية (فَلْيُطْعِمْهُ) على سبيل النَّدب (مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ) على سبيل النَّدب أيضًا (مِمَّا يَلْبَسُ) أي: من جنس كلٍّ منهما، والمراد: المواساة، لا المساواة من كلِّ وجهٍ، نعم الأخذ بالأكمل -وهو المساواة، كما فعل أبو ذرٍّ- أفضلُ، فلا يستأثر المرء على عياله وإن كان جائزًا، قال النَّوويُّ: يجب على السَّيِّد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواءٌ كان من جنس نفقة السَّيِّد ولباسه أو فوقه، حتَّى لو قَتَّر السَّيِّد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله إمَّا زهدًا أو شحًّا، لا يحلُّ له التَّقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلَّا برضاه (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ) أي: من العمل (مَا يَغْلِبُهُمْ) لصعوبته أو

стр. 5338

عظمته، وهذا على سبيل الوجوب، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: إلَّا ما تسعه قدرتها فضلًا ورحمة وإرشادًا وتعليمًا لنا كيف نفعل فيما ملَّكَنَا تعالى (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ممَّا يغلبهم»، وسقط «ما يغلبهم» في «كتاب الإيمان» كما مرَّ (١) [خ¦٣٠] وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ هنا: قوله: «فإن كلَّفتموهم»، أي: ما يغلبهم، وحُذِف للعلم به فسهوٌ، نعم هو صحيحٌ بالنِّسبة لما في «كتاب الإيمان» كما مرَّ، يعني: إن كلَّفتم العبيد جنس ما يطيقونه فإن استطاعوه فذاك، وإلَّا (فَأَعِينُوهُمْ) عليه. وهذا الحديث قد سبق في «باب المعاصي من أمر الجاهليَّة» في «كتاب الإيمان» (٢) [خ¦٣٠]. (١٦) (باب) بيان ثواب (العَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ) بأن أقامها بشروطها (وَنَصَحَ سَيِّدَهُ). ٢٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ الحارثيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم، ابن أنسٍ الأصبحيِّ المدنيِّ، إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: العَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ) قال الكِرمانيُّ: النَّصيحة كلمةٌ جامعةٌ معناها: حيازة الحظِّ للمنصوح له، وهو إرادة صلاح حاله، وتخليصه من الخلل، وتصفيته من الغشِّ (وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ) المتوجِّهة عليه بأن أقامها بشروطها وواجباتها ومستحبَّاتها (٣) (كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) لقيامه بالحقَّين، وانكساره بالرِّقِّ، واستُشكِل هذا من جهة أنَّه يُفهَم منه أنَّه يُؤجَر على العمل الواحد مرَّتين، مع أنَّه لا يُؤجَر على كلِّ عملٍ إلَّا مرَّةً واحدةً؛ لأنَّه أتى بعملين، وكذا كلُّ آتٍ (٤) بطاعتين يُؤجَر على كلِّ واحدةٍ أجرها، فلا خصوصيَّة للعبد بذلك، وأُجيب: بأنَّ التَّضعيف مختصٌّ بالعمل الذي تتَّحد فيه طاعة الله وطاعة السَّيّد، فيعمل عملًا واحدًا ويُؤجَر عليه

стр. 5339

أجرين بالاعتبارين، وأمَّا العمل المختلف الجهة فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، أو المراد: ترجيح العبد المؤدِّي للحقَّين على العبد المؤدِّي لأحدهما، وقال ابن عبد البرِّ: لأنَّه لمَّا قام بالواجبين كان له ضعفا (١) أجر الحرِّ المطيع؛ لأنَّه فَضَلَ الحرَّ بطاعةِ مَنْ أمره الله تعالى بطاعته. وعُورِض: بأنَّ مزيد الفضل للعبد إنَّما هو لانكساره بالرِّقِّ، فلو كان التَّضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختصَّ العبد (٢) بذلك. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأيمان والنُّذور». ٢٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبد الله العبديُّ، وثَّقه أبو حاتمٍ وأحمد ابن حنبل قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن صالح بن حيٍّ، ويُقال: ابن حيَّان، قال أحمد: ثقةٌ ثقةٌ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ﵁¬) أنه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أدَّبها» بإسقاط الفاء (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) ولأبي ذرٍّ: «تعليمها» (وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ بالعتق، وأجرٌ بالتَّعليم والتَّزويج (وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ في عبادة ربِّه، وأجرٌ في قيامه بحقِّ مواليه، لكنَّ الأجرين (٣) غير متساويين؛ لأنَّ طاعةَ الله أوجبُ من طاعة الموالي، قاله الكِرمانيُّ، وعُورِض: بأنَّ طاعة المولى المأمور بها هي من طاعة الله تعالى، قال ابن عبد البرِّ: وفي الحديث أنَّ العبد المؤدِّي لحقِّ الله وحقِّ سيِّده أفضل من الحرِّ، ويعضده ما رُوِي عن المسيح ﵊ أنَّه قال: مرُّ الدُّنيا حلو الآخرة، وحلو الدُّنيا مرُّ الآخرة، وللعبوديَّة مضاضةٌ ومرارةٌ لا تضيع عند الله تعالى.

стр. 5340

٢٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ) في عبادة ربِّه النَّاصح لسيِّده (أَجْرَانِ) فإن قلت: يلزم أن يكون أجر المملوك أضعف أجرًا (١) من السَّيِّد (٢)، أجيب بأنَّه لا محذورَ في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون لسيِّده جهاتٌ أخرى يستحقُّ بها أضعاف أجر العبد، قال أبو هريرة ﵁: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي) اسمها أُمَيْمَة -بالتَّصغير- بنت صُبَيحٍ أو صُفَيحٍ -بالموحَّدة أو الفاء- ابن الحارث، وهي صحابيَّةٌ ثبت ذكر إسلامها في «صحيح مسلمٍ»، وبيان اسمها في «الذَّيل» لأبي موسى، و «جزء (٣) إسحاق بن إبراهيم بن شاذان»، والمعنى: لولا القيام بمصحلة أمِّي في النَّفقة والمؤن والخدمة ونحو ذلك ممَّا لا يمكن فعله من الرَّقيق (لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ) وإنَّما استثنى أبو هريرة ذلك؛ لأنَّ الجهاد والحجَّ يُشتَرط فيهما إذن السَّيِّد، وكذا برُّ الأمِّ قد يحتاج فيه إلى إذن السَّيِّد في بعض وجوهه، بخلاف بقيَّة العبادات البدنيَّة، وهذه الجملة من قوله: «والذي نفسي بيده … » إلى آخره ليست مرفوعةً، بل هي مُدرَجةٌ من قول أبي هريرة ﵁، كما جزم به غير واحدٍ من أئمَّة المحدِّثين، ويشهد له من حيث (٤) المعنى قوله: «وبرُّ أمِّي»، فإنَّه لم يكن للنَّبيِّ ﷺ حينئذٍ أمٌّ يبرُّها، وأمَّا توجيه الكِرمانيِّ -بأنَّه ﵊ أراد به تعليم أمَّته، أو أورده على سبيل فرض حياتها، أو المراد: أمُّه حليمة السَّعديَّة التي أرضعته- فمردودٌ بما ورد من التَّنصيص على الإدراج، فعند الإسماعيليِّ من طريقٍ أخرى عن ابن المبارك: والذي نفس أبي هريرة بيده … إلى آخره، وكذا أخرجه مسلمٌ من

стр. 5341

طريق عبد الله بن وهبٍ وأبي صفوان الأمويِّ، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق سليمان ابن بلالٍ، وأبو (١) عوانة من طريق عثمان بن عمر (٢). ٢٥٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نِعْمَ مَا) بكسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، كذا في الفرع وغيره، وقال في «الفتح»: بفتح النُّون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، قلت: وبها قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ والأعمش في قوله تعالى: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] في سورة البقرة (٣) على الأصل؛ لأنَّ الأصل: نَعِمَ (٤) كعَلِم، ويجوز كسر النُّون إتباعًا لكسرة العين مع تشديد الميم، وهي لغة هُذَيلٍ، وكسر النُّون مع إسكان العين، وهي قراءة قالون وأبي (٥) عمرٍو وأبي بكرٍ وأبي جعفرٍ واليزيديِّ (٦) والحسن، واختاره أبو عبيدٍ، وحكاه لغةً للنَّبيِّ ﷺ في قوله: «نعمَّا المالُ الصَّالح»، وتصحيح الحاكم في «المستدرك» فتحَ النُّون وكسر العين روايةٌ أخرى، فلا يمنع، لكنَّ بعضهم يجعل الإسكان من وَهْم الرُّواة عن أبي عمرٍو، وممَّن أنكره المُبرِّد والزَّجَّاج والفارسيُّ؛ لأنَّ فيه جمعًا بين ساكنين (٧) على غير حدِّهما، قال المبرِّد: لا يقدر أحدٌ أن ينطق به، وإنَّما يروم (٨) الجمع بين ساكنين، فيحرِّك ولا يشعر، وقال الفارسيُّ: لعلَّ أبا عمرٍو أخفى عينه (٩)، فظنَّه الرَّاوي

стр. 5342

سكونًا، وأُجيب: بأنَّ الأصلَ في جامع شروط الرِّواية الضَّبطُ، واغتُفِر التقاء السَّاكنين وإن كان الأوَّل غير مدٍّ لعروضه كالوقف، وتجويز هذه الأوجه حكاه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عند قوله: «نعمَّا للمملوك (١)» المضبوط في الرِّواية فيه: بكسر النُّون والعين وتشديد الميم، أمَّا في رواية البخاريِّ فالذي رأيته في كثيرٍ من الأصول المعتمدة ورويته: كسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، ومن حفظ غير ما ذكرته في رواية البخاريِّ فهو حجَّةٌ، وفاعل «نِعْمَ» ضميرٌ مستترٌ فيها مُفسَّرٌ بقوله: «يُحسِن»، أي: نعمَّا مملوكٌ (لأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) ولمسلمٍ من طريق همَّام بن منبِّهٍ عن أبي هريرة: «نِعِمَّا للمملوك أن يُتوفَّى (٢) يُحسِن عبادةَ الله وصحابةَ سيِّده، نِعِمَّا له»، وأمَّا قول ابن مالكٍ رحمه الله تعالى: إنَّ «ما» مساويةٌ للضَّمير في الإبهام، فلا تمييز؛ لأنَّ التَّمييز لبيان الجنس المُميَّز عنه، فقال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ رحمه الله تعالى في «المصابيح»: إنَّه مدفوعٌ بأنَّ «ما» ليس مساويًا للضَّمير؛ لأنَّ المرادَ شيءٌ عظيمٌ، قال: وموضع «يُحسِن عبادَة ربِّه … » إلى آخره تفسيرٌ لـ «ما» في المعنى، فلا محلَّ لها من الإعراب (٣). (١٧) (باب كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ) أي: التَّرافع (عَلَى الرَّقِيقِ، وَ) كراهية (قَوْلِهِ) أي: الشَّخص لمن يملكه من الرَّقيق: (عَبْدِي أَوْ أَمَتِي) كراهية تنزيهٍ (وَ) يجوز أن يقول ذلك (قَالَ اللهُ تَعَالَى) (٤) في سورة النور: (﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) (وَقَالَ) في سورة النحل: (﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]) وفي سورة يوسف ﵊: (﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]) (وَقَالَ) تعالى في سورة النساء: (﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]) جمع فتاةٍ، وهي الأَمَة

стр. 5343

(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديث أبي سعيدٍ عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٢١]: (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) يشير إلى سعد بن معاذٍ مخاطبًا للأنصار كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «قصَّة قريظة»، وقد قال ﵊ في الحسن [خ¦٢٧٠٤]: «إنَّ ابني هذا سيِّدٌ» (وَ) قال يوسف ﵊ للذي ظنَّ أنَّه ناجٍ: (﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]) أي: (سَيِّدِكَ) ولأبي ذرٍّ: «واذكرني عند ربِّك عند (١) سيِّدك»، أي: اذكر حالي عند الملك كي يخلِّصني (وَ) قال ﷺ فيما أخرجه المؤلِّف في «الأدب المفرد» من حديث جابرٍ: (مَنْ سَيِّدُكُمْ) يا بني سلمة؟ قالوا: الجُدُّ بن قيسٍ- بضمِّ الجيم وتشديد الدَّال - … الحديث، وسقط قوله «ومن سيِّدكم؟» لأبوي ذرٍّ والوقت والنَّسفيِّ، وقد دلَّ ذلك على الجواز، وحمله عليه جميع العلماء حتَّى الظَّاهريَّة. ٢٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات وتشديد ما قبل الآخر (٢)، ابن مسرهدٍ، أبو الحسن الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطَّاب قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قَالَ: (إِذَا نَصَحَ العَبْدُ سَيِّدَهُ) فقام بما يجب له (٣) عليه من الخدمة ونحوها (وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) سمَّاه عبدًا، ومالكه سيِّده، ولا ريب أنَّه إذا قام بما عليه من طاعة ربِّه وخدمة سيِّده كُرِه أن يتطاول عليه. وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٥٤٦].

стр. 5344

٢٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كريبٍ الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، مُصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المَمْلُوكُ) ولأبي ذرٍّ: «للمملوك» (الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ) فيما يسوغ شرعًا (لَهُ أَجْرَانِ) خبر المبتدأ الذي هو «المملوك»، وسقط لفظ «له» من قوله: «له (١) أجران» من رواية أبي ذرٍّ، وحينئذٍ فيكون قوله: «أجران» مبتدأً، و «للمملوك»: خبره مُقدَّمًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. ٢٥٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد ابن شبُّويه في روايته: «فقال محمَّد بن سلامٍ»، وكذا حكاه الجيَّانيُّ عن رواية ابن السَّكن، وحُكِي عن الحاكم أنَّه الذُّهليُّ، وقد أخرجه مسلمٌ عن محمَّد بن رافعٍ عن عبد الرَّزَّاق، فيحتمل أن يكون هو شيخ البخاريِّ فيه، فقد حدَّث عنه في «الصَّحيح» أيضًا، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ) لمملوك غيره: (أَطْعِمْ رَبَّكَ) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإطعام (وَضِّئْ رَبَّكَ) أمرٌ من وضَّأه يوضِّئه (اسْقِ رَبَّكَ) بهمزة وصلٍ، ويجوز قطعها مكسورةً، وفي نسخةٍ مفتوحةً، تثبت في الابتداء وتسقط في الدَّرج، ويُستعمَل ثلاثيًّا ورباعيًّا، أمرٌ من سقاه يسقيه، وسبب النَّهي عن ذلك أنَّ حقيقة الرَّبوبيَّة لله تعالى؛ لأنَّ الرَّبَّ هو المالك والقائم بالشَّيء، ولا يوجد هذا حقيقةً إلَّا له تعالى، قال الخطَّابيُّ: سبب المنع أنَّ الإنسان مربوبٌ متعبَّدٌ بإخلاص التَّوحيد لله تعالى وترك الإشراك معه، فكُرِه له المضاهاة بالاسم؛ لئلَّا يدخل في معنى الشِّرك، ولا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، وأمَّا من لا تعبُّدَ عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يُكرَه أن يطلق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: ربُّ الدَّار والثَّوب، فإن قلت: قد قال تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] و ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] وأُجيب: بأنَّه ورد لبيان الجواز، والنَّهيُ

стр. 5345

للأدب والتَّنزيه دون التَّحريم، أو النَّهي عن الإكثار من ذلك، واتِّخاذ هذه اللَّفظة عادةً، ولم ينه عن إطلاقها في نادرٍ من الأحوال، وهذا اختاره القاضي عياضٌ، وتخصيص الإطعام وما بعده بالذِّكر لغلبة استعمالها في المخالطات (١)، ويدخل في النَّهي أن يقول السَّيِّد ذلك عن نفسه، فإنَّه قد يقول لعبده: اسق ربَّك، فيضع الظَّاهر موضع الضَّمير على سبيل التَّعظيم لنفسه، بل هذا أولى بالنَّهي من قول العبد ذلك أو الأجنبيِّ ذلك عن (٢) السَّيِّد، قال في «مصابيح الجامع»: ساق (٣) المؤلِّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله ﵊ [خ¦٤١٢١]: «قوموا إلى سيِّدكم» تنبيهًا على أنَّ النَّهيَ إنَّما جاء متوجِّهًا على جانب (٤) السَّيِّد، إذ هو في مظنَّة الاستطالة، وأنَّ قول الغير: هذا عبد زيدٍ، وهذه أَمَة خالدٍ جائزٌ؛ لأنَّه يقوله إخبارًا وتعريفًا، وليس في مظنَّة الاستطالة، والآية والحديث ممَّا يؤيد هذا الفرق، وفي الحكايات المأثورة: أنَّ سائلًا وقف ببعض الأحياء، فقال: من سيِّد هذا الحيِّ؟ فقال رجلٌ: أنا، فقال له (٥): لو كنت سيِّدهم؛ لم تَقُلْهُ. وقال النَّوويُّ: المراد بالنَّهي من استعمله على جهة التَّعاظم لا من أراد التَّعريف. (وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلَايَ) ولأبي الوقت: «ومولاي» بإثبات الواو، وإنَّما فرَّق بين السَّيِّد والرَّبِّ؛ لأنَّ الرَّبَّ من أسماء الله تعالى اتِّفاقًا، واختُلِف في السَّيِّد هل هو من أسماء الله تعالى، ولم يأت في القرآن أنَّه من أسماء الله تعالى؟ نعم روى المؤلِّف في «الأدب المفرد» وأبو داود والنَّسائيُّ والإمام أحمد من حديث عبد الله بن الشِّخِّير عن النَّبيِّ ﷺ قال: «السَّيِّد الله»، فإن قلنا: إنَّه ليس من أسمائه (٦) تعالى فالفرق واضحٌ إذ لا التباس، وإن قلنا: إنَّه من أسماء الله تعالى فليس في الشُّهرة والاستعمال كلفظ الرَّبِّ، فيحصل الفرق بذلك، وأمَّا من حيث اللُّغة فالسَّيِّد من السُّؤدد، وهو التَّقديم، يُقال (٧): ساد قومه إذا تقدَّم عليهم، ولا شكَّ في تقديم السَّيِّد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق، وأمَّا المولى فقال النَّوويُّ: يقع على ستَّة عشر

стр. 5346

معنًى، منها: النَّاصر والوليُّ والمالك، وحينئذٍ فلا بأس أن يقول: مولاي أيضًا، لكن يعارضه حديث مسلمٍ والنَّسائيِّ من طريق الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة في هذا الحديث: «لا يقل أحدكم: مولاي فإنَّ مولاكم الله»، وأُجيب: بأنَّ مسلمًا قد بيَّن الاختلاف في ذلك عن الأعمش، وأنَّ منهم من ذكر هذه الزِّيادة، ومنهم من حذفها، قال عياضٌ: وحذفها أصحُّ، وقال القرطبيُّ: رُوِيَ من طرقٍ متعدِّدةٍ مشهورةٍ، وليس ذلك مذكورًا فيها، فظهر أنَّ اللَّفظ الأوَّل أرجح، وإنَّما صرنا للتَّرجيح للتَّعارض بينهما، والجمع متعذِّرٌ، والعلم بالتَّاريخ مفقودٌ، فلم يبق إلَّا التَّرجيح. (وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي) لأنَّ حقيقة العبوديَّة إنَّما يستحقُّها الله تعالى، ولأنَّ فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق، وقد بيَّن ﷺ العلَّة في ذلك حيث قال في هذا (١) الحديث عند مسلمٍ والنَّسائيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة: «لا يقولنَّ أحدكم: عبدي، فإنَّ كلَّكم عبيدُ الله»، وعند أبي داود والنَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة» أيضًا من طريق محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة: «فإنَّكم المملوكون، والرَّبُّ الله»، فنهى عن التَّطاول في اللَّفظ؛ كما نهى عن التَّطاول في الفعل (وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) لأنَّها ليست دالَّةً على الملك كدلالة «عبدي»، فأرشد ﵊ إلى ما يؤدِّي إلى المعنى مع السَّلامة من التَّعاظم مع أنَّها تُطلَق على الحرِّ والمملوك، لكنَّ إضافته تدلُّ على الاختصاص، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] وهذا النَّهي للتَّنزيه دون التَّحريم كما مرَّ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب». ٢٥٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل، عارمٌ، السَّدوسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ البصريُّ اختلط في آخر عمره، لكنَّه لم يحدِّث في حال اختلاطه (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنَ العَبْدِ) بالتَّعريف (فَكَانَ لَهُ)

стр. 5347

وقت العتق، ولأبي ذرٍّ: «كان له» (مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ) نُصِب على المفعوليَّة، أي: قيمة بقيَّته (يُقَوَّمُ) ولأبي ذرٍّ: «قُوِّمَ» (عَلَيْهِ) باقيه (قِيمَةَ عَدْلٍ) نُصِب على المفعول المطلق، و «العَدل» -بفتح العين-: الاستواء، أي: قيمة استواءٍ، لا زيادة فيه ولا نقص، أي (١): بقيمةِ (٢) يومِ الإعتاق (وَأُعْتِقَ) بضمِّ الهمزة وكسر التَّاء (مِنْ مَالِهِ) بنفس الإعتاق، ومشهور مذهب المالكيَّة: أنَّه لا يُعتَق إلَّا بدفع القيمة (وَإِلَّا) بأن كان معسرًا حال الإعتاق (فَقَدْ عَتَقَ) بفتحاتٍ من غير همزٍ (مِنْهُ) أي: ما أعتق (٣) المعتق فقط، ويبقى نصيب الشَّريك رقيقًا، ولأبي ذرٍّ: «أُعتِق» بهمزةٍ مضمومةٍ وكسر التَّاء منه (مَا عَتَقَ) بفتحاتٍ من غير همزٍ، قالوا: والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة من جهة أنَّه لو لم يحكم عليه بعتقه كلِّه عند اليسار لكان بذلك متطاولًا عليه. وقد سبق هذا الحديث في «باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين» [خ¦٢٥٢٤]. ٢٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بمُهْمَلاتٍ، ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفصٍ العمريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (¬﵁¬) وعن أبيه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ) كقاضٍ، أي: حافظٌ لما قام عليه (فَمَسْؤُولٌ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «ومسؤولٌ» (عَنْ رَعِيَّتِهِ) فإن وفى ما عليه من الرِّعاية كان له الحظُّ الأوفر، والجزاء الأكبر، وإلَّا طالبه كلُّ أحدٍ من رعيَّته بحقِّه (فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ) فيما استرعاه الله، ولأبي ذرٍّ: «فهو راعٍ عليهم» (وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ) وهذا تفصيلٌ (٤) لما أجمله (وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) زوجته وغيرها، يقوم عليهم بالحقِّ في النَّفقة وحسن المعاشرة (وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ) أي: وغيرهم كخدمه

стр. 5348

وأضيافه، بحسن التَّدبير في أمرهم، والقيام بمصالحهم (وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّه إذا كان ناصحًا لسيِّده في خدمته مؤدِّيًا له الأمانة ناسب أن يعينه، ولا يتطاول عليه (أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). وهذا الحديث سبق في «الجمعة» [خ¦٨٩٣] وفي «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٩]. ٢٥٥٥ - ٢٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ أبو غسَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ المدنيَّ المشهور ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا) أي: خمسين جلدةً، نصف جلد الحرَّة، سواءٌ كانت محصنةً أو غير محصنةٍ؛ لأنَّ الإحصان وصف كمالٍ، ولا يكون مع (١) النَّقص من الرِّقِّ، وكذا الصِّبا والجنون والمُبَعَّضَة كالأَمَة (ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا -فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ- بِيعُوهَا) أي: بعد جلدها، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فبيعوها» بفاءٍ في أوَّله (وَلَوْ بِضَفِيرٍ) بالضَّاد المعجمة، أي: حبلٍ مفتولٍ أو منسوجٍ من الشَّعر، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الأَمَة إذا زنت لا يُكرَه التَّطاول عليها، بل تُجلَد، فإن عادت بِيعت، وكلُّ ذلك مباينٌ للتَّعاظم عليها. وهذا الحديث سبق في «باب بيع العبد الزَّاني» من «كتاب البيوع» [خ¦٢١٥٣]. (١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَتَاه) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إذا أتى» أي: الشَّخص (خَادِمُهُ) سواءٌ كان حرًّا أو عبدًا، ذكرًا أو (٢) أنثى (بِطَعَامِهِ) فليجلسه معه ليأكل.

стр. 5349

٢٥٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ، أبو محمَّدٍ السُّلميُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة، أبو الحارث القرشيُّ الجمحيُّ التَّابعيُّ قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ) بالرَّفع، و «أحدَكم» منصوبٌ به (بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ) معطوفٌ على مُقدَّرٍ تقديره: «فليجلسه معه»، وفي رواية مسلمٍ: «فليقعده معه فليأكل»، وعند أحمد والتِّرمذيِّ من رواية معبد بن أبي خالدٍ عن أبيه عن أبي هريرة: «فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه»، ولابن ماجه من طريق أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة: «فليدعه فليأكل معه، فإن لم يفعل» (فَلْيُنَاوِلْهُ) من الطَّعام (لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) شكٌّ من الرَّاوي، ورواه التِّرمذيُّ بلفظ: «لقمةً» فقط، وفي رواية مسلمٍ تقييد ذلك بما إذا كان الطَّعام قليلًا (أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بضمِّ الهمزة فيهما؛ يعني: لقمةً أو لقمتين، قال في «المصابيح»: فإن قلت: ما هذا العطف؟ قلت: لعلَّ الرَّاوي شكَّ هل قال ﵊: «فليناوله لقمةً أو لقمتين»، أو قال: «فليناوله أُكلةً أو أُكلتين»، فجمع بينهما وأتى بحرف الشَّكِّ؛ ليؤدِّي المقالة كما سمعها، ويحتمل أن يكون من عطف أحد المترادفين على الآخر بكلمة «أو»، وقد صرَّح بعضهم بجوازه (فَإِنَّهُ) أي: الخادم (وَلِيَ عِلَاجَهُ) أي: الطَّعام عند تحصيل آلاته، وتحمَّل مشقَّة حرِّه ودخانه عند الطَّبخ، وتعلَّقت به نفسُه، وشمَّ رائحته، واختُلِف في حكم الأمر بالإجلاس معه (١) فقال الشَّافعيُّ: إنَّه أفضل، فإن فعل فليس بواجبٍ، أو يكون بالخيار بين أن يجلسه أو يناوله، وقد يكون أمره اختيارًا غير

стр. 5350

حتمٍ، ورجَّح الرَّافعيُّ الاحتمال الأخير، وحمل الأوَّل على الوجوب، ومعناه: أنَّ الإجلاس لا يتعيَّن، لكن إن فعله كان أفضل، وإلَّا تعيَّنت المناولة، ويحتمل أن الواجب أحدهما لا بعينه، والثَّاني أنَّ الأمر للنَّدب مطلقًا. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٦٠]. (١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَنَسَبَ النَّبِيُّ ﷺ المَالَ إِلَى السَّيِّدِ) في حديث ابن عمر: «من باع عبدًا وله مالٌ فماله للسَّيِّد» وهذا مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأبي حنيفة؛ لأنَّ الرِّقَّ منافٍ للملك. ٢٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) وهذا على سبيل الإجمال، ثمَّ فصَّله بقوله: (فَالإِمَامُ) الأعظم أو نائبه (رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) فرعايةُ الإمام ولايةُ أمور الرَّعيَّة والإحاطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعايةُ الرجل أهلَه بالقيام عليهم بالحقِّ في النَّفقة وحسن المعاشرة (١)، ورعايةُ المرأة في بيت زوجها بحسن

стр. 5351

التَّدبير في أمر بيته وأولاده وخدمه وأضيافه، ورعايةُ الخادم حفظُ ما في يده من مال سيِّده والقيام بشغله (قَالَ) أي: ابن عمر: (فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ) أي: مثل الرَّاعي (وَكُلُّكُمْ) ولأبي الوقت: «فكلُّكم» (مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) حالٌ عمل فيه معنى التَّشبيه، ووجه التَّشبيه حفظُ الشَّيء وحُسن التَّعهُّد لما استُحفِظه، وهو القدر المشترك في التَّفصيل، قاله الطِّيبيُّ، وسبق بأتمَّ من هذا [خ¦٨٩٣]. (٢٠) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا ضَرَبَ) الرَّجلُ (العَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ). ٢٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) مُصغَّرًا، أبو ثابتٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، قال الحافظ ابن حجرٍ: وكأنَّ أبا ثابتٍ تفرَّد به عن ابن وهبٍ، فإنِّي لم أره في شيءٍ من المُصنَّفات إلَّا من طريقه، قال: أبو ثابتٍ بالسَّند (قَالَ) أي: ابن وهبٍ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ فُلَانٍ) وكان ابن وهبٍ سمعه من مالكٍ، وبالقراءة على الآخر، وكان ابن وهبٍ حريصًا على تمييز ذلك، زاد أبو ذرٍّ في روايته عن المُستملي: «قال أبو إسحاق: قال أبو حربٍ: الذي قال ابنُ فلانٍ هو قول ابن وهبٍ، وهو»، أي: المبهم «ابن سمعان» (٢) يعني: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدنيَّ، وقد أخرجه الدَّارقُطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من طريق عبد الرَّحمن بن خِرَاشٍ -بكسر المعجمة- عن البخاريِّ قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمَّد بن عبيد الله المدنيُّ … فذكر الحديث، لكن قال بدل قوله: «ابن

стр. 5352

فلانٍ»: ابن سمعان، فكأنَّ البخاريَّ كنَّى به عنه (١) في «الصَّحيح» عمدًا لضعفه، فإنَّه مشهورٌ بالضَّعف، متروك الحديث، كذَّبه مالكٌ وأحمد وغيرهما، ولمَّا حدَّث به البخاريُّ خارج الصَّحيح نسبه، لكن ليس له في الصَّحيح إلَّا هذا الموضع على أنَّه لم يسق المتن من طريقه مع (٢) كونه مقرونًا، بل ساقه على لفظ رواية همَّامٍ عن أبي هريرة، وقد أخرجه أبو نعيمٍ في «المستخرج» من طريق العبَّاس بن الفضل عن أبي ثابتٍ فقال: «ابن فلانٍ»، وفي موضعٍ آخر فقال: «ابن سمعان» (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٣) (وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ، قال (٤): (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ) ولمسلمٍ من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «فليتَّقِ» بدل «فليجتنب»، و «قاتل» بمعنى: قتل، فـ «المفاعلة» ليست على ظاهرها، ويؤيِّده حديث مسلمٍ من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: «إذا ضرب»، ومثله للنَّسائيِّ من طريق عجلان، ولأبي داود من طريق أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وعند المؤلِّف في «الأدب المفرد» من طريق محمَّد بن عجلان: أخبرني سعيدٌ، عن أبي هريرة: «إذا ضرب أحدكم خادمه»، ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصَّائل (٥) مثلًا، فينتهي دافعه عن القصد بالضَّرب إلى وجهه، ويدخل في النَّهي كلُّ من ضرب في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ، وفي حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصَّة التي زنت فأمر رسول الله ﷺ برجمها، وقال: «ارموا واتَّقوا الوجه»، وقد وقع في «مسلمٍ» تعليل اتِّقاء الوجه، ففي حديث أبي هريرة من طريق أبي أيُّوب (٦): «فإنَّ الله خلق آدم على صورته»، والأكثر على أنَّ الضَّمير يعود على المضروب؛ لما تقدَّم من

стр. 5353

الأمر بإكرام وجهه، ولولا أنَّ المراد التَّعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباطٌ بما قبلها، وقيل: يعود على آدم؛ أي (١): على (٢) صفته، فأُمِر بالاجتناب إكرامًا لآدم لمشابهته لصورة (٣) المضروب، ومراعاةً لحقِّ الأبوَّة، وظاهر النَّهي التَّحريم، ويؤيِّده حديث سويد بن مقرنٍ عند مسلمٍ: أنَّه رأى رجلًا لطم غلامه (٤)، فقال: أما علمت أنَّ الصُّورة محرَّمةٌ.

стр. 5354

((٥٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم فِي المُكَاتَب) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: الرَّقيق الذي يكاتبه مولاه (١) على مالٍ يؤدِّيه إليه، فإذا أدَّاه عتق، فإن عجز رُدَّ إلى الرِّقِّ، وبكسر التَّاء: السَّيِّد الذي تقع منه المُكاتَبة (٢)، و «الكِتابة» -بكسر الكاف-: عقدُ عتقٍ بلفظها بعوضٍ مُنَجَّمٍ بنجمين فأكثر، وهي خارجةٌ عن قواعد المعاملات عند من يقول: إنَّ العبد لا يملك؛ لدورانها بين السَّيِّد ورقيقه، ولأنَّها بيع ماله بماله، وكانت الكتابة متعارفةً قبل الإسلام، فأقرَّها الشَّارع ﷺ ، وقال الرُّويانيُّ: إنَّها إسلاميَّةٌ لم تكن في الجاهليَّة، والأوَّل هو الصَّحيح، وأوَّل من كُوتِب في الإسلام بريرة، ومن الرِّجال سلمان، وهي لازمةٌ من جهة السَّيِّد إلَّا إن عجز العبد، وجائزةٌ له على الرَّاجح، ولغير أبي ذرٍّ -كما في «الفتح» -: «كتاب المُكاتَب» بدل قوله: «في المُكاتَب»، والبسملة ثابتةٌ للكلِّ (٣). (١) (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) لم يذكر فيه حديثًا أصلًا، ولعلَّه بيَّض له ليثبت فيه ما ورد في معناه فلم يُقدَّر له ذلك، نعم ترجم في «كتاب الحدود»: «وقذف العبد»، وساق فيه حديث [خ¦٦٨٥٨]: «من قذف مملوكه وهو بريءٌ ممَّا قال (٤) جُلِد يوم القيامة»، وقد سقطت هذه التَّرجمة عند أبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، وهو الأَولى لما لا يخفى.

стр. 5355

(باب المُكَاتَبِ) بفتح التَّاء (وَنُجُومُِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وبالرَّفع على الاستئناف (فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ) رُفِع بالابتداء، وخبره الجارُّ والمجرور، والجملة في موضع رفعٍ على الخبريَّة، وسقط للنَّسفيِّ قوله «نجمٌ»، فالجارُّ والمجرور (١) في موضع نصبٍ على الحال من قوله: «ونجومه»، ونجم (٢) الكتابة هو القدر المُعيَّن الذي يؤدِّيه المُكاتَب في وقتٍ مُعيَّنٍ، وأصله: أنَّ العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النَّجم؛ لأنَّهم لا يعرفون الحساب، فيقول أحدهم: إذا طلع النَّجم الفلانيُّ أدَّيت حقَّك، فسُمِّيت الأوقات نجومًا بذلك، ثمَّ سُمِّي المُؤدَّى في الوقت نجمًا. (وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾) المكاتبة، وهو أن يقول الرَّجل لمملوكه: كاتبتك على ألفٍ مثلًا مُنجَّمًا إذا أدَّيته فأنت حرٌّ، ويبيِّن عدد النُّجوم وقسط كلِّ نجمٍ، وهو إمَّا أن يكون من الكتاب؛ لأنَّ السَّيِّد كتب على نفسه عتقه إذا وفى بالمال، أو لأنَّه (٣) ممَّا يُكتَب لتأجيله، أو من الكتب بمعنى الجمع؛ لأن (٤) العوض فيه يكون مُنجَّمًا بنجومٍ يُضَمُّ بعضها إلى بعضٍ (﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) عبدًا أو أَمَةً، والموصول بصلته مبتدأٌ، خبره

стр. 5356

(﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾) أو مفعولٌ بمُضمَرٍ، هذا تفسيره، والفاء لتضمُّن معنى الشَّرط، واشترط الشَّافعيُّ التَّأجيل وقوفًا مع (١) التَّسمية بناءً على أنَّ الكتابة من الضَّمِّ، وأقلُّ ما يحصل به الضَّمُّ نجمان، ولأنَّه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء، وجوَّز الحنفيَّة والمالكيَّة الكتابة حالًّا ومُؤجَّلًا، ومُنجَّمًا وغير مُنجَّمٍ؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر التَّنجيم، وأُجيب: بأنَّ هذا احتجاجٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ المطلق لا يعمُّ مع أنَّ العجز عن الأداء في الحال يمنع صحَّتها كما في السَّلم فيما لا يوجد عند المحلِّ (﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) أمانةً وقدرةً على أداء المال بالاحتراف كما فسَّره بهما إمامنا الشَّافعيُّ ﵀، وفسَّره ابن عبَّاسٍ بالقدرة على الكسب، والشَّافعيُّ ضمَّ إليها الأمانة؛ لأنَّه قد يضيِّع ما يكسبه فلا يعتق، وفي «المراسيل» لأبي داود عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: «إن علمتم فيهم حرفةً، ولا ترسلوهم كَلًّا على النَّاس»، وقيل: المراد: الصَّلاح في الدِّين، وقيل: المال، وهما ضعيفان، ولو فُقِد الشَّرطان لم تُستَحبَّ (٢)، لكن لا تُكرَه (٣) لأنَّ الخير شرط الأمر، فلا يلزم من عدمه عدم الجواز، وقال ابن القطَّان: يُكرَه، والصَّحيح الأوَّل (﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]) أمرٌ للموالي أن يبذلوا لهم شيئًا من أموالهم، وفي معناه: حطُّ شيءٍ من مال الكتابة، وهو للوجوب عند الأكثر، ويكفي أقلُّ ما يُتمَوَّل، وذكر ابن السَّكن والماورديُّ من طريق ابن (٤) إسحاق عن خاله عبد الله بن صَبيحٍ عن أبيه وكان جدَّ ابن إسحاق أبا أمِّه قال: كنت مملوكًا لحاطبٍ، فسألته الكتابة، فأبى، ففِيَّ أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ … الآية، قال ابن السَّكن: لم أرَ له ذكرًا إلَّا في هذا الحديث، و «صَبيحٌ» ضبطه في «فتح الباري»: بفتح الصَّاد المهملة، ولم يضبطه في «الإصابة»، لكنَّه ذكره عقب (٥) «صُبَيحٍ» -بالتَّصغير- والد أبي الضُّحى مسلم بن صُبَيحٍ، والأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾

стр. 5357

للنَّدب، وبه قطع جماهير العلماء؛ لأنَّ الكتابة معاوضةٌ (١) تتضمَّن الإرفاق، فلا تجب كغيرها إذا طلبها المملوك، وإلَّا لبطل أثر الملك واحتكم المماليك على المالكين. (وَقَالَ رَوْحٌ) بمهملتين أولاهما مفتوحةٌ (٢)، بينهما واوٌ ساكنةٌ، ابن عبادة، ممَّا وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، وعبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ (٣) من وجهين آخرين (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ قال: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَوَاجِبٌ عَلَيَّ) إذا طلب منِّي مملوكٌ المكاتبة (٤) (إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «ما (٥) أَرَاهُ» بفتحها (إِلَّا وَاجِبًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: تَأْثُرُهُ) ولأبي ذرٍّ: «أتأثره» بهمزة الاستفهام، أي: أترويه (عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أرويه عن أحدٍ (٦)، وظاهر هذا أنَّه من رواية عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كذلك، بل وقع في هذه الرِّواية تحريفٌ لزم منه الخطأ، والصَّواب: ما رأيته في الأصل المعتمد من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ بلفظ: «وقاله» -أي: الوجوب- عمرو بن دينارٍ، وفاعل «قلت لعطاءٍ: تأثره» ابن جريجٍ لا عمرٌو، وحينئذٍ فيكون قوله: «وقال عمرو بن دينارٍ» معترضًا بين قوله: «ما أراه إلَّا واجبًا» وبين قوله: «قلت لعطاءٍ: تأثره»، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه عبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ ومن طريقه البيهقيُّ -كما رأيته في «المعرفة» له- عن عبد الله بن الحارث، كلاهما عن ابن جريجٍ، ولفظه: قال: قلت لعطاء: أواجبٌ عليَّ إذا علمت أنَّ فيه خيرًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلَّا واجبًا -وقالها عمرو بن دينارٍ- وقلت لعطاءٍ: أتأثرها عن أحدٍ؟ قال: لا، قال ابن جريجٍ: (ثُمَّ أَخْبَرَنِي) أي: عطاءٌ (أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ الأنصاريَّ قاضي البصرة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ سِيرِينَ) بكسر السِّين المهملة، أبا عمرة، والد محمَّد بن سيرين الفقيه المشهور، وكان من سبي عين التَّمر قرب

стр. 5358

الكوفة، فاشتراه أنسٌ في خلافة أبي بكرٍ، وذكره ابن حبَّان في «ثقات التَّابعين» (سَأَلَ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ الأنصاريَّ (المُكَاتَبَةَ -وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ- فَأَبَى) أي: فامتنع (١) أن يكاتبه (فَانْطَلَقَ) سيرين (إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) فذكر له ذلك (فَقَالَ) عمر لأنسٍ: (كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدَّال وتشديد الرَّاء: آلةٌ يُضرَب بها (وَيَتْلُو عُمَرُ) ﵁: (﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) فأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الأمر في الآية للوجوب، وأنسٌ إلى النَّدب (فَكَاتَبَهُ) وقرأت في «باب تعجيل الكتابة» من «المعرفة» للبيهقي عن أنس بن سيرين عن أبيه قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم فأتيته بكتابته فأبى أن يقبلها مني إلَّا نجومًا، فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فقال: أراد أنس الميراث، وكتب إلى أنس أن اقبلها من الرجل فقبلها. وقال الربيع: قال الشافعي: [و] (٢) روي عن عمر بن الخطاب: أن مكاتبًا لأنس جاءه فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس فأبى أن يقبلها، فقال: أنس يريد الميراث، ثم أمر أنسًا أن يقبلها، أحسبه قال: فأبى، فقال: آخذها فأضعها في بيت المال فقبلها أنس، وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد (٣) الله بن أبي بكر بن أنس قال: هذه مكاتبة أنس عندنا، هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين، كاتبه على كذا وكذا ألفًا (٤)، وعلى غلامين يعملان مثل عمله.

стр. 5359

٢٥٦٠ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن أبي صالحٍ كاتب اللَّيث، عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، لكن قال في «الفتح»: المحفوظ رواية اللَّيث له عن ابن شهابٍ نفسه بغير واسطةٍ، أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ بَرِيرَةَ) بفتح المُوحَّدة، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، فلمَّا كاتبها أهلها (دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي) شأن (كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ) كجوارٍ، ولأبي ذرٍّ: «خمس أواقي» بإسقاط تاء التَّأنيث من «خمس»، وإثبات التَّحتيَّة في «أواقي» (نُجِّمَتْ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، صفةٌ لـ «أواقي» أي: وُزِّعت وفُرِّقت (عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ) المشهور ما في رواية هشام بن عروة الآتية -إن شاء الله تعالى- بعد بابين [خ¦٢٥٦٣]: أنَّها كاتبت (١) على تسع أواقٍ، في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ، ومن ثمَّ جزم الإسماعيليُّ أنَّ هذه الرِّواية المُعلَّقة غلطٌ، لكن جُمِع بينهما بأنَّ التِّسعَ أصلٌ، والخمس كانت بقيت عليها، وبه جزم القرطبيُّ والمحبُّ الطَّبريُّ، وعُورِض: بأنَّ في رواية قتيبة [خ¦٢٥٦١]: ولم تكن أدَّت من كتابتها شيئًا، وأُجيب: بأنَّها كانت حصلت أربع الأواقي قبل أن تستعين بعائشة، ثمَّ جاءتها وقد بقي عليها خمس أواقٍ، أو (٢) الخمس هي (٣) التي كانت استحقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التِّسع الأواقي المذكورة في حديث هشامٍ، ويؤيِّده قوله في رواية عمرة عن عائشة السَّابقة في «أبواب المساجد» [خ¦٤٥٦]: فقال أهلها: إن شئتِ أعطيت ما تبقَّى. (فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ) بكسر الفاء، أي: رغبت (فِيهَا) والجملة حاليَّةٌ: (أَرَأَيْتِ) أي: أخبريني (إِنْ عَدَدْتُ) الخمس الأواقي (لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأُعْتِقَكِ) بضمِّ الهمزة

стр. 5360

والنَّصب، أي: بـ «أن» مُضمَرةً بعد الفاء (١) (فَيَكُونَ) نُصِب عطفًا (٢) على السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي؟ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَعَرَضَتْ ذَلِكَ) الذي قالت عائشة (عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: لَا) نبيعك (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الوَلَاءُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الذي قالوه (لَهُ، فَقَالَ لَهَا) أي: لعائشة (رَسُولُ اللهِ ﷺ : اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٩]: في النَّاس، فحمد الله وأثنى عليه، يحتمل أنَّه أراد بـ «قام» ضدَّ «قعد»، فيكون دليلًا للخطبة من قيامٍ، ويحتمل أن يكون المراد بـ «قام» إيجادَ الفعل، كقولهم: قام بوظيفته، والمعنى: قام بأمر الخطبة (فَقَالَ: مَا بَالُ) ما حالُ (رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) أي: في حكم الله الذي كتبه على عباده وشرعه لهم (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) (٣) (فَهْوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ) الذي شرطه وجعله شرعًا (أَحَقُّ) أي: هو الحقُ (وَأَوْثَقُ) بالمُثلَّثة، أي: أقوى (٤)، وما سواه واهٍ، فـ «أفعل» التَّفضيل فيهما ليس على بابه (٥). وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الصَّلاة» في «باب ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦٤٥٦] وأورده في عدَّة مواضع [خ¦١٤٩٣] [خ¦٢١٥٥] [خ¦٢١٦٨] بوجوهٍ مختلفةٍ وطرقٍ متباينةٍ، وقد أفرد (٦) بعض الأئمَّة فوائده فزادت على ثلاث مئةٍ. (٢) (باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ) بفتح التَّاء (وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) (فِيهِ) أي: في الباب (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولأبي ذرٍّ: «فيه عن ابن عمر بن الخطَّاب» (عَنِ
следующие страницы →