← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

(﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾) أو مفعولٌ بمُضمَرٍ، هذا تفسيره، والفاء لتضمُّن معنى الشَّرط، واشترط الشَّافعيُّ التَّأجيل وقوفًا مع (١) التَّسمية بناءً على أنَّ الكتابة من الضَّمِّ، وأقلُّ ما يحصل به الضَّمُّ نجمان، ولأنَّه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء، وجوَّز الحنفيَّة والمالكيَّة الكتابة حالًّا ومُؤجَّلًا، ومُنجَّمًا وغير مُنجَّمٍ؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر التَّنجيم، وأُجيب: بأنَّ هذا احتجاجٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ المطلق لا يعمُّ مع أنَّ العجز عن الأداء في الحال يمنع صحَّتها كما في السَّلم فيما لا يوجد عند المحلِّ (﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) أمانةً وقدرةً على أداء المال بالاحتراف كما فسَّره بهما إمامنا الشَّافعيُّ ﵀، وفسَّره ابن عبَّاسٍ بالقدرة على الكسب، والشَّافعيُّ ضمَّ إليها الأمانة؛ لأنَّه قد يضيِّع ما يكسبه فلا يعتق، وفي «المراسيل» لأبي داود عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: «إن علمتم فيهم حرفةً، ولا ترسلوهم كَلًّا على النَّاس»، وقيل: المراد: الصَّلاح في الدِّين، وقيل: المال، وهما ضعيفان، ولو فُقِد الشَّرطان لم تُستَحبَّ (٢)، لكن لا تُكرَه (٣) لأنَّ الخير شرط الأمر، فلا يلزم من عدمه عدم الجواز، وقال ابن القطَّان: يُكرَه، والصَّحيح الأوَّل (﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]) أمرٌ للموالي أن يبذلوا لهم شيئًا من أموالهم، وفي معناه: حطُّ شيءٍ من مال الكتابة، وهو للوجوب عند الأكثر، ويكفي أقلُّ ما يُتمَوَّل، وذكر ابن السَّكن والماورديُّ من طريق ابن (٤) إسحاق عن خاله عبد الله بن صَبيحٍ عن أبيه وكان جدَّ ابن إسحاق أبا أمِّه قال: كنت مملوكًا لحاطبٍ، فسألته الكتابة، فأبى، ففِيَّ أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ … الآية، قال ابن السَّكن: لم أرَ له ذكرًا إلَّا في هذا الحديث، و «صَبيحٌ» ضبطه في «فتح الباري»: بفتح الصَّاد المهملة، ولم يضبطه في «الإصابة»، لكنَّه ذكره عقب (٥) «صُبَيحٍ» -بالتَّصغير- والد أبي الضُّحى مسلم بن صُبَيحٍ، والأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾

стр. 5357

للنَّدب، وبه قطع جماهير العلماء؛ لأنَّ الكتابة معاوضةٌ (١) تتضمَّن الإرفاق، فلا تجب كغيرها إذا طلبها المملوك، وإلَّا لبطل أثر الملك واحتكم المماليك على المالكين. (وَقَالَ رَوْحٌ) بمهملتين أولاهما مفتوحةٌ (٢)، بينهما واوٌ ساكنةٌ، ابن عبادة، ممَّا وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، وعبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ (٣) من وجهين آخرين (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ قال: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَوَاجِبٌ عَلَيَّ) إذا طلب منِّي مملوكٌ المكاتبة (٤) (إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «ما (٥) أَرَاهُ» بفتحها (إِلَّا وَاجِبًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: تَأْثُرُهُ) ولأبي ذرٍّ: «أتأثره» بهمزة الاستفهام، أي: أترويه (عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أرويه عن أحدٍ (٦)، وظاهر هذا أنَّه من رواية عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كذلك، بل وقع في هذه الرِّواية تحريفٌ لزم منه الخطأ، والصَّواب: ما رأيته في الأصل المعتمد من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ بلفظ: «وقاله» -أي: الوجوب- عمرو بن دينارٍ، وفاعل «قلت لعطاءٍ: تأثره» ابن جريجٍ لا عمرٌو، وحينئذٍ فيكون قوله: «وقال عمرو بن دينارٍ» معترضًا بين قوله: «ما أراه إلَّا واجبًا» وبين قوله: «قلت لعطاءٍ: تأثره»، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه عبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ ومن طريقه البيهقيُّ -كما رأيته في «المعرفة» له- عن عبد الله بن الحارث، كلاهما عن ابن جريجٍ، ولفظه: قال: قلت لعطاء: أواجبٌ عليَّ إذا علمت أنَّ فيه خيرًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلَّا واجبًا -وقالها عمرو بن دينارٍ- وقلت لعطاءٍ: أتأثرها عن أحدٍ؟ قال: لا، قال ابن جريجٍ: (ثُمَّ أَخْبَرَنِي) أي: عطاءٌ (أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ الأنصاريَّ قاضي البصرة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ سِيرِينَ) بكسر السِّين المهملة، أبا عمرة، والد محمَّد بن سيرين الفقيه المشهور، وكان من سبي عين التَّمر قرب

стр. 5358

الكوفة، فاشتراه أنسٌ في خلافة أبي بكرٍ، وذكره ابن حبَّان في «ثقات التَّابعين» (سَأَلَ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ الأنصاريَّ (المُكَاتَبَةَ -وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ- فَأَبَى) أي: فامتنع (١) أن يكاتبه (فَانْطَلَقَ) سيرين (إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) فذكر له ذلك (فَقَالَ) عمر لأنسٍ: (كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدَّال وتشديد الرَّاء: آلةٌ يُضرَب بها (وَيَتْلُو عُمَرُ) ﵁: (﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) فأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الأمر في الآية للوجوب، وأنسٌ إلى النَّدب (فَكَاتَبَهُ) وقرأت في «باب تعجيل الكتابة» من «المعرفة» للبيهقي عن أنس بن سيرين عن أبيه قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم فأتيته بكتابته فأبى أن يقبلها مني إلَّا نجومًا، فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فقال: أراد أنس الميراث، وكتب إلى أنس أن اقبلها من الرجل فقبلها. وقال الربيع: قال الشافعي: [و] (٢) روي عن عمر بن الخطاب: أن مكاتبًا لأنس جاءه فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس فأبى أن يقبلها، فقال: أنس يريد الميراث، ثم أمر أنسًا أن يقبلها، أحسبه قال: فأبى، فقال: آخذها فأضعها في بيت المال فقبلها أنس، وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد (٣) الله بن أبي بكر بن أنس قال: هذه مكاتبة أنس عندنا، هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين، كاتبه على كذا وكذا ألفًا (٤)، وعلى غلامين يعملان مثل عمله.

стр. 5359

٢٥٦٠ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن أبي صالحٍ كاتب اللَّيث، عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، لكن قال في «الفتح»: المحفوظ رواية اللَّيث له عن ابن شهابٍ نفسه بغير واسطةٍ، أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ بَرِيرَةَ) بفتح المُوحَّدة، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، فلمَّا كاتبها أهلها (دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي) شأن (كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ) كجوارٍ، ولأبي ذرٍّ: «خمس أواقي» بإسقاط تاء التَّأنيث من «خمس»، وإثبات التَّحتيَّة في «أواقي» (نُجِّمَتْ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، صفةٌ لـ «أواقي» أي: وُزِّعت وفُرِّقت (عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ) المشهور ما في رواية هشام بن عروة الآتية -إن شاء الله تعالى- بعد بابين [خ¦٢٥٦٣]: أنَّها كاتبت (١) على تسع أواقٍ، في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ، ومن ثمَّ جزم الإسماعيليُّ أنَّ هذه الرِّواية المُعلَّقة غلطٌ، لكن جُمِع بينهما بأنَّ التِّسعَ أصلٌ، والخمس كانت بقيت عليها، وبه جزم القرطبيُّ والمحبُّ الطَّبريُّ، وعُورِض: بأنَّ في رواية قتيبة [خ¦٢٥٦١]: ولم تكن أدَّت من كتابتها شيئًا، وأُجيب: بأنَّها كانت حصلت أربع الأواقي قبل أن تستعين بعائشة، ثمَّ جاءتها وقد بقي عليها خمس أواقٍ، أو (٢) الخمس هي (٣) التي كانت استحقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التِّسع الأواقي المذكورة في حديث هشامٍ، ويؤيِّده قوله في رواية عمرة عن عائشة السَّابقة في «أبواب المساجد» [خ¦٤٥٦]: فقال أهلها: إن شئتِ أعطيت ما تبقَّى. (فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ) بكسر الفاء، أي: رغبت (فِيهَا) والجملة حاليَّةٌ: (أَرَأَيْتِ) أي: أخبريني (إِنْ عَدَدْتُ) الخمس الأواقي (لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأُعْتِقَكِ) بضمِّ الهمزة

стр. 5360

والنَّصب، أي: بـ «أن» مُضمَرةً بعد الفاء (١) (فَيَكُونَ) نُصِب عطفًا (٢) على السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي؟ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَعَرَضَتْ ذَلِكَ) الذي قالت عائشة (عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: لَا) نبيعك (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الوَلَاءُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الذي قالوه (لَهُ، فَقَالَ لَهَا) أي: لعائشة (رَسُولُ اللهِ ﷺ : اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٩]: في النَّاس، فحمد الله وأثنى عليه، يحتمل أنَّه أراد بـ «قام» ضدَّ «قعد»، فيكون دليلًا للخطبة من قيامٍ، ويحتمل أن يكون المراد بـ «قام» إيجادَ الفعل، كقولهم: قام بوظيفته، والمعنى: قام بأمر الخطبة (فَقَالَ: مَا بَالُ) ما حالُ (رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) أي: في حكم الله الذي كتبه على عباده وشرعه لهم (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) (٣) (فَهْوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ) الذي شرطه وجعله شرعًا (أَحَقُّ) أي: هو الحقُ (وَأَوْثَقُ) بالمُثلَّثة، أي: أقوى (٤)، وما سواه واهٍ، فـ «أفعل» التَّفضيل فيهما ليس على بابه (٥). وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الصَّلاة» في «باب ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦٤٥٦] وأورده في عدَّة مواضع [خ¦١٤٩٣] [خ¦٢١٥٥] [خ¦٢١٦٨] بوجوهٍ مختلفةٍ وطرقٍ متباينةٍ، وقد أفرد (٦) بعض الأئمَّة فوائده فزادت على ثلاث مئةٍ. (٢) (باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ) بفتح التَّاء (وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) (فِيهِ) أي: في الباب (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولأبي ذرٍّ: «فيه عن ابن عمر بن الخطَّاب» (عَنِ

стр. 5361

النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط «عن النَّبيِّ ﷺ » لأبي ذرٍّ، وكأنَّه أشار إلى حديث ابن عمر الآتي إن شاء الله تعالى في الباب الثَّاني [خ¦٢٥٦٢]. ٢٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أبو رجاء البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، زاد في نسخةٍ: «عن عُقيلٍ» -بضمِّ العين- «ابن خالد بن عَقيلٍ» بفتح العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ) إليها (تَسْتَعِينُهَا فِي) مال (كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) سادتك (١) (فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن كتابتك» (وَيَكُونَ) نُصِب عطفًا على المنصوب السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي) وجواب الشَّرط قوله: (فَعَلْتُ) وظاهره: أنَّ عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا أدَّت جميع مال الكتابة، وليس ذلك مرادًا، وكيف تطلب ولاء من أعتقه غيرها، وقد أزال هذا الإشكال ما وقع في رواية أبي أسامة عن هشامٍ [خ¦٢٥٦٣] حيث قال بعد قوله: أن أعدَّها لهم عَدَّةً واحدةً وأُعتِقك، ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فتبيَّن أنَّ غرضها أن تشتريها شراءً صحيحًا ثمَّ تعتقها، إذ العتق فرعُ ثبوت الملك. (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الذي قالته عائشة (بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا) فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ) أي (٢): عائشة (أَنْ تَحْتَسِبَ) الأجر (عَلَيْكِ) عند الله (فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ) نُصِب عطفًا على «أن تحتسبَ» (وَلَاؤُكِ لَنَا) لا لها (فَذَكَرَتْ) بريرة (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وفي «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٩]:

стр. 5362

فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالت: إنِّي قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون الولاء لهم، فسمع النَّبيُّ ﷺ ، فأخبرت عائشة النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لفظ «لها» في رواية أبي ذرٍّ: (ابْتَاعِيـ) ها (فَأَعْتِقِيـ) ها؛ بهمزةٍ قطع (فَإِنَّمَا

стр. 5363

الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ (١): ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) قال ابن خزيمة: أي: ليس في حكم الله جوازها أو وجوبها (٢)، لا أنَّ كلَّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب باطلٌ؛ لأنَّه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا يبطل الشَّرط، ويُشترَط في الثَّمن شروطٌ من أوصافه أو نجومه ونحو ذلك فلا يبطل، فالشُّروط المشروعة صحيحةٌ، وغيرها باطلٌ (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) (فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: «وإن اشترط» (مِئَةَ مَرَّةٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مئة شرطٍ» توكيدٌ؛ لأنَّ العموم في قوله: «من اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمئة، فلو زادت عليها (٣) كان الحكم كذلك لما دلَّت عليه الصِّيغة (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) ليس «أفعل» التَّفضيل فيهما على بابه، فالمراد: أنَّ شرط الله هو الحقُّ والقويُّ، وما سواه واهٍ، كما مرَّ. ٢٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ) وسقط لأبي ذرٍّ «أمُّ المؤمنين» (أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً) هي بريرة (لِتُعْتِقَهَا) بضمِّ التَّاء والنَّصب، وفي نسخةٍ رُقِم عليها في الفرع وأصله علامة السُّقوط: «تُعتقُها» بضمِّ أوَّله مع إسقاط اللَّام والرَّفع (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (أَهْلُهَا): نبيعكها (عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لعائشة: (لَا يَمْنَعُكِ) ولأبي ذرٍّ: «لا يمنعنَّك» بنون التَّوكيد الثَّقيلة (ذَلِكِ) الشَّرط الذي شرطوه من شرائها وعتقها (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وليس في حديثَي الباب إلَّا ذكر شرط الولاء، وجمع في التَّرجمة بين حكمين، وكأنَّه فسَّر الأوَّل بالثَّاني، وأنَّ ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، أي: في حكمه من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ، وقد اشتُرِط لصحَّة الكتابة شروطٌ: أن يكاتب السَّيِّد المختار المتأهِّل للتَّبرُّع جميع العبد، فلا يصحُّ كتابة بعضه؛ لأنَّه حينئذٍ لا يستقلُّ بالتَّردُّد لاكتساب النُّجوم إلَّا أن يكون باقيه حرًّا، أو يكاتبه مالكاه معًا ولو بوكالةٍ إن اتَّفقت النُّجوم جنسًا وأجلًا وعددًا فتصحُّ؛ لأنَّها حينئذٍ تفيد الاستقلال، وليس له في الثَّانية أن يدفع لأحد المالكين شيئًا لم يدفع مثله للآخر في حال دفعه إليه، فإن أذن أحدهما في دفع شيءٍ للآخر ليختصَّ به لم يصحَّ القبض، وتصحُّ كتابة بعضه أيضًا في صورٍ منها: إذا أوصى بكتابة عبدٍ فلم يخرج من الثُّلث إلَّا بعضه، ولم تجز الورثة، وأن يقول مع لفظ الكتابة: إذا أدَّيتَ النُّجومَ إليَّ فأنتَ حرٌّ، أو ينويه فلا يكفي (٤) لفظ الكتابة بلا تعليقٍ ولا نيَّةٍ؛ لأنَّه يقع على هذا العقد وعلى المخارجة، فلا بدَّ من تمييزه بذلك، وأن يقول المكاتب: قبلت، وبه تتمُّ الصِّيغة، وأن تكون عوضًا (٥) معلومًا، فلا تصحُّ بمجهولٍ، وألَّا يكون العوض أقلَّ من نجمين كما جرى عليه الصَّحابة فمَنْ بَعْدَهم، فلا تجوز بعوضٍ حالٍّ، فإن كاتبه على دينارٍ الآن وخدمة شهرٍ لم يجز؛ لعدم تنجيم الدِّينار، أو على خدمة شهرٍ من (٦) الآن ودينارٍ عند (٧) تقضِّيه أو قبله أو بعده في زمنٍ معلومٍ جاز؛ لأنَّ المنفعة مستحقَّةٌ في الحال، والمدَّة لتقديرها وللتَّوفية فيها، والدِّينار إنَّما تستحقُّ المطالبة به في وقتٍ آخر، وإذا اختلف الاستحقاق حصل التَّنجيم، ولا بأس بكون المنفعة حالَّةً؛ لأنَّ التَّأجيل إنَّما يُشترَط لحصول القدرة، وهو قادرٌ على الاشتغال بالخدمة في الحال، فالتَّنجيم إنَّما هو شرطٌ في غير المنفعة التي عليه الشُّروع فيها في الحال. (٣) (باب) جواز (اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ) أي: طلب (٨) العون من غيره ليعينه بشيءٍ يضمُّه إلى مال الكتابة (وَسُؤَالِهِ النَّاسَ).

стр. 5364

٢٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ، الهَبَّاريُّ -بفتح الهاء والمُوحَّدة المُشدَّدة- القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) وفي نسخةٍ في «اليونينيَّة»: «أوقيَّةٍ» (فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ) ولأبي ذرٍّ: «أوقيَّةٌ» بزيادة همزةٍ مضمومةٍ قبل الواو، وهي أربعون درهمًا (فَأَعِينِينِي) بصيغة الأمر للمُؤنَّث، من الإعانة، أي: على مال كتابتي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأعيتني» بصيغة الخبر الماضي، من الإعياء، أي: أعجزتني الأواقيُّ عن تحصيلها (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) لبريرة: (إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا) أي: الأواقي (لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ) نُصِب عطفًا على «أنْ أعدَّها» (فَعَلْتُ، وَيَكُونَ) بالنَّصب أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «فيكون» بالفاء (١) (وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا) فجاءت إلى عائشة (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا (٢) إِلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 5365

الوَلَاءُ لَهُمْ) أي: إلَّا بأن، فحذف منه حرف الجرِّ، أي: إلَّا بشرط ذلك، والاستثناء مُفرَّغٌ؛ لأنَّ في «أبى» معنى النَّفي، قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] قد أجرى «أبى» مجرى «لم يُرِد»، ألا ترى كيف قُوبِل ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٢] بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. فقوله (١): ﴿وَيَأْبَى اللّهُ﴾ واقعٌ (٢) موقع «لم يُرِدْ»، قالت عائشة: (فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: خُذِيهَا) اشتريها (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّ الولاء»، واستُشكِل قوله: «واشترطي لهم الولاء» لأنَّه يفسد البيع، ومتضمِّنٌ للخداع والتَّغرير، وكيف أذن لأهله بما لا يصحُّ، ومن ثمَّ أنكر يحيى بن أكثم فيما رواه الخطَّابيُّ عنه ذلك، وعن الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: الإشارة إلى تضعيف رواية هشامٍ المصرِّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وقال في «المعرفة» فيما قرأته فيها: حديث يحيى عن عمرة عن عائشة أثبتُ من حديث هشامٍ، وأحسبه غلط في قوله: «واشترطي لهم الولاء»، وأحسب حديث عمرة: أنَّ عائشة شرطت لهم الولاء، بغير أمر النَّبيِّ ﷺ ، وهي ترى ذلك يجوز، فأعلمها رسول الله ﷺ أنَّها إن أعتقتها فالولاء لها، وقال [خ¦٢٥٦٢]: «لا يمنعك عنها ما تقدَّم من شرطك»، ولا أرى أنَّه (٣) أمرها أن تشترط لهم ما لا يجوز، ثمَّ قال بعد سياقه لحديث نافعٍ عن ابن عمر السَّابق في الباب الذي قبل هذا [خ¦٢٥٦٢] ولعلَّ هشامًا أو عروة حين سمع أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يمنعك ذلك» رأى أنَّه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر انتهى. وقد أثبت روايةَ هشامٍ جماعةٌ وقالوا: هشامٌ ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفَقٌ على صحَّته، فلا وجه لردِّه، واختلفوا في تأويلها فقيل: «لهم» بمعنى «عليهم» كقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم،

стр. 5366

وهذا رواه البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق أبي حاتمٍ الرَّازي عن حرملة عن الشَّافعيِّ، وقال النَّوويُّ: تأويل اللَّام بمعنى «على» هنا ضعيفٌ؛ لأنَّه ﵊ أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى «على» لم ينكره، وقيل: الأمر هنا للإباحة، وهو على جهة التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواءٌ، فكأنَّه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، وقال النَّوويُّ: أقوى الأجوبة: أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القضيَّة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، وبأنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على خلاف هذه المقالة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٩]. (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا) بالفاء في «اليونينيَّة» (بَالُ) أي: ما حالُ (رِجَالٍ مِنْكُمْ (١) يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ) ولأبي ذرٍّ: «كان ليس» (فِي كِتَابِ اللهِ) أي: في حكمه من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ (فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ) قال القرطبيُّ: خرج مخرج التَّكثير، يعني أنَّ الشُّروطَ غير المشروعة باطلةٌ ولو كَثُرَتْ (فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) أي: بالاتِّباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) باتِّباع حدوده التي حدَّها، وليست «المفاعلة» هنا على حقيقتها، إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل (مَا) بغير فاءٍ في «اليونينيَّة» (بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الوَلَاءُ؟ إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ويُستفاد من التَّعبير بـ «إنَّما» إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمَّا عداه، فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجلٌ، وفيه: جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين السَّيِّد له من ذلك، لكنَّ محلَّ الجواز إذا عُرِفت جهة حِلِّ كسبه، وأنَّ للمُكاتَب أن يَسْأَلَ من حين الكتابة، ولا يُشترَط في ذلك عجزه (٢) خلافًا لمن شرطه، وأنَّه لا بأس بتعجيل

стр. 5367

مال الكتابة إلى غير ذلك ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى في محالِّه. (٤) (باب) جواز (بَيْعِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «بيع المكاتبة»، قال في «الفتح»: والأوَّل أصحُّ، لقوله: «إذا رضي» (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂، ممَّا وصله ابن أبي شيبة وابن سعدٍ: (هُوَ) أي: المُكاتَب (عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) من مال الكتابة (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) ممَّا (١) وصله الشَّافعيُّ وسعيد بن منصورٍ: (مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (هُوَ عَبْدٌ إِنْ عَاشَ وَإِنْ مَاتَ وَإِنْ جَنَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ). ٢٥٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة المدنيَّة (أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ﵂، فَقَالَتْ لَهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً فَأُعْتِقَكِ) بضمِّ الهمزة، والنَّصب عطفًا على «أن أصبَّ» بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأعتقك» (فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ

стр. 5368

بَرِيرَةُ ذَلِكَ لأَهْلِهَا، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُكِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «الولاء» (لَنَا، قَالَ مَالِكٌ) الإمام بالإسناد السَّابق: (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ: (فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ) الزَّعمُ يُستعمَل بمعنى القول المُحقَّق، أي: قالت: إنَّ عائشة (ذَكَرَتْ ذَلِكَ (١) لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لها: (اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وظاهر هذا الحديث جوازُ بيع رقبة المُكاتَب إذا رضي بذلك ولو لم يعجِّز نفسه واختاره المؤلِّف، وهو مذهب الإمام أحمد، ومنعه أبو حنيفة والشَّافعيُّ في الأصحِّ وبعض المالكيَّة، وأجابوا عن قصَّة بريرة بأنَّها عجَّزت نفسها لأنَّها استعانت بعائشة في ذلك، وعُورِض: بأنَّه ليس في استعانتها ما يستلزم العجز، ولا سيَّما مع القول بجواز كتابة من لا مال عنده ولا حرفة له، قال ابن عبد البرِّ: ليس في شيءٍ من طرق حديث بريرة أنَّها عجزت عن أداء النُّجوم، ولا أخبرت بأنَّها قد حلَّ عليها شيءٌ، ولم يَرِدْ في شيءٍ من طرقه استفصال النَّبيِّ ﷺ لها عن شيءٍ من ذلك. انتهى. لكن قال الشَّافعيُّ ممَّا رأيته في «المعرفة»: إذا رضي أهلها بالبيع ورضيت المكاتبة بالبيع، فإنَّ ذلك تركٌ للكتابة. (٥) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا قَالَ المُكَاتَبُ) لأحد (اشْتَرِي) من سيدي، ولأبي ذرٍّ: «اشترني» (وَأَعْتِقْنِي، فَاشْتَرَاهُ لِذَلِكَ) جاز وحذف جواب إذا. ٢٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميُّ مولاهم المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي أَيْمَنُ) الحبشيُّ المكِّيُّ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂،

стр. 5369

فَقُلْتُ) لها: (كُنْتُ لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ) أي: ابن عبد المطَّلب بن هاشمٍ، ابن عمِّ النَّبيِّ ﷺ ، أسلم (١) عام الفتح، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «كنت غلامًا لعتبة بن أبي لهبٍ» (وَمَاتَ) لعلَّه في خلافة أبي بكرٍ ﵁ (وَوَرِثَنِي بَنُوهُ) العبَّاس وهاشمٌ وغيرهما (وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِنَ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «باعوني من عبد الله بن أبي عمرو بن عُمَر» بضمِّ العين «ابن عبد الله المخزوميِّ» (فَأَعْتَقَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ) عليه (الوَلَاءَ) لهم عليَّ (فَقَالَتْ) عائشة: (دَخَلَتْ) عليَّ (بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَتِ: اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي) بواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «فأعتقيني» (قَالَتْ) عائشة: فقلت لها: (نَعَمْ، قَالَتْ) بريرةُ: (لَا يَبِيعُونِي) تعني (٢): أهلها (حَتَّى يَشْتَرِطُوا) عليك أن يكون (وَلَائِي) لهم (فَقَالَتْ) عائشة: فقلت: (لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ) على أن يكون الولاء لهم (فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ) قالت: (بَلَغَهُ) شكٌّ من الرَّاوي (فَذَكَرَ ذَلِكَ) أي: الذي سمعه أو بلغه (لِعَائِشَةَ) وسقط من «اليونينيَّة»: «ذلك» من قوله: «فذكر ذلك»، وثبت في فرعها (فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ) له ﵊ (مَا قَالَتْ لَهَا) بريرة (فَقَالَ) ﵊ لها: (اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ بعد واو العطف، ولأبي ذرٍّ: «فأعتقيها» (وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاؤُوْا) ولأبي ذرٍّ: «يشترطوا» بإسقاط النُّون منصوبًا بـ «أن» مُقدَّرةً (فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا) فيه دليلٌ على أنَّ عقدَ الكتابة الذي كان عَقَدَ لها مَوَاليها انفسخ بابتياع عائشة لها (وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِئَةَ شَرْطٍ). وفي هذا الحديث: جواز كتابة الأَمَة كالعبد، وجواز سعي المُكاتَبة، والسُّؤال لمن احتاج إليه من دينٍ أو غُرْمٍ أو نحوهما وغير ذلك ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى في محالِّه.

стр. 5370

((٥١)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ الهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ وابن شَبُّويه: «فيها» بدل قوله: «عليها»، وأخَّر النَّسَفِيُّ البسملة. والهِبة -بكسر الهاء- مصدرٌ من وهب يَهَب، وأصلها: وهب، لأنَّها معتلَّة (١) الفاء كالعِدَة، أصلها: وعد، فلما حذفت الفاء (٢) عوِّض عنها الهاء، فقيل: هِبَة وعِدَة، ومعناها في اللُّغة: إيصال الشَّيء للغير بما ينفعه مالًا كان أو غير مال، يقال: وهبه له -كوَدَعَه- وَهْبًا ووَهَبًا وهِبَة، ولا تقل: وَهَبَكَهُ، وحكاه أبو عَمْرو عن أعرابيٍّ، والموهبة: العطيَّة، وهي في الشَّرع تمليكٌ (٣) بلا عِوَض في الحياة، وأُورد عليه ما لو أَهْدَى لغنيٍّ من لحم أضحية أو هَدْيٍ أو عقيقةٍ، فإنَّه هبةٌ ولا تمليكَ فيه، وما لو وقف شيئًا، فإنَّه تمليكٌ بلا عِوَض، وليس بهبةٍ. وأُجيبَ عن الأوَّل بمنعِ أنَّه لا تمليك فيه، بل فيه تمليكٌ، لكنْ يُمنع من التَّصرُّف فيه بالبيع ونحوه، كما عُلِم من «باب الأضحية»، وعن الثاني: بأنَّه تمليك منفعةٍ، وإطلاقُهم التَّمليك إنَّما يريدون به الأعيان، وهي شاملةٌ للهديَّة والصَّدقة، فأمَّا الهديَّة، فهي تمليكُ ما يُبعَث غالبًا بلا عِوَض إلى المُهدَى إليه إكرامًا له، فلا رجوع فيها إذا كانت لأجنبيٍّ، فإن كانت من الأب لولده، فله الرُّجوع فيها بشرط بقاء الموهوب في سلطنة المتَّهَب، ومنها الهَدْي المنقول إلى الحَرَم، ولا يقع اسم الهديَّة على العقار، لامتناع نقله،

стр. 5371

فلا يقال: أَهْدَى إليه دارًا ولا أرضًا، بل على المنقول كالثِّياب والعبيد، واستُشكل ذلك: بأنَّهم صرَّحوا في «باب النَّذر والأَيْمان» بما يخالفه، حيث قالوا: لو قال: لله عليَّ أن أُهديَ هذا البيت أو الأرض أو نحوهما ممَّا لا يُنقل، صحَّ، وباعه، ونقل ثمنه، وأُجيبَ: بأنَّ الهَدْي وإن كان من الهديَّة، لكنَّهم توسَّعوا فيه بتخصيصه بالإهداء إلى فقراء الحرم، وبتعميمه في المنقول وغيره، ولهذا لو نذر الهَدْي، انصرف إلى الحرم، ولم يُحمَل على الهديَّة إلى فقير. وأمَّا الصَّدقة فهي تمليكُ ما يُعطَى بلا عوضٍ للمحتاج لثواب الآخرة، وأمَّا الهبة فهي تمليكٌ بلا عوض خالٍ عما ذُكِر في الصَّدقة والهدية بإيجابٍ وقبولٍ لفظًا، بأن يقول نحو: وهبت لك هذا، فيقول: قَبِلْتُ، ولا يشترطان في الهديَّة على الصحيح، بل يكفي البَعْث من هذا والقَبْض من ذاك، وكلٌّ من الصَّدقة والهديَّة هبةٌ ولا عَكْس، فلو حلف لا يهب له فتصدَّق عليه، أو أهدى له، حَنَث، والاسم عند الإطلاق ينصرف إلى الأخير، واستعمل المؤلِّف المعنى الأعمَّ، فإنَّه أَدْخل فيها الهدايا. ٢٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) أبو الحسين الواسطِيُّ، مولى قُرَيبةَ بنت محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب (عَنِ المَقْبُرِيِّ) سعيد (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان -بفتح الكاف- وسقط قوله «عن أبيه» في رواية الأَصيلي وابن عساكر وكريمة. قال في «الفتح»: وضبَّبَ عليه في رواية النَّسَفيِّ، والصَّواب إثباته (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَا نِسَاءُ المُسْلِمَاتُِ) بضمِّ الهمزة، منادى مفرد معرَّف بالإقبال عليه، و «المسلماتُ»: صفةٌ له فيُرفع على اللَّفظ، ويُنصَب على المحلِّ، ويجوز فتح الهمزة على أنَّه منادى مضاف، و «المسلمات» حينئذ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: يا نساء الطَّوائف أو نساء النُّفوس المسلمات، فيخرج حينئذٍ عن إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وأنكر ابن عبد البَرِّ رواية الإضافة، وردَّه ابن السِّيْد: بأنَّها قد صحَّت نقلًا وساعدتها اللُّغة، فلا معنى للإنكار، وفي النُّسخة المقروءة على الميدومِيِّ: «يا نساءَ المؤمنات» ورواه الطَّبرانيُّ من

стр. 5372

حديث عائشة بلفظ: «يا نساء المؤمنين» (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ) هديَّةً مُهداة (لِجَارَتِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لجارةٍ» (وَلَوْ) أنَّها تهدي (فِرْسِنَ شَاةٍ) بفاء مكسورة فراء ساكنة فسين مهملة مكسورة: عظمٌ قليل اللَّحم، وهو للبعير: موضع الحافر من الفرس، ويُطلق على الشَّاة مجازًا، وأُشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشَّيء اليسير وقَبوله، لا إلى حقيقة الفِرْسِن، لأنَّه لم تَجْرِ العادة بإهدائه، أي: لا تمنع جارةٌ من الهديَّة لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسَّر، وإن كان قليلًا، فهو خيرٌ من العَدَم، وإذا تواصل القليل صار كثيرًا، وفي حديث عائشة المذكور (١): «يا نساء المؤمنين، تهادوا ولو فِرْسِن شاة فإنَّه يثبِّت (٢) المودَّة ويُذْهِب الضَّغائن». وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا، وأخرجه التِّرمذيُّ من طريق أبي مَعْشر عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ولم يقل: «عن أبيه»، وزاد في أوَّله: «تهادوا فإن الهديَّة تُذهب وَحَرَ الصَّدرَ» الحديث، وقال: غريبٌ. وأبو معشر مُضعَّفٌ. وقال الطَّرْقي: إنَّه أخطأ فيه، لم يقل: «عن أبيه» كذا قال، وقد تابعه محمَّد بن عجلان عن سعيدٍ، أخرجه أبو عَوانة، لكن مَنْ زاد فيه: «عن أبيه» أحْفَظُ وأضبَطُ، فروايتُهم أَولى، قاله الحافظ ابن حَجَر.

стр. 5373

٢٥٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى بن عمرو بن أُوَيس (الأُوَيْسِيُّ) -بضَمِّ الهمزة وفتح الواو وسكون التَّحتيَّة- المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبد العزيز، واسم أبي حازم: سَلَمَة بن دِينار (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سَلَمَةَ بن دِينار (عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) -بضمِّ الرَّاء- مولى آل الزُّبَير (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبَيْر: (ابْنَ أُخْتِي) بوصل الهمزة -وَتُكْسر في الابتداء- وفتحِ النون على النِّداء، وأداة النِّداء محذوفةٌ، كذا في روايتنا بوصل الهمزة، وهو الَّذي في الفرع، وقال الزَّرْكشيُّ: بفتح الهمزة، قال ابن الدَّمامينيِّ: فتكون الهمزة نفسها حرفَ نداء، ولا كلام في ذلك مع ثبوت الرِّواية. انتهى. وأمُّ عروةَ: هي أسماء بنت أبي بَكْر، وفي رواية يحيى بن يحيى عن عبد العزيز عند «مسلم»: «والله يا ابنَ أختي» (إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ) «إنْ» هذه مخفَّفَةٌ من الثَّقيلة، دخلت على الفعل الماضي النَّاسخ، واللَّام في «لننظر» فارقةٌ بينها وبين النَّافية، وهذا مذهب البَصريِّين، وأما الكوفيُّون فيرونها «إنْ» النَّافية، ويجعلون اللَّام بمعنى: «إلَّا» (ثُمَّ الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق (ثَلَاثَةَِ أَهِلَّةٍ) نكملها (فِي شَهْرَيْنِ) باعتبار رؤية الهلال في أوّل الشَّهر الأوَّل، ثمَّ رؤيته ثانيًا في أوَّل الشَّهر الثَّاني، ثمَّ رؤيته في أوَّل الشَّهر الثَّالث، فالمدَّة ستُّون يومًا، والمرئيُّ ثلاثة أهلَّة، وقوله: «ثلاثةَ» بالنَّصب بتقدير لننظر، وبالجرِّ (وَمَا أُوقِدَتْ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، وعند المؤلف في «الرِّقاق» من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه بلفظ: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا» [خ¦٦٤٥٨] ولا منافاة بَيْنها وبين رواية يزيد بن رُومان هذه، وعند ابن مَاجه من طريق أبي سلمة عن عائشة ﵂ بلفظ: «لقد كان يأتي على آل محمَّد الشهر ما يُرى في بيت من بيوته الدخان … » الحديث.

стр. 5374

قال عُرْوة: (فَقُلْتُ) أي: لعائشة ﵂: (يَا خَالَةُ) بضمِّ التَّاء، منادى مفرد، ولأبي ذرٍّ: «يا خالةِ» بكسرها (مَا كَانَ يُعِيْشُكُمْ؟) -بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر العين وسكون التَّحتيَّة- مِنْ أعاشه الله عيشة، ولأبي ذرٍّ: «يُعَيِّشُكم» بضمِّ الياء الأولى وفتح العين وتشديد الياء الثَّانية، وقول الحافظ ابن حَجَر ﵀: وفي بعض النُّسَخ: «ما كان يُغْنِيْكم» بسكون الغين المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتيَّة، تَعَقَّبه العَيْنيُّ: بأنَّه تصحَّفَ عليه، فجعله من الإِغناء، وليس هو إلَّا من القوت، كذا قال (قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ) أي: قالت عائشة: كان يعيشنا (التَّمْرُ وَالمَاءُ) من باب التَّغليب كالعُمَرين والقَمَرين، وإلَّا فالماء لا لون له، ولذلك قالوا: الأبيضان اللَّبن والماء، وإنَّما أَطْلَقت على التَّمر أسودَ، لأنَّه غالبُ تمر المدينة، وقول بعض الشُّرَّاح تَبَعًا لصاحب «المحكم»: أن تفسير الأسودَيْن بالتَّمر والماء مُدْرَجٌ، تُعُقِّب: بأنَّ الإدراج لا يثبت بالتَّوهُّم، قاله في «الفتح» (إِلَّاَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ) -بكسر الجيم- سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حَرام وأبو أيُّوب خالدُ بن زيد وسعدُ بنُ زُرَارةَ وغيرهم (كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ) جمع مَنِيْحة -بفتح الميم وكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة آخرُه حاءٌ مهملة- أي: غَنَم فيها لبنٌ (وَكَانُوا يَُمْنَِحُونَ) بفتح أوَّله وثالثه، مضارع «مَنَح» أي: يعطون (رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهِمْ) وبضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، مضارع «أمنح» والَّذي في «اليونينيَّة»: «يَمنَِحون» بفتح الياء والنُّون، وبفتح الياء وكسر النُّون، أي: يجعلونها له مِنْحة، أي: عطيَّة (فَيَسْقِينَا) وهذا موضع التَّرجمة، لأنَّهم كانوا يُهدون إليه ﷺ من ألبان منائحهم، وفي الهديَّة معنى الهبة. وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم مَدَنيُّون ورواية الرَّاوي عن خالته، وثلاثة من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، أوَّلُهم أبو حازم، وأخرجه مسلم.

стр. 5375

(٢) (بابُ القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ). ٢٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المشدَّدة، العَبْديُّ البَصْريُّ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد بن أبي عَدِيٍّ، واسمه: إبراهيم البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مِهْران الأَعْمش (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سَلْمانَ الأَشْجَعِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ) بالذَّال المعجمة وهو السَّاعد، وكان ﷺ يحبُّ أكله، لأنَّه مبادي الشَّاة وأَبْعَدُ عن الأذى (أَوْ كُرَاعٍ) -بضم الكاف وبعد الرَّاء ألف ثم عينٌ مهملة- ما دون الرُّكبة من السَّاق (لأَجَبْتُ) الدَّاعيَ (وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) وهذا يدلُّ على جواز القليل من الهديَّة وأنه لا يُرَدُّ، والهديَّة في معنى الهبة، فتحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وإنَّما حضَّ على قَبول الهديَّة وإن قلَّت لما فيه من التَّآلف. (٣) (بابُ مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا) سواء كان عينًا أو منفعةً جاز بغير كراهة في ذلك إذا كان يعلم طِيبَ أنفسهم (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخُدْرِيُّ في حديث «الرقية بالفاتحة» الموصول بتمامه في «كتاب الإجارة» [خ¦٢٢٧٦] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا).

стр. 5376

٢٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن محمَّد بن الحكَم بن أبي مريمَ الجُمَحِيُّ المِصْرِيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) -بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة، وبعد الألف نونٌ- محمَّد بن مُطَرِّف اللَّيْثي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ بن دِينار (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعدي الأنصاريُّ (¬﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ) هذا وَهَمٌ من أبي غسَّان، والصَّواب أنَّها من الأنصار. نعم، يحتمل أن تكون أنصاريَّة حالفت مهاجريًّا، أو تزوَّجت به أو بالعكس، واختُلِف في اسمها كما مرَّ في «الجمعة» [خ¦٩١٧] قال في «الفتح»: وأغربَ الكِرْمانيُّ هنا، فزعم أنَّ اسم المرأة مِيْنا، وهو وَهَمٌ، وإنَّما قيل ذلك في اسم النَّجار. انتهى. (وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ نَجَّارٌ) اسمه باقوم، وقيل غير ذلك (قَالَ لَهَا: مُرِي عَبْدَكِ) ولأبي ذرٍّ: «فقال: مُرِي» بإسقاط «لها» وإثبات الفاء قبل القاف (فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ) أي: لِيفعلْ لنا فعلًا في أعوادٍ من نَجْرٍ وتسويةٍ وخَرْطٍ، يكون منها منبرٌ (١) (فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا) بذلك (فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ) الَّتي بالغابة (فَصَنَعَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ ﷺ (مِنْبَرًا، فَلَمَّا قَضَاهُ) أي: صنعه وأَحْكَمَه (أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ) أي: عبدُها (قَدْ قَضَاهُ) أي: المنبر (قَالَ ﷺ ¬) وسقط لفظ «صلَّى الله … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (أَرْسِلِي بِهِ) أي: المنبر (٢) (إِلَيَّ) وهمزة «أَرسلي» مفتوحة (فَجَاؤوْا بِهِ فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ).

стр. 5377

ومطابقته للتَّرجمة لا تخفى، والحديث سبق في «كتاب الجمعة» [خ¦٩١٧]. ٢٥٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى، أبو القاسم القُرَشِيُّ العامِريُّ الأُوَيْسِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سَلَمَة بن دِينار (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث (السَّلَمِيِّ) بفتح السِّين المهملة واللَّام، الأنصاريِّ الخَزْرَجِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَازِلٌ أَمَامَنَا وَالقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ) لأنَّه لم يقصد نُسُكًا، وكان النَّبيُّ ﷺ أرسله إلى جهةٍ ليكشفَ أمر عدوٍّ (فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي) بخاء معجمة ثم صاد مهملة مكسورة، أي: أخرزه، قال عالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: يلزقان البعض بالبعض، وكأنَّ نعله كانت انخرقت، والواو في قوله: «ورسول الله ﷺ » وفي: «والقوم» وفي: «وأنا غير محرم» وفي: «وأنا مشغول» كلُّها للحال (فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ) أي: بالحمار (وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ) وفي «الحجِّ»: «فبصر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعضٍ» [خ¦١٨٢٢] (فالتَفَتُّ) -بالفاء- وفي نسخة: «والتفَتُّ» (فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الفَرَسِ) قال في «المصابيح»: اسمه: الجرادة، كما رواه البخاريُّ في «الجهاد» [خ¦٢٨٥٤] (فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ) عليه (وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: لَا وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ) أي: لأنَّهم محرِمون (فَغَضِبْتُ، فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا) السَّوط والرُّمح (ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ): جرحته حتَّى مات (ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ العَضُدَ)

стр. 5378

من الحمار (مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وكان تقدَّم (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟) استفهامٌ محذوف الأداة (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى نَفَّدَهَا) بتشديد الفاء وبالدَّال المهملة، أي: أفناها، ولأبي ذرٍّ: «نَفِدَها» بكسر الفاء مخفَّفة، لكنْ ردَّه ابنُ التِّين كما حكاه في «الفتح» (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه ﵊ (مُحْرِمٌ). قال محمَّد بن جعفر الرَّاوي عن أبي حازمٍ فيما سبق: (فَحَدَّثَنِي بِهِ) بهذا الحديث (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة أيضًا (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) -بالسِّين المهملة- أبي محمَّد الهلاليِّ مولى أمِّ المؤمنين ميمونة (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) المذكور في السَّند السَّابق (عَن النَّبيِّ ﷺ ¬) وسقط قوله: «عن النَّبيِّ ﷺ » عند المُستملي والحَمُّويي. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «معكم منه شيء؟» فإنَّه في معنى الاستيهاب من الأصحاب، وزاد في «الحجِّ» (١) «كلوا وأطعموني» قال في «الفتح»: ولعلَّ المصنِّف أشار إلى هذه الزِّيادة، وإنَّما طلب ﵊ ذلك منهم ليؤنسهم به، ويرفع عنهم اللَّبس في توقُّفهم في جواز ذلك، وقد سبق هذا الحديث في «الحج» في أبواب [خ¦١٨٢١] [خ¦١٨٢٢] [خ¦١٨٢٣]. (٤) (بابُ مَنِ اسْتَسْقَى) أي: طلب من غيره ماءً أو لبنًا ليشرَبه، أو غير ذلك ممَّا تَطِيب به نفس المطلوب منه يجوز له (وَقَالَ سَهْلٌ) هو ابن سعد الأنصاريُّ ﵁، ممَّا وصله المؤلِّف في «النكاح» [خ¦٥١٧٦] (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اسْقِنِي) يا سهلُ.

стр. 5379

٢٥٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء القَطْوانيُّ الكوفيُّ قال (١): (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو طُوَالَةَ) بضمِّ الطَّاء المهملة وتخفيف الواو، الأنصاريُّ قاضي المدينة، وزاد في غير رواية أبي ذرٍّ: «اسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَارِنَا هَذِهِ فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا) سقط لفظ «له» في رواية أبي ذرٍّ (ثُمَّ شُِبْتُهُ) بكسر المعجمة وضمِّها، أي: خلطت اللَّبن (مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ) ذلك (وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ) بفتح الهاء الأولى، أي: مقابله (وَأَعْرَابِيٌّ) لم يُسَمِّ (عَنْ يَمِينِهِ) ووَهِمَ مَنْ قال: هو خالد بن الوليد، فشرب ﷺ (فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ) أي: اسقه (فَأَعْطَى) ﷺ (الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «فضله» (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (الأَيْمَنُونَ) مُقَدَّمون (الأَيْمَنُونَ) مُقَدَّمون أو هو مرفوع بفعلٍ محذوفٍ تقديره: يُقَدَّم الأيمنون، وهذا الثَّاني تأكيد لـ «الأيمنون» الأوَّل (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام للتَّنبيه (فَيَمِّنُوا) أمرٌ من اليُمْن، وهو تأكيد بعد تأكيد (قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ) أي: البداءة بالأيمن (سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وزاد في رواية أبوَيْ ذرٍّ والوقتِ: «فهي سنّة» وسقط لأبي ذرٍّ وحده قوله: «ثلاث مرَّات» وإنمَّا أعطى الأعرابيَّ، ولم يستأذنه ليتألَّفه بذلك، لقرب عهده بالإسلام، وفيه: جلوسُ القومِ على قدر سَبْقهم. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «الأشربة» [خ¦٥٦١٢]. (٥) (بابُ) جواز (قَبُولِ هَدِيَّةِ) صائد (الصَّيْدِ، وَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيْدِ) سبق موصولًا قبل الباب السَّابق [خ¦٢٥٧٠].

стр. 5380

٢٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأَزْدِيُّ الواشِحِيُّ -بالمعجمة ثم المهملة- البَصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَنْفَجْنَا) بفتح الهمزة وسكون النُّون وفتح الفاء وسكون الجيم، أي: أَثَرْنا ونفَّرنا (أَرْنَبًا) من موضعه (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) بفتح الميم وتشديد الرَّاء والظَّاء المعجمة، وهو على مثال تثنية «ظهر» من العَلَم المضاف والمضاف إليه، فالإعرابُ للأوَّل، وهو «مرِّ» والثَّاني مجرورٌ أبدًا بالإضافة: موضعٌ قريبٌ من مكَّة، والأرنب: واحدُ الأرانب، اسم جنسٍ يُطْلَق على الذَّكر والأنثى (فَسَعَى القَوْمُ) نحوه ليصطادوه (فَلَغَبُوا) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «فلغِبوا» بكسرها، والأوَّل أفصح، بل أنكر بعضهم الكسر، وللكُشْمِيهَنيِّ: «فتعبوا» وهو معنى «لغبوا» أي: أعْيَوْا، قال أنس: (فَأَدْرَكْتُهَا) أي: الأرنب (فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ) زوجَ أمِّ أنس، واسمها: أمُّ سُلَيْم (فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِهَا) وفي رواية أبي داود «أنَّه بعث بها مع أنس» (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «بها» (بِوَِرِْكِهَا) بفتح الواو وكسر الرَّاء، ويجوز كسرُ الواو وسكون الرَّاء: ما فوق الفخذ، مع الإفراد فيهما (أَوْ فَخِذَيْهَا) بكسر الخاء وفتح الذَّال المعجمتين مثنَّى، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) شُعْبَة: (فَخِذَيْهَا لَا شَكَّ فِيهِ) قال ابن بَطَّال: وقولُ شُعْبَة: «فخذيها لا شك فيه» دليلٌ على أنَّه شكَّ في الفخذين أوَّلًا، ثمَّ استيقن (فَقَبِلَهُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة، أي: قَبِل المبعوث إليه (قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ) ﵊؟ (قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ) أي: بعدَ القول بالأكل: (قَبِلَهُ) فشكَّ في الأكل، واستيقن القَبول، فجزم به آخِرًا. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ [خ¦٥٤٨٩]، ومسلمٌ في «الذبائح»، وأبو داود في «الأطعمة» والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّيد». (٦) (بابُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ) كذا ثبت في رواية أبي ذرٍّ، وسقط لغيره. قال في «الفتح»: وهو الصَّواب.

стр. 5381

٢٥٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيْسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ) بالصَّاد والعين الساكنة المهملتين (بْنِ جَثَّامَةَ) بفتح الجيم وتشديد المثلَّثة (¬﵃ أَنَّهُ) أي: الصَّعْبُ (أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة والمدِّ: اسمُ قريةٍ من الفُرعِ من أعمال المدينة (١)، بينها وبين الجُحْفة ممَّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا (أَوْ بِوَدَّانَ) بفتح الواو وتشديد الدَّال المهملة آخره نون: موضعٌ أقرب إلى الجُحْفة من الأبواء، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَرَدَّ عَلَيْهِ) بحذف ضمير المفعول (فَلَمَّا رَأَى) ﵊ (مَا فِي وَجْهِهِ) أي: وجه الصَّعْبِ من الكراهة لردِّه (٢) هديتَه عليه (قَالَ) ﵊ تطييبًا لقلبه: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّا لَمْ نَرُدَُّهُ) بتشديد الدَّال على الإدغام وضمِّها وفتحِها، والوجهان في الفرع وأصله هنا، والصَّواب الأوَّل كآخر المضاعف من كلِّ مضاعَفٍ مجزومٍ، اتَّصل به ضمير المذكَّر، مراعاة للواو الَّتي توجبها ضمَّة الهاء بعدها، ولم يحفظ سيبويه في نحوه إلَّا ذلك، وصرَّح ابن الحاجب وغيره أنَّه مذهب البصريِّين، وللكُشْمِيهَنيِّ وحده: «لم نردُدْه» (٣) بفكِّ الإدغام، فالدَّال الأولى مضمومة، والثَّانية مجزومة (عَلَيْكَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إليك» بالهمزة بدل العين لِعلَّةٍ من العلل (إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) أي: مُحرِمون، وإنَّما ردَّه عليه، لأنَّه ظن أنَّه صيد له.

стр. 5382

ومباحث هذا الحديث سبقت في «الحج» [خ¦١٨٢٥] ومرادُ المؤلِّف منه هنا قوله: «لم نردَّه عليك إلَّا أنَّا حُرُم» لأنَّ مفهومه أنَّه لو لم يكن محرِمًا لَقَبِلَهُ. (٧) (بابُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ) قال الحافظ ابن حَجَرٍ: كذا ثبت لأبي ذرٍّ، وهو تكرار بغير فائدة، وهذه التَّرجمة بالنِّسبة إلى ترجمة قبول هديَّة الصَّيد من العامِّ بعد الخاصِّ، ووقع عند النَّسفيِّ: «بابُ مَنْ قَبِلَ الهديَّة». ٢٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصغير قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة، ابن سليمانَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عُرْوَةَ بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ) أي: يقصدون (بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ) نوبة (عَائِشَةَ) حين يكون ﵊ عندها، حال كونهم (يَبْتَغُونَ) أي: يطلبون (بِهَا) أي: بهداياهم (أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ) أي: بالتَّحرِّي (مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح ميم «مَرْضاة» مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الرِّضا، وعند أبي ذرٍّ: «مَرْضاه» بكَتْب التَّاء هاء، وفي الفرع وأصله: «يبتغون» في الموضعين بموحَّدةٍ بعدها فوقيَّة ثم غين معجمة، أي: من الابتغاء، فالشَّكُّ إنَّما هو في «بها» أو «بذلك» وفي غيره: «يتَّبِعون بها» بتقديم المثنَّاة مشدَّدةً وكسر الموحَّدة وبالعين المهملة من الاتِّباع، «أو يبتغون بذلك» -بالغين المعجمة- من الابتغاء. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».

стр. 5383

٢٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء كالسَّابق، هو ابن أبي وَحْشيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ) بالحاء المهملة المضمومة والفاء المفتوحة آخرُه مهملة مُصَغَّرًا، واسمها: هُزَيْلَة -تصغير هَزْلة- بالزَّاي، وهي أخت أمِّ المؤمنين ميمونة و (خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقِطًا) بفتح الهمزة وكسر القاف بعدها طاءٌ مهملة: لبنًا مجفّفًا (وَسَمْنًا وَأَضُبًّا) بفتح الهمزة وضمِّ الضَّاد المعجمة وتشديد الموحَّدة، جمعُ ضَبٍّ بفتح الضاد، وللحَمُّويي والمُستملي: «وضبًّا» على الإفراد: دُوَيْبَّةٌ لا تشرب الماء، وتعيش سبع مئة سنةٍ فصاعدًا، ويقال: إنَّها تبول في كلِّ أربعين يومًا قطرةً، ولا يسقط لها سِنٌّ (فَأَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ) ولأبي ذرٍّ: «وترك الأَضُبَّ» بلفظ الجمع (تَقَذُّرًا) بالقاف والذَّال المعجمة، والنَّصب على التَّعليل، أي: لأجل التَّقذُّر، أي: كراهةً (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأُكِلَ) أي: الضَّبُّ (عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال الشَّافعيُّ: حديث ابن عباس موافقٌ حديث ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ امتنع من أكل الضَّبِّ، لأنَّه عافه، لا لأنَّه حرَّمه، فأكلُ الضَّبِّ حلالٌ. انتهى. ومباحث الحديث تأتي في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٢] إن شاء الله تعالى، ومطابقة الحديث لما تُرْجِم له في قوله: «فأكل النَّبيُّ ﷺ من الأَقِط والسَّمن» لأنَّ أكله دليلٌ على قَبول الهديَّة. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٦٨٩] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٨]، ومسلمٌ في «الذبائح»، وأبو داود في «الأطعمة»، والنَّسائي في «الصَّيد». ٢٥٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزاميُّ -بالحاء

стр. 5384

المهملة والزَّاي- الأَسَديُّ، ولأبي ذرٍّ: «ابن مُنْذر» بدون الألف واللَّام، قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) هو ابن عيسى بن يحيى (١) القزَّاز المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون الهاء، الخُراسانيُّ أحد الأئمَّة، وثَّقه ابن مَعين والجمهور، وتُكلِّم فيه بالإرجاء، وقد ذكر الحاكم أنَّه رجع عنه (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) القُرَشيِّ الجُمَحِيِّ مولى آل عثمان بن مظعون المدنيِّ، سكنَ البصرة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) زاد أحمد وابن حِبَّان من طريق حمَّاد بن سَلَمَة عن محمَّد بن زياد: «من غير أهله» (سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟) بالرَّفع فيهما على الخبر، أي: هذا، ويجوز النَّصب بتقدير: أجئتم به هديَّةً أم صدقةً؟ (فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ) بالرَّفع (قَالَ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ) لأنَّها حرامٌ عليه (وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ) بالرَّفع (ضَرَبَ بِيَدِهِ) أي: شَرَع في الأكل مسرعًا (¬ ﷺ ¬) وسقطت: التَّصلية لأبي ذرٍّ (فَأَكَلَ مَعَهُمْ) ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «وإن قيل: هديَّة … » إلى آخره، لأنَّ أكله معهم يدلُّ على قَبول الهديَّة. ٢٥٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشددة، ابن عثمان العبديُّ البصريُّ أبو بكر بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر الهُذَليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ) فسأل عنه (فَقِيلَ: تُصُدِّقَ) به (عَلَى بَرِيرَةَ، قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) أي: حيث أهدته بريرة لنا، لأنَّ الصَّدقةُ يَسُوْغَ للفقير التَّصرُّف فيها بالبيع وغيره، كتصرف سائر الملَّاك في أملاكهم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الزُّهد» [خ¦٦٤٥٢]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وأخرجه أيضًا أبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 5385

٢٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هو العبديُّ السَّابق، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) الهُذَليُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق التَّيميِّ الفقيه أبي محمَّد، المدنيِّ الإمامِ، وُلِدَ في حياة عائشة ﵂ (قَالَ) أي: شُعْبَة: (سَمِعْتُهُ) أي: الحديث الآتي إن شاء الله تعالى (مِنْهُ) أي: من عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ) أبيه (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ) من أهلها (وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا) على عائشة (وَلَاءَهَا فَذُكِرَ) بضمِّ المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: ذُكر ما اشترطوه على عائشة (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لعائشة: (اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ومباحثُ هذا سبقت مرَّات [خ¦٢١٦٨] [خ¦٢٥٣٦]. (وَأُهْدِيَ) بضمِّ الهمزة (لَهَا) أي: لبريرةَ (لَحْمٌ) وفي نسخة: «وأَهْدت لها لحمًا» (فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : ما هَذَا؟ قُلْتُ: تُصُدِّقَ) مبنيًّا للمفعول، زاد في نسخة: «به» (عَلَى بَرِيرَةَ) ولأبي ذرٍّ بعد قوله: «لحم»: «فقيل للنَّبيِّ ﷺ : هذا تُصُدِّقَ به على بَريرَة» (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ : (هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) ومفهومه: أنَّ التَّحريم إنَّما هو على الصِّفة لا على العَيْن، وعلى الرِّواية الأولى يكون السُّؤال والجواب من قوله ﷺ ، والثَّانية أَصْوب (وَخُيِّرَتْ بَرِيرَة) أي: صارت مخيَّرةً بين أن تفارق زوجها وأن تبقى تحت نكاحه (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن القاسم الرَّاوي: (زَوْجُهَا) مغيثٌ (حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ؟ قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (سَأَلْتُ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ سألت» (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن القاسم (عَنْ زَوْجِهَا، قَالَ: لَا أَدْرِي أَحُرٌّ أَمْ عَبْدٌ؟) بهمزة الاستفهام وبالميم بعد الهمزة الأخرى، ولأبي ذرٍّ: «أو عبدٌ» والمشهور وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ: أنَّه عبدٌ، وخالف أهلُ العراق فقالوا: إنَّه كان حرًّا.

стр. 5386

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العتق» و «الزكاة بقصد الهديَّة» (١)، والنَّسائيُّ في «البيوع» و «الفرائض» «والطَّلاق» و «الشُّروط». ٢٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكِسائيُّ نزيلُ بغدادَ ثمَّ مكَّةَ، قال: (أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسِطيُّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بالحاء المهملة والذَّال المعجمة (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة الأنصاريَّة أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ لَهَا: عِنْدَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «أَعِندكم» بإثبات همزة الاستفهام (شَيْءٌ؟ قَالَتْ) عائشة: (لَا) شيء (إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ) بفتح (٢) الموحَّدة وسكون المثلَّثة وتاء الخطاب، ولأبي ذرٍّ: «بُعِثَت» بضم الموحَّدة مبنيًّا للمفعول. قال في «الفتح»: وهو الصَّواب (قَالَ) ﵊: (إِنَّهَا) أي: الشَّاة، وللحَمُّويي والمُستملي: «إنَّه» (قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) بفتح الميم وكسر الحاء المهملة، يقع على الزَّمان والمكان، أي: صارت حلالًا بانتقالها من الصَّدقة إلى الهديَّة. وهذا الحديث قد مرّ في «باب إذا تحوّلت الصَّدقة» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٩٤]. (٨) (بابُ مَنْ أَهْدَى) شيئًا (إِلَى صَاحِبِهِ وَتَحَرَّى) أي: قصد (بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ).

стр. 5387

٢٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: بن درهم الأَزْدِيُّ (١) الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن هشام بن عُرْوة» (عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ) يقصدون (بِهَدَايَاهُمُ يَوْمِي) الَّذي يكون فيه عندي رسول الله ﷺ ، وزاد الإسماعيليُّ عن حمَّاد بن زيد بهذا الإسناد: «فاجتمعن صواحبي إلى أمِّ سَلَمَة، فقلن لها: خبِّري رسول الله ﷺ أن يأمر النَّاس أن يهدوا له حيث كان» (وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) أمُّ المؤمنين له ﵊: (إِنَّ صَوَاحِبِي) تعني: أمهات المؤمنين (اجْتَمَعْنَ) عندي (فَذَكَرَتْ لَهُ) الَّذي قلن: من أن يأمر النَّاس أن يهدوا له حيث كان (فَأَعْرَضَ) ﵊ (عَنْهَا) أي: عن أمِّ سَلَمَة، لم يلتفت لما قالته، وفي نسخةٍ: «عنهنَّ»، أي: عن بقيَّة أمَّهاتِ المؤمنين. وهذا الحديث أورده هنا مختصرًا، وأورده في «فضائل عائشة» مطوَّلًا [خ¦٣٧٧٥]، وأخرجه التِّرمذيُّ في «المناقب».

стр. 5388

٢٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيْس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكر عبد الحميد بن أبي أُوَيْسٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ) بكسر الحاء المهملة وسكون الزَّاي، تثنيةُ حزب، أي: طائفتين (فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ) بنت أبي بكرٍ (وَحَفْصَةُ) بنت عمرَ (وَصَفِيَّةُ) بنت حُيَيٍّ (وَسَوْدَةُ) بنت زمعةَ (وَالحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ) بنت أبي أميَّةَ (وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زينبُ بنت جحش، وميمونةُ بنت الحارث، وأمُّ حبيبةَ بنت أبي سفيان، وجويرية بنت الحارث (وَكَانَ المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَائِشَةَ) بضمِّ الحاء (فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ) يوم نوبتها (بَعَثَ صَاحِبُ الهَدِيَّةِ إِلَى) ولأبي ذرٍّ: «بها إلى» (رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللهِ ﷺ يُكَلِّمُِ النَّاسَ) بجزْم «يكلِّم»، ويُكْسَر لالتقاء السَّاكنين وبالرَّفع (فَيَقُولُ) تفسيرٌ لـ «يكلِّم» (مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ) بضمِّ الياء مِنْ «أهدى» (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَدِيَّةً فَلْيُهْدِهِ) بضمِّ الياء وتذكير الضَّمير، أي: الشَّيء المُهْدى، وللحَمُّويي والمُستملي: «فلْيُهْدِها» أي: الهديَّة (إِلَيهِ) وقال الحافظ ابن حَجَر: «فلْيُهْدِ» في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ، بحذف الضَّمير. انتهى. وهو الَّذي في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ (حَيْثُ كَانَ) ﵊ (مِنْ نِسَائِهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «مِنْ بيوت نسائه» (فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ) لها (فَلَمْ يَقُلْ لَهَا) ﵊ (شَيْئًا. فَسَأَلْنَهَا) عمَّا أجابها (فَقَالَتْ) أمُّ سَلَمَة: (مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا: فَكَلِّمِيهِ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «كَلِّميه» (قَالَتْ) أي: عائشة، وفي نسخة: «قال»:

стр. 5389

(فَكَلَّمَتْهُ) أي: أمُّ سَلَمَة (حِينَ دَارَ إِلَيْهَا) أي: يومَ نَوبتها (أَيْضًا، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا. فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ، فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا: لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ) لفظة «في» للتَّعليل، كقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ (١) الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] (فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ قَالَتْ) أي: أمُّ سَلَمَة (فَقُلْتُ) وفي نسخة: «قالت» أي: عائشة: «فقالت أمُّ سَلَمَة» (٢): (أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ) أي: أُمَّهات المؤمنين (٣) الذين هم حزب أمِّ سَلَمَة (دَعَوْنَ) بالواو، وللكُشْمِيهَنيِّ: «دَعَيْن» بالياء، أي: طلبن (فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأُرْسِلَتْ (٤)) أي: فاطمةُ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وهو عند عائشة (تَقُولُ) (٥) له ﵊: (إِنَّ نِسَاءَكَ) بتشديد النُّون، وفي «اليونينيَّة» ليس فيها غيره: «أنْ» بجزمةٍ على النُّون مخفَّفة (يَنْشُدْنَكَ اللهَ) بفتح الياء وضمِّ المعجمة، أي: يسألْنَكَ بالله، وسقط لأبي ذرٍّ «لفظ الجلالة»، وقال في «الفتح»: وللأَصيليِّ: «يناشدْنكَ الله» (العَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) عائشة، قال في «الفتح» (٦): أي: التَّسويةَ بينهنَّ في كلِّ شيءٍ من المحبَّة وغيرها، وقال الكِرْمانيُّ: في محبَّة القلب (٧) فقط، لأنَّه كان يساوي بينهنَّ في الأفعال المقدورة، وقد اتُّفِقَ على أنَّه لا يلزمه التَّسوية في المحبَّة، لأنَّها ليست من مقدور البشر (فَكَلَّمَتْهُ) فاطمة رضي الله تعالى عنها في ذلك، وعند ابن سعد من (٨) مُرْسَل عليِّ بن الحسين: أنَّ الَّتي خاطبت فاطمةَ بذلك منهنَّ زينبُ بنت جَحْشٍ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ سألها: «أرسلتك زينب؟» قالت: زينبُ وغيرها، قال:

стр. 5390

«أهي التي وَلِيَت ذلك» قالت: نعم (فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ قَالَتْ: بَلَى) زاد مسلمٌ: قال: «فأحبِّي هذه» أي: عائشة (فَرَجَعَتْ) فاطمة (إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ) بالَّذي قاله (فَقُلْنَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ، فَأَبَتْ) فاطمةُ (أَنْ تَرْجِعَ) إليه (فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأَتَتْهُ) ﵊ (فَأَغْلَظَتْ) في كلامها (وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ (١) اللهَ العَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف، وبعد الحاء المهملة ألفٌ ففاءٌ فهاء تأنيثٍ، هو والد أبي بكر الصِّدِّيق، واسمه عثمان ﵄ (فَرَفَعَتْ) زينب (صَوْتَهَا، حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ) أي: منها (وَهْيَ قَاعِدَةٌ) جملةٌ اسميَّةٌ (فَسَبَّتْهَا) أي: سبَّتْ زينبُ عائشةَ ﵂ (حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ؟) بحذف إحدى التَّاءَين (قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا، قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) أي: إنَّها شريفةٌ عاقلة عارفة كأبيها، وكأنَّه ﷺ أشار إلى أنَّ أبا بكر كان عالمًا بمناقب مُضَر ومثالبِها، فلا يستغربُ من بنته تلقِّي ذلك عنه: ومَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَما ظَلَمْ والولد سرُّ أبيه، قال المهلَّب في الحديث: إنَّه لا حرج على الرَّجل في إيثار بعض نسائه بالتُّحف والطُّرف (٢) في المآكل، واعترضه ابن المُنَيِّر: بأنَّه لا دلالة في الحديث على ذلك، وإنَّما النَّاس كانوا يفعلون ذلك، والزَّوج وإن كان مخاطبًا بالعدل بين نسائه فالمهدون الأجانب ليس أحدهم مخاطبًا بذلك، فلهذا لم يتقدَّم ﵊ إلى النَّاس بشيء من (٣) ذلك، وأيضًا فليس من مكارم الأخلاق أن يتعرَّض الرَّجل إلى النَّاس بمثل ذلك لِما فيه من التَّعرُّض لطلب الهديَّة، ولا يقال: إنَّه ﵊ هو الَّذي يقبل الهديَّة فيملكها، فيلزم التَّخصيص من قِبَله، لأنَّا نقول: المُهْدي لأجل عائشة كأنَّه ملَّك الهديَّة بشرط تخصيص عائشة، والتَّمليك يُتَّبع فيه تحجير المالك، مع أنَّ الَّذي يظهر أنَّه ﵊ كان يشركهنَّ في ذلك، وإنَّما وقعت المنافسة لكون العطيَّة تصل إليهنَّ من بيت عائشة، ولا يلزم في ذلك تسوية.

стр. 5391

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه، ولمَّا تصرَّف الرُّواة في حديث الباب بالزِّيادة والنَّقص حتَّى إنَّ منهم من جعله ثلاثة أحاديث (قَالَ البُخَارِيُّ: الكَلَامُ الأَخِيرُ قِصَّةُ فَاطِمَةَ، يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ) لم يُسَمَّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام عن عائشة، وتُغْتفر جهالة الراوي في الشَّواهد والمتابعات (وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ) يحيى (١) بن أبي زكريَّا الغَسَّانيُّ، سكَن واسطًا (٢) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ) ﵂ (وَعَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي) لم يُسَمَّيا (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) أنَّه قال: (قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ) الحديثَ. قال الحافظ ابن حجر في «تغليق التَّعليق» (٣) من المقدِّمة: روايةُ هشام عن رجل، وروايةُ أبي مروان عن هشامٍ، لم أجدهما. (٩) (بابُ مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ). ٢٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمْرو بن أبي الحجَّاج المِنْقَرِيُّ المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ) بفتح العين المهملة وسكون الزَّاي وفتح الرَّاء (الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم، ابن أنس قاضي البصرة (قَالَ) أي: عَزْرَة: (دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على ثُمَامة (فَنَاوَلَنِي طِيبًا) و (قَالَ:

стр. 5392

كَانَ أَنَسٌ ﵁ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، قَالَ: وَزَعَمَ) أي: قال (أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ) (١) لأنَّه ملازم لمناجاة الملائكة، كذا قاله ابن بَطَّال، ومفهومُه: أنَّه من خصائصه وليس كذلك، وقد اقتدى به أنس في ذلك (٢)، والحكمةُ في ذلك: ما في حديث أبي هريرة بإسنادٍ صحيح عند أبي داودَ والنسائيِّ مرفوعًا: «مَنْ عُرِضَ عليه طيبٌ فلا يردَّه فإنَّه خفيف المحمل طيِّب الرَّائحة» وعند التِّرمذيِّ بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن عمرَ مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا تُرَدُّ: الوسائد، والدُّهن واللَّبن» قال التِّرمذيُّ: يعني بالدُّهن: الطِّيب. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٢٩] والترمذي في «الاستئذان» في «باب ما جاء في كراهية ردّ الطيب» وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الوليمة» و «الزِّينة». (١٠) (بابُ مَنْ رَأَى الهِبَةَ) أي: الَّتي تُوهَب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَنْ يَرى» ولأبي ذرٍّ: «أَنَّ الهبة» (الغَائِبَةَ جَائِزَةً) نَصْبٌ مفعولٌ ثانٍ لـ «رأى»، وبالرَّفع خبرُ «إنَّ» على رواية أبي ذرٍّ. ٢٥٨٣ - ٢٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم الجُمَحِيُّ بالولاء قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالد بن عَقيل -بالفتح- الأَيْلِيُّ -بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة- الأمويُّ مولاهم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ) بن الزُّبَيْر (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵄ وَمَرْوَانَ) بنَ الحَكَم (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) زاد في «الوكالة»: «مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم» [خ¦٢٦٠٧] (قَامَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا

стр. 5393

هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاؤُوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) (١) بضمِّ الياء وفتح الطَّاء وتشديد الياء، أي: مَنْ أحبَّ أن يُطَيِّب (٢) نفسه بدفع السَّبي إلى هوازن (فَلْيَفْعَلْ) جوابُ «مَنْ» المتضمِّنة معنى الشَّرْط (وَمَنْ أَحَبَّ) أي: منكم (أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي: نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عِوَضَه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَينا) بضمِّ الياء وكسر الفاء مِنْ «أفاء» أي: يرجع إلينا من أموال الكفَّار، وجوابُ الشَّرط «فليفعل» وحُذِفَ هنا في هذه (٣) الطَّريق (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ) زاد في «العِتق» [خ¦٣١٣١] «ذلك» وقد سبق فيه أنَّ هذه الرِّواية مرسَلةٌ، لأنَّ مروانَ لا صُحبة له، والمسور لم يحضر القصِّة، ومراد المؤلِّف منه هنا قوله ﷺ : «وإنِّي رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يطيِّب ذلك (٤) فليفعل» مع قولهم: طيَّبنا (٥) لك، ففيه: أنَّهم وهبوا (٦) ما غنموه من السَّبي قبل أن يُقسَم (٧)، وذلك في معنى الغائب، وتركهم إيَّاه في معنى الهِبة، كذا قرَّره في «فتح الباري»، وفيه من التعسُّف ما لا يخفى، وإطلاق التَّرك على الهبة بعيدٌ، وزعم ابن بطَّال: أنَّ فيه دليلًا على أنَّ للسُّلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّه لا دليل فيه على ذلك، بل في نفس الحديث أنَّه ﷺ لم يفعل ذلك إلَّا بعد تطييب (٨) نفوس المالكِين، ولا يُسَوَّغ للسُّلطان نقل أملاك النَّاس، وكلُّ أحد أحقُّ بماله، وتعقَّبه ابن الدَّمامِينيِّ من المالكيَّة فقال: لنا في المذهب صورة ينقل فيها السُّلطان ملك الإنسان عنه جبرًا، كدار ملاصقة للجامع الذي احتيج إلى توسعته وغير ذلك، لكنَّه لا (٩) يُنْقَل إلَّا بالثَّمن، قال: وهو وارد على عموم كلامه.

стр. 5394

وهذا الحديث قطعة من حديث سبق (١) في «العتق» [خ¦٣١٣١]. (١١) (بابُ المُكَافَأَةِ فِي الهِبَةِ) بالهمزة، وقد تُتْرَك، مفاعلة بمعنى: المقابلة، وللكُشْمِيهَنيِّ: «الهديَّة» بالدَّال المهملة بدل «الهِبَة» بالموحَّدة. ٢٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي (٢) إسحاقَ السَّبِيعي، بفتح (٣) السِّين المهملة وكسر الباء (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عُرْوة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أي: يعطي الذي يهدي له بدلها. واستدلَّ به بعض المالكيَّة على وجوب الثَّواب على الهديَّة إذا أَطْلَق، وكان ممَّن يطلب مثله الثَّواب كالفقير للغنيِّ، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدَّلالة منه: مواظبتُه ﷺ على ذلك (٤)، ومذهبُ الشَّافعيَّة لا يجب بمطلق الهبة والهديَّة، إذ لا يقتضيه اللَّفظ ولا العادة، ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى، كما في إعارته له إلحاقًا للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتَّهب على ذلك، فهبةٌ مبتدأةٌ، وإذا قيَّدها المتعاقدان (٥) بثوابٍ معلوم لا مجهول، صحَّ العقد بيعًا نظرًا للمعنى، فإنَّه معاوضةُ مالٍ بمال معلوم كالبيع، بخلاف ما إذا قيَّداها بمجهول، لا يصحُّ لتعذُّره بيعًا وهبة. نعم، المكافأة على الهديَّة والهبة مستحبَّةٌ اقتداءً به ﷺ .

стр. 5395

وأشار المؤلِّف بقوله: (لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح، فيما وصله ابن أبي شَيْبَة (وَمُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة، ابنُ المورِّع -بتشديد الرَّاء المكسورة وبالعين المهملة- الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُرْوَة (عَنْ عَائِشَةَ) إلى أنَّ عيسى بن يونس تفرَّد بوصل هذا الحديث عن هشام، وقد قال التِّرمذيُّ (١) والبزَّار: لا نعرفه موصولًا إِلَّا من حديث عيسى بن يونس، وهو عند النَّاس مرسل، قال ابن حَجَر: وروايةُ مُحاضِر لم أقف عليها. ومطابقة الحديث للتَّرجمة متَّجهةٌ إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعمُّ، والحديث أخرجه أبو داود في «البيوع» والتِّرمذيُّ في «البرِّ». (١٢) (بابُ) حكم (الهِبَةِ لِلْوَلَدِ) من الوالد (وإِذَا أَعْطَى) الوالد (بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ) له ذلك (حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ (٢) مِثْلَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ويُعْطَى» بضمِّ أوَّله وفتحِ ثالثِه «الآخرُ» بالإفراد والرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ) مبنيٌّ للمفعول، والضَّمير في «عليه» للأب، أي: لا يسع الشُّهود أن يشهدوا على الأب إذا فضَّل بعض بنيه على بعض. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله في الباب اللَّاحق [خ¦٢٥٨٧] من حديث النُّعمان: (اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ) هبةً أو هديَّةً أو صدقةً، وسقط لفظ «في العطيَّة» في الباب اللَّاحق (وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ) الَّتي أعطاها لولده؟ نعم له ذلك، وكذا سائر الأصول من الجهتين، ولو مع اختلاف الدِّين من دون حكم الحاكم، سواء أقبضها الولد أم لا، غنيًّا كان أو فقيرًا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لحديث التِّرمذي والحاكم وصحَّحاه: «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطيَ عطيَّة أو يهب هبةً فيرجع فيها إِلَّا الوالد فيما يُعطي لولده (٣)»، والوالد يشمل كلَّ الأصولِ إِنْ حُمِل اللَّفظ
следующие страницы →