ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه، ولمَّا تصرَّف الرُّواة في حديث الباب بالزِّيادة والنَّقص حتَّى إنَّ منهم من جعله ثلاثة أحاديث (قَالَ البُخَارِيُّ: الكَلَامُ الأَخِيرُ قِصَّةُ فَاطِمَةَ، يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ) لم يُسَمَّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام عن عائشة، وتُغْتفر جهالة الراوي في الشَّواهد والمتابعات (وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ) يحيى (١) بن أبي زكريَّا الغَسَّانيُّ، سكَن واسطًا (٢) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ) ﵂ (وَعَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي) لم يُسَمَّيا (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) أنَّه قال: (قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ) الحديثَ. قال الحافظ ابن حجر في «تغليق التَّعليق» (٣) من المقدِّمة: روايةُ هشام عن رجل، وروايةُ أبي مروان عن هشامٍ، لم أجدهما.
(٩) (بابُ مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ).
٢٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمْرو بن أبي الحجَّاج المِنْقَرِيُّ المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ) بفتح العين المهملة وسكون الزَّاي وفتح الرَّاء (الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم، ابن أنس قاضي البصرة (قَالَ) أي: عَزْرَة: (دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على ثُمَامة (فَنَاوَلَنِي طِيبًا) و (قَالَ:
стр. 5392
كَانَ أَنَسٌ ﵁ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، قَالَ: وَزَعَمَ) أي: قال (أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ) (١) لأنَّه ملازم لمناجاة الملائكة، كذا قاله ابن بَطَّال، ومفهومُه: أنَّه من خصائصه وليس كذلك، وقد اقتدى به أنس في ذلك (٢)، والحكمةُ في ذلك: ما في حديث أبي هريرة بإسنادٍ صحيح عند أبي داودَ والنسائيِّ مرفوعًا: «مَنْ عُرِضَ عليه طيبٌ فلا يردَّه فإنَّه خفيف المحمل طيِّب الرَّائحة» وعند التِّرمذيِّ بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن عمرَ مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا تُرَدُّ: الوسائد، والدُّهن واللَّبن» قال التِّرمذيُّ: يعني بالدُّهن: الطِّيب.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٢٩] والترمذي في «الاستئذان» في «باب ما جاء في كراهية ردّ الطيب» وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الوليمة» و «الزِّينة».
(١٠) (بابُ مَنْ رَأَى الهِبَةَ) أي: الَّتي تُوهَب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَنْ يَرى» ولأبي ذرٍّ: «أَنَّ الهبة» (الغَائِبَةَ جَائِزَةً) نَصْبٌ مفعولٌ ثانٍ لـ «رأى»، وبالرَّفع خبرُ «إنَّ» على رواية أبي ذرٍّ.
٢٥٨٣ - ٢٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم الجُمَحِيُّ بالولاء قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالد بن عَقيل -بالفتح- الأَيْلِيُّ -بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة- الأمويُّ مولاهم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ) بن الزُّبَيْر (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵄ وَمَرْوَانَ) بنَ الحَكَم (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) زاد في «الوكالة»: «مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم» [خ¦٢٦٠٧] (قَامَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا
стр. 5393
هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاؤُوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) (١) بضمِّ الياء وفتح الطَّاء وتشديد الياء، أي: مَنْ أحبَّ أن يُطَيِّب (٢) نفسه بدفع السَّبي إلى هوازن (فَلْيَفْعَلْ) جوابُ «مَنْ» المتضمِّنة معنى الشَّرْط (وَمَنْ أَحَبَّ) أي: منكم (أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي: نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عِوَضَه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَينا) بضمِّ الياء وكسر الفاء مِنْ «أفاء» أي: يرجع إلينا من أموال الكفَّار، وجوابُ الشَّرط «فليفعل» وحُذِفَ هنا في هذه (٣) الطَّريق (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ) زاد في «العِتق» [خ¦٣١٣١] «ذلك» وقد سبق فيه أنَّ هذه الرِّواية مرسَلةٌ، لأنَّ مروانَ لا صُحبة له، والمسور لم يحضر القصِّة، ومراد المؤلِّف منه هنا قوله ﷺ : «وإنِّي رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يطيِّب ذلك (٤) فليفعل» مع قولهم: طيَّبنا (٥) لك، ففيه: أنَّهم وهبوا (٦) ما غنموه من السَّبي قبل أن يُقسَم (٧)، وذلك في معنى الغائب، وتركهم إيَّاه في معنى الهِبة، كذا قرَّره في «فتح الباري»، وفيه من التعسُّف ما لا يخفى، وإطلاق التَّرك على الهبة بعيدٌ، وزعم ابن بطَّال: أنَّ فيه دليلًا على أنَّ للسُّلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّه لا دليل فيه على ذلك، بل في نفس الحديث أنَّه ﷺ لم يفعل ذلك إلَّا بعد تطييب (٨) نفوس المالكِين، ولا يُسَوَّغ للسُّلطان نقل أملاك النَّاس، وكلُّ أحد أحقُّ بماله، وتعقَّبه ابن الدَّمامِينيِّ من المالكيَّة فقال: لنا في المذهب صورة ينقل فيها السُّلطان ملك الإنسان عنه جبرًا، كدار ملاصقة للجامع الذي احتيج إلى توسعته وغير ذلك، لكنَّه لا (٩) يُنْقَل إلَّا بالثَّمن، قال: وهو وارد على عموم كلامه.
стр. 5394
وهذا الحديث قطعة من حديث سبق (١) في «العتق» [خ¦٣١٣١].
(١١) (بابُ المُكَافَأَةِ فِي الهِبَةِ) بالهمزة، وقد تُتْرَك، مفاعلة بمعنى: المقابلة، وللكُشْمِيهَنيِّ: «الهديَّة» بالدَّال المهملة بدل «الهِبَة» بالموحَّدة.
٢٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي (٢) إسحاقَ السَّبِيعي، بفتح (٣) السِّين المهملة وكسر الباء (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عُرْوة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أي: يعطي الذي يهدي له بدلها. واستدلَّ به بعض المالكيَّة على وجوب الثَّواب على الهديَّة إذا أَطْلَق، وكان ممَّن يطلب مثله الثَّواب كالفقير للغنيِّ، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدَّلالة منه: مواظبتُه ﷺ على ذلك (٤)، ومذهبُ الشَّافعيَّة لا يجب بمطلق الهبة والهديَّة، إذ لا يقتضيه اللَّفظ ولا العادة، ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى، كما في إعارته له إلحاقًا للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتَّهب على ذلك، فهبةٌ مبتدأةٌ، وإذا قيَّدها المتعاقدان (٥) بثوابٍ معلوم لا مجهول، صحَّ العقد بيعًا نظرًا للمعنى، فإنَّه معاوضةُ مالٍ بمال معلوم كالبيع، بخلاف ما إذا قيَّداها بمجهول، لا يصحُّ لتعذُّره بيعًا وهبة. نعم، المكافأة على الهديَّة والهبة مستحبَّةٌ اقتداءً به ﷺ .
стр. 5395
وأشار المؤلِّف بقوله: (لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح، فيما وصله ابن أبي شَيْبَة (وَمُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة، ابنُ المورِّع -بتشديد الرَّاء المكسورة وبالعين المهملة- الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُرْوَة (عَنْ عَائِشَةَ) إلى أنَّ عيسى بن يونس تفرَّد بوصل هذا الحديث عن هشام، وقد قال التِّرمذيُّ (١) والبزَّار: لا نعرفه موصولًا إِلَّا من حديث عيسى بن يونس، وهو عند النَّاس مرسل، قال ابن حَجَر: وروايةُ مُحاضِر لم أقف عليها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة متَّجهةٌ إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعمُّ، والحديث أخرجه أبو داود في «البيوع» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».
(١٢) (بابُ) حكم (الهِبَةِ لِلْوَلَدِ) من الوالد (وإِذَا أَعْطَى) الوالد (بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ) له ذلك (حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ (٢) مِثْلَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ويُعْطَى» بضمِّ أوَّله وفتحِ ثالثِه «الآخرُ» بالإفراد والرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ) مبنيٌّ للمفعول، والضَّمير في «عليه» للأب، أي: لا يسع الشُّهود أن يشهدوا على الأب إذا فضَّل بعض بنيه على بعض.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله في الباب اللَّاحق [خ¦٢٥٨٧] من حديث النُّعمان: (اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ) هبةً أو هديَّةً أو صدقةً، وسقط لفظ «في العطيَّة» في الباب اللَّاحق (وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ) الَّتي أعطاها لولده؟ نعم له ذلك، وكذا سائر الأصول من الجهتين، ولو مع اختلاف الدِّين من دون حكم الحاكم، سواء أقبضها الولد أم لا، غنيًّا كان أو فقيرًا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لحديث التِّرمذي والحاكم وصحَّحاه: «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطيَ عطيَّة أو يهب هبةً فيرجع فيها إِلَّا الوالد فيما يُعطي لولده (٣)»، والوالد يشمل كلَّ الأصولِ إِنْ حُمِل اللَّفظ
стр. 5396
على حقيقته ومجازه، وإلَّا لَحِق به بقيَّة الأصول، بجامع أنَّ لكلٍّ ولادةً (١) كما في النَّفقة (وَ) حكم (مَا يَأْكُلُ) الوالدُ (مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالمَعْرُوفِ) إذا احتاج (وَلَا يَتَعَدَّى) لكن قال ابن المُنَيِّر: وفي انتزاعه من حديث الباب خفاءٌ، وفي حديث عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جدِّه عند الحاكم مرفوعًا: «إنَّ أطيب ما أكل الرَّجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه، فكلوا من مال أولادكم».
(وَاشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في «كتاب البيوع» [خ¦٢١١٥] في حديث طويل (مِنْ عُمَرَ) بن الخطاب (بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ) أي: البعيرَ (ابْنَ عُمَرَ، وَقَالَ) ﵊: (اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ) فيه تأكيدٌ للتَّسوية بين الأولاد في الهبة، لأنَّه ﵊ لو سأل عمر أن يهبه لابن عمر لم يكن عدلًا بين بني عمر، فلذلك اشتراه ﷺ ثمَّ وهبه له، وفيه دليل على أنَّ الأجنبيَّ يجوز له أن يخصَّ بالهبة بعضَ ولد صديقه دون بعضٍ، ولا يُعَدُّ ذلك جَورًا.
٢٥٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء المهملة، ابن عَوف (وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة، ابن سعد بن ثَعْلبة بن الجُلَاس -بضمِّ الجيم وتخفيف اللَّام آخره سينٌ مهملة- التَّابعيُّ (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ) بَشِير بن سعد بن ثَعْلبة (أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ) بفتح النُّون والحاء المهملة وسكون اللَّام، أي: أعطيتُ (ابْنِي هَذَا) النُّعمان (غُلَامًا) لم يُسَمَّ (فَقَالَ) ﵊ (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ) أي: أعطيتَ (مِثْلَهُ؟) وهمزةُ «أَكلَّ» للاستفهام على طريق الاستخبار، و «كلَّ» منصوبٌ بقوله: «نحلتَ»، ولمسلمٍ من رواية أبي حيَّان: «فقال: أكلَّهم وهبتَ (٢) لهم مثل هذا؟» (قَالَ: لَا) وفي «الموطَّآت» للدَّارقُطْنِيِّ من رواية ابن القاسم قال: لا، والله يا رسول الله (قَالَ: فَارْجِعْهُ)
стр. 5397
بهمزة وصل، ولمسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال: «فاردُدْه»، وتمسَّك به مَنْ أوجب التَّسوية في عطيَّة الأولاد، وبه صرَّح البخاريُّ، وهو مذهب طاوس والثَّوريِّ، وحَملَ الجمهورُ الأمر على النَّدب، والنَّهيَ على التَّنزيه، فيُكْرَه للوالد وإن علا أَنْ يهب لأحد ولدَيه أكثر من الآخر ولو ذكرًا لئلَّا يفضيَ ذلك إلى العقوق، وفارقَ الإرث بأنَّ الوارث راضٍ بما فرضَ الله له، بخلاف هذا، وبأنَّ الذَّكر والأنثى إنَّما يختلفان في الميراث بالعصوبة، أمَّا بالرَّحم المجرَّدة فهما سواء كالإخوة والأخوات من الأمِّ، والهبة للأولاد أُمِرَ بها صلةً للرَّحم. نعم، إن تفاوتوا حاجةً، قال ابن الرِّفعة: فليس من التَّفضيل والتَّخصيص المحذور السَّابق، وإذا ارتُكِبَ التَّفضيل المكروه (١)، فالأَولى أن يعطي الآخرين ما يحصل به العدلُ، ولو رجع جاز، بل حَكَى في «البحر» استحبابَه، قال الإِسْنويُّ: ويتَّجه أن يكون محلُّ جوازه أو استحبابه في الزَّائد، وعن أحمد: تصحُّ التَّسوية، ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التَّفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته أو دَيْنه أو نحو ذلك دون الباقين، وقال أبو يوسُف: تجب التَّسوية إن قصد بالتَّفضيل الإضرار.
وفي هذا الحديث رواية الابن عن أبيه، ورواتُه كلُّهم مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف، وأخرجه أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٥٨٧] و «الشهادات» [خ¦٢٦٥٠]، ومسلم في «الفرائض»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «النُّحْل»، وابن ماجه في «الأحكام»، والله الموفِّق (٢).
(١٣) (بابُ الإِشْهَادِ فِي الهِبَةِ).
стр. 5398
٢٥٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن (١) حفص بن عمر بن عُبيد الله الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليَشْكُريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعْبِيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ) بالكوفة، كما عند ابن حِبَّان والطَّبرانيِّ (يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي) بشيرُ بن سعد بن ثَعْلبة ابن جُلَاس -بضمِّ الجيم وتخفيف اللَّام- وضبطه الدَّارقُطْنيُّ: بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام، الأنصاريُّ الخَزْرجِيُّ (عَطِيَّةً) كانت العطيَّة غلامًا، سألت أمُّ النُّعمان أباه أن يعطيه إيَّاه من ماله، كما في «مسلم» (فَقَالَتْ عَمْرَةُ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتُ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء وبالحاء المهملة، الأنصاريَّة أمُّ النُّعمان لأبيه: (لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أنك أعطيته ذلك على سبيل الهبة (٢)، وغرضُها بذلك تثبيتُ العطيَّة (فَأَتَى) بشيرٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي) النُّعمان (مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ) على ذلك (قَالَ) ﵊: (أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟) أي الَّذي أعطيته النعمان (قَالَ: لَا) وعند ابن حِبَّان والطَّبرانيِّ عن الشَّعبيِّ: «لا أشهد على جَور»، وتمسَّك به الإمام أحمد في وجوب العدل في عطيَّة الأولاد، وأنَّ تفضيل أحدهم حرامٌ وظلم، وأُجِيبَ: بأنَّ الجَور هو المَيْل عن الاعتدال، والمكروه أيضًا جَورٌ، وقد زاد مسلمٌ: «أشهد على هذا غيري» وهو إِذنٌ بالإشهاد على ذلك، وحينئذ فامتناعُه ﵊ من الشَّهادة على وجه التَّنزُّه، واستضعف هذا ابنُ دَقيق العِيد بأنَّ الصِّيغة وإن كان ظاهرها الإذن بهذا، إلَّا أنَّها مشعرة بالتَّنفير الشَّديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع ﵊ من مباشرة هذه الشَّهادة معلِّلًا بأنها جَور، فتخرج الصِّيغة عن ظاهر الإذن بهذه القرائن، وقد استعملوا مثل هذا اللَّفظ في مقصود التَّنفير (قَالَ: فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ) بشيرٌ من عند النَّبيِّ ﷺ (فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ) الَّتي أعطاها للنُّعمان.
وفي الحديث: كراهةُ تحمُّل الشَّهادة فيما ليس بمباحٍ، وأنَّ الإشهاد في الهبة مشروعٌ، وليس بواجبٍ، وأنَّ للإمام الأعظم أن يتحمَّل الشَّهادة، وتظهر فائدتها: إمَّا لِيَحكم في ذلك بعلمه،
стр. 5399
عند من يجيزه، أو يؤدِّيها عند بعض نُوَّابه، وقولُ ابن المُنَيِّر: إنَّ فيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتَّنطُّع، لأنَّ عَمْرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده، لما رجع فيه، فلما اشتدَّ حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه، تعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّ إبطالها ارتفع به جَورٌ وقع في القضيَّة فليس ذلك من سوء العاقبة في شيءٍ.
(١٤) (بابُ) حكم (هِبَةِ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ وَ) حكم هبة (المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النَّخْعِيُّ، فيما وصله عبد الرزَّاق (جَائِزَةٌ) أي: الهبة من الرَّجل لامرأته، ومنها له (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله عبد الرزَّاق: (لَا يَرْجِعَانِ) أي: الزَّوج فيما وهبه لزوجته، ولا هي فيما وهبته له (وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا هو موصول في هذا الباب [خ¦٢٥٨٨] (نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ) ووجه مطابقته للتَّرجمة: من حيث إنَّ أمَّهات المؤمنين وهبن له ﵊ ما استحققن من الأيَّام، ولم يكن لهنَّ في ذلك رجوعٌ فيما مضى وإن كان لهنَّ الرُّجوع في المستقبل.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما يأتي -إن شاء الله تعالى- في آخر الباب موصولًا [خ¦٢٥٨٩] (العَائِدُ فِي هِبَتِهِ) زوجًا كان أو غيره (كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شِهاب، فيما وصله عبد الله بن وهب، عن يُونس بن يزيد عنه: (فِيمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: هَبِي لِي) أمْرٌ مِن وَهَب يَهَب، وأصله: أوهبي، حُذِفَت واوه تبعًا لفعله، لأنَّ أصل يهب: يوهب، فلمَّا حُذِفَت الواو، استُغنِيَ عن الهمزة فحُذِفَت فصار «هَبِيْ» على وزن «عَلِي» (بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ) قال: هبي لي (كُلَّهُ) فوهبته (ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا، فَرَجَعَتْ فِيهِ، قَالَ) الزُّهريُّ:
стр. 5400
(يَرُدُّ) الزَّوج (إِلَيْهَا) ما وهبته (إِنْ كَانَ خَلَبَهَا) -بفتح الخاء المعجمة واللَّام والموحَّدة- أي: خَدَعها (وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ) وهبته ذلك (عَنْ طِيبِ نَفْسٍ) منها (لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ) لها (جَازَ) ذلك، ولا يجب ردُّه إليها. (قَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة النِّساء (﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]) قال البيضاويُّ: الضَّمير للصَّداق حملًا على المعنى، أو يجري مجرى اسم الإشارة -قال الزَّمخْشَرِيُّ: كأنه قيل: عن شيء من ذلك- وقيل: للإيتاء، و ﴿نَفْسًا﴾ تمييزٌ لبيان الجنس، ولذا وُحِّد، والمعنى: فإن وهبن لكم من الصَّداق شيئًا عن طيب نفس، لكنْ جعلَ العُمْدة طيب النَّفس للمبالغة، وعدَّاه بـ ﴿عَن﴾ لتضَمُّنِهِ (١) معنى التَّجافي والتَّجاوز، وقال ﴿مِّنْهُ﴾ بعثًا لهنَّ على تقليل الموهوب، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «﴿فَكُلُوهُ﴾» أي: فخذوه وأنفقوه «﴿هَنِيئًا﴾» أي: حلالًا بلا تَبِعَة، وإلى التَّفصيل المذكور بين أن يكون خَدَعها فلها أن ترجع، وإلَّا فلا ذَهَبَ المالكيَّة إن أقامت البيِّنة على ذلك، وقيل: يُقبَل قولها في ذلك مطلقًا، وإلى عدم الرُّجوع (٢) من الجانبين مطلقًا ذهب الجمهور، وقال الشَّافعي: لا يردُّ الزَّوج شيئًا إذا خالعها ولو كان مضرًّا بها، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٢٥٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عُتْبَة بن مسعود (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬)
стр. 5401
في وجعه (فَاشْتَدَّ وَجَعُهُ) وكان في بيت ميمونة ﵂ (اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ) بضمِّ أوَّله وفتح الميم وتشديد الرَّاء (فِي بَيْتِي) وكان المخاطِب لأمَّهات المؤمنين في ذلك فاطمة، كما عند ابن سعد بإسنادٍ صحيح (فَأَذِنَّ) بتشديد النُّون (لَهُ) ﵊ أن يُمرَّض في بيت عائشة (فَخَرَجَ) ﵊ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ) بضمِّ الخاء المعجمة، و «رجلاه» فاعل، أي: يؤثِّر برجليه في الأرض، كأنَّه يخطُّ خَطًّا (وَكَانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله: (فَذَكَرْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا) أدري (قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁.
وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الطهارة» [خ¦١٩٨] وغيرها [خ¦٦٦٥]، ويأتي إن شاء الله تعالى وبقيَّة مباحثه في «باب مرض النَّبيِّ ﷺ » آخر «المغازي» [خ¦٤٤٤٢].
٢٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء مُصَغَّرًا، ابن خالد بن عجلان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : العَائِدُ) زوجًا أو غيره (فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) وزاد أبو داود قال قتادة (١): ولا نعلم القيء إلَّا حرامًا، واحتجَّ به الشَّافعي وأحمد على أنَّه ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلَّا الَّذي ينحله الأب لابنه، وعند مالك: له أن يرجع في الأجنبيِّ الَّذي قصد منه الثَّواب ولم يثبه، وبه قال أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: للواهب الرُّجوع في هبته من الأجنبيِّ ما دامت قائمة ولم يُعَوَّض عنها (٢)، وأجاب عن الحديث: بأنَّه ﵊ جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه، فالتَّشبيه من حيث إنَّه ظاهر القُبح مروءةً وخُلُقًا لا شرعًا، والكلب غير مُتَعَبَّد بالحرام والحلال، فيكون العائد في هبته عائدًا في
стр. 5402
أمرٍ قَذِر، كالقَذَر الذي يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الرُّجوع في الهبة، ولكنَّه يوصف بالقبح.
(١٥) (بابُ) حكم (هِبَةِ المَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَ) حكم (عِتْقِهَا) جاريتها، وفي نسخة بالفرع وأصله: «وعِتْقُها» بالرَّفع على الاستئناف (إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ) ليست «إذا» للشَّرط بل هي للظَّرف، لأنَّ الكلام فيما إذا كان لها زوج وقت الهبة والعتق، أمَّا إذا لم يكن لها زوج فلا نزاع في جوازه (فَهْوَ) أي: ما ذُكِرَ من الهبة والعتق (جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً، فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ، قَالَ الله تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «وقال الله تعالى» (﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]) وهذا مذهب الجمهور، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطيَ بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلَّا من الثُّلث قياسًا على الوصيَّة.
٢٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مَخْلد (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، عبد الله بن عُبيد الله (عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتشديد الموحَّدة بعد العين المفتوحة، ابن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) جدَّته لأبيه (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق (¬﵂¬) وعن أبيها أنَّها (قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء زوجي (الزُّبَيْرُ) بن العوَّام، وصيَّره ملكًا لها (فَأَتَصَدَّقُ؟) بحذف أداة الاستفهام، وللمُستملي كما في «الفتح»: «أفأتصدَّق» بإثباتها (قَالَ) ﵊: (تَصَدَّقِي وَلَا تُوعِي) بضمِّ أوَّله وكسر العين من الإيعاء (فَيُوعَى عَلَيْكِ) بفتح العين، أي: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنَّفقة، فتُجازَي بمثل ذلك، وقد روى أيُّوب هذا الحديث عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة (١)
стр. 5403
بغير واسطة، أخرجه (١) أبو داود والتِّرمذيُّ وصحَّحه والنَّسائيُّ، وصرَّح أيُّوب عن ابن أبي مُلَيْكَة بتحديث عائشة له بذلك، فيُحْمل على أنَّه سمعه من عبَّادٍ عنها، ثمَّ حدَّثته به.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله: «تصدَّقي»، فإنَّه يدلُّ على أنَّ المرأة الَّتي لها زوج لها أن تتصدَّق بغير إذن زوجها، والمراد من الهبة في التَّرجمة معناها اللُّغويُّ، وهو يتناول الصَّدقة، وقد تقدَّم الحديث في أوائل «كتاب الزكاة» [خ¦١٤٣٤].
٢٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بنُ سَعِيدٍ) اليَشْكُريُّ السَّرْخَسِيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ) بنت عمه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَير بن العَوَّام (عَنْ) جدّتهما لأبيهما (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لها: (أَنْفِقِي) بهمزة قطع وكسر الفاء (وَلَا تُحْصِي) بضمِّ أوَّله وكسر الصَّاد من الإحصاء (فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ) بنصب المضارع الواقع بعد الفاء في جواب النَّهي فيهما، والإحصاء مَجاز عن التَّضييق، لأنَّ العدَّ مستلزمٌ له، ويحتمل أن يكون من الحصر الَّذي هو بمعنى المنع، وقال الخطَّابيُّ: «لا توعي» أي: لا تخبِّئي الشَّيء في الوعاء، أي: أنَّ مادَّة الرِّزق متَّصلةٌ باتِّصال النَّفقة منقطعة بانقطاعها، فلا تمنعي فضلها فتُحرمي مادَّتها، وكذلك «لا تحصي» فإنها إنَّما تحصي للتَّبقية والذُّخر، «فيُحْصَى عليك» بقطع البركة ومنع الزيادة، وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المحاسبة عليه والمناقشة في الآخرة.
стр. 5404
٢٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزوميُّ (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعد الإمام (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيبٍ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله ابن (١) الأشجِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ) أمَّ المؤمنين الهلاليَّة (٢) (¬﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أي: أَمَةً، وللنَّسائيِّ «أنَّها كانت لها جارية سوداء» قال الحافظ ابن حَجَر: ولم أقفْ على اسمها (وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ) أي: أعلمتَ (يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ) ﵊: (أَوَفَعَلْتِ؟) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، أي: أَوَفَعَلْتِ العتق (قَالَتْ (٣): نَعَمْ) فعلته (٤) (قَالَ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّكِ) بكسر الهمزة في الفرع وأصله على أنَّ «أَمَا» (٥) استفتاحيَّةٌ بمعنى «أَلَا»، وفي بعض الأصول: «أنَّك» بفتح الهمزة، على أنَّ «أَمَا» بمعنى حقًّا (لَوْ أَعْطَيْتِهَا) أي: الوليدة (أَخْوَالَكِ) من بني هلال، قال العَيْنيُّ: ووقع في رواية الأَصيليِّ: «أخواتِك» بالتَّاء بدل اللَّام، قال عِيَاض: ولعله أصحُّ من رواية «أخوالَك» بدليل رواية مالك في «الموطَّأ»: «فلو أعطيتِها أختَيك» ولا تعارضَ، فيحتمل (٦) أنَّه ﵊ قال ذلك كلَّه (كَانَ) إعطاؤك لهم (أَعْظَمَ لأَجْرِكِ) من عِتْقِها، ومفهومُه: أنَّ الهبة لِذَوِي الرَّحم أفضل من العتق، كما قاله ابن بطَّال، وليس ذلك على إطلاقه، بل يختلف باختلاف الأحوال، وقد وقع في رواية النَّسائيِّ بيان وجه الأفضليَّة في إعطاء الأخوال، وهو احتياجهم إلى من يخدمهم،
стр. 5405
ولفظه: «أفلا فديت بها بنت أختك من رعاية الغنم» على أنَّه ليس في حديث الباب نصٌ على أنَّ صلة الرَّحم أفضل من العتق، لأنَّها (١) واقعة عين.
فإنْ قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيبَ: بأنَّها أَعْتَقَتْ قبل أن تستأمر النَّبيَّ ﷺ ، وكانت رشيدةً فلم يَسْتَدْرِك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفُذُ لها تصرُّفٌ في مالها، لأبطله، قاله في «الفتح».
وفي هذا الحديث: ثلاثة من التَّابعين على نَسَقٍ واحد، ونصف رجاله الأُوَل مصريُّون والأُخَرُ مدنيُّون، وأخرجه مسلم في «الزَّكاة» والنَّسائيُّ في «العتق».
(وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، و «مُضَر»: بضم الميم وفتح الضَّاد المعجمة، ابن محمَّد بن حكيم المصريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد» و «برِّ الوالدين» له (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) المذكور (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاس: (أنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعتقته» بضمير النَّصب الرَّاجع لكُرَيب. قال في «الفتح»: وهو غلط فاحش، وفي هذا التَّعليق موافقة عَمْرو بن الحارث ليزيد بن أبي حَبيب على قوله: «عن كُرَيب» قال: وقد خالفهما محمَّد بن إسحاق، فرواه عن بُكَيْر (٢)، فقال: عن سليمان بن يسار بدل كُرَيب (٣)، أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من طريقه قال الدَّارقطنيُّ: ورواية يزيد وعَمْرو أصحُّ، ورواية بكر (٤) بن مُضَر له عن عَمْرو عن (٥) بُكَير عن كُرَيب: أنَّ ميمونةَ صورتها صورةُ الإرسال، لكونه ذكر قصَّةً ما أدركها، لكن قد رواه ابن وهب عن عَمْرو بن الحارث، فقال فيه: «عن كُرَيب عن ميمونة»، أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ من طريقه.
стр. 5406
٢٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزي قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ) أي: أيُّ امرأة منهنَّ (خَرَجَ سَهْمُهَا) الَّذي باسمها (خَرَجَ) ﵊ (بِهَا مَعَهُ) في صحبته (وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) أمَّ المؤمنين (وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونها (تَبْتَغِي) تطلب (بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وهبتْ لعائشة» إذ لو قلنا: إنَّ الهبة كانت لرسول الله ﷺ لم تقع المطابقة، قاله الكِرمانيُّ، وقال ابن بطَّال: إنَّ هذا الحديث ليس من هذا الباب؛ لأنَّ للسَّفيهة أن تهب يومها (٢) لضرَّتها، وإنَّما السَّفه في إفساد المال خاصَّةً.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الشهادات» [خ¦٢٦٨٨]، وأبو داود في «النِّكاح» والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء».
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه (بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَدِيَّةِ؟) قال في «الفتح»: أي: عند التَّعارض في أصل الاستحقاق.
٢٥٩٤ - (وَقَالَ بَكْرٌ) هو ابن مضر (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن الحارث، مما وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد» و «برِّ الوالدين» له (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن (٣) الأَشَجِّ
стр. 5407
(عَنْ كُرَيْبٍ) زاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «مولى ابن عبَّاس» (أنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أَمَةَ (لَهَا) لم تُسَمَّ (فَقَالَ لَهَا) أي: رسول الله ﷺ كما ثبت في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٥٩٢] بل ثبت في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ كنسخ غيرها. (وَلَوْ) بالواو في «اليُونينيَّة»، وفي نسخةٍ: «لو» (وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ) من بني هلالٍ (كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ) من عتقها، وفي حديث سلمان (١) بن عامر الضَّبيِّ عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابنا خُزَيمة وحِبَّان (٢) مرفوعًا: «الصَّدقة على المسكين (٣) صدقة، وعلى ذي الرَّحم صدقةٌ وصِلَةٌ»، والحقُّ: أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، كما سبق تقريره قريبًا (٤) [خ¦٢٥٩٢].
٢٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ الملقَّب بِبنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبد الملك بن حَبيب (الجَوْنِيِّ) بفتح الجيم وسكون الواو وبالنُّون (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عثمان (رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ (٥) بْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ (٦): يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا) نُصبَ على التَّمييز، و «أقربهما» أي: أشدُّهما قربًا، قيل: الحكمة فيه أنَّ الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هديَّة وغيرها فيتشوَّق لها (٧)، بخلاف الأبعد.
стр. 5408
(١٧) (بابُ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ) أي: لأجل علَّة، كهديَّة المستقرض إلى المُقرِض (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله ابن سعد وأبو نُعَيم في «الحلية»: (كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَدِيَّةً وَاليَوْمَ رَُِشْوَةٌ) بتثليث الراء: ما يُؤخَذ بغيرعِوَض، ويُعاب آخذُه.
٢٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأَوَّل (بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عاش إلى خلافة عثمان على الأصحِّ (يُخْبِرُ: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة: قريةٌ من الفُرع من عمل المدينة (أَوْ بِوَدَّانَ) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة، قرية جامعة قريبة من الجُحْفَة، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَهْوَ مُحْرِمٌ) جملة حاليَّة (فَرَدَّهُ) أي: فردَّ ﵊ الحمارَ على الصَّعبِ (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (صَعْبٌ: فَلَمَّا عَرَفَ) ﵇ (فِي وَجْهِي رَدَّهُ) مصدرٌ مفعولُ «عَرَفَ» أي: عرف أثر التَّغيُّر في وجهي من كراهة ردِّه (هَدِيَّتِي، قَالَ: لَيْسَ بِنَا) أي: بسببنا وَجِهَتِنا (رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ) أي: وإنَّما سبب الردِّ كوننا محرمين.
وهذا الحديث سبق في «باب إذا أهدى المحرم حمارًا وَحْشِيًّا» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٢٥].
стр. 5409
٢٥٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، عبد الرَّحمن بن المنذر (السَّاعِدِيِّ) الأنصاري (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ) بفتح الهمزة وسكون الزاي آخره دال مهملة (يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ) بسكون اللَّام وضمِّ الهمزة وفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، وفيه أربعة أقوالٍ سبق التَّنبيه عليها في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٥٠٠] قال الكِرْمانيُّ: والأصحُّ أنَّه باللَّام وسكون الفوقيَّة، وأنَّه (١) نسبةٌ إلى بني لُتْب (٢) قبيلة معروفة، واسمه عبد الله (فَلَمَّا قَدِمَ) المدينة وفرغ من عمله، حاسبه ﵊ (قَالَ) أي: ابن الأُتَبِيَّة (هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ) ﵊: (فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ) قال: (بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى) بحذف همزة الاستفهام، ولأبي ذَرٍّ: «أَيُهْدَى» (لَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إليه» (أَمْ لَا؟) بنصب الفعل المضارع المقترن بالفاء في جواب التَّحضيض المتقدِّم، وهو: «هلَّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمِّه»، والظَّاهر أنَّ النَّظر هنا بَصَريٌّ، والجملةُ الواقعة بعده مقترنةٌ بالاستفهام في محلِّ نصبٍ، وهو معلَّق عن العمل. وقد صرّح الزَّمخشَرِيُّ بتعليق النَّظر البَصَريِّ، لأنَّه من طريق العلم، وتوقَّف فيه ابن هشام في «مغنيه» مرَّة، وقال به أُخرى، حكاه في «المصابيح»، وهذا موضع التَّرجمة، لأنَّه ﵊ عابَ على ابن الأُتَبِيَّة قَبولَه الهديَّة
стр. 5410
الَّتي أُهدِيت له، لكونه كان عاملًا، وفيه أنَّه يحرم على العمَّال قَبول هدايا رعاياهم، على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ) أي: من مال الصدقة (شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ) المأخوذ (بَعِيرًا) أي: يحمله على رقبته، بحذف جواب الشَّرط، لدلالة المذكور عليه (لَهُ رُغَاءٌ) بضمِّ الرَّاء وبالغين المعجمة ممدودًا صفةٌ للبعير، يُقال: رغا البعير إذا صوَّتَ (أَوْ) كان المأخوذ (بَقَرَةً) يحملها على رقبته (لَهَا خُوَارٌ) بضمِّ الخاء المعجمة، صفة للبقرة، وهو صوتها (أَوْ) كان المأخوذ (١) (شَاةً) يحملها على رقبته (تَيْعَرُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح العين المهملة آخره راء، صفةٌ لـ «شاة» أي: تُصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﵊ (بِيَدِهِ) وفي نسخةٍ: «يدَه» (حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ) بضمِّ العين المهملة وسكون الفاء وفتح الرَّاء آخرُه هاء تأنيث، أي: بياضهما المشوب بالسُّمرة، ولأبي ذَرٍّ: «عُفْرَ» بإسقاط هاء التَّأنيث (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا) أي: قد بلَّغتُ، أو استفهامٌ تقريريٌّ، والتَّقرير للتَّأكيد، ليُسمعَ من لا سَمِعَ، وليبلِّغِ الشَّاهد الغائب، وفيه: أنَّ هدايا العمَّال تُجعل في بيت المال، وأنَّ العامل لا يملكها إلَّا أن يطيِّبها له الإمام، كما في قصَّة معاذ: أنَّه ﵊ طيَّب له الهديَّة، فأنفذها له أبو بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ .
وقد سبق حديث الباب في «الزَّكاة» [خ¦١٥٠٠] وأخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٩٧] و «النُّذور» [خ¦٦٦٣٦] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٩]، ومسلم في «المغازي» وأبو داود في «الخَراج».
(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) الرَّجل (هِبَةً) لآخر (أَوْ وَعَدَ) آخر، وزاد الكُشْمِيهَنِيُّ: «عِدَةً» (ثمَّ مَاتَ) الَّذي وهَب، أو الَّذي وعَد، أو الَّذي وُهِبَ له أو الذي وُعِدَ له (٢) (قَبْلَ أَنْ تَصِلَ)
стр. 5411
الهبة أو الَّذي وعده به (إِلَيْهِ) إلى الموهوب له أو الموعود، لم ينفسخْ عقد الهبة، لأنَّه يؤول إلى اللُّزوم كالبيع، بخلاف نحو الشَّركة والوكالة، ومِثْلُ الموت الجنونُ والإغماء، لكن لا يَقبضَان إلَّا بعد الإفاقة، قاله البَغَوِيُّ، وقام وارث الواهب في الإقباض والإذن، ووارث المتَّهب في القبض مقامَ المورِّث، فإن رجع الواهب أو وارثه في الإذن في القبض، أو مات هو أو المتَّهب، قبل القبض (١) بَطَل الإذن، ولو مات المهدي أو المُهدى إليه قبل القبض فليس للرَّسول إيصال الهديَّة إلى المهدى إليه أو وارثه إلَّا بإذنٍ جديد، كما هو مفهوم ممَّا مرَّ.
(وَقَالَ عَبِيدَةُ) بفتح العين المهملة وكسر الموحَّدة، ابن عمرو السَّلْمانيُّ، بفتح السِّين وسكون اللَّام، ممَّا (٢) لم أعرف مَنْ وصله (إِنْ مَاتَ) أي: المُهدي، وفي نسخةٍ: «إن ماتا» أي: المُهدي والمُهدى له (وَكَانَتْ فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ) بالفاء المضمومة والصَّاد المهملة المكسورة، وفي نسخةٍ: «فَصَلَتْ» بفتحهما، وهما (٣) من الفصل، والمراد: القبض، وفي نسخةٍ: «وَصَلَت» بالواو بدل الفاء، فالفصل بالنَّظر إلى المُهدِي، والوصلُ بالنَّظر إلى المُهدى إليه، إذ حقيقة الإقباض لا بدّ لها من فصل الموهوب عن (٤) الواهب ووصله إلى المتَّهب، قاله الكِرمانيُّ (وَالمُهْدَى لَهُ حَيٌّ) حال القبض، ثمَّ مات (فَهْيَ) أي: الهديَّة (لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أي: الهديَّة (فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الَّذِي أَهْدَى) بفتح الهمزة والدَّال. قال في «فتح الباري»: وتفصيله بين أن تكون انفصلت أم لا مصيرٌ منه إلى أنَّ قبض الرَّسول يقوم مقام قبض المُهدَى إليه. وذهب الجمهور إلى أنَّ الهديَّة لا تنتقل إلى المهدَى إليه إلَّا بأن يقبضها هو أو وكيله. انتهى. ومفهومه: أنَّ المراد بقوله: «فُصِلَت» أي: من المُهدي إلى الرَّسول، لا قبض المهدى إليه لها، وهو خلاف ما قاله الكِرمانيُّ (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ﵀ ممَّا لم أعرفه موصولًا (٥): (أَيُّهُمَا) أي: أيُّ واحد من المهدِي والمهدَى إليه (مَاتَ قَبْلُ) أي: قبل الآخر (فَهْيَ) أي: الهديَّة (لِوَرَثَةِ المُهْدَى لَهُ، إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ) فإن لم يقبضها فهي للمهدِي أو لورثته.
стр. 5412
٢٥٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّد قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ (¬﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ) من الجزية (أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَقْدَمْ) مالُ البحرين (حَتَّى تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ ¬) أرسله العلاءُ بن الحَضْرميِّ (فَأَرسلَ) والَّذي في «الفرع»: «فَأَمَرَ» (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (مُنَادِيًا) يحتمل أن يكون بلالًا (فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ) وَعَدَهُ بها (أَوْ دَيْنٌ) قَرْض أو نحوه (فَلْيَأْتِنَا) نوفِّهِ ذلك، قال جابر: (فَأَتَيْتُهُ) ﵁ (فَقُلْتُ) له: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَنِي) عدةً (فَحَثَى لِي) بالحاء المهملة والمثلَّثة (ثَلَاثًا) أي: ثلاث حَثَيات، من حثى يحثي ويحثو لُغَتان، والحَثْية: ما يملأ الكفَّ، والحفنة: ما يملأ الكفَّين، وذكر أبو عُبَيد أنَّهما بمعنى، وكانت كلُّ حثية خمسَ مئة. وقول الإسماعيليِّ: إنَّ ما قاله النَّبي ﷺ لجابر ليس هبةً، وإنَّما هي عِدَة على وصفٍ، لكن لمَّا كان وَعْد النَّبي ﷺ لا يجوز أن يتخلَّف، نزَّلوا وعدَه منزلة الضَّمان في الصِّحة، فرقًا بينه وبين غيره من الأمَّة ممَّن يجوز أن يفيَ وألَّا يفيَ، فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة إلَّا على هذا التَّأويل، فيه نَظَرٌ، وبيانه كما في «المصابيح»: أنَّ التَّرجمة لشيئين، أحدهما: إذا وهب، ثمَّ مات قبل وصولها، فساق لهذا ما ذكره عن عَبِيدَةَ والحَسَن. ثانيهما: إذا وعد ثمَّ مات قبل وصولها، وساق له حديث جابر وهو قوله ﷺ : «لو جاء مال البحرين (١) أعطيتك هكذا ثلاثًا»، وهذا وعدٌ بلا ريب، فلم يقع للمؤلِّف ﵀ إخلال بما وقع في التَّرجمة على ما لا يخفى، وليس فِعْلُ الصِّدِّيق واجبًا عليه، ولم يكن لازمًا للرَّسول ﷺ ، وإنَّما فعلَه اقتداءً بطريقة النَّبي ﷺ ، فإنَّه كان أوفى النَّاس بعهده وأصدقَهم لوعده.
стр. 5413
وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الخمس» [خ¦٣١٣٧] وغيره [خ¦٣١٦٤] [خ¦٤٣٨٣].
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه (كَيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ) الموهوب (وَالمَتَاعُ) الموهوب؟ و «يُقْبَض» مبنيٌّ للمفعول، و «العبدُ» نائبٌ عن الفاعل (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب البيوع» [خ¦٢١١٥] في «باب إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته»: (كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، جَمَل (صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من عمر بن الخطَّاب، لا من ابنه (وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ) فاكتفى في القبض بكونه في يده، ولم يحتجْ إلى قبضٍ آخرَ لأجل الهبة.
٢٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (١): (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ومَخْرَمة -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة- ابن نَوْفَل، الزُّهْريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةً) بفتح الهمزة وسكون القاف وكسر الموحَّدة، جمع قَباء -بفتح القاف ممدودًا- جنسٌ من الثِّياب ضيِّقةٌ من لباس العَجَم معروفٌ (وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا) أي: من الأَقْبية (شَيْئًا) أي: في حال تلك القسمة (فَقَالَ مَخْرَمَةُ) للمِسْوَر: (يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وفي رواية حاتم في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] عسى أن يعطينا منها شيئًا … الحديثَ. قال المِسْوَر: (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ) ﵊ (لِي) زاد في رواية -تأتي إن شاء الله تعالى-: فأعظمت ذلك، فقال: يا بنيَّ، إنَّه ليس بجبار [خ¦٥٨٦٢] (قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ) ﵊
стр. 5414
(إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا) أي: من الأقبية، والجملة حاليَّة (فَقَالَ) ﵊: (خَبَأْنَا هَذَا) القَبَاء (لَكَ، قَالَ) المِسْوَر: (فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى القَبَاء مَخْرَمةُ (فَقَالَ) ﵊: (رَضِيَ مَخْرَمَةُ؟) استفهامٌ، أي: هل رضي؟ ويحتمل -كما قال ابن التِّين- أن يكون من قول مَخْرَمة.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة: من حيث إنَّ نقل المتاع إلى الموهوب له قبضٌ، واختُلِف: هل من شرط صحَّة الهبة القبض، أم لا؟ فالجمهور وهو قولُ الشَّافعيِّ الجديدُ والكوفيِّين: أنَّها لا تُمْلَك إلَّا بالقبض، لقول أبي بكر الصِّدِّيق لعائشةَ ﵄ في مرضه، فيما نحلها في صحَّته من عشرين وَسْقًا: «ودِدت أنكِ حُزْتِه أو قبضتِه (١)، وإنَّما هو اليوم مال الوارث»، ولأنَّه عقدُ إرفاق كالقرض، فلا يُملَك إلَّا بالقبض، وفي القديم: تصحُّ بنفس العقد، وهو مشهورُ مذهبِ المالكيَّة، وقالوا: تبطل إن لم يقبضها الموهوب له حتَّى وهبها الواهب لغيره، وقبضها الثَّاني، وهو قول أَشْهب ومحمَّد، وعن ابن القاسم مثلُه، وهو قول الغير في «المدوَّنة» ولابن القاسم أنَّها للأوَّل. قال محمد: وليس بشيء، والحائز أَولى. وقال المِرْدَاويُّ من الحنابلة: وتصحُّ بعقدٍ، وتُمْلَك به أيضًا، ولو مُعَاطاةً بفعل، فتجهيز بنته بجهاز إلى الزَّوج تمليكٌ، وهو كبيعٍ في تراخي قبوله وتقديمه وغيرهما، وتلزم بقبضٍ كمبيع بإذن واهب إلَّا ما كان في يد متَّهبه، فيلزم بعقدٍ، ولا يحتاج إلى مضيِّ مدَّة يتأتَّى قبضه فيها. وعنه -أي: عن أحمد (٢) - يلزم في غير مكيل وموزون ومعدود ومذروع بمجرَّد الهبة، ولا يصحُّ قبضٌ إلَّا بإذن واهب. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٠] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] و «الخمس» [خ¦٣١٢٧] و «الأدب» [خ¦٦١٣٢]، ومسلمٌ في «الزَّكاة» وأبو داود في «اللِّباس» (٣) والتِّرمذيُّ في «الاستئذان».
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (هِبَةً، فَقَبَضَهَا الآخَرُ) الموهوب له (وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ) جازت، واشترط الشَّافعية الإيجابَ والقَبول فيها كسائر التَّمليكات، بخلاف صحَّة
стр. 5415
الإبراء والعتق، والطَّلاق بلا قَبول لأنَّها إسقاط، ويُستثنى من اعتبار ذلك الهبةُ الضِّمنيَّة كأن قال لغيره: أعتق عبدك عنِّي ففعل، فإنَّه يدخل في ملكه هبةً، ويُعتَق عنه، ولا يُشتَرط القَبول، ولا يُشتَرط الإيجاب والقَبول في الهديَّة والصَّدقة ولو في غير المطعوم، بل يكفي البَعْث من المملِّك، والقبض من المتملِّك، كما جرى عليه النَّاس في الأعصار، ولهذا كانوا يبعثونهما على أيدي الصِّبيان الَّذين لا تصحُّ عقودهم. فإن قيل: كان هذا إباحةً لا هديَّة. أُجِيب: بأنَّه لو كان إباحةً، ما تصرَّفوا فيه تصرُّف المُلَّاك، ومعلوم أنَّه ليس كذلك.
٢٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) أبو عبد الله البصريُّ البُنَانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) سلمةُ بن صَخْر، أو سَلْمانُ بن صخر، أو أعرابيٌّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ) فعلتُ ما هو سبب لهلالكي (فَقَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ؟) ولأحمد «وما الَّذي أهلكك؟» (قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي) أي: وطِئت امرأتي (فِي رَمَضَانَ) نهارًا (قَالَ) ﵊: (تَجِدُ) ولأبي ذرٍّ: «أتجد» (رَقَبَةً؟) المراد: الوجود الشَّرعي، ليدخل فيه القدرة بالشِّراء ونحوه، ويخرج عنه مِلْك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ شرعيٍّ (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبة (قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع ذلك (قَالَ) ﵊: (فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال في مقدِّمة «فتح الباري»: لم يُسَمَّ، وإن صحَّ أنَّ المحترق سلمةُ بن صخر، فالرَّجل هو فَرْوة بن عَمرو البياضيُّ (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء المهملتين، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، وهو الزِّنبيل (فِيهِ تَمْرٌ) وزاد ابن أبي حفصة عند أحمد: «فيه خمسة
стр. 5416
عشر صاعًا» وعند ابن خزيمة من حديث عائشة: «فأتى بعَرَق، فيه عشرون صاعًا» وعند مسدَّد من (١) مرسل عطاءٍ: «فأمر له ببعضه»، وهو يجمع بين الرِّوايات، فمَنْ قال: عشرون، أراد أصلَ ما كان فيه، ومن قال: خمسةَ عشر، أراد قدر ما تقع به الكفَّارة (قَالَ) ﵊: (اذْهَبْ بِهَذَا) العَرَق (فَتَصَدَّقْ بِهِ) بالجزمِ على الأمر (فقَالَ) الرَّجل: أتصَدَّق به (عَلَى) ناسٍ (أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزة، أي: حَرَّتَي المدينة المكتنفتين بها (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ) ﵊، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ثمَّ قال»: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) مَنْ تلزمك نفقتُه أو زوجتك، وكان من مال الصَّدقة والكفَّارة باقيةٌ في ذمَّته، كما سبق تقريره في «الصِّيام» [خ¦١٩٣٧] قال في «الفتح»: والغَرَض منه هنا: أنَّه ﷺ أعطى الرَّجل التَّمر فقبضه، ولم يقل: قَبِلْتُ، ثمَّ قال: «اذهب فأطعمه أهلك» ولمن اشترط القَبول أن يجيب عن هذا: بأنَّها واقعةُ عَيْنٍ، فلا حجَّة فيها، ولم يُصرَّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه.
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (دَيْنًا) له (عَلَى رَجُلٍ) لآخر أو لمن هو عليه (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، فيما وصله ابن أبي شَيْبة: (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين ابن عُتَيْبة (٢) (هُوَ) أي: فِعْلُ هبةِ الدَّيْن لمن هو عليه (جَائِزٌ، وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب ﵉ لِرَجُلٍ) له عليه دَيْن (دَيْنَهُ) قال الحافظ ابن حَجَر: لم أقف على مَنْ وصله، ولم يُسَمَّ الرَّجل (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله مسدَّد في «مسنده» من طريق سعيدٍ المَقبُريِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: (مَنْ كَانَ لَهُ) أي: لأحد (عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ) إيَّاه (أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ) بالجزم على الأمر، والضَّمير في «منه» لصاحب الحقِّ. قال الحافظ ابن حَجَر: ووجهُ الدَّلالة منه لجواز هبة الدَّيْن: أنَّه ﷺ سوّى بين أن يعطيه إيَّاه أو يحلِّله منه، ولم يشترط في التَّحليل قبضًا (فَقَالَ) بالفاء، وفي نسخةٍ:
стр. 5417
«وقال» بالواو (جَابِرٌ: قُتِلَ أَبِي) هو عبدُ الله الأنصاريُّ، وكان قُتِل بأُحدٍ (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) رَقَمَ في الفرع (١) على قوله: «وعليه دَيْن» علامة السُّقوط (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ (٢) حَائِطِي) أي: بستاني (وَيُحَلِّلُوا أَبِي) وهذا التَّعليق سبق موصولًا في «القرض» [خ¦٢٤٠٥] وساقه هنا بأتمَّ منه، كما قال.
٢٦٠١ - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان (٣) بن جَبَلَة -بفتح الجيم والموحَّدة- العَتَكِيُّ -بفتح المهملة والمثنَّاة الفوقيَّة- المروزِيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّه قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄¬) قال الكِرْمانيُّ: ابن (٤) كعب (٥) يحتمل أن يكون عبد الرَّحمن أو عبد الله؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عنهما جميعًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّه عبد الله، لأنَّه يروي عن جابر (أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله (قُتِلَ يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ شَهِيدًا) وكان عليه دَيْن ثلاثين (٦) وَسْقًا لرجلٍ من اليهود (فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ) عليَّ (فِي) طلب (حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ) أي:
стр. 5418
ليشفع لي، زاد في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠] من وجهٍ آخر: «فقلت: إنَّ أبي ترك عليه دَينًا وليس عندي (١) إلَّا ما يُخرج نخله، ولا يبلغ ما يُخرج سنين ما عليه» (فَسَأَلَهُمْ) النَّبيُّ ﷺ (أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي) بفتح المثلَّثة والميم، أي: في دَيْنهم (وَيُحَلِّلُوا أَبِي) أي: يجعلوه في حِلٍّ بإبرائهم ذمته (فَأَبَوْا) أي: امتنعوا (فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ثمرَ (٢) نخل (حَائِطِي، وَلَمْ يَكْسِرْهُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، أي: لم يكسر الثَّمر من النَّخل (لَهُمْ) أي: لم يعيِّن، ولم يقسِم عليهم، قاله الكِرْمانيُّ (وَلَكِنْ قَالَ) ﵊: (سَأَغْدُو عَلَيْكَ) زاد أبو ذرٍّ: «إن شاء الله تعالى»، قال جابر: (فَغَدَا عَلَيْنَا) ﷺ (حِيْنَ أَصْبَحَ) ولغير أبي ذرٍّ: «حتَّى أصبحَ»، والأوَّل أَوْجَه، وضبَّب على الأخير (٣) في الفرع (فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا) بالواو، ولأَبَوي ذَرٍّ والوقت: «فدعا» (فِي ثَمَرِهِ (٤) بِالبَرَكَةِ) وعند أحمد عن جابر من وجه آخر: «فجاء هو وأبو بكر وعمر، فاستقرى النَّخل، يقوم عند (٥) كلِّ نخلةٍ، لا أدري ما يقول، حتَّى مرَّ على آخرها» (فَجَدَدْتُهَا) بالجيم والدَّالَيْن المهملتَين، أي: قطعتها (فَقَضَيْتُهُمْ حقَّهُمْ) الَّذي لهم، وفي «اليونينيَّة» وفرعها: «حقوقَهم» (وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا) بالمثلَّثة المفتوحة، ولأبي الوقت: «من تمرها (٦)» بالمثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم، أي: تمر النَّخل (بَقِيَّةٌ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠] «وبقي مثل ما أعطاهم» (ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ) جملة حاليَّة (فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ) الَّذي وقع من قضاء الحقوق، وبقاء الزِّيادة، وظهور بركة دعائه ﷺ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرَ) بنِ الخطَّاب: (اسْمَعْ) ما يقول جابر (-وَهْوَ) أي: عمر (جَالِسٌ- يَا عُمَرُ، فَقَالَ) عمر: (أَلَّا يَكُونُ) بالرَّفع، وفي بعض الأصول: بالنَّصب (قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَاللهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) بفتح
стр. 5419
الهمزة وتشديد اللَّام من «ألا»، وأصلها: «أن» المخفَّفة، ضُمَّت إليها «لا» النَّافية، أي: هذا إنَّما يحتاج إليه مَنْ لا يعلم أنك رسول الله، فكذبك في الخبر، فيحتاج إلى الاستدلال، وأمَّا من علم أنَّك رسول الله فلا يحتاج إلى ذلك، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أَلَا» بتخفيف اللَّام كما في فروعٍ عدَّة لـ «اليونينية» وأصول معتمدة، ووُجِّه: بأنَّ الهمزة للاستفهام التَّقريريِّ، وإذا تقرَّر هذا، فليُنْظَر في قول الحافظ ابن حَجَر في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠] «ألَّا يكونُ» بفتح الهمزة وتشديد اللَّام في الرِّوايات كلِّها. وزعم بعض المتأخِّرين أنَّ الرِّواية فيه بتخفيف اللَّام، وأنَّ الهمزة للاستفهام التَّقريريِّ، فأنكر عُمر عدم علمه بالرِّسالة، فأنتج إنكاره ثبوتَ علمه بها.
стр. 5420
قال الحافظ ابن حَجَر (١): وهو كلامٌ مُوجَّه إلَّا أنَّ الرِّواية إنَّما هي بالتَّشديد، وكذا ضبطها عياضٌ وغيره. انتهى. وقال الكِرْمانيُّ: ومقصوده ﷺ تأكيدُ علم عمر ﵁ وتقويته، وضمُّ حجَّةٍ أخرى إلى الحُجج السَّالفة. وقال في «الفتح»: النُّكتة في اختصاصه بإعلامه بذلك أنَّه كان معتنيًا بقضيَّة جابر مهتمًّا بشأنه مساعدًا له على وفاء دَيْن أبيه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخَذ -كما قاله في «عمدة القاري» - من معنى الحديث، ولكنَّه بالتَّكلُّف وهو أنَّه ﷺ سأل غرماء أبي جابر أن يقبضوا ثمر حائطه، ويحلِّلوه من بقيَّة دَينه، ولو قبلوا ذلك كان إبراءً لذمَّة أبي جابر من بقيَّة الدَّين، وهو في الحقيقة لو وقع، كان هبة للدَّين ممَّن هو عليه، وهو معنى التَّرجمة، وقد اختُلِف فيما إذا وهب دينًا له على رجل لآخرَ، فقال المالكيَّة: يصح إذا أشهد (٢) له بذلك، وجمع بينه وبين غريمه. وقال الشَّافعيُّ بالبطلان لاشتراطهم القبض.
(٢٢) (بابُ (٣) هِبَةِ الوَاحِدِ) الشَّيء الواحد (لِلْجَمَاعَةِ) مشاعًا جائزٌ، وإن كان لا ينقسم كعبد، لأنَّ الهبة عقدُ تمليك، والمشاع قابل للملك، فتجوز هبته كبيعه، وقال الحنفيَّة: تجوز فيما لا ينقسم كالحمَّام والرَّحى، لا فيما ينقسم (٤) إلَّا بعد القسمة، كما لا تجوز هبة سهمٍ في دار، لأنَّ القبض في الهبة منصوص عليه مطلقًا، فينصرف إلى الكامل، والقبض في المشاع ليس بكامل، لأنَّه في حيِّزه من وجه، وفي حيِّز شريكه من وجه، وتمامه إنَّما يحصل بالقسمة، بخلاف المشاع فيما لم (٥) يقسم، لأنَّ القبض الكامل فيه غير متصوَّر فاكتفِيَ بالقاصر، قاله ابن فرشتاه (٦) في
стр. 5421
«شرح المجمَع» وقبضُ المشاع يحصل بقبض الجميع، منقولًا كان أو غيره، فإن كان منقولًا وَمَنَع من القبض الشَّريك فيه، ووكَّله الموهوب له في القبض له جاز، فيقبضه له الشَّريك، فإن امتنع الموهوب له من توكيل الشَّريك، فيقبض له الحاكم ويكون في يده لهما، أمَّا إذا لم يمتنع (١) الشَّريك من القبض، بأن رضي بتسليم نصيبه أيضًا إلى الموهوب له، فقبضَ الجميع، فيحصل الملك، ويكون نصيبه تحت يد الموهوب له وديعةً.
(وَقَالَتْ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق (لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أخي أسماء (وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق، محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو ابن أخي أسماء: (وَرِثْتُ) وفي بعض الأصول: «الَّذي (٢) ورثت» (عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «مالًا» (بِالغَابَةِ) بالغين المعجمة وبعد الألف موحَّدة: موضعٌ بالعوالي قريب من المدينة به أموال أهلها (وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (٣) (مِئَةَ أَلْفٍ) أي: وما بعته منه (فَهُوَ لَكُمَا) خطابٌ للقاسم وعبد الله بن أبي عَتيق، وقد كانت عائشة لمَّا ماتت، وَرثتها أختاها أسماء وأمُّ كلثوم وأولاد أخيها عبد الرَّحمن، ولم يرثها أولاد أخيها محمَّد، لأنَّه لم يكن شقيقها، فكأنَّ أسماء قصدت جبر خاطر القاسم بذلك، وأشركت معه عبد الله، لأنَّه لم يكن وارثًا لوجود أبيه قاله في «الفتح»، والجمع يُطْلَق على الاثنين، فتحصل المطابقة بينه وبين التَّرجمة، ولم أرَ هذا التَّعليق موصولًا.
٢٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي القُرَشيُّ، المكيُّ المؤذِّن قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ الأنصاريِّ، له ولأبيه صحبةٌ ﵁ وعن أبيه: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ) لبنٍ ممزوج بماء (فَشَرِبَ) ﵊ منه (وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) هو ابن عبَّاس (وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ)
стр. 5422
منهم أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ (فَقَالَ) ﵊ (لِلْغُلَامِ) ابنِ عبَّاس: (إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ) الأشياخَ القَدَحَ (فَقَالَ) الغلام: (مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَدًا، فَتَلَّهُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحة (١) وتشديد اللَّام، أي: رمى به ﷺ (فِي يَدِهِ) أي: يد الغلام. قال الإسماعيليُّ: ليس في هذا الحديث هبة لا للواحد ولا للجماعة، وإنَّما هو شراب أُتِيَ به النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ سُقِي على وجه الإباحة والإرفاق، كما لو قدَّم للضَّيف طعامًا يأكله، وليس قوله للغلام: «أتأذن لي؟» على جهة أنَّه حقٌّ له بالهبة، لكنَّ الحقَّ من جهة السُّنَّة في الابتداء به (٢)، وللأشياخ حقُّ السِّنِّ. وأجاب في «فتح الباري»: بأنَّ الحقَّ -كما قال ابن بَطَّال-: أنَّه ﷺ سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعًا غيرَ متميَّز، فدلَّ على صحَّة هبة المشاع.
ويُؤخذ من الحديث: تقديم الصَّغير على الكبير، والمفضول على الفاضل، إذا جلس على يمين الرَّئيس، فيكون مخصوصًا من عموم حديث ابن عبَّاس، عند أبي يَعلى بسندٍ قويٍّ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سُقِيَ قال: «ابدؤوا (٣) بالأكبر» ويكون الأيمن ما امتاز بمجرَّد الجلوس في الجهة اليمنى، بل الخصوص كونها يمين الرَّئيس، والفضل إنَّما فاض عليه من الأفضل. قال الزَّركشيُّ: ويُؤخَذ منه أنَّه إذا تعارضت الفضيلة المتعلِّقة بالمكان والمتعلِّقة بالذَّات، تُقَدَّم المتعلِّقة بالذَّات، وإلَّا لم يستأذنه. قال في «المصابيح»: وقع في «النَّظائر والأشباه» لابن السُّبكيِّ: أنَّه بحث مرَّة مع أبيه الشَّيخ تقيِّ الدِّين السُّبكيِّ في صلاة الظُّهر بمِنى يومَ النَّحر: إذا جعلنا مِنى خارجةً عن حدود الحَرَم، أتكون أفضل من صلاتها في المسجد، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلّاها بمنًى، والاقتداء به أفضل، أو في المسجد لأجل المضاعفة؟ فقال: بل في منًى، وإن لم تحصل بها المضاعفة، فإنَّ في الاقتداء بأفعال الرَّسول ﷺ من الخير ما يربو على المضاعفة.
وهذا الحديث قد سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٥١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الأشربة» [خ¦٥٦٢٠].
стр. 5423
(٢٣) (بابُ الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ) السَّابق حكمها (وَغَيْرِ المَقْبُوضَةِ) عُلِمَ من حكم المقبوضة (وَالمَقْسُومَةِ وَغَيْرِ المَقْسُومَةِ) أمَّا المقسومة فحكمها ظاهر، وأمَّا غير المقسومة فهو المقصود بهذه التَّرجمة، وهي مسألة «هبة المشاع»، السَّابق تقريرها أوَّل الباب السَّابق (وَقَدْ وَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) ﵃ ممَّا وصله بأتمَّ منه في الباب التالي [خ¦٢٦٠٧] (لِهَوَازِنَ مَا غَنِمُوا مِنْهُمْ) قال المؤلِّف تفقُّهًا: (وَهْوَ) أي: الَّذي غنموه (غَيْرُ مَقْسُومٍ) وفي الفرع وأصله: علامة السُّقوط على قوله: «لهوازن» وإثباتها بعد قوله: «غير مقسوم» لأبي ذَرٍّ، ويبقى النَّظر في قوله: «منهم» على هذه الرِّواية، فليُتأمَّل.
واستدلَّ المؤلِّف بهذا التَّعليق على صحَّة هبة المشاع، وتُعقِّب: بأنَّ غير المقسوم يلزم منه أن يكون غير مقبوض، فلا يتمُّ له الاستدلال. وأُجِيبَ: بأنَّ قبضهم إيَّاه وقع تقديريًّا باعتبار حيازتهم له على الشُّيوع.
٢٦٠٣ - (وَ) به قال: (حَدَّثَنا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو إسماعيل العابد الشَّيبانيُّ الكوفيُّ، وسقط «ابن محمَّد» لأبي ذَرٍّ. ولغير أبي ذرٍّ، -ونسبه الحافظ ابن حَجَر لأبي زيد المروزيِّ- «وقال: ثابتٌ» بصورة التَّعليق، وهو موصول عند الإسماعيليِّ وغيره، وبالأوَّل جزم أبو نُعَيم في «المستخرج» وفاقًا للأكثر قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم، ابن كدام (عَنْ مُحَارِبٍ) بكسر الراء، ابن دِثَار (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (١) (فَقَضَانِي) أي: على يد بلالٍ ثمنَ الجمل الذي كان اشتراه منِّي بأوقيَّة بطريق تَبُوْكَ أو ذات الرِّقاع بعد أن أعيا، ودعا له حتَّى سار سيرًا ليس يسير مثله (وَزَادَنِي) أي: قيراطًا.
стр. 5424
وهذا الحديث قد سبق بأتمَّ من هذا في «باب شراء الدَّواب والحمير» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٠٩٧] وساقه هنا من طريقٍ أخرى، فقال بالسَّند إليه.
٢٦٠٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشدّدة، المشهور بِبُنْدارٍ العبديِّ البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر الهُذليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَارِبٍ) هو ابن دِثار، أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًا فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المَدِينَةَ قَالَ) ﵊: (ائْتِ المَسْجِدَ فَصَلِّ) فيه (رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية وهب بن كيسان في «البيوع» [خ¦٢٠٩٧] قَدِم رسول الله ﷺ المدينة قبلي، وقدمت بالغداة، فجئت إلى المسجد فوجدته، فقال: «الآن قَدِمتَ؟» قلت: نعم، قال: «فَدَعِ الجمل، وادخل، فصلِّ ركعتين» (فَوَزَنَ) أي: ثمن الجمل (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أظنُّه قال: (فَوَزَنَ لِي فَأَرْجَحَ) وهو على سبيل المجاز، لأنَّ ذلك إنَّما كان بواسطة بلال كما في «مسلم»، ولفظه: فلما قدمتُ المدينة قال لبلالٍ: «أعطه أوقيَّةً من ذهب وزدْه». قال: فأعطاني أوقيَّةً، وزادني قيراطًا، فقلت: لا تفارقُني زيادة رسول الله ﷺ (فَمَا زَالَ مِنْهَا) وللكُشْمِيهَنيِّ: «فما زال معي منها» (شَيْءٌ حَتَّى أَصَابَهَا أَهْلُ الشَّأْمِ يَوْمَ) وقعة (الحَرَّةِ) أي: الَّتي كانت حوالي المدينة عند حرَّتها، بين عسكر الشَّام من جهة يزيد بن معاوية وبين أهل المدينة (١) سنة ثلاث وستِّين.
٢٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثَّقفيُّ، أبو رجاء البَغْلانيُّ، بفتح الموحَّدة وسكون
стр. 5425
المعجمة (عَنْ مَالِكٍ) إمامِ دار الهجرة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سَلَمَة بن دِينار الأعرج المدنيِّ القاصِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (¬﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ) لبنٍ شِيْبَ بماءٍ (وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) ابن عبَّاس (وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ) منهم أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ (فَقَالَ) ﵊ (لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ) الأشياخ القدَح؟ (فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ) زاد في رواية الباب السَّابق: «يا رسول الله» [خ¦٢٦٠٢] (أَحَدًا، فَتَلَّهُ) أي: رمى رسول الله ﷺ بالقدَح (فِي يَدِهِ) أي: في يد ابن عبَّاس.
٢٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ) بفتح الجيم والموحَّدة واللَّام، الملقَّب: عَبْدان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) هو عثمان بن جبلة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهَيل، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ) أعرابيٍّ، لم يُسَمَّ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ دَيْنٌ) بعيرٌ كان اقترضه ﵊ منه (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) أي: عزموا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكنَّهم تركوا ذلك أدبًا مع النَّبيِّ ﷺ ، وذلك لمَّا أغلَظَ في المطالبة على عادة الأعراب في الجَفَاء والغِلْظة في الطَّلب (فَقَالَ) ﵊: (دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صَولة في الطَّلب (وَقَالَ) ﵊: (اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا) مثل سنِّ بعيره (فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ) بهمزة قطع في «فأعطوها»، وفي «مسلم»: أنَّ المخاطَب بذلك أبو رافع مولى رسول الله ﷺ (فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ سِنًّا إِلَّا سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْه) في الثَّمن والحُسْن والسِّنِّ (قَالَ) ﵊: (فَاشْتَرُوهَا) بهمزة وصل (فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) بنصب «أحسنَكم» اسم «إنَّ» وخبرُها الجارُّ والمجرور، وفي بعض النُّسَخ: «فإنَّ من خيركم أحسنُكم» بالرَّفع، على حذف اسم «إنَّ» أي: إنَّ من خيركم أناسًا أحسنُكم، ولأبي ذَرٍّ: «فإنَّ خيرَكم» بإسقاط حرف الجرِّ والنَّصب، و «أحسنُكم» بالرَّفع: اسم «إنَّ» وخبرها، وفي بعض الأصول: «فإنَّ من خيركم أو خيركم» على الشَّكِّ، أي: أو إنَّ خيرَكم أحسنُكم، بالرَّفع خبر «إنَّ» على ما لا يخفى، وفي النُّسخة المقروءة على الميدُوميِّ: «فإنَّ من
стр. 5426
أخْيركم أو خيركم» بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وزيادة همزة في الأوْلى وسكون الخاء، وعلى هذا فالشَّكُّ في إثبات الهمزة وحذفها، «أحسنَكم» بالنَّصب: اسم «إنَّ» لكنَّ الألف مَزيدة وجزمةُ الحاء وفتحةُ الخاء وفتح نون «أحسنَكم» على كشْطٍ بغير خطِّ كاتب الأصل ومدادِه كما هو الظَّاهر، وفي الفرع: علامة السُّقوط لهذا الحديث إسنادًا ومتنًا لأبي ذرٍّ.
وهذا الحديث قد مضى في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٠].
(٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْمٍ) شيئًا، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أو وهب رجل جماعةً جاز» وهذه الزِّيادة لا فائدة فيها لتقدُّمها قَبْلُ.
٢٦٠٧ - ٢٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عبدُ الله (١) المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقِيل -بفتح العين وكسر القاف- الأيليُّ الأمويُّ
стр. 5427
مولاهم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العَوَّام (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) الأمويَّ (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) الزُّهريَّ، وروايتهما هذه مرسلةٌ، لأنَّ الأوَّل لا صحبة له، والآخَر إنَّما قدم مع أبيه صغيرًا بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة الآتية بعده (أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «قام» بالميم بدل اللَّام (حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) القبيلة المعروفة حال كونهم (مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ) ﵊: (مَعِي مَنْ تَرَوْنَ) من العسكر (وَأَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) رَفْع خبر «وأحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) بالهمزة السَّاكنة، محذوفةٌ (١) في الفرع وأصله، أي: انتظرتكم (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي، وتركه بالجِعْرانة (حِينَ (٢) قَفَلَ) رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجعرانة، فقسم الغنائم بها لمَّا أبطؤوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) السَّبي أو المال (قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) وفي «مغازي ابن عقبة»: ولا نتكلَّم في شاة ولا بعير (فَقَامَ) ﵊ (فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ) وفدَ هوازن (جَاؤُوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) بفتح الطَّاء وتشديد التَّحتيَّة المكسورة، وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «بذلك» بزيادة الموحَّدة، أي: يطيب بدفع السَّبي إلى هوازن نفسه (فَلْيَفْعَلْ) ذلك (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ) وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «ومَنْ أَحبَّ منكم أن يكون» (عَلَى حَظِّهِ) نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا) بضمَّ حرف المضارعة، من أفاء يفيء (فَلْيَفْعَلْ) جوابُ «مَنْ» المتضمِّنة معنى الشَّرط كالسَّابق، ومِنْ ثَمَّ دخلت الفاء فيهما (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا) بتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: جعلناه طيِّبًا، من جهة كونهم رضوا به وطابت أنفسهم به (يَا رَسُولَ اللهِ لَهُمْ) أي: لهوازن (فَقَالَ) ﵊ (لهُمْ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ) بالنَّصب في الفرع وأصله وغيرهما: بـ «أَنْ» مقدَّرةً بعد «حتَّى»، وقال الكِرْمانيُّ: قالوا: هو بالرَّفع أجود. انتهى. ولم يبيِّن وجه أجوديَّته، وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧]
стр. 5428
«حتَّى يرفعوا» بالواو، على لغةِ: «أكَلوني البراغيثُ» (١) (إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك، فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا) أي: ذلك، وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «قد طيَّبوا» (وَأَذِنُوا) له ﵊ أن يردَّ سبيهم إليهم (وَهَذَا) ولأبي ذرٍّ: «فهذا» (الَّذِي بَلَغَنَا مِنْ) خبر (سَبْيِ هَوَازِنَ).
قال البخاريُّ: (هَذَا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا) وسقط قوله: «وهذا الَّذي بلغنا … » إلى آخره في نسخة، ورُقم عليه في الفرع وأصله علامة السُّقوط كذلك، وفي نسخةٍ ثابتة بهامشها: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «قوله: فهذا الَّذي بلغنا من قول الزُّهريِّ».
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أنَّ الغانمين وهُمْ جماعةٌ وهبوا بعض الغنيمة لمن غنموها منهم، وهم قوم هوازن، وأمَّا الدلالة لزيادة الكُشْمِيهَنِيِّ، فمن جهة: أنَّه كان للنَّبيِّ ﷺ سهمٌ معيَّنٌ، وهو سهم الصَّفيِّ فوهبه لهم، أو من جهة أنَّه ﷺ استوهب من الغانمين سهامهم، فوهبوها له، فوهبها هو لهم، قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيعِ قومٍ جاز» من «كتاب الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في غزوة حُنَين من «المغازي» [خ¦٤٣١٨].
(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «هديةٌ» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ) جمع جليس، والجملة حاليَّة، وجواب «مَنْ»: (فَهْوَ أَحَقُّ) أي: بالهديَّة من جلسائه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بصيغة التَّمريض (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ مما رُوِيَ مرفوعًا موصولًا عند عبد بن حميد، بإسناد فيه مَنْدلُ بن عليٍّ، وهو ضعيف، وموقوفًا، وهو أصلح من المرفوع (أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ) فيما يُهدى له ندبًا و «شركاء» بحذف الضَّمير، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَصِحَّ) هذا عن ابن عبَّاس، أو لا يصحُّ في هذا الباب شيء.
стр. 5429
٢٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّدٌ المروزيُّ المجاور بمكة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) مُصَغَّرًا، الحَضْرميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا) معيَّنًا (١) من الإبل من رجل قرضًا (فَجَاءَ (٢) صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب من النَّبيِّ ﷺ أن يقضيه جَمَلَهُ، وأغلظ بالتَّشديد في الطَّلب (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة (لَهُ) وفي «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٠] وغيره [خ¦٢٣٠٦] «فهمَّ به أصحابه» وسقط لغير أبي ذرٍّ «فقالوا له» (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، وَقَالَ) ﵊: (أَفْضَلُكُمْ) في المعاملة (أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً).
ووجهُ المطابقة: أنَّه ﵊ وهبه الفضل بين السِّنين، فامتاز به دون الحاضرين، بناء على أنَّ الزِّيادة في الثَّمن تبرُّعًا حكمها حكم الهبةَ لا الثَّمن، أو فيها شائبةُ الهبة والثَّمن، فنزَّل المؤلِّف الأمرَ على ذلك.
٢٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال ابن حَجَر: لم أقف على تعيينه. انتهى. (فَكَانَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وكان» بالواو
стр. 5430
بدل الفاء (عَلَى بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف: ولد النَّاقة أوَّل ما يُركَب (صَعْبٍ) صفةٌ لـ «بَكر» أي: نَفور، لكونه لم يذلَّل، وكان (لِعُمَرَ) أبيه، والَّذي في الفرع وأصله: تقديم «لعمر» على قوله: «صَعْبٍ» (فَكَانَ) البَكرُ (يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ أَبُوهُ) عمرُ بن الخطَّاب ﵁: (يَا عَبْدَ اللهِ، لَا يَتَقَدَّمِ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ) أي: لعمر (النَّبِيُّ ﷺ : بِعْنِيهِ) أي: الجمل (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال» بإسقاط الفاء (عُمَرُ: هُوَ لَكَ) يا رسول الله (فَاشْتَرَاهُ) ﵊ من عمرَ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ لابنه: (هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ) من أنواع التَّصرُّفات.
ووجه المناسبة بين الحديث والتَّرجمة: فالَّذي يظهر -كما قاله في «فتح الباري» - أنَّ البخاريَّ أراد إلحاق المشاع في ذلك بغير المشاع، وإلحاق القليل بالكثير (١) لعدم الفارق. وقال ابن بطَّال: هبته لابن عمر مع النَّاس، فلم يستحقَّ أحد منهم فيه شركة، هذا ما رأيته في وجه المناسبة لهم، والله أعلم فليُتَأمَّلْ.
والحديث قد مرّ في «باب إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته قبل أن يتفرَّقا» [خ¦٢١١٥].
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ) أي: والحال أنَّ الموهوب له (رَاكِبُهُ) والَّذي في الفرع: «راكبٌ» بحذف الهاء، أي: البعير الموهوب (فَهُوَ جَائِزٌ).
٢٦١١ - (وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبد الله أبو بكر المكيُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينار (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا (٢) مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ) لعمر ﵁ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ فَابْتَاعَهُ) بسكون