أخْيركم أو خيركم» بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وزيادة همزة في الأوْلى وسكون الخاء، وعلى هذا فالشَّكُّ في إثبات الهمزة وحذفها، «أحسنَكم» بالنَّصب: اسم «إنَّ» لكنَّ الألف مَزيدة وجزمةُ الحاء وفتحةُ الخاء وفتح نون «أحسنَكم» على كشْطٍ بغير خطِّ كاتب الأصل ومدادِه كما هو الظَّاهر، وفي الفرع: علامة السُّقوط لهذا الحديث إسنادًا ومتنًا لأبي ذرٍّ.
وهذا الحديث قد مضى في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٠].
(٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْمٍ) شيئًا، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أو وهب رجل جماعةً جاز» وهذه الزِّيادة لا فائدة فيها لتقدُّمها قَبْلُ.
٢٦٠٧ - ٢٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عبدُ الله (١) المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقِيل -بفتح العين وكسر القاف- الأيليُّ الأمويُّ
стр. 5427
مولاهم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العَوَّام (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) الأمويَّ (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) الزُّهريَّ، وروايتهما هذه مرسلةٌ، لأنَّ الأوَّل لا صحبة له، والآخَر إنَّما قدم مع أبيه صغيرًا بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة الآتية بعده (أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «قام» بالميم بدل اللَّام (حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) القبيلة المعروفة حال كونهم (مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ) ﵊: (مَعِي مَنْ تَرَوْنَ) من العسكر (وَأَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) رَفْع خبر «وأحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) بالهمزة السَّاكنة، محذوفةٌ (١) في الفرع وأصله، أي: انتظرتكم (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي، وتركه بالجِعْرانة (حِينَ (٢) قَفَلَ) رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجعرانة، فقسم الغنائم بها لمَّا أبطؤوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) السَّبي أو المال (قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) وفي «مغازي ابن عقبة»: ولا نتكلَّم في شاة ولا بعير (فَقَامَ) ﵊ (فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ) وفدَ هوازن (جَاؤُوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) بفتح الطَّاء وتشديد التَّحتيَّة المكسورة، وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «بذلك» بزيادة الموحَّدة، أي: يطيب بدفع السَّبي إلى هوازن نفسه (فَلْيَفْعَلْ) ذلك (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ) وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «ومَنْ أَحبَّ منكم أن يكون» (عَلَى حَظِّهِ) نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا) بضمَّ حرف المضارعة، من أفاء يفيء (فَلْيَفْعَلْ) جوابُ «مَنْ» المتضمِّنة معنى الشَّرط كالسَّابق، ومِنْ ثَمَّ دخلت الفاء فيهما (فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا) بتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: جعلناه طيِّبًا، من جهة كونهم رضوا به وطابت أنفسهم به (يَا رَسُولَ اللهِ لَهُمْ) أي: لهوازن (فَقَالَ) ﵊ (لهُمْ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ) بالنَّصب في الفرع وأصله وغيرهما: بـ «أَنْ» مقدَّرةً بعد «حتَّى»، وقال الكِرْمانيُّ: قالوا: هو بالرَّفع أجود. انتهى. ولم يبيِّن وجه أجوديَّته، وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧]
стр. 5428
«حتَّى يرفعوا» بالواو، على لغةِ: «أكَلوني البراغيثُ» (١) (إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك، فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا) أي: ذلك، وفي «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] «قد طيَّبوا» (وَأَذِنُوا) له ﵊ أن يردَّ سبيهم إليهم (وَهَذَا) ولأبي ذرٍّ: «فهذا» (الَّذِي بَلَغَنَا مِنْ) خبر (سَبْيِ هَوَازِنَ).
قال البخاريُّ: (هَذَا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا) وسقط قوله: «وهذا الَّذي بلغنا … » إلى آخره في نسخة، ورُقم عليه في الفرع وأصله علامة السُّقوط كذلك، وفي نسخةٍ ثابتة بهامشها: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «قوله: فهذا الَّذي بلغنا من قول الزُّهريِّ».
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أنَّ الغانمين وهُمْ جماعةٌ وهبوا بعض الغنيمة لمن غنموها منهم، وهم قوم هوازن، وأمَّا الدلالة لزيادة الكُشْمِيهَنِيِّ، فمن جهة: أنَّه كان للنَّبيِّ ﷺ سهمٌ معيَّنٌ، وهو سهم الصَّفيِّ فوهبه لهم، أو من جهة أنَّه ﷺ استوهب من الغانمين سهامهم، فوهبوها له، فوهبها هو لهم، قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيعِ قومٍ جاز» من «كتاب الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في غزوة حُنَين من «المغازي» [خ¦٤٣١٨].
(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «هديةٌ» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ) جمع جليس، والجملة حاليَّة، وجواب «مَنْ»: (فَهْوَ أَحَقُّ) أي: بالهديَّة من جلسائه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بصيغة التَّمريض (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ مما رُوِيَ مرفوعًا موصولًا عند عبد بن حميد، بإسناد فيه مَنْدلُ بن عليٍّ، وهو ضعيف، وموقوفًا، وهو أصلح من المرفوع (أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ) فيما يُهدى له ندبًا و «شركاء» بحذف الضَّمير، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَصِحَّ) هذا عن ابن عبَّاس، أو لا يصحُّ في هذا الباب شيء.
стр. 5429
٢٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّدٌ المروزيُّ المجاور بمكة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) مُصَغَّرًا، الحَضْرميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا) معيَّنًا (١) من الإبل من رجل قرضًا (فَجَاءَ (٢) صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب من النَّبيِّ ﷺ أن يقضيه جَمَلَهُ، وأغلظ بالتَّشديد في الطَّلب (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة (لَهُ) وفي «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٠] وغيره [خ¦٢٣٠٦] «فهمَّ به أصحابه» وسقط لغير أبي ذرٍّ «فقالوا له» (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، وَقَالَ) ﵊: (أَفْضَلُكُمْ) في المعاملة (أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً).
ووجهُ المطابقة: أنَّه ﵊ وهبه الفضل بين السِّنين، فامتاز به دون الحاضرين، بناء على أنَّ الزِّيادة في الثَّمن تبرُّعًا حكمها حكم الهبةَ لا الثَّمن، أو فيها شائبةُ الهبة والثَّمن، فنزَّل المؤلِّف الأمرَ على ذلك.
٢٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال ابن حَجَر: لم أقف على تعيينه. انتهى. (فَكَانَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وكان» بالواو
стр. 5430
بدل الفاء (عَلَى بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف: ولد النَّاقة أوَّل ما يُركَب (صَعْبٍ) صفةٌ لـ «بَكر» أي: نَفور، لكونه لم يذلَّل، وكان (لِعُمَرَ) أبيه، والَّذي في الفرع وأصله: تقديم «لعمر» على قوله: «صَعْبٍ» (فَكَانَ) البَكرُ (يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ أَبُوهُ) عمرُ بن الخطَّاب ﵁: (يَا عَبْدَ اللهِ، لَا يَتَقَدَّمِ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ) أي: لعمر (النَّبِيُّ ﷺ : بِعْنِيهِ) أي: الجمل (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال» بإسقاط الفاء (عُمَرُ: هُوَ لَكَ) يا رسول الله (فَاشْتَرَاهُ) ﵊ من عمرَ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ لابنه: (هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ) من أنواع التَّصرُّفات.
ووجه المناسبة بين الحديث والتَّرجمة: فالَّذي يظهر -كما قاله في «فتح الباري» - أنَّ البخاريَّ أراد إلحاق المشاع في ذلك بغير المشاع، وإلحاق القليل بالكثير (١) لعدم الفارق. وقال ابن بطَّال: هبته لابن عمر مع النَّاس، فلم يستحقَّ أحد منهم فيه شركة، هذا ما رأيته في وجه المناسبة لهم، والله أعلم فليُتَأمَّلْ.
والحديث قد مرّ في «باب إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته قبل أن يتفرَّقا» [خ¦٢١١٥].
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ) أي: والحال أنَّ الموهوب له (رَاكِبُهُ) والَّذي في الفرع: «راكبٌ» بحذف الهاء، أي: البعير الموهوب (فَهُوَ جَائِزٌ).
٢٦١١ - (وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبد الله أبو بكر المكيُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينار (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا (٢) مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ) لعمر ﵁ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ فَابْتَاعَهُ) بسكون
стр. 5431
الموحَّدة وبالمثنَّاة الفوقيَّة، ﵊ منه، ولأبي ذرٍّ: «فباعه» أي: عمر له ﵊ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ لَكَ) أي: هبةً (يَا عَبْدَ اللهِ).
ومطابقته لما ترجم به غير خافيةٍ، فإنَّه (١) نزَّل التَّخلية منزلة النَّقل، فتصحُّ الهبة (٢).
(٢٧) (باب) جواز (هَدِيَّةِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهَا) أُنِّث باعتبار الحلَّة، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله -ونسبها الحافظ ابن حَجَر للنَّسفيِّ-: «لُبْسُهُ» بالتَّذكير، والكراهة هنا أعمُّ من التَّنزيه والتَّحريم.
٢٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو ابنُ أنسٍ، إمامُ دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حُلَّةً سِيَرَاءَ) بكسر السِّين المهملة وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالرَّاء ممدودًا، قال الخليل: ليس في الكلام فِعَلاء بكسر أوَّله مع المدِّ سوى سِيَراء وحِوَلاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعِنَباءُ: لغةٌ في العِنَب، وقوله: «حُلَّةً» بالتَّنوين في الفرع وأصله، وغيرهما على الصِّفة، وقال عِياضٌ: ضبطناه على متقني شيوخنا: «حُلَّةَ سِيَراءَ» على الإضافة وهو أيضًا في «اليونينيَّة». وقال النَّوويُّ: إنَّه قول المحقِّقين ومتقني العربيَّة، وأنَّه من إضافة الشَّيء لصفته كما قالوا: ثوبُ خَزٍّ. قال مالكٌ: والسِّيرَاء: هو الوَشْيُ من الحرير، وقال الأَصمعيُّ: ثياب فيها خطوط من حرير أو قَزٍّ، وإنما قيل لها: سِيَراء؛ لتسيير الخطوط فيها، وقيل: الحرير الصَّافي (٣)، والمعنى: رأى حلَّة حريرٍ تُباع (عِنْدَ باب المَسْجِدِ) وفي رواية جرير بن حازم عن نافع عند مسلم: «رأى
стр. 5432
عمر عطاردًا التَّميميَّ يقيم حلَّةً بالسُّوق، وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ) زاد في «اللِّباس» «إذا أتوك» [خ¦٥٨٤١] (قَالَ) ﵊ (١): (إِنَّمَا يَلْبَسُهَا) أي: حُلَّة الحرير (مَنْ لَا خَلَاقَ) أي: مَنْ (٢) لا حظَّ (لَهُ) منه أي: من الحرير (٣) (فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ جَاءَتْ) رسول الله ﷺ (حُلَلٌ) أي: سِيراء منها (فَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً) زاد في رواية جرير بن حازم: «وبعث إلى أسامة بحلَّةٍ، وأعطى عليَّ بن أبي طالب حلَّةً»، ولأبي ذرٍّ: «فأعطى رسولَ الله ﷺ منها حُلَّة لعمرَ» (وَقَالَ) بالواو، أي: عمر، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَكَسَوْتَنِيهَا) بهمزة الاستفهام، وفي رواية جرير بن حازم: «فجاء عمر بحلَّته يحملها، فقال: بعثت إليَّ هذه»؟ (وَقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) هو ابن حاجب بن زُرَارة بن عَدَس -بمهملات- الدَّارميُّ، وكان من جملة وفد بني تميم أصحاب الحُجُرَات، وقد أسلم، وحسن إسلامه (مَا قُلْتَ؟) أي: ممَّا يدلُّ على التَّحريم (فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) وفي «اللِّباس» [خ¦٥٨٤١] فقال: «إنَّما بعثتُ إليك لتبيعها أو تكسوَها» (فَكَسَا) بحذف الضَّمير المنصوب، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فكساها» (عُمَرُ أَخًا لَهُ) من أمِّه أو من الرَّضاع، وسمَّاه ابن بَشْكُوال في «المبهمات» نقلًا عن ابن (٤) الحذَّاء: عثمان بن حكيم. قال الدِّمياطيُّ: وهو السَّلَميُّ، أخو خولةَ بنت حكيمٍ بن أميَّة (٥) بن حارثة بن الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطَّاب لأمِّه، فمَنْ أطلقَ عليه أنَّه أخو عمر لأمِّه، لم يُصِبْ. وأُجِيبَ: باحتمال أن يكون عمر ارتضع من أمِّ أخيه زيد، فيكون عثمان هذا أخا عمر
стр. 5433
لأمِّه من الرَّضاع، وقوله: «له»، في محلِّ نصب صفة لـ «أخًا» أي: أخًا كائنًا له، وكذا قوله: (بِمَكَّةَ مُشْرِكًا) صفةٌ بعد صفةٍ قبل (١) إسلامه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وسبق الحديث في «الجمعة» [خ¦٨٨٦] ويأتي إن شاء الله تعالى في «اللِّباس» [خ¦٥٨٤١] بعون الله وقوّته.
٢٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي الحسين الحافظَ (أَبُو جَعْفَرٍ) الكوفيُّ نزيل فَيْد -بفتح الفاء وسكون التَّحتيَّة، آخره دالٌ مهملة- بلدٌ بين بغداد ومكة، وقال الحافظ ابن حَجَر: يحتمل عندي أن يكون هو أبو جعفر القُوْمسيَّ الحافظ المشهور، فقد أخرج عنه البخاريُّ حديثًا غير هذا في «المغازي»، وإنما جوَّزت ذلك لأنَّ المشهور في كنية الفَيْديِّ أبو عبد الله، بخلاف القَوْمسيِّ، فكنيته أبوجعفر بلا خلاف، وبالأوَّل جَزَم الكَلاباذيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّد (عَنْ أَبِيهِ) فُضَيل بن غَزْوان (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتَهُ) ﵂، وسقط قوله «بنته» في كثير من النُّسخ (فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا) زاد في رواية ابن نُمَير عن فُضَيل عند أبي داود وابن حِبَّان: «قال: وقلّما يدخل إلَّا بإذنها» (وَجَاءَ عَلِيٌّ) زوجها ﵄، زاد ابن نُمَير: «فرآها مهتمَّةً» (فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ) الَّذي وقع منه ﵊ من عدم دخوله عليها (فَذَكَرَهُ)
стр. 5434
عليٌّ (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي رواية ابن نُمَير: «فقال: يا رسول الله، اشتدَّ عليها أنَّك جئت فلم تدخل عليها» (قَالَ) ﵊: (إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا) بفتح الميم وسكون الواو وكسر المعجمة وبعدها تحتيَّة، أي: مخطَّطًا بألوان شتًّى (فَقَالَ) ﵊: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، فَأَتَاهَا عَلِيٌّ) ﵁ (فَذَكَرَ ذَلِكَ) الَّذي قاله ﵊ (لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي) بالجَزْم على الأَمْر (فِيهِ) أي: في السِّتْر (بِمَا شَاءَ، قَالَ) ﵊ لمَّا بلغه قولها: «ليأمرْني فيه بما شاء» (تُرْسِلُ بِهِ) أي: بالسِّتر الموشَّى، و «ترسلُ»: بضمِّ اللَّام، أي: فاطمة، ولأبي ذرٍّ: «تُرسلي» بحذف النُّون، على لغةٍ. وقال في «المصابيح»: فيه شاهدٌ على حذف لام الأمر، وبقاء عملها، مثل قوله:
محمَّدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ … إذا ما خِفْتَ من أمرٍ تبالا
ويحتمل وهو الأَوْلى: أنْ يخرَّج على حذف «أنْ» النَّاصبة وبقاء عملها، أي: آمركِ أن ترسلي به (إِلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ) بالهاء والجرِّ بَدَلٌ من سابقه، وفي نسخةٍ: «آلِ» بهمزة ممدودة وإسقاط الهاء (بِهِمْ حَاجَةٌ) وليس سِتْرُ الباب حرامًا، لكنَّه ﷺ كَرِه لابنته ما كره لنفسه من تعجيل الطَّيبات، قال الكرْمانيُّ: أو لأنَّ فيه صورًا ونقوشًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «اللِّباس».
٢٦١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، السَّلميُّ الأَنماطيُّ البَصريُّ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 5435
شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة الهِلاليُّ الكوفيُّ، وفي «اليونينيَّة»: «ابنِ مَيْسَرة» بخفض «ابنِ» والظَّاهر أنَّه سَبْقُ قلمٍ (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجُهَنيَّ أبا سليمان (١) الكوفيَّ المُخَضْرم (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَهْدَى) بفتح الهمزة والدَّال (إِلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ) نوعٌ من البُرود يخالطه حريرٌ و «حُلَّةً» بالتَّنوين، ولغير أبي ذرٍّ: «حُلَّةَ سِيَراء» بإسقاط التَّنوين، للإضافة (فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) زاد مسلمٌ في رواية أبي صالح: فقال: «إنِّي لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنَّما بعثتُ بها إليك لتشقَّها خُمُرًا بين النِّساء» (فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) أي: قطعتها، ففرّقتها عليهنَّ «خُمُرًا» بضمِّ الخاء المعجمة والميم: جمع خِمار، بكسر أوَّله مع التَّخفيف: ما تغطِّي به المرأة رأسها، والمراد بقوله: «نسائي» ما فسَّره في رواية أبي صالح حيث قال: «بين الفواطم». قال ابن قُتَيبة: المراد بالفواطم: فاطمة بنت النبي ﷺ ، وفاطمة بنت أَسَد بن هاشم والدة عليٍّ، ولا أعرف الثَّالثة، وذكر أبو (٢) منصور الأزهريُّ: أنَّها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وقد أخرج الطَّحاويُّ وابن أبي الدُّنيا في «كتاب الهدايا»، وعبدُ الغنيِّ بن سعيد في «المبهمات» وابن عبد البَرِّ، كلُّهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن (٣) هُبَيرة بن يَريم -بتحتيَّة ثمَّ راء، بوزن عظيمٍ- عن عليٍّ في نحو هذه القصَّة، قال: فشققتُ منها أربعة أَخْمرة، فذكر الثَّلاث المذكورات، قال: ونسي يزيد الرَّابعة. وقال عِياض: لعلها فاطمة امرأة عَقيل بن أبي طالب، وهي بنت شَيْبة بن رَبيعة، وقيل: بنت عُتْبة بن ربيعة، وقيل: بنت الوليد بن عُتْبة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فرأيت الغضب في وجهه» فإنَّه دالٌّ على أنَّه كَره له لبسها مع كونه أهداها له، وهذه الحُلَّة كان أهداها له ﵊ أُكَيْدَرُ دُوْمة، كما في «مسلم».
وقد أخرج المؤلِّف حديث الباب أيضًا في «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٠]، ومسلم في «اللِّباس»، والنَّسائيُّ في «الزِّينة».
стр. 5436
(٢٨) (بابُ) جواز (قَبُولِ الهَدِيَّةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ بِسَارَةَ) زوجته وكانت من أجمل النِّساء (فَدَخَلَ قَرْيَةً) قيل: هي مصر (فِيهَا مَلِكٌ أَوْ) قال: (جَبَّارٌ) هو عمرو بن امرئ القَيْس بن سَبَأ (١)، وكان على مصر، ذكره السُّهَيليُّ، وهو قول ابن هشام في «التِّيجان» وقيل: اسمه: صادوق (٢)، حكاه ابن قُتَيبة، وأنَّه كان على الأردنِّ، وقيل غير ذلك، فقيل له: إنَّ ههنا رجلًا معه امرأةٌ من أحسن النِّساء (٣)، فأرسل إليها، فلمَّا دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرُّك، فدعتْ، فأُطلِقَ (فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ) بهمزة بدل الهاء، والجيم مفتوحة، وفي نسخةٍ: «هاجر» أي: هبةً لها لتخدمها؛ لأنَّه أعظمها أن تخدم نفسها. ويأتي الحديث إن شاء الله تعالى تامًّا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨].
(وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) بخيبر (شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ) وهذا التَّعليق ذكره في هذا الباب موصولًا [خ¦٢٦١٧] (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن السَّاعديُّ الأنصاريُّ ممَّا وصله (٤) في «باب خَرْص التَّمر» من «الزَّكاة» [خ¦١٤٨١] (أَهْدَى) يوحنَّا بن رُوبَة، واسم أمِّه: العَلْماء، بفتح العين وسكون اللَّام ممدودًا (مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة: بلدٌ معروفٌ بساحل البحر في طريق المصريِّين
стр. 5437
إلى مكِّة، وهي الآن خَرابٌ (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ) بالواو النَّبيُّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «فكساه» (بُرْدًا، وَكَتَبَ) أي: أمَرَ ﵊ أن يُكْتَب (لَهُ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إليه» (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، أي: بأهل (١) بحرهم، والمعنى: أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، وقد سبق لفظ الكتاب في «الزَّكاة» [خ¦١٤٨١] ومناسبة هذا الحديث للتَّرجمة غير خفيَّة.
٢٦١٥ - ٢٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدِّب البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالك (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ) بضمِّ همزة «أُهْدِي» وكسر ثالثه، و «جبَّةُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، والسُّندس: ما رقَّ من الدِّيباج، وهو ما ثَخُن وغَلُظ من ثياب الحرير (وَكَانَ) ﵊ (يَنْهَى عَنِ) استعمال (الحَرِيرِ) والجملة حاليَّة (فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ ¬) زاد في «اللِّباس» [خ¦٥٨٣٦] «أتعجبون من هذا، قلنا: نعم» قال: (وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) الأَوْسيِّ (فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) الثَّوب، قيل: وإنَّما خَصَّ المناديل بالذِّكر؛ لكونها تُمتَهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأَولى. (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي
стр. 5438
عَروبة، فيما وصله أحمد عن رَوْحٍ عنه (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (إِنَّ أُكَيْدِرَ) بضمِّ الهمزة وكسر الدَّال مُصَغّرًا، ابن عبد الملك بن عبد الجنِّ، بالجيم والنُّون، وكان نصرانيًّا، أَسَره خالد بن الوليد لمَّا أرسله النبي ﷺ في سريَّةٍ، وقَتَل أخاه، وقَدِم به إلى المدينة، فصالحه النَّبيُّ ﷺ على الجزية، وأطلقَه، وكان صاحب (دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) و «دُومةَ»: بضمِّ الدَّال المهملة -والمحدِّثون يفتحونها- وسكون الواو: وهي دُومة الجندل، مدينةٌ بقرب تبوكَ، بها نخلٌ وزرع على عشر مراحل من المدينة وثمانٍ من دمشق، والجندل: الحجارة، والدُّومة: مستدار الشَّيء ومجتمعه، كأنَّها سُمِّيت به، لأنَّ مكانها مجتمع الأحجار ومستدارها، ومراد المؤلِّف من هذا التَّعليق بيان الَّذي أهدى، ليطابق التَّرجمة.
٢٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّد الحَجَبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيْميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) بن أنس بن (١) مالك الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً) اسمُها: زينب واختُلِف في إسلامها (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) في خيبر (بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ) وأكثرت من السُّمِّ في الذِّراع لما قيل لها: إنَّه ﵊ يحبُّها (فَأَكَلَ مِنْهَا) وأكل (٢) معه بشرُ بن البراء، ثمَّ قال (٣) لأصحابه: «أمسكوا فإنَّها مسمومة» (فَجِيءَ بِهَا) أي: باليهوديَّة، فاعترفت (فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا (٤)؟ قَالَ) ﵊: (لَا) لأنَّه كان لا ينتقم لنفسه، ثمَّ مات بشرٌ فقتلها به قصاصًا. قال أنس: (فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا) أي:
стр. 5439
تلك الأكْلَة (فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح اللَّام والهاء والواو، جمع لَهَاة، وهي اللَّحمة المعلَّقة في أصل الحنك، وقيل: هي ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم، ومراد أنس: أنَّه ﷺ كان يعتريه المرض من تلك الأكْلَة أحيانًا، ويحتمل أنَّه كان يعرف ذلك في اللَّهوات بتغيُّر لونها، أو بنتوءٍ فيها أو تحفير، قاله القرطبيُّ فيما نقله عنه في «فتح الباري».
٢٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طَرْخان التَّيميُّ البصريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سليمان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ -بلام مشدَّدة والميم مثلَّثة- النَّهْديُّ -بفتح النُّون وسكون الهاء- مشهورٌ بكنيته مخضرم، عاش مئةً وثلاثين سنة أو أكثر (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِئة، فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ»؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ) بالرَّفع عطفًا على «صاعٌ»، والضَّمير للصَّاع (فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ) قال الحافظ ابن حَجَر: لم أقف على اسمه، ولا على اسم صاحب الصَّاع (مُشْعَانٌّ) بضمِّ الميم وسكون الشِّين المعجمة، وبعدها عين مهملة، آخره نون مشدَّدة (طَوِيلٌ) زاد المُستملي: «جِدًّا» فوق الطُّول، ويحتمل أن يكون تفسيرًا للمُشْعَانِّ، وقال القَزَّاز: المُشْعَانُّ: الجافي الثَّائر الرَّأس، وقال غيره: طويلُ شعر الرَّأس جدًّا، البعيد العهدِ بالدَّهن، الشَّعث، وقال القاضي: ثائر الرَّأس متفرِّقه (بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (بَيْعًا) نُصِب بفعل مقدَّر، أي: أتبيع بيعًا أو الحال، أي: أتدفعها بائعًا (أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ) ﵊: (أَمْ هِبَةً؟) عطفٌ على المنصوب السَّابق، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ)
стр. 5440
المشرك: (لَا) ليس هبةً (بَلْ) هو (بَيْعٌ) أي: مبيع، وأُطلِق عليه بيعًا باعتبار ما يؤول إليه (فَاشْتَرَى) ﵊ (مِنْهُ) أي: من المشرك (شَاةً) وللكُشْمِيهَنيِّ (١): «منها»، أي: من الغنم شاة (فَصُنِعَتْ) أي: ذُبِحَت (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ البَطْنِ) منها وهو كبدها، أو كلِّ ما في بطنها من كبد وغيرها، لكن الأوَّل أبلغ في المعجزة (٢) (أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة: قَسَم (مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالمِئَةِ) الَّذين كانوا معه ﵊ (إِلَّا قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الحاء المهملة، أي: قطع (لَهُ حُزَّةً) بضمِّ الحاء المهملة، أي: قطعةً (مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ) قال الحافظ ابن حَجَر: أي: أعطاه إيَّاها فهو من القَلْب، وقال العَيْنيُّ: أي: أعطى الحزَّة الشَّاهد، أي: الحاضر، ولا حاجة إلى دعوى القلب، بل العبارتان سواءٌ في الاستعمال (وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ) منها (فَجَعَلَ مِنْهَا) أي: من الشَّاة (قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا (٣) أَجْمَعُونَ) تأكيد للضَّمير الَّذي في «أكلوا» من القَصعتين مجتمعين عليهما، فيكون فيه معجزة أخرى؛ لكونهما وسعتا أيدي القوم كلِّهم، أو المراد: أنَّهم أكلوا منهما في الجملة أعمَّ من الاجتماع والافتراق (وَشَبِعْنَا فَفَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ) أي: الطَّعام الَّذي فضل، وفي رواية المصنِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٣٨٢] «وفضل في (٤) القَصْعتين»، ولغير أبي ذرٍّ: «فحملنا» بإسقاط ضمير المفعول (عَلَى البَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ) شكٌّ من الرَّاوي، وفي هذا الحديث: معجزة تكثير سواد البطن حتَّى وسع هذا العدد، وتكثير الصَّاع ولحم الشَّاة حتَّى أشبعهم أجمعين، وفضلت منهم فضلة، حملوها لعدم حاجة أحد إليها.
وهذا الحديث مضى مختصرًا في «البيع» [خ¦٢٢١٦] ويأتي في «الأطعمة» [خ¦٥٣٨٢] إن شاء الله تعالى.
(٢٩) (بابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على الهديَّة في سورة الممتحنة: (﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ﴾) الإحسان إلى الكَفَرة (﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾) قال ابن كثير:
стр. 5441
كالنِّساء والضَّعَفَة منهم (﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾) أي: تحسنوا إليهم وتصِلوهم (﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]) قال السَّمرقنديُّ: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾» أي: العادلين.
٢٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة- أبو الهيثم البَجَلِيُّ القَطَوانيُّ -بفتح القاف والطَّاء- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التَّيميُّ، مولاهم أبو محمَّد المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويُّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المدنيُّ مولى ابن عمرَ (١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَى عُمَرُ) أبوه (حُلَّةً) زاد في رواية نافع السَّابقة: «سِيَراء» [خ¦٢٦١٢] (عَلَى رَجُلٍ) هو عُطَارد بن حاجب (تُبَاعُ) أي: عند باب المسجد كما في رواية نافع (فَقَالَ) عمر (لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْتَعْ) اشتر (هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ) بجزم «تلبسْها» في الفرع وأصله (وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ، فَقَالَ) ﵊: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) أي: الحلَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «هذا» أي: الحرير (مَنْ لَا خَلَاقَ) أي: لا حظَّ (لَهُ) منه (فِي الآخِرَةِ. فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ) له ﵊: (كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا) وفي رواية نافع: «وقد قلت في حُلَّة عطارد» [خ¦٢٦١٢] (مَا قُلْتَ؟ قَالَ) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا) بالرَّفع (فَأَرْسَلَ بِهَا) أي: بالحُلَّة (عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ) من الرَّضاعة، اسمه: عثمان بن حكيم (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) زاد نافعٌ: «مشركًا» (قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ) لم يقل نافع: «قبل أن يُسْلم».
стр. 5442
٢٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصَغَّرًا، واسمه: عبد الله الهَبَّاريُّ، بفتح الهاء وتشديد الموحَّدة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثي (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عُرْوة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّها (قَالَتْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قلت: يا رسول الله» (قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي) قُتَيلة بالقاف والفوقيَّة مُصَغَّرًا، بنت عبد العُزَّى بن سعد، زاد اللَّيث عن هشام في «الأدب» [خ¦٥٩٧٩] «مع ابنها (١)»، واسمه كما ذكر الزُّبير: الحارث بن مدرك (٢). قال الحافظ ابن حَجَر: ولم أرَ له ذكرًا في الصَّحابة، فكأنَّه مات مشركًا، وفي رواية ابن سعد وأبي داود الطَّيالسيِّ والحاكم من حديث عبد الله بن الزُّبير: «قدمتْ قُتَيْلة بنت عبد العُزَّى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهُدنة -وكان أبو بكر طلَّقها في الجاهلية- بهدايا: زبيب وسمن وقَرَظ، فأبت أسماء أن تقبل هديَّتها، أو تُدخلها بيتها». (وَهيَ مُشْرِكَةٌ) جملةٌ حاليَّة (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في زمنه (فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ) وفي رواية حاتم بن إسماعيل في «الجزية» [خ¦٣١٨٣] «فقلت: يا رسول الله» (إنَّ أمِّي قَدِمَتْ وَهيَ رَاغِبَةٌ) في شيء تأخذه، أو عن دِيني، أو في القرب منِّي ومجاورتي والتودُّد إليّ، لأنَّها ابتدأت أسماء بالهديَّة، ورغبتُ عنها في المكافأة لا الإسلام، لأنَّه لم يقع في شيء من الرِّوايات ما يدلُّ على إسلامها، ولو حُمِل قوله: «راغبةٌ» -أي: في الإسلام- لم يستلزم إسلامها؛ فلِذا لم يُصِبْ مَنْ ذَكَرها في الصَّحابة، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: ورُوِي: راغمةٌ -بالميم- أي: كارهة للإسلام ساخطة له، فيُوهِم أنَّه رواية في «البخاريِّ» وليس كذلك، بل هي رواية
стр. 5443
عيسى بن يونس عن هشام عند أبي داود والإسماعيليِّ (أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ) زاد في «الأدب» [خ¦٥٩٧٨] عن الحُمَيدي عن ابن عُيَيْنة قال ابن عُيَيْنة: فأنزل الله فيها: ﴿رلَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨].
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ) التي وهبها (وَ) لا في (صَدَقَتِهِ) الَّتي تصدَّق بها.
٢٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفرَاهيديُّ -بالفاء- أبو عمرو البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّسْتَُوَائِيُّ (وَشُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) زاد أبو داود (١) في آخره: «قال هَمَّام: قال قتادة: ولا أعلم القيء إلَّا حرامًا».
٢٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالإفراد وواو العطف (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) ليس أخا عبد الله بن المبارك المشهور، بل هو العَيْشيُّ -بتحتيَّة ومعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (٢) التَّنُّوريُّ -بفتح المثنَّاة وتشديد النُّون- قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) ابن أبي تميمة، كيسانُ السَّختيانيُّ البصريُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ لَنَا) وفي روايةٍ: «منَّا» (مَثَلُ السَّوْءِ) بفتح السِّين، و «مَثَل»:
стр. 5444
بفتح الميم والمثلَّثة (الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ) أي: العائد في هبته (كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ) زاد مسلمٌ من رواية أبي جعفر محمَّد بن عليٍّ الباقر عنه: «فيأكله»، وله في رواية بُكَيْر: «إنَّما مَثَل الَّذي يتصدَّق بصدقة، ثمَّ يعود في صدقته، كمَثَل الكلب يقيء ثمَّ يأكل قَيْئَه»، والمعنى كما قال البيضاويُّ: لا ينبغي لنا -معشر المؤمنين- أن نتَّصف بصفةٍ ذميمةٍ يشابهنا فيها أخسُّ الحيوانات في أخسِّ أحوالها، قال في «الفتح»: ولعلَّ هذا أبلغ في الزَّجر عن ذلك، وأدلُّ على التَّحريم، ممَّا لو قال مثلًا: لا تعودوا في الهبة، قال النَّوويُّ: هذا المَثَل ظاهر في تحريم الرُّجوع في الهبة والصَّدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبيِّ لا ما وهب لولده وولد ولده كما صَرَّح به في حديث النُّعْمان، وهذا مذهب الشَّافعيِّ ومالك، وقال الحنفيَّة: يكره الرُّجوع فيها لحديث الباب، ولا يحرم، لأنَّ فعل الكلب يوصف بالقُبح لا بالحُرمة، فيجوز الرُّجوع فيما يهبه لأجنبيٍّ بتراضيهما أو بحكم حاكمٍ، لقوله ﵊: «الواهب أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ منها» أي: ما لم يُعَوَّضْ عنها.
٢٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي، المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أَسْلَم، مولى عمرَ بن الخطَّاب، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) أي: تصدَّقت به، ووهبته بأن يقاتَل عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) واسمه: الورد، وكان للنَّبيِّ ﷺ ، أعطاه له تميم الدَّاري فأعطاه عمر (فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بتقصيره في خدمته ومؤونته قال عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ) نهيٌ للتَّنزيه (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ) قال في «الفتح»: ويُستفاد منه: أنَّه لو وجده مثلًا يُباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النَّهي (فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) الفاء في «فإنَّ العائد» للتَّعليل، أي: كما يقبح أن يقيء ثمَّ يأكل، كذلك يقبح أن يتصدّق بشيء، ثمَّ يجرُّه إلى نفسه بوجه من الوجوه.
стр. 5445
(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من السَّابق.
٢٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ اليمنيُّ قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، وتصغير «عبد» الثَّاني، المكيُّ (أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ) بضمِّ المهملة وفتح الهاء، ابن سنان الرُّوميِّ، لأنَّ الرُّوم سَبَوه صغيرًا، وبنوه هم: حمزة وحبيب وسعد (١) وصالح وصيفيٌّ وعبَّاد وعثمان (٢) ومحمَّد (مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ) بضمِّ الجيم وسكون المهملة، عبد الله بن عمرو (٣) بن جُدْعان، كان اشتراه بمكَّة من رجلٍ من كَلْبٍ وأعتقه، وقيل: بل هرب من الرُّوم، فقدم مكَّة فحالف فيها (٤) ابن جُدعان، وللكُشْمِيهَنيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي: «بني جُدْعان» (ادَّعَوْا) أي: بنو صُهَيب عند مروان (بَيْتَيْنِ) تثنية بَيْت (وَحُجْرَةً) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم: الموضع المنفرد في الدَّار (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ) الَّذي ادَّعَوْه -من البيتين والحُجْرة- أباهم (صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟) الَّذي ادَّعيتماه، وعبَّر بالتَّثنية، وفي البقيَّة بالجمع، فيُحْمَل على أنَّ الَّذي تولَّى الدَّعوى منهم اثنان برضا الباقين، فخاطبهما مروان بالتَّثنية، لأنَّ الحاكم لا يخاطب إِلَّا المدَّعي، وعند الإسماعيليِّ:
стр. 5446
«فقال مروان: من يشهد لكم؟» بصيغة الجمع (قَالُوا) كلُّهم: يشهد بذلك (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (فَدَعَاهُ) مروان (فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفتح لام «لَأعطى». قال الكِرْمانيُّ: كأنَّه جَعل للشَّهادة حُكْم القَسَم، أو يُقَدَّر قَسَمٌ، أي: والله لأعطى (١) ﵊ (صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً) وهي الَّتي ادَّعى بها (٢) (فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ) أي: بشهادة ابن عمر وحده لبني صُهَيب بالبيتَين والحُجرة. فإن قيل: كيف قضى بشهادته وحده؟ أجاب ابن بطَّال: بأنَّه إنَّما قضى لهم بشهادته ويمينهم، وتُعُقِّبَ: بأنَّه لم يُذكَر ذلك في الحديث، بل عبَّر عن الخبر بالشَّهادة والخبر يُؤكَّد بالقَسَم كثيرًا، وإن كان السَّامع غير منكِر، ولو كانت شهادة حقيقيَّة لاحتاج إلى شاهد آخر، ولا يخفى ما في هذا، فليُتَأمَّل. والقاعدة المستمرَّة تنفي الحكم بشهادة الواحد، فلابدّ من اثنين أو شاهد ويمين، فالحَمْل على هذا أَولى من حمله على الخبر وكونِ الشَّهادة غير حقيقيَّة.
وهذا الحديث تفرَّد به البخاريُّ.
(٣٢) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة»، قال ابن حَجَر: وثبتت للأَصيليِّ وكُرَيمة قبل الباب.
(بابُ مَا قِيلَ) أي: ورد (فِي العُمْرَى) بضمِّ العين المهملة وسكون الميم مع القصر مأخوذة من العُمُر (وَالرُّقْبَى) بوزنها، مأخوذةٌ من الرُّقوب (٣)، لأنَّ كلًّا منهما يَرْقُب موت صاحبه، وكانا عقدين في الجاهليَّة، وتفسير «العمرى»: أن يقول الرَّجل لغيره: (أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ، فَهْيَ عُمْرَى) أي: (جَعَلْتُهَا
стр. 5447
لَهُ) مِلْكًا مدَّة عمره (١)، وتكون هبةً، ولو زاد: فإن متُّ فهي لورثته، فهبة أيضًا، طوَّل فيها العبارة (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]) أي: (جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) هذا تفسير أبي عُبَيدة في «المجاز»، وقال غيره: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾: أطال أعماركم، أو أذن لكم في عمارتها، واستخرج قوتكم منها.
٢٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ جَابِرٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى (٢) أَنَّهَا) أي: حَكَم في العُمْرى بأنَّها (لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول، زاد مسلم في رواية الزُّهريِّ عن أبي سلمة: «لا ترجع إلى الَّذي أعطاها» لأنَّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وله من طريق اللَّيث عن الزُّهريِّ: «فقد قطع قوله حقَّه فيها، وهي لمن أُعْمِرَ ولعَقِبه»، فلو قال: إن متَّ عاد إليَّ، أو إلى ورثتي إن متُّ، صحَّت الهبة، ولغا الشَّرط، لأنَّه فاسد، ولإطلاق الحديث.
وحديث الباب أخرجه مسلم في «الفرائض»، وأبو داود في «البيوع»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «العُمْرى».
٢٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ) الأنصاريُّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة، «ونَهِيك» بفتح النُّون وكسر الهاء، السَّلوليُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: العُمْرَى جَائِزَةٌ) أي: للمُعْمَر -بفتح الميم- ولورثته من بعده، لا حقَّ للمُعْمِر فيها.
стр. 5448
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح، بالإسناد السَّابق الموصول إلى قتادة: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) أي: نحو حديث أبي هريرة ﵁، ورواه مسلم عن قتادة عن عطاء بلفظ: «العُمْرى ميراثٌ لأهلها»، ولعلَّه المراد بقوله: «نحوه»، لكن في رواية أبي ذرٍّ بلفظ: «مثلَه» بدل «نحوَه».
قال النَّوويُّ: قال أصحابنا: للعُمْرى ثلاثة أحوال:
أحدُها: أن يقول: أعمرتك هذه الدَّار، فإذا متَّ فهي لورثتك أولعَقِبك، فتصحُّ بلا خلاف، ويملك رقبة الدَّار، وهي هبة، فإذا مات فالدار لورثته، وإلَّا فلبَيْت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال.
ثانيها: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عُمْرى، ولا يتعرَّض لِمَا سواه، ففي صحَّته قولان للشَّافعيِّ، أصحُّهما -وهو الجديد- صحَّتُه.
ثالثها: أن يزيد عليه بأن يقول: فإن متَّ عادت إليَّ، ولورثتي إن متُّ صحَّ ولغا الشَّرط. وقال أحمد: تصحُّ العُمْرى المطلقة دون المؤقَّتة، وقال مالك: العُمْرى في جميع الأحوال تمليكٌ لمنافع الدَّار مثلًا، ولا تُملك فيها رقبتها بحال، ومذهب أبي حنيفة كالشَّافعية، ولم يذكر المؤلِّف في الرُّقبى -المذكورة في جملة التَّرجمة- شيئًا، فلعلَّه يرى اتِّحادهما في المعنى كالجمهور، وقد روى النَّسائيُّ بإسناد صحيح عن ابن عبَّاس موقوفًا: «العُمْرى والرُّقبى سواء»، وقد منعها مالك وأبو حنيفة ومحمَّد خلافًا للجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وللنَّسائيِّ من طريق إسرائيلَ عن عبد الكريم عن عطاء قال: «نهى رسول الله ﷺ عن العُمْرى والرُّقبى». قلت: وما الرُّقبى؟ قال: «يقول الرَّجل للرَّجل: هي لك حياتَك، فإن فعلتم فهو جائز» أخرجه مرسلًا. وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيبٍ بن أبي ثابتٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «لا عُمْرى ولا رُقْبى، فمن أُعْمر شيئًا أو أُرْقِبه فهو له حياتَه ومماتَه» ورجاله ثقاتٌ، لكن اختُلِف في سماع حبيب له من ابن عمر، فصرَّح به النَّسائيُّ في طريقٍ، ونفاه في طريقٍ أخرى، وأُجِيبَ: بأنَّ معناه: لا عُمْرى (١) بالشُّروط الفاسدة على ما كانوا يفعلونه في الجاهليَّة من الرُّجوع، أي: فليس لهم العُمْرى المعروفة عندهم المقتضية للرُّجوع، فأحاديث النَّهي محمولةٌ على الإرشاد.
стр. 5449
(٣٣) (بابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ) زاد أبو ذرٍّ: «والدَّابَّةَ»، وزاد الكُشْمِيهَنِيِّ: «وغيرَها»، قال الحافظ ابن حَجَر: وثبت مثله (١) لابن شَبُّويَه، لكنْ قال: «وغيرَهما» بالتَّثنية، وعند بعض الشُّرَّاح قبل الباب: «كتابُ العاريَّة» ولم أره لغيره، والعاريَّة: بتشديد الياء وقد تُخفَّف، وفيها لغةٌ ثالثة: عارةٌ: بوزن غارة (٢)، وهي اسم لما يُعَار، مأخوذةٌ من: عارَ إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عَيَّار لكثرة ذهابه ومجيئه، وقيل: من التَّعاور، وهو التَّناوب. وقال الجوهريُّ: كأنَّها منسوبة إلى العار، لأنَّ طلبها عارٌ وعيب، وحقيقتها شرعًا: إباحة الانتفاع بما يحلُّ الانتفاع به مع بقاء عينه، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] فسَّره جمهور المفسِّرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض.
٢٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالك ﵁ (يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ) بفتح الفاء والزَّاي: خوفٌ من عدوٍّ (بِالمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوجِ أمِّ أنس (يُقَالُ لَهُ: المَنْدُوبُ) زاد في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٧] من طريق سعيد عن قتادة: «كان يقطف أو كان فيه قطاف»، بالشَّكِّ، أي: بطيء المشي. وقال ابن الأثير: المندوب، أي: المطلوب، وهو من النَّدب: الرَّهن الذي يُجعَل في السِّباق، وقيل: سُمِّيَ به لندبٍ كان في جسمه، وهو أثر الجرح، وقال عياضٌ: يحتمل أنَّه لقبٌ أو اسم بغير معنًى كسائر الأسماء (فَرَكِبَ) ﵊، زاد في رواية جرير
стр. 5450
بن حازم عن محمَّد عن أنس في «الجهاد» [خ¦٢٩٦٩] «ثمَّ خرج يركض وحده، فركب النَّاس يركضون خلفه» (فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) يوجب الفزَع (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) أي: الفرسَ (لَبَحْرًا) أي: واسع الجري، ومنه سُمِّي البحر بحرًا لسعته، وتبحَّر فلان في العلم، إذا اتَّسع فيه، وقيل: شبَّهه بالبحر؛ لأنَّ جريه لا ينفد، كما لا ينفد ماء البحر، قال الخطَّابيُّ: و «إنْ» هنا نافيةٌ، واللَّام بمعنى «إلَّا» أي: ما وجدناه إلَّا بحرًا، وعليه اقتصر الزَّركَشيُّ، قال في «التَّوضيح» (١): وهو قصور، وهذا إنَّما هو مذهب كوفيٌّ، ومذهبُ البصريِّين: أنَّ «إنْ» مخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام فارقة بينها وبين النَّافية. انتهى. وقد سبقه إليه ابن التِّين. قال الحافظ ابن حَجَر: وفي رواية المُستملي: «وإِنْ وَجدْنا» بحذف الضَّمير، وفي رواية حمَّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٦] أيضًا: «استقبلهم النَّبيُّ ﷺ على فرسٍ عُرْيٍ، ما عليه سرجٌ، وفي عنقه سيفٌ». وأخرجه الإسماعيليُّ عن حمَّادٍ، وفي أوَّله: «فزعَ أهل المدينة ليلةً، فتلقَّاهم النَّبيُّ ﷺ قد سبقهم إلى الصَّوت، وهو على فرس بغير سرج»، واستُدِلَّ به: على مشروعيَّة العاريَّة، وكانت -كما قاله الرُّويانيُّ- واجبةً أوَّلَ الإسلام للآية السَّابقة (٢)، ثم نُسِخَ وجوبها فصارت مستحبَّةً، أي: أصالة، فقد تجب كإعارة الثَّوب لدفع حَرٍّ أو برد، وإعارة الحبل (٣) لإنقاذ غريق، والسِّكين لذبح حيوانٍ محترم يُخشَى موته، وقد تحرُمُ كإعارة الصَّيد من المحرِم، والأَمَة من الأجنبيِّ، وقد تُكْرَه كإعارة العبد المسلم من كافر، ويُشتَرط في المُعير (٤) أن يملك المنفعة، فتصحُّ الإعارة من المستأجر لا من المستعير، لأنَّه غير مالك لها، وإنَّما أُبيحَ له الانتفاع، لكنّ للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله، كأن يُرْكِبَ الدابَّة المستعارة وكيلَه في حاجته أو زوجتَه أو خادمَه، لأنَّ الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشِر. وحكمُ العارية -إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية، أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير- الضَّمانُ، لحديث أبي داود وغيره: «العارية مضمونة» ولأنها (٥) مال يجب ردُّه لمالكه، فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السَّوْم، فإن تلفت باستعمالٍ مأذونٍ فيه كاللُّبس
стр. 5451
والرُّكوب المعتادَين، لم يضمن لحصول التَّلف بسببٍ مأذونٍ فيه.
(٣٤) (بابُ الاِسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ) نعتٌ، يستوي فيه الذَّكر والأنثى ما داما في أعراسهما (عِنْدَ البِنَاءِ) أي: الزّفاف، وقال ابن الأثير: الدُّخول بالزَّوجة، وقيل له: بناء، لأنَّهم كانوا يبنون لمن يتزوَّج قبَّة ليدخل بها فيها، ثمَّ أُطلِق ذلك على التَّزويج.
٢٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة، وبعد الميم المفتوحة نونٌ، المخزوميُّ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) أيمنُ الحبَشيُّ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ) بكسر الدَّال وسكون الرَّاء: قميصُ المرأة، و «قِطْر»: بكسر القاف وسكون الطَّاء ثمَّ راء، مع إضافة درع لقطر: ضَرْبٌ من بُرُود (١) اليمن غليظٌ، فيه بعض الخشونة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قُطْنٍ» بضمِّ القاف، وآخره نونٌ، والجملة حاليَّة (ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ) برفع «ثمنُ» وجرِّ «خمسةِ» في الفرع وأصله وغيرهما من الأصول المعتمدة الَّتي وقفت عليها، وقال في «الفتح»: «ثمنَ»: بالنَّصب بنزعِ الخافض، و «خمسةِ»: بالجرِّ على الإضافة، أو «ثمنٌ خمسةُ»: بالرَّفع فيهما، على حذف الضمير، أي: ثمنه خمسة دراهم، ويُروى: «ثُمِّنَ» بضمِّ المثلَّثة وتشديد الميم المكسورة على صيغة المجهول من الماضي، و «خمسةَ» بالنَّصب بنزع الخافض، أي: قُوِّمَ بخمسة دراهم قال: ووقع في رواية ابن شَبُّويه وحده: «خمسة الدَّراهم» (فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي) قال الحافظ ابن حَجَر: لم أعرف اسمها (انْظُرْ إِلَيْهَا) بلفظ الأمر (فَإِنَّهَا تُزْهَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه: تتكبَّر (أَنْ تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ) يقال: زهى الرَّجل إذا تكبَّر وأُعجِب بنفسه، وهو من الأفعال الَّتي لم تَرِد إلَّا مبنيَّةً لِمَا لم يُسمَّ فاعله وإن كان بمعنى
стр. 5452
الفاعل، مثل عُنِيَ بالأمر، ونُتِجت النَّاقة، لكن قال في «الفتح»: إنَّه رآه في رواية أبي ذرٍّ: «تَزْهى (١)» بفتح أوَّله، وقد حكاها ابن دُرَيد، لكن قال الأصمعيُّ: لا يقال بالفتح (وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ) أي: من الدُّروع (دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: في زمنه وأيَّامه (فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ) بضمِّ حرف المضارعة وفتح القاف وتشديد التَّحتيَّة، آخره نونٌ، مبنيًّا للمفعول، أي: تُزَيَّن. قال صاحب الأفعال: قان الشَّيءَ قيانة: أصلحه، وقيل: تُجْلَى على زوجها (بِالمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ) أي: ذلك الدِّرع، لأنَّهم كانوا إذ ذاك في حال ضيقٍ، فكان الشَّيء الخسيسُ عندهم نفيسًا.
وهذا الحديث تفرّد به البخاريُّ، وفيه من الفوائد ما لا يخفى، فتأمَّلْه.
(٣٥) (بابُ فَضْلِ المَنِيحَةِ) بفتح الميم والحاء المهملة، بينهما نونٌ مكسورة فمثنَّاة تحتيَّة ساكنة: النَّاقة أو الشَّاة تعطيها غيرك يحتلبها، ثم يردُّها عليك، والمِنْحة بكسر الميم، العطية، وسقط لفظ «بابُ» في رواية أبي ذرٍّ، فـ «فضل» مرفوعٌ حينئذٍ.
٢٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بُكَير، ونسبه لجدِّه لشهرته به، المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: نِعْمَ المَنِيحَةُ) النَّاقة (اللِّقْحَةُ) بكسر اللَّام وسكون القاف، والرَّفع: صفةٌ لسابقها، الملقوحة: وهي ذات اللَّبن القريبة العهد بالولادة (الصَّفِي) بفتح الصَّاد وكسر الفاء: صفةٌ ثانية لكثيرة اللَّبن، واستعمله بغير هاء. قال الكِرْمانيُّ: لأنَّه إمَّا فعيل أو فَعُول، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، وتعقَّبه العَينيُّ: بأنَّ قوله: إمَّا فعيل غير صحيح، لأنَّه من معتلِّ اللَّام الواويُّ دون اليائيِّ. وقال في «المصابيح»: والأشهر
стр. 5453
استعمالها بغير هاء. قال العَيْنيُّ: ويُروى أيضًا: «الصَّفيَّة» (مِنْحَةً) نصبٌ على التَّمييز. قال ابن مالك في «التَّوضيح»: فيه وقوع التَّمييز بعد فاعل «نِعْمَ» ظاهرًا، وقد منعه سيبويه إلَّا مع إضمار الفاعل نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وجوَّزه المبرِّد، وهو الصَّحيح. انتهى. وقال في «المصابيح»: يحتمل أن يقال: إنَّ فاعل «نِعْمَ» في الحديث مضمرٌ، والمنيحة الموصوفة بما ذُكِر هي المخصوص بالمدح، و «منحةً»: تمييز تأخَّر عن المخصوص، فلا شاهد فيه على ما قال، ولا يرد على سِيْبَويه حينئذٍ (وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ) صفةٌ وموصوف، عُطِفَ على ما قبله (تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ) أي: تَحلب إناءً بالغداة وإناء بالعَشيِّ، أو تغدو بأجر حلبها في الغدوِّ والرَّواح، والمنحة: من باب: الصِّلات لا من باب: الصَّدقات.
وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (وَإِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيس (عَنْ مَالِكٍ) أنَّه (قَالَ) في روايته للحديث السَّابق: (نِعْمَ الصَّدَقَةُ) أي: اللِّقحة الصَّفيُّ منحةً، قال في «الفتح»: وهذا هو المشهور عن مالك، وكذا رواه شُعَيب عن أبي الزِّناد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «الأشربة» [خ¦٥٦٠٨] أي: بلفظ الصَّدقة.
стр. 5454
٢٦٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي: شَيْئًا) وسقط لأبي ذرٍّ «يعني شيئًا» (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ) بالخفض عطفًا على السَّابق، وجوابُ «لمَّا» قوله: (فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ العَمَلَ وَالمَؤونَةَ) في الزِّراعة (١)، والمنفيُّ -في حديث أبي هريرة السَّابق في «المزارعة» (٢) [خ¦٢٣٢٥] حيث قالوا: اقسم بيننا وبين إخواننا النَّخل، قال: «لا» - مقاسمةُ الأصول والمراد هنا: مقاسمة الثِّمار (وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ) بدل من «أمُّه» والضَّمير فيه يعود على أنس، واسمها سهلة، وهي (أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين مُصَغَّرًا: بدلٌ من المرفوع السَّابق أيضًا، و (كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) أيضًا، فهو أخو أنس لأمِّه. قال في «الفتح»: والَّذي يظهر أنَّ قائل ذلك الزُّهريُّ [الراوي] عن أنس، لكن بقيَّة السِّياق تقتضي أنَّه من رواية الزُّهريِّ عن أنس (٣)، فيكون من باب التَّجريد، كأنَّه ينتزع من نفسه شخصًا فيخاطبه (فَكَانَتْ أَعْطَتْ) أي: وهبت (أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِذَاقًا) بكسر العين المهملة وتخفيف الذَّال المعجمة، جمع عَذْقٍ بفتح العين وسكون الذَّال: النَّخلة نفسُها، أو إذا كان حملها موجودًا، والمراد ثمرها، ولأبي ذرٍّ: «عَذاقًا» بفتح العين (فَأَعْطَاهُنَّ) أي: النَّخلاتِ (النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ) بركةَ (مَوْلَاتَهُ) وحاضنته (أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) مولاه ﵊، وهو أخو أيمن بن عُبَيد الحَبَشيِّ لأمِّه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «المغازي» والنَّسائيُّ في «المناقب».
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ بالسَّند السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ
стр. 5455
النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ) وللأَصيليِّ: «من قتال» (أَهْلِ خَيْبَرَ، فَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ) لاستغنائهم بغنيمة خَيْبر (فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ) هي (١) أمُّ أنس وأمُّ سُلَيم (عِذَاقَهَا) بكسر العين، ولأبي ذرٍّ: «عَذاقها» بفتحها، أي: الَّذي كانت أعطته، وأعطاه هو لأمِّ أيمن (وَأَعْطَى) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فأعطى» (رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ) مولاتَه (مَكَانَهُنَّ) أي: بدلهنَّ (مِنْ حَائِطِهِ) أي بستانه.
(وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الموحَّدة الأُولى، البصريُّ (٢): (أَخْبَرَنَا (٣) أَبِي) شَبِيب بن سعيد الحَبَطيُّ: بفتح الحاء المهملة والموحَّدة، البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأَيْليِّ (بِهَذَا) الحديث متنًا وإسنادًا (وَقَالَ: مَكَانَهُنَّ) فوافق ابن وَهْب إلَّا في قوله: «من حائطه» فقال: (مِنْ خَالِصِهِ) أي: مِنْ خالص ماله، وفي «مسلم» من طريق سليمان التَّيميِّ عن أنس: أنَّ الرَّجل كان يجعل للنَّبيِّ ﷺ النَّخلات من أرضه، حتَّى فُتِحَت عليه قُرَيظة والنَّضير، فجعل بعد ذلك يردُّ عليه ما كان أعطاه. قال أنس: وإنَّ أهلي أمروني أن آتي النَّبيَّ ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبيُّ الله ﷺ قد أعطاه أمَّ أيمن، فأتيت النَّبيَّ ﷺ فأعطانِيهِنَّ، فجاءت أمُّ أيمن فجعلت الثَّوب في عنقي، وقالت: والله لا أعطيكَهُنَّ وقد أعطانِيهنَّ، فقال نبيُّ الله ﷺ : «يا أمَّ أيمن، اتركيه ولك كذا وكذا» وتقول: كلَّا، والله الَّذي لا إله إلَّا هو، فجعل يقول كذا وكذا (٤) حتَّى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبًا من عشرة أمثاله. وإنَّما فعلتْ ذلك، لأنَّها ظنَّت أنَّها هبةٌ مؤبَّدة وتمليكٌ لِأصلِ
стр. 5456
الرَّقبة، فأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك، فما زال يزيدها في العِوَضِ حتَّى رضيت تبرُّعًا منه ﷺ وإكرامًا لها من حقِّ الحضانة، زاده الله شرفًا وتكريمًا.
٢٦٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرهد قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) الهَمْدانيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن (عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ) الشَّاميِّ (عَنْ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون الموحَّدة وفتح الشِّين المعجمة (السَّلُولِيِّ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ اللَّام الأولى، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) هو ابن العاص (¬﵄، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرْبَعُونَ خَصْلَةً) مبتدأٌ، ولأحمد: «أربعون حسنةً» بدل «خصلةً» وقوله: (أَعْلَاهُنَّ) مبتدأٌ ثانٍ وخبره (مَنِيحَةُ العَنْزِ) الأنثى من المعز، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل (مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا) أي: من الأربعين (رَجَاءَ ثَوَابِهَا) بنصب «رجاء» على التَّعليل، وكذا قوله: (وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ) (بِهَا الجَنَّةَ، قَالَ حَسَّانُ) هو ابن عطيَّة راوي الحديث بالسَّند السَّابق: (فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ) ممَّا وردت به الأحاديث (فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً) قال ابن بطَّال: ما أبهمها ﵊ إلَّا لمعنًى هو أنفع من ذكرها، وذلك -والله أعلم- خشيةَ أن يكون التَّعيين والتَّرغيب فيها مزهِّدًا في غيرها من أبواب الخير، وقول حسَّان: «فما استطعنا» ليس بمانع (١) أن يوجد غيرها، ثمَّ عدَّد خصالًا كثيرة، تعقَّبه ابن المُنَيِّر في بعضها، فقال: التَّعداد سهلٌ، ولكنَّ الشَّرط صعب، وهو أن يكون كلُّ ما عدَّده من الخصال دون منحة العنز، ولا يتحقَّق فيما عدَّده ابن بطَّال (٢) بل هو منعكس، وذلك أنَّ من جملة ما عدَّده: نصرة المظلوم، والذَّبَّ عنه ولو بالنَّفس، وهذا أفضل من منحة العنز،
стр. 5457
والأحسنُ في هذا أَلَّا يُعَدَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أبهمه، وما أبهمه الرَّسول كيف يتعلَّق الأمر (١) ببيانه من غيره، مع أنَّ الحكمة في إبهامه ألَّا يُحتَقر شيءٌ من وجوه البِرِّ وإن قلَّ.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الزَّكاة».
٢٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنديُّ -بكسر الموحدة- قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح، ولأبي ذر: «عن عطاء» (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله ﵁ وعن أبيه أنَّه (قَالَ: كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ) بفتح الراء (فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ) بما يخرج منها، والواو في الموضعين بمعنى «أو» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا) بفتح الياء والنُّون والجزم على الأمر فيهما، أي: يعطها (أَخَاهُ) المسلم (فَإِنْ أَبَى) أي: امتنع (فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) وسقط لفظ «أخاه» في هذا الحديث في «باب ما كان أصحاب النَّبيِّ ﷺ يواسي بعضُهم بعضًا في الزِّراعة والثَّمرة» [خ¦٢٣٤٠] والغرض منه هنا قوله: «أو ليمنحْها أخاه».
٢٦٣٣ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنديُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ وأبو نُعَيم قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَعِيدٍ) الخُدْريُّ ﵁ (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الهِجْرَةِ) أي: أن يبايعه على الإقامة بالمدينة، ولم يكن من أهل مكَّة الَّذين وجبت
стр. 5458
عليهم الهجرة قبل الفتح (فَقَالَ) له ﵊: (وَيْحَكَ) كلمة ترحُّمٍ وتوجُّع لمن وقع في هَلَكة لا يستحقُّها (إِنَّ الهِجْرَةَ شَأْنُهَا) أي: القيام بحقِّها (شَدِيدٌ) لا يستطيع القيام بها إلَّا القليل (فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊ له: (فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا) المفروضة؟ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَمْنَحُ) بفتح النُّون وكسرها في الفرع كالصَِّحاحِ (مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ) وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ فيه إثبات فضيلة المنيحة (١) (قَالَ:) ﵊: (فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟) بكسر الواو، وفي «اليونينيَّة» بفتحها، ولعلَّه سَبْقُ قلمٍ، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «يوم (٢) ورودها»، أي: يوم نوبة شربها، لأنَّ الحَلْب يومئذ أوفق للنَّاقة وأرفقُ للمحتاجين (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﵊ له: (فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ) بموحَّدة ومهملة، أي: من وراء القرى والمدن، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «من وراء التِّجار» بكسر المثنَّاة الفوقيَّة وبالجيم بدل الموحَّدة والحاء (فإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، أي: لن ينقصَك (٣) (مِنْ) ثواب (عَمَلِكَ شَيْئًا).
وهذا الحديث قد (٤) سبق في «الزكاة» في «باب زكاة الإبل» [خ¦١٤٥٢].
٢٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) هو ابن عبد المجيد البصريُّ، قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار المكِّيِّ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كَيْسان اليمانيُّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «بذلك» باللَّام، وفي «المزارعة» [خ¦٢٣٣٠] «قال عَمْرو: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة،
стр. 5459
فإنَّهم يزعمون أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عنها. قال: أي عَمْرو، وإنِّي أعطيهم وأغنيهم، وإنَّ أعلَمهم أخبرني» (-يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ، تَهْتَزُّ زَرْعًا) أي: تتحرَّك بالنَّبات وترتاح لأجل الزَّرع (فَقَالَ) ﵊: (لِمَنْ هَذِهِ) الأرض؟ (فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ) ﵊: (أَمَا) بالتَّخفيف (إنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا) أي: أعطاها المالك (إِيَّاهُ) أي: فلانًا المُكْتَرِي على سبيل المِنْحة (كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ) أي: مِنْ أخذِه (عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا) لأنَّها أكثر ثوابًا، وسبق هذا الحديث في «المزارعة» [خ¦٢٣٣٠].
(٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ) رجلٌ لآخر: (أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ) أي: على عُرْفهم في صدور هذا القول منهم، أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية (فَهوَ جَائِزٌ) جوابُ «إذا» (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) قال الكِرْمانيُّ: قيل: أراد به الحنفيَّة (هَذِهِ) الصيغة المذكورة بقوله: «إذا قال: أخدمتك هذه الجارية» مثلًا فهي (عَارِيَّةٌ) قال الحنفيَّة: لأنَّه صريح في إعارة الاستخدام (وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهوَ) ولأبي ذرٍّ: «فهذه» (هِبَةٌ) قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ولم تختلف الأمَّة أنَّ ذلك تمليكٌ للطَّعام والكسوة، فلو قال: كسوتك هذا الثَّوب مدَّة معيَّنة، فله شرطه، قاله ابن بطال وقال ابن المُنَيِّر: الكسوة للتَّمليك بلا شكٍّ؛ لأنَّ ظاهرها الأصليَّ لا يُراد، إذ أصلها لمباشرة الإلباس، لكنَّا نعلم أنَّ الغنيَّ إذا قال للفقير: كسوتُك هذا الثَّوب، لا يعني أنَّني باشرتُ إلباسك إيَّاه، فإذا تعذَّر حملُه على الوضع حُمِل على العُرْف وهو العطيَّة.
وقال الكِرْمانيُّ: قوله: «وإن قال: كسوتك … » إلى آخره، يحتمل أن يكون من تتمَّة قول الحنفيَّة، ومقصود المؤلِّف منه أنَّهم تحكَّموا، حيث قالوا: ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على التَّرجمة.
стр. 5460
٢٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ) الخليلُ ﷺ (بِسَارَةَ) زوجتِه، فدخل قريةً فيها ملِكٌ (٢) جبَّار من الجبابرة، فقيل: إنَّ ههنا رجلًا معه امرأة من أحسن النَّاس، فأرسلَ إليها، فلمَّا دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرُّكِ، فدعتِ الله فأُطلِق، فدعا بعضَ حَجَبَته (فَأَعْطَوْهَا آجَرَ) بهمزة بدل الهاء وفتح الجيم (فَرَجَعَتْ) سارة إلى الخليل (فَقَالَتْ) له: (أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ) (كَبَتَ الكَافِرَ) أي: صرفه وأذلَّه (وَأَخْدَمَ) أي: الكافر (وَلِيدَةً؟) جارية، أي: وهبها لأجل الخدمة.
(وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، ممَّا هو موصول في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) غرض المؤلِّف: أنَّ لفظ الإخدام للتَّمليك، وكذلك الكسوة. لكن قال ابن بطَّال: استدلاله بقوله: «فأخدمها هاجر»، على الهبة لا يصحُّ، وإنَّما صحَّت الهبة في هذه القصَّة من قوله: «فأعطوها هاجر». قال في «فتح الباري»: مراد البخاريِّ: أنَّه إن وُجِدَت قرينة تدلُّ على العُرْف حُمِلَ عليها، فإن كان جرى بين قوم عُرْف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة، فأطلقه شخص وقصد التَّمليك نفذ، ومن قال: هي عارية في كلِّ حال، فقد خالف، والله أعلم.
وهذا الحديث قد مرَّ بتمامه في «البيع» في «باب شراء المملوك من الحربيِّ» [خ¦٢٢١٧] وساق هنا قطعةً منه. وههنا فروع: لو أعطى إنسانٌ آخرَ دراهم، وقال: اشترِ لك بها عِمامة، أو ادخل بها الحمَّام أو نحو ذلك تعيَّنت لذلك مراعاةً لغرض الدَّافع، هذا إن قصد سترَ رأسه بالعمامة، وتنظيفَه بدخول الحمَّام لما رأى به من كشف الرَّأس وشعث البدن ووسخه، وإن لم يقصد ذلك، بل قاله على سبيل التَّبسُّط المعتاد فلا يتعيَّن ذلك بل يملكها ويتصرَّف فيها كيف شاء، وكذا لو طلب الشَّاهد من المشهود له مركوبًا ليركبه في أداء الشَّهادة، فأعطاه أجرة المركوب،
стр. 5461
فيأتي فيها التَّفصيل السَّابق، لكنْ قال الإِسْنَوِيُّ: والصَّحيح أنَّ له صرفها إلى جهة أخرى كما ذكروه في بابه، والفرق أنَّ الشَّاهد يستحقُّ أجرة المركوب، فله التَّصرف فيها كيف شاء، والمذكور أوَّلًا من باب الصَّدقة والبرِّ فرُوعِيَ فيه غرض الدَّافع، وإن أعطاه كفنًا لأبيه، فكفَّنه في غيره، فعليه ردُّه له إن كان قصد التَّبرُّك بأبيه، وما يحصِّله خادم الصُّوفيَّة لهم من السُّوق وغيره، يملكه دونهم؛ لأنَّه ليس بوكيل عنهم، ووفاؤه لهم مروءةٌ منه، فإنْ قَصَدهم الدَّافعُ معه، فالملك مشترك، أو دونه فمختصٌّ بهم (١) إن كان وكيلًا عنهم.
(٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ) آخرَ غيره (عَلَى فَرَسٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «إذا حَمل رجلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة، والفاعل مُضْمَر، أي: حَمل رجلٌ رجلًا على فرسٍ (فَهْوَ) أي: فحكمه (كَالعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ) في عدم الرُّجوع فيه (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أبو حنيفة ﵀: (لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا) أي: في الفرس الَّذي حمله عليها ناويًا بها الهبة، لأنَّه يجوز عنده الرُّجوع في الهبة (٢) للأجنبيِّ.
٢٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا) الإمامَ الأعظم (يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ) العدويَّ، مولى عمر، المدنيَّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (سَمِعْتُ أَبِي) أَسْلَمَ (يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) أي: تصدَّقت به (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وليس المراد: أنَّه حبسه كما سبق، واسم الفرس: الوردُ (فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ) وأردت أن أشتريه (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِه) أي: الفرس، والنَّهي للتَّنزيه، ولغير أبي ذرٍّ: «لا تشترِ» بحذف الضَّمير المنصوب، زاد في رواية يحيى بن قَزَعة: «وإن أعطاكه بدرهم» [خ¦٢٦٢٣] (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)، والله تعالى أعلم.
стр. 5462
((٥٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الشَّهادات) جمع شهادة، وهي كما في القاموس: خبرٌ قاطعٌ، وقد شَهِد كعَلِمَ وكرُم، وقد تُسَكَّن هاؤه، وشَهِدَه -كسَمِعَه- شهودًا: حضره، فهو شاهدٌ، والجمع شهود وشُهَّدٌ، وشهد لزيد بكذا شهادة: أدَّى ما عنده من الشَّهادة، فهو شاهد، والجمع شَهْد -بالفتح- وجمعُ الجمع: شهودٌ وأشهادٌ، واستَشْهَدَهُ: سأله أن يشهد له، والشَّهيد -وتكسر شينه-: الشَّاهد والأمين في شهادته. انتهى.
والفرق بين الشَّهادة والرِّواية مع أنَّهما خبران، كما في «شرح البرهان» للمازريِّ: أنَّ المخبَر عنه في الرِّواية أمر عامٌّ، لا يختصُّ بمعيَّن، نحو: «الأعمال بالنِّيات» أو «الشُّفعة فيما لم يقسم»، فإنَّه لا يختصُّ بمعيَّن، بل عامٌّ في كلِّ الخلق والأعْصار والأمصار، بخلاف قول العدل: لهذا عند هذا دينار، فإنَّه إلزام لمعيَّن، لا يتعدَّاه، وتعقَّبه الإمام ابن عَرَفة: بأن الرِّواية تتعلَّق بالجزئيِّ كثيرًا كحديث: «يخرب الكعبةَ ذو السُّويقَتين من الحبشة». انتهى.
وقد تكون مركَّبة من الرِّواية والشَّهادة، كالإخبار عن رؤية هلال رمضان، فإنَّه من جهة أنَّ الصَّوم لا يختصُّ بشخص معيَّن، بل عامٌّ على من دون مسافة القصر رواية، ومن جهة أنَّه مختصٌّ بأهل المسافة، ولهذا العامِّ شهادة، قاله الكِرْمانيُّ.
وقد ثبتت البسملة قبل «كتاب» في الفرع، ونُسِبَ ذلك في «الفتح» لرواية النَّسفيِّ وابن شَبُّويه، وفي بعض النُّسخ سقوطها.
стр. 5463
(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي) بكسر العين (لقوله) زاد أبو ذرٍّ: «تعالى» ولأبي ذرٍّ أيضًا: « » (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾) أي: إذا داين بعضكم بعضًا، تقول: داينته إذا عاملته نسيئةً معطيًا أو آخذًا (﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾) معلومٍ بالأيَّام والأشهر، لا بالحصاد وقدوم الحاجِّ (﴿فَاكْتُبُوهُ﴾) قال ابن كثير: هذا إرشادٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجَّلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشَّاهد، ويقال ممَّا ذكره السَّمرقَنْديُّ: من ادَّان دَينًا ولم يكتبْ، فإذا نسي دَيْنه ويدعو الله تعالى بأن يظهره، يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، والجمهور: على أنَّ الأمر هنا للاستحباب (﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾) أي: بالقسط من غير زيادة ولا نقصان (﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾) ولا يمتنعْ أحد من الكُتَّاب (﴿أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ﴾) مثل ما علَّمه الله من كَتْب الوثائق (١) ما لم يكن يعلم (﴿فَلْيَكْتُبْ﴾) تلك الكتابة المعلَّمة (﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾) وليكن المملِل مَنْ عليه الحقُّ؛ لأنَّه المقرُّ (٢) المشهود عليه (﴿وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾) أي: المُمْلي (٣)
стр. 5464
أو الكاتب (١) (﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾) ولا ينقص (﴿مِنْهُ شَيْئًا﴾) أي: من الحقِّ، أو الكاتب لا يبخس ما (٢) أملَّ (٣) عليه (﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾) ناقص العقل مبذِّرًا (﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾) صبيًّا أو ضعيفًا مختلًّا (﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾) أو غير مستطيع للإملال (٤) بنفسه لخرس أو جهل باللُّغة (﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾) أي: الَّذي يلي أمره، ويقوم مقامه من قيِّم إنْ (٥) كان صبيًّا، أو مختلَّ عقلٍ، أو وكيلٍ، أو مترجمٍ إن كان غير مستطيع، وهو دليل جريان النِّيابة في الإقرار، ولعلَّه مخصوصٌ بما تعاطاه القَيِّم أو الوكيل (﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾) على حقِّكم (﴿شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾) المسلمين الأحرار البالغين، وقال ابن كثير: أمرَ بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التَّوثقة (﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾) وهذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة (﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾) لعلمكم بُعْدَ التُّهم (﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾) أي: لأجل أنَّ إحداهما إن ضلَّت الشَّهادة بأن نسيتها ذكَّرتْها الأخرى، وفيه إشعار بنقصان عقلهنَّ وقلَّة ضبطهنَّ (﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾) لأداء الشَّهادة عند الحاكم، فإذا دُعِيَ لأدائها، فعليه الإجابة إذا تعيَّنت، وإِلَّا فهو فرضُ كفايةٍ، أو التَّحمُّل، وسُمُّوا شهداء تنزيلًا لما يشارف منزلة الواقع، و «ما» مَزيدة (﴿وَلَا تَسْأَمُوْاْ﴾) ولا تملُّوا من كثرة مدايناتكم (﴿أَن تَكْتُبُوْهُ﴾) أي: الدَّين أو الكتاب (﴿صَغِيرًا أَو كَبِيرًا﴾) صغيرًا كان الحقُّ أو كبيرًا، أو مختصرًا كان الكتاب أو مشبعًا (﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾) أي: إلى وقت حُلُولِه الَّذي أقرَّ به المديون (﴿ذَلِكُمْ﴾) الَّذي أمرناكم به من الكتابة (﴿أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾) أعدل (﴿وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾) وأثبت لها وأعون على إقامتها إذا وضع خطَّه، ثمَّ رآه، تذكَّر به الشَّهادة لاحتمال أنَّه لولا الكتابة لَنسيه، كما هو الواقع غالبًا (﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾) وأقرب في ألَّا تشكُّوا في جنس الدَّين وقدَرِه وأجلِه والشُّهود ونحو ذلك، ثمَّ استثنى من الأمر بالكتابة فقال: (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾) أي: إلَّا أن تتبايعوا يدًا بيد، فلا بأس ألَّا تكتبوا لبعده عن التَّنازع
стр. 5465
والنِّسيان (﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾) هذا التَّبايع أو مطلقًا، لأنَّه أحوط (﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ و﴾) فيكتب هذا خلافَ ما علم، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو الضِّرار بهما، مثل: أن يعجلا عن أمر مهمٍّ و (١) يكلَّفا (٢) الخروج عمَّا حُدَّ لهما، ولا يُعطى الكاتب جُعْله، والشَّاهد مؤونة مجيئه حيث كانت (﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾) الضِّرار بالكاتب والشَّاهد (﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾) خروج عن الطَّاعة لاحقٌّ بكم (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في مخالفة أمره ونهيه (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾) أحكامه المتضمِّنة لمصالحكم (﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) عالم بحقائق الأمور ومصالحها، لا يخفى عليه شيء، بل علْمُه محيط بجميع الكائنات، ولفظ رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: «﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾» وكذا لابن شَبُّويه، وساق في رواية الأَصيليِّ وكريمة الآية كلَّها، قاله الحافظ ابن حَجَرٍ.
(قَوْلُهُ تَعَالَى) في سورة النِّساء، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقول الله »: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾) مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته (﴿شُهَدَاء لِلّهِ﴾) بالحقِّ تقيمون شهاداتِكم لوجه الله تعالى (﴿وَلَوْ﴾) كانت الشَّهادة (﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾) بأن تُقِرُّوا عليها؛ لأنَّ الشَّهادة بيان الحقِّ، سواءً كان الحقُّ عليه أو على غيره (﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾) ولو (٣) على أقاربكم (﴿إِن يَكُنْ﴾) أي: المشهود عليه، أو كلُّ واحدٍ منه ومن المشهود له (﴿غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا﴾) فلا تمتنعوا عن إقامة الشَّهادة، فلا تراعوا الغنيَّ لغناه، ولا الفقير لفقره (﴿فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾) بالغنيِّ والفقير وبالنَّظر لهما، فلو لم تكن الشَّهادة لهما أو عليهما صلاحًا لَمَا شرَعها (﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾) لِأنْ تعدلوا عن الحقِّ (﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾) ألسنتكم عن شهادة الحقِّ أو (٤) حكومة العدل (﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾) عن أدائها (﴿فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]) تهديدٌ للشَّاهد لكيلا يقصِّر في أداء الشَّهادة ولا يكتمها، ولأبي ذرٍّ وابن شبويه بعد قوله: «﴿بِالْقِسْطِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾».
ووجه الاستدلال بما ذكره على التَّرجمة كما قاله ابن المُنَيِّر: أنَّ المدَّعي لو كان مصدَّقًا بلا