فيأتي فيها التَّفصيل السَّابق، لكنْ قال الإِسْنَوِيُّ: والصَّحيح أنَّ له صرفها إلى جهة أخرى كما ذكروه في بابه، والفرق أنَّ الشَّاهد يستحقُّ أجرة المركوب، فله التَّصرف فيها كيف شاء، والمذكور أوَّلًا من باب الصَّدقة والبرِّ فرُوعِيَ فيه غرض الدَّافع، وإن أعطاه كفنًا لأبيه، فكفَّنه في غيره، فعليه ردُّه له إن كان قصد التَّبرُّك بأبيه، وما يحصِّله خادم الصُّوفيَّة لهم من السُّوق وغيره، يملكه دونهم؛ لأنَّه ليس بوكيل عنهم، ووفاؤه لهم مروءةٌ منه، فإنْ قَصَدهم الدَّافعُ معه، فالملك مشترك، أو دونه فمختصٌّ بهم (١) إن كان وكيلًا عنهم.
(٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ) آخرَ غيره (عَلَى فَرَسٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «إذا حَمل رجلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة، والفاعل مُضْمَر، أي: حَمل رجلٌ رجلًا على فرسٍ (فَهْوَ) أي: فحكمه (كَالعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ) في عدم الرُّجوع فيه (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أبو حنيفة ﵀: (لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا) أي: في الفرس الَّذي حمله عليها ناويًا بها الهبة، لأنَّه يجوز عنده الرُّجوع في الهبة (٢) للأجنبيِّ.
٢٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا) الإمامَ الأعظم (يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ) العدويَّ، مولى عمر، المدنيَّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (سَمِعْتُ أَبِي) أَسْلَمَ (يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) أي: تصدَّقت به (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وليس المراد: أنَّه حبسه كما سبق، واسم الفرس: الوردُ (فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ) وأردت أن أشتريه (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِه) أي: الفرس، والنَّهي للتَّنزيه، ولغير أبي ذرٍّ: «لا تشترِ» بحذف الضَّمير المنصوب، زاد في رواية يحيى بن قَزَعة: «وإن أعطاكه بدرهم» [خ¦٢٦٢٣] (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)، والله تعالى أعلم.
стр. 5462
((٥٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الشَّهادات) جمع شهادة، وهي كما في القاموس: خبرٌ قاطعٌ، وقد شَهِد كعَلِمَ وكرُم، وقد تُسَكَّن هاؤه، وشَهِدَه -كسَمِعَه- شهودًا: حضره، فهو شاهدٌ، والجمع شهود وشُهَّدٌ، وشهد لزيد بكذا شهادة: أدَّى ما عنده من الشَّهادة، فهو شاهد، والجمع شَهْد -بالفتح- وجمعُ الجمع: شهودٌ وأشهادٌ، واستَشْهَدَهُ: سأله أن يشهد له، والشَّهيد -وتكسر شينه-: الشَّاهد والأمين في شهادته. انتهى.
والفرق بين الشَّهادة والرِّواية مع أنَّهما خبران، كما في «شرح البرهان» للمازريِّ: أنَّ المخبَر عنه في الرِّواية أمر عامٌّ، لا يختصُّ بمعيَّن، نحو: «الأعمال بالنِّيات» أو «الشُّفعة فيما لم يقسم»، فإنَّه لا يختصُّ بمعيَّن، بل عامٌّ في كلِّ الخلق والأعْصار والأمصار، بخلاف قول العدل: لهذا عند هذا دينار، فإنَّه إلزام لمعيَّن، لا يتعدَّاه، وتعقَّبه الإمام ابن عَرَفة: بأن الرِّواية تتعلَّق بالجزئيِّ كثيرًا كحديث: «يخرب الكعبةَ ذو السُّويقَتين من الحبشة». انتهى.
وقد تكون مركَّبة من الرِّواية والشَّهادة، كالإخبار عن رؤية هلال رمضان، فإنَّه من جهة أنَّ الصَّوم لا يختصُّ بشخص معيَّن، بل عامٌّ على من دون مسافة القصر رواية، ومن جهة أنَّه مختصٌّ بأهل المسافة، ولهذا العامِّ شهادة، قاله الكِرْمانيُّ.
وقد ثبتت البسملة قبل «كتاب» في الفرع، ونُسِبَ ذلك في «الفتح» لرواية النَّسفيِّ وابن شَبُّويه، وفي بعض النُّسخ سقوطها.
стр. 5463
(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي) بكسر العين (لقوله) زاد أبو ذرٍّ: «تعالى» ولأبي ذرٍّ أيضًا: « » (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾) أي: إذا داين بعضكم بعضًا، تقول: داينته إذا عاملته نسيئةً معطيًا أو آخذًا (﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾) معلومٍ بالأيَّام والأشهر، لا بالحصاد وقدوم الحاجِّ (﴿فَاكْتُبُوهُ﴾) قال ابن كثير: هذا إرشادٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجَّلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشَّاهد، ويقال ممَّا ذكره السَّمرقَنْديُّ: من ادَّان دَينًا ولم يكتبْ، فإذا نسي دَيْنه ويدعو الله تعالى بأن يظهره، يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، والجمهور: على أنَّ الأمر هنا للاستحباب (﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾) أي: بالقسط من غير زيادة ولا نقصان (﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾) ولا يمتنعْ أحد من الكُتَّاب (﴿أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ﴾) مثل ما علَّمه الله من كَتْب الوثائق (١) ما لم يكن يعلم (﴿فَلْيَكْتُبْ﴾) تلك الكتابة المعلَّمة (﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾) وليكن المملِل مَنْ عليه الحقُّ؛ لأنَّه المقرُّ (٢) المشهود عليه (﴿وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾) أي: المُمْلي (٣)
стр. 5464
أو الكاتب (١) (﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾) ولا ينقص (﴿مِنْهُ شَيْئًا﴾) أي: من الحقِّ، أو الكاتب لا يبخس ما (٢) أملَّ (٣) عليه (﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾) ناقص العقل مبذِّرًا (﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾) صبيًّا أو ضعيفًا مختلًّا (﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾) أو غير مستطيع للإملال (٤) بنفسه لخرس أو جهل باللُّغة (﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾) أي: الَّذي يلي أمره، ويقوم مقامه من قيِّم إنْ (٥) كان صبيًّا، أو مختلَّ عقلٍ، أو وكيلٍ، أو مترجمٍ إن كان غير مستطيع، وهو دليل جريان النِّيابة في الإقرار، ولعلَّه مخصوصٌ بما تعاطاه القَيِّم أو الوكيل (﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾) على حقِّكم (﴿شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾) المسلمين الأحرار البالغين، وقال ابن كثير: أمرَ بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التَّوثقة (﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾) وهذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة (﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾) لعلمكم بُعْدَ التُّهم (﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾) أي: لأجل أنَّ إحداهما إن ضلَّت الشَّهادة بأن نسيتها ذكَّرتْها الأخرى، وفيه إشعار بنقصان عقلهنَّ وقلَّة ضبطهنَّ (﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾) لأداء الشَّهادة عند الحاكم، فإذا دُعِيَ لأدائها، فعليه الإجابة إذا تعيَّنت، وإِلَّا فهو فرضُ كفايةٍ، أو التَّحمُّل، وسُمُّوا شهداء تنزيلًا لما يشارف منزلة الواقع، و «ما» مَزيدة (﴿وَلَا تَسْأَمُوْاْ﴾) ولا تملُّوا من كثرة مدايناتكم (﴿أَن تَكْتُبُوْهُ﴾) أي: الدَّين أو الكتاب (﴿صَغِيرًا أَو كَبِيرًا﴾) صغيرًا كان الحقُّ أو كبيرًا، أو مختصرًا كان الكتاب أو مشبعًا (﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾) أي: إلى وقت حُلُولِه الَّذي أقرَّ به المديون (﴿ذَلِكُمْ﴾) الَّذي أمرناكم به من الكتابة (﴿أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾) أعدل (﴿وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾) وأثبت لها وأعون على إقامتها إذا وضع خطَّه، ثمَّ رآه، تذكَّر به الشَّهادة لاحتمال أنَّه لولا الكتابة لَنسيه، كما هو الواقع غالبًا (﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾) وأقرب في ألَّا تشكُّوا في جنس الدَّين وقدَرِه وأجلِه والشُّهود ونحو ذلك، ثمَّ استثنى من الأمر بالكتابة فقال: (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾) أي: إلَّا أن تتبايعوا يدًا بيد، فلا بأس ألَّا تكتبوا لبعده عن التَّنازع
стр. 5465
والنِّسيان (﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾) هذا التَّبايع أو مطلقًا، لأنَّه أحوط (﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ و﴾) فيكتب هذا خلافَ ما علم، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو الضِّرار بهما، مثل: أن يعجلا عن أمر مهمٍّ و (١) يكلَّفا (٢) الخروج عمَّا حُدَّ لهما، ولا يُعطى الكاتب جُعْله، والشَّاهد مؤونة مجيئه حيث كانت (﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾) الضِّرار بالكاتب والشَّاهد (﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾) خروج عن الطَّاعة لاحقٌّ بكم (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في مخالفة أمره ونهيه (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾) أحكامه المتضمِّنة لمصالحكم (﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) عالم بحقائق الأمور ومصالحها، لا يخفى عليه شيء، بل علْمُه محيط بجميع الكائنات، ولفظ رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: «﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾» وكذا لابن شَبُّويه، وساق في رواية الأَصيليِّ وكريمة الآية كلَّها، قاله الحافظ ابن حَجَرٍ.
(قَوْلُهُ تَعَالَى) في سورة النِّساء، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقول الله »: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾) مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته (﴿شُهَدَاء لِلّهِ﴾) بالحقِّ تقيمون شهاداتِكم لوجه الله تعالى (﴿وَلَوْ﴾) كانت الشَّهادة (﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾) بأن تُقِرُّوا عليها؛ لأنَّ الشَّهادة بيان الحقِّ، سواءً كان الحقُّ عليه أو على غيره (﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾) ولو (٣) على أقاربكم (﴿إِن يَكُنْ﴾) أي: المشهود عليه، أو كلُّ واحدٍ منه ومن المشهود له (﴿غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا﴾) فلا تمتنعوا عن إقامة الشَّهادة، فلا تراعوا الغنيَّ لغناه، ولا الفقير لفقره (﴿فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾) بالغنيِّ والفقير وبالنَّظر لهما، فلو لم تكن الشَّهادة لهما أو عليهما صلاحًا لَمَا شرَعها (﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾) لِأنْ تعدلوا عن الحقِّ (﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾) ألسنتكم عن شهادة الحقِّ أو (٤) حكومة العدل (﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾) عن أدائها (﴿فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]) تهديدٌ للشَّاهد لكيلا يقصِّر في أداء الشَّهادة ولا يكتمها، ولأبي ذرٍّ وابن شبويه بعد قوله: «﴿بِالْقِسْطِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾».
ووجه الاستدلال بما ذكره على التَّرجمة كما قاله ابن المُنَيِّر: أنَّ المدَّعي لو كان مصدَّقًا بلا
стр. 5466
بيِّنة لم يحتج إلى الإشهاد، ولا إلى كتابة الحقوق وإملائها، فالإرشاد إلى ذلك يدلُّ على الحاجة إليه، وفي ضمن ذلك أنَّ البيِّنة على المدَّعي، ولأنَّ الله تعالى حين أمر الَّذي عليه الحقُّ بالإملاء، اقتضى تصديقه فيما أقرَّ به، وإذا كان مصدَّقًا، فالبيِّنة على من ادَّعى تكذيبه، ولم يَسُقِ المؤلِّف ﵀ حديثًا اكتفاءً بالآيتين.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا عَدَّلَ) بتشديد الدَّال (رَجُلٌ أَحَدًا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «رجلًا» بدل «أحدًا» (فَقَالَ) المعدِّل: (لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، أَوْ قَالَ: مَا) ولأبوَي ذرٍّ والوقت: «أو ما» (عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا) ما الحكم في ذلك؟ زاد أبو ذرٍّ وساق حديث الإفك: «فقال النَّبيُّ ﷺ لأسامة حين عدَّله قال: أَهْلُكَ ولا نعلم إِلَّا خيرًا». قال في «الفتح»: ولم يقع هذا كلُّه في رواية الباقين وهو اللَّائق؛ لأنَّ حديث الإفك قد ذكر في الباب موصولًا وإن كان اختصره.
٢٦٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن مِنْهال قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم؛ ابن غانم (النُّمَيْرِيُّ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، قال: (حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ) كتب في «اليونينيَّة» وفرعها على «ثوبان» (١) علامة السُّقوط من غير رقم، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا يونسُ بن يزيد الأَيْلِيُّ».
стр. 5467
(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ممَّا وصله في تفسير سورة النُّور [خ¦٤٧٥٠] (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ) بن العَوَّام، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن الزُّبَيْر» (وَابْنُ المُسَيَّبِ) سعيد (وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، اللَّيْثيُّ (وَعُبَيْدُ اللهِ بْن عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عُتْبة بن مسعود، وسقط «ابن عبد الله» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا) أي: وحديث بعضهم يصدّق بعضًا، فيكون من باب: المقلوب، أو المراد: أنَّ حديث كلٍّ منهم يدلُّ على صدق الرَّاوي في بقيَّة حديثه لِحُسْن سياقه وجودة حفظه (حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) أسوأ الكذب (مَا قَالُوا) ممَّا رموها به، وبرَّأها الله، وسقط لغير الكُشْمِيهَنِيِّ قوله «ما قالوا» (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا) هو ابن أبي طالب (وَأُسَامَةَ) الفاء في «فدعا» عاطفة على محذوف تقديره: وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد سمع ما قيل، فدعا عليًّا وأسامة (حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ) استفعل من اللَّبْث: وهو الإبطاء والتَّأخير، و «الوحيُ» بالرَّفع، أي: أبطأ نزوله (يَسْتَأْمِرُهُمَا) يشاورهما (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) عدلت عن قولها: في فراقي إلى قولها: «في فراق أهلها» لكراهتها التَّصريح بإضافة الفراق إليها (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ) بالرَّفع، أي: هم أهلُك، ولأبي ذر: «أَهْلَكَ» بالنَّصب على الإغراء، أي: الزم أهلَك، أي: العفائفَ المعروفاتِ بالصِّيانة (وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا).
وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى، لكن اعترضه ابن المُنَيِّر: بأنَّ التَّعديل إنَّما هو تنفيذ للشَّهادة، وعائشة ﵂ لم تكن شهَّدت، ولا كانت محتاجة إلى التَّعديل، لأنَّ الأصل البراءة، وإنَّما كانت محتاجة إلى نفي التُّهمة عنها، حتَّى تكون الدَّعوى عليها بذلك غير مقبولة ولا مشبِهة (١)، فيكفي في هذا القدر هذا اللَّفظ، فلا يكون فيه لمن اكتفى في التَّعديل بقوله: «لا أعلم إلَّا خيرًا» حُجَّةٌ. انتهى. ولا يلزم من أنَّه لا يعلم منه إلَّا خيرًا ألَّا يكون فيه شيء، وعند الشَّافعية: لا يُقبَل التَّعديل ممَّن عدَّل غيره حتَّى يقول: هو عَدْل، وقيل: عَدْلٌ عليَّ ولي. قال الإمام: وهو أبلغ عبارات التَّزكية، ويُشتَرط أن تكون معرفته به باطنةً متقادمة بصحبة أو جوار أو معاملة. وقال مالك: لا يكون قوله: «لا نعلم إِلَّا خيرًا» تزكيةً حتَّى يقول
стр. 5468
رضًا. ونقل (١) الطَّحاويُّ عن أبي يوسف: أنَّه إذا قال: لا نعلم إلَّا خيرًا قُبِلَت شهادته، والصَّحيح عند الحنفيَّة أن يقول: هو عدل جائز الشَّهادة، قال ابن فرشتاه: وإنَّما أضاف إلى قوله: «هو عدل» قولَه (٢): جائزُ الشهادة؛ لأنَّ العبد والمحدود في قذف يكونان عدلَيْن (٣) إذا تابا، ولا تُقبَل شهادتهما. انتهى.
(وَقَالَتْ بَرِيرَةُ) خادمتها حين سألها ﵇: هل رأيت شيئًا يَريبك: (إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا) بكسر همزة «إنْ» النَّافية، أي: ما رأيت عليها شيئًا (أَغْمِصُهُ) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر الميم وبصاد مهملة، أي: أَعيبها به (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا) لرطوبة بدنها، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «جاريةٌ» (فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) بدالٍ مهملة وبعد الألف جيمٌ: الشَّاة تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى (فَتَأْكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يَعْذِرُنَا)؟ أي: مَنْ ينصرنا، أو مَنْ يقوم بعذره فيما رمى به أهلي من المكروه؟ أو مَن يقوم بعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه؟ ورجَّح النَّوويُّ هذا الثَّاني (في) وللكُشْمِيهَنيِّ: «مِنْ» (رَجُلٍ) هو عبد الله بن أُبَيٍّ (بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي) فيما رمى به من المكروه (فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) هو صفوان بن معطِّل (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فيه» (إِلَّا خَيْرًا).
وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١] و «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] و «الأَيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٧٩] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٠]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء» و «التَّفسير».
(٣) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ المُخْتَبِي) بالخاء المعجمة والموحَّدة، أي: الَّذي يختفي عند تحمُّل
стр. 5469
الشَّهادة (وَأَجَازَهُ) أي: الاختباء عند تحمُّلها (عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «حُرَيث»: بضمِّ الحاء المهملة وبالمثلَّثة آخرُه مُصَغَّرًا، المخزوميُّ، من صغار الصَّحابة ﵃، ولأبيه صحبةٌ أيضًا، وليس له في «البخاريِّ» ذِكْرٌ إلَّا هذا، ورواه البَيْهقيُّ (وَقَالَ) أي: عمرو بن حُرَيْث: (وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ) ما ذُكِر من الاختباء عند التحمُّل (بِالكَاذِبِ الفَاجِرِ) بسبب (١) المديون الَّذي لا يعترف بالدَّيْن ظاهرًا، بل إذا خلا به صاحب الدَّين يعترف به، فيسمع إقرارَه به مَنْ هو مختفٍ، عُمِل بذلك، وبه قال الشَّافعيُّ في الجديد ومالك وأحمد، قال أبو حنيفة: لا. (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة، عامر، فيما وصله ابن أبي شيبة (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّد (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (وَقَتَادَةُ) بن دعامة (السَّمْعُ شَهَادَةٌ) وإن لم يشهده المقرُّ (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «كان» (الحَسَنُ) البصريُّ (يَقُولُ) الَّذي سمع من قوم شيئًا للقاضي: (لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيْءٍ، وَإِنِّي) ولأبي ذَرٍّ: «ولكنْ» (سَمِعْتُ) هم يقولون: (كَذَا وَكَذَا) وهذا وصله ابن أبي شَيْبة.
٢٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب أنَّه قال: (قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ) أبي (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يَقُولُ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ) أي: يقصدانه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى النَّخل» (الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ) واسمه: صافي (حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في النَّخل (طَفِقَ) بكسر الفاء: جعل (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وخبرُ «طفق» قوله: (يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهْوَ يَخْتِلُ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون
стр. 5470
الخاء المعجمة وكسر الفوقيَّة، آخرُه لامٌ، أي: حال كونه يَطلب (أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته ليعلم هو وأصحابه أكاهنٌ هو أو ساحر (قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ) أي: ابن صيَّاد، كما صُرِّح به في «الجنائز» [خ¦١٣٥٥] (وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ) الواو للحال (عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ): كساءٍ له خملٌ (لَهُ) أي: لابن صيَّاد (فِيهَا) في القطيفة (رَمْرَمَةٌ) براءين مهملتين، بينهما ميمٌ ساكنة، وبعد الرَّاء الثَّانية ميمٌ أخرى، أي: صوتٌ خفيٌّ (أَوْ زَمْزَمَةٌ) بزاءَين معجمَتين، ومعناها كالأولى، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَتَّقِي) يُخفي نفسه (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) حتَّى لا تراه أمُّ ابن صيَّاد (فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ) أمُّه: (أَيْ صَافِ) كقاضٍ، أي: يا صافٍ (هَذَا مُحَمَّدٌ) صلوات الله وسلامه عليه (فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ) أي: رجع إليه عقله، وتنبَّه من غفلته، أو انتهى عن زمزمته (قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ) أمُّه ولم تعلمْه بمجيئنا (بَيَّنَ) لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره، وهذا يقتضي الاعتماد على سماع الكلام، وإن كان السَّامع محتجبًا عن المتكلِّم إذا عرَف صوتَه.
وهذا الحديث سبق في «الجنائز» في «باب إذا أسلم الصَّبي فمات هل يُصلَّى عليه» [خ¦١٣٥٤] وأخرجه أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦٣٠٣٣] وغيره [خ¦٦١٧٣].
٢٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (١) ابن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ) بكسر الرَّاء (القُرَظِيِّ النَّبِيَّ) بالنَّصب، و «القُرَظِيِّ» بضمِّ القاف وفتح الرَّاء وبالظَّاء المعجمة، من بني قُرَيْظَة، وهو أحد
стр. 5471
العشرة الذين نزل فيهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الاية [القصص: ٥١] كما رواه الطَّبرانيُّ (١) عنه، قال البَغَوِيُّ: ولا أعلم له حديثًا غيره، واسم زوجته: سُهَيْمة، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي -إن شاء الله تعالى- في «النِّكاح» [خ¦٥٢٦٠] ولأبي ذرٍّ: «جاءت إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَتْ) له ﵊: (كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَأَبَتَّ طَلَاقِي) بهمزة مفتوحة وتشديد المثنَّاة الفوقيَّة، كذا في جميع ما وقفت عليه من النُّسَخ في الأصول المعتَمدة: «فأَبَتَّ» بالهمز من الثُّلاثيِّ المزيد فيه، وقال العَيْنِيُّ: «فَبَتَّ»، أي: من غير همز من الثُّلاثيِّ المجرَّد، قال: وفي النَّسائيِّ: «فأَبَتَّ» من المزيد. انتهى.
نعم، رأيت في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «فطلَّقني فأبتَّ» فزاد: «فطلَّقني»، ولم يقل بعد «أَبَتَّ»: «طلاقي»، وفي «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٠] عند المؤلِّف: «طلَّقني فَبَتَّ طلاقي»، أي: قطع قطعًا كليًّا، بتحصيل البينونة الكبرى بالطَّلاق الثَّلاث متفرِّقاتٍ (فَتَزَوَّجْتُ) بعد انقضاء العِدَّة (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) بفتح الزَّاي وكسر الموحَّدة، ابن باطا القُرَظِيَّ (إِنَّمَا) أي: إنَّ الَّذي (مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال المهملة: طرَفُه الَّذي لم يُنسَج، شبَّهوه بهدب العين: وهو شعر جفنها، ومرادها ذَكَرُهُ، وشبَّهته بذلك لصغره أو استرخائه وعدم انتشاره، قال في «العمدة» (٢): والثَّاني أظهر، وجزم به ابن الجوزيِّ؛ لأنَّه يبعُد أنْ يبلغ في الصِّغَر إلى حدٍّ لا تغيب منه الحَشَفَة الَّتي يحصل بها التَّحلُّل (فَقَالَ) ﵊: (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟) سبب هذا الاستفهام قولُ زوجها عبد الرَّحمن بن الزَّبير -كما في «مسلم» -: إنَّها ناشز، تريد رفاعة. قال الكِرْمانيُّ: وفي بعضها: «تَرجعين» بالنُّون على لغةِ مَنْ يرفع الفعل بعد «أنْ» حملًا على «ما» أختِها (لَا) رجوع لك إلى رِفاعة (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي: عُسَيلة عبد الرَّحمن (وَيَذُوقَ) هو أيضًا (عُسَيْلَتَكِ) بضمِّ العين وفتح السِّين المهملتين، مُصغَّرًا فيهما،
стр. 5472
كنايةٌ عن الجِماع، فشبَّه لذَّته بلذَّة العسل وحلاوته، واستعار لها ذَوْقًا. وقد روى عبد الله (١) ابن أبي مُلَيْكَة عن عائشة مرفوعًا: «إنَّ العُسَيْلة هي الجِماع». رواه الدَّارقطنيُّ، فهو مَجاز عن اللَّذة، وقيل: العُسَيْلة ماء الرَّجل، والنُّطفة تُسمَّى العُسَيلة، وحينئذٍ فلا مَجاز، لكنْ ضُعِّفَ بأنَّ الإنزال لا يُشتَرط، وإن قال به الحسن البَصريُّ، وأنَّثَ العُسَيلة، لأنَّه شبَّهها بالقطعة من العسل، أو أنَّ العسل في الأصل يُذكَّر ويُؤنَّث، وإنَّما صغَّره، إشارةً إلى القدر القليل (٢) الَّذي يحصل به الحِلُّ، قال النَّوويُّ: واتَّفقوا على أنَّ تغييب الحَشَفة في قُبُلها كافٍ من غير إنزال، وقال ابن المنذِر: في الحديث دلالةٌ على أنَّ الزَّوج الثَّاني إنْ واقَعَها وهي نائمة أو مُغْمًى عليها لا تُحِسُّ باللَّذة أنَّها لا تَحِلُّ للأوَّل؛ لأنَّ الذَّوق أن تَحُسَّ باللَّذة، وعامَّة أهل العلم أنَّها تَحِلُّ. (وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (جَالِسٌ عِنْدَهُ) ﷺ (وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) الأمويُّ (بِالبَابِ) الشَّريف النَّبويِّ (يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ) أي: خالدٌ، وهو بالباب: (يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من قولها: «إنَّما معه مثلُ الهُدْبة» وكأنَّه استعظم تلفُّظها بذلك بحضرته ﷺ .
وهذا موضع التَّرجمة، لأنَّ خالد بن سعيد أنكر على امرأة رِفاعة ما كانت تتكلَّم به عند النَّبيِّ ﷺ ، مع كونه محجوبًا عنها خارج الباب، ولم ينكر النَّبيُّ ﷺ عليه (٣) ذلك، فاعتماد خالدٍ على سماع صوتها حتَّى أنكر عليها، هو حاصلُ ما يقع من شهادة السَّمع، ولا معنى للإشهاد إلَّا الإسماع (٤)، فإذا أسمعه، فقد أشهده قَصَدَ ذلك أم لا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولم يقل: «الإشهاد»، والسَّماع شهادةٌ، ولكن إذا صرَّح المقرُّ بالإشهاد، فالأحسنُ أن يكتب الشَّاهد: أشهدني بذلك فشهدت عليه، حتَّى يخلُص من الخلاف.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «النِّكاح». والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّلاق».
стр. 5473
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ) بقضيَّة (أَوْ) شهد (شُهُودٌ بِشَيْءٍ، فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقال» جماعة (آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بذلك» (يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ) لأنَّه مُثْبِتٌ، فيُقَدَّم على النَّافي (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير، المكيُّ فيما وصله في «الحجِّ» [خ¦١٥٩٩] (هَذَا) أي: الحكم (كَمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ) المؤذِّن: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي) جوف (الكَعْبَةِ) عام الفتح (وَقَالَ الفَضْلُ) بن العبَّاس: (لَمْ يُصَلِّ) ﵊ فيها (فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ) فرجَّحوها على رواية الفضل، لأنَّ فيها زيادةَ علمٍ، وإطلاقُ الشَّهادة على إخبار بلالٍ تَجَوُّزٌ.
وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: ليس هذا من باب (١) ما عَلِمنا، بل هما متنافيان، لأنَّ أحدهما قال: «صلَّى» والآخر قال: «لم يصلِّ» وأجاب: بأنَّ قوله: «لم يصلِّ» معناه: أنَّه ما علم أنَّه صلَّى، قال: ولعلَّ الفضل كان مشتغلًا بالدُّعاء ونحوه، فلم يرَه صلَّى، فنفاه عملًا بظنِّه.
(كَذَلِكَ) الحكم (إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِ مِئةٍ) مثلا (يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ) لأنَّ عدم علْمِ الغير لا يعارض علم مَنْ عَلِمه، ولأبي ذرٍّ: «يُعْطَى» بدل «يُقْضَى» فالباء في «الزِّيادة» على هذا ساقطةٌ أو زائدة.
стр. 5474
٢٦٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، ابن موسى السَّلميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ العين في الأوَّل وكسرها في الثَّاني، وضمِّ حاء «حُسين» النَّوفليُّ المكِّيُّ: (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عُبيد الله (١) بن عبد الله بن أبي مُلَيكة بالتَّصغير، واسمه: زُهَير التَّيميُّ المدنيُّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) بن عامر بن نوفل (٢) المكِّيِّ، صحابيٌّ من مسلمة الفتح، بقي إلى بعد الخمسين (أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ) بكسر همزة «إهاب» و «عَزيز» -بفتح العين المهملة وزايَين معجمَتين بوزن عظيم- ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عُزَيزٍ» بضمِّ العين وفتح الزَّاي الأولى، لكن قال في «الفتح» وتبعه العينيُّ: آخرُه راء فالله أعلم، واسم المرأة: غُنْية، وهي أمُّ يَحيى (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حَجَر: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ) وعند المؤلِّف في «باب الرِّحلة في المسألة النَّازلة (٣)» من «العلم» [خ¦٨٨] فقالت: «إنِّي قد أرضعتُ» (عُقْبَةَ) بن الحارث (وَ) المرأة (الَّتِي تَزَوَّجَ) بحذف «بها» الثَّابتة في روايةٍ عنده في «باب الرِّحلة» [خ¦٨٨] (فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي) بغير مثنَّاة تحتيَّة بعد الفوقيَّة فيهما، وفي روايةٍ بباب «الرحلة» [خ¦٨٨] بإثباتها فيهما، وعبَّر بـ «أعلم» المضارع، و «أخبرْتِ» الماضي لأنَّ نفي العلم حاصل في الحال، بخلاف نفي الإخبار، فإنَّه كان في الماضي لا غير (فَأَرْسَلَ) عقبة (إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ) أي: عن مقالة (٤) المرأة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فيسألهم» (فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا) بحذف الضَّمير المنصوب، ولأبي ذرٍّ: «ما علِمناه» (أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ) عقبة (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونه (بِالمَدِينَةِ) أي: فيها (فَسَأَلَهُ) أي:
стр. 5475
سأل عقبة النَّبيَّ ﷺ عن الحُكم في هذه الواقعة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَيْفَ) تباشرها وتفضي إليها (وَقَدْ قِيلَ): إنَّك أخوها من الرَّضاعة؟ إنَّ ذلك بعيد من ذي المروءة والورع (فَفَارَقَهَا) زاد في «الرحلة» [خ¦٨٨]: «ففارقها عقبة» أي: طلَّقها احتياطًا وورعًا، لا حُكْمًا بثبوت الرَّضاع، قال ابن بطَّال: ويدلُّ عليه الاتِّفاق على أنَّه لا يجوز شهادة امرأة واحدة في الرَّضاع إذا شهدت بذلك بعد النِّكاح، لكن تُعُقِّب في دعوى الاتفاق بأن شهادتها وحدها فيه قول جماعة من السَّلف، ونُقِل عن أحمد، حتَّى المالكيَّة فإنَّ عندهم روايةً: أنَّها تُقبَل وحدها، لكن بشرط فُشُوِّ ذلك في الجيران.
(وَنَكَحَتْ) غُنْية بعد فراق عقبة (زَوْجًا غَيْرَهُ) هو ظُرَيب -بمعجمة مضمومة وراء مفتوحة، آخره موحَّدة- ابن الحارث.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهةِ أمرِه ﷺ بالمفارقة تورُّعًا، فجُعل كالحُكم، وإخبارُها كالشَّهادة، وعقبة نفى العلم.
وسبق هذا الحديث في «باب الرِّحلة» من «كتاب العلم» [خ¦٨٨].
(٥) (بابُ) بيان (الشُّهَدَاءِ العُدُولِ) جمع عَدْل، وهو مسلمٌ، فلا تقبل شهادة كافر ولو على مثله، لقوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس من رجالنا، بالغٌ عاقلٌ، فلا تُقبَل شهادة صبيٍّ ومجنون حرٌّ، فلا تقبل شهادة من فيه رِقٌّ لنقصه، غيرُ فاسق لقوله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] نعم، إن كان فسقه بتأويل، كذي بدعة، قُبِلَت شهادته، بصيرٌ، فلا تُقبَل مِن أعمى، لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات إلَّا في مواضع، غيرُ مُغفَّل إذ المغفَّل لا يَضبط، ولا يُوثَق بقوله. نعم، لا يَقدح الغلطُ اليسير، لأنَّ أحدًا لا يَسْلَم منه، ذو مروءة: وهو المتخلِّق بخُلُق أمثاله في زمانه ومكانه، فالأكل والشُّرب في السُّوق لغير سوقيٍّ، والمشيُ فيه مكشوف الرَّأس، وقبلته زوجته أو أمَته بحضرة النَّاس، وإكثارُ حكايات مضحكة بينهم مُسْقِطٌ لإشعاره بالخِسَّة.
стр. 5476
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]) فالعدالة في الشَّاهد شرطٌ (وَ) قوله تعالى: (﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢]) فإذا لم يرضَ بهم لمانع عن الشَّهادة لا تُقْبَل شهادتهم كشهادة أصلٍ لِفَرْعٍ أو هو لأصله.
٢٦٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان البَهرانيُّ (١) الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) بضم حاء حُميد مصغرًا (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ) أي: ابن مسعود، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، الهُذَليُّ الكوفيُّ المتوفَّى زمنَ عبد الملك بن مروان (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ) يعني: كان الوحي يكشف عن سرائر النَّاس في بعض الأوقات (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ) بوفاته ﷺ ، فلم يأتِ الملَك به عن الله لبَشَرٍ لخَتْم النُّبوَّة (وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ (٢) بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ) بهمزة مقصورة وميم مكسورة ونون مشدَّدة من الأمان، أي: جعلناه آمِنًا من الشرِّ أو صيَّرناه عندنا أمينًا (وَقَرَّبْنَاهُ) أي: أكرمناه وعظَّمناه، إذ نحن إنَّما نحكم بالظَّاهر (وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ) بمثنَّاة تحتيَّةٍ مضمومة، وإثبات ضمير النَّصب في الفرع (٣) وقال ابن حجَر: «محاسبُه» بميم أوَّله وهاءٍ آخرُه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ (٤): «يُحاسبُ» بحذف ضمير المفعول، ومثنَّاة تحتيَّةٍ مضمومة أوَّله (فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «شرًّا» (لَمْ نَأْمَنْهُ
стр. 5477
وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ) ويُؤخذ منه أنَّ العَدْل مَنْ لم تُوجَد منه ريبةٌ.
وهذا الحديث من أَفراده.
(٦) (بابُ) بيان (تَعْدِيلِ كَمْ) نفس (١) (يَجُوزُ؟) قال مالك والشَّافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يُقبَل أقلُّ من رجلين، وقال أبو حنيفة: يكفي الواحد.
٢٦٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم الجَهْضميُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: مُرَّ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ) ﵊: (وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا) واستعمل الثَّناء في الشَّرِّ على اللُّغة الشَّاذة للمشاكلة لقوله: «فأثنوا عليها خيرًا» (أَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) شكَّ الرَّاوي (فَقَالَ) ﵊: (وَجَبَتْ، فَقِيلَ) القائلُ عُمَر، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦٢٦٤٣] (يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ لِهَذَا) المُثْنَى عليه خيرًا (وَجَبَتْ، وَلِهَذَا) المُثْنَى عليه شرًّا (وَجَبَتْ، قَالَ) ﵊: (شَهَادَةُ القَوْمِ المُؤْمِنينَ) مقبولة، فـ «شهادةُ» مبتدأ، و «المؤمنين» صفة «القوم» المجرور بالإضافة، والخبر محذوف تقديره مقبولةٌ كما مرَّ (شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم
стр. 5478
شهداءُ الله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «شهادة القوم المؤمنون» بالرَّفع: مبتدأٌ و «شهداءُ الله» خبرُهُ، و «شهادةُ القوم» مبتدأٌ حُذِف خبرُه، أي: شهادة القوم مقبولةٌ، وقال الحافظ ابن حَجَر: ووقع في رواية الأَصيليِّ: «شهادةَ» بالنَّصب، ووجهه في «المصابيح»: بأن يكون النَّائب عن الفاعل ضمير المصدر مستكنًّا في الفعل، و «خيرًا» حالٌ منه، أي: فأثنى هو، أي: الثَّناء حالة كونه خيرًا.
٢٦٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرٌو الكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالمِ بن عَمرو بن سفيانَ الدِّيليِّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ المَدِينَةَ) يثربَ (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملة حاليَّة كقوله (١): (وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا) بفتح المعجمة:
стр. 5479
سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁، فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ فَأُثْنِيَ خَيْرٌ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ورفع «خيرٌ» نائبًا عن الفاعل وحذف «عليها» ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فأُثنِي» بضمِّ الهمزة أيضًا «خيرًا» بالنَّصب صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: ثناءً خيرًا، أو بنزع الخافض، أي: بخير (فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى، فَأُثْنِيَ خَيْرًا) بضمِّ الهمزة ونصب «خيرًا» كما مرَّ (فَقَالَ) أي: عمر (وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بالثَّالث» بحذف هاء التَّأنيث (فَأُثْنِيَ شَرًّا) بضمِّ الهمزة ونصب «شرًّا» أيضًا أي: ثناء شرًّا أو بِشَرٍّ (فَقَالَ) أي: عمر (وَجَبَتْ) قال أبو الأسود: (فَقُلْتُ: مَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما»، أي: وما معنى قولك: (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) ﵊: (وَثَلَاثَةٌ. قُلْنا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) ﵊: (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي به في مثل هذا المقام العظيم.
وسبق هذا الحديث في «الجنائز» [خ¦١٣٦٨].
(٧) (بابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ) الشَّائع الذَّائع (وَالمَوْتِ القَدِيمِ) الَّذي تطاول عليه الزَّمان (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول وفتح اللَّام: ابن عبد الأسد المخزوميَّ زوج أمِّ سلَمَة أمِّ المؤمنين، وتُوفِّي سنة أربع، فتزوَّج النَّبيُّ ﷺ أمَّ سَلَمة (ثُوَيْبَةُ) بالمثلَّثة والموحَّدة مصغَّرًا، مولاةُ أبي لهب. وهذا طرفٌ من حديث وصله في «الرَّضاع» [خ¦٥٣٧٢] (وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ) أي: في أمر الرَّضاع، وهذا من بقيَّة التَّرجمة.
стр. 5480
٢٦٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ابنُ عُتَيْبة مصغَّرًا (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف الرَّاء (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ) بتشديد الياء، أي: طلب الإذن في الدُّخول عليَّ بعد نزول الحجاب، و «أفلحُ» هو أبو الجعد أخو أبي القُعَيس -بضمِّ القاف وفتح العين المهملة- واسم أبي القُعَيس كما قال الدَّارقطنيُّ: وائل الأشعريُّ (فَلَمْ آذَنْ لَهُ) بالمدِّ في الدُّخول عليَّ (فَقَالَ) أي: أفلح: (أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي) وائل (بِلَبَنِ أَخِي، فَقَالَتْ) عائشة: (سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لغير الكُشْمِيهَنِيِّ قوله: «عن ذلك» (فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ) زاد مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عِراك، عن عروة: «لا تحتجبي منه، فإنَّه يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب» واستشكل كونه ﵊ عمل بمجرَّد دعوى أفلح من غير بيِّنة. وأجيب: باحتمال اطِّلاعه ﵊ على ذلك، وفيه: أنَّ لبن الفحل يحرِّم، وأنَّ زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرَّضيع، وأخاه بمنزلة العمِّ له. ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥٢٣٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٩٦]، وكذا مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
٢٦٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى العَوْذِيُّ -بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) التَّابعيِّ الأزديِّ ثمَّ الجَوْفيِّ-بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء-،
стр. 5481
أبو الشَّعثاء البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: لمَّا قال عليُّ ﵁ (فِي بِنْتِ حَمْزَةَ) بن عبد المطَّلب عمِّه ﷺ وأخيه من الرَّضاعة: أرضعتْهما ثويبةُ مولاة أبي لهب، أَلَا تتزوَّجها: (لَا تَحِلُّ لِي) وكان اسمها: أُمامةَ أو عُمارةَ أو غيرَ ذلك. (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ) ولأبي ذرٍّ: «من الرَّضاعة» (مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) يُستَثْنَى من هذا العموم أربع نسوة يحرمْنَ في النَّسب مطلقًا، وفي الرَّضاع قد لا يَحرمْن، ويأتي ذكرهنَّ إن شاء الله تعالى في «النِّكاح» [خ¦٥١٠٠] وكما أنَّ الرَّضاع يحرِّم ما يحرم من النَّسب يبيح ما يبيحه، وهو بالإجماع فيما يتعلَّق بالنِّكاح وتوابعه، وانتشارالحرمة بين الرَّضيع وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر، والخلوة، والمسافرة، لا باقي الأحكام من التَّوارث وغيره، ممَّا يأتي -إن شاء الله تعالى- في محلِّه. (هِيَ) أي: بنتُ حمزةَ أمامة (بِنْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنة» (أَخِي) حمزة (مِنَ الرَّضَاعَةِ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا المؤلِّف [خ¦٥١٠٠]، ومسلم والنَّسائيُّ وابن ماجه في «النِّكاح».
٢٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
стр. 5482
أَبِي بَكْرٍ) اسم جدِّه: محمَّد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن سعد بن زُرَارة الأنصاريَّة المدنيَّة: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا) في بيتها (وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ) قال ابن حجر: لم أعرف اسمه (يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطَّاب أمِّ المؤمنين، والجملة في محلِّ (١) جرِّ صفة «لرجل» (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين (مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ) الَّذي فيه حفصة (قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة: أظنُّه (فُلَانًا لِعَمِّ) أي: عمُّ (حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ) لم يُسَمَّ عمُّ حفصة هذا، وسقط قوله: «قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أُراه … » إلى آخره في الأصل المقروء على الميدوميِّ، وثبت في عدَّة من الفروع المقابلة بأصل «اليونينيَّة»، وكذا رأيته فيها، وسقوطه أَولى، كما لا يخفى (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) له ﵊: (لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا) اللَّام بمعنى «عن»، أي: عن عمِّها (مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟) بتشديد الياء، أي: هل كان يجوز أن يدخل عليَّ؟ قال الحافظ ابن حَجَر (٢): لم أقف على اسم عمِّ حفصة، ووهم من فسَّره بأفلح أخي أبي القُعَيْس؛ لأنَّ أبا القُعَيْس والد عائشة من الرَّضاعة، وأمَّا أفلح فهو أخوه، وهو عمُّها من الرَّضاعة، وقد عاش حتَّى جاء يستأذن على عائشة، فأمرها ﵊ أن تأذن له بعد أن امتنعت، فالمذكور هنا عمٌّ آخر أخو أبيها أبي بكر من الرَّضاع، أرضعتْهما امرأةٌ واحدة، وقيل: هما واحد (٣). وغلَّطه النَّوويُّ: بأنَّ عمَّها في حديث أبي (٤) القُعَيْس كان حيًّا والآخر كان ميْتًا، وإنَّما ذكرت عائشة ذلك في العمِّ الثَّاني، لأنَّها جوَّزت تبدُّل الحُكم، فسألت مرَّة أخرى.
стр. 5483
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في جوابها: (نَعَمْ) أي: يجوز دخوله عليك، ثم علَّل جواز ذلك بقوله: (إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ) بتشديد الرَّاء المكسورة مع ضمِّ أوَّله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يَحرُم منها (١)» بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء، مخفَّفًا (مَا يَحْرُمُ) بفتح أوَّله مخفَّفًا (مِنَ الوِلَادَةِ) أي: مثلُ ما يَحرُم من الولادة -فهو على حذف مضافٍ- وتعبيرُه بقوله: «ما يحرم من الولادة» وفي الرِّواية الأخرى: «مِن النَّسب». قال القُرطُبيُّ: دليلٌ على جواز الرِّواية بالمعنى، أو قال ﵊ اللَّفظين في وقتين، وقطعَ بالأخير في «الفتح» معلِّلًا: بأنَّ الحديثَين مختلفان في القصَّة والسَّبب والرَّاوي.
وهذا الحديث أخرجه في «الخمس» [خ¦٣١٠٥] أيضًا و «النِّكاح» [خ¦٥٠٩٩]، ومسلم والنَّسائيُّ في «النِّكاح».
٢٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ، وثَّقه أحمد، وروى له المؤلِّف ثلاثة أحاديث في «العلم» [خ¦٩٠] و «البيوع» [خ¦٢٠٥٢] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٢٦] تُوبع عليها قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بالشِّين المعجمة والمثلَّثة والعين المهملة فيهما والأخيرُ ممدود (عَنْ أَبِيهِ) أبي الشَّعثاء سليم بن الأسود (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ) الواو للحال، وأخو عائشة هذا لا أعرف اسمه، وقول الجلال البلقينيِّ فيما نقله عنه في «المصابيح»: إنَّه وجد بخط مغلطاي على حاشية «أسد الغابة» ما يدلُّ على أنَّه عبد الله بن يزيد. تعقَّبه في مقدِّمة «فتح الباري»: بأنَّه غلط؛ لأنَّه تابعيٌّ. انتهى. يعني: وهذا صحابيٌّ؛ لأنَّه ﷺ رآه بلا ريب عند عائشة. نعم، عبد الله التَّابعي هذا المذكور أخوها من الرَّضاعة كما صُرِّح به في رواية مسلم في
стр. 5484
«الجنائز»، وكثير بن عبد الله (١) الكوفيُّ أخوها أيضًا، كما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» و «سنن أبي داود» وسبق التَّنبيه على ذلك في «باب الغسل بالصَّاع» [خ¦٢٥١].
(قَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ: يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ) بهمزة وصل وضمِّ الظَّاء المعجمة من النَّظر بمعنى: التَّفكُّر والتَّأمُّل (مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟) استفهام (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ) الفاء تعليليَّة لقوله: «انظرن من إخوانكنَّ» أي: ليس كلُّ من أُرضِعَ لبن أمهاتكنَّ (٢) يصير أخاكنَّ، بل شرطه أن يكون (مِنَ المَجَاعَةِ) بفتح الميم (٣) من الجوع، أي: أنَّ الرَّضاعة المعتبرة في المحرميَّة شرعًا ما كان فيه تقويةٌ للبدن، واستقلال بسدِّ الجوع، وذلك إنَّما يكون في حال الطفوليَّة قبل الحولين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في بابه بعون الله وقوَّته. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٠٢]، وكذا مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بنَ كثيرٍ (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن -بفتح الميم- في روايته الحديث فيما وصله مسلم وأبو يَعلى (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، ثمَّ إنَّ المطابقة بين التَّرجمة والأحاديث المسوقة في بابها مستفادٌ منها، فأمَّا النَّسب، فمن أحاديث الرَّضاعة، فإنَّه مِن لازمه (٤)، وأما الرَّضاعة فبالاستفاضة، وأمَّا الموت القديم فبالإلحاق، قاله ابن المُنَيِّر، والله أعلم.
стр. 5485
(٨) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ القَاذِفِ) بالذَّال المعجمة: الَّذي يقذف أحدًا بالزِّنا (وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي) هل تقبل بعد توبتهم أم لا؟ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾) قال القاضي: أيّ شهادةٍ كانت، لأنَّه مصرٌّ (١)، وقيل: شهادتهم في القذف، ولا يتوقَّف ذلك على استيفاء الجلد (﴿أَبَدًا﴾) ما لم يتب، وعند أبي حنيفة: إلى آخر عمره (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) المحكوم بفسقهم (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾) عن القذف (﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]) أي: أعمالهم بالتَّدارك، ومنه الاستسلام للحدِّ أو الاستحلال من المقذوف، فإنَّ شهادتهم مقبولة؛ لأنَّ الله استثنى التَّائبين عَقِبَ النَّهي عن قَبول شهادتهم، وقال الحنفيَّة: ذكره بالتَّأبيد يدلُّ على أنَّها لا تُقبل بعد استيفاء الحدِّ بكلِّ حال، والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال الحنفيَّة: الاستثناء منقطع؛ لأنَّ التَّائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) إذ التَّوبة تَجُبُّ ما قبلها من الذُّنوب، فلا يكون التَّائب فاسقًا، وأمَّا شهادته فلا تقبل أبدًا، لأنَّ ردَّها من تتمَّة الحدِّ، لأنَّه يصلح جزاء، فيكون مشاركًا للأوَّل في كونه حدًّا، وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح أن يكون جزاء، لأنَّه ليس بخطاب للأئمَّة، بل إخبارٌ عن صفةٍ قائمةٍ بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحدِّ؛ لأنَّه كلامٌ مبتدأٌ على سبيل الاستئناف، منقطع عمَّا قبله لعدم صحَّته على ما سبق، لأنَّ قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ خبريَّةٌ، ليس بخطابٍ للأئمَّة، وما قبله إنشائيَّة (٣) خطابٌ لهم، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ إنشائيَّة (٤)
стр. 5486
يصحُّ عطفها على ﴿فَاجْلِدُوا﴾ (١) فإذا شهد قَبْلَ الحدِّ أو قبل تمام استيفائه، قُبِلَت شهادته، فإذا استوفى لم تُقبَل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار، لتعلُّقها باستيفاء الحدِّ، وتعقَّبه الشَّافعيُّ: بأنَّ الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدِّ خير منه قبله، فكيف تُرَدُّ في خير حالتَيه وتُقبَل في شرِّهما، ولأنَّ ﴿أَبَدًا﴾ في كلِّ شيء على ما يليق به، كما لو قيل: لا تُقبَل شهادة الكافر أبدًا، أي: ما دام كافرًا.
(وَجَلَدَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁، فيما وصله الشَّافعيُّ (أَبَا بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدة -بالكاف واللَّام والدَّال المهملة المفتوحات- الصَّحابيَّ (وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ) بكسر الشِّين وسكون الموحَّدة، و «مَعْبَد» -بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحَّدة- ابن عبيد بن الحارث البَجَليَّ أخا أبي بَكْرَة لأمِّه سميَّةَ، وهو معدودٌ في المخضرمين (وَنَافِعًا) هو ابن الحارث أخو أبي بكرة لأمِّه أيضًا (بِقَذْفِ المُغِيرَةِ) بن شُعْبة، وكان أمير البصرة لعمر ﵁، لمَّا رأوه وكان معهم أخوهم لأمِّهم زياد بن أبي سفيان متبطِّنَ الرَّقطاءِ أمِّ جميل بنت عمرو بن (٢) الأفقم الهلاليَّة زوج الحجَّاج بن عتيك بن الحارث بن عوف الجُشَمِيِّ (٣)، فرحلوا إلى عمر فشكوه، فعزله وولَّى أبا موسى الأشْعريَّ، وأحضر المغيرة فشهد عليه الثَّلاثة بالزِّنا، ولم يُثْبِت زياد الشَّهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا، وما أدري أخالطها أم لا؟ وعند الحاكم: فقال زياد: رأيتُهما في لحاف واحد، وسمعتُ نَفَسًا عاليًا وما أدري (٤) ما وراء ذلك، فأمر عمر بجلد الشُّهداء (٥) الثَّلاثة حدَّ القذف (ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ) نصب مفعول «قَبِلْتُ».
(وَأَجَازَهُ) أي: الحكم المذكور، وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ)
стр. 5487
بضمِّ العين وسكون المثنَّاة الفوقيَّة، ابن مسعود، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عمران بن عمير عنه (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الخليفة المشهور، فيما وصله الطَّبريُّ أيضًا من طريق عمران بن عُمَير عنه (١) والخلَّال من طريق ابن جُرَيْج عن عمران بن موسى عنه (وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) التَّابعي المشهور، فيما وصله البغويُّ في «الجعديَّات» (٢) والطَّبريُّ من طريقه (وَطَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَمُجَاهِدٌ) هو ابن جبر المكِّيُّ، فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشَّافعيُّ والطَّبريُّ من طريق ابن (٣) أبي نُجَيح (وَالشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي خالد عنه (وَعِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، فيما وصله البَغَويُّ في «الجعديَّات» عن شُعبة عن يونس هو ابن عُبَيد عنه (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، فيما وصله ابن جرير عنه (وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدَّال وبالمثلَّثة، و «مُحاربُ»: بضمِّ الميم وبعد الحاء المهملة ألفٌ فراء مكسورة آخره موحَّدة، الكوفيُّ قاضيها (وَشُرَيْحٌ) القاضي (وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس البصريُّ (٤)، فيما قاله العينيُّ (٥)، لكن قال ابن حَجَر: لم أرَ عن واحد من الثَّلاثة، أي: الأخيرة التَّصريح بالقبول.
(وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان، فيما وصله سعيد بن منصور: (الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالمَدِينَةِ) طَيْبة (إِذَا رَجَعَ القَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وهذا بخلاف الحنفيَّة كما مرَّ (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (وَقَتَادَةُ) فيما وصله الطَّبريُّ عنهما مفرَّقًا: (إِذَا أَكْذَبَ) القاذف (نَفْسَهُ جُلِدَ) حدَّ القَذْف (وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] وقد سأل ابن المُنَيِّر فقال: إن كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذًا؟ وأجاب: بأنَّه يتوب من الهَتْك ومن التَّحدُّث بما رآه، ويحتمل أن يُقال: إنَّ المعايِن للفاحشة مأمور بألَّا يكشف صاحبها، إلَّا إذا
стр. 5488
تحقَّق كمال النِّصاب معه، فإذا كشفه قبل ذلك عصى، فيتوب من المعصية في الإعلان لا من الصِّدق في علمه، وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّ أبا بَكْرة لم يَكْشِف حتَّى تحقَّق كمال النِّصاب، ومع ذلك أمره عمر بالتَّوبة لتُقبَل (١) شهادته، قال: ويُجاب عن ذلك بأنَّ عمر لعلَّه لم يطَّلع على ذلك فأمره بالتَّوبة، ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه. انتهى.
(وَقَالَ الثَّوْرِيُّ) سفيان ممَّا هو في «جامعه» برواية عبد الله بن الوليد العدنيِّ عنه: (إِذَا جُلِدَ العَبْدُ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (ثُمَّ أُعْتِقَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ المَحْدُودُ) بسكون السِّين وضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وكسر الضَّاد المعجمة، أي: طُلِب منه أن يحكم بين خصمين (فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) يعني: أبا حنيفة ﵀: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَإِنْ تَابَ) عن جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] كما مرَّ (ثُمَّ قَالَ) أي: أبو حنيفة (٢): (لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ) في قذف (جَازَ) النِّكاح؛ لأنَّهما أهل للشَّهادة تَحمُّلًا، وعدمُ قبولها عند الأداء لا يمنع تحقُّقها إذ الأداء من ثمراتها، وفوت الثَّمرة لا يدُلُّ على فوت الأصل، وانعقاد النِّكاح موقوف على حضور الشَّاهدين، لا على أدائهما الشَّهادة، كذا علَّلوه، وفي «الحقائق» من كتبهم: أنَّ محلَّ الخلاف في المحدودين قبل ظهور التَّوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ) لأنَّ الشَّهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير، رضي أو لم يرضَ، والعبد ليس من أهل الولاية.
(وَأَجَازَ) بعضُ النَّاس المذكور (شَهَادَةَ المَحْدُودِ) أي: في قذف بعد التَّوبة (وَالعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ) لجريانه مجرى الخبر، وهو مخالف للشَّهادة في المعنى، قال البخاريُّ: (وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ؟) أي: القاذف، وهذا من كلام المصنِّف من تمام التَّرجمة، وقد قال الشَّافعيُّ كأكثر السَّلف: لا بدَّ أن يكذِّب نفسه، وعن مالك: إذا ازداد خيرًا كفى، ولا يتوقف على تكذيب نفسه؛ لجواز أن يكون صادقًا في نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلِّف ﵀ ثمَّ استدلَّ لذلك بقوله: (وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً) فيما سيأتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا قريبًا [خ¦٢٦٤٩] وسقط
стр. 5489
«قد» لأبي ذرٍّ (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ونُهِيَ عن» (كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ): وهما هلال بن أُميَّة ومرارة بن الرَّبيع (حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً) كما يأتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا في «غزوة تبوك» [خ¦٤٤١٨] و «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٧] ووجه الدَّلالة من ذلك: أنَّه لم يُنقَل أنَّه ﷺ كلَّفهما بعد التَّوبة بقدر زائد على النَّفي والهجران.
٢٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليُّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ، ممَّا وصله أبو داود لكنْ بغير هذا اللَّفظ، فظهر أنَّ اللَّفظ لابن وهب (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ امْرَأَةً) هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزوميَّة على الرَّاجح كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الحدود» [خ¦٦٧٨٨] (سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ) وزاد ابن ماجه، وصحَّحه الحاكم: أنَّ الَّذي سرقتْه كان قطيفةً من بيت رسول الله ﷺ ، ويأتي في «الحدود» [خ¦٦٧٨٨]-إن شاء الله تعالى- الجمع بينه وبين ما رواه ابن سعد: أنَّ الذي سرقتْه كان حُليًّا (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِهَا) أي: بالمرأة السَّارقة (رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ) ﵊، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بها» (فَقُطِعَتْ يَدُهَا) أي: اليمنى، وعند النَّسائيِّ من حديث ابن عمر: «قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها» بعدما ثبت عنده ﵊ المقتضي للقطع، وعند أبي داود تعليقًا عن صفيَّة بنت أبي عبيد نحو حديث المخزوميَّة، وزاد فيه: «قال: فشهد عليها».
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂، زاد في «الحدود» (١) [خ¦٦٨٠٠] فتابت (فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا) وهذا موضع التَّرجمة وقد نقل الطَّحاويُّ الإجماع على قَبول شهادة السَّارق إذا تاب، وكأنَّ المؤلِّف أراد
стр. 5490
إلحاق القاذف بالسَّارق لعدم الفارق عنده (وَتَزَوَّجَتْ) وللإسماعيليِّ في «الشَّهادات» فنكحت رجلًا من بني سُلَيم (وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ) أي: عندي (فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وعند الحاكم في آخر حديث مسعود بن الحكم: قال ابن إسحاق: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر: أنَّ النبي ﷺ كان بعد ذلك يرحمها ويصلها.
وهذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بقيَّة مباحثه في «غزوة الفتح» [خ¦٤٣٠٤] و «كتاب الحدود» [خ¦٦٧٨٨].
٢٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن خالد بن عَقيل -بفتح العين- الأَيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عُتْبة بن مسعود (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجُهَنيِّ المدنيِّ، المتوفَّى بالكوفة سنة ثمان وستِّين أو وسبعين، وله ثمانون سنة (¬﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ) بكسر الصَّاد، ولأبي ذرٍّ: «ولم يُحصَن» بفتحها بمعنى الفاعل، وهو الَّذي اجتمع فيه العقل والبلوغ والحريَّة والإصابة في النِّكاح الصَّحيح، والواو للحال (بِجَلْدِ مِئَةٍ) الباء تتعلَّق بأمر (وَتَغْرِيبِ عَامٍ) واستشكل الدَّاوديُّ إيراد هذا الحديث في هذا الباب، يعني: فإنَّه ليس مجرَّد الغربة عامًا توبة تُوجب قَبول الشَّهادة باتِّفاق، فكيف يتَّجه قول البخاريِّ؟ وأجاب ابن المُنَيِّر: بأنه أراد: أنَّ الحال يتغيَّر في العامِ، وينتقل إلى حال لا يحتاج معها إلى تغريب، وكأنَّها مَظِنَّة لكسر سَورة النَّفس وهيجان الشَّهوة.
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَشْهَدُ) الرَّجل، وفي بعض الأصول: «لا يشهدْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ) ظلم أو حَيف أو مَيل عن الحقِّ (إِذَا أُشْهِدَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (١).
стр. 5491
٢٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) بالحاء المهملة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، وبعد الألف نون، يحيى بن سعيد (التَّيْمِيُّ) الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي) عَمْرة بنت رَوَاحة، بفتح الراء والواو المخفَّفة وبالحاء المهملة (أَبِي) بشيرًا (بَعْضَ المَوْهِبَةِ لِي) مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الهبة (مِنْ مَالِهِ) والموهبة عبد أو أَمَة، كما صُرِّح به في رواية (١)، وفي رواية: «غلامٌ» من غير شكٍّ ولم يُسَمَّ، وفي رواية: «حديقة» وحملهما ابن حبَّان على حالتَين (ثُمَّ بَدَا لَهُ) بعد أن امتنع أوَّلًا (فَوَهَبَهَا لِي) الأَمَة أو الحديقة (فَقَالَتْ) أمِّي: (لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أنَّك أعطيته (فَأَخَذَ) أبي (بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ المَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ) ﵊، ولأبي الوقت: «فقال»: (أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) أي: النُّعمان: (فَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة: أظنُّه ﵊ (قَالَ) لبشير: (لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ) بفتح الجيم وبعد الواو السَّاكنة راءٌ.
(وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ) بفتح الحاء وكسر الرَّاء المهملتين، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة زايٌ بوزن: سعيد، عبدُ الله بن الحسين الأزديُّ قاضي سجستان، ممَّا وصله ابن حبَّان في «صحيحه» والطَّبرانيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل، أي: عن النُّعْمان في هذا الحديث: (لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ) واستدلَّ به الحنابلة على وجوب العدل في عطيَّة الأولاد. وأجاب الجمهور: بأنَّ الجَور هو المَيل عن الاعتدال، والمكروه أيضًا جَور، وسبق في «الهبة» [خ¦٢٥٨٧] مزيد لذلك، ووقع في «اليونينية» أنَّه أثبت قوله: «وقال: أبو حريز … » إلى آخره هنا، بعدما قدَّمه على قوله: «حدَّثنا عبدان» وضبَّب عليه، والأَوْلى تأخيره لِما لا يخفى.
стр. 5492
٢٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، نصرُ بن عمران الضُّبَعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ) بفتح الزَّاي وسكون الهاء وفتح الدَّال المهملة، «ابن مُضَرِّب» -بضمِّ الميم وفتح الضَّاد المعجمة وتشديد الرَّاء المكسورة- الجرميُّ (١) البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين (¬﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَيْرُكُمْ) أي: خيرُ النَّاس أهل (قَرْنِي) أي: عصري، مأخوذٌ من الاقتران في الأمر الَّذي يجمعهم، والمراد هنا الصَّحابة، قيل: والقَرْن: ثمانون سنةً، أو أربعون، أو مئة، أو غير ذلك (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي: يقرُبون منهم، وهم التَّابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباع التَّابعين (قَالَ عِمْرَانُ) بن حُصَين، ممَّا هو موصول بالإسناد السَّابق: (لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ) بالبناء على الضمِّ لنيَّة الإضافة، ولأبي ذرٍّ
стр. 5493
عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعد قرنه» (قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا) بالنَّصب اسم «إنَّ» قال العَيْنيُّ: وهي رواية النَّسفيِّ. وقال الحافظ ابن حَجَر: ولبعضهم: «قومٌ» بالرَّفع، فيحتمل أن يكون من النَّاسخ على طريقة من لا يكتب الألف في المنصوب. وقال العَينيُّ: مرفوعٌ (١) بفعل محذوف، أي: إنَّ بعدكم يجيءُ قومٌ (يَخُونُونَ) بالخاء المعجمة من الخيانة (وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لخيانتهم الظَّاهرة بحيث لا يُعْتَمَد عليهم (وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشَّهادة من غير تحميل، أو يؤدُّونها من غير طلب الأداء، وهذا لا يعارضه حديثُ زيد بن خالد المرويُّ في «مسلم» مرفوعًا: «ألا أخبركم بخير الشُّهداء؟ الَّذي يأتي بالشَّهادة قبل أن يُسْأَلها» لأنَّ المراد بحديث زيد مَن عنده شهادةٌ لإنسان بحقٍّ لا يعلم بها صاحبها، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلِّف ورثة، فيأتي الشَّاهد إليهم أو إلى من يتحدَّث عنهم فيُعْلمهم بذلك، أو أنَّ الأوَّل في حقوق الآدميين، وهذا في حقوق الله تعالى الَّتي لا طالب لها، أو المراد بها الشَّهادة على المُغَيَّب (٢) من أمر النَّاس، يشهد على قوم أنَّهم من أهل الجنَّة بغير (٣) دليل، كما يصنع ذلك أهل الأهواء، وهذا حكاه الطَّحاويُّ (٤) وتبعه جماعة منهم الزَّرْكشيُّ، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا مُشْكِل، لأنَّ الذَّم ورد في الشَّهادة بدون استشهاد، والشَّهادة على الغيب مذمومة مطلقًا، سواء كانت باستشهاد أو بدونه (وَيَنْذِرُونَ) بفتح حرف المضارعة وبكسر الذَّال المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «وينذُرون» بضمِّ الذَّال (وَلَا يَفُونَ) من الوفاء (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر السِّين المهملة وفتح الميم، أي: يعظُم حرصهم على الدُّنيا، والتَّمتع بلذَّاتها، وإيثار شهواتها، والترفُّه في نعيمها حتَّى تسمن أجسادهم، أو المراد: تَكثُّرهم بما ليس فيهم، وادِّعاؤهم الشَّرف، أو المراد: جمعهم المال، وعند التِّرمذيِّ من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حُصَين: «ثمَّ يجيء قوم يتسمَّنون ويحبُّون السِّمن».
стр. 5494
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «يشهدون ولا يستشهدون» لأنَّ الشَّهادة قبل الاستشهاد فيها معنى الجَور، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨] و «النُّذور» [خ¦٦٦٩٥]، ومسلم في «الفضائل» والنَّسائيُّ في «النُّذور».
٢٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعود (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ) أهل (قَرْنِي) يعني أصحابه (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يعني أتباعهم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يعني: أتباع التَّابعين، وهذا يقتضي أنَّ الصَّحابة أفضل من التَّابعين، والتَّابعون أفضل من أتباع التَّابعين، لكنَّ هل هذه الأفضليَّة بالنِّسبة إلى المجموع أو الأفراد محلُّ بحث، وإلى الثَّاني ذهب الجمهور، والأوَّل قول ابن عبد البَرِّ، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» مباحث ذلك، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد لذلك في «فضل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥١] بعون الله تعالى وقوَّته (ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) أي: في حالَين لا في حالة واحدة لأنَّه دَور، قال البيضاويُّ وتبعه الكِرمانيُّ: هم الَّذين يحرصون على الشَّهادة مشغوفين بترويجها، يحلفون على ما يشهدون به، فتارةً يحلفون قبل أن يأتوا بالشَّهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مَثَلًا في سرعة الشَّهادة واليمين وحرص الرَّجل عليهما والتَّسرُّع فيهما، حتَّى لا يدري بأيّهما يبتدئ، فكأنَّه يسبق أحدهما الآخر من قلَّة مبالاته بالدِّين. قال النَّوويُّ: واحتجَّ به المالكيَّة في ردِّ شهادة مَن حلف معها، والجمهور على أنَّها لا تُرَدُّ.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ بالإسناد السَّابق: (وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا) زاد المؤلِّف في «الفضائل» [خ¦٣٦٥١] ونحن صغار (عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ) أي: قول الرَّجل: أشهد بالله، وعليَّ عهد الله
стр. 5495
ما كان كذا، على معنى الحلف، حتَّى لا يصير ذلك لهم عادة فيحلفون في كلِّ ما يصلح وما لا يصلح، والله أعلم.
(١٠) (بابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) أي: من التَّغليظ والوعيد (لِقَوْلِ اللهِ) أي: لأجل قول الله، ولأبي ذرٍّ: «لقوله» : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]) أي: لا يقيمون الشَّهادة الباطلة، أو لا يَحضرون محاضر الكذب والفسق والكفر، أو اللَّهو والغناء. وقال ابن حَجَر: أشار -أي: المؤلِّف- إلى أنَّ الآية سيقت في ذمِّ متعاطي شهادة الزُّور، وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، وتعقَّبه العَينيُّ فقال: ما سِيقت الآية إلَّا في مدح تاركي شهادة الزُّور، وقوله: «وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها» لم يقل به أحد من المفسِّرين، وحينئذ فإيراد المؤلِّف للآية في معرض التَّعليل لِمَا قيل في شهادة الزُّور من الوعيد لا وجهَ له؛ لأنَّها ما سيقت إلَّا في مدح الَّذين لا يشهدون الزُّور. انتهى. وما قاله ابن حَجَر أقعد، ليكون ما قاله المؤلِّف مطابقًا لما استدلَّ له، ولعلَّه كالمؤلِّف وقف على ذلك من قول بعض المفسِّرين، وجزم العَينيُّ بأنَّه لم يقل به أحد من المفسِّرين، ودعواه الحصرَ فيه نَظَرٌ لا يخفى، ونقل في «الفتح» عن الطَّبريِّ: أنَّه قال: وأَولى الأقوال عندنا أنَّ المراد به مدح مَن لا يشهد شيئًا من الباطل (وَ) ما قيل في (كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ) بكسر الكاف (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾) أيُّها الشُّهود إذا دُعِيتم لتأديتها عند الحاكم (﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾) أي: يأثم قلبه، وإسناد الإثم إلى القلب؛ لأنَّ الكتمان يتعلَّق به؛ لأنَّه مضمَر فيه (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾) من كتمان الشَّهادة وإقامتها (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]) فيُجازى على كتمان الشَّهادة وأدائها، وسقط لغير أبي ذرٍّ «لقوله» الثَّابتة (١) قبل قوله: «﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾» وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِن﴾ (﴿تَلْوُواْ﴾ [النساء: ١٣٥]) يعني: (أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) كذا فسَّره ابن عبَّاس فيما رُوِي عنه من طريق عليِّ بن أبي (٢) طلحةَ كما عند الطَّبريِّ، ورُوِي عنه من
стр. 5496
طريق العوفيِّ قال: تلوي لسانك بغير الحقِّ وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشَّهادة على وجهها، والَّليُّ هو التَّحريف وتعمُّد الكذب، وأتى المؤلِّف ﵀ بكلمة مفردة من التَّنزيل في معرضِ الاحتجاج، ولم يقل: وقوله: ﴿وَإِن﴾ ولم يفصل بين الكلمة القرآنية وتفسيرها.
٢٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون آخره راء، أبو عبد الرَّحمن المروزيُّ الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ) هو ابن حازم الأزديّ (وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) مولى بني عبد الدَّار القرشيَّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) بتصغير عبد (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) هو ابن مالك (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الكَبَائِرِ) جمع كبيرة واختُلِف فيها، والأقربُ أنَّها كلُّ ذنب رتَّب الشَّارع عليه حدًّا أو صرَّح بالوعيد فيه (قَالَ) ﵊: الكبائر: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) رفع خبرًا عن المبتدأ المقدَّر (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بأن يفعل الولد ما يتأذَّى به تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي: بغير حقٍّ. قال تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٣] (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) الواو في الثَّلاثة للعطف على السَّابق، وليس المراد حصر الكبائر فيما ذكر، بل اقتصر على أكبرها، والشِّرك أعظمُها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٧٧] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٧١]، ومسلم في «الأيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «القضاء» و «القصاص» و «التَّفسير».
(تَابَعَهُ) أي: تابع وَهْب بن جَرير في روايته عن شُعْبة (غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر (وَأَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقديُّ، فيما وصله أبو سعيد النَّقَّاش في «كتاب الشُّهود» وابن مَنْده في «كتاب الإيمان» (وَبَهْزٌ) بفتح الموحَّدة، وبعد الهاء السَّاكنة زايٌ، ابن أسد العمِّيُّ فيما وصله أحمد
стр. 5497
(وَعَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، فيما وصله المؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦٦٨٧١] الأربعة (عَنْ شُعْبَةَ) أي: ابن الحجَّاج المذكور.
٢٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقاشيُّ -بقاف ومعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء الأولى، سعيد بن إياس الأَزديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيع -بضمِّ النُّون- الثَّقفيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) سقط لأبي ذرٍّ «قال» الأولى (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام للتَّنبيه، لتدلَّ على تحقُّق ما بعدها (أُنَبِّئُكُمْ) بالتَّشديد، والَّذي في «اليونينيَّة» بالتَّخفيف، أي: أخبركم (بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟) قال ذلك (ثَلَاثًا) تأكيدًا لتنبيه السَّامع على إحضار فهمه (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي: أخبرْنا (قَالَ) ﵊: أكبر (١) الكبائر: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) وهذا يدلُّ على انقسام الكبائر في عِظَمها إلى كبير وأكبر، ويُؤخَذ منه ثبوت الصَّغائر؛ لأنَّ الكبيرة بالنِّسبة إليها أكبر منها، وأمَّا ما وقع للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيِّ والقاضي أبي بكر الباقلَّانيِّ والإمام وابن القُشَيريِّ: مِن أنَّ كلَّ ذنب كبيرة ونفيهم الصغائر نظرًا إلى عظمة من عصى بالذنب، فقد قالوا كما صرَّح به الزَّركشيُّ: إنَّ الخلاف بينهم وبين الجمهور لفظيٌّ. قال القرافيُّ: وكأنَّهم كرهوا تسمية معصية الله صغيرةً إجلالًا له ، مع أنَّهم وافقوا في الجَرْح على أنَّه لا يكون بمطلَق المعصية، وأنَّ من الذُّنوب ما يكون قادحًا في العدالة، وما لا يقدح هذا مجمعٌ عليه، وإنَّما الخلاف في التَّسمية والإطلاق، والصَّحيحُ التَّغايرُ، لورود القرآن والأحاديث به، ولأنَّ ما عَظُم مفسدته أحقُّ باسم الكبيرة، بل قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ (٢)﴾ [النساء: ٣١] صريحٌ في انقسام الذُّنوب إلى كبائرَ وصغائر، ولذا قال الغزاليُّ: لا يليق إنكارُ الفَرق
стр. 5498
بينهما، وقد عُرِفا من مدارك الشَّرع. انتهى. ولا يلزم من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر استواءُ رُتْبتها في نفسها، كما إذا قلت: زيد وعمرو أفضل من بكر، فإنَّه لا يقتضي استواء زيد وعمرو في الفضيلة، بل يحتمل أن يكونا متفاوتين فيها، وكذلك هنا، فإنَّ الإشراك أكبر الذُّنوب المذكورة (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) تأكيدًا للحرمة (فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) ولأبي ذرٍّ: «وكان متَّكئًا، أَلَا وقول الزُّور» فأسقط «فقال» وفصَل بين المتعاطفين بحرف التَّنبيه والاستفتاح تعظيمًا لشأن الزُّور لِمَا يترتَّب عليه من المفاسد، وإضافة القول إلى الزُّور من إضافة الموصوف إلى صفته، وفي رواية خالد عن (١) الجُرَيريِّ: «ألا وقول الزُّور وشهادة الزُّور» [خ¦٥٩٧٦]. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاصِّ بعد العامِّ، لكنْ ينبغي أن يُحمَل على التَّأكيد، فإنَّا لو حملنا القول على الإطلاق لزم أن تكون الكِذْبة الواحدة مطلقًا كبيرةً وليس كذلك، ومراتب الكذب متفاوتةٌ بحسب تفاوت مفاسده.
(قَالَ) أبو بكرة (٢): (فَمَا زَالَ) ﵊ (يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ) ﵊ (سَكَتَ) قال في «الفتح»: أي: شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبَّة له والشَّفقة عليه، وقال في «جمع العدَّة»: هو تعظيم لما حصل لمرتكب هذا الذَّنب من غضب الله ورسوله، ولما حصل للسَّامعين من الرُّعب والخوف من هذا المجلس.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «استتابة المرتَّدين» [خ¦٦٩١٩] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٧٣] و «الأدب» [خ¦٥٩٧٦]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» و «الشَّهادات» و «التَّفسير».
(وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليَّة وهي أمُّه، ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩١٩] (حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس الأَزديُّ، منسوبٌ إلى جُرَير بن عُبَادة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن أبي بكرة.
стр. 5499
(١١) (بابُ) بيانِ حكم (شَهَادَةِ الأَعْمَى وَ) بيان (أَمْرِهِ) في تصرُّفاته (وَنِكَاحِهِ) بامرأةٍ (وَإِنْكَاحِهِ) غيرَه (وَمُبَايَعَتِهِ) بيعه وشرائه (وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ) كإقامته الصَّلاة وإمامته إذا توقَّى النَّجاسة (وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ) عند تحقُّقها، أمَّا عند الاشتباه فلا، اتِّفاقًا (وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق أحد الفقهاء السَّبعة، ممَّا وصله سعيد بن منصور (وَالحَسَنُ) البصريُّ (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، فيما وصله ابن أبي شَيبة عنهما (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، فيما وصله ابن أبي شَيبة أيضًا عنه (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رَباح، فيما وصله الأَثْرم، وهذا مذهب المالكيَّة، وعبارة «المختصر»: وإن أعمى في قولٍ أو أصمَّ في فعلٍ، يعني: فلا يُشتَرط في الشَّاهد أن يكون سميعًا بصيرًا، وعند الشَّافعية كالجمهور: لا تُقبَل شهادة الأعمى لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات، إلَّا في أربعة مواضع: في ترجمته لكلام الخصوم أو الشُّهود للقاضي؛ لأنَّها تفسير للفظ، فلا تحتاج إلى معاينة وإشارة، والنَّسب ونحوه ممَّا يَثبُت بالاستفاضة كالموت والملك إن كان المشهود له معروف الاسم والنَّسب، وما تحمَّله قبل العمى إن (١) كان المشهود له وعليه معروفَ الاسم والنَّسب، بخلاف مجهولَيْه أو أحدهما، وأن يقبض على المقرِّ حتَّى يَشهد عليه عند القاضي بما سمعه من نحو طلاق أو عِتق أو مالٍ لشخص معروف الاسم والنَّسب (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، ممَّا وصله ابن أبي شَيْبة: (تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا) أي: فَطِنًا مُدركًا لدقائق الأمور بالقرائن، وليس احترازًا عن الجنون؛ إذ العقل شرط في البصير والأعمى (وَقَالَ الحَكَمُ) بفتحتين ابن عُتَيْبة، فيما وصله ابن أبي شَيبة أيضًا: (رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ) شهادته (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد
стр. 5500
ابن مسلم، ممَّا وصله الكرابيسيُّ في «أدب القضاء»: (أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ) مع كونه كان أعمى؟! (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصله عبد الرَّزاق بمعناه (يَبْعَثُ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ) يفحص عن غروب الشَّمس للإفطار، فإذا أخبره أنَّها غربت (أَفْطَرَ) من صومه (وَيَسْأَلُ عَنِ الفَجْرِ، فَإِذَا قِيلَ) زاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «له» (طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ولا يرى شخص المخبر له وإنَّما يسمع صوته.
(وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين، أبو أيُّوب: (اسْتَأْذَنْتُ) في الدُّخول (عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَعَرَفَتْ صَوْتِي، قَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت»: (سُلَيْمَانُ) بحذف حرف النِّداء (ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ) أي: من مال الكتابة وكان مكاتبًا لأمِّ المؤمنين ميمونة، وفيه: أنَّ عائشة كانت لا ترى الاحتجاب من العبد، سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها (وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ) بسكون النُّون وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، بعدها قافٌ مكسورة: من الانتقاب، ولأبي ذرٍّ: «متنقِّبة» بتقديم المثنَّاة على النُّون وتشديد القاف: من التَّنقُّب (١)، الَّتي على وجهها نقابٌ. قال الحافظ ابن حَجَر: ولم أعرف اسم هذه المرأة.
٢٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بضمِّ عين «عُبيد» مصغَّرًا من غير إضافة، القُرَشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: كوفيٌّ، التَّبانُ، قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُروة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) هو عبد الله بن يزيد الأنصاريُّ القاريُّ، وزعم عبد الغنيِّ: أنَّه الخطميُّ. قال