← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

طريق العوفيِّ قال: تلوي لسانك بغير الحقِّ وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشَّهادة على وجهها، والَّليُّ هو التَّحريف وتعمُّد الكذب، وأتى المؤلِّف ﵀ بكلمة مفردة من التَّنزيل في معرضِ الاحتجاج، ولم يقل: وقوله: ﴿وَإِن﴾ ولم يفصل بين الكلمة القرآنية وتفسيرها. ٢٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون آخره راء، أبو عبد الرَّحمن المروزيُّ الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ) هو ابن حازم الأزديّ (وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) مولى بني عبد الدَّار القرشيَّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) بتصغير عبد (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) هو ابن مالك (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الكَبَائِرِ) جمع كبيرة واختُلِف فيها، والأقربُ أنَّها كلُّ ذنب رتَّب الشَّارع عليه حدًّا أو صرَّح بالوعيد فيه (قَالَ) ﵊: الكبائر: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) رفع خبرًا عن المبتدأ المقدَّر (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بأن يفعل الولد ما يتأذَّى به تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي: بغير حقٍّ. قال تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٣] (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) الواو في الثَّلاثة للعطف على السَّابق، وليس المراد حصر الكبائر فيما ذكر، بل اقتصر على أكبرها، والشِّرك أعظمُها. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٧٧] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٧١]، ومسلم في «الأيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «القضاء» و «القصاص» و «التَّفسير». (تَابَعَهُ) أي: تابع وَهْب بن جَرير في روايته عن شُعْبة (غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر (وَأَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقديُّ، فيما وصله أبو سعيد النَّقَّاش في «كتاب الشُّهود» وابن مَنْده في «كتاب الإيمان» (وَبَهْزٌ) بفتح الموحَّدة، وبعد الهاء السَّاكنة زايٌ، ابن أسد العمِّيُّ فيما وصله أحمد

стр. 5497

(وَعَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، فيما وصله المؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦٦٨٧١] الأربعة (عَنْ شُعْبَةَ) أي: ابن الحجَّاج المذكور. ٢٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقاشيُّ -بقاف ومعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء الأولى، سعيد بن إياس الأَزديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيع -بضمِّ النُّون- الثَّقفيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) سقط لأبي ذرٍّ «قال» الأولى (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام للتَّنبيه، لتدلَّ على تحقُّق ما بعدها (أُنَبِّئُكُمْ) بالتَّشديد، والَّذي في «اليونينيَّة» بالتَّخفيف، أي: أخبركم (بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟) قال ذلك (ثَلَاثًا) تأكيدًا لتنبيه السَّامع على إحضار فهمه (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي: أخبرْنا (قَالَ) ﵊: أكبر (١) الكبائر: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) وهذا يدلُّ على انقسام الكبائر في عِظَمها إلى كبير وأكبر، ويُؤخَذ منه ثبوت الصَّغائر؛ لأنَّ الكبيرة بالنِّسبة إليها أكبر منها، وأمَّا ما وقع للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيِّ والقاضي أبي بكر الباقلَّانيِّ والإمام وابن القُشَيريِّ: مِن أنَّ كلَّ ذنب كبيرة ونفيهم الصغائر نظرًا إلى عظمة من عصى بالذنب، فقد قالوا كما صرَّح به الزَّركشيُّ: إنَّ الخلاف بينهم وبين الجمهور لفظيٌّ. قال القرافيُّ: وكأنَّهم كرهوا تسمية معصية الله صغيرةً إجلالًا له ، مع أنَّهم وافقوا في الجَرْح على أنَّه لا يكون بمطلَق المعصية، وأنَّ من الذُّنوب ما يكون قادحًا في العدالة، وما لا يقدح هذا مجمعٌ عليه، وإنَّما الخلاف في التَّسمية والإطلاق، والصَّحيحُ التَّغايرُ، لورود القرآن والأحاديث به، ولأنَّ ما عَظُم مفسدته أحقُّ باسم الكبيرة، بل قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ (٢)﴾ [النساء: ٣١] صريحٌ في انقسام الذُّنوب إلى كبائرَ وصغائر، ولذا قال الغزاليُّ: لا يليق إنكارُ الفَرق

стр. 5498

بينهما، وقد عُرِفا من مدارك الشَّرع. انتهى. ولا يلزم من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر استواءُ رُتْبتها في نفسها، كما إذا قلت: زيد وعمرو أفضل من بكر، فإنَّه لا يقتضي استواء زيد وعمرو في الفضيلة، بل يحتمل أن يكونا متفاوتين فيها، وكذلك هنا، فإنَّ الإشراك أكبر الذُّنوب المذكورة (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) تأكيدًا للحرمة (فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) ولأبي ذرٍّ: «وكان متَّكئًا، أَلَا وقول الزُّور» فأسقط «فقال» وفصَل بين المتعاطفين بحرف التَّنبيه والاستفتاح تعظيمًا لشأن الزُّور لِمَا يترتَّب عليه من المفاسد، وإضافة القول إلى الزُّور من إضافة الموصوف إلى صفته، وفي رواية خالد عن (١) الجُرَيريِّ: «ألا وقول الزُّور وشهادة الزُّور» [خ¦٥٩٧٦]. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاصِّ بعد العامِّ، لكنْ ينبغي أن يُحمَل على التَّأكيد، فإنَّا لو حملنا القول على الإطلاق لزم أن تكون الكِذْبة الواحدة مطلقًا كبيرةً وليس كذلك، ومراتب الكذب متفاوتةٌ بحسب تفاوت مفاسده. (قَالَ) أبو بكرة (٢): (فَمَا زَالَ) ﵊ (يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ) ﵊ (سَكَتَ) قال في «الفتح»: أي: شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبَّة له والشَّفقة عليه، وقال في «جمع العدَّة»: هو تعظيم لما حصل لمرتكب هذا الذَّنب من غضب الله ورسوله، ولما حصل للسَّامعين من الرُّعب والخوف من هذا المجلس. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «استتابة المرتَّدين» [خ¦٦٩١٩] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٧٣] و «الأدب» [خ¦٥٩٧٦]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» و «الشَّهادات» و «التَّفسير». (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليَّة وهي أمُّه، ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩١٩] (حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس الأَزديُّ، منسوبٌ إلى جُرَير بن عُبَادة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن أبي بكرة.

стр. 5499

(١١) (بابُ) بيانِ حكم (شَهَادَةِ الأَعْمَى وَ) بيان (أَمْرِهِ) في تصرُّفاته (وَنِكَاحِهِ) بامرأةٍ (وَإِنْكَاحِهِ) غيرَه (وَمُبَايَعَتِهِ) بيعه وشرائه (وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ) كإقامته الصَّلاة وإمامته إذا توقَّى النَّجاسة (وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ) عند تحقُّقها، أمَّا عند الاشتباه فلا، اتِّفاقًا (وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق أحد الفقهاء السَّبعة، ممَّا وصله سعيد بن منصور (وَالحَسَنُ) البصريُّ (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، فيما وصله ابن أبي شَيبة عنهما (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، فيما وصله ابن أبي شَيبة أيضًا عنه (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رَباح، فيما وصله الأَثْرم، وهذا مذهب المالكيَّة، وعبارة «المختصر»: وإن أعمى في قولٍ أو أصمَّ في فعلٍ، يعني: فلا يُشتَرط في الشَّاهد أن يكون سميعًا بصيرًا، وعند الشَّافعية كالجمهور: لا تُقبَل شهادة الأعمى لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات، إلَّا في أربعة مواضع: في ترجمته لكلام الخصوم أو الشُّهود للقاضي؛ لأنَّها تفسير للفظ، فلا تحتاج إلى معاينة وإشارة، والنَّسب ونحوه ممَّا يَثبُت بالاستفاضة كالموت والملك إن كان المشهود له معروف الاسم والنَّسب، وما تحمَّله قبل العمى إن (١) كان المشهود له وعليه معروفَ الاسم والنَّسب، بخلاف مجهولَيْه أو أحدهما، وأن يقبض على المقرِّ حتَّى يَشهد عليه عند القاضي بما سمعه من نحو طلاق أو عِتق أو مالٍ لشخص معروف الاسم والنَّسب (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، ممَّا وصله ابن أبي شَيْبة: (تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا) أي: فَطِنًا مُدركًا لدقائق الأمور بالقرائن، وليس احترازًا عن الجنون؛ إذ العقل شرط في البصير والأعمى (وَقَالَ الحَكَمُ) بفتحتين ابن عُتَيْبة، فيما وصله ابن أبي شَيبة أيضًا: (رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ) شهادته (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد

стр. 5500

ابن مسلم، ممَّا وصله الكرابيسيُّ في «أدب القضاء»: (أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ) مع كونه كان أعمى؟! (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصله عبد الرَّزاق بمعناه (يَبْعَثُ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ) يفحص عن غروب الشَّمس للإفطار، فإذا أخبره أنَّها غربت (أَفْطَرَ) من صومه (وَيَسْأَلُ عَنِ الفَجْرِ، فَإِذَا قِيلَ) زاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «له» (طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ولا يرى شخص المخبر له وإنَّما يسمع صوته. (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين، أبو أيُّوب: (اسْتَأْذَنْتُ) في الدُّخول (عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَعَرَفَتْ صَوْتِي، قَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت»: (سُلَيْمَانُ) بحذف حرف النِّداء (ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ) أي: من مال الكتابة وكان مكاتبًا لأمِّ المؤمنين ميمونة، وفيه: أنَّ عائشة كانت لا ترى الاحتجاب من العبد، سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها (وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ) بسكون النُّون وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، بعدها قافٌ مكسورة: من الانتقاب، ولأبي ذرٍّ: «متنقِّبة» بتقديم المثنَّاة على النُّون وتشديد القاف: من التَّنقُّب (١)، الَّتي على وجهها نقابٌ. قال الحافظ ابن حَجَر: ولم أعرف اسم هذه المرأة. ٢٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بضمِّ عين «عُبيد» مصغَّرًا من غير إضافة، القُرَشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: كوفيٌّ، التَّبانُ، قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُروة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) هو عبد الله بن يزيد الأنصاريُّ القاريُّ، وزعم عبد الغنيِّ: أنَّه الخطميُّ. قال

стр. 5501

ابن حَجَر: وليس في روايته التي ساقها نسبته كذلك، وقد فرَّق ابن مَنْده بينه وبين الخطميِّ فأصاب، والمعنى هنا: سمع صوت رجل (يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ) ﵊: ﵀ أي: القارئ (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً) وسقط لأبي ذرٍّ قوله «وكذا» الثانية (أَسْقَطْتُهُنَّ) أي: نسيتهنَّ (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) كلمةٌ مبهمة، وهي في الأصل مركبة من كاف التَّشبيه واسم الإشارة، ثمَّ نقلت فصارت يُكنَّى بها عن العدد وغيره. قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وأغربَ مَنْ زعم أنَّ المراد بذلك إحدى وعشرون آية، لأنَّ ابن عبد الحكم قال فيمن أقرَّ أنَّ عليه كذا وكذا درهمًا: أنَّه يلزمه أحد وعشرون درهمًا، وقال الدَّاوديُّ: يكون مقرًّا بدرهمين؛ لأنَّه أوَّل (١) ما يقع عليه ذلك. انتهى. وقال المالكيَّة -واللَّفظ للشَّيخ خليل- وكذا درهمًا؛ عشرون، وكذا وكذا، أحد وعشرون، وكذا كذا، أحد عشر (٢)، وقال الشَّافعيَّة: ويجب عليه بقوله: كذا درهمٌ -بالرفع- درهمٌ، لكون الدرهم تفسيرًا لما أبهمه بقوله: كذا وكذا، لو نصب «الدرهم» أو خفض أو سكَّن أو كرَّر «كذا» بلا عاطفٍ (٣) في الأحوال الأربعة لذلك، ولاحتمال التوكيد (٤) في الأخيرة وإن اقتضى النصب لزوم عشرين؛ لكونه أوَّل عددٍ مفردٍ ينصب الدرهم عقبه إذ لا نظر في تفسير المبهم إلى الإعراب، ومتى كرَّرها وعطف بالواو أو بـ «ثمَّ» ونصب «الدرهم» كقوله: له عليَّ كذا وكذا درهمًا، أو كذا ثم كذا درهمًا، تكرَّر الدرهم بعدد كذا، فيلزمه في كلٍّ من المثالين درهمان، لأنَّه أقر بمبهمين وعقَّبهما (٥) بالدرهم منصوبًا، فالظاهر أنَّه تفسير لكلٍّ منهما بمقتضى العطف، غير أنَّا نقدِّره في صناعة الإعراب تمييزًا (٦) لأحدهما، ونقدِّر مثله للآخر، فلو خفض «الدرهم» أو رفعه أو سكَّنه، لا يتكرر، لأنَّه لا يصلح تمييزًا لما قبله. (وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة في الأوَّل، ابن الزُّبير بن العوَّام

стр. 5502

التَّابعيُّ، فيما وصله أبو يَعلى (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (تَهَجَّدَ) أي: صلَّى (النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ) هو ابن بِشرٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ الصحابيِّ (يُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟) بهمزة الاستفهام (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا) وظاهره: أنَّ المبهم في الرِّواية السَّابقة هو هذا المفسَّر في هذه؛ إذ مقتضى قوله: «زاد» أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثًا واحدًا، فتتَّحد القصَّة، لكن جزم عبد الغنيِّ بن سعيد في «مبهماته» بأنَّ المبهم في الأولى هو عبد الله بن يزيد كما مرَّ، فيحتمل أنَّه ﷺ سمع صوت رجلين، فعرف أحدهما، فقال (١): هذا صوت عبَّاد، ولم يعرف الآخر، فسأل عنه، والَّذي لم يعرفه هو الَّذي تذكَّر بقراءته الآية (٢) الَّتي نسيها، وفيه جواز النِّسيان عليه ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ. وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٣٧] ومطابقته لما تُرجِم له هنا من كونه ﵊ اعتمد على صوت الرَّجل من غير رؤية شخصه. ٢٦٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ (٣) بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهم النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة -بفتح اللَّام- واسمه: الماجِشُون -بكسر الجيم وبعدها معجمة مضمومة- المدنيُّ نزيل بغداد قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : إنَّ بِلَالًا يُؤذِّنُ) للصُّبح (بِلَيْلٍ) أي: في ليل (فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى) أي: إلى أن (يُؤَذِّنَ أَوْ قَالَ: حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ

стр. 5503

مَكْتُومٍ) عمرو أو عبد الله بن قيس القرشيِّ، والشَّكُّ من الرَّاوي (وكانَ ابْنُ أُمِّ مكْتُومٍ رَجُلًا أعْمَى، لَا يُؤذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ) في «الأذان» [خ¦٦١٧] أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ، مرَّتين. ومطابقته لما تُرجِم له الاعتماد على صوت الأعمى، وقد سبق في «أذان الأعمى» من «كتاب الأذان» [خ¦٦١٧]. ٢٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى) بن زياد أبو الخطَّاب البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ) أبو صالح البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كَيسان السَّختيانيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) نسبه لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عُبَيد الله بالتَّصغير، واسم أبي مُلَيكة: زُهَير (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) الزُّهريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ) وفي «الهبة» [خ¦٢٥٩٩] قسم رسول الله ﷺ أقبيةً، ولم يُعطِ مَخْرمة منها (١) شيئًا (فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، فَقَامَ أَبِي عَلَى البَابِ فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ فَخَرَجَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خرج» (النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ قَبَاءٌ) وفي «الهبة» [خ¦٢٥٩٩] فخرج إليه وعليه قباء منها (وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولَ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ) مرَّتين. ومطابقة (٢) الحديث للتَّرجمة كالَّذي قبله، كما لا يخفى. (١٢) (بابُ) جواز (شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجر عطفًا على سابقه: (﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا﴾) أي: فإن

стр. 5504

لم يكن الشهيدان (﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) فليشهد أو فالمستَشهد رجل وامرأتان، كذا قاله البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ، قال في «المصابيح»: الأنسب فإن لم يكن الشَّهيدان رجلين، فالشَّهيدان رجلٌ وامرأتان، أو فليشهد رجلٌ وامرأتان (١)، لأنَّ المأمور هم المخاطبون لا الشَّهداء. انتهى. وهذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة. ٢٦٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيدٌ الجُمَحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ) هو ابن أسلم (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن سعد بن أبي سَرْح -بفتح المهملة وسكون الرَّاء، بعدها حاء مهملة- القرشيِّ العامريِّ المكِّيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) وسقط لأبي ذَرٍّ «الخدريِّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: أَلَيْسَ) (٢) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ ﷺ : أليس» (شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟) لقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (قُلْنَا) بالألف بعد النُّون، ولأبي ذرٍّ: «قلنَ» (بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ) بكسر الكاف (مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا) لأنَّ الاستظهار بأخرى يُؤْذِنُ بقلَّة ضبطها، وهو يُشعِر بقلَّة عقلها، وهذا موضع التَّرجمة. وأنواع الشَّهادات سبعة: - ما يُقبَل فيه شاهد واحد، وهو رؤية هلال رمضان، لحديث ابن عمر: «أخبرتُ النَّبيَّ ﷺ ، فصام، وأمر النَّاس بصيامه» رواه أبو داود وابن حِبَّان. - وما يُقبَل فيه شاهد ويمين في الأموال خاصَّة، لحديث مسلم وغيره عن ابن عبَّاس ﵄. - وما يُقبل فيه شاهد وامرأتان في الأموال وعيوب النِّساء خاصَّة. - وما يُقبل فيه شاهدان في الحدود والنكاح والقصاص، لما روى مالك عن الزُّهريِّ: مضت السُّنّة أنَّه لا يجوز شهادة النِّساء في الحدود (٣) ولا في النِّكاح والطَّلاق، وقيس

стр. 5505

بالثَّلاثة ما في معناها كقصاص ورجعة وإسلام ورِدَّة وجَرح وتعديل وموت وإعسار. - وما يُقبَل فيه شاهدان ويمين، وهو في مسائل: دعوى ردِّ المبيع بالعيب، ودعوى البكر أو الثيِّب العنَّة على الزَّوج، ودعوى الجراحة في عضو باطن ادَّعى الخصم أنَّه غير سليم، ودعوى إعسار نفسه إذا عُهِد له مال، وعلى الغائب والميِّت ووليِّ الصَّغير والمجنون، وفيما إذا قال لامرأته: أنت طالق أمسِ، ثمَّ قال: أردت أنَّها طالق من غيري، فيقيم في هذه الصُّورة البيِّنة بما ادَّعاه، ويحلف معها طلبًا للاستظهار، والمراد بالمحلوف في الأولى: قِدَم العيب، وفي الثَّانية: عدم الوطء. - وما يُقبَل فيه أربعة من الرِّجال في الشَّهادة على الزِّنا. نعم، يكفي في الشَّهادة على الإقرار به اثنان. وأجاز الكوفيُّون شهادة النِّساء في النِّكاح والطَّلاق والنَّسب والولاء، واختُلِف فيما لا يطَّلع عليه الرِّجال، هل يكفي فيه امرأة واحدة؟ فعند الجمهور: لا بدّ من أربع. وعن مالك: تكفي شهادة البعض. وقال الحنفيَّة: تجوز شهادتها وحدها. وهذا الحديث قد مرَّ بأتمَّ من هذا في «كتاب الحيض» [خ¦٣٠٤]. (١٣) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالعَبِيدِ) أي: في حال الرِّقِّ (وَقَالَ أَنَسٌ) فيما وصله ابن أبي شيبة من رواية المختار بن فلفل: (شَهَادَةُ العَبْدِ) الرَّقيق (جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَأَجَازَهُ) أي: حكم شهادة العبد (شُرَيْحٌ) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور في الشَّيء اليسير إذا كان مرضيًّا، وعنه جوازها إلَّا لسيِّده (وَ) أجازه أيضًا (زُرَارَةُ بْنُ (١) أَوْفَى) قاضي البصرة (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، ممَّا وصله عبد الله بن الإمام أحمد: (شَهَادَتُهُ) يعني: العبد (جَائِزَةٌ إِلَّا العَبْدَ لِسَيِّدِهِ. وَأَجَازَهُ) أي: حكم شهادة العبد (الحَسَنُ) البصريُّ (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، فيما وصله ابن أبي شيبة عنهما من طريقين (فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وكسر

стр. 5506

الفاء، الحقير (وَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي، ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ) ولابن السكن: «كلُّكم عَبيد وإماء» فأسقط «بنو» وهذا قاله لمَّا شهد عنده عبد وأجاز شهادته، فقيل: إنَّه عبد، واتَّفق الأئمَّة الثَّلاثة على عدم قبول شهادة العبد مطلقًا؛ لأنَّه ناقص الحال قليل المبالاة، فلا يصلح لهذه الأمانة، وقال الحنابلة واللَّفظ للمرداويِّ في «تنقيحه»: وتُقبَل شهادة عبدٍ حتَّى في حدٍّ وقَوَد نصًّا، وعنه: لا تُقبَل فيهما، وهي أشهر. ٢٦٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النَّوفليِّ المكِّيِّ الصَّحابيِّ من مسلمة الفتح، وبقي إلى بعد الخمسين. (ح) للتحويل. قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ) وسقط في بعض النُّسخ من قوله «وحدَّثنا عليٌّ» إلى آخر قوله: «عقبة بن الحارث» (أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى) غُنْية أو زينب (بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ) لم تُسَمَّ (فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) تعني: عقبة والَّتي تزوَّجها، قال عقبة: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الَّذي قالته الأَمَة (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ) أي: من تلك النَّاحية إلى قِبَلِ وجهه (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الَّذي قالته (لَهُ) ﵊ (قَالَ: وَكَيْفَ) خبر مبتدأ محذوف، أي: كيف ذلك، أو كيف بقاء الزَّوجيَّة (وَ) الحال أن (قَدْ زَعَمَتْ) أي: قالت الأَمَة (أَنْها) وللحَمُّويي والمُستملي: «أَنْ» (قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟! فَنَهَاهُ عَنْهَا) وهو يقتضي فراقها بقول الأَمَة المذكورة، فلو لم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها. وأُجيبَ بأنَّ في بعض طرق الحديث: «فجاءت مولاة لأهل مكة» وهو لفظ يطلق على الحرَّة الَّتي عليها الولاء، فلا دلالة على أنَّها كانت رقيقة، وتُعقِّبَ بأنَّ رواية حديث الباب فيها التَّصريح بأنَّها كانت أَمَة، فتعيَّن أنَّها ليست بحرَّة، وقد قال ابن دقيق العيد: إنْ أخذنا بظاهر

стр. 5507

حديث الباب فلا بدَّ من القول بشهادة الأمة، وتعقَّبه بعضهم فيما ادَّعاه من لزوم شهادة الأَمَة بأنَّه ورد في «النِّكاح» [خ¦٥١٠٤] عند البخاريِّ بلفظ: «فجاءتنا امرأة سوداء» وفي الباب اللَّاحق: «فجاءت امرأة» [خ¦٢٦٦٠] فلم يقيِّد بالأَمَة. وأُجيبَ: بأنَّ مجيء روايةٍ بوصف يجب أن يكون بيانًا لرواية الإطلاق، فتبيَّن أنَّ المراد: الأَمَة، اللَّهمَّ إلَّا أن يدَّعي أنَّه أطلق عليها أمة مجازًا باعتبار ما كانت عليه، وإنَّما هي حرَّة بدليل قوله في الحديث: «مولاة لأهل مكَّة» فإذن ليس هذا من شهادة الإماء في شيء، على أنَّه لم يعمل بشهادتها في حديث البخاريِّ، وإنَّما دلَّه ﵊ على طريق الورع. (١٤) (بابُ شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ). ٢٦٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضّحاك بن مخلد (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين، و «عُمَر» -بضمِّ العين- ابن أبي (١) حسين النَّوفليِّ القرشيِّ المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) النَّوفليِّ، أنَّه (قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) هي أمُّ يحيى بنت أبي إهاب، كما في الأخرى [خ¦٢٦٥٩] (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم يقل: أمَة، فالأولى مقيِّدة لهذه، وقد مرَّ ما في ذلك قريبًا (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) زاد المؤلِّف في «العلم» [خ¦٨٨] من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مُلَيكة: «ما أرضعتْني ولا أخبرتْني» يعني بذلك: قبل التَّزوُّج (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وفي «العلم» [خ¦٨٨] «فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله» (فَقَالَ) ﵊: (وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا) اتركها (٢) (عَنْكَ، أَوْ نَحْوَهُ) احتجَّ به من قَبِل شهادة المرضعة وحدها، وأجاب الجمهور بحمل النَّهي في قوله في السَّابقة (٣) «فنهاه عنها» [خ¦٢٦٥٩] على التَّنزيه، والأمر في قوله في هذا «دعها عنك» على الإرشاد.

стр. 5508

(١٥) (حديث الإفك) هذا (١) ساقطٌ عند أبي الوقت. (بابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا).

стр. 5509

٢٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) الزَّهرانيُّ العَتَكيُّ -بفتح العين المهملة والمثنَّاة الفوقيَّة- بصريٌّ دخل بغداد (وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ) بعض معاني الحديث ومقاصد لفظه (أَحْمَدُ) مجرَّدًا عن النَّسب، ولم يبيِّنه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ، وفي «الأطراف» لخلفٍ أنَّه ابن يونس، وجزم به الدِّمياطيُّ، وكذا ثبت في حاشية الفرع كأصله ورُقِمَ عليه علامة ق. وقال ابن حَجَر:

стр. 5510

إنَّه رآه كذلك في نسخة الحافظ أبي الحسن اليونينيِّ. قلت: وكذا رأيته، وقد أهمله في جميع الرِّوايات الَّتي وقعت له إلَّا هذه. وقال ابن عساكر والمزِّيُّ: إنَّه وهم، وفي «طبقات القرَّاء» للذَّهبيِّ: أنَّه ابن النَّضر، وزعم ابن خلفون: أنَّه ابن حنبل، وأحمد بن يونس هذا هو أحمد بن عبد الله بن يونس، اليربوعيُّ المعروف بشيخ الإسلام، وهل أحمد المذكور هنا رفيق لأبي الرَّبيع في الرِّواية عن فُلَيح؟ فيكون المؤلِّف حمله عنهما معًا على الصِّفة المذكورة أو رفيقٌ للمؤلِّف في الرِّواية عن أبي الرَّبيع قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الخزاعيُّ أو الأسلميُّ أبو يحيى (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة وكسرِها (وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) العتواريِّ (وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود، الأربعة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة: أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ). (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب: (وَكُلُّهُمْ) أي: عروة فمن بعده (حَدَّثَنِي طَائِفَةً) قطعة (مِنْ حَدِيثِهَا) وقد انتُقِدَ على الزُّهريِّ روايته (١) لهذا الحديث ملفَّقًا (٢) عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كلِّ واحد عن الآخر، حكاه عياض فيما ذكره في «الفتح» (وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى) أحفظ لأكثر هذا الحديث (مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا) أي: سياقًا (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: حفظت (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ) أي: بعض الحديث (الَّذِي حَدَّثَنِي) به منه (عَنْ) حديث (عَائِشَةَ) فأطلق الكلَّ على البعض، فلا تنافي بين قوله: وكلُّهم

стр. 5511

حدَّثني طائفةً من الحديث، وبين قوله: وقد وعيت عن كلِّ واحد منهم الحديث، كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ. والحاصل: أنَّ جميع الحديث عن مجموعهم، لا أنَّ مجموعه عن كلِّ واحد منهم (وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ) أي: قالوا: إنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا) أي: إلى سفر، فهو نصبٌ بنزع الخافض، أو ضمَّن «يخرج» معنى: «يُنشئ»، فالنَّصب على المفعوليَّة (١) (أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ) بتاء التَّأنيث. قال الزَّركشيُّ -فيما نقله عنه في «المصابيح» ولم أره في النُّسخة الَّتي وقفت عليها من «التَّنقيح» - إنَّه الوجه، ويُروى: «فأيُّهنَّ» بدون تاء تأنيث، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ، فقال: دعواه أنَّ الرِّواية الثَّانية ليست على الوجه خطأٌ؛ إذ المنصوص أنَّه إذا أريد بـ «أيِّ» المؤنَّث، جاز إلحاق التَّاء به موصولًا كان أو استفهامًا أو غيرهما. انتهى. ولم أقف على الرِّواية الثَّانية هنا. نعم، هي في تفسير سورة النُّور لغير أبي ذرٍّ، والمعنى: فأيُّ أزواجه (خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) ولأبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخرج» بزيادة همزة، قال في «الفتح»: والأوَّل هو الصَّواب، ولعلَّ ذا الهمزة «أُخرِجَ» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَأَقْرَعَ) ﵊ (بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق من خزاعة (فَخَرَجَ سَهْمِي) فيه إشعار بأنَّها كانت في تلك الغزاة وحدها، ويؤيِّده ما في رواية ابن إسحاق بلفظ: فخرج سهمي عليهنَّ فخرج بي معه، وأمَّا ما ذكره الواقديُّ من خروج أمِّ سلمة معه أيضًا في هذه الغزوة فضعيف. قالت عائشة: (فَخَرَجْتُ مَعَهُ) ﵊ (بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) أي: الأمر به (فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ) بضمِّ الهمزة فيهما، مبنيِّين للمفعول، والهودج -بهاء ودال مهملة مفتوحتين، بينهما واو ساكنة، آخره جيم- محمل له قبَّة تستر بالثِّياب ونحوها، يوضع على

стр. 5512

ظهر البعير، يركب فيه النِّساء ليكون أستر لهنَّ (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ) بقاف ففاء، أي: رجع من غزوته (وَدَنَوْنَا) أي: قربنا (مِنَ المَدِينَةِ آذَنَ) بالمدِّ والتَّخفيف، ويجوز القصر والتَّشديد، أي: أعلَمَ (لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عَوانة: فنزل منزلًا، فبات به بعض اللَّيل، ثمَّ آذن بالرَّحيل (فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ) بالمدِّ والقصر، كما مرَّ (فَمَشَيْتُ) أي: لقضاء حاجتي منفردة (حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي) أي: الَّذي توجَّهت له (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ) إلى المنزل (فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي) بكسر العين: قلادة (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) بفتح الجيم وسكون الزَّاي، بعدها عينٌ مهملةٌ، مضافٌ لقوله: «أظفار» بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة، والجزع: خرز معروف، في سواده بياض كالعروق، وقد قال التِّيفاشيُّ: لا يُتيمَّنُ بلبسه، ومن تقلَّده كثرت همومه، ورأى منامات رديئة، وإذا عُلِّق على طفل سال لعابه، وإذا لُفَّ على شعر المطلَقة سهلت ولادتها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ظَفارٍ» بإسقاط الهمزة وفتح الظَّاء وتنوين الرَّاء فيهما، كما في «الفرع» وغيره. قال ابن بطَّال: الرِّواية: «أظفار» بألف، وأهل اللُّغة لا يقرؤونه بألف، ويقولون: ظَفار، وقال الخطابيُّ: الصَّواب الحذف وكسر الرَّاء مبنيٌّ، كحَضارِ: مدينة باليمن، قالوا: فدلَّ على أنَّ رواية زيادة الهمزة وهمٌ، وعلى تقدير صحَّة الرِّواية فيحتمل أنَّه كان من الظَّفر أحد أنواع القسط، وهو طيِّب الرَّائحة يُتبَخَّر به، فلعلَّه عُمِلَ مثل الخرز، فأطلقَتْ عليه جَزْعًا تشبيهًا به، ونظمتْهُ قلادة، إمَّا لحسن لونه أو لطيب ريحه، وفي رواية الواقديِّ كما في «الفتح»: فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمِّي قد (١) أدخلتني به على رسول الله ﷺ (قَدِ انْقَطَعَ) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عَوانة: قد انسلَّ من عنقي وأنا لا أدري (فَرَجَعْتُ) أي: إلى المكان الَّذي ذهبت إليه (فَالتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ) أي: طلبه، وعند الواقديِّ: وكنت أظنُّ أنَّ القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتَّى أكون في هودجي (فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي) بفتح أوَّله وسكون الرَّاء مخفَّفًا، أي: يشدُّون الرَّحل على بعيري، ولم يُسَمَّ أحد منهم. نعم، ذكر

стр. 5513

منهم الواقديُّ: أبا مُوَيْهبة (١)، وقال البَلاذُريُّ: إنَّه شهد غزوة المريسيع، وكان يخدم بعير عائشة، ولأبي ذَرٍّ: «يُرَحِّلون» بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء مشددًا (فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ) بالتَّخفيف، ولأبي ذَرٍّ: «فرحَّلوه» بالتَّشديد، أي: وضعوا هودجي (عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ) أي: عليه، وفي قوله: «فرحلوه على بعيري» تجوُّز، لأنَّ الرَّحل هو الَّذي يوضع على ظهر البعير، ثمَّ يوضَع الهودج فوقه (وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ) في الهودج (وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ) بكثرة الأكل (وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) لم يكثر عليهنَّ (وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ) بضمِّ العين وسكون اللَّام وبالقاف، أي: القليل (مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ) و «ثِقَل»: بكسر المثلَّثة وفتح القاف؛ الَّذي اعتادوه منه الحاصل فيه بسبب ما رُكِّبَ منه (٢) من خشب وحبال وستور وغيرها؛ ولشدَّة نحافة عائشة لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثِقَل، وفي تفسير «سورة النُّور» [خ¦٤٧٥٠] من طريق يونس: خفَّة الهودج وهذه أوضح (٣)، لأنَّ مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنَّها لخفَّة جسمها بحيث إنَّ الَّذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدَمِهَا، ولهذا أردفت ذلك بقولها: (وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) لم تكمل إذ ذاك خمس عشرة سنة (فَبَعَثُوا الجَمَلَ) أي: أثاروه (وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ) أي: ذهب ماضيًا، وهو استفعل من مرَّ (فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ) وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ (فَأَمَمْتُ) بالتَّخفيف: فقصدت (مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَظَنَنْتُ) أي: علمت (أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) بكسر القاف وحذف النُّون تخفيفًا، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سيفقدونني» (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا جَالِسَةٌ) وجواب «بينا» قوله: (غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ، فَنِمْتُ) أي: من شدَّة الغمِّ الَّذي اعتراها، أو أنَّ الله تعالى لطف بها، فألقى عليها النَّوم لتستريح من وحشة الانفراد في البريَّة باللَّيل (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ) بفتح الطَّاء المشدَّدة (السُّلَمِيُّ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) بالذَّال المعجمة، منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة، وكان صحابيًّا فاضلًا (مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ) وفي حديث ابن عمر عند الطَّبرانيِّ:

стр. 5514

«أنَّ صفوانَ كان سأل النَّبيَّ ﷺ أن يجعله على السَّاقة، فكان إذا رحل النَّاس قام يصلِّي ثمَّ اتَّبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»، وفي حديث أبي هريرة عند البزَّار: وكان صفوان يتخلَّف عن النَّاس فيصيب القدح والجراب والإداوة، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان في «الإكليل» (١): فيحمله فيقدم به فيعرِّفه في أصحابه (فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي) كأنَّه تأخَّر في مكانه حتَّى قرب الصُّبح، فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش ممَّا يخفيه اللَّيل، أو كان تأخُّره ممَّا جرت به عادته من غلبة النَّوم عليه (فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ) أي: شخص إنسان (نَائِمٍ) لا يدري أرجل أو امرأة (فَأَتَانِي) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] فعرفني حين رآني (وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ) أي: قبل نزوله (فَاسْتَيْقَظْتُ) من نومي (بِاسْتِرْجَاعِهِ) أي: بقوله: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) وكأنَّه شقَّ عليه ما جرى لعائشة فلذا استرجع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتَّى أناخ راحلته» (فَوَطِئَ يَدَهَا) أي: وطئ صفوان يد الرَّاحلة ليسهل الرُّكوب عليها فلا تحتاج إلى مساعد (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ) صفوان حال كونه (يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حال كونهم (مُعَرِّسِينَ) بفتح العين المهملة وكسر الرَّاء المشدَّدة، بعدها سين مهملة، نازلين (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) حين بلغت الشَّمس منتهاها من الارتفاع، وكأنَّها وصلت إلى النَّحر، وهو أعلى الصَّدر، أو أوَّلها، وهو وقت شدَّة الحرِّ (فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ) زاد أبو صالح: «في شأني» وفي رواية أبي أُوَيس عند الطَّبرانيِّ: فهنالك قال أهل الإفك فيَّ وفيه ما قالوا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ) أي: تصدَّى له وتقلَّده رأسُ المنافقين (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، و «ابنُ سلول» يُكْتَب بالألف والرَّفع؛ لأنَّ سَلول -بفتح السِّين غير منصرفٍ- عَلَمٌ لأمِّ عبد الله، فهو صفة لعبد الله، لا لأُبيٍّ، وأتباعه: مسطح بن أثاثة، وحسَّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وفي حديث ابن عمر: فقال عبد الله بن أُبيٍّ: فَجَرَ بها وربِّ

стр. 5515

الكعبة، وأعانه على ذلك جماعة وشاع ذلك في العسكر (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) مرضت (بِهَا شَهْرًا) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] «حين قدمتها» وزاد هنا بدلها: «بها» (والنَّاس يُفِيضُونَ) بضمِّ أوَّله؛ يشيعون (مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ) وسقط للحَمُّويي والمُستملي قوله: «والنَّاس» (وَيَرِيبُنِي) بفتح أوَّله مِنْ: رابه، ويجوز ضمُّه من: أرابه، أي: يشكِّكني ويوهمني (فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ) بضمِّ اللَّام وسكون الطَّاء، عند ابن الحطيئة عن أبي ذرٍّ، كذا في حاشية فرع «اليونينيَّة» كهي، وفي متنهما زيادة: «فتح اللَّام والطَّاء»، أي: الرِّفق (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ) بفتح الهمزة والرَّاء (إِنَّمَا يَدْخُلُ) ﵊ (فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فيقول»: (كَيْفَ تِيكُمْ؟!) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، وهي في الإشارة إلى المؤنَّث مثل: ذاكم في المذكر، قال في «التَّنقيح»: وهي تدلُّ على لطف من حيث سؤاله عنها، وعلى نوع جفاءٍ من قوله: «تيكم» (لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الَّذي يقوله أهل الإفك (حَتَّى نَقَهْتُ) بفتح النُّون والقاف، وقد تكسر، أي: أفقت من مرضي ولم تتكامل لي الصِّحَّة (فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح الطَّاء المهملتين، آخره حاء مهملة (قِبَلَ المَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، و «المناصع» بالصَّاد والعين المهملتين: موضعٌ خارج المدينة (مُتَبَرَّزُنَا) بفتح الرَّاء المشدَّدة وبالرَّفع، أي: وهو متبرَّزنا، أي: موضع قضاء حاجتنا، ولغير أبي ذرٍّ: «متبرَّزِنا» بالجرِّ بدلًا من «المناصعِ» (لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ) بضمِّ الكاف والنُّون، جمع كنيف وهو السَّاتر، والمراد به هنا: المكان المتَّخذ لقضاء الحاجة (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الواو وكسر اللَّام في الفرع وغيره نعتٌ للعرب، وفي نسخة: «الأَوَّلُ» بفتح الهمزة وتشديد الواو وضمِّ اللَّام، نعت للأمر. قال النَّوويُّ: وكلاهما صحيح، وقد ضبطه ابن الحاجب: بفتح الهمزة، وصرّح بمنع وصف الجمع بالضمِّ، ثمَّ خرَّجه على تقدير ثبوته، على أنَّ «العرب» اسم جمع تحته جموع، فيصير مفردًا بهذا التَّقدير، قال: والرِّواية الأولى أشهر وأقعد. انتهى. أي: لم يتخلَّقوا بأخلاق أهل الحاضرة والعجم في التَّبرُّز (فِي البَرِّيَّةِ) بفتح الموحَّدة وتشديد الرَّاء والمثنَّاة التَّحتيَّة، خارج المدينة (أَوْ فِي التَّنَزُّهِ) بمثنَّاة فوقيَّة فنون ثمَّ

стр. 5516

زاي مشدَّدة. طلب النَّزاهة، والمراد البعد عن البيوت، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) سلمى (بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ) حال كوننا (نَمْشِي) أي: ماشين، و «رُهْم»: بضمِّ الرَّاء وسكون الهاء، واسمه: أنيس (فَعَثَرَتْ) بالعين المهملة والمثلَّثة والرَّاء المفتوحات، أي: أمُّ مسطح (فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم، كساء من صوف أو خَزٍّ أو كتَّان، قاله الخليل (فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ) بكسر العين المهملة وفتح الفوقيَّة قبلها، آخره سين مهملة، وقد تُفتَح العين، وبه قيَّد الجوهريُّ، أي: كُبَّ لوجهه، أو هلك، أو لزمه الشَّرُّ (فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟!) وعند الطَّبرانيِّ: أتسبِّين ابنك وهو من المهاجرين الأوَّلين؟ (فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ) بفتح الهاء وسكون النُّون وقد تُفتَح، وبعد المثنَّاة الفوقيَّة ألفٌ ثمَّ هاء ساكنة في الفرع كأصله، وقد تُضَمُّ، أي: يا هذه، نداءٌ للبعيد، فخاطبتْها خطاب البعيد لكونها نسبتْها للبَلَهِ وقلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) (أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟! فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ (٢) الإِفْكِ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «أهل الإفك» (فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى) أي: مع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «على» (مَرَضِي) قال في «الفتح»: وعند سعيد بن منصور من مرسل أبي صالح: فقالت: وما تدرين ما قال؟ قالت: لا والله، فأخبرتها بما خاض فيه النَّاس فأخذتْها الحمَّى، وعند الطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أيُّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة قالت: لمَّا بلغني ما تكلَّموا به هممتُ (٣) أن آتي قليبًا، فأطرح نفسي فيه (فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي) أن آتي (إِلَى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا) بكسر القاف

стр. 5517

وفتح الموحَّدة، أي: من جهتهما (فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في ذلك (فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي) أمِّ رومان، زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] يا أمتاه (مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة مِنْ «يتحدَّث» ولأبي ذرٍّ: «ما يتحدَّث النَّاس به» بتقديم «النَّاس» على الجارِّ والمجرور (فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ) بالرَّفع، صفة لـ «امرأة»، أو بالنَّصب على الحال، واللَّام في لـ «قلَّ» للتَّأكيد، و «قلَّ»: فعلٌ ماضٍ دخلت عليه «ما» للتَّأكيد، والوضيئة: بالضَّاد المعجمة والهمزة والمدِّ على وزن: عظيمة من الوضاءة، وهي الحسن والجمال، وكانت عائشة ﵂ كذلك. ولمسلم من رواية ابن ماهان: «حظيَّة» من الحظوة، أي: وجيهة رفيعة المنزلة (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ) جمع ضرَّة، وزوجات الرَّجل ضرائر؛ لأنَّ كلَّ واحدة يحصل لها الضَّرر من الأخرى بالغيرة (إِلَّا أَكْثَرْنَ) أي: نساء ذلك الزَّمان (عَلَيْهَا) القول في عيبها ونقصها، فالاستثناء منقطع، أو بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أمِّ المؤمنين، فالاستثناء متَّصل، والأوَّل هو الرَّاجح لأنَّ أمَّهات المؤمنين لم يعبنها (١). سلَّمنا أنَّه متَّصل، لكنَّ المراد بعضُ أتباع الضَّرائر، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] فأطلق الإياس على الرُّسل، والمراد: بعض أتباعهم، وأرادت أمُّها بذلك أن تهوِّن عليها بعضَ (٢) ما سمعت، فإنَّ الإنسان يتأسَّى بغيره فيما يقع له، وطيَّبت خاطرها بإشارتها بما يُشْعِر بأنَّها فائقة الجمال والحظوة عنده ﷺ (فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجُّبًا من وقوع مثل ذلك في حقِّها مع براءتها المحقَّقة عندها، وقد نطق القرآن الكريم بما تلَّفظت به، فقال تعالى عند ذكر ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟!) بالمضارع المفتوح الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «تحدَّث النَّاس (٣)» بالماضي، وفي رواية هشام بن عروة عند البخاريِّ [خ¦٤٧٥٧] فاستعبرت فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الَّذي ذُكِرَ من شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنيَّة إلَّا رجعتِ إلى بيتك، فرجعت (قَالَتْ) أي: عائشة: (فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ) بالقاف والهمزة، أي: لا ينقطع (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) لأنَّ الهموم موجبة للسَّهر وسيلان الدُّموع. وفي «المغازي» [خ¦٤١٤٣]

стр. 5518

عن مسروق عن أمِّ رومان: «قالت عائشة: سمعَ رسولُ الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرَّت مغشيًّا عليها، فما أفاقت إِلَّا وعليها حمًّى بنافض (١)، فطرحتْ عليها ثيابها فغطَّتها» (ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله تعالى عنه (وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ) حال كونه (يَسْتَشِيرُهُمَا) لعلمه بأهليَّتهما للمشورة (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) لم تقل: في فراقي، لكراهتها التَّصريح بإضافة الفراق إليها، و «الوحيُ» بالرَّفع في الفرع، أي: طال لبث نزوله. وقال ابن العراقيِّ: ضبطناه بالنَّصب على أنَّه مفعول لقوله: «استلبث» أي: استبطأ النَّبيُّ ﷺ الوحي، وكلام النَّوويِّ يدلُّ على الرَّفع (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ) ﷺ (بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ): هم (أَهْلُكَ) العفائف اللَّائقات بك، وعبَّر بالجمع إشارة إلى تعميم أمَّهات المؤمنين بالوصف المذكور، أو أراد تعظيم عائشة، وليس المراد أنَّه تبرَّأ من الإشارة، ووكل الأمر في ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ ، وإنَّما أشار وبرَّأها. وجوَّز بعضهم النَّصب، أي: أمسكْ أهلَكَ، لكنَّ الأَولى الرَّفع، لرواية معمر حيث قال: «هم أهلك» (يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللهِ إِلَّا خَيْرًا) إنَّما حلف ليقوِّي عنده ﵊ براءتَها ولا يشكَّ، وسقط لفظ «والله» لأبي ذرٍّ (وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ) وللحَمُّويي والمُستملي (٢): «لم يُضَيَّق عليك» بحذف الفاعل للعلم به، وبناء الفعل للمفعول (وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) بصيغة التَّذكير للكلِّ على إرادة الجنس، وللواقديِّ: قال له (٣): قد أحلَّ الله لك وأطاب، طلِّقها وانكح غيرها، وإنَّما قال لما رأى عنده ﵊ من القلق والغمِّ لأجل ذلك، وكان شديد الغَيرة صلوات الله وسلامه عليه، فرأى عليٌّ (٤) أنَّ بفراقها يسكن ما عنده بسببها إلى أن يتحقَّق براءتها، فيراجعها، فبذل النَّصيحة لإراحته، لا عداوةً لعائشة. وقال في «بهجة النُّفوس» ممَّا قرأته فيه (٥): لم يجزم عليٌّ بالإشارة بفراقها، لأنَّه عقَّب (٦) ذلك

стр. 5519

بقوله: (وَسَلِ الجَارِيَةَ) بريرة (تَصْدُقْكَ) بالجزم على الجزاء، ففوَّض عليٌّ الأمر في ذلك إلى نظره ﵊، فكأنَّه قال: إن أردت تعجيل الرَّاحة ففارقْها، وإن أردت خلاف ذلك، فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطَّلع على براءتها؛ لأنَّه كان يتحقَّق أنَّ بريرة لا تخبره إلَّا بما علمتْه، وهي لم تعلم من عائشة إلَّا البراءة المحضة (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ) قال الزَّركشيُّ: قيل: إنَّ هذا وهم، فإنَّ بريرة إنَّما اشترتها عائشة، وأعتقتها قبل ذلك، ثمَّ قال: والمخلص من هذا الإشكال أنَّ تفسير الجارية ببريرة مدرَج في الحديث من بعض الرُّواة ظنًّا منه أنَّها هي (١). قال (٢) في «المصابيح»: وهذا -أي: الَّذي قاله الزَّركشيُّ- ضِيقُ عَطنٍ، فإنَّه لم يرفع (٣) الإشكال إلَّا بنسبة الوهم إلى الرَّاوي، قال: والمخلص عندي من الإشكال الرَّافع لتوهيم الرُّواة وغيرهم أن يكون إطلاق الجارية على بريرة وإن كانت معتَقَة إطلاقًا مجازيًّا باعتبار ما كانت عليه، فاندفع الإشكال ولله الحمد. انتهى. وهذا الَّذي قاله في «المصابيح» بناء على أسبقيَّة عتق بريرة، وفيه نظر؛ لأنَّ قصَّتها إنَّما كانت بعد فتح مكَّة؛ لأنَّها لمَّا خُيِّرت فاختارت نفسها كان زوجها يتبعها (٤) في سكك المدينة، يبكي عليها، فقال رسول الله ﷺ للعبَّاس: «يا عبَّاس، ألا تعجب من حبِّ مغيث بريرة؟!» ففيه دلالة على أنَّ قصَّة بريرة كانت متأخِّرة في السَّنة التَّاسعة أو العاشرة؛ لأنَّ العبَّاس إنَّما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطَّائف، وكان ذلك في أواخر (٥) سنة ثمانٍ، ويؤيِّد ذلك قول ابن عبَّاس: إنَّه شاهد ذلك، وهو إنَّما قدم المدينة مع أبويه، وأيضًا فقول عائشة: «إن شاء مواليك أن أعدَّها لهم عدَّة واحدة» فيه إشارة إلى وقوع ذلك في آخر الأمر؛ لأنَّهم كانوا في أوَّل الأمر في غاية الضِّيق ثمَّ حصل لهم التَّوسع بعد الفتح، وقصَّة الإفك في المريسيع سنة ستٍّ أو سنة أربع، وفي ذلك ردٌّ على من زعم أنَّ قصَّتها كانت

стр. 5520

متقدِّمة قبل قصَّة الإفك، وحمله على ذلك قوله هنا: فدعا رسول الله ﷺ بريرة. وأُجيبَ: باحتمال أنَّها كانت تخدم عائشة قبل شرائها، أو اشترتها وأخَّرت عتقها إلى بعد الفتح، أو دام حزن زوجها عليها مدَّة طويلة، أو كان حصل لها الفسخ وطلبت أن تردَّه بعقد جديد، أو كانت لعائشة ثمَّ باعتها، ثمَّ استعادتها بعد الكتابة (فَقَالَ) ﵊: (يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ؟) بفتح أوَّله، يعني: من جنس ما قيل فيها، فأجابت على العموم، ونفت عنها كلَّ ما كان من النَّقائص من جنس ما أراد ﷺ السؤال عليه وغيره (فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ) بكسر الهمزة، أي: ما رأيت (مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ) بهمزة مفتوحة فغين معجمة ساكنة فميم مكسورة فصاد مهملة أعيبه (عَلَيْهَا) في كلِّ أمورها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قطُّ» (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنِ العَجِينِ) لأنَّ الحديث السِّنِّ يغلبه النَّوم ويكثر عليه (فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ) بدال مهملة ثمَّ جيم الشَّاة الَّتي تألف البيوت، ولا تخرج إلى المرعى، وفي رواية مِقْسَم مولى ابن عبَّاس عن عائشة عند الطَّبرانيِّ: ما رأيت منها شيئًا منذ كنت عندها إلَّا أنِّي عجنت عجينًا لي، فقلت: احفظي هذه العجينة حتَّى أقتبس نارًا لأخبزها (١)، فغفلت، فجاءت الشَّاة فأكلتْها، وهو تفسير المراد بقولها: «فتأتي الدَّاجن» وهذا موضع التَّرجمة، لأنَّه ﵊ سأل بريرة عن حال عائشة، وأجابت ببراءتها، واعتمد النَّبيُّ ﷺ على قولها حين خطب فاستعذر من ابن أُبيٍّ، لكنْ قال القاضي عياض: وهذا ليس ببيِّن، إذ لم تكن شهادة، والمسألة المختلف فيها إنَّما هي في تعديلهنَّ للشَّهادة، فمنع من ذلك مالك والشَّافعي ومحمَّد بن الحسن، وأجازه أبو حنيفة في المرأتين والرَّجل لشهادتهما في المال، واحتجَّ الطَّحاويُّ لذلك بقول زينب في (٢) عائشة وقول عائشة في زينب، فعصمها الله بالورع، قال: ومن كانت بهذه الصِّفة جازت شهادتها، وتُعُقِّبَ: بأنَّ إمامه أبا حنيفة لا يجيز شهادة النِّساء إِلَّا في مواضع مخصوصة، فكيف يُطْلِق جواز تزكيتهنَّ؟ (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ) على المنبر خطيبًا (فَاسْتَعْذَرَ) بالذَّال المعجمة (مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يَعْذِرُنِي) بفتح حرف المضارعة وكسر الذَّال المعجمة: من يقوم بعذري إن كافأته على قبيح فعله ولا يلومني (٣)؟ أو من ينصرني (مِنْ

стр. 5521

رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) زاد الطَّبرانيُّ (١) في روايته: «صالحًا» (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) وهو سيِّد الأوس، وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت «ابن معاذ». واستُشكِل ذكر سعد بن معاذ هنا: بأنَّ حديث الإفك كان سنة ستٍّ في غزوة المريسيع كما ذكره ابن إسحاق، وسعد بن معاذ مات سنة أربع من الرَّمية التي رُمِيَها بالخندق. وأُجيبَ: بأنَّه اختُلِفَ في المريسيع، وقد حكى البخاريُّ عن موسى بن عقبة: أنَّها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق، فتكون المريسيع قبلها، لأنَّ ابن إسحاق جزم بأنَّها كانت في شعبان وأنَّ الخندق كانت في شوَّال، فإن كانا في سنة استقام ذلك، لكنَّ الصَّحيح في النَّقل عن موسى بن عقبة: أنَّ المريسيع سنة خمس، فما في البخاريِّ عنه من أنَّها سنة أربع سَبْقُ قلم، والرَّاجح أنَّ الخندق أيضًا في سنة خمس خلافًا لابن إسحاق، فيصحُّ الجواب. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «والله أنا» (أَعْذِرُكَ مِنْهُ) بكسر الذَّال (إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ) قبيلتنا (ضَرَبْنَا عُنُقَهُ) وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان سيِّدهم -كما مرَّ- فجزم بأنَّ حكمه فيهم نافذ، ومن آذاه ﷺ وجب قتله (وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ) «مِنْ» الأولى تبعيضيَّة، والثَّانية بيانيَّة، ولأبي ذرٍّ: «من إخواننا الخزرج» بإسقاط (٢) البيانيَّة (أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ) وإنَّما قال ذلك، لما كان بينهم من قبل، فبقيْت فيهم بعض أنَفَة أن يحكم بعضهم في بعض، فإذا أمرهم النَّبيُّ ﷺ بأمر (٣) امتثلوا أمره (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) شهد العقبة وكان أحد النُّقباء، ودعا له ﷺ ، فقال: «اللهمَّ اجعل صلواتِك ورحمتَك على آل سعد بن عبادة» رواه أبو داود (وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ) بعد أن فرغ سعد بن معاذ من مقالته (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) أي: كاملًا في الصَّلاح (وَلَكِنِ) لأبوي ذرٍّ

стр. 5522

في رواية أبي أسامة في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] «أما والله لو كان من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم» (لَعَمْرُ اللهِ) بفتح العين، أي: وبقاء الله (لَا تَقْتُلُهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «والله لا تقتله» قال في «الفتح»: وفسَّر قوله: «لا تقتلُه» بقوله: (وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ) لأنّا نمنعك منه، ولم يُرِدْ سعد بن عبادة الرِّضا بما نُقِل عن عبد الله بن أُبيٍّ، ولم تُرِدْ عائشة ﵂ أنَّه ناضل عن المنافقين، وأما قولها: «وكان قبل (١) ذلك رجلًا صالحًا» أي: لم يتقدَّم منه ما يتعلَّق بالوقوف مع أنفة الحميَّة، ولم تغمصه في دينه، لكنْ كان بين الحيَّين مشاحنة قبل الإسلام، ثمَّ زالت بالإسلام، وبقي بعضها بحكم الأنَفَة، فتكلَّم سعد بن عبادة بحكم الأنفة، ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ. وقد وقع في بعض الرِّوايات بيان السَّبب الحامل لسعد بن عبادة على مقالته هذه لابن معاذ. ففي رواية ابن إسحاق: فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة إلَّا أنَّك علمت أنَّه من الخزرج، وفي رواية يحيى بن عبد الرَّحمن (٢) بن حاطب عند الطَّبرانيِّ: فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله ﷺ ، ولكنَّها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهليَّة وإحن (٣) لم تحلل لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردت. وقال في «بهجة النُّفوس»: إنَّما قال سعد بن عبادة لابن معاذ: «كذبت لا تقتله»، أي: لا تجد لقتله من سبيل لمبادرتنا قبلك لقتله، ولا تقدر على ذلك، أي: لو امتنعنا من النُّصرة فأنت لا تستطيع أن تأخذه من بين أيدينا لقوَّتنا. قال: وهذا في غاية النُّصرة إذ إنَّه يخبر أنَّه في غاية (٤) القوَّة والتَّمكين، بحيث لا يقدر له الأوس مع قوَّتهم وكثرتهم، ثمَّ هم مع ذلك تحت السَّمع والطَّاعة للنَّبيِّ ﷺ ، فحملته الحميَّة مثل ما احتملت (٥) الأوَّل أو أكثر، فلم يستطع أن يرى غيره قام في نصرته ﷺ وهو قادر عليها، فقال لابن معاذ ما قال، وإنَّما قالت عائشة: «ولكن احتملته الحميَّة» لتبيِّن شدَّة نصرته في القضيَّة (٦) مع إخبارها بأنَّه صالح، لأنَّ الرَّجل

стр. 5523

الصَّالح أبدًا يُعرَف منه السُّكون والنَّاموس، لكنَّه زال عنه ذلك من شدَّة ما توالى عليه من الحميَّة لنبيِّه ﷺ . انتهى. وهو محمل حسن، ينفي ما في ظاهر اللَّفظ ممَّا لا يخفى. (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُسَيد» والحاء المهملة وفتح المعجمة من «الحُضَير» مصغَّرين، ولأبي ذرٍّ: «ابن حُضَير» زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] وهو ابن عمِّ سعد بن معاذ، أي: من رهطه (١) (فَقَالَ) لابن عبادة: (كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) أي: ولو كان من الخزرج، إذا أمرنا رسول الله ﷺ بذلك، وليست لكم قدرةٌ على منعنا، قابَلَ قوله لابن معاذ: «كذبت لا تقتله» بقوله: «كذبت لنقتلنَّه» (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ) قال له ذلك مبالغة في زجره عن القول الَّذي قاله، أي: إنَّك تصنع صنيع المنافقين، وفسَّره بقوله: (تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ) قال المازريُّ: لم يرد نفاق الكفر، وإنَّما أراد أن يظهر الودَّ للأوس، ثمَّ ظهر منه في هذه القصَّة (٢) ضدَّ ذلك، فأشبه حال المنافق (٣)؛ لأنَّ حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، وقال ابن أبي جمرة: وإنَّما صدر ذلك منهم لأجل قوَّة حال الحميَّة الَّتي غطَّت على قلوبهم حين سمعوا ما قال ﷺ ، فلم يتمالك أحد منهم إِلَّا قام في نصرته؛ لأنَّ الحال إذا ورد على القلب ملكه، فلا يرى غير ما هو لسبيله، فلمَّا غلبهم حال الحميَّة لم يراعوا الألفاظ، فوقع منهم السِّباب والتَّشاجر لغيبتهم لشدَّة انزعاجهم في النُّصرة. (فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ) بمثلَّثة، والحيّان -بمهملة فتحتيَّة مشدَّدة- تثنية حيٍّ، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حَتَّى هَمُّوا) زاد في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] أن يقتتلوا (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ) ﵊ (وَبَكَيْتُ يَوْمِي) بكسر الميم وتخفيف الياء (لَا يَرْقَأُ) بالهمزة، لا يسكن ولا ينقطع (لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) لأنَّ الهمَّ يوجب السَّهر وسيلان الدُّموع (٤) (فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ) أبو بكر الصِّدِّيق وأمُّ رومان، أي: جاءا إلى المكان الَّذي هي فيه من بيتهما (قَدْ) ولأبوي ذرٍّ

стр. 5524

والوقت (١): «وقد» (بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليلتي» بالإفراد (وَيَوْمًا) ولأبي الوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ويومي» بكسر الميم وتخفيف الياء ونسبتْهما إلى نفسها لما وقع لها فيهما. وقال الحافظ ابن حجر: في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ: «ليلتين ويومًا»، أي: اللَّيلة الَّتي أخبرتْها فيها أمُّ مسطح الخبر، واليوم الَّذي خطب فيه ﵊ النَّاس والَّتي تليه (حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا) أي: أبواها (جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي) جملة حالية (إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي) تفجُّعًا لما نزل بعائشة وتحزُّنًا عليها (فَبَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي أسامة عن هشام في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٧] فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتَّى دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد صلَّى العصر، ثمَّ دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي (فَجَلَسَ) ﵊ (وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ) بتشديد الياء، ولأبي ذرٍّ: «يومٍ (٢)» بالتَّنوين، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لي» (مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي) أمري وحالي (شَيْءٌ) ليُعلم المتكلِّم من غيره، ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيء». (قَالَتْ) عائشة: (فَتَشَهَّدَ) ﵊، وفي رواية هشام بن عروة: [خ¦٤٧٥٧] «فحمد الله وأثنى عليه» (ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) كناية عمَّا رُمِيَت به من الإفك (فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) بوحي ينزله (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ (٣): «بذنب» أي: وقع منك على خلاف العادة (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ) وفي رواية أبي أويس عند الطَّبرانيِّ: «إنَّما أنتِ من بنات آدم، إن كنت أخطأت فتوبي» (فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ) أي: منه إلى الله (تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي) بفتح القاف واللَّام، آخره صاد مهملة، أي: انقطع، لأنَّ الحزن والغضب إذا أخذا حدَّهما فُقِدَ الدَّمع لفرط حرارة المصيبة (حَتَّى مَا أُحِسُّ) بضمِّ الهمزة وكسر المهملة، أي: ما أجد

стр. 5525

(مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَتْ) عائشة (١): (وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ) بكسر «إنِّي» (لَا تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذر: «لا تصدقونني» (بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي (٢) بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي) بضمِّ القاف وإدغام إحدى النُّونين في الأخرى (وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ) يعقوب ﵍ (إِذْ) أي: حين (قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: فأَمْرِي صبرٌ جميل لا جزع فيه على هذا الأمر (٣)، وفي مرسل حبَّان بن أبي جبلة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: «صبر لا شكوى فيه» أي: إلى الخلق، قال صاحب «المصابيح»: إنَّه رأى في بعض النُّسخ: «صبرٌ» بغير فاء مصحَّحًا عليه، كرواية ابن إسحاق في «سيرته» (﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: على ما تذكرون عنِّي ممَّا يعلم الله براءتي منه. (ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي) زاد ابن جرير (٤) في روايته: «وولَّيت وجهي نحو الجدار» (وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ) بتخفيف النُّون (وَاللهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ) الله -بضمِّ أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- وحُذِفَ الفاعل للعلم به (فِي شَأْنِي وَحْيًا) زاد في رواية يونس: «يتلى» (وَلأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ فِي أَمْرِي) بضمِّ ياء «يُتَكَلَّم». وعند ابن إسحاق: «يُقْرَأُ في المساجد ويُصلَّى به» (وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا، يُبَرِّئُنِي اللهُ)

стр. 5526

بها، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «تُبرِّئني» بالمثنَّاة الفوقيَّة وحَذْفِ الفاعل (فَوَاللهِ مَا رَامَ) أي: ما فارق ﷺ (مَجْلِسَهُ، (١) وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ) أي: الَّذين كانوا إذ ذاك حضورًا (حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتى أنزل عليه الوحي» (فَأَخَذَهُ) ﵊ (مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء ثمَّ مهملة ممدودًا، العَرَق من شدَّة ثِقَل الوحي (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ) بتشديد الدَّال واللَّام للتَّأكيد، أي: ينزل ويقطر (مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ) بكسر الميم وسكون المثلَّثة مرفوعًا، و «الجُمَان»: بضمِّ الجيم وتخفيف الميم، أي: مثل اللُّؤلؤ (مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، أي: كُشِفَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ) سرورًا (فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا) بنصب «أوَّلَ» (أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللهَ) وعند التِّرمذيِّ: البشرى يا عائشة (٢)، احمدي الله (فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ) أي: ممَّا نسبه أهل الإفك إليك بما أنزل من القرآن (فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قالت» (لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لأجل ما بشَّرك به (فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ) الَّذي أنزل براءتي، وأنعم عليَّ بما لم أكن (٣) أتوقَّعه من أن يتكلَّم الله فيَّ بقرآن يُتلى، وقالت ذلك إدلالًا عليهم وعتبًا، لكونهم شكُّوا في حالها مع علمهم بحسن طرائقها وجميل أحوالها، وارتفاعها عمَّا نُسِبَ إليها ممَّا لا حجَّة فيه ولا شبهة (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾) بأبلغ ما يكون من الكذب (﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١]) جماعةٌ من العشرة إلى الأربعين، والمراد: عبد الله بن أبيٍّ، وزيد بن رفاعة، وحسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم (الآيَاتِ) في براءتها وتعظيم شأنها وتهويل الوعيد لمن تكلَّم فيها، والثَّناء على من ظنَّ فيها خيرًا.

стр. 5527

(فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ) (هَذَا فِي بَرَاءَتِي) وطابت النُّفوس المؤمنة، وتاب إلى الله تعالى من كان تكلَّم من المؤمنين في ذلك، وأُقيمَ الحدُّ على من أُقيمَ عليه (قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ) بكسر الميم وسكون المهملة، و «أُثاثة»: بضمِّ الهمزة ومثلَّثتين بينهما ألف (لِقَرَابَتِهِ) أي: لأجل قرابته (مِنْهُ) وكان ابن خالة الصِّدِّيق، وكان مسكينًا لا مال له: (وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيء» (أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ) أي: عنها من الإفك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) يعطِّف الصِّدِّيق عليه: (﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) أي: لا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾) أي: من الطَّول والإحسان والصَّدقة (﴿وَالسَّعَةِ﴾) في المال (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما تَغفر يُغفَر لك، وكما تَصفح يُصفَح عنك (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق عند ذلك: (بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ) بتخفيف الجيم (إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ) من النَّفقة، و «يُجري»: بضمِّ أوَّله. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ) ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت: «سأل» بلفظ الماضي (زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) أمَّ المؤمنين (عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ؟) على عائشة (مَا رَأَيْتِ) منها؟ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي) من أن أقول: سمعت ولم أسمع (وَبَصَرِي) من أن أقول: بصرت (١) ولم أبصر (وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ) أي: عائشة: (وَهْيَ) أي: زينب (الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) بضمِّ التَّاء وبالسِّين المهملة، أي: تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عند النَّبيِّ ﷺ مفاعلة من السُّموِّ وهو الارتفاع (فَعَصَمَهَا اللهُ) أي: حفظها الله ومنعها (بِالوَرَعِ) أي: بالمحافظة على دينها أن تقول بقول أهل الإفك. (قَالَ) أبو الرَّبيع سليمان بن داود شيخ المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان المذكور (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث فُلَيح عن الزهري عن عروة. (قَالَ) أي: أبو الرَّبيع أيضًا: (وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) المذكور (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) شيخ مالك الإمام (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنِ القَاسِمِ بْنِ

стр. 5528

مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (مِثْلَهُ (١)) والحاصل: أنَّ فُليحًا روى الحديث عن هؤلاء الأربعة. لطيفة: قال الصَّلاح الصَّفديُّ: رأيت بخطِّ ابن خَلِّكانَ: أنَّ مسلمًا ناظر نصرانيًّا، فقال له النَّصرانيُّ في خلال كلامه محتقنًا (٢) في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم، كيف كان وجه زوجة نبيِّكم عائشة في تخلُّفها عن الرَّكب عند نبيِّكم معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصرانيُّ، كان وجهها كوجه بنت عمران لمَّا أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة زوج نبيّنا، فانقطع النَّصرانيُّ ولم يُحِرْ جوابًا. وقد أخرج المؤلِّف الحديث في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٢] و «الجهاد» [خ¦٢٨٧٩] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٠] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٣٧] أيضًا، ومسلم في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء» و «التَّفسير» وبقيَّة ما فيه من المباحث والفوائد تأتي إن شاء الله تعالى، والله الموفِّق والمعين (٣). (١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا زَكَّى رَجُلٌ) واحد (رَجُلًا كَفَاهُ) فلا يحتاج إلى آخر معه، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة والمالكيَّة، وهو قول محمَّد بن الحسن اشتراط اثنين (وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ) بفتح الجيم وكسر الميم، واسمه: سُنَين -بضمِّ السِّين المهملة وفتح النُّون الأولى مصغَّرًا- فيما رواه البخاريُّ [خ¦٤٣٠١] (وَجَدْتُ مَنْبُوذًا) بالذَّال المعجمة، أي: لقيطًا ولم يُسَمَّ (فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ) بن

стр. 5529

الخطَّاب ﵁ (قَالَ: عَسَى الغُوَيْرُ) بضمِّ الغين المعجمة، تصغير غار (أَبْؤُسًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة، بعدها همزة مضمومة فسين مهملة، جمع بؤس، وانتصب على أنَّه خبر لـ «يكون» محذوفة، أي: عسى الغُويَر أن يكون أبؤسًا، وهو مَثَل مشهور يقال فيما (١) ظاهره السَّلامة ويخشى منه العطب، وأصله كما قال الأصمعيُّ: أنَّ ناسًا دخلوا يبيتون في غار فانهار عليهم فقتلهم، وقيل: أوَّل من تكلَّم به الزَّبَّاء -بفتح الزَّاي وتشديد الموحَّدة ممدودًا- لما عدل قُصَيرٌ بالأحمال عن الطَّريق المألوفة، وأخذ على الغُوَير أبؤسًا، أي: عساه أن يأتي بالبأس والشَّرِّ، وأراد عمر بالمَثَل: لعلَّك زنيتَ بأمِّه وادَّعيته لقيطًا، قاله ابن الأثير، وقد سقط قوله «قال: عسى الغُوَير أبؤسًا» لغير الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ (كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي) أي: كأنَّ عمر يتَّهم أبا جميلة. قال ابن بطَّال: أن يكون ولده أتى به ليفرض له في بيت المال (قَالَ عَرِيفِي) القيِّم بأمور القبيلة والجماعة من النَّاس، يلي أمورهم، ويعرِّف الأمير أحوالهم، واسمه: سنان فيما ذكره الشَّيخ أبو حامد الإسفرايينيُّ في «تعليقه»: (إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ) عمر لعريفه: (كَذَاكَ) هو صالح مثل ما تقول؟ قال: نعم، فقال: (اذْهَبْ) به، زاد مالك: «فهو حرٌّ ولك ولاؤه»، أي: تربيته وحضانته (وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) أي: في بيت المال، بدليل رواية البيهقيِّ: «ونفقته في بيت المال». وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ عمر اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله: «كذاك» ولذا (٢) قال: «اذهب وعلينا نفقته». ٢٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلام» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد

стр. 5530

الثَّقفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالمهملة والمعجمة ممدودًا، ابن مهران البصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيع بن الحارث الثَّقفيِّ أنَّه (قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ) لم يُسَمَّيا، ويحتمل كما قال في «المقدمة» و «الفتح»: أن يُسَمَّى المُثْنِي بمحجن بن الأدرع، والمُثْنَى عليه بعبد الله ذي البجادين، كما سيأتي في «الأدب» [خ¦٦١٦٢] إن شاء الله تعالى (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَيْلَكَ) نُصِبَ بعامل مقدَّر من غير لفظه (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ) مرَّتين، وهو استعارة من قطع العنق الَّذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك، قالها (مِرَارًا. ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ) بفتح الميم لا بدَّ (فَلْيَقُلْ: أَحْسَِبُ) بكسر عين الفعل وفتحه، أي: أظنُّ (فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ) أي: كافيه، فعيل بمعنى فاعل (وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا) أي: لا أقطع له على عاقبته، ولا على ما في ضميره؛ لأنَّ ذلك مُغَيَّب عنَّا (أَحْسَِبُهُ) أي: أظنُّه (كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ) أي: يظنُّه (مِنْهُ) فلا يقطع بتزكيته؛ لأنَّه لا يطَّلع على (١) باطنه إِلَّا الله تعالى. ووجه المطابقة أنَّه ﷺ اعتبر تزكية الرَّجل إذا اقتصد، لأنَّه لم يعب عليه إِلَّا الإسراف والتَّغالي في المدح. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٦٢]، ومسلمٌ في آخر الكتاب، وأبو داود وابن ماجه في «الأدب». (١٧) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ) بكسر الهمزة، أي: المبالغة (فِي المَدْحِ، وَلْيَقُلْ) أي: المادح في الممدوح (مَا يَعْلَمُ) ولا يتجاوزه (٢).

стр. 5531

٢٦٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بالصَّاد والحاء المهملتين، بينهما موحَّدة مشدَّدة فألف، البزَّار أبو جعفر البغداديُّ الثقة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مرَّة الخُلْقانيُّ -بضمِّ الخاء المعجمة وسكون اللَّام بعدها قاف- الكوفيُّ الملقَّب بشَقُوصا -بفتح الشِّين المعجمة وضمِّ القاف المخفَّفة وبالصَّاد المهملة- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء مصغَّرًا (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر، أو اسمُه كنيتُه (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ) لم يُسَمَّيا، أو هما محجن وذو (١) البجادين السَّابقان في الباب السَّابق (٢) (وَيُطْرِيهِ) بضمِّ أوَّله من الإطراء، أي: يبالغ (فِي مَدْحِهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في المدح» (فَقَالَ) ﵊: (أَهْلَكْتُمْ، أَوْ) قال: (قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ) خاف عليه العُجْب، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولم يأتِ المؤلِّف بما يدلُّ لجزء التَّرجمة الأخير، ويحتمل أن يقال: إنَّ الَّذي يُطْنِب لا بدَّ أن يقول ما لا يعلم، أو أنَّ حديثي أبي بكرة وأبي موسى متَّحدان، وقد قال في حديث أبي بكرة: «إن كان يعلم ذلك منه»، ولا كراهة في مدح الرَّجل الرَّجل في وجهه، إنَّما المكروه الإطناب. (١٨) (بابُ) حدِّ (بُلُوغِ الصِّبْيَانِ، وَ) حكم (شَهَادَتِهِمْ) هل هي معتبرة أم لا؟ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾) الَّذين إنَّما كانوا يستأذنون في العورات الثَّلاث (﴿مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]) على كل حال، يعني بالنِّسبة إلى أجانبهم، وإلى الأحوال الَّتي يكون الرَّجل مع أهله، وإن لم

стр. 5532

يكن في الأحوال الثَّلاث، قال الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيًّا فإنَّه يستأذن في العورات الثَّلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كلِّ حال. (وَقَالَ مُغِيرَةُ) بن مقسم الضَّبِّيُّ الفقيه الأعمى الكوفيُّ: (احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ اثنتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) وقد قالوا: إنَّ عمرو بن العاص لم يكن بينه وبين ابنه عبد الله في السِّنِّ سوى اثنتي عشرة سنة. (وَبُلُوغِ النِّسَاءِ) بجرِّ «بلوغ» عطفًا على قوله: «بلوغِ الصِّبيان» فهو من التَّرجمة، والَّذي في الفرع الرَّفعُ مبتدأٌ، وخبره قوله: (فِي الحَيْضِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إلى الحيض» (لِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] إِلَى قَوْلِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «﴿مِن نِّسَائِكُمْ﴾» إلى قوله: (﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) فعلَّق الحكم في العدَّة بالأقراء على حصول الحيض، وأمَّا قبله وبعده، فبالأشهر، فدلَّ على أنَّ وجود الحيض ينقل الحكم، وقد أجمعوا على أنَّ الحيضَ بلوغٌ في حقِّ النِّساء، قاله في «الفتح». (وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ) الهَمْدانيُّ الكوفيُّ العابد، ممَّا وصله الدِّينوريُّ في «المجالسة» من طريق يحيى بن آدم عنه: (أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً) نصبٌ بدلًا (١) من «جارة» (بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) زاد أبو ذرٍّ في روايته عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «سنةً» و «بنتَ» نصبٌ صفة لجدَّة، وزاد في «المجالسة»: «وأقلُّ أوقات الحمل تسع سنين». انتهى. وقال الشَّافعيُّ: أعجل ما (٢) سمعت من النِّساء يحضن نساء تهامة لتسع سنين، وقال أيضًا: إنَّه رأى جدَّةً بنتَ إحدى وعشرين سنة (٣)، وإنَّها حاضت لاستكمال تسع سنين، ووضعت بنتًا لاستكمال عشر، ووقع لبنتها مثل ذلك.

стр. 5533

٢٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، أبو قدامة السَّرخسيُّ، وجزم البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: بأنَّه عبيد بن إسماعيل بالتَّصغير أيضًا من غير إضافة، وهو الهبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ أحد مشايخ البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ) في شوَّال سنةَ ثلاث (وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي) بضمِّ أوَّله من الإجازة. وقال الكِرمانيُّ: فلم يثبتني في ديوان المقاتلين ولم يقدِّر لي رزقًا مثل أرزاق الأجناد، وكان مقتضى السِّياق أن يقول: عرضه فلم يجزه، بدل قوله: «فلم يجزني»، و (١) أن يقول: ثمَّ عرضه، بدل قوله: «عرضني» كالأولى، لكنَّه على طريق الالتفات أو التَّجريد، وقد وقع في رواية يحيى (٢) القطَّان عن عبيد (٣) الله بن عمر في «المغازي» [خ¦٤٠٩٧] فلم يجزه، ولمسلمٍ عن ابن نُمير عن أبيه عن عبيد (٤) الله: عرضني رسول الله ﷺ يوم أُحُد في القتال فلم يجزني، وله أيضًا من رواية إدريس وغيره عن عبيد الله: فاستصغرني (ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ) سنة خمس، وجنح المؤلِّف إلى قول موسى بن عقبة: أنَّ الخندق في شوَّال سنة أربع، والمرجَّحُ قول ابن إسحاق وأكثر أهل السِّير: إنَّ الخندق سنة خمس، لما (٥) سيأتي إن شاء الله تعالى (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ) زاد أبو الوقت وأبو ذرٍّ عن الحَمُّويي: «سنةً» واستُشكِل هذا على قول ابن إسحاق؛ إذ مقتضاه أن يكون سنُّ ابن عمر في الخندق ستَّ عشرة سنة (٦). وأجاب البيهقيُّ: بأنَّه كان في أُحُد دخل في أربع عشرة سنة،

стр. 5534

وفي الخندق تجاوزها، فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية (فَأَجَازَنِي) استدلَّ بذلك على أنَّ من استكمل خمس عشرة سنة قمرية تحديديَّة ابتداؤها من انفصال جميع الولد يكون بالغًا بالسِّنِّ، فتجري عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم، فيكلَّف بالعبادات وإقامة الحدود، ويستحقُّ سهم الغنيمة وغير ذلك من الأحكام، وقال المالكيَّة: ببلوغه ثمان عشرة سنة (١)، وبه قال أبو حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فسَّره ابن عبَّاس: بثمان عشرة (٢) سنة والجارية بسبع (٣) عشرة، لأنَّ نشوء الإناث وبلوغهنَّ أسرع، فنقص عن ذلك سنة. وقال أبو يوسف ومحمد: بخمس عشرة في الغلام والجارية، وهو رواية عن أبي حنيفة. قال ابن فرشتاه: وعليه الفتوى، لأنَّ العادة جارية على أنَّ البلوغ لا يتأخَّر عن هذه المدَّة. وأجاب بعض المالكية عن قصَّة ابن عمر: بأنَّها واقعةُ عينٍ لا عموم لها، فيحتمل أن يكون صادف أنَّه كان عند ذلك السِّنِّ قد احتلم، فأجازه، وقال آخر: الإجازة المذكورة حكم منوط بإطاقة القتال والقدرة عليه، فإجازته ﵊ ابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنَّه رآه مطيقًا للقتال في هذا السِّنِّ، ولمَّا عرضه وهو ابن أربع عشرة لم يره مطيقًا للقتال (٤) فردَّه، قال: فليس فيه دليل على أنَّه رأى عدم البلوغ في الأوَّل ورآه في الثَّاني. انتهى. وهذا مردودٌ بما أخرجه أبو عَوانة وابن حبَّان في «صحيحيهما»، وعبد الرَّزاق من وجه آخر عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن عمر عن (٥) نافع بلفظ: عُرِضْتُ على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعُرِضْتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني ورآني بلغت. قال الحافظ ابن حجر: وهذه زيادة صحيحة لا مطعن (٦) فيها لجلالة ابن جريج، وتقدمِّه على غيره في حديث نافع، وقد صرَّح

стр. 5535

بالتَّحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه، وقد نصَّ ابن عمر بقوله: «ولم يرني بلغت» وابن عمر أعلم بما روى من غيره لا سيما في قصَّة تتعلَّق به. (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بالإسناد السَّابق: (فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ) الَّذي حدّثه به ابن عمر (فَقَالَ: إِنَّ هَذَا) السِّنَّ وهو خمس عشرة (١) سنة (لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا) أي: يقدّروا (لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ) سنةً رزقًا في ديوان الجند. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «الحدود». ٢٦٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام، المدنيُّ (٢) الزُّهريُّ مولاهم (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، أبي محمَّد الهلاليِّ المدنيِّ مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ) لصلاتها (وَاجِبٌ) أي: كالواجب (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أي: بالغ، وفيه الإشارة إلى أنَّ البلوغ يحصل بالإنزال، فيُستفاد مقصود التَّرجمة بالقياس على سائر الأحكام من جهة تعلُّق الوجوب بالاحتلام. وقد تقدَّم هذا الحديث مع شرحه في «كتاب الجمعة» [خ¦٨٥٨]. (١٩) (بابُ سُؤَالِ الحَاكِمِ المُدَّعِي) بكسر العين وسكون التَّحتيَّة، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (٣) (هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟) تشهد بما تدّعي (قَبْلَ) عرض (اليَمِينِ) على المدّعى عليه؟ والمدَّعي هو من يخالف قوله الظَّاهر، والمدَّعى عليه من يوافقه، ولذلك جُعِلَت البيَّنة على المدَّعي، لأنَّها
следующие страницы →