← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

٢٦٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بالصَّاد والحاء المهملتين، بينهما موحَّدة مشدَّدة فألف، البزَّار أبو جعفر البغداديُّ الثقة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مرَّة الخُلْقانيُّ -بضمِّ الخاء المعجمة وسكون اللَّام بعدها قاف- الكوفيُّ الملقَّب بشَقُوصا -بفتح الشِّين المعجمة وضمِّ القاف المخفَّفة وبالصَّاد المهملة- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء مصغَّرًا (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر، أو اسمُه كنيتُه (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ) لم يُسَمَّيا، أو هما محجن وذو (١) البجادين السَّابقان في الباب السَّابق (٢) (وَيُطْرِيهِ) بضمِّ أوَّله من الإطراء، أي: يبالغ (فِي مَدْحِهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في المدح» (فَقَالَ) ﵊: (أَهْلَكْتُمْ، أَوْ) قال: (قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ) خاف عليه العُجْب، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولم يأتِ المؤلِّف بما يدلُّ لجزء التَّرجمة الأخير، ويحتمل أن يقال: إنَّ الَّذي يُطْنِب لا بدَّ أن يقول ما لا يعلم، أو أنَّ حديثي أبي بكرة وأبي موسى متَّحدان، وقد قال في حديث أبي بكرة: «إن كان يعلم ذلك منه»، ولا كراهة في مدح الرَّجل الرَّجل في وجهه، إنَّما المكروه الإطناب. (١٨) (بابُ) حدِّ (بُلُوغِ الصِّبْيَانِ، وَ) حكم (شَهَادَتِهِمْ) هل هي معتبرة أم لا؟ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾) الَّذين إنَّما كانوا يستأذنون في العورات الثَّلاث (﴿مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]) على كل حال، يعني بالنِّسبة إلى أجانبهم، وإلى الأحوال الَّتي يكون الرَّجل مع أهله، وإن لم

стр. 5532

يكن في الأحوال الثَّلاث، قال الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيًّا فإنَّه يستأذن في العورات الثَّلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كلِّ حال. (وَقَالَ مُغِيرَةُ) بن مقسم الضَّبِّيُّ الفقيه الأعمى الكوفيُّ: (احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ اثنتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) وقد قالوا: إنَّ عمرو بن العاص لم يكن بينه وبين ابنه عبد الله في السِّنِّ سوى اثنتي عشرة سنة. (وَبُلُوغِ النِّسَاءِ) بجرِّ «بلوغ» عطفًا على قوله: «بلوغِ الصِّبيان» فهو من التَّرجمة، والَّذي في الفرع الرَّفعُ مبتدأٌ، وخبره قوله: (فِي الحَيْضِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إلى الحيض» (لِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] إِلَى قَوْلِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «﴿مِن نِّسَائِكُمْ﴾» إلى قوله: (﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) فعلَّق الحكم في العدَّة بالأقراء على حصول الحيض، وأمَّا قبله وبعده، فبالأشهر، فدلَّ على أنَّ وجود الحيض ينقل الحكم، وقد أجمعوا على أنَّ الحيضَ بلوغٌ في حقِّ النِّساء، قاله في «الفتح». (وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ) الهَمْدانيُّ الكوفيُّ العابد، ممَّا وصله الدِّينوريُّ في «المجالسة» من طريق يحيى بن آدم عنه: (أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً) نصبٌ بدلًا (١) من «جارة» (بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) زاد أبو ذرٍّ في روايته عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «سنةً» و «بنتَ» نصبٌ صفة لجدَّة، وزاد في «المجالسة»: «وأقلُّ أوقات الحمل تسع سنين». انتهى. وقال الشَّافعيُّ: أعجل ما (٢) سمعت من النِّساء يحضن نساء تهامة لتسع سنين، وقال أيضًا: إنَّه رأى جدَّةً بنتَ إحدى وعشرين سنة (٣)، وإنَّها حاضت لاستكمال تسع سنين، ووضعت بنتًا لاستكمال عشر، ووقع لبنتها مثل ذلك.

стр. 5533

٢٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، أبو قدامة السَّرخسيُّ، وجزم البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: بأنَّه عبيد بن إسماعيل بالتَّصغير أيضًا من غير إضافة، وهو الهبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ أحد مشايخ البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ) في شوَّال سنةَ ثلاث (وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي) بضمِّ أوَّله من الإجازة. وقال الكِرمانيُّ: فلم يثبتني في ديوان المقاتلين ولم يقدِّر لي رزقًا مثل أرزاق الأجناد، وكان مقتضى السِّياق أن يقول: عرضه فلم يجزه، بدل قوله: «فلم يجزني»، و (١) أن يقول: ثمَّ عرضه، بدل قوله: «عرضني» كالأولى، لكنَّه على طريق الالتفات أو التَّجريد، وقد وقع في رواية يحيى (٢) القطَّان عن عبيد (٣) الله بن عمر في «المغازي» [خ¦٤٠٩٧] فلم يجزه، ولمسلمٍ عن ابن نُمير عن أبيه عن عبيد (٤) الله: عرضني رسول الله ﷺ يوم أُحُد في القتال فلم يجزني، وله أيضًا من رواية إدريس وغيره عن عبيد الله: فاستصغرني (ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ) سنة خمس، وجنح المؤلِّف إلى قول موسى بن عقبة: أنَّ الخندق في شوَّال سنة أربع، والمرجَّحُ قول ابن إسحاق وأكثر أهل السِّير: إنَّ الخندق سنة خمس، لما (٥) سيأتي إن شاء الله تعالى (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ) زاد أبو الوقت وأبو ذرٍّ عن الحَمُّويي: «سنةً» واستُشكِل هذا على قول ابن إسحاق؛ إذ مقتضاه أن يكون سنُّ ابن عمر في الخندق ستَّ عشرة سنة (٦). وأجاب البيهقيُّ: بأنَّه كان في أُحُد دخل في أربع عشرة سنة،

стр. 5534

وفي الخندق تجاوزها، فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية (فَأَجَازَنِي) استدلَّ بذلك على أنَّ من استكمل خمس عشرة سنة قمرية تحديديَّة ابتداؤها من انفصال جميع الولد يكون بالغًا بالسِّنِّ، فتجري عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم، فيكلَّف بالعبادات وإقامة الحدود، ويستحقُّ سهم الغنيمة وغير ذلك من الأحكام، وقال المالكيَّة: ببلوغه ثمان عشرة سنة (١)، وبه قال أبو حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فسَّره ابن عبَّاس: بثمان عشرة (٢) سنة والجارية بسبع (٣) عشرة، لأنَّ نشوء الإناث وبلوغهنَّ أسرع، فنقص عن ذلك سنة. وقال أبو يوسف ومحمد: بخمس عشرة في الغلام والجارية، وهو رواية عن أبي حنيفة. قال ابن فرشتاه: وعليه الفتوى، لأنَّ العادة جارية على أنَّ البلوغ لا يتأخَّر عن هذه المدَّة. وأجاب بعض المالكية عن قصَّة ابن عمر: بأنَّها واقعةُ عينٍ لا عموم لها، فيحتمل أن يكون صادف أنَّه كان عند ذلك السِّنِّ قد احتلم، فأجازه، وقال آخر: الإجازة المذكورة حكم منوط بإطاقة القتال والقدرة عليه، فإجازته ﵊ ابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنَّه رآه مطيقًا للقتال في هذا السِّنِّ، ولمَّا عرضه وهو ابن أربع عشرة لم يره مطيقًا للقتال (٤) فردَّه، قال: فليس فيه دليل على أنَّه رأى عدم البلوغ في الأوَّل ورآه في الثَّاني. انتهى. وهذا مردودٌ بما أخرجه أبو عَوانة وابن حبَّان في «صحيحيهما»، وعبد الرَّزاق من وجه آخر عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن عمر عن (٥) نافع بلفظ: عُرِضْتُ على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعُرِضْتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني ورآني بلغت. قال الحافظ ابن حجر: وهذه زيادة صحيحة لا مطعن (٦) فيها لجلالة ابن جريج، وتقدمِّه على غيره في حديث نافع، وقد صرَّح

стр. 5535

بالتَّحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه، وقد نصَّ ابن عمر بقوله: «ولم يرني بلغت» وابن عمر أعلم بما روى من غيره لا سيما في قصَّة تتعلَّق به. (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بالإسناد السَّابق: (فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ) الَّذي حدّثه به ابن عمر (فَقَالَ: إِنَّ هَذَا) السِّنَّ وهو خمس عشرة (١) سنة (لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا) أي: يقدّروا (لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ) سنةً رزقًا في ديوان الجند. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «الحدود». ٢٦٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام، المدنيُّ (٢) الزُّهريُّ مولاهم (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، أبي محمَّد الهلاليِّ المدنيِّ مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ) لصلاتها (وَاجِبٌ) أي: كالواجب (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أي: بالغ، وفيه الإشارة إلى أنَّ البلوغ يحصل بالإنزال، فيُستفاد مقصود التَّرجمة بالقياس على سائر الأحكام من جهة تعلُّق الوجوب بالاحتلام. وقد تقدَّم هذا الحديث مع شرحه في «كتاب الجمعة» [خ¦٨٥٨]. (١٩) (بابُ سُؤَالِ الحَاكِمِ المُدَّعِي) بكسر العين وسكون التَّحتيَّة، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (٣) (هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟) تشهد بما تدّعي (قَبْلَ) عرض (اليَمِينِ) على المدّعى عليه؟ والمدَّعي هو من يخالف قوله الظَّاهر، والمدَّعى عليه من يوافقه، ولذلك جُعِلَت البيَّنة على المدَّعي، لأنَّها

стр. 5536

أقوى من اليمين التي جُعِلت على المنكِر لينجبر ضعف جانب المدَّعي بقوة حجَّته، وضعف حجَّة المنكِر بقوَّة جانبه، وقيل: المدَّعي مَنْ لو سكت خُلِّيَ ولم يُطالَب بشيء، والمدَّعى عليه من لا يُخَلَّى ولا يكفيه السُّكوت، فإذا طالب زيد عَمْرًا بحقٍّ فأنكر فزيدٌ يخالف قوله الظَّاهر من براءة عمرو، ولو سكت تُرِكْ، وعمرو يوافق قوله الظَّاهر ولو سكت لم يُتْرَك فهو مدَّعى عليه، وزيدٌ مدَّعٍ على القولين، ولا يختلف موجبهما غالبًا، وقد يختلف مثل أن يقول الزَّوج وقد أسلم هو وزوجته قبل الوطء: أسلمنا معًا، فالنِّكاح باقٍ، وقالت: بل أسلمنا مرتَّبًا، فالنِّكاح مرتفع، فالزَّوج على الأصحِّ مدَّعٍ، لأنَّ وقوع الإسلامَين معًا خلاف الظَّاهر، وهي مدَّعًى عليها، وعلى الثَّاني هي مدَّعية، لأنَّها لو سكتت تُرِكَت، وهو مدَّعًى عليه، لأنَّه لا يُترك لو سكت (١) لزعمها انفساخ النِّكاح، فعلى الأوَّل تحلف الزَّوجة ويرتفع النِّكاح، وعلى الثَّاني يحلف الزَّوج ويستمرُّ النِّكاح، ولو قال لها: أسلمتِ قبلي فلا نكاح بيننا ولا مهر لك. وقالت: بل أسلمنا معًا، صُدِّقَ في الفرقة بلا يمين وفي المهر بيمينه على الأصحِّ، لأنَّ الظَّاهر معه، وصُدِّقَت بيمينها على الثَّاني لأنَّها لا تُترَك بالسُّكوت، لأنَّ الزَّوج يزعم سقوط المهر، فإذا سكتت ولا بيِّنة جُعِلَت ناكلة، وحلف هو وسقط المهر، والأمين في دعوى الردِّ مدَّعٍ، لأنَّه يزعم الردَّ الَّذي هو خلاف الظَّاهر، لكنَّه يُصَدَّق بيمينه؛ لأنَّه أثبت يده لغرض المالك وقد ائتمنه، فلا يحسن تكليفه بيّنة (٢) الردِّ، وأمَّا على القول الثَّاني، فهو مدَّعًى عليه؛ لأنَّ المالك هو الَّذي لو سكت تُرِك، وفي التَّحالف: كلٌّ من الخصمين مدَّعٍ ومدَّعًى عليه لاستوائهما.

стр. 5537

٢٦٦٦ - ٢٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قال في «مقدمة الفتح»: جزم ابن السَّكن بأنَّه «محمَّد بن سلام» ونسبه الأَصيليُّ في بعضها كذلك، وقد صرَّح البخاريُّ بالرِّواية عن محمَّد بن سلام عن أبي معاوية في «النِّكاح» [خ¦٥٢٠٦] وغيره [خ¦٧٣٧٦] قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم -بمعجمتين- الضَّرير الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ) سمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شابه (١) أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة (وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ) كاذب، والواو للحال (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) باليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ أو معاهَد، بأن يأخذه بغير حقٍّ، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر (٢) الشَّرع، والتقييد بالمسلم جرى على الغالب، وفي «مسلم» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النَّار» قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراكٍ»، ففيه: أنَّه لا فرق بين المال وغيره (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعل من غَضِبَ، يقال: رجل غضبان وامرأة غضبى، والغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم، وأمَّا غضب الخالق تعالى فهو إنكاره على من عصاه وسخطه عليه ومعاقبته له، قاله في «النِّهاية». والحاصل: أنَّ الصِّفات الَّتي لا يليق وصفه تعالى بها على الحقيقة تُؤَوَّل (٣) بما يليق به تعالى، فتُحمَل على آثارها ولوازمها، كحمل الغضب على العذاب، والرَّحمة على الإحسان، فيكون ذلك من صفات الأفعال، أو يُحمَل عن أنَّ المراد بالغضب مثلًا إرادة الانتقام، وبالرَّحمة إرادة الإنعام والإفضال، فيكون من صفات الذَّات.

стр. 5538

(قَالَ) أي: ابن مسعود: (فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ: (فِيَّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي) ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «كان ذلك بيني» (وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ) اسمه: الجَفْشيْش -بجيم مفتوحة ففاء ساكنة فشينين معجمتين، بينهما تحتيَّة ساكنة- وسقط لأبي ذَرٍّ «من اليهود» (أَرْضٌ) زاد مسلم: «باليمن» (فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) تشهد لك باستحقاقك ما ادّعيته (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنة لي (قَالَ: فَقَالَ) ﵊ (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «قال: احلف» (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي (١)) بنصب «يذهب» عطفًا على سابقه، وفي الفرع كأصله: «يحلفُ ويذهبُ» برفعهما أيضًا على لغة من لا ينصب بـ «إذًا»، ولو وُجِدَت شرائط عملها التِّي هي التَّصدُّر والاستقبال وعدم الفصل، كما حكاه سيبويه (قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) من سورة آل عمران. فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: «إذًا يحلف ويذهب بمالي؟». أُجيبَ: باحتمال كأنَّه قيل للأشعث: ليس لك عليه إِلَّا الحلف، فإن كذب فعليه وباله، وفيه دليل على أنَّ الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم. وهذا الحديث سبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١٦]. (٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) دون المدَّعي (فِي الأَمْوَالِ وَالحُدُودِ) وقال الكوفيُّون: تختصُّ اليمين بالمدَّعى عليه في الأموال دون الحدود (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله قريبًا [خ¦٢٦٧٠] (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداك» خبرُ مبتدأ محذوف، أي: المثبِت

стр. 5539

لدعواك، أو الحجَّة لك شاهداك، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي: شاهداك هو المطلوب (١) في دعواك، أو شاهداك هما المثبِتان لدعواك، و (٢) «يمينه» عطف عليه. (قَالَ قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد، وفي بعض النُّسخ -كما نُقِلَ عن الشَّيخ قطب الدِّين الحلبيِّ-: «حدَّثنا قُتَيبة» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيَينة (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمِّ المعجمة والرَّاء، بينهما موحَّدة ساكنة هو عبد الله بن شُبْرُمة بن الطُّفيل بن حسَّان الضَّبيُّ قاضي الكوفة، المتوفَّى سنة أربع وأربعين ومئة، أنَّه قال: (كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان قاضي المدينة (فِي) القول بجواز (شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي) وكان مذهب أبي الزِّناد القضاء بذلك كأهل بلده؛ لأنَّه ﵊ قضى بشاهد ويمين. رواه مسلم من حديث ابن عبَّاس، وأصحاب «السُّنن» من حديث أبي هريرة، والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وصحَّحه ابن خُزَيمة وأبو عَوانة من حديث جابر، ومذهب ابن شُبْرُمة خلافه كأهل بلده، فلا يعمل بالشَّاهد واليمين، وهو مذهب الحنفيَّة. قال ابن شُبْرُمة: (فَقُلْتُ) أي: لأبي الزِّناد محتجًّا عليه: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾) على حقكم (﴿شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾) العدول (﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]) الشَّهادة. قال ابن شُبْرُمة: (قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء (بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ المُدَّعِي) وجواب الشَّرط: (فَمَا يَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) و «ما» نافية في قوله: «فما يَحتاج» واستفهاميَّة في قوله: (مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ) بموحَّدة ومعجمة مكسورتين وسكون الكاف، وفي نسخة: «تَذَكُّر» بفوقيَّة ومعجمة مفتوحتين وضمِّ الكاف مشدَّدة (هَذِهِ الأُخْرَى؟) وفي نسخة: «تُذْكِر» بضمِّ الفوقيَّة

стр. 5540

وسكون المعجمة وكسر الكاف، والمعنى: إذا جاز أن يُكتفَى بالشَّاهد واليمين فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأخرى إذ اليمين تقوم مقامهما، فما فائدة ذكر التَّذكير في القرآن؟ وأُجيبَ: بأنَّه لا يلزم من التَّنصيص على الشَّيء نفيه عمَّا عداه، وغاية ما في ذلك عدم التَّعرُّض له لا التَّعرُّض لعدمه، والحديث قد تضمَّن زيادة مستقلَّة على ما في القرآن بحكم مستقلٍّ، وقد أجاب إمامنا الشَّافعيُّ عن الآية كما في «المعرفة»: بأنَّ اليمين مع الشَّاهد لا تخالف (١) من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين ولا يمين، فإذا كان شاهد، حكمنا بشاهد ويمين بالسُّنة، وليس هذا ممَّا يخالف ظاهر القرآن؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقلَّ مما نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعنى ما (٢) أراد الله ، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما أتانا به، وننتهيَ عمَّا نهانا عنه، ونسأل الله العصمة والتَّوفيق. انتهى. ٢٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جميل (٣) الجمحيُّ القرشيُّ المكِّيُّ، المتوفَّى سنة تسع وستِّين ومئة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مُلَيكة -بضمِّ الميم وفتح اللَّام مصغَّرًا- أنَّه (قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ (٤)) أي: بعد أن كتبتُ إليه أسأله عن قصَّة المرأتين اللَّتين ادَّعت إحداهما على الأخرى أنَّها جرحتها، كما في تفسير «سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢] وزاد أبو ذرٍّ: «إليَّ» (أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) وعند البيهقيِّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مُلَيكة بلفظ: كنت قاضيًا لابن الزُّبير على الطَّائف، وذكر قصَّة

стр. 5541

المرأتين، فكتبتُ إلى ابن عبَّاس، فكتب إليَّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لو يُعطى النَّاس بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، ولكنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر»، وإسناده حسنٌ، وإنَّما كانت البيِّنة على المدَّعي؛ لأنَّ حجَّته قويَّةٌ، لانتفاء التُّهمة، وجانبه ضعيفٌ، لأنَّه خلاف الظَّاهر فكُلِّفَ الحجَّة القويَّة وهي البيِّنة، ليقوى بها ضعفه، وعكسه المدَّعى عليه، فاكتفى بالحجَّة الضَّعيفة وهي اليمين. نعم، قد يجعل اليمين في جانب المدَّعي في مواضع مستثناةٍ لدليل، كأيمان القَسَامة لحديث الصَّحيحين المخصِّص لحديث ال باب [خ¦٦٨٩٨]، وفي «البيهقيِّ» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر إلَّا في القسامة» ودعوى القيمة في المتلفات (١). وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشَّافعيِّ والجمهور: أنَّ اليمين متوجِّهة على المدَّعى عليه، سواء كان بينه وبين المدَّعي اختلاط أم لا. وقال مالك وأصحابه: إنَّ اليمين لا تتوجَّه إلَّا على من بينه وبينه خلطة، لئلَّا يبتذلَ السُّفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشتُرِطَت الخلطة لهم (٢) لهذه المفسدة. وهذا الحديث قد سبق في «الرَّهن» [خ¦٢٥١٤] ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢]. (٢٠ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو ساقطٌ عند أبوي ذرٍّ والوقت.

стр. 5542

٢٦٦٩ - ٢٦٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيُّ، مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (١) (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن مسعود: (مَنْ حَلَفَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا) باليمين (مَالًا) لغيره (لَقِيَ اللهَ) أي: يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) غير مصروفٍ (٢) للصِّفة وزيادة الألف والنُّون مع وجود الشَّرط، وهو أن لا يكون المؤنَّث فيه بتاء التَّأنيث، فلا تقول فيه: امرأة غضبانة بل غضبى، والمراد من الغضب لازمه، أي: فيعذِّبه أو ينتقم منه (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إِلَى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) برفعهما على الحكاية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «﴿وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ إلى ﴿أَلِيمٌ﴾». (ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ) الكنديَّ (خَرَجَ إِلَيْنَا) من الموضع الَّذي كان فيه (فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن مسعود؟ (فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا) حدَّثنا به (قَالَ، فَقَالَ: صَدَقَ) ابن مسعود (لَفِيَّ) بلام مفتوحة ففاء مكسورة فتحتيَّة مشدَّدة (أُنْزِلَتْ) بضمِّ الهمزة، زاد في «الرهن» [خ¦٢٥١٦] والله (٣) أنزلت هذه الآية، ولأبي ذرٍّ: «نَزَلَتْ» بإسقاط الهمزة وفتح النُّون والزَّاي، ولأبي الوقت: «نُزِّلَتْ» بضمِّ النُّون وكسر الزَّاي مشدَّدة (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ) اسمه: معدان بن الأسود بن معد يكرب الكنديُّ، ولقبه: الجَفْشيْش، بجيم مفتوحة ففاء ساكنة فشينين (٤) معجمتين، بينهما تحتيَّة ساكنة (خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ) في الرَّهن في بئر، وفي رواية: «في أرض» وزاد مسلم: «أرض باليمن». ولا يمتنع أن تكون المخاصمة في الكلِّ، فمرَّة ذكر الأرض؛ لأنَّ البئر داخلة فيها، ومرَّة ذكر البئر؛ لأنَّها المقصودة لسقي الأرض (فَاخْتَصَمْنَا (٥) إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) قال القاضي عياض: كذا الرِّواية بالرَّفع فيهما، تقديره: عليك شاهداك، أو عليه يمينه، أو يُقدَّر (٦): لك شاهداك أو يمينه، أي: لك إقامة شاهديك أو طلب يمينه، فحُذِفَ

стр. 5543

المضاف من كلٍّ من المتعاطفين، وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. قال الأشعث: (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊: (إِنَّهُ) أي: معدان (إِذًا يَحْلِفُ) بالرَّفع على لغة مَن لا ينصب بـ «إذًا» (وَلَا يُبَالِي!) أي: لا يكترث، وربما حُذِفَت ألفه، فقيل: «لم أبل» وزاد مسلم وأصحاب السُّنن الأربعة في نحو هذه القصَّة من حديث وائل بن حجر: «ليس لك إلَّا ذلك». واستدلَّ بهذا الحصر على ردِّ القضاء بالشَّاهد واليمين، وهو مردود بأنَّه ﷺ قضى بذلك، وبأنَّ المراد بقوله: «شاهداك» أي: بيِّنتك سواء كانت رجلين، أو رجلًا وامرأتين، أو رجلًا ويمين الطَّالب، فالمعنى: شاهداك أو ما يقوم مقامهما (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) الحلف: هو اليمين، فخالف بين اللَّفظين تأكيدًا لعقده، وسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه (يَسْتَحِقُّ بِهَا) باليمين (مَالًا) ليس له، والجملة صفة لـ «يمين» أو حال (وَهْوَ فِيهَا) في اليمين (فَاجِرٌ) كاذب (لَقِيَ اللهَ) زاد أبو ذرٍّ: « » (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعل مِنْ غضب، يقال: رجل غضبان وامرأة غضبى، وهو من باب المجازاة، أي: يعامله معاملة المغضوب عليه فيعذِّبه، والواو في «وهو» في الموضعين للحال (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ) ﷺ (هَذِهِ الآيَةَ) أي: السَّابقة وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إلى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «شاهداك أو يمينه». (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا ادَّعَى) رجل بشيء على آخر (أَوْ قَذَفَ) رجل رجلًا، أو قذف امرأته، بأن رماها بالزِّنا (فَلَهُ) للمدَّعي أو للقاذف (أَنْ يَلْتَمِسَ البَيِّنَةَ، وَيَنْطَلِقَ) بالنَّصب عطفًا على «أن يلتمسَ»، أي: يمهل (لِطَلَبِ البَيِّنَةِ) ونحوها كالنَّظر في الحساب ثلاثة أيام فقط، وهل هذا الإمهال واجب أو مستحبٌّ؟ قال الرُّويانيُّ: وإذا أمهلناه ثلاثًا فأحضر شاهدًا بعدها، وطلب الإنظار ليأتي بالشَّاهد الثاني، أمهلناه ثلاثة أخرى.

стр. 5544

٢٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، ابن عثمان العبديُّ البصريُّ أبو بكر بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد، واسم أبي عديٍّ إبراهيمُ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن حسَّان القردوسيُّ البصريُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن عكرمة» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) الأنصاريَّ الواقفيَّ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) قيل: اسمها خولة بنت عاصم، رواه ابن منده، أي: رماها بالزِّنا (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ) بفتح السِّين وسكون الحاء المهملتين، اسم أمِّه، وأما أبوه فعَبَدة -بفتح العين المهملة والموحَّدة- ابن مُعَتِّب -بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد الفوقيَّة آخره موحَّدة- كذا ضبطه النَّوويُّ، وضبطه الدَّارقطنيُّ: مُغيْث، بالغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة آخره مثلَّثة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : البَيِّنَةَُ) نصبٌ، أي: أحضر البيِّنةَ، ويجوز الرَّفعُ، أي: الواجب عليك البيِّنة (أَوْ حَدًّا) بالنَّصب بفعل مقدَّر، والرَّفع، أي: الواجب عند عدم البيِّنة حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) أي: على ظهرك، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (فَقَالَ) هلال، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حال كونه (يَلْتَمِسُ) يطلب (البَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ) ﵊ (يَقُولُ: البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ) بنصب «البيِّنة» ورفع «حدٌّ» أي: تحضر البيِّنة، وإن لم تحضرها فجزاؤك حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) فحُذِفَ ناصب «البيِّنة» وفعل الشَّرط والجزء الأوَّل من الجملة الجزائيَّة والفاء. قال ابن مالك: وحَذْف مثل هذا لم يذكر النُّحاة أنَّه يجوز إلَّا في الشِّعر، لكنَّه يَرِدُ عليهم وروده في هذا الحديث الصَّحيح،

стр. 5545

ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «أو حدٌّ» أي: تحضر البيِّنةَ أو يقع حدٌّ في ظهرك. قال في «المصابيح»: وفي هذا التَّقدير محافظة على تشاكل الجملتين لفظًا، وفي نسخة: «البيِّنةُ» بالرَّفع، والتَّقدير: إمَّا البيِّنة وإمَّا حدٌّ في ظهرك. (فَذَكَرَ) أي: ابن عبَّاس (حَدِيثَ اللِّعَانِ) الآتي تمامه في «تفسير سورة النُّور» [خ¦٤٧٤٧] مع ما فيه من المباحث إن شاء الله تعالى، والغرض منه هنا تمكين القاذف من إقامة البيِّنة على زنا المقذوف لدفع الحدِّ عنه، ولا يرد عليه أنَّ الحديث ورد في الزَّوجين، والزَّوج له مخرج عن الحدِّ باللِّعان إن عجز عن البيِّنة بخلاف الأجنبيِّ، لأنَّا نقول: إنَّما كان ذلك قبل نزول آية اللِّعان، حيث كان الزَّوج والأجنبيُّ سواء، وإذا ثبت ذلك للقاذف ثبت لكل مدَّعٍ من باب أولى، قاله في «الفتح»، ومن قبله الزَّركشيُّ في «تنقيحه». وقال في «المصابيح»: إنَّه كلام ابن المُنَيِّر بعينه. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٧] و «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٧]، وأبو داود في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» و «الطَّلاق». (٢٢) (بابُ اليَمِينِ بَعْدَ العَصْرِ) أي: بيان ما جاء في فعلها بعد العصر. ٢٦٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن قُرْط -بضم القاف وسكون الراء وبالطَّاء المهملة- الضَّبيُّ الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ:

стр. 5546

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ) من النَّاس (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) فإنَّ من سخط على غيره أعرض عنه، زاد في «المساقاة» [خ¦٢٣٥٨] «يوم القيامة» (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) ولا يطهِّرهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلمٌ على ما فعلوه (رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) فضل عن كفايته (بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ) أي: من الفاضل من الماء (ابْنَ السَّبِيلِ) المسافر (وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا) وفي «المساقاة» [خ¦٢٣٥٨] «بايع إمامًا» والمراد: الإمام الأعظم (لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ) بتخفيف الفاء، يقال: وفى بعهده وفاءً بالمدِّ، وأمَّا بالتَّشديد فيُستعمَل في توفية الحقِّ وإعطائه (وَإِلَّا) بأن لم يعطه ما يريد (لَمْ يَفِ لَهُ) بما عاقده عليه (وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ) جارٌّ ومجرور، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «سلعةً» بالنَّصب على المفعوليَّة (بَعْدَ العَصْرِ (١) فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى) بفتح الهمزة بائعها الذي اشتراها منه، ولأبي ذَرٍّ: «أُعطِيَ» بضمِّ الهمزة، أي: أعطاه من يريد شراءها (بِهَا) أي بسببها، ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ: «به» أي: بالمتاع الَّذي يدلُّ عليه السِّلعة (كَذَا وَكَذَا) ثمنًا عنها (فَأَخَذَهَا) أي: السِّلعة الرَّجل الثَّاني بالثَّمن الَّذي حلف عليه المالك اعتمادًا على حلفه، وتخصيصُ هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذبًا، قال المهلَّب: لشهود (٢) ملائكة اللَّيل والنَّهار ذلك الوقت، قال في «الفتح»: وفيه نظر، لأنَّ بعد صلاة الصُّبح مشاركٌ له في شهود الملائكة، ولم يأتِ فيه ما أَتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختصَّ بذلك، لكونه وقت ارتفاع الأعمال. وهذا الحديث قد سبق في «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨]. (٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ اليَمِينُ، وَلَا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ) للتَّغليظ وجوبًا، وهذا قول الحنفيَّة، فلا يُغَلَّظ عندهم بمكان كالتَّحليف في المسجد، ولا بزمان كالتَّحليف في

стр. 5547

يوم الجمعة، قالوا: لأنَّ ذلك زيادة على النَّص. وقال الحنابلة واللَّفظ للمرداويِّ في «تنقيحه»: ولا تُغَلَّظ إلَّا فيما له خطر كجنايةٍ وطلاق إن قلنا: يحلف فيهما. وقال الشَّافعية: تُغَلَّظ ندبًا ولو لم يطلب الخصم تغليظها لا بتكرير الأيمان لاختصاصه باللِّعان والقسامة ووجوبه فيهما، ولا بالجمع لاختصاصه باللِّعان، بل بتعديد أسماء الله تعالى وصفاته وبالزَّمان والمكان، سواء كان المحلوف عليه مالًا أم غيره، كالقَودِ والعتق والحدِّ والولاء والوكالة والوصاية والولادة، لكن استثنى من المال أقلَّ من عشرين دينارًا أو مئتي درهم، فلا تغليظ في ذلك إلَّا أن يراه القاضي لجراءة في الحالف، فله ذلك بناء على الأصح أن التغليظ لا يتوقف على طلب الخصم. (قَضَى مَرْوَانُ) بن الحكم الأمويُّ، وكان والي المدينة من جهة معاوية بن أبي سفيان فيما وصله في «الموطَّأ» (بِاليَمِينِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى المِنْبَرِ) لمَّا اختصم هو وعبد الله بن مطيع إليه في دار (فَقَالَ) أي: زيد: (أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي) زاد في «الموطَّأ»: «فقال مروان: لا والله إلَّا عند مقاطع الحقوق» (فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ) أنَّ حقَّه لَحقٌّ (وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى المِنْبَرِ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ) أي: من زيد. قال الشَّافعيُّ: لو لم يعرف زيد أنَّ اليمين عند المنبر سنَّة، لأنكر ذلك على مروان، كما أنكر عليه مبايعة الصُّكوك (١)، وهو احترز منه تهيُّبًا وتعظيمًا للمنبر. قال الشَّافعيُّ: ورأيت مُطرِّفًا بصنعاء يُحلِّف على المصحف، وذلك عندي حسن. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما تقدَّم موصولًا في حديث الأشعث: (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) [خ¦٢٦٧٠] قال المؤلِّف: تفقُّهًا منه (فَلَمْ) بالفاء، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «ولم» (يَخُصَّ) ﵊ (مَكَانًا دُونَ مَكَانٍ) واعتُرِضَ عليه بأنَّه ترجم لليمين بعد العصر، فأثبت التَّغليظ بالزَّمان ونفاه هنا بالمكان. وأُجيبَ: بأنَّه لا يلزم من ترجمة (٢) اليمين بعد العصر تغليظ اليمين بالزَّمان، ولم يُصَرِّح هناك بشيء من النَّفي والإثبات.

стр. 5548

٢٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ -بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد العبديُّ مولاهم البصريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على شيء ممَّا يُحلَف عليه، سُمِّيَ المحلوف عليه يمينًا لتلبُّسه باليمين (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) أي: باليمين (مَالًا) ليس له (لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) أي: يعامله معاملة المغضوب عليه. وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٦٦٦] [خ¦٢٦٦٩] ولم تظهر لي (١) المطابقة بينه وبين التَّرجمة (٢)، فالله يوفِّق للصَّواب. نعم، قال شيخ الإسلام زكريَّا: مطابقته من حيث إنَّه لم يقيِّد الحكم بمكان. (٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ فِي اليَمِينِ) حيث وجبت عليهم جميعًا أيُّهم يبدأ أولًا؟ ٢٦٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السَّعديُّ البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة، ابن راشد الأزديُّ مولاهم، البصريُّ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّه الصَّنعانيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ) تنازعوا عينًا، ليست في يد واحد منهم، ولا بيّنة (اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا) أي: إلى اليمين (فَأَمَرَ) ﵊ (أَنْ يُسْهَمَ) أي: يقرع (بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) قبل الآخر؟ وعند النَّسائيِّ وأبي داود من طريق أبي رافع: أنَّ رجلين اختصما في متاع، ليس لواحد منهما بيِّنة، فقال النَّبيُّ ﷺ : «استهما على اليمين» الحديث. ورواه أحمد عن عبد الرَّزَّاق وقال: إذا كره الاثنان

стр. 5549

اليمين أو استحباها فيستهمان عليها، فإذا ادَّعى اثنان عينًا في يد ثالث، وأقام كلٌّ منهما بيِّنة مُطْلَقتي التَّاريخ أو متَّفقتيه، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرَّخة، ولم يقرَّ لواحدٍ منهما، تعارضتا، وتساقطتا، وكأنَّه لا بيِّنة. وأمَّا حديث الحاكم: «أنَّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير، فأقام كلُّ واحد منهما بيِّنة أنَّه له، فجعله النَّبيُّ ﷺ بينهما». فأُجيبَ عنه: بأنَّه يحتمل أنَّ البعير كان بيدهما، فأبطل البيِّنتين، وقسمه بينهما. وأما حديث أبي داود: «أنَّ خصمين أتيا رسول الله ﷺ ، وأتى كل واحد منهما بشهود، فأسهم بينهما، وقضى لمن خرج له السَّهم». فأُجيبَ عنه: بأنَّه يحتمل أنَّ التَّنازع كان في قسمةٍ أو عتقٍ. (٢٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾) يعتاضون عمَّا عاهدوا الله عليه (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) الكاذبة (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) من حطام الدُّنيا ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾ لا نصيب ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ بكلام يسرُّهم (١) ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ نظر رحمة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يطهِّرهم من الذُّنوب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] مؤلمٌ موجعٌ. قال في «الرَّوضة»: واستحبَّ الشَّافعيُّ ﵀ أن يقرأ على الحالف هذه الآية. ٢٦٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصور، كما جزم به أبو عليٍّ الغسَّانيُّ، أو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيم الأصبهانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان (٢) أبو خالد الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا العَوَّامُ) بتشديد الواو، ابن حوشب قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن عبد الرَّحمن (أَبُو (٣) إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ) بسينين مهملتين مفتوحتين بينهما

стр. 5550

كافٌ ساكنةٌ، وأخرى بعد الثَّانية مكسورة، نسبة إلى سكسك (١) بن أشرس بن كندة الكوفيُّ، أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (¬﵄¬) حال كونه (يَقُولُ: أَقَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (سِلْعَتَهُ) أي: روَّجها (فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعطَى) بفتح الهمزة والطَّاء (بِهَا) أي: بدل سلعته (مَا لَمْ يُعْطِهَا) بكسر الطَّاء وضمِّ الأوَّل، أي: يحلف أنَّه دفع فيها من ماله ما لم يكن دفعه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أُعطِي بها ما لم يعطَها» بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء وفتحها في الأخرى، وفي «باب ما يُكرَه من الحلف في البيع» [خ¦٢٠٨٨] ما لم يُعْطَ، بحذف الضَّمير (فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]) الآية إلى آخرها، وهي متضمِّنة لذمِّهم (٢) بما ارتكبوه من الأيمان الكاذبة الفاجرة (وَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال» بحذف الواو (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبد الله بالسَّند السَّابق: (النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا) أي: كآكل ربا (خَائِنٌ) لكونه غاشًّا، وهو خبرٌ بعد خبرٍ. ٢٦٧٦ - ٢٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريُّ أبو محمَّد الفرائضيُّ، نزيل البصرة، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على شيء ممَّا يُحلَف عليه (كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَ) بيمينه (مَالَ رَجُلٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مال الرَّجل» بالتَّعريف (أَوْ قَالَ) ﵊: (أَخِيهِ) بدل «رجلٍ» شكَّ الرَّاوي (لَقِيَ اللهَ) أي: يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) بغير صرف، والمراد من الغضب لازمه، أي: يعامله معاملة المغضوب عليه، فيعذِّبه (وَأَنْزَلَ اللهُ) زاد أبو ذرٍّ: « »

стр. 5551

(تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي القُرْآنِ) في سورة آل عمران: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]) عوضًا يسيرًا (الآيَةَ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾» بالرَّفع فيهما على الحكاية، وزاد أبو الوقت: «﴿وَلَهُمْ﴾». (فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ) بن قيس الكنديُّ (فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابن مسعود (اليَوْمَ؟ قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ) أي: الأشعث: (فِيَّ أُنْزِلَتْ) أي: آية آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ (١) إلى آخرها. (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ؟) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، أي: كيف يستحلف الحاكم من تتوجَّه عليه اليمين؟ (قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]) على معاذيرهم فيما قالوا، وسقط ذلك (٢) عند أبي ذرٍّ (وَقَوْلُهُ ولأبي ذَرٍّ: «وقول الله »: (﴿ثُمَّ جَآؤُوكَ﴾) حين يصابون للاعتذار (﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ﴾) حالٌ (﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]) أي: يحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى من عداك إِلَّا الإحسان والتَّوفيق، أي: المداراة والمصانعة اعتقادًا منَّا صحَّة تلك الحكومة، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]» أي: من جملة المسلمين، وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] أي: بحلفهم، وقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي: أصدق منها وأَولى أن تُقبَل، وغرض المؤلِّف من سياق هذه الآيات، كما قال في «الفتح»: أنَّه لا يجب التَّغليظ بالقول. وقال في «العمدة»: بل غرضه الإشارة إلى أنَّ أصل اليمين أن يكون بالله (يُقَالُ: بِاللهِ) بالموحَّدة (وَتَاللهِ) بالمثَّناة الفوقيَّة (وَوَاللهِ) بالواو. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا وصله عن أبي هريرة في «باب اليمين بعد العصر» [خ¦٢٦٧٢] بالمعنى: (وَرَجُلٌ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِبًا بَعْدَ العَصْرِ) وهو أحد الثَّلاثة الَّذين لا يكلِّمهم الله، ولا

стр. 5552

ينظر إليهم يوم القيامة (١) ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم (وَلَا يَُحْلَِفُ بِغَيْرِ اللهِ) هذا من كلام المؤلِّف على سبيل التَّكميل للتَّرجمة، ويَحلِف -بفتح الياء وكسر اللَّام، ويجوز ضمُّها وفتح اللَّام- وكلاهما في الفرع والَّذي في أصله الأوَّل فقط (٢). ٢٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ) نافع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت زيادة: «ابن مالك» (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر الأصبحيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغّرًا، ابن عثمان التَّيميَّ أبا محمَّد المدنيَّ أحد العشرة، استُشهِدَ يوم الجمل (¬﵁ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) هو ضِمَام بن ثعلبة أو غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد في «باب الزَّكاة من الإسلام» من «كتاب الإيمان» [خ¦٤٦] «من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دويَّ صوته، ولا نفقه ما يقول حتَّى دنا» (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ) أي: الرَّجل يسأل النَّبيَّ ﷺ (عَنِ الإِسْلَامِ) أي: عن أركانه وشرائعه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬): هو (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) بالرَّفع على الخبريَّة لـ «هل» الاستفهاميَّة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وذر عن المُستملي: «غيره» بتذكير الضَّمير، أي:

стр. 5553

غير المذكور (قَالَ) ﵊: (لَا) شيء عليك غير (١) الصَّلوات الخمس (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) أي: لكنَّ التَّطوُّع مستحَبٌّ لك، أو الاستثناء متَّصل، فيُستَدَلُّ به: على أنَّ مَن شرع في تطوُّع يلزمه إتمامه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَصِيَامُ رَمَضَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «شهر رمضان» (قَالَ) أي: الرَّجل، ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟) أي: صيام رمضان، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «غيرها» بالتَّأنيث، أي: باعتبار الأيَّام المقدَّرة في صيام رمضان (قَالَ) ﵊: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) لكنَّ التَّطوُّع مستحبٌّ ولا يلزمك إتمامه، أو إلَّا إذا تطوعت فيلزمك إتمامه (قَالَ) طلحة ﵁: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «غيره» أي: غير ما ذُكِرَ من حكمها (قَالَ) ﵊: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ) طلحة ﵁: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ) ولَّى (وَهْوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ) في التَّصديق والقبول (عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ) أي: منه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَفْلَحَ) أي: فاز الرجل (إِنْ صَدَقَ) في قوله هذا، زاد في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] «فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام»، ويدخل فيها جميع الواجبات والمنهيَّات والمندوبات، ومطابقة الحديث لما تُرجِم به في قوله: «والله لا أزيد» لأنَّه يُستفاد منه الاقتصار على الحلف بالله دون زيادة، قاله في «الفتح». وقال في «العمدة»: لأنَّ فيه صورة الحلف بلفظ اسم الله، وبالباء الموحَّدة، والحديث سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٦]. ٢٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) ابن أسماء (قَالَ: ذَكَرَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب (¬﵁¬) وعن أبيه: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ حَالِفًا) أي: من أراد أن يحلف (فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ) أي: باسم الله أو صفة من صفاته (أَوْ لِيَصْمُتْ) بضمِّ الميم، وزاد في «التَّنقيح»: وكسرها قال في «المصابيح»: يعني: أنَّه مضارع ثلاثيٌّ أو رباعيٌّ، يقال: صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا

стр. 5554

وصُماتًا، سكت، وأصْمَتَ مثله، كذا في «الصِّحاح» ولكن الشَّأن في الضَّبط من جهة الرِّواية. انتهى. ولم أره في الأصول الَّتي وقفت عليها إلَّا بالضمِّ، أي: «أو ليسكت» كما في بعض الرِّوايات، والمعنى: فلا يحلف أصلًا، وفيه: أنَّ الحلف بالمخلوق -لا لسبق لسان- مكروهٌ، كالنَّبيِّ والكعبة وجبريل والصَّحابة، وفي «الصحيحين»: «إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» [خ¦٦١٠٨] وعند النَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمَّهاتكم، ولا تحلفوا إلَّا بالله». قال الإمام: وقول الشَّافعيِّ: «أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية» محمولٌ على المبالغة في التَّنفير من ذلك، فلو حلف به لم ينعقد يمينًا، كما صرَّح به في «الرَّوضة» فإن اعتقد في المحلوف بغير الله ما يعتقده في الله كفر، أمَّا إذا سبق لسانه إليه بلا قصد فلا كراهة، بل هو لغو يمين، وعليه يُحمَل حديث الصَّحيحين في قصَّة الأعرابيِّ الَّذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص: «أفلح وأبيه إن صدق» [خ¦٤٦] [خ¦٢٦٧٨] أو هو على حذف مضافٍ، أي: وربِّ أبيه، أو هو قبل النَّهي، وضُعِّفَ، لأنَّه يحتاج إلى التَّاريخ. فإن قلت: قد أقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته كاللَّيل والشَّمس؟ أُجيبَ: بأنَّ الله تعالى له (١) أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيهًا على شرفها. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الأيمان والنذور» [خ¦٦٦٤٦]. (٢٧) (بابُ مَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ بَعْدَ اليَمِينِ) الصادر (٢) من المدَّعى عليه تُقبَل بيِّنته (٣)، وهو مذهب الكوفيِّين والشَّافعيِّ وأحمد، وقال مالك في «المدوَّنة»: إن استحلفه ولا علم له بالبيِّنة ثمَّ علمها، قُبِلَت وقُضِيَ له بها، وإن علم بها فتركها (٤) فلا حقَّ له (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما

стр. 5555

وصله في «باب إثم من خاصم» في «كتاب (١) من المظالم» [خ¦٢٤٥٨] وذكره في هذا الباب (٢): (لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ) أعرف (بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان (وَإِبْرَاهِيمُ) هو النخعي (وَشُرَيْحٌ) القاضي (٣): (البَيِّنَةُ العَادِلَةُ) المرضيَّة (أَحَقُّ مِنَ اليَمِينِ الفَاجِرَةِ) و «أحقُّ» ليس على بابه من الأفضليَّة إذ اليمين الفاجرة لا حقَّ فيها، وصورة ذلك ما إذا شهدتْ على الحالف بأنَّه أقرَّ بخلاف ما حلف عليه، فإنَّه يظهر بذلك أنَّ يمينه فاجرة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على قول طاوس وإبراهيم موصولين، وأمَّا شريح فوصله البغويُّ في «الجعديات» من طريق ابن سيرين عن شُرَيح، لكن بلفظ: من ادَّعى قضائي فهو عليه حتَّى تأتي بيِّنةٌ (٤)، الحقُّ أحقُّ من قضائي، الحقُّ أحقُّ من يمين فاجرة. ٢٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ) أي: ألسن وأفصح وأبين كلامًا، وأقدر على الحجَّة (مِنْ بَعْضٍ) وفيه حذف، أي: وهو كاذب، بدليل قوله في الرِّواية السَّابقة في «المظالم» [خ¦٢٤٥٨] «فأحسب أنَّه صدق» (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ) الظَّاهر المخالف للباطن، وفي «المظالم»: «بحقِّ مسلم» ولا مفهوم له، لأنَّه خرج مخرج الغالب وإلَّا فالذِّمِّيُّ والمعاهَد كذلك (فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذْهَا) أطلق عليه ذلك، لأنَّه

стр. 5556

سبب في حصول النَّار له، فهو من مجاز التَّشبيه كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وفيه دلالة لمذهب مالك والشَّافعيِّ وأحمد والجمهور من علماء الإسلام وفقهاء الأمصار: أنَّ حكم القاضي الصَّادر منه في (١) باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره، بأنْ ترتَّب على أصل كاذب، ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، فلا يُحِلُّ حرامًا ولا عكسه، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحُكِمَ به بظاهر العدالة، لم يحلَّ للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل، لم يحلَّ للوليِّ قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا عليه أنَّه طلّق امرأته، لم يحلَّ لمن علم بكذبهما أن يتزوَّجها بعد حكم القاضي بالطَّلاق. وقال أبو حنيفة: ينفذ القضاء بشهادة الزُّور ظاهرًا فيما بيننا، وباطنًا في ثبوت الحِلِّ فيما بينه وبين الله تعالى في العقود، كالنِّكاح والطَّلاق والبيع والشِّراء، فإذا ادَّعت على رجل أنَّه تزوّجها، وأقامت عليه شاهدَي زور، حلَّ له وطؤها عند أبي حنيفة، وكذا إن (٢) ادَّعى عليها نكاحًا وهي تجحد، وهذا عنده بخلاف الأموال بخلاف صاحبيه. قال النَّوويُّ: وهذا مخالفٌ لهذا الحديث الصَّحيح والإجماع من قبله، ومخالفٌ لقاعدةٍ وافق هو وغيره عليها، وهي أنَّ الأبضاع أَولى بالاحتياط من الأموال. فإن قلت: ظاهر الحديث أنَّه يقع منه ﷺ حكمٌ في الظَّاهر مخالف للباطن، وقد اتَّفق الأصوليُّون على أنَّه ﷺ لا يُقَرُّ على الخطأ في الأحكام؟ أُجيبَ: بأنَّه لا معارضة بين الحديث وقاعدة الأصول؛ لأنَّ مرادهم فيما حكم فيه باجتهاده هل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف الأكثرون على جوازه، وأمَّا الَّذي في الحديث فليس من الاجتهاد في شيء، لأنَّه حكَمَ بالبيِّنة، فلو وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمَّى الحكم خطأً، بل هو صحيحٌ على ما استقرَّ عليه التَّكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدَي زور أو نحو ذلك، فالتَّقصير منهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له فيه ولا عتب (٣) عليه بسببه، قاله النَّوويُّ.

стр. 5557

وموضع استنباط التَّرجمة على إقامة البيِّنة بعد اليمين من هذا الحديث أنَّه ﷺ لم يجعل اليمين الكاذبة قاطعة لحقِّ المحقِّ، بل نَهَىَ الكاذبَ بعد يمينه عن الأخذ، فإذا ظفر صاحب الحقِّ ببيِّنة، فهو باقٍ على القيام بها، وقد سبق الحديث في «باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه» من «المظالم» [خ¦٢٤٥٨]. (٢٨) (بابُ مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الوَعْدِ) أي: الوفاء به (وَفَعَلَهُ) أي: إنجاز الوعد (الحَسَنُ) البصريُّ (وَذَكَرَ) الله (إِسْمَاعِيلَ) في كتابه فقال: (﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]) ولغير النَّسفيِّ: «﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ … » إلى آخره. وهذا ثناء من الله تعالى عليه. قال ابن جريج فيما نقله عنه ابن كثير وغيره: لم يَعِدْ ربَّه عِدَةً إلَّا أنجزها. وعند ابن جريرٍ (١): أنَّه وعد رجلًا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرَّجل فظلَّ به إسماعيل وبات حتَّى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إنِّي نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتَّى تأتيني، فلذلك كان صادق الوعد. وقال سفيان الثَّوريُّ: بلغني أنَّه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتَّى جاءه. وقال ابن شَوْذَب: بلغني أنَّه اتَّخذ ذلك الموضع (٢) مسكنًا، فَصِدْقُ الوعد من الصِّفات الحميدة، كما أنَّ خُلْفه من الصِّفات الذَّميمة (وَقَضَى ابْنُ الأَشْوَعِ) بهمزة مفتوحة فشين معجمة ساكنة فواو

стр. 5558

مفتوحة فعين مهملة، غير منصرف، وهو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، قاضيها في زمان إمارة خالد القسريِّ على العراق بعد المئة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ابن أشوع» (بِالوَعْدِ) أي: بإنجازه (وَذَكَرَ) ابن أشوع (ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت زيادة: «ابن جُندَُب» وقد وقع ذلك في «تفسير إسحاق بن رَاهُوْيَه». (وَقَالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) ﵁: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ) يعني: أبا العاص ابن الرَّبيع زوج زينب بنته ﷺ (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (وَعَدَنِي فَوَفَى لِي) بتخفيف الفاء الثَّانية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فوعدني فوفاني» ولأبي الوقت وحده (١): «فأوفاني» وكان أبو العاص مصافيًا لرسول الله ﷺ ، وسأله المشركون أن يطلِّق زينب فأبى، فشكر له ﵊ ذلك، ولمَّا أطلقه من الأسر شرَط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكَّة وأرسلها؛ فلذا قال ﷺ : «حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفا لي (٢)». (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) أي: ابن رَاهُوْيَه، وسقطت الواو من قوله «ورأيت» عند أبي ذرٍّ (يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ) الَّذي ذكره عن سَمُرة بن جُنَدَُب في وجوب إنجاز الوعد، وفي حاشية الفرع كأصله ما نصُّه عند أبي ذرٍّ مخطوط على: «قال أبو عبد الله: رأيت إسحاق … » إلى: «ابن أشوع» بحاء هكذا: «ح» فيعلم ذلك، وأنَّه ثابت عند أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي وحده (٣).

стр. 5559

٢٦٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة، أبو إسحاق الزُّبيريُّ المدنيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهريُّ القرشيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عتبة بن مسعود (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب (أَنَّ هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الرَّاء وسكون القاف، ملك الرُّوم (قَالَ لَهُ) أي: لأبي سفيان: (سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟) ﵊ به (فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ) ولأبي ذَرٍّ: «يأمر» (بِالصَّلَاةِ) المعهودة (وَالصِّدْقِ) وهو القول المطابق للواقع (وَالعَفَافِ) أي: الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة (وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ) أي: هرقل: (وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ) وقد كان رسول الله ﷺ صادق الوعد لا يعد أحدًا شيئًا إِلَّا وفى له به. هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط من غير الفرع كأصله. ٢٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الزُّرقيُّ الأنصاريُّ أبو إسحاق (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضمِّ السِّين مصغرًا (نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيِّ التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) أي: علامته (ثَلَاثٌ) اسم جمع، ولفظه مفرد، والتَّقدير: آية المنافق معدودة بالثَّلاث: (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) بتخفيف الذَّال المعجمة، أي: أخبر عن الشَّيء على خلاف ما هو به (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بضمَّ التَّاء (خَانَ) في أمانته، بأن تصرَّف فيها على خلاف الشَّرع (وَإِذَا وَعَدَ) أحدًا خيرًا (أَخْلَفَ) فلم يفِ له (٢)، لكن لو كان عازمًا على الوفاء فعرض له مانع فلا إثم عليه، ولو وُجِدَت الثَّلاثةُ في مسلم فهل يكون منافقًا؟ قال الخطَّابيُّ: هذا القول إنَّما خرج على سبيل

стр. 5560

الإنذار للمسلم والتَّحذير له أن يعتاد هذه الخصال، فيفضي به إلى النِّفاق، لا أنَّ من ندرت منه أو فعل شيئًا منها من غير اعتياد أنَّه منافقٌ. وقد سبق هذا الحديث في «باب علامة (١) المنافق» من «كتاب الإيمان» [خ¦٣٣]. ٢٦٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاءُ أبو إسحاق الرَّازيُّ المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف أبو عبد الرَّحمن اليمانيُّ قاضيها (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيقَ ﵁ (مَالٌ مِنْ قِبَلِ العَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، وكان عاملًا لرسول الله ﷺ على البحرين، وأقرَّه الشَّيخان عليها إلى أن مات سنة أربع عشرة (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى (٢) النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، جهته (عِدَةٌ) بتخفيف الدَّال، أي: وعد (فَلْيَأْتِنَا) نَفِ له بذلك (قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ) له بعد أن أتيته (وَعَدَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ) بالتَّثنية (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَعَدَّ) أبو بكر ﵁ (فِي يَدِي خمس مئة، ثُمَّ خمس مئة، ثُمَّ خمس مئة) ثلاثًا، كما وعده ﷺ ثلاثًا، ولمَّا كان من خلقه الوفاء بالوعد نفَّذه أبو بكر بعد وفاته ﷺ .

стр. 5561

وقد سبق هذا الحديث في «باب مَن تكفَّل عن الميِّت دينًا» من «الكفالة» [خ¦٢٢٩٦] ويأتي إن شاء الله تعالى في «باب (١) فرض الخمس» [خ¦٣١٣٧] بعون الله وقوَّته. ٢٦٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) أبو يحيى صاعقة قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بكسر العين، سعدويه البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ) مولى مروان بن محمَّد بن الحكم القرشيُّ الأمويُّ الجزريُّ (عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ) ابن عجلان (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ) بكسر الحاء المهملة، بلدٌ معروف بالعراق. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم اليهوديِّ (أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟) أطولَهما أو أقصرَهما؟ لمَّا قال له صهره: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي﴾ أي: أن تأجر نفسك منِّي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: سنين ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: ٢٧] أي: فإتمامه من عندك تفضُّلًا لا من عندي إلزامًا عليك، فتحصل البراءة من العُهدة بفعل الأقلِّ، ولذا قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] أي: فلا حرج عليَّ قال سعيد بن جبير: (قُلْتُ) لليهوديِّ: (لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ) أي: مكَّة (عَلَى حَبْرِ العَرَبِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحَّدة، ابن عبَّاس، وعند أبي نُعيم من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا: أنَّ جبريل سمَّاه بذلك (فَأَسْأَلَهُ) عن ذلك (فَقَدِمْتُ) مكَّة (فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا) في نفس شُعَيب (إِنَّ رَسُولَ اللهِ) موسى (¬ ﷺ ¬) أو من اتَّصف بالرِّسالة ولم يُرِد نبيًّا بعينه (إِذَا قَالَ فَعَلَ) لأنَّ محاسن أخلاق النُّبوة (٢) مقتضية لذلك، وهذا رواه سعيد موقوفًا، وهو في حكم المرفوع (٣)،

стр. 5562

لأنَّ ابن عبَّاس كان لا يعتمد على (١) أهل الكتاب، وقد صرَّح برفعه عكرمة عن ابن عبَّاس، كما عند ابن جرير عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سألت جبريل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟» قال: أتمَّهما وأكملهما. وعند ابن أبي حاتم من مرسل يوسف بن سَرْج (٢): أنَّ رسول الله ﷺ سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: «لا علم لي، فسأل رسول الله ﷺ جبريل، فقال: لا علم لي، فسأل جبريل مَلكًا فوقه، فقال: لا علم لي، فسأل ذلك الملَك ربَّه، فقال الرَّبُّ : أبرَّهما وأبقاهما، أو قال: أرجاهما». وزاد الإسماعيليُّ من الطَّريق الَّتي أخرجها البخاري: قال سعيد: فلقيني اليهوديُّ، فأعلمته ذلك، فقال: صاحبك، والله عالم. (٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُسْأَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (أَهْلُ الشِّرْكِ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (عَنِ الشَّهَادَةِ وَ) لا (غَيْرِهَا) إذ لا تقبل شهادتهم، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: بقبولها من أهل الذِّمة على بعضهم وإن اختلفت ملَلُهم لأنَّه ﵊ رجم يهوديَّين زنيا بشهادة أربعة منهم. (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، فيما وصله سعيد بن منصورٍ: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ المِلَلِ) بكسر الميم، أي: مِلل الكفر (بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ) زاد سعيد بن منصور: إِلَّا المسلمين (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿فَأَغْرَيْنَا﴾) فألزمنا، من: غري بالشَّيء إذا أُلصِقَ (٣) به (﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة: ١٤]) ولا يزالون كذلك إلى قيام السَّاعة، وكذلك طوائف النَّصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعادين يكفِّر بعضهم بعضًا، فالمَلَكيَّة تكفِّر اليعقوبيَّة، وكذلك الآخرون، كلُّ طائفة تلعن (٤) الأخرى في هذه الدُّنيا ويوم يقوم الأشهاد.

стр. 5563

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فيما وصله في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٥] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ) أي: فيما لا تعرفون صدقَه من قِبَل غيرهم (وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ … ﴾ الاية [البقرة: ١٣٦]) وفيه دليل لردِّ شهادتهم وعدم قبولها، وسقط قوله «الآية» عند أبوي ذرٍّ والوقت. ٢٦٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، وسقط قوله «يحيى» عند أبوي ذرٍّ والوقت قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «عن عبد الله بن عبَّاس» (¬﵄ قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ) من اليهود والنَّصارى، والاستفهام للإنكار (وَكِتَابُكُمُ) القرآن (الَّذِي أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذَرٍّ: «أَنزل» بفتحها (عَلَى نَبِيِّهِ) محمَّد (¬ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللهِ) بفتح الهمزة، أي: أقربُها نزولًا إليكم من عند الله ، فالحدوث بالنِّسبة إلى المنزَّل (١) إليهم، وهو في نفسه قديم، و «أحدثُ» رفع خبر «كتابُكم» و «أنزل» صفته (تَقْرَؤُوْنَهُ لَمْ يُشَبْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، لم يخلط ولم يُغيَّر ولم يُبدَّل (وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ) في كتابه (أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ) صِنْفٌ من اليهود، وعن ابن عبَّاس: هم أحبار اليهود، وعنه أيضًا: هم المشركون وأهل الكتاب (بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللهُ، وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ، فَقَالُوا: هُوَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «هذا» (مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) قال الحسن: الثَّمن القليل الدُّنيا بحذافيرها (أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن

стр. 5564

المُستملي: «بما» (جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ (١) مُسَايَلَتِهِمْ؟) بميم مضمومة فسين مهملة، وبعد الألف مثنَّاة تحتيَّة مفتوحة، ولأبي ذَرٍّ: «عن مساءلتهم» بهمزة بعد الألف بدل التَّحتيَّة ممدودًا (وَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ) فأنتم بالطَّريق الأَولى ألَّا تسألوهم، و «لا» في قوله: «ولا والله» لتأكيد النَّفي (٢). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التوحيد» [خ¦٧٥٢٣] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٦٣]. (٣٠) (بابُ) مشروعية (القُرْعَةِ فِي) الأشياء (المُشْكِلَاتِ) الَّتي يقع النِّزاع فيها بين اثنين أو أكثر، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مِن» بدل «في» أي: لأجل المشكلات كقوله تعالى: ﴿مِنْ خَطَايَاهُم﴾ [العنكبوت: ١٢] أي: لأجل خطاياهم (وَقَوْلِهِ) زاد أبو ذرٍّ: « » أي: في قصَّة مريم: (﴿إِذْ يُلْقُون﴾) أي: حين يلقون (﴿أَقْلَامَهُمْ﴾) أقداحهم للاقتراع، وقِيل: اقترعوا بأقلامهم الَّتي كانوا يكتبون بها التَّوراة تبرُّكًا (﴿يُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]) متعلِّق بمحذوف دلَّ عليه ﴿يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ﴾ أي: يلقونها ليعلموا أيُّهم يكفلها، أي: يضمُّها إلى نفسه ويربِّيها رغبة في الأجر، وذلك لمَّا وضعتها أمُّها حنَّة وأخرجتْها في خرقتها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى بن عمران، وهم يومئذٍ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبةُ من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النَّذيرة، فإنِّي حرَّرتها، وهي ابنتي، وأنا لا أردُّها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمُّهم في الصَّلاة، فقال زكريَّا: ادفعوها إليَّ فإنَّ خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب نفوسنا، هي ابنة إمامنا، فعند ذلك اقترعوا عليها (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْتَرَعُوا، فَجَرَتِ

стр. 5565

الأَقْلَامُ) الَّتي ألقوها في نهر الأردنِّ (مَعَ الجِرْيَةِ) بكسر الجيم، أي: جرية الماء إلى الجهة السُّفلى (وَعَالَ) بعين مهملة، وبعد الألف لام، أي: ارتفع (قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الجِرْيَةَ) فأخذها وضمَّها إلى نفسه، وللأَصيليِّ: «وعالى» بألف بعد اللام، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وعدا» بالدَّال بدل اللَّام كذا في الفرع وأصله، وقال في «فتح الباري»: وفي رواية الكُشْمِيهَنِيِّ: «وعلا»، أي: بعينٍ فلامٍ فألفٍ، من العلوِّ، قال: وفي نسخة: «وعدا» بالدَّال، وهذا (١) وصله ابن جريرٍ بمعناه (فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ). (وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على «قوله» الأوَّل في قصَّة يونس: (﴿فَسَاهَمَ﴾) قال ابن عبَّاس فيما أخرجه ابن جرير: أي: (أَقْرَعَ، ﴿فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]) قال ابن عبَّاس أيضًا فيما أخرجه ابن جرير: أي: (مِنَ المَسْهُومِينَ) وأشار المؤلِّف بما ذكره من قصَّة مريم ويونس عليهما الصلاة والسلام إلى الاحتجاج بصحَّة الحكم بالقرعة، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يَرِد ما يخالفه (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله قريبًا في «باب إذا تسارع قوم في اليمين» [خ¦٢٦٧٤] (عَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا) إلى اليمين (فَأَمَرَ) ﷺ (أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ) بكسر هاء «يسهِم» أي: يقرع (فِي اليَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) قبل الآخر؟ وفيه دلالةٌ لمشروعيَّة القرعة على ما لا يخفى. ٢٦٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة، آخره مثلَّثة، ابن طَلْق -بفتح الطَّاء وسكون اللَّام- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان

стр. 5566

ابن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل: (أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَثَلُ المُدْهِنِ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المهملة وكسر الهاء، آخره نون، أي: الَّذي يرائي (فِي حُدُودِ اللهِ) المضيِّع لها (وَالوَاقِعِ فِيهَا) المرتكبها (مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا) اقترعوا (سَفِينَةً) مشتركة بينهم، تنازعوا في المقام بها عُلْوًا أو سُفْلًا، فأخذ كلُّ واحد منهم نصيبًا من السَّفينة بالقرعة (فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالمَاءِ عَلَى الَّذِينَ) وللأَصيلي وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على الَّذي» (فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا) أي: الَّذين في (١) أعلاها (بِهِ) بالمارِّ عليهم بالماء حالة السَّقي، أو بالماء الَّذي مع المارِّ (فَأَخَذَ) الَّذي مرَّ بالماء (فَأْسًا) بهمزة ساكنة وقد تبدل ألفًا (٢) (فَجَعَلَ يَنْقُرُ) بضمِّ القاف، أي: يحفر (أَسْفَلَ السَّفِينَةِ) ليخرقها (فَأَتَوْهُ) الَّذين أعلاها (فَقَالُوا: مَا لَكَ) تحفر السَّفينة؟ (قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنَ المَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، أي: منعوه من الحفر، ولأبي ذَرٍّ: «على يده» بالإفراد (أَنْجَوْهُ) أي: الحافر (وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ) بتشديد الجيم، من الغرق (وَإِنْ تَرَكُوهُ) يحفر (أَهْلَكُوهُ، وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ). ومن فوائد هذا الحديث: تبيين الحكم بضرب المثل، ووقع في «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٣] من وجه آخر عن عامر وهو الشَّعبيُّ: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها». قال في «فتح الباري»: وهو أصوب، لأنَّ المدهن والواقع في الحكم واحد والقائم مقابله. وعند الإسماعيليِّ في «الشَّركة» «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها» وهذا يشمل الفرق الثلاث وهو الناهي عن المعصية والواقع فيها (٣) والمرائي في ذلك … ووقع عنده هنا أيضًا: «مثل الواقع في حدود الله والنَّاهي عنها … »، وهو المطابق للمثل المضروب، فإنَّه لم يقع فيه إلَّا ذكر فرقتين فقط، لكن إذا كان المداهن مشتركًا في الذَّمِّ مع الواقع فيها، صارا بمنزلة فرقة واحدة، وبيان وجود الفِرَق الثلاث (٤) في المثل المضروب

стр. 5567

أنَّ الَّذين أرادوا خرق السَّفينة بمنزلة الواقع في حدود الله، ثُمَّ من عداهم إمِّا منكر وهو القائم، وإمَّا ساكت وهو المداهن. وهذا الحديث قد سبق في «باب هل يقرع في القسمة» في «الشركة؟» [خ¦٢٤٩٣]. ٢٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ مولاهم، واسم أبيه: دينار (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدّثنا» (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ) أحد الفقهاء السَّبعة التَّابعيُّ الثِّقة (أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ) بفتح العين ممدودًا، بنت الحارث بن ثابت، يقال: إنَّها أمُّ خارجة الرَّاوي عنها (امْرَأَةً) بالنَّصب صفةٌ للسَّابق (مِنْ نِسَائِهِمْ، قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: عاقدته (أَخْبَرَتْهُ) في موضع رفع خبر «أَنَّ» (أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ) بفتح الميم وسكون الظَّاء المعجمة وضمِّ العين المهملة، الجمحيُّ القرشيُّ (طَارَ) أي: وقع (لَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «لهم» (سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتِ الأَنْصَارُ) وفي «الفرع»: «أقرعت الأنصار» (سُكْنَى المُهَاجِرِينَ) لمَّا دخلوا المدينة ولم يكن لهم مساكن (قَالَتْ أُمُّ العَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى) أي: مرض (فَمَرَّضْنَاهُ) بتشديد الرَّاء، أي: قمنا بأمره (حَتَّى إِذَا تُوُفِي وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ) أي: أكفانه بعد أن غسَّلناه (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ) يا (أَبَا السَّائِبِ) بالسِّين المهملة، كُنية عثمان (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) أي: لك (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ،

стр. 5568

فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف، أي: من أين علمت (أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللهِ اليَقِينُ) أي: الموت (وَإِنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِه) أي: بعثمان بن مظعون، وفي «الجنائز» [خ¦١٢٤٣] في رواية غير الكُشْمِيهَنِيِّ: «ما يُفعل بي» وهو موافق لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وسبق ما فيه، ثمَّ (قَالَتْ) أمُّ العلاء: (فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فأحزنني» (ذَلِكَ) الَّذي قاله ﵊ (قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ) بهمزة مضمومة فراء مكسورة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فرأيتُ» (لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بما رأيت لعثمان (فَقَالَ) ﵊: (ذَلِكِ) بلام وكسر الكاف، ولأبي الوقت بفتحها، ولأبي ذَرٍّ: «ذاكَ» (عَمَلُهُ) قال الكِرمانيُّ: وقيل: إنَّما عبَّر الماء بالعمل وجريانه بجريانه لأنَّ كلَّ ميت يُختَم على عمله إلَّا الَّذي مات مرابطًا، فإنَّ عمله ينمو إلى يوم القيامة. وهذا الحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٤٣] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الهجرة» [خ¦٣٩٢٩] و «التفسير» و «التعبير» [خ¦٧٠٠٣]. ٢٦٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بكسر التَّاء، المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا) الذي باسمها منهنَّ (خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) في سفره (وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا. غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونها (تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).

стр. 5569

وهذا الحديث قد سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٩٣]. ٢٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس عبد الله الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ أوَّله وفتح الميم، آخره تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان (وَ) ما في (الصَّفِّ الأَوَّلِ) الَّذي يلي الإمام من الخير والبركة (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) شيئًا من وجوه الأولويَّة بأن يقع التَّساوي (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي: يقترعوا (عَلَيْهِ) أي: على المذكور من الأذان والصَّفِّ الأوَّل (لَاسْتَهَمُوا) أي: لاقترعوا عليهما (١) (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التَّبكير إلى الصَّلوات (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي) ثواب أداء صلاة (العَتَمَةِ) أي: العشاء في جماعة (وَ) ثواب أداء صلاة (الصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) على اليدين والرُّكبتين. وقد سبق هذا الحديث في «الأذان» [خ¦٦١٥] وقد وقع في رواية أبوي ذر والوقت حديث عمر بن حفص بن غياث، المسوق في هذا الباب مؤخَّرًا [خ¦٢٦٨٦] هنا بعد قوله: «لو حبوًا». وغرض المؤلِّف ﵀ بسياق هذه الأحاديث: الإشارة إلى مشروعيَّة القرعة لفصل النِّزاع عند التَّشاحح في حقٍّ ثبت لاثنين فأكثر، وتكون (٢) في الحقوق المتساوية وفي تعيين الملك، فمِن الأوَّل الإمامةُ الكبرى إذا استووا في صفاتها، وفي الأذان والصَّفِّ الأوَّل كما في حديث أبي هريرة ﵁ وفي إمامة الصَّلاة، وكذا إذا تنازع أخوان أو زوجتان في غسل الميِّت ولا مرجح

стр. 5570

لأحدهما، أقرع بينهما، وكذا لو اجتمع اثنان في الصَّلاة على الميِّت واستوت خصالهما المعروفة وتشاحَّا، وكذا لو سبق اثنان إلى مقعد من (١) شارع، وتنازعا فيه، ولو جاءا إلى معدن ظاهر -ككبريت- معًا، أقرع بينهما، ولو التقطا لقيطًا معًا واستويا في الصِّفات (٢)، ولو اجتمع أولياء في درجة واحدة، وتساووا في الصِّفات، وتشاحُّوا، وأراد كلٌّ منهم أن يزوِّج، أقرع أيضًا، وفي ابتداء القَسْم بين الزَّوجات والسَّفر ببعضهنَّ كما في حديث عائشة، والحاضنات إذا كنَّ في درجة واحدة، وولاة القصاص عند الاستواء، وكذا إذا ازدحم خصوم عند القاضي وجُهِل الأسبق أو جاؤوا معًا، وكذا عند تعارض البيِّنتين فيما إذا شهدت بيِّنة أنَّه عتق (٣) في مرضه سالمًا، وأخرى أنَّه عتق غانمًا، وكلُّ واحد (٤) منهما ثلث ماله، واتَّحد تاريخ البيِّنتين، وإن أُطلِقتا، قيل: يقرع، والمذهب يُعتَق من كلٍّ نصفه، ولو عتق ثلاثة (٥)، وقسمةُ ما لا يعظُم ضررُه بالأجزاء، كمثليٍّ مَنِّ حبوب (٦) ودراهم وأدهان وغيرها، ودار متَّفقة أبنيةً، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجبر الممتنع عليها، فتُعدَّل السِّهام كيلًا في المكيل، أو (٧) وزنًا في الموزون، أو ذرعًا في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت كالأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويُكتَب في كلِّ رقعة اسم شريك أو جزء مميَّز بحدٍّ أو جهة وتُدرَج في بنادق مستوية وزنًا وشكلًا من طين مجفَّف أو شمع، ثمَّ يُخْرِج من لم يحضرها رقعة على الجزء الأوَّل إن كتب الأسماء، فيُعِطي من خرج اسمه، أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء، فيُعطى ذلك الجزء، ويفعل كذلك في الرُّقعة الثَّانية، فيخرجها على الجزء الثَّاني أو على اسم عمرو، وتتعيَّن الثَّالثة للباقي إن كانت ثلاثًا، وتعيَّن من يبتدأ به من الشُّركاء، فإن اختلفت الأنصباء، كنصف وثلث وسدس في أرض، جزِّئت الأرض على أقلِّ السِّهام وهو السُّدس، فتكون ستَّة أجزاء، وقُسِمت كما سبق، والله أعلم.
следующие страницы →