ابن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل: (أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَثَلُ المُدْهِنِ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المهملة وكسر الهاء، آخره نون، أي: الَّذي يرائي (فِي حُدُودِ اللهِ) المضيِّع لها (وَالوَاقِعِ فِيهَا) المرتكبها (مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا) اقترعوا (سَفِينَةً) مشتركة بينهم، تنازعوا في المقام بها عُلْوًا أو سُفْلًا، فأخذ كلُّ واحد منهم نصيبًا من السَّفينة بالقرعة (فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالمَاءِ عَلَى الَّذِينَ) وللأَصيلي وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على الَّذي» (فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا) أي: الَّذين في (١) أعلاها (بِهِ) بالمارِّ عليهم بالماء حالة السَّقي، أو بالماء الَّذي مع المارِّ (فَأَخَذَ) الَّذي مرَّ بالماء (فَأْسًا) بهمزة ساكنة وقد تبدل ألفًا (٢) (فَجَعَلَ يَنْقُرُ) بضمِّ القاف، أي: يحفر (أَسْفَلَ السَّفِينَةِ) ليخرقها (فَأَتَوْهُ) الَّذين أعلاها (فَقَالُوا: مَا لَكَ) تحفر السَّفينة؟ (قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنَ المَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، أي: منعوه من الحفر، ولأبي ذَرٍّ: «على يده» بالإفراد (أَنْجَوْهُ) أي: الحافر (وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ) بتشديد الجيم، من الغرق (وَإِنْ تَرَكُوهُ) يحفر (أَهْلَكُوهُ، وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ).
ومن فوائد هذا الحديث: تبيين الحكم بضرب المثل، ووقع في «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٣] من وجه آخر عن عامر وهو الشَّعبيُّ: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها». قال في «فتح الباري»: وهو أصوب، لأنَّ المدهن والواقع في الحكم واحد والقائم مقابله. وعند الإسماعيليِّ في «الشَّركة» «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها» وهذا يشمل الفرق الثلاث وهو الناهي عن المعصية والواقع فيها (٣) والمرائي في ذلك … ووقع عنده هنا أيضًا: «مثل الواقع في حدود الله والنَّاهي عنها … »، وهو المطابق للمثل المضروب، فإنَّه لم يقع فيه إلَّا ذكر فرقتين فقط، لكن إذا كان المداهن مشتركًا في الذَّمِّ مع الواقع فيها، صارا بمنزلة فرقة واحدة، وبيان وجود الفِرَق الثلاث (٤) في المثل المضروب
стр. 5567
أنَّ الَّذين أرادوا خرق السَّفينة بمنزلة الواقع في حدود الله، ثُمَّ من عداهم إمِّا منكر وهو القائم، وإمَّا ساكت وهو المداهن.
وهذا الحديث قد سبق في «باب هل يقرع في القسمة» في «الشركة؟» [خ¦٢٤٩٣].
٢٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ مولاهم، واسم أبيه: دينار (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدّثنا» (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ) أحد الفقهاء السَّبعة التَّابعيُّ الثِّقة (أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ) بفتح العين ممدودًا، بنت الحارث بن ثابت، يقال: إنَّها أمُّ خارجة الرَّاوي عنها (امْرَأَةً) بالنَّصب صفةٌ للسَّابق (مِنْ نِسَائِهِمْ، قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: عاقدته (أَخْبَرَتْهُ) في موضع رفع خبر «أَنَّ» (أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ) بفتح الميم وسكون الظَّاء المعجمة وضمِّ العين المهملة، الجمحيُّ القرشيُّ (طَارَ) أي: وقع (لَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «لهم» (سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتِ الأَنْصَارُ) وفي «الفرع»: «أقرعت الأنصار» (سُكْنَى المُهَاجِرِينَ) لمَّا دخلوا المدينة ولم يكن لهم مساكن (قَالَتْ أُمُّ العَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى) أي: مرض (فَمَرَّضْنَاهُ) بتشديد الرَّاء، أي: قمنا بأمره (حَتَّى إِذَا تُوُفِي وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ) أي: أكفانه بعد أن غسَّلناه (دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ) يا (أَبَا السَّائِبِ) بالسِّين المهملة، كُنية عثمان (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) أي: لك (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ،
стр. 5568
فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف، أي: من أين علمت (أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللهِ اليَقِينُ) أي: الموت (وَإِنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِه) أي: بعثمان بن مظعون، وفي «الجنائز» [خ¦١٢٤٣] في رواية غير الكُشْمِيهَنِيِّ: «ما يُفعل بي» وهو موافق لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وسبق ما فيه، ثمَّ (قَالَتْ) أمُّ العلاء: (فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فأحزنني» (ذَلِكَ) الَّذي قاله ﵊ (قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ) بهمزة مضمومة فراء مكسورة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فرأيتُ» (لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بما رأيت لعثمان (فَقَالَ) ﵊: (ذَلِكِ) بلام وكسر الكاف، ولأبي الوقت بفتحها، ولأبي ذَرٍّ: «ذاكَ» (عَمَلُهُ) قال الكِرمانيُّ: وقيل: إنَّما عبَّر الماء بالعمل وجريانه بجريانه لأنَّ كلَّ ميت يُختَم على عمله إلَّا الَّذي مات مرابطًا، فإنَّ عمله ينمو إلى يوم القيامة.
وهذا الحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٤٣] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الهجرة» [خ¦٣٩٢٩] و «التفسير» و «التعبير» [خ¦٧٠٠٣].
٢٦٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بكسر التَّاء، المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا) الذي باسمها منهنَّ (خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) في سفره (وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا. غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونها (تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).
стр. 5569
وهذا الحديث قد سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٩٣].
٢٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس عبد الله الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ أوَّله وفتح الميم، آخره تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان (وَ) ما في (الصَّفِّ الأَوَّلِ) الَّذي يلي الإمام من الخير والبركة (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) شيئًا من وجوه الأولويَّة بأن يقع التَّساوي (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي: يقترعوا (عَلَيْهِ) أي: على المذكور من الأذان والصَّفِّ الأوَّل (لَاسْتَهَمُوا) أي: لاقترعوا عليهما (١) (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التَّبكير إلى الصَّلوات (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي) ثواب أداء صلاة (العَتَمَةِ) أي: العشاء في جماعة (وَ) ثواب أداء صلاة (الصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) على اليدين والرُّكبتين.
وقد سبق هذا الحديث في «الأذان» [خ¦٦١٥] وقد وقع في رواية أبوي ذر والوقت حديث عمر بن حفص بن غياث، المسوق في هذا الباب مؤخَّرًا [خ¦٢٦٨٦] هنا بعد قوله: «لو حبوًا». وغرض المؤلِّف ﵀ بسياق هذه الأحاديث: الإشارة إلى مشروعيَّة القرعة لفصل النِّزاع عند التَّشاحح في حقٍّ ثبت لاثنين فأكثر، وتكون (٢) في الحقوق المتساوية وفي تعيين الملك، فمِن الأوَّل الإمامةُ الكبرى إذا استووا في صفاتها، وفي الأذان والصَّفِّ الأوَّل كما في حديث أبي هريرة ﵁ وفي إمامة الصَّلاة، وكذا إذا تنازع أخوان أو زوجتان في غسل الميِّت ولا مرجح
стр. 5570
لأحدهما، أقرع بينهما، وكذا لو اجتمع اثنان في الصَّلاة على الميِّت واستوت خصالهما المعروفة وتشاحَّا، وكذا لو سبق اثنان إلى مقعد من (١) شارع، وتنازعا فيه، ولو جاءا إلى معدن ظاهر -ككبريت- معًا، أقرع بينهما، ولو التقطا لقيطًا معًا واستويا في الصِّفات (٢)، ولو اجتمع أولياء في درجة واحدة، وتساووا في الصِّفات، وتشاحُّوا، وأراد كلٌّ منهم أن يزوِّج، أقرع أيضًا، وفي ابتداء القَسْم بين الزَّوجات والسَّفر ببعضهنَّ كما في حديث عائشة، والحاضنات إذا كنَّ في درجة واحدة، وولاة القصاص عند الاستواء، وكذا إذا ازدحم خصوم عند القاضي وجُهِل الأسبق أو جاؤوا معًا، وكذا عند تعارض البيِّنتين فيما إذا شهدت بيِّنة أنَّه عتق (٣) في مرضه سالمًا، وأخرى أنَّه عتق غانمًا، وكلُّ واحد (٤) منهما ثلث ماله، واتَّحد تاريخ البيِّنتين، وإن أُطلِقتا، قيل: يقرع، والمذهب يُعتَق من كلٍّ نصفه، ولو عتق ثلاثة (٥)، وقسمةُ ما لا يعظُم ضررُه بالأجزاء، كمثليٍّ مَنِّ حبوب (٦) ودراهم وأدهان وغيرها، ودار متَّفقة أبنيةً، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجبر الممتنع عليها، فتُعدَّل السِّهام كيلًا في المكيل، أو (٧) وزنًا في الموزون، أو ذرعًا في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت كالأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويُكتَب في كلِّ رقعة اسم شريك أو جزء مميَّز بحدٍّ أو جهة وتُدرَج في بنادق مستوية وزنًا وشكلًا من طين مجفَّف أو شمع، ثمَّ يُخْرِج من لم يحضرها رقعة على الجزء الأوَّل إن كتب الأسماء، فيُعِطي من خرج اسمه، أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء، فيُعطى ذلك الجزء، ويفعل كذلك في الرُّقعة الثَّانية، فيخرجها على الجزء الثَّاني أو على اسم عمرو، وتتعيَّن الثَّالثة للباقي إن كانت ثلاثًا، وتعيَّن من يبتدأ به من الشُّركاء، فإن اختلفت الأنصباء، كنصف وثلث وسدس في أرض، جزِّئت الأرض على أقلِّ السِّهام وهو السُّدس، فتكون ستَّة أجزاء، وقُسِمت كما سبق، والله أعلم.
стр. 5571
((٥٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم) بإثبات البسملة (كِتَابُ الصُّلْحِ).
(١) (مَا جَاءَ فِي الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «إذا تفاسدوا»، وسقط لغير الأَصيليِّ وأبي الوقت «كتاب الصُّلح»، ولأبي ذر: «ما جاء». وزاد في «الفتح» ثبوت: «كتاب الصُّلح» للنَّسفيِّ أيضًا قال: ولغيرهم: «باب». والصُّلح لغةً: قطع النِّزاع، وشرعًا: عقد يحصل به ذلك، وهو أنواع: فمنه ما يكون بين المتداعيَين، وتارة يكون على إقرار، وتارة على إنكار، والأوَّل يكون على عينٍ كدار أو حصَّة منها، وعلى منفعة في دار، ويكون الصُّلح أيضًا بين الزَّوجين عند الشِّقاق، وفي الجِراح كالعفو على مال وبين الفئة الباغية (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله: «في الإصلاحِ» ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾) من تناجي النَّاس (﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾) إلَّا نجوى من أمر، على أنَّه مجرور بدلًا من ﴿كَثِيرٍ﴾ كما تقول: لا خير في قيامهم إِلَّا قيامِ زيد، ويجوز أن يكون منصوبًا على الانقطاع، بمعنى: ولكن مَن أمر بصدقة؛ ففي نجواه الخيرُ، والمعروف: كلُّ ما يستحسنه الشَّرع، ولا ينكره العقل، وفسَّرها هنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التَّطوُّع وسائر ما فُسِّرَ به (﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾) أو إصلاح ذات البين (﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) الَّذي ذُكِرَ (﴿ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾) طلبًا
стр. 5572
لثوابه لا للرِّياء والسُّمعة (﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]) وصَفَ الأجر بالعِظَم؛ تنبيهًا على حقارة ما فاته في جنبه من أعراض الدُّنيا، ووقع في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت الاقتصار من الآية على قوله: «﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾» ثمَّ قال: «إلى آخر الآية». وعند الأَصيليِّ: «إلى قوله: ﴿ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾» ثمَّ قال: «الآية» وأشار بهذه الآية إلى بيان فضل الإصلاح بين النَّاس، وأنَّ الصُّلح مندوب إليه، وعن أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضلَ مِن درجة الصِّيام والصَّلاة والصَّدقة؟» قالوا: بلى. قال ﷺ : «إصلاح ذات البين، فإن (١) فساد ذات البَين هي الحالقة». رواه أحمد (وَخُرُوجِ الإِمَامِ) بالجرِّ أيضًا عطفًا على قوله: «وقولِ اللهِ» وهو من بقيَّة التَّرجمة (إِلَى المَوَاضِعِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَصْحَابِهِ).
стр. 5573
٢٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّد الجمحيُّ مولاهم، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (أَبُو غَسَّانَ) محمَّد بن مطرف اللَّيثي المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (¬﵁: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين وسكون الميم، لم يُسمَّوا وكانت منازلهم بقباء (١) (كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ) من الخصومة حتَّى ترَامَوا بالحجارة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «شرٌّ» ضدُّ الخير (فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) سُمِّيَ منهم أُبيُّ بن كعب وسُهَيل بن بيضاء في «الطَّبرانيِّ» (يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) هي العصر (وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مسجده (فجَاءَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ) سقط قوله «فجاء بلال» لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وفي نسخة الميدوميِّ: «فجاء بلال فأذَّن بالصَّلاة» فأسقط لفظ «بلالٌ» الثَّاني (وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ) بلال (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فَقَالَ) له: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حُبِسَ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول بسبب الإصلاح (وَقَدْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ) ودخل في الصَّلاة (ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ) وهو جائز للإمام، مكروهٌ لغيره (فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ) بالحاء المهملة وأوَّله موحَّدة، ولأبي ذَرٍّ (٢): «في التَّصفيح» بـ «في» بدل الموحَّدة، وله عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بالتَّصفيق» بالموحَّدة والقاف، وهما بمعنًى، أي: ضربَ كلٌّ يده بالأخرى، حتَّى سُمِعَ لها صوت (حَتَّى أَكْثَرُوا) منه (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (لَا يَكَادُ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ) لأنَّه اختلاس يختلسه الشَّيطان من صلاة الرَّجل، كما عند ابن خزيمة (فَالتَفَتَ) لمَّا أكثروا التَّصفيق (فَإِذَا هُوَ بِالنَّبِيِّ ﷺ
стр. 5574
وَرَاءَهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ) ﵊ (بِيَدِهِ) الكريمة (فَأَمَرَهُ يُصَلِّي) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أن يصلي» (كَمَا هُوَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ) بالإفراد (فَحَمِدَ اللهَ) أي: بلسانه، زاد في «باب مَن دخل ليؤمَّ النَّاس» من «الصَّلاة» [خ¦٦٨٤]: «على ما أمره به» أي: من الوجاهة في الدِّين، زاد الأَصيليُّ: «وأثنى عليه» (ثُمَّ رَجَعَ) أبو بكر (القَهْقَرَى وَرَاءَهُ) حتَّى لا يستدبر القبلة ولا ينحرف عنها (حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ) بالواو، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فتقدَّم» (النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ) ﵊ من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا نَابَكُمْ) أي: أصابكم (شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ) بالموحَّدة والحاء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بالتَّصفيق» بالموحَّدة والقاف، و «إذا» للظَّرفية المحضة لا الشَّرطية، وفي حاشية الفرع كأصله مكتوبًا: صوابُه: «ما لكم إذا نابكم» وضُبِّب على لفظ: «النَّاس»، فلْيُتأَمَّل. (إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ. مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ) وزاد الأبوان (١) عن الحَمُّويي: «سبحان الله» (فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ) يصلِّي معه (إِلَّا التَفَتَ) إليه (يَا أَبَا بَكْرٍ؛ مَا مَنَعَكَ) قال الكِرمانيُّ: مجاز عن: «دعاك» حملًا للنَّقيض على النَّقيض، قال السَّكَّاكيُّ: والتَّعلُّق بين الصَّارف عن فعل الشَّيء والدَّاعي إلى تركه يحتمل أن يكون «منعكَ» مرادًا به: دعاك (حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أُشِيرَ» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (لَمْ تُصَلِّ بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: قدَّامه إمامًا به، ولم يقل: ما كان ينبغي لي ولا لأبي بكر تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته.
وفي الحديث: مشروعيَّة الإصلاح بين النَّاس والذَّهاب إليهم لذلك.
стр. 5575
٢٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد المهملة الأولى، ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الميم الثَّانية (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان (أَنَّ أَنَسًا) هو ابن مالك (¬﵁ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) أي: ابنَ سلول الخزرجيَّ، وكان منزله بالعالية، و «لو» للتَّمنِّي فلا تحتاج إلى جواب، أو على أصلها والجواب محذوفٌ، أي: لكان خيرًا، أو نحو ذلك (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا) جملة حاليَّة (فَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ) حال كونهم (يَمْشُونَ مَعَهُ) ﵇ (وَهْيَ) أي: الأرض التي مرَّ فيها ﵇ (أَرْضٌ سَبِخَةٌ) بكسر الموحَّدة، ذات سِباخ، تعلوها الملوحة، لا تكاد تنبت إلَّا بعض الشَّجر (فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) أي: عبد الله بن أُبيٍّ له ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (إِلَيْكَ) أي: تنحَّ (عَنِّي، وَاللهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ) وفي «تفسير مقاتل»: مرَّ ﷺ على الأنصار وهو راكب حمارَه يعفورَ فبال، فأمسك ابن أُبيٍّ بأنفه، وقال للنَّبيِّ ﷺ : خلِّ للنَّاس سبيل الرِّيح من نتن هذا الحمار (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ) هو عبد الله بن رواحة: (وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ) برفع «أطيبُ» خبرًا لحمار، واللَّام للتَّأكيد (فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ) أي: لأجل عبد الله بن أُبيٍّ (رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) قال ابن حجر: لم أعرفه (فَشَتَمَا) بالتَّثنية من غير ضمير، أي: شتم كلُّ واحد منهما الآخر، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فشتمه» (فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ) بالجيم والرَّاء: الغصن الَّذي يُجرَّد عنه الخوص، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بالحديد» بالحاء والدَّال المهملَتين، والأوَّل أصوبُ (وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ) قال أنس بن مالك: (فَبَلَغَنَا أَنَّهَا) أي: الآية (أُنْزِلَتْ) بهمزة مضمومة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «نزلت»:
стр. 5576
(﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) واستشكل ابن بطَّال نزول هذه الآية في هذه القصَّة من جهة أنَّ المخاصمة وقعت بين مَن كان معه ﷺ من الصَّحابة وبين أصحاب عبد الله بن أُبيٍّ، وكانوا حينئذ كفَّارًا. وأُجيبَ: بأنَّ قول أنس: بلغنا أنَّها أنزلت، لا يستلزم النُّزول في ذلك الوقت، ويؤيِّده أنَّ نزول آية الحُجُرات متأخِّرٌ جدًّا. وقال مغلطاي فيما نقله عنه في «المصابيح» وفي «تفسير ابن عباس»: وأعان ابنَ أُبيٍّ رجالٌ من قومه وهم مؤمنون، فاقتتلوا، قال: وهذا فيه ما يزيل استشكال ابن بطَّال، وذكر سعيد بن جُبَير: أنَّ الأوس والخزرج اختلفوا (١) في حدٍّ، فاقتتلوا بالعِصيِّ والنِّعال، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
(٢) (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ الكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) أي: ليس من يصلح بين النَّاس كاذبًا، فهو من باب القلب، قاله في «الفتح».
٢٦٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء وفتح الميم مصغَّرًا، ابن عوف (أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ)
стр. 5577
بضمِّ الكاف وبالمثلَّثة (بِنْتَ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، ابن أبي مُعَيط أُخت عثمان بن عفَّان لأمِّه (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَقُولُ: لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «بالَّذي» (يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) بضمِّ الياء من الإصلاح، والجملة في محل نصب خبر «ليس» (فَيَنْمِي خَيْرًا) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون النُّون وكسر الميم، يقال: نمَيت الحديث بالتَّخفيف أَنميه: إذا بلَّغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلَّغته على وجه الإفساد والنَّميمة قلت: نَمَّيته، بالتَّشديد كذا قال أبو عبيدة وابن قُتيبة والجمهور، وقال الحربيُّ: هي مشدَّدة، وأكثر المحدِّثين يخفِّفها، وهذا لا يجوز، ورسول الله ﷺ لا يلحن، ومَن خفَّف لزمه أن يقول: «خيرٌ»، يعني: بالرَّفع، قال ابن الأثير: وهذا ليس بشيء فإنَّ «خيرًا» ينتصب بـ «ينمي» كما ينتصب بـ «قال» (أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) شكٌّ من الرَّاوي، وليس المراد نفي ذات الكذب، بل نفي إثمه، فالكذب كذبٌ سواء كان للإصلاح أو لغيره (١)، وقد يُرخَّص في بعض الأوقات في الفساد القليل الَّذي يؤمَّل فيه الصَّلاح الكثير، وعند مسلم والنَّسائيِّ من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه في آخر هذا الحديث: «ولم أسمعه يرخِّص في شيء ممَّا يقول النَّاس إنَّه كذب، إلَّا في ثلاث يعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرَّجل امرأته» لكنَّ هذه الزِّيادة مُدْرَجة، كما بيَّن ذلك مسلم من طريق يونس عن الزُّهريِّ، فجوَّز قوم الكذب في هذه الثَّلاثة، وقاس بعضهم عليها أمثالها، وقالوا: إنَّ الكذب مذموم فيما فيه مضرَّة، أو ما ليس فيه مصلحةٌ (٢)، ومنعه بعضهم مطلقًا، وحملوا المذكور هنا على التورية، كأن يقول للظَّالم: دعوت لك أمس، يعني: اللهم اغفر للمسلمين، ويَعِدُ امرأته
стр. 5578
بعطيَّةِ شيءٍ، ويريد: إن قدَّر الله، وأن يُظهر من نفسه قوَّة في الحرب. قال المهلَّب: وإنما أطلق ﵇ للمصلح بين النَّاس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين، ويسكت عمَّا سمع من الشَّرِّ بينهم، لا أنَّه يخبر بالشَّيء على خلاف ما هو عليه. وقال في «المصابيح»: وليس في تبويب البخاريِّ ما يقتضي جواز الكذب في الإصلاح، وذلك أنَّه قال: «ليس الكاذب الَّذي يصلح بين النَّاس» وسَلْبُ الكاذبِ عن الإصلاح لا يستلزم كون ما يقوله كذبًا؛ لجواز أن يكون صدقًا بطريق التَّصريح أو التَّعريض، وكذا الواقع في الحديث، فإنَّه ليس فيه الكذَّاب الَّذي يصلح بين النَّاس، واتَّفقوا على أنَّ المراد بالكذب في حقِّ المرأة والرَّجل إنَّما هو فيما لا يُسقِط حقًّا عليه أو عليها، أو أَخْذ ما ليس لها أو له، وعلى جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل هو مختفٍ عنده، فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك، ولا يأثم.
وهذا الحديث ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، ساقطٌ عند غيرهما.
(٣) (بابُ قَوْلِ الإِمَامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ) بالرَّفع.
٢٦٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذُّهليُّ، فيما جزم به الحاكم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) هو من مشايخ المؤلِّف، وروى عنه بلا واسطةٍ في الباب السَّابق (وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، من مشايخه أيضًا (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الأنصاريِّ (¬﵁ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ) بالصَّرف، وفي أوَّل «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٦٩٠] أنَّ ناسًا من بني عمرو بن عوف (اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ) بضمِّ الهمزة وكسر الموحَّدة، وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ)
стр. 5579
لبعض أصحابه، وسمَّى منهم أُبيَّ بن كعب وسُهيل (١) بن بيضاء كما في «الطَّبرانيِّ»: (اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ) برفع «نصلحُ» على تقدير: نحن نصلح، ولأبي ذَرٍّ: «نصلحْ» بالجزم على جواب الأمر. وفي الحديث خروج الإمام في أصحابه (٢) للإصلاح بين النَّاس عند شدَّة تنازعهم.
وهذا الحديث طرف من الحديث السَّابق أوّل «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٦٩٠] ومطابقته لما تُرجِمَ به هنا ظاهرةٌ.
(٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النِّساء مخبرًا ومشرِّعًا عن حال الزَّوجين، تارةً في نفور الرَّجل عن المرأة، وتارةً في حال اتِّفاقه معها، وتارةً عند فراقه لها: (﴿أَن يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾) أصله: أن يتصالحا، فأُبدِلَت التَّاء صادًا، وأُدغِمَت في تاليتها، أي: يصطلحا، بأن تحطَّ له بعض المهر أو القسم، أو تهب له شيئًا تستميله به، وقرأ الكوفيُّون: ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ من: أصلح (٣) بين المتنازعَين، وعلى هذا جاز أن ينتصب ﴿صُلْحًا﴾ على المفعول به، وبينهما ظرف أو حال منه، أو على المصدر كما في القراءة الأولى، والمفعول بينهما، أو هو محذوف (﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]) مِن الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، ويجوز ألَّا يُراد (٤) به التَّفضيل، بل بيان أنَّه من الخيور، كما أنَّ الخصومة من الشُّرور، قاله البيضاويُّ.
٢٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفي أبو رجاء البَغْلانيُّ -بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) في تفسير قوله تعالى: (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا﴾) توقَّعت منه لِما ظهر لها من المَخايل
стр. 5580
(﴿نُشُوزًا﴾) تجافيًا عنها وترفُّعًا عن صحبتها كراهية لها (﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]) بأن يقلَّ مجالستها ومحادثتها (قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ كِبَرًا) بكسر الكاف وفتح الموحَّدة، أي: كبر السِّنِّ والهرم، وفي الفرع: «كبْرًا» بسكون الموحَّدة، وليس هو في «اليونينيَّة» (أَوْ غَيْرَهُ) من سوء خُلق أو خَلْق، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وغيره» بإسقاط الألف، وله أيضًا عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وغيرة» بمثنَّاة فوقيَّة بدل الهاء (فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا، فَتَقُولُ) أي: المرأة لزوجها: (أَمْسِكْنِي) ولا تفارقني (وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ) من النَّفقة وغيرها (قَالَتْ) عائشة: (فَلَا) بالفاء، ولأبي ذر: «ولا» (بَأْسَ) بذلك (إِذَا تَرَاضَيَا) أي: الرَّجل وامرأته.
وتأتي مباحث ذلك في «تفسير سورة النساء» [خ¦٤٦٠١] إن شاء الله تعالى بعون الله.
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اصْطَلَحُوا) أي: المتخاصمون (عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ) بالإضافة، أي: ظلم، وجوَّز في «الفتح» وغيره تنوين: «صلحٍ»، فيكون «جَوْر» صفة له (فَالصُّلْحُ) بالفاء جواب «إذا» المتضمِّنة معنى الشَّرط، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فهو» (مَرْدُودٌ).
٢٦٩٥ - ٢٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن ابن أبي ذئب قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄¬) أنَّهما (قَالَا:
стр. 5581
جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) القرآن أو بحكم الله مطلقًا، والثَّاني أَولى؛ لأنَّ النَّفي والرَّجم ليسا في القرآن، نعم، يُؤخَذ من الأمر بطاعة الرَّسول في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ونحوه، وفي حديث عبادة بن الصَّامت عند مسلم مرفوعًا: «خذوا عنِّي خذوا عنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثَّيِّب بالثَّيِّب جلد مئة والرَّجم» فوضَّح دخوله تحت السَّبيل المذكور في الآية فيصير التَّغريب في القرآن من هذا الوجه، لكنَّ زيادة الجلد مع الرَّجم منسوخٌ (١) بأنه ﷺ رجَم من غير جلد، ولا ريب أنَّه ﵊ إنَّما يحكم بكتاب الله، فالمراد: أن يفصل بينهما بالحكم الصَّرف لا بالصُّلح؛ إذ للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصوم (فَقَامَ خَصْمُهُ) هو في الأصل مصدر خصمه يخصمه، إذا نازعه وغالبه، ثمَّ أُطلِق على المخاصِم وصار اسمًا له، ولذا يُطلَق على الواحد والاثنين والأكثر بلفظ واحد، مذكَّرًا كان المخاصم أو مؤنَّثًا، لأنَّه بمعنى: ذو، كذا على قول البصريِّين في: رجل عَدْل ونحوه، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] وربما ثُنِّي وجُمِعَ؛ نحو: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] ولم يُسَمَّ هذا الخصم (فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ) وللأَصيليِّ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والمُستملي: «فاقضِ» (بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي) لم يُسَمَّ (كَانَ عَسِيفًا) وفي «الشروط» [خ¦٢٧٢٤] «فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه. نعم» (٢)، فاقضِ بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : «قل» قال: «إنَّ ابني
стр. 5582
كان عسيفًا»، وظاهر هذه الرِّواية أنَّ القائل: «إنَّ ابني كان عسيفًا» هو الثَّاني لا الأوَّل، وجزم الكِرمانيُّ: بأنَّه الأوَّل لا الثَّاني، ولعلَّه تمسَّك بقوله هنا. «فقال الأعرابيُّ: إن ابني» لكنْ قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ قوله: «فقال الأعرابيُّ: إنَّ ابني» زيادةٌ شاذَّةٌ، وإنَّ المحفوظ في سائر الطُّرق غير ما هنا. انتهى. والعسيف -بالسِّين المهملة المخفَّفة والفاء- أي: أجيرًا (عَلَى هَذَا) لم يقل: لهذا، ليُعلَم أنَّه أجير ثابتُ الأجرة عليه لكونه لابس العمل وأتمَّه (فَزَنَى) ابني (بِامْرَأَتِهِ) لم تُسَمَّ (فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ) أي: إن كان بكرًا واعترف (فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِئَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ) أي: جارية «ومِنْ» في قوله: «منه» للبدليَّة، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ) الصَّحابة الذين كانوا يفتون في عصره ﷺ ، وهم الخلفاء الأربعة وثلاثة من الأنصار أُبيُّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وزاد ابن سعد في «الطَّبقات»: عبد الرَّحمن بن عوف (فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ) بإضافة «جلدُ» لـ «مئةٍ» في الفرع اليونينيِّ، وفي الفرع المقروء على الميدوميِّ: «جلدٌ» بالتنوين «مئةً» بالنَّصب على التمييز، وقال القاضي عياض: إنَّه رواية الجمهور، قال: وجاء عن الأَصيليِّ: «جلدةُ مئةٍ» بالإضافة مع إثبات الهاء، يعني: بإضافة المصدر إلى ضمير الغائب العائد على الابن، من باب: إضافة المصدر إلى المفعول، قال: وهو بعيدٌ، إلَّا أن ينصب «مئة» على التَّفسير، أو يضمر المضاف، أي: إلى (١) عدد مئة، أو نحو ذلك (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) ونفي عن البلد الَّذي وقعت فيه الجناية (٢) (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكمه (أَمَّا الوَلِيدَةُ) الجارية (وَالغَنَمُ) اللَّذان افتديتَ بهما ابنك (فَرَدٌّ) أي: مردود (عَلَيْكَ) فأطلق المصدر على المفعول، ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فَتُرَدُّ» على صيغة المجهول من المضارع، قال ابن دقيق العيد: فيه
стр. 5583
دليل على أنَّ ما أُخِذَ بالمعاوضة الفاسدة يجب ردُّه، ولا يملك (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) بالإضافة فيهما، وزاد في «باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزِّنى عند الحاكم» [خ¦٦٨٤٢] من حديث عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب: «وجلد ابنه مئة وغرَّبه عامًا» (وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ لِرَجُلٍ) من أسلم -وهو بضمِّ الهمزة وفتح النُّون مصغَّرًا- هو أُنَيس بن الضَّحَّاك الأسلميُّ (١) لا ابن مرثد ولا خادمه ﵊ (فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) أي: ائتها غدوةً أو امشِ إليها (فَارْجُمْهَا) أي: إن اعترفت كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٦٣٣] (فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا) بعد أن اعترفت، وإنَّما خصَّ ﵊ أُنَيسًا بهذا الحكم؛ لأنَّه من قبيلة المرأة، وقد كانوا ينفرون من حكم غيرهم، لكنْ في بعض الرِّوايات: «فاعترفت (٢)، فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجِمَت» قال القرطبيُّ: وهو يدلُّ على أنَّ أُنَيسًا إنَّما كان رسولًا؛ ليسمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم كان منه ﵊، ويُشْكِل عليه كونه اكتفى في ذلك بشاهد واحد. وأُجيبَ: بأنَّ قوله: «فاعترفت فأمر بها فرُجِمَت» هو (٣) من رواية اللَّيث عن الزُّهريِّ، وقد رواه عن الزُّهريِّ مالك بلفظ: «فاعترفت فرجمها» لم يقل: «فأمر بها النبي ﷺ فرجمت» وعند التَّعارض فحديث مالك أَولى لما تقرَّر من ضبط مالك وخصوصًا في حديث الزُّهريِّ، فإنَّه من أعرف النَّاس به، فالظَّاهر أنَّ أُنَيسًا كان حاكمًا، ولئن سلَّمنا أنَّه كان رسولًا؛ فليس في الحديث نصٌّ على انفراده بالشَّهادة، فيحتمل أنَّ غيره شهد عليها.
وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الحدود» [خ¦٦٨٢٧] وقد سبق بعض الحديث في «باب الوكالة في الحدود» من «كتاب الوكالة» [خ¦٢٣١٥] ومطابقته لما تُرجِم له (٤) في قوله: «أمَّا الوليدة والغنم فردٌّ عليك» لأنَّه في معنى الصُّلح عمَّا وجب على العسيف من الحدِّ، ولم (٥) يكن ذلك جائزًا في الشَّرع، فكان جورًا.
стр. 5584
٢٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) هو ابن إبراهيم الدَّورقيُّ كما في «المغازي» في «باب مَن شهد بدرًا» [خ¦٣٩٨٨] قال البخاريُّ: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال أبو ذرٍّ في روايته: «أي: الدَّورقيُّ»، وبذلك رجَّحه الحافظ ابن حجر؛ حملًا لما أطلقه البخاريُّ هنا على ما قيَّده في «المغازي» [خ¦٣٩٨٨] قال: وهذه عادة البخاريِّ، لا يهمل نسبة الرَّاوي إلَّا إذا ذكرها في مكان آخر، فيهملها استغناء عنها بما ذكره، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكر الصِّدِّيق المدنيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا) ديننا (هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ) ممَّا لا يوجد في كتاب ولا سُنَّة، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «منه» (فَهُوَ رَدٌّ) من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، أي: فهو مردود، أي: باطل غير معتدٍّ به.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الأقضية» وأبو داود وابن ماجه في «السُّنَّة» (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن المسور بن مخرمة (المَخْرَمِيُّ) بفتح الميم الأولى وكسر الثَّانية بينهما خاء معجمة ساكنة فراء مفتوحة، نسبة إلى جدِّه الأعلى، فيما وصله مسلم من طريق أبي عامر العقديِّ، والبخاريُّ في «خلق أفعال العباد» (وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ) المدنيُّ، فيما وصله الدارقطني من طريق عبد العزيز بن محمَّد عنه، وليس لعبد الواحد في «البخاريِّ» سوى هذا (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف، و «سعْد» بسكون العين.
(٦) هذا (بابٌ) بالتنوين (كَيْفَ يُكْتَبُ) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: كيف يُكتَب الصُّلح؟ يُكتَبُ: (هَذَا مَا صَالَحَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) فيكتفي بذلك إذا (١) كان مشهورًا
стр. 5585
(وَلَمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وإن لم» (١) (يَنْسُبْهُ إِلَى قَبِيلَتِهِ، أَوْ نَسَبِهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ في نسخة: «إلى قبيلهِ» بإسقاط المثنَّاة الفوقيَّة الَّتي بعد اللَّام إذا كان مشهورًا بدون ذلك بحيث يُؤمَن اللَّبس، وإلَّا فتتعيَّن النِّسبة.
٢٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، أبو بكر العبديُّ البصريُّ المعروف ببندار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الهَمْدانيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف الياء في الفرع كأصله وغيره، قال القاضي عياض: كذا ضبطناه عن المتقنين، وعامَّة الفقهاء والمحدِّثون يشدِّدونها، وهي قرية ليست بالكبيرة، سُمِّيَت ببئر هناك عند مسجد الشَّجرة (كَتَبَ عَلِيٌّ) بن أبي طالب رضوان الله عليه بأمره ﷺ ، وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت «ابن أبي طالب» (بَيْنَهُمْ) أي: بين المسلمين والمشركين (كِتَابًا) بالصُّلح على أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين، وأن يأمن بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامَهم (فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) فيه حَذْفٌ، أي: هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله، زاد في رواية غير أبي ذرٍّ: « ﷺ » (فَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا (٢) لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ) ﷺ (لِعَلِيٍّ) ﵁: (امْحُهُ) بضمِّ الحاء في الفرع كأصله، وفي نسخة بفتحها، أي: امحُ الخطَّ الَّذي لم يريدوا إثباته، يقال: محوت الكتابة ومحيتها (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال» (عَلِيٌّ) ﵁: (مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ) ليس بمخالفة لأمره ﵊، بل عُلِم بالقرينة أنَّ الأمر ليس للإيجاب (فَمَحَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬)
стр. 5586
زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والمُستملي: «بيده» (وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ) في العام القابل (١) مكَّة (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فلا» (يَدْخُلُوهَا إِلَّا بِجُلْبانِ السِّلَاحِ) بضمِّ الجيم وسكون اللَّام، وبضمِّها وتشديد الموحَّدة، وقال عياض: وبالتَّشديد ضبطناه، وصوَّبه ابن قُتيبة، وبالتَّخفيف ضبطه الهرويُّ وصوَّبه، وإنَّما اشترطوا ذلك ليكون أمارةً للسِّلم؛ لئلَّا يُظنَّ أنَّهم دخلوها قهرًا (فَسَأَلُوهُ: مَا جُلْبانُ السِّلَاحِ؟) بتخفيف الموحَّدة وتشديدها (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ «قال»: (القِرَابُ بِمَا فِيهِ).
ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «فكتب: محمَّد رسول الله»، ولم ينسبه لأبيه وجدِّه، وأقرَّه ﷺ على ذلك؛ لأمن اللَّبس.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «المغازي» وأبو داود في «الحجِّ».
٢٦٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مصغَّرًا، أبو محمَّد العبسيُّ، مولاهم
стр. 5587
الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) وللأَصيلي زيادة: «ابن عازب» (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ) بفتح القاف في الفرع كأصله وغيرهما (فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ) بفتح الدَّال، أي: امتنعوا أن يتركوه (يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ) من القضاء؛ وهو إحكام الأمر وإمضاؤه (عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فقط (فَلَمَّا كَتَبُوا الكِتَابَ) بخطِّ عليٍّ (كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) زاد في غير رواية أبي ذرٍّ: « ﷺ » (فَقَالُوا) أي: المشركون: (لَا نُقِرُّ بِهَا) أي: بالرِّسالة (فَلَوْ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «ولو» (نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا مَنَعْنَاكَ) من دخول مكَّة، وعبَّر بالمضارع بعد «لو» الَّتي للماضي؛ لتدلَّ (١) على الاستمرار، أي: استمرَّ عدم علمنا برسالتك في سائر الأزمنة من الماضي (٢) والمضارع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] قاله في «شرح المشكاة» (لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُ رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع على الحكاية، ولأبي الوقت: «امحُ رسولَ الله» بالنَّصب على المفعوليَّة (قَالَ) أي: عليٌّ: (لَا، وَاللهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا) لعلمه بالقرائن أنَّ الأمر ليس للإيجاب (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الكِتَابَ، فَكَتَبَ) إسناد الكتابة إليه ﷺ على سبيل المجاز؛ لأنَّه الآمر بها، وقيل: كتب وهو لا يحسن، بل أُطلِقت يده بالكتابة، ولا ينافي هذا كونه أمِّيًّا لا يحسن الكتابة؛ لأنَّه ما حرَّك يده تحريك من يحسن الكتابة، إنَّما حرَّكها فجاء المكتوب صوابًا من غير قصد، فهو معجزة، ودُفِعَ بأنَّ ذلك مناقض لمعجزة أخرى، وهو كونه أمِّيًّا لا يكتب، وفي ذلك إفحام الجاحد، وقيام الحجَّة والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، وقيل: لمَّا أخذ القلم؛ أوحى الله إليه فكتب، وقيل: ما مات حتَّى كتب (هَذَا) إشارة إلى ما في الذِّهن، مبتدأ خبره قوله: (مَا قَاضَى) ومفسِّر له، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «عليه» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ لَا يَدْخُلُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه (مَكَّةَ سِلَاحٌ) بالرَّفع، وللأَصيليِّ: «إلَّا وله»، ولأبي الوقت: «بسلاح» بزيادة حرف الجرِّ، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «لا يُدخِل» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه «مكة سلاحًا» بالنَّصب على المفعوليَّة (إِلَّا فِي القِرَابِ) وقوله: «لا يُدخِل» (٣)
стр. 5588
مفسِّرٌ لقوله: «قاضى» وكذا قوله: (وَأَلَّا يَخْرُجَ) بفتح أوَّله وضمِّ الرَّاء (مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ) أي: من الرِّجال (إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «يَتْبعه» بسكونها (وَأَلَّا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ) إن (١) (أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا) أي: مكَّة (فَلَمَّا دَخَلَهَا) أي: مكَّة في العام القابل (وَمَضَى (٢) الأَجَلُ) وهو الأيام الثَّلاثة، أي: قرب انقضاؤها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال الكِرمانيُّ: ولا بدَّ من هذا التَّأويل؛ لئلَّا يلزم عدم الوفاء بالشَّرط (أَتَوْا عَلِيًّا) ﵁ (فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ) أي: النَّبيّ ﷺ ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لأصحابك النَّبيِّ ﷺ ومن معه»: (اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ) زاد البيهقيُّ: «فحدَّثه عليٌّ بذلك، فقال: نعم» (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ) وللأَصيليِّ: «بنتُ» (حَمْزَةَ) اسمُها: عُمارةُ أو أُمامة (يَا عَمِّ يَا عَمِّ) مرَّتين، أي: تقول له ﵊: يا عمِّ، لأنَّه عمُّها من الرَّضاعة (فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ) وللأَصيليِّ: «عليُّ بن أبي طالب» (فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵍: دُونَكِ) بكسر الكاف، أي: خذي (ابْنَةَ عَمِّكِ، حَمَلَتْهَا) بلفظ الماضي، ولعلَّ الفاء سقطت، وقد ثبتت في رواية النَّسائيِّ من الوجه الَّذي أخرجه منه البخاريُّ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «احمليها». وعند الحاكم من مرسل الحسن: فقال عليٌّ لفاطمة وهي في هودجها: أمسكيها عندك (فَاخْتَصَمَ فِيهَا) أي: بعد أن قدموا المدينة كما في حديث عليٍّ (٣) عند أحمد والحاكم (عَلِيٌّ وَزَيْدٌ) هو ابن حارثة (وَجَعْفَرٌ) أخو عليٍّ في أيِّهم تكون عنده؟ (فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهْيَ ابْنَةُ عَمِّي) زاد في حديث عليٍّ عند أبي داود: «وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحقُّ بها» (وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا) أي: أسماء بنت عُمَيس (تَحْتِي) زوجتي (وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي) لأنَّه ﷺ آخى بين زيد وأبيها حمزة (فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا) زوجة جعفر، وفي حديث ابن عبَّاس عند ابن سعدٍ في «شرف المصطفى» بسندٍ ضعيفٍ: فقال: «جعفر أَولى بها» فرجَّح جانب جعفر باجتماع قرابة الرَّجل والمرأة (وَقَالَ) ﵊: (الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) في الحضانة؛ لأنَّها تقرب منها في الحنوِّ والشَّفقة والاهتداء إلى ما يُصْلِح الولد، ولم يقدح
стр. 5589
في حضانتها كونها متزوِّجةً بمَن له مدخلٌ عليها (١) في الحضانة بالعصوبة، وهو ابن العمِّ.
واستُنبِطَ منه: أنَّ الخالة مُقَدَّمة في الحضانة على العمَّة؛ لأنَّ صفيَّة بنت عبد المطَّلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قُدِّمَت على العمَّة مع كونها أقرب العصبات من النِّساء؛ فهي مقدَّمة على غيرها. وفيه تقديم أقارب الأمِّ على أقارب الأب وغير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في محلِّه.
(وَقَالَ) ﵊ (لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ) أي: في النَّسب والسَّابقيَّة والمحبَّة وغيرها (وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي) بفتح الخاء في الأولى وضمِّها في الثَّانية، وهي مَنْقَبةٌ جليلة لجعفر (وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا) في الإيمان (وَمَوْلَانَا) من جهة أنَّه أعتقه، فطيَّب ﷺ قلوبهم بنوع من التَّشريف على ما يليق (٢) بالحال، وإن كان قضى لجعفر؛ فقد بيَّن (٣) وجه ذلك.
وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ أيضًا، ويأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى في «عمرة القضية» [خ¦٤٢٥١].
(٧) (بابُ) حكم (الصُّلْحِ مَعَ المُشْرِكِينَ، فِيهِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب في شأن (٤) هرقل المسوق أوَّل الكتاب [خ¦٧] والغرض منه هنا الإشارة إلى مدَّة الصُّلح المذكورة (٥) في قوله: «ونحن منه في مدَّة» وغير ذلك (وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو آخره فاء، الأشجعيُّ الغطفانيُّ، فيما وصله المؤلِّف بتمامه في «الجزية» [خ¦٣١٧٦] من طريق أبي إدريس الخولانيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال، أي: صلح (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بني الأَصْفَرِ) هم الرُّوم.
стр. 5590
(وَفِيهِ) أي: في الباب روى (سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء المهملة، الأنصاريُّ الأوسيُّ فيما وصله في آخر «الجزية» [خ¦٣١٨١] وللأَصيليِّ: «وفيه عن سهل بن حنيف»: (لَقَدْ رَأَيْتَنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَل) بفتح الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال المهملة، آخره لام، العاص بن سهيل، حين حضر من مكَّة إلى الحديبية، يرسف في قيوده إلى النَّبيِّ ﷺ ، وكان يكتب هو وأبوه سُهيل بن عمرو كتاب الصُّلح، وكان أبو جندل قد أسلم بمكَّة، فحبسه أبوه، فهرب وجاء إلى النبي ﷺ ، فأخذ (١) أبوه (٢) سُهيل يجرُّه ليردَّه إلى قريش، فجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أردُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين بمكَّة فرجًا ومخرجًا، وإنَّا قد عقدنا بيننا وبينهم صلحًا وعهدًا ولا نغدر بهم» وسقط قوله: «لقد رأيتنا يوم أبي جندل» لغير أبي ذرٍّ كما في الفرع وأصله، وقال في «الفتح»: ولم يقع في رواية غير (٣) أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «لقد رأيتنا يوم أبي جندل» وللأَصيليِّ كما في الفرع وأصله (٤): «رأتْنا» بهمزة ففوقيَّة ساكنة فنون فألف، فلْيُتَأَمَّلْ.
(وَ) في الباب أيضًا: روت (أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵄، فيما وصله في «الهبة» [خ¦٢٦٢٠] بلفظ: «قدمتْ عليَّ أمِّي راغبة في عهد قريش»؛ لأنَّ فيه معنى الصُّلح (وَالمِسْوَرُ) بن مخرمة، فيما وصله في «كتاب الشروط» [خ¦٢٧٣١] [خ¦٢٧٣٢] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ويأتي إن شاء الله تعالى بعد سبعة أبواب.
стр. 5591
٢٧٠٠ - (وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) أبو حذيفة النَّهديُّ، فيما وصله أبو عَوانة في «صحيحه» وغيره: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ) هو الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هو السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ) بالتَّخفيف (عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ) بدل من قوله: «ثلاثة أشياء» (وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ) إليه (وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ) أي: مكَّة من عام قابل، والواو في «ومن» «وعلى» للعطف على السَّابق (وَيُقِيمَ) بالنَّصب عطفًا على السَّابق (بِهَا) أي: بمكَّة (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أي: لا غير (وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلْبانِ السِّلَاحِ) بتخفيف الموحَّدة وتشديدها (السَّيْفِ وَالقَوْسِ وَنَحْوِهِ) بالجرِّ فيها بدلًا من سابقها. قال في «التَّنقيح»: كذا وقع مفسَّرًا هنا، وهو مخالف لقوله في السِّياق السَّابق: فسألوه ما جُلْبَان السِّلاح؟ قال: «القراب بما فيه» وهو الأصوب، قال الأزهريُّ: «الجُلْبَان» يشبه الجراب من الأدم، يضع فيه الرَّاكب سيفه مغمودًا، ويضع فيه سوطه وأداته، ويعلقها في أَخَرةِ الرَّحل أو واسطته (١). انتهى. قال في «المصابيح»: فعلى ما قاله الأزهريُّ لا يخالف ما في هذا الحديث السِّياق الأول أصلًا، فإنَّه هنا فسَّر السِّلاح الَّذي يوضع في الجُلْبَان بالسَّيف والقوس ونحوه، ولم يفسِّره في الأوَّل حيث قال: «القراب بما فيه» فأيُّ تخالف وقع؟ فتأمَّلْه.
(فَجَاءَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فجعل» (أَبُو جَنْدَلٍ) عبد الله أو (٢) العاص (٣)
стр. 5592
بن سُهيل (يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ) بفتح الياء وسكون الحاء المهملة وضمِّ الجيم، أي: يمشي مثل الحَجَلة الطَّيرِ الَّذي (١) يرفع رِجلًا ويضع أخرى؛ لأنَّ المقيَّد لا يمكنه أن ينقل رجلَيه معًا (فَرَدَّهُ) ﷺ (إِلَيْهِمْ) محافظة للعهد ومراعاة للشَّرط، ولأنَّ أباه في الغالب لا يبلغ به الهلاك (قَالَ: لَمْ يَذْكُرْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ في نسخة: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ «لم يذكر» (مُؤَمَّلٌ) بتشديد الميم الثَّانية مفتوحة، ابن إسماعيل في روايته لهذا الحديث (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (أَبَا جَنْدَلٍ) فتابع موسى بن إسماعيل إلَّا في قصَّة أبي جندل فلم يذكرها (وَقَالَ) بدل قوله: «إلَّا بجُلْبَان السِّلاح»: (إِلَّا بِجُلُبِّ السِّلَاحِ) بضمِّ الجيم واللَّام وتشديد الموحَّدة، وإسقاط (٢) الألف والنُّون، ولم يشدِّد الموحَّدة في الفرع.
وطريق مؤمَّل هذا أخرجه موصولًا أحمد في «مسنده» عنه.
٢٧٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بالفاء والعين المهملة، العماد بن أبي يزيد (٣)، أبو عبد الله القشيريُّ النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ) بسينٍ مهملةٍ مضمومةٍ، آخره جيمٌ، البغداديُّ الجوهريُّ، وهو من شيوخ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان بن المغيرة، واسمه: عبد الملك، فشُهِر (٤) بلقبه فُلَيْح (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من المدينة حال كونه (مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ) الحرام، أي: منعوه (فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ) ناويًا التَّحلُّل من عمرته (بِالحُدَيْبِيَةِ)
стр. 5593
وهي من الحلِّ (وَقَاضَاهُمْ) أي: صالحهم (عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ العَامَ المُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يحتمل» بمثنَّاة فوقيَّة بعد الحاء (١) (سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا) بمكَّة (٢) (إِلَّا مَا أَحَبُّوا) وفي الرِّواية السَّابقة: «ويقيم بها ثلاثة أيام» [خ¦٢٦٩٩] (فَاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا) ﵊ (كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ) من غير حمل السِّلاح إلَّا ما استثنى (فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا) ولأبي الوقت في نسخة: «ثلاثةً» (أَمَرُوهُ) ﵊ (أَنْ يَخْرُجَ) من مكَّة (فَخَرَجَ) ﵊.
٢٧٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بموحَّدةٍ مكسورةٍ فشينٍ معجَمةٍ ساكنةٍ، ابن الفضل، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريُّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة مصغَّرًا «ابن يسار» بالمهملة المخفَّفة المدنيُّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلَّثة، عامر بن ساعدة الأنصاريِّ المدنيِّ الصَّحابيِّ، أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ) الأنصاريُّ الحارثيُّ (وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة المكسورة وبالصَّاد المهملة، الحارثيُّ (إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ) أي: خيبر، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وهُمْ» أي: أهلها اليهود، وللأَصيليِّ: «وهو» (يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ) مع المسلمين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجزية» [خ¦٣١٧٣] و «الأدب» [خ¦٦١٤٣] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٨] و «الأحكام» [خ¦٧١٩٢]، ومسلم في «الحدود» وأبو داود في «الدِّيات» وكذا التِّرمذيُّ وابن ماجه، وأخرجه النَّسائيُّ في «القضاء» و «القسامة».
стр. 5594
(٨) (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ).
٢٧٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك (الأَنْصَارِيُّ) البصريُّ قاضيها (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (أَنَّ أَنَسًا) هو ابن مالك ﵁ (حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، آخره عين مهملة (-وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ-) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، الأنصاريَّة عمَّة أنس بن مالك (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) أي: شابَّة، لا رقيقةً، ولم تُسَمَّ (فَطَلَبُوا) أي: قوم الجارية (الأَرْشَ (١)، وَطَلَبُوا) منهم أيضًا (العَفْوَ) عن الرُّبَيِّع (فَأَبَوْا) أي: امتنع قوم الجارية فلم يرضوا بأخذ الأرش منهم (٢)، ولا بالعفو عنها (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ¬) وتخاصموا بين يديه (فَأَمَرَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ: «فأمر» بحذف ضمير النَّصب (بِالقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) وهو عمُّ أنس بن مالك المستشهد يوم أُحد المُنزَّل (٣) فيه قوله
стр. 5595
تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لَا وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) قال البيضاويُّ: لم يرد به الردُّ على الرَّسول والإنكار لحكمه، وإنَّما قاله توقعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبه أن يعفو عنها ابتغاء مرضاته. وقال شارح «المشكاة»: «لا» في قوله: «لا والَّذي بعثك» ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه (١)، وقوله: «لا تكسر»، إخبارٌ عن عدم الوقوع، وذلك لما كان له عند الله من القرب والزُّلفى والثِّقة بفضل الله ولطفه في حقِّه أنَّه لا يخيِّبه، بل يلهمهم العفو، يدلُّ عليه قوله في رواية مسلم: «لا والله لا يُقتَصُّ منها أبدًا»، أو أنَّه لم يكن يعرف أنَّ كتاب الله القصاص على التَّعيين، بل ظنَّ التَّخيير لهم بين القصاص والدِّية، أو أراد الاستشفاع به ﷺ إليهم (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (يَا أَنَسُ (٢) كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) برفعهما على الابتداء والخبر، والمعنى: حكم الكتاب على حذف المضاف، وأشار به إلى (٣) نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يردْ له (٤) نسخٌ في شرعنا. قال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: ويُروى «كتابَ الله» بالنَّصب على الإغراء، أي: عليكم كتاب الله، «القصاصُ» بالرَّفع مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: القصاص واجب أو مستحَقٌّ أو نحو ذلك (فَرَضِيَ القَوْمُ، وَعَفَوْا) عن الرُّبَيِّع، فتركوا القصاص (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه، وهو ضدُّ الحنث، وجعله من زمرة المخلصين، وأولياء الله المطيعين (زَادَ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي والرَّاء، مروان بن معاوية الكوفيُّ سكن مكَّة، فيما وصله المؤلِّف في «سورة المائدة» [خ¦٤٦١١] (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ).
وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ قَبول الأرش عوض القصاص لم يكن إلَّا بالصُّلح. وهذا الحديث أخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٠] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٤]، ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
стр. 5596
(٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط لفظ «باب» لأبي ذَرٍّ، فيكون «قولُ النَّبي» رفعًا (١) على ما لا يخفى (لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) «هذا» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، و «سيِّدٌ» خبرٌ بعد خبرٍ، واللَّام في «للحَسَن» بمعنى «عن» (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) الفئة الَّتي من جهته والفئة الَّتي من جهة معاوية عند اختلافهما على الخلافة (وَقَوْلُِهُِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالجرِّ عطفًا على المجرور بالإضافة، وبالرَّفع عطفًا على رواية سقوط لفظ «باب»، وسقط قوله «جلَّ ذكره» في رواية أبي ذرٍّ: (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الصُّلح مندوبٌ إليه.
٢٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي مُوسَى) إسرائيل بن موسى البصريُّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللهِ
стр. 5597
الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ) نصبٌ على المفعوليَّة، ابن أبي سفيان ﵃ (بِكَتَائِبَ) بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: بجيوش (أَمْثَالِ الجِبَالِ) أي: لا يُرى طرفها لكثرتها، كما لا يُرى من قابلَ الجبل طرفَيه (فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِي) بإثبات الياء محرِّضًا لمعاوية على قتال الحسن: (إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي) أي لا تدبر (حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا) بفتح الهمزة، جمع قِرْن بكسر القاف، وهو الكفء والنَّظير في الشَّجاعة والحرب (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) جوابًا عن مقالته: (- وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ-) جملةٌ معترضةٌ من قول الحسن البصريِّ، أي: وكان معاوية خيرًا من عمرو بن العاص؛ لأنَّه كان يحرِّض معاوية على القتال، ومعاوية يتوقَّع الصُّلح، وأنَّ الحسن يبايعه، ويأخذ منه ما يريد من غير قتال (أَيْ عَمْرُو) حرف نداءٍ ومنادى مبنيٌّ على الضَّمِّ (إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ) الأوَّل مرفوعٌ على الفاعليَّة، والثَّاني منصوبٌ على المفعوليَّة في الموضعين، أي: إن قتل جيشُنا جيشَه، أو قتل جيشُه جيشَنا (مَنْ لِي) أي: من يتكفَّلْ لي (بِأُمُورِ النَّاسِ؟) هو جواب الشَّرط في قوله: «إن قتل» يعني: أنَّه المطالَب عند الله على كِلا التَّقديرَين (مَنْ لِي) ولأبي ذَرٍّ: «من لنا» (بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون التَّحتيَّة وبالعين المهملة، أي: عيالهم، وقال العينيُّ: ويُروى: «بصبيتهم» بالصَّاد المهملة والموحَّدة، قال: وعلى هذه الرِّواية فسَّرها الكِرمانيُّ بقوله: والصِّبيةُ المراد بها الأطفال والضُّعفاء؛ لأنَّهم لو تُرِكُوا بحالهم؛ لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش. انتهى. والَّذي في النُّسخة الَّتي وقفتُ عليها من الكِرمانيِّ: «والضَّيعة» بالضَّاد المعجمة، نعم؛ روى المؤلِّف الحديث في «الفتن» بلفظ: «قال معاوية: من لذراري المسلمين؟» [خ¦٧١٠٩] ومفهوم هذا: أنَّ معاوية كان راغبًا في الصُّلح وترك الحرب؛ ليسلم من تَبِعَة النَّاس دنيا وأخرى ﵁ (فَبَعَثَ إِلَيْهِ) أي: بعث معاوية (١) إلى الحسن (رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ) بالنَّصب بدلًا من «رجلين»، ابن حبيب بن عبد شمس القرشيَّ من مسلمة الفتح (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ
стр. 5598
عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة آخره زايٌ، وسقط قوله «ابن كريز» في رواية الأَصيليِّ (فَقَالَ) معاوية لهما: (اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ) الحسن (فَاعْرِضَا عَلَيْهِ) الصُّلح (وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ) قال الكِرمانيُّ: أي: يكون مطلوبكما مفوَّضًا إليه وطلبكما منتهيًا إليه، أي: التزما مطالبه (١) (فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وتكلَّما» بالواو بدل الفاء (وَقَالَا لَهُ) ولأبي ذَرٍّ وحده: «فقالا له» (وطَلَبَا) بالواو، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فطلبا» (إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا) أي: للرَّسولَين، ولأبوي الوقت وذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقال لهم» (الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: للرَّسولين ومن معهما: (إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ) بالخلافة ما صارت لنا به عادةٌ في الإنفاق، والإفضال على الأهل والحاشية، فإن (٢) تخلَّيت من أمر (٣) الخلافة قطعت العادة (وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا) بعينٍ مهملةٍ فألفٍ فمثلَّثةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ، أي: اتَّسعت في القتل والإفساد، فلا تكفُّ إلَّا بالمال (قَالَا) عبد الرَّحمن وعبد الله: (فَإِنَّهُ) أي: معاوية (يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا) أي: من المال (٤) والأقوات والثِّياب (وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ، وَيَسْأَلُكَ) وكان الحسن -فيما قاله ابن الأثير في «الكامل» - قد كتب إلى معاوية كتابًا، وذكر فيه شروطًا، وأرسل معاوية رسولَيه المذكورَين قبل وصول كتاب الحسن إليه، ومعهما صحيفةٌ بيضاءُ مختومٌ على أسفلها، وكتب إليه: أن اكتب إليَّ في هذه الصَّحيفة الَّتي ختمت أسفلها بما شئت فهو لك (قَالَ) الحسن: (فَمَنْ لِي) أي: فمن يتكفَّل لي (بِهَذَا) الَّذي ذكرتماه؟ (قَالَا: نَحْنُ) نتكفَّل (لَكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا) الحسن (شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ) نتكفَّل (لَكَ بِهِ) (٥) وسقط من قوله «فما سألهما … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، (فَصَالَحَهُ) الحسن على ما وقع من الشُّروط رعايةً لمصلحةٍ دينيَّةٍ (٦) ومصلحة الأمة، وقيل: إنَّ معاوية أجاز الحسن بثلاث مئة ألفٍ وألف (٧) ثوبٍ وثلاثين عبدًا ومئة جملٍ،
стр. 5599
وقرأت في «كامل ابن الأثير»: أنَّ الحسن لمَّا سلَّم معاوية أمر الخلافة؛ طلب منه (١) أن يعطيه الشُّروط الَّتي في الصَّحيفة الَّتي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية، وقال: قد أعطيتك ما كنت (٢) تطلب، وكان الَّذي طلب الحسن منه أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألفٍ وخراج دار بجرد من فارس، ثمَّ انصرف الحسن إلى المدينة، قال الكِرمانيُّ: وقد كان يومئذٍ الحسن أحقَّ النَّاس بهذا الأمر، فدعاه ورعه إلى ترك المُلك رغبةً فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلَّة ولا لذلَّة ولا لقلَّة، فقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، وفيه دلالة على جواز النُّزول عن (٣) الوظائف الدينيَّة والدنيويَّة بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه، بأن يكون المنزول له أَولى من النَّازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل.
(فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (الحَسَنُ) أي: البصريُّ: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) نُفيعَ بن الحارث الثَّقفيَّ (يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى) الواو في قوله: «والحسن»، وفي قوله: «وهو يقبل» للحال (وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ) تثنية فئة، أي: فرقتين (عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ).
стр. 5600
(قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «قال لي عليُّ بن عبد الله»: (إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الحَسَنِ) البصريِّ (مِنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ المذكور (بِهَذَا الحَدِيثِ) لأنَّه صرَّح فيه (١) بالسَّماع، وفي رواية أبي ذرٍّ: «لهذا» باللَّام بدل الموحَّدة. وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث عن عليِّ بن المدينيِّ عن ابن عيينة في «كتاب الفتن» [خ¦٧١٠٩] ولم يذكر هذه الزِّيادة، وأخرجه أيضًا في «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦٢٩] و «فضل الحسن» [خ¦٣٧٤٦]، وأبو داود في «السنَّة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الصلاة» و «اليوم والليلة».
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ) لأحد الخصمين أو لهما جميعًا (بِالصُّلْحِ؟) وحرف الاستفهام ساقط لغير أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي.
٢٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويس (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريِّ، وكان له أولادٌ عشرةٌ رجالًا كاملين، فكُنِّيَ بأبي الرِّجال (أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصارية (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ) بضم الخاء، جمع خصم (بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم) بجرِّ «عاليةٍ» صفةً لـ «خصومٍ»، وفي نسخةٍ: «عاليةً» بالنَّصب على الحال من «خصومٍ» وإن كان نكرةً لتخصيصه بالوصف أو من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المستقرِّ، ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ: «أصواتهما» بالتَّثنية، فالجمع باعتبار مَن حضر الخصومة، والتَّثنية باعتبار
стр. 5601
الخصمين، أو التَّخاصم وقع من الجانبين بين جماعةٍ، فجمع ثم ثنَّى باعتبار جنس الخصم. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على تسمية واحد منهم (وَإِذَا أَحَدُهُمَا) أحد الخصمين، مبتدأٌ وخبرُهُ: (يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ) يطلب منه أن يضع من دَيْنه شيئًا (وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ) يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء والمطالبة (وَهْوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ) ما سألته من الحطيطة (فَخَرَجَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «خرج» بحذف الفاء (عَلَيْهِمَا) على المتخاصمَين (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ؟) بضمِّ الميم وفتح المثنَّاة الفوقيَّة والهمزة وتشديد اللَّام المكسورة، الحالف المبالغ في اليمين (لَا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) المتألِّي (وَلَهُ) أي: لخصمي (أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) من وضع المال والرِّفق، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فله» بالفاء بدل الواو، أي: بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «له» بإسقاط الفاء والواو.
واستُنبِطَ من الحديث فوائدُ لا تخفى على المتأمِّل، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين، وكلُّ رجاله مدنيُّون، وأخرجه مسلم في «الشركة».
٢٧٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ) بفتح الحاء وسكون الدَّال وفتح الرَّاء، وآخره دالٌ مهملات (الأَسْلَمِيِّ (١) مَالٌ) وكان أوقيتين، كما أفاده ابن أبي شيبة في روايةٍ (فَلَقِيَهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «قال: فلقيه» (فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) زاد في «باب التَّقاضي والملازمة في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥٧] حتَّى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما (فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ ¬)
стр. 5602
وهما في المسجد (فَقَالَ: يَا كَعْبُ) زاد في الباب المذكور: قال: لبيك يا رسول الله (فَأَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ): ضع عنه من دَينك (النِّصْفَ، فَأَخَذَ) كعب (نِصْفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ) وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «له»، والضَّمير في «عليه» لابن أبي حَدْرد (وَتَرَكَ نِصْفًا).
وهذا الحديث قد سبق في «الصلاة» [خ¦٤٥٧] مع مباحثه.
(١١) (بابُ فَضْلِ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالعَدْلِ بَيْنَهُمْ).
٢٧٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن منصور» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُّ سُلَامَى) بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف اللَّام وفتح الميم مقصورًا، أي: كلُّ مفصلٍ من المفاصل الثَّلاث مئةٍ والسِّتِّين (١) الَّتي في كلِّ واحد (مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ) في كلِّ واحد منها (٢) (صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) بنصب «كلَّ» ظرفًا (٣) لما قبله، وفي الفرع: «كلُّ» بالرَّفع مبتدأٌ، والجملة بعده خبره، والعائد يجوز
стр. 5603
حذفه شكرًا لله تعالى بأن (١) جعل عظامه مفاصلَ تَقْدِر على القبض والبسط، وتخصيصها من بين سائر الأعضاء، لأنَّ في أعمالها من دقائق الصَّنائع ما تتحيَّر فيه الأفهام، فهي من أعظم نِعَم الله على الإنسان، وحقُّ المنعَم عليه أن يقابل كلَّ نعمةٍ منها بشكرٍ يخصُّها، فيعطي صدقة كما أُعطِي منفعة، لكنَّ الله تعالى خفَّف بأن جعل العدل بين النَّاس ونحوه صدقةً، كما قال: (يَعْدِلُ) مبتدأٌ على تقدير: العدل، كقوله: تسمع (٢) بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه، أي: أن يعدل المكلَّف (بَيْنَ النَّاسِ) وخبره (صَدَقَةٌ).
وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الإصلاح كما قال الكِرمانيُّ نوعٌ من العدل، وعطف العدل عليه في التَّرجمة من عطف العامِّ على الخاصِّ.
وهذا الحديث أخرجه في «الجهاد» [خ¦٢٨٩١] أيضًا ومسلم في «الزكاة».
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَشَارَ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ فَأَبَى) أي: امتنع مَن عليه الحقُّ من الصُّلح (حَكَمَ عَلَيْهِ بِالحُكْمِ البَيِّنِ) الظَّاهر.
٢٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي (٣) حمزة
стр. 5604
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ) أباه (الزُّبَيْرَ) بن العوَّام (كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) هو حُمَيد، كما رواه أبو موسى في «الذَّيل» بسندٍ جيِّدٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ) بالشِّين المعجمة المكسورة، آخره جيمٌ، أي: مسايل الماء (مِنَ الحَرَّةِ) بالحاء المفتوحة والرَّاء المشدَّدة المهملتَين، موضعٌ بالمدينة (كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا) تأكيدٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ في الفرع وغيره (١)، وسبق في «المساقاة» [خ¦٢٣٥٩] أنَّ فيه القطع أيضًا (ثُمَّ أَرْسِلْ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ، أي: الماء (إِلَى جَارِكَ) الأنصاريِّ (فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ) أي: الأنصاريُّ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ آنْ كَانَ) بمدِّ الهمزة في الفرع كأصله (٢) مصحَّحًا عليه على الاستفهام، وسبق في «المساقاة» [خ¦٢٣٥٩] أنَّ فيه القصر، أي: لأجل أَنْ كان الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّةَ بنت عبدِ المطَّلب حكمت له بالتَّقديم؟ (فَتَلَوَّنَ) تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من الغضب لانتهاك حرمة النُّبوَّة (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اسْقِ) بهمزة وصل، زاد في «المساقاة» [خ¦٢٣٥٩] «يا زُبَير» (ثُمَّ احْبِسْ) بهمزة وصل، أي: الماء (حَتَّى يَبْلُغَ) الماء (الجَدْرَ) بفتح الجيم وسكون الدَّال، أي: الجدار، قيل: والمراد به هنا: أصل الحائط، وقيل: أصول الشَّجر، وقيل: جُدُر المشارب -بضمِّ الجيم والدَّال- الَّتي يجتمع فيها، أي: الماء (٣) في أصول الثِّمار (فَاسْتَوْعَى) أي: استوفى (رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ) كاملًا، بحيث لم يترك منه شيئًا (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةً) بالنَّصب، أي: للسَّعة، أي: مسامحةً (لَهُ وَلِلأَنْصَارِيِّ) وتوسيعًا عليهما على سبيل الصُّلح والمجاملة، وفي الفرع كأصله (٤): «سعةٍ» بالجرِّ، صفةٌ لسابقه (فَلَمَّا أَحْفَظَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ ففاءٍ فمعجمة (٥) أي: أغضب (الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ) وزعم الخطَّابيُّ: أنَّ هذا من قول الزُّهريِّ، أدرجه في الخبر، وفي ذلك نظر؛ لأنَّ الأصل أنَّه
стр. 5605
حديثٌ واحدٌ، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال (قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ) التي في سورة النِّساء (نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾) أي: فَوَربِّك (﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الاية [النساء: ٦٥]) إلى آخرها.
(١٣) (بابُ الصُّلْحِ بَيْنَ الغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ المِيرَاثِ وَالمُجَازَفَةِ فِي ذَلِكَ) عند المعاوضة (١) (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يَتَخَارَجَ الشَّرِيكَانِ) أي: إذا كان لهما دَين على إنسانٍ فأفلس، أو مات، أو جحد وحلف حيث لا بيِّنة، فيخرج هذا الشَّريك ممَّا وقع في نصيب صاحبه، وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتَّراضي من غير قرعة مع استواء الدَّين (٢) (فَيَأْخُذَ هَذَا دَيْنًا، وَهَذَا عَيْنًا فَإِنْ تَوِيَ) بفتح الفوقيَّة وكسر الواو، ولأبي ذَرٍّ: بفتح الواو على لغةِ طيئٍ، أي: هلك (لأَحَدِهِمَا) شيءٌ ممَّا أخذه (لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ) قال في «النِّهاية»: أي: إذا كان المتاع بين ورثةٍ لم يقتسموه، أو بين شركاء وهو في يد بعضهم دون بعضٍ، فلا بأس أن يتبايعوه بينهم وإن لم يعرف كلُّ واحدٍ منهم نصيبه بعينه، ولم يقبضه صاحبه قبل البيع، وقد رواه عطاء عنه مفسَّرًا، قال: لا بأس أن يتخارج القوم في الشَّركة تكون فيأخذ هذا عشرة دنانير نقدًا، وهذا عشرة دنانير (٣) دَينًا (٤)، والتَّخارج: تفاعل من الخروج، كأنَّه يَخْرج كلُّ واحد عن ملكه إلى صاحبه بالبيع.