← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

(وَيَكُونَ) نصبٌ (١) عطفًا على المنصوب السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي) بعد أن أعتقك، وجواب الشَّرط: (فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ) ما قالته عائشة (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي: فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) إلى عائشة (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ) عندها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عَلَيْهِمْ) تعني (٢): أهلها (فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: خُذِيهَا) اشتريها فأعتقيها (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ) أي: عليهم، فاللَّام بمعنى «على»، كذا رويناه عن حرملة عن الشَّافعيِّ، لكن ضعَّفه النَّوويُّ: بأنَّه ﵊ أنكر الاشتراط، فلو كانت بمعنى «على» لم ينكره، قال: وأقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القصَّة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد: بأنَّ التخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، أو المراد: التَّوبيخ لهم؛ لأنَّه ﷺ قد بيَّن لهم أنَّ الشَّرط لا يصحُّ، فلمَّا لجُّوا في اشتراطه قال ذلك، أي: لا تبالي به سواء شرطتيه أم لا. والحكمة في إذنه ثمَّ إبطاله: أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن مثله، وقد أشار الشَّافعيُّ في «الأمِّ» إلى تضعيف رواية هشام المصرِّحة بالاشتراط؛ لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، لكن قال الطَّحاويُّ: حدَّثني المزنيُّ به عن الشَّافعيِّ بلفظ: «وأشرطي لهم الولاء» بهمزة قطعٍ بغير مثنَّاة فوقيَّة، ثمَّ وجهها بأن المعنى: أظهري لهم حكم الولاء، ولا يلزم أن يكون ما نقله الطَّحاويُّ عن المزنيِّ (٣) مذكورًا (٤) في «الأمِّ» (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) الشِّراء والعتق (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ) ما شأنهم (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) أي: ليست في حكمه وقضائه (مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ) أو أكثر (قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) أي: الحقُّ (وَشَرْطُ اللهِ) الذي شرطه وجعله شرعًا (أَوْثَقُ) أي: القويُّ وما سواه واهٍ، فـ «أفعل» التَّفضيل فيهما ليس على بابها (٥) (وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ).

стр. 5637

وهذا الحديث قد ذكره المؤلِّف في مواضع كثيرةٍ بوجوهٍ مختلفةٍ وطرقٍ متباينةٍ، قال العينيُّ: وهذا هو الرَّابع عشر موضعًا [خ¦٤٥٦] [خ¦١٤٩٣] [خ¦٢١٥٥] [خ¦٢١٥٦] [خ¦٢١٦٨] [خ¦٢١٦٩] [خ¦٢٥٦٠] [خ¦٢٥٦١] [خ¦٢٥٦٣] [خ¦٢٥٦٤] [خ¦٢٥٦٥] [خ¦٢٥٧٨] [خ¦٢٧١٧] [خ¦٢٧٢٦]. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَطَ) صاحب الأرض (فِي) عقد (المُزَارَعَةِ إِذَا شِئْتُ أَخْرَجْتُكَ). ٢٧٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) غير مسمًّى ولا منسوبٍ، ولأبي ذَرٍّ وابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ: «أبو أحمدَ مَرَّار بن حَمُّويه» بفتح الميم وتشديد الراء الأولى، وأبوه -بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم- الهَمَذَاني (١) -بفتح الميم والمعجمة- النَّهاونديُّ، وليس له كشيخه (٢) في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، ويقال: إنَّه محمَّد بن يوسف البيكنديُّ، ويقال: إنَّه محمَّد بن عبد الوهَّاب الفرَّاء قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) (٣) بن عليٍّ (أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة

стр. 5638

والسِّين المهملة المشدَّدة (الكِنَانِيُّ) قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا فَدَعَ) بالفاء والدَّال والعين المهملتين محرَّكتين، وضبطه الكِرمانيُّ كالصَّغانيِّ بالغين المعجمة وتشديد الدَّال المهملة من الفدغ، وهو كسر الشَّيء المجوَّف (أَهْلُ خَيْبَرَ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ومفعوله: (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَامَ) أبوه (عُمَرُ) ﵁ (خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) أي: الَّتي كانت لهم قبل أن يفيئها الله على المسلمين (وَقَالَ) لهم: (نُقِرُّكُمْ) بضمِّ النُّون وكسر القاف فيها (مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ) أي: ما قدَّر الله أنَّا (١) نترككم، فإذا شئنا فأخرجناكم منها؛ تبيَّن أنَّ الله قد أخرجكم (وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ) بخفض «ماله» (فَعُدِيَ عَلَيْهِ) بضمِّ العين وكسر الدَّال المخفَّفة، أي: ظُلِمَ على ماله (مِنَ اللَّيْلِ) وألقوه من فوق بيتٍ (فَفُدِعَتْ) بضمِّ الفاء الثَّانية وكسر الدَّال مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ) قال في القاموس: الفَدَع محرَّكة: اعوجاج الرُّسغ من اليد أو الرِّجل حتَّى ينقلب الكفُّ أو القدم إلى إِنْسيِّها، أو هو المشي على ظهر القدم، أو ارتفاع أخمص القدم، حتَّى لو وطئ الأفدع عصفورًا ما آذاه، أو هو عوجٌ في المفاصل كأنَّها قد زالت عن موضعها، وأكثر ما يكون في الأرساغ خِلْقةً، أو زيغٌ بين القدم وبين عظم السَّاق، ومنه حديث ابن عمر: أنَّ يهود خيبر دفعوه من بيتٍ ففُدِعَت قدمُه (وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الهاء، ولأبي ذَرٍّ: «وتهْمتنا» بسكون الهاء، أي: الَّذين نتَّهمهم (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) بكسر الهمزة وسكون الجيم ممدودًا؛ إخراجهم من أوطانهم (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: عزم عليه (أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيْقِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح القاف الأولى وسكون التَّحتيَّة، رؤساء اليهود

стр. 5639

(فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) الواو في «وقد» للحال (وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ) بفتح الميم واللَّام من «وعامَلَنا» (وَشَرَطَ ذَلِكَ) أي: إقرارنا في أوطاننا (لَنَا؟! فَقَالَ) له (عُمَرُ: أَظَنَنْتَ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول وتاء الخطاب (مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو) بعينٍ مهملةٍ، أي: تجري (بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟!) بفتح القاف وضمِّ اللَّام والصَّاد المهملة، بينهما واوٌ ساكنةٌ: النَّاقة الصَّابرة على السَّير، أو الأنثى، أو الطَّويلة القوائم، وأشار ﷺ إلى إخراجهم من خيبر، فهو من أعلام النُّبوَّة (فَقَالَ) أحد بني أبي الحقيق: (كَانَتْ هَذِهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «كان ذلك» (هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ) بضمِّ الهاء وفتح الزَّاي، تصغير هَزْلة، ضدُّ الجدِّ، وفي «اليونينية»: «هَزِيلة» بكسر الزَّاي، أي: لم تكن (١) حقيقةً، وكذب عدوُّ الله (قَالَ) عمر، ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ. فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ) بعد أن أجلاهم (قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم (مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا) نصبٌ تمييزًا للقيمة (٢) (مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) والأقتاب جمع قَتَب؛ وهو إكاف الجمل، وإنَّما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص؛ لأنَّه فُدِعَ ليلًا وهو نائم، فلم يعرف عبد الله من فدعه، فأشكل الأمر. (رَوَاهُ) أي: الحديث (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) فيما وصله أبو يَعلى (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) مصغَّرًا، العمريِّ (أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، اخْتَصَرَهُ) حمَّادٌ، وشكَّ في وصله، ورواه الوليد بن صالحٍ عن حمَّادٍ بغير شكٍّ، فيما قاله البغويُّ. (١٥) (بابُ) بيان (الشُّرُوطِ فِي الجِهَادِ، وَ) بيان (المُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الحُرُوبِ) وفي الفرع كأصله أيضًا: «الحَرْب» بفتح الحاء وسكون الرَّاء (وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «مع النَّاس بالقول». قال في «الفتح»: وهي زيادةٌ مستغنًى عنها؛ لأنَّها تقدَّمت في ترجمةٍ مستقلَّةٍ، إلَّا أن تُحمل الأولى على الاشتراط بالقول خاصَّة، وهذه على الاشتراط بالقول والفعل معًا. انتهى. فليُتأمَّل مع قوله: «وكتابة الشروط».

стр. 5640

٢٧٣١ - ٢٧٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام اليمانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما (١) ابن

стр. 5641

راشد (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ) بن الحكم، وروايتهما مرسلةٌ؛ لأنَّ مروان لا صحبة له، ومسورًا وإن كان له صحبة، لكنَّه لم يحضر القصَّة، وإنَّما سمعاها من جماعةٍ من الصَّحابة شهدوها (يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) من المسور ومروان (حَدِيثَ صَاحِبِهِ) والجملة حاليَّةٌ (قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من المدينة (زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ) بالتَّخفيف يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، سنة ستٍّ من الهجرة في بضع عشرة مئةٍ، فلمَّا أتى ذا الحُلَيفة؛ قلَّد الهديَ، وأشعره، وأحرم منها بعمرةٍ، وبعث بُسْرًا -بضمِّ الموحَّدة وسكون السِّين المهملة- ابن سفيان عَيْنًا لخبر قريش (حَتَّى كَانُوا) ولأبي ذَرٍّ: «حتى إذا كانوا» (بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم بوزن: عَظِيم، وفي «المشارق»: بضمِّ الغين وفتح الميم، قال ابن حبيب: موضعٌ قريبٌ من مكَّةَ بَين رابغَ (١) والجحفةِ (فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ) وكانوا -كما عند ابن سعد- مئتي فارسٍ، فيهم عكرمة بن أبي جهلٍ حال كونهم (طَلِيعَةً) وهي مقدِّمة الجيش، ولأبي ذَرٍّ: «طليعةٌ» بالرَّفع (فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ) وهي بين ظَهْرَي الحَمْضِ في طريقٍ تُخرجه على ثنية المِرَار -بكسر الميم وتخفيف الراء- مهبط الحديبية من أسفل مكَّة، قال ابن هشام: فسلك الجيش ذلك الطَّريق، فلمَّا رأت خيل قريشٍ قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ ركضوا راجعين إلى قريشٍ، وهو معنى قوله: (فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ) بفتح القاف والمثنَّاة الفوقيَّة وسكَّنها (٢) في الفرع غباره الأسود (فَانْطَلَقَ) خالدٌ حال كونه (يَرْكُضُ) يضرب برجله دابَّته استعجالًا للسير حال كونه (نَذِيرًا) منذرًا (لِقُرَيْشٍ) بمجيء رسول الله ﷺ (وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ) أي: ثنية المِرَار، بكسر الميم (الَّتِي يُهْبَطُ) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَلَيْهِمْ) أي: على قريش (مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ) ﵊ (رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ) بفتح الحاء المهملة وسكون اللَّام (٣) فيهما؛ زجرٌ للرَّاحلة إذا

стр. 5642

حملها على السَّير، وقال الخطَّابيُّ: إن قلت: «حَلْ» واحدةً فبالسُّكون، وإن أعدتها نوَّنت الأولى، وسكَّنت الثَّانية، وحكي (١) السُّكون فيهما (٢) والتَّنوين كنظيره في بخ بخ (٣)، وهو معنى قوله في «القاموس»: «حَلٍ حَلٍ» منوَّنتين أو «حلْ» واحدة مسكَّنة (٤). انتهى (٥). لكنَّ الرِّواية بالسُّكون فيهما. (فَأَلَحَّتْ) بتشديد الحاء المهملة وفتح الهمزة، أي: تمادت في البروك، فلم تبرح من مكانها (فَقَالُوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، خَلأَتِ القَصْوَاءُ) مرَّتين، و «خَلأت» بفتح الخاء المعجمة واللَّام والهمزة، و «القَصْوَاء»: بفتح القاف وسكون الصَّاد المهملة وفتح الواو مهموزًا ممدودًا، اسمٌ لناقته ﵊، أي: حرنت وتصعَّبت (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ) أي: ما حرنت (وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) بضمِّ الخاء المعجمة واللَّام، أي: ليس الخلاء لها بعادةٍ كما حسبتم (وَلَكِنْ حَبَسَهَا) أي: القصواء (حَابِسُ الفِيلِ) زاد ابن إسحاق: «عن مكَّة»، أي: حبسها الله عن دخول مكَّة؛ كما حبس الفيل عن مكة لأنَّهم لو دخلوا مكَّة على تلك الهيئة وصدَّهم قريشٌ عن ذلك لوقع بينهم ما يفضي إلى سفك الدِّماء ونهب الأموال، لكن سبق في العلم القديم أنَّه يدخل في الإسلام منهم جماعاتٌ. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي) أي: قريش، ولأبي ذَرٍّ: «لا يسألونني» بنونين على الأصل (خُطَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد الطَّاء المهملة، أي: خصلة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ) يكفُّون بسببها عن القتال في الحرم تعظيمًا له (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي: أجبتهم إليها وإن كان في ذلك تحمُّل مشقَّةٍ (ثُمَّ زَجَرَهَا) أي زجر ﵊ النَّاقة (فَوَثَبَتْ) بالمثلَّثة، وآخره مثنَّاةٌ، أي: قامت (قَالَ: فَعَدَلَ) ﵊ (عَنْهُمْ) وفي رواية ابن سعد: فولَّى راجعًا (حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ) بفتح الثَّاء والميم، آخره دالٌ مهملةٌ (قَلِيلِ المَاءِ) قال في «القاموس»: الثَّمد ويحرَّك وكـ «كِتاب» الماء القليل لا مادَّة له، أو ما يبقى في الجَلَد، أو

стр. 5643

ما يظهر في الشِّتاء ويذهب في الصَّيف. انتهى. وقوله: «قليلِ الماء»، قيل: تأكيدٌ لدفع توهُّم أن يراد لغةُ من يقول: إِنَّ الثَّمد الماء الكثير، وعُورِض: بأنَّه إنَّما يتوجَّه أن لو ثبت في اللُّغة أنَّ الثَّمد الماء الكثير، واعترض في «المصابيح»: قوله: تأكيدٌ، بأنَّه لو اقتصر على «قليل» أمكن، أمَّا مع إضافته إلى الماء فيشكل، وذلك لأنَّك لا تقول: هذا ماءٌ قليلُ الماءِ. نعم، قال الدَّاوديُّ (١): الثَّمد: العين، وقال غيره: حفرةٌ فيها ماءٌ، فإن صحَّ فلا إشكال. (يَتَبَرَّضُهُ) بالموحَّدة المفتوحة بعد المثنَّاتَين التَّحتيَّة والفوقيَّة فراءٌ مشدَّدةٌ فضادٌ معجمةٌ، أي: يأخذه (النَّاسُ تَبَرُّضًا) نصبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ من باب التَّفعُّل للتَّكلُّف، أي: قليلًا قليلًا، وقال صاحب العين: التَّبرُّض: جمع الماء بالكفَّين (فَلَمْ يُلَبِّثْهُ) بضم أوَّله وفتح اللَّام وتشديد الموحَّدة وسكون المثلَّثة في الفرع وأصله وغيرهما مصحَّحًا عليه، ونسبه في «الفتح» -وتبعه في «العمدة» - لقول ابن التِّين: وضبطناه بسكون اللَّام مضارع: ألبث، أي: لم يتركوه (٢) يلبث، أي: يقيم (النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ) لم يبقوا منه شيئًا، يقال: نزحت البئر على صيغةٍ واحدةٍ في التَّعدِّي واللُّزوم. (وَشُكِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ العَطَشُ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) بكسر الكاف، جعبته الَّتي فيها النَّبل (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ (٣)) أي: السَّهم (فِيهِ) أي: في الثَّمد، وروى ابن سعد من طريق أبي مروان: حدَّثني أربعة عشر رجلًا من الصَّحابة: أنَّ الَّذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب (٤)، وقيل: البراء

стр. 5644

بن عازب، وقيل: عبَّاد بن خالد، حكاه عن (١) الواقديِّ، ووقع في «الاستيعاب»: خالد بن عبادة، قاله في «المقدِّمة» وقال في «الفتح»: ويمكن الجمع بأنَّهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره (فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ) بفتح أوَّله وكسر الجيم، آخره شينٌ معجمةٌ بعد تحتيَّةٍ ساكنةٍ (٢) يفور ويرتفع (لَهُمْ بِالرِّيِّ) بكسر الرَّاء (حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ) أي: رجعوا رواءً بعد ورودهم، وزاد ابن سعدٍ: «حتَّى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر» (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فبينا» بإسقاطها (هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الدَّال المهملة مصغَّرًا، وأبوه: بفتح الواو وسكون الرَّاء (٣) وبالقاف ممدودًا (الخُزَاعِيُّ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الزَّاي، وبعد الألف عينٌ مهملةٌ، الصَّحابيُّ المشهور (فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ) منهم: عَمرو بن سالم وخراش بن أميَّة فيما قاله الواقديُّ، وخارجة بن كُرْز ويزيد بن أميَّة كما في رواية أبي الأسود عن عروة (وَكَانُوا) أي: بديل والنَّفر الَّذين معه (عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح العين المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الموحَّدة، و «نُصْحِ»: بضمِّ النُّون، أي: موضعُ سرِّه وأمانته، فشبَّه الصَّدر الذي هو مستودع السِّرِّ بالعَيْبة الَّتي هي مستودع خير الثِّياب، وكانت خزاعة (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، مكَّة وما حولها، زاد ابن إسحاق في روايته: «وكانت خزاعة عَيبة رسول الله ﷺ مسلمُها ومشركُها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة» (فَقَالَ) بُدَيل: (إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ) بضمِّ اللَّام وفتح الهمزة وتشديد الياء فيهما (نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة، جمع عَدٍّ بالكسر والتَّشديد، وهو الماء الَّذي لا انقطاع لمادَّته كالعين والبئر، وفيه: أنَّه كان

стр. 5645

بالحديبية مياهٌ كثيرةٌ، وأنَّ قريشًا سبقوا إلى النُّزول عليها؛ ولذا عطش المسلمون حتَّى (١) نزلوا على الثَّمد المذكور، وذكر أبو الأسود في روايته عن عروة: وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه (وَمَعَهُمُ العُوذُ) بضمِّ العين المهملة وسكون الواو، وآخره ذالٌ معجمةٌ، جمع عائذٍ، أي: النُّوق الحديثات النِّتاج ذات اللَّبن (المَطَافِيلُ) بفتح الميم والطَّاء المهملة وبعد الألف فاءٌ مكسورةٌ فمثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ فلامٌ: الأمَّهات الَّتي معها أطفالها، ومراده: أنَّهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل (٢)؛ ليتزوَّدوا بألبانها، ولا يرجعوا حتَّى يمنعوه. وقال ابن قتيبة: يريد النِّساء والصِّبيان، ولكنَّه استعار ذلك، يعني: أنَّهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام؛ وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعمِّ، وعند ابن سعد: معهم العوذ المطافيل والنِّساء والصِّبيان (وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ) أي: مانعوك (عَنِ البَيْتِ) الحرام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَِكَتْهُمُ الحَرْبُ) بفتح أوَّله وبفتح الهاء وكسرها في الفرع كأصله، أي: أبلغت فيهم (٣) حتَّى أضعفت قوَّتهم، وهزلَتْهم، أو أضعفت أموالهم (وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوْا مَادَدْتُهُمْ) أي: جعلت بيني وبينهم (مُدَّةً) معيَّنةً أترك قتالهم فيها (وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ) أي: من كفار العرب وغيرهم، زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «إن شاؤوا» (فَإِنْ أَظْهَرْ) بالجزم (فَإِنْ شَاؤُوْا) شرطٌ معطوفٌ على الشَّرط الأوَّل (أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ) من طاعتي، وجواب الشَّرطَين (٤) قوله: (فَعَلُوا، وَإِلَّا) أي: وإن لم أظهر (فَقَدْ جَمُّوا) بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة (٥)، أي: استراحوا من جهد القتال (٦)،

стр. 5646

ولابن عائذٍ من وجهٍ آخرَ عن الزُّهريِّ: «فإن ظهر النَّاس عليَّ فذلك الَّذي يبغون» فصرَّح بما حذفه هنا من القسم الأوَّل، والتَّردد في قوله: «فإن أظهر» ليس شكًّا في وعد الله أنَّه سينصره ويظهره، بل على طريق التَّنزيل وفرض الأمر على ما زعم الخصم (وَإِنْ هُمْ أَبَوْا) امتنعوا (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي) بالسِّين المهملة وكسر اللَّام، أي: حتَّى تنفصل رقبتي، أي: حتَّى أموت، أو حتَّى أموت وأبقى منفردًا في قبري (وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون النُّون وبالذَّال المعجمة وتشديد النُّون، وضبطه في «المصابيح» كـ «التنقيح»: بتشديد الفاء المكسورة، أي: ليمضِيَنَّ الله أمره في نصر دينه. (فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ) بفتح الموحَّدة وتشديد اللَّام (مَا تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ) بُدَيل (حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ) يعني النَّبيَّ ﷺ (وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ) قال في «الفتح»: سمَّى الواقديُّ منهم: عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي العاص: (لَا حَاجَةَ لَنَا (١) أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ: هَاتِ) بكسر التَّاء، أي: أعطني (مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) هو ابن مُعَتِّب بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقيَّة المشدَّدة، الثَّقفيُّ، أسلمَ ورجع إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (أَلَسْتُمْ بِالوَالِدِ) أي: مثل الأب في الشَّفقة لولده؟ (قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُم بِالوَلَدِ) مثل الابن في النُّصح لوالده؟ (قَالُوا: بَلَى) وعند ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: أنَّ أمَّ عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله: «ألستم بالوالد»، إنَّكم قد ولدتموني في الجملة لكون أمِّي منكم، ولأبي ذَرٍّ فيما قاله الحافظ ابن حجر: «ألستم بالولد؟» و «ألست بالوالد؟» والأوَّل هو الصَّواب، وهو الَّذي في رواية أحمد وابن إسحاق

стр. 5647

وغيرهما (قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟) ولأبي ذَرٍّ: «تتَّهمونني» بنونين على الأصل، أي: هل تنسبونني إلى التُّهمة؟ (قَالُوا: لَا) نتَّهمك (قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍَ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الكاف، وآخره ظاءٌ معجمةٌ، غيرَ منصرفٍ لأبي ذَرٍّ، ولغيره بالتَّنوين، أي: دعوتهم للقتال نصرةً لكم (فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ) بالموحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحَتين ثمَّ حاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ، امتنعوا، أو عجزوا (جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا) يعني: النَّبيَّ ﷺ (قَدْ عَرَضَ لَكُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» (خُطَّةَ رُشْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد الطَّاء المهملة، أي: خصلةَ خيرٍ وصلاحٍ وإنصافٍ (اقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي) اتركوني (آتِيهِ) بالمدِّ والياء على الاستئناف، أي: أنا آتيه، ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» مجزومًا (١) بحذف الياء على جواب الأمر، والهاء مكسورةٌ، أي: أجيء إليه (قَالُوا: ائْتِهِ) بهمزة وصلٍ فهمزة قطعٍ ساكنةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مكسورةٍ فهاءٍ مكسورةٍ، أمرٌ من: أتى يأتي (فَأَتَاهُ) ﵊ عروة (فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لعروة (نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ) السَّابق. وزاد ابن إسحاق: «وأخبره أنَّه لم يأتِ يريد حربًا» (فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند قوله: «لأقاتلنهم»: (أَيْ مُحَمَّدُ) أي: يا محمَّدُ (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ) أي: استهلكتهم بالكليَّة (هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أهْلَكَ (أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟) بالكليَّة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ، «أصلَه» كذا في الفرع كأصله (٢)، وضبَّبَ على الأولى (وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى) قال الكِرمانيُّ وتبعه العينيُّ: وإن تكن الدَّولة لقومك فلا يخفى ما يفعلون بكم، فجواب الشَّرط محذوفٌ، وفيه رعاية الأدب مع رسول الله ﷺ ، حيث لم يصرِّح إلَّا بشقِّ غالبيَّته، وقال في «المصابيح»: التَّقدير: وإن تكن الأخرى؛ لم ينفعك أصحابك، وأمَّا قول الزَّركشيُّ: التَّقدير: وإن كانت الأخرى كانت الدَّولة للعدوِّ، وكان الظَّفر لهم عليك وعلى أصحابك، فقال في

стр. 5648

«المصابيح»: هذا التَّقدير غير مستقيم، لما يلزم عليه من اتِّحاد الشَّرط والجزاء، لأنَّ الأخرى هي انتصار العدوِّ وظفرهم، فيؤول التَّقدير إلى أنَّه: إن انتصر أعداؤك وظفروا (١) كانت الدَّولة لهم وظفروا (فَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى وُجُوهًا) أي: أعيان النَّاس (وَإِنِّي لأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وتقديمها على الواو، أخلاطًا من النَّاس من قبائل شتًّى، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أوشابًا» بتقديم الواو على المعجمة، ويُروى: «أوباشًا» بتقديم الواو على الموحَّدة (٢) أخلاطًا من السَّفلة (خَلِيقًا) بالخاء المعجمة والقاف، حقيقًا (أَنْ يَفِرُّوا) أي: بأن يفرُّوا (وَيَدَعُوكَ) ويتركوك، لأنَّ العادة جرت أنَّ الجيوش المجمَّعة (٣) لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف مَن كان مِن (٤) قبيلةٍ واحدةٍ، فإنَّهم يأنفون الفرار في العادة، وما علم عروة أنَّ مودَّة الإسلام أبلغ من مودَّة القرابة (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁¬) ولأبي ذَرٍّ: «أبو بكرٍ الصِّدِّيق» وكان خلفَ رسول الله ﷺ قاعدًا، فيما ذكره ابن إسحاق: (امْصَصْ) بهمزة وصلٍ فميمٍ ساكنةٍ فصادَين مهملَتين، الأولى مفتوحةٌ بصيغة الأمر، مِن: مَصِصَ يمصَصُ من باب: عَلِم يَعْلَم، ولأبي ذَرٍّ -وحكاه ابن التِّين عن (٥) رواية القابسيِّ-: «امْصُصْ» بضمِّ الصَّاد وخطَّأها (ببَظْرِ اللَّاتِ) بفتح الموحَّدة بعد الجارَّة وسكون المعجمة: قطعةٌ تبقى بعد الختان في فرج المرأة. وقال الدَّاوديُّ: البظر: فرج المرأة. قال السَّفاقسيُّ: والَّذي عند أهل اللَّغة: أنَّه ما يُخفَض من فرج المرأة، أي: يُقطَع عند خِفاضها. وقال في «القاموس»: البظر (٦): ما بين إسكتي المرأة، الجمع: بظور، كالبيظر والبنظر بالنُّون، كقُنْفُذ والبظارة وتُفْتَح، وأَمَةٌ بظراء: طويلته، والاسم: البَظَرُ، محرَّكةً (٧)،

стр. 5649

واللَّات: اسم أحد الأصنام الَّتي كانت قريشٌ وثَقيفٌ يعبدونها، وقد كانت عادة العرب الشَّتم بذلك، تقول: ليمصصْ بظر أمِّه، فاستعار ذلك أبو بكر ﵁ في اللَّات لتعظيمهم إيَّاها، فقصد المبالغة في سبِّ عروة بإقامة مَن كان يعبد مقامَ أمِّه، وحملَه على ذلك ما أغضبه به مِن نسبته (١) إلى الفرار، ولأبي ذَرٍّ: «بَظْر» بإسقاط حرف الجرِّ (أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟!) استفهامٌ إنكاريٌّ (فَقَالَ) أي: عروة: (مَنْ ذَا؟) أي: المتكلِّم (قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ) عروة: (أَمَا) بالتَّخفيف، حرف استفتاحٍ (٢) (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ) أي: نعمةٌ ومنَّةٌ (كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزَّاي، أي: لم أكافئك (بِهَا لأَجَبْتُكَ) وبيَّن عبد العزيز الإماميُّ عن الزُّهريِّ في هذا الحديث أنَّ اليد المذكورة: أنَّ عروة كان تحمَّل بديَةٍ فأعانه فيها أبو بكرٍ بعونٍ حسنٍ، وفي رواية الواقديِّ: عشر قلائص، قاله الحافظ ابن حجرٍ. (قَالَ: وَجَعَلَ) عروة (يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «كلمةً» والَّذي في «اليونينيَّة»: «كلَّمه (٣)» بدل قوله: «تكلَّم»، وفي نسخةٍ: «فكلَّما كلَّمه» (أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ) الشَّريفة على عادة العرب من تناول الرَّجل لحية مَن يكلِّمه، لا سيما عند الملاطفة (وَمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ) قصدًا لحراسته (٤) (وَعَلَيْهِ) أي: على المغيرة (المِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء ليستخفي من عروة عمِّه (فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ (٥)) إجلالًا للنَّبيِّ ﷺ وتعظيمًا (بِنَعْلِ السَّيْفِ) وهو ما يكون أسفل القِراب من فضَّة أو غيرها (وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ

стр. 5650

يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد عروة بن الزُّبير: فإنَّه لا ينبغي لمشركٍ أنَّه يمسَّه (فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) الَّذي يضرب يدي (قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) وعند ابن إسحاق: فتبسَّم رسول الله ﷺ ، فقال له عروة: مَن هذا يا محمَّدُ؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة». قال في «الفتح»: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسنادٍ صحيحٍ، وأخرجه ابن حِبَّان (فَقَالَ) عروة مخاطبًا للمغيرة: (أَيْ غُدَرُ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الدَّال، أي: يا غُدَر، معدولٌ عن غَادِر مبالغةً في وصفه بالغدر (أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟!) أي: ألست أسعى في دفع شرِّ خيانتك ببذل المال (وَكَانَ المُغِيرَةُ) قبل إسلامه (صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ) من ثقيفٍ من بني مالكٍ لمَّا خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسنَ إليهم وقصَّر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم؛ لأنَّه ليس من القوم، فلمَّا كانوا بالطَّريق شربوا الخمر، فلمَّا سكروا وناموا، غدر بهم (فَقَتَلَهُمْ) جميعًا (وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ) فلمَّا بَلَغَ ثقيفًا فِعْلُ المغيرة تداعَوا للقتال، فسعى عروة عمُّ المغيرة حتَّى أخذوا منه دية ثلاثةَ عشرَ نفسًا، واصطلحوا، فهذا هو سبب قوله: «أي غدر» (ثُمَّ جَاءَ) إلى المدينة (فَأَسْلَمَ) فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيُّون الَّذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم، وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ لتُخَمَّس (١)، أو ليرى رأيه فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا الإِسْلَامَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (فَأَقْبَلُ) بلفظ المتكلِّم (٢)، أي: أقبله (وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ) أي: لا أتعرَّض له لكونه أخذه غدرًا؛ لأنَّ أموال المشركين وإن كانت مغنومةً عند القهر؛ فلا يحلُّ أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم فقد أمن كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فسفك الدِّماء وأخذ الأموال عند ذلك غدرٌ، والغدر بالكفار وغيرهم محظورٌ، وإنَّما تحلُّ أموالهم بالمحاربة والمغالبة، ولعلَّه ﷺ ترك المال في يده؛ لإمكان أن يُسْلِم قومه فيردَّ إليهم (٣) أموالهم. (ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ) بضمِّ الميم، أي: يلحظ (أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ) بالتَّثنية (قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً) بضمِّ النُّون، ما يصعد من الصَّدر إلى الفم (إِلَّا

стр. 5651

وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا) أي: بالنُّخامة (وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) تبرُّكًا بفضلاته، وزاد ابن إسحاق: ولا يسقط من شعره شيءٌ إلَّا أخذوه (وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ) أي: أسرعوا إلى فعله (وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ) بفتح الواو: فضلة الماء الَّذي توضَّأ به (١)، أو على ما يجتمع من القطرات، وما يسيل من الماء الَّذي باشر أعضاءه الشَّريفة عند الوضوء (وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «وإذا تكلَّموا» أي: الصَّحابة (خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ (٢)) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول في «اليونينيَّة» بالحاء المهملة (إِلَيْهِ النَّظَرَ) أي: ما يتأمَّلونه ولا يديمون النَّظر إليه (تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (وَاللهِ (٣) لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ) غيرُ منصرفٍ للعُجْمة، وهو لقبٌ لكلِّ من مَلَك الرُّوم (وَكِسْرَى) بكسر الكاف وتُفتَح، اسمٌ لكلِّ من مَلَك الفرس (وَالنَّجَاشِيِّ) بفتح النُّون وتخفيف الجيم، وبعد الألف شينٌ معجمةٌ وتشديد التَّحتيَّة، وتُخفَّف، لقبُ مَن مَلَك الحبشة، وهذا من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، وخصَّ الثَّلاثة بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزَّمان (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة، نافيةٌ، أي: ما (رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ) ﷺ (مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة، نافية (٤) أي: ما (تَنَخَّمَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذَرٍّ: «يتنخَّم» (نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «تكلَّموا» بضمير الجمع، أي: الصَّحابة (خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ) إجلالًا له وتوقيرًا (وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، ﵊ (قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد المهملة (٥)، أي: خصلةَ خيرٍ وصلاحٍ (فَاقْبَلُوهَا) بهمزة وصلٍ وفتح الموحَّدة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ) هو الحُلَّيس -بمهملتين مصغّرًا- ابن علقمة سيِّد الأحابيش، كما ذكره

стр. 5652

الزُّبير بن بكَّار: (دَعُونِي آتِيْهِ) بتحتيَّةٍ قبل الهاء، ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» بحذفها مجزومًا مع كسر الهاء (فَقَالُوا: ائْتِهِ) بهمزةٍ ساكنةٍ وكسر الهاء، فأتى (فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الدَّال المهملة، جمع بَدَنة، وهي من الإبل والبقر (فَابْعَثُوهَا) أي: أثيروها (لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ) حال كونهم (يُلَبُّونَ) بالعمرة (فَلَمَّا رَأَى) الكنانيُّ (ذَلِكَ) المذكور من البدن، واستقبال النَّاس له بالتَّلبية (قَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا) بضمِّ أوَّله وفتح الصَّاد المهملة، أي: يُمنَعوا (عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ) لهم: (رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ) بضمِّ القاف وكسر اللَّام المشدَّدة، أي: عُلِّق في عنقها شيٌء ليعلم أنَّها هديٌ (وَأُشْعِرَتْ) بضمِّ أوِّله وسكون المعجمة وكسر المهملة، أي: طُعِن في سنامها بحيث سال دمها؛ ليكون (١) علامةً للهَدْي أيضًا (فَمَا أرَى) بفتح الهمزة (أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ) زاد ابن إسحاق: وغضب وقال: يا معشر قريشٍ؛ ما على هذا عاقدناكم، أَيُصَدُّ (٢) عن بيت الله مَن جاء معظِّمًا له؟! فقالوا: كُفَّ عنَّا يا حُلَّيس حتَّى نأخذ لأنفسنا ما نرضى (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الرَّاء، بعدها زايٌ؛ ابن الأخيف بخاءٍ معجمةٍ فتحتيَّةٍ ففاءٍ؛ وهو من بني عامر بن لؤيٍّ (فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ) ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» بحذف التَّحتيَّة (فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ) على النَّبيِّ ﷺ وأصحابه (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ) أي: غادر؛ لأنَّه كان مشهورًا بالغدر، ولم يصدر منه في قصَّة الحديبية فجورٌ ظاهرٌ (فَجَعَلَ) أي: مكرزٌ (يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي: مكرزٌ (يُكَلِّمُهُ) ﵊ (إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) تصغير سَهْل، وعَمرو: بفتح العين (قَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ بالإسناد السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَيُّوبُ) هو السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وسقط لأبي ذَرٍّ «ابن عَمرو» (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ) ولأبي ذَرٍّ: «قد» (سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الهاء، وهذا مرسلٌ، وله شاهدٌ

стр. 5653

موصولٌ عند ابن أبي شيبةَ من حديث سلمةَ ابن الأكوع، قال: بعثت قريشٌ بسُهَيل بن عَمرو وحويطب بن عبد العُزَّى إلى النَّبيِّ ﷺ ليصالحوه، فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ سُهيلًا قال: «قد سَهُل لكم من أمركم» وهذا من باب التَّفاؤل، وكان ﵇ يعجبه الفأل الحسن، وأتى بـ «من» التَّبعيضيَّة في قوله: «مِنْ أمركم» إيذانًا بأنَّ السُّهولة الواقعة في هذه القصَّة ليست عظيمة، قيل: ولعلَّه ﵊ أخذ ذلك من التَّصغير الواقع في سُهَيل، فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيمًا. (قَالَ مَعْمَرٌ) بالإسناد السَّابق أيضًا: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (فِي حَدِيثِهِ) السَّابق، فحديث عكرمة معترض في أثنائه: (فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وفي رواية ابن إسحاق: فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ جرى بينهما القول، حتَّى وقع بينهما الصُّلح، على أن تُوضَع الحرب عشر سنين، وأن يأمن (١) بعضُهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم (فَقَالَ) سُهيلٌ: (هَاتِ) بكسر التَّاء (اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الكَاتِبَ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ (فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ اكتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ) ولأبي ذر: «فقال» (سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما هي» بتأنيث الضَّمير، أي: كلمة الرَّحمن (وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ) وكان ﵊ يكتب كذلك في بدء الإسلام، كما كانوا يكتبونها في الجاهليَّة، فلمَّا نزلت آية النَّمل كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فأدركتهم حميَّة الجاهليَّة (فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لعليٍّ ﵁ (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: اكتب (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي) بتشديد المعجمة، وجزاؤه محذوفٌ (اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق: (وَذَلِكَ) أي: إجابته لسؤال سهيل حيث قال:

стр. 5654

«اكتب: باسمك اللهم»، و «اكتب: محمَّد بن عبد الله» (لِقَوْلِهِ) ﵊ السَّابق: (لَا يَسْأَلُونِي) أي: قريش، ولأبي ذَرٍّ: «لا يسألونني» بنونين على الأصل (خُطَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة خصلة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ) يكفُّون بها عن القتال في الحرم (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي (١): أجبتهم إليها (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَنْ تُخَلُّوا (٢) بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ) العتيق (فَنَطُوفَ بِهِ) بالتَّخفيف وبالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق، وفي نسخةٍ: «فنطوفُ» بالرفع على الاستئناف، وفي روايةٍ (٣) أخرى: «فنطَّوَّفَُ» بتشديد الطَّاء والواو، وأصله: نتطوَّف، وبالنَّصب والرَّفع (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا) نخلِّي بينك وبين البيت الحرام (تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء (ضُغْطَةً) بضمِّ الضَّاد وسكون الغين المعجمَتين، وبالنَّصب على التَّمييز قهرًا، والجملة استئنافيَّة، وليست مدخولة «لا» (وَلَكِنْ ذَلِكَ) أي: التَّخلية (مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَكَتَبَ) عليٌّ ذلك (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى (٤) دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا) وفي رواية عُقيلٍ عن الزُّهريِّ في أوَّل «الشُّروط»: «ولا يأتيك منَّا أحدٌ» [خ¦٢٧١١] وهي تعمُّ الرِّجال والنِّساء، فيدخلن في هذا الصُّلح، ثمَّ نُسِخَ ذلك الحكم فيهنَّ، أو لم يدخلن إلَّا بطريق العموم فخُصِّصْنَ (٥). (قَالَ المُسْلِمُونَ) قال في «الفتح»: وقائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي، وممَّن قال أيضًا أُسَيد بن حُضَير وسعد بن عبادة كما قاله الواقديُّ، وسهل (٦) بن حنيف: (سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ) حال كونه (مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ) بالميم في بينما (إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو) بالجيم والنُّون بوزن: جَعْفَر، و «سُهَيل» بضمِّ السِّين مصغَّرًا، و «عَمرو» بفتح العين، واسم أبي جَنْدل: العاص، وكان حُبِسَ حين أسلم وعُذِّب، فخرج من السِّجن وتنكَّب الطَّريق وركب الجبال حتَّى هبط على المسلمين حال كونه (يَرْسُفُ)

стр. 5655

بفتح أوَّله وسكون الرَّاء وضمِّ السِّين المهملة، آخره فاءٌ، يمشي (فِي قُيُودِهِ) مشي المقيَّد المثقل (وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ) أبوه (سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «من» (أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ) بنونٍ مفتوحةٍ فقافٍ ساكنةٍ فضادٍ معجمةٍ، أي: لم نفرغ من كتابته، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «لن نفضَّ» بالفاء وتشديد المعجمة (قَالَ) سهيل: (فَوَاللهِ إِذًا) بالتَّنوين (لَمْ أُصَالِحْكَ) وفي نسخةٍ (١): «لا أصالحُك» (عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَجِزْهُ (٢)) بهمزةٍ مفتوحةٍ فجيمٍ مكسورةٍ فزايٍ ساكنةٍ، أي: أمضِ (لِي) فِعْلي فيه، فلا أردُّه إليك (قَالَ) سُهيلٌ: (مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «(٣) بمجيز ذلك» (لَكَ، قَالَ) ﵊: (بَلَى، فَافْعَلْ. قَالَ) سُهيلٌ: (مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ) بكسر الميم وسكون الكاف، وبعد الرَّاء المفتوحة زايٌ، ابن حفص، وكان ممَّن أقبل مع سُهيل بن عَمرو في التماس الصُّلح: (بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ) بحرف الإضراب، وللكُشْمِيهَنيِّ كما في «الفتح»: «بلى»، أي: نعم، وفي نسخةٍ: «قال مِكْرَزٌ: قد أجزناه» (لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء (إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ) حال كوني (مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقَيتُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة» فقط، وفي غيرها: «لقِيت» بكسرها (وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ) زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنَّا لا نغدر، وإنَّ الله جاعلٌ لك فرجًا ومخرجًا». وقول الكِرمانيِّ: فإن قلت: لِمَ ردَّ أبا جندل إلى المشركين وقد قال مِكْرَز: أجزناه لك؟ وجوابه: بأنَّ المتصدِّي لعقد المهادنة هو سُهيلٌ لا مِكْرَزٌ، فالاعتبار بقول المباشِر (٤) لا بقول مِكْرَزٍ، متعقَّبٌ (٥) بما نقله في «فتح الباري» عن الواقديِّ: أنَّه روى: أنَّ

стр. 5656

مِكْرَزًا كان ممَّن جاء في الصُّلح مع سُهيلٍ، وكان معهما حويطب بن عبد العُزَّى، وأنَّه ذكر في روايته ما يدلُّ على أنَّ إجازة مِكْرَزٍ لم تكن في ألَّا يردَّه إلى سُهيلٍ، بل في تأمينه من التعذيب، وأن مكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندل، فأدخلاه فِسطاطًا، وكفَّا أباه عنه. وقال الخطَّابيُّ: إنَّما ردَّه إلى أبيه، والغالب أنَّ أباه لا يبلغ به الهلاك. (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال» (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁: (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ) له: (أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ) بالنَّصب، خبر ليس (حَقًّا؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ) بفتح الدال المهملة وكسر النون وتشديد التحتية، والأصل فيه الهمزة لكنه خفف وهو صفة لمحذوف، أي: الحالة الدنية الخبيثة (فِي دِينِنَا إِذًا؟) بالتنوين، أي: حينئذٍ (قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي) فيه تنبيهٌ لعمر ﵁ على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﷺ لم يفعل ذلك إلَّا لأمرٍ أطلعه الله عليه من حبس الناقة، وأنه لم يفعل ذلك إلَّا بوحيٍ من الله (١) قال عمر ﵁: (قُلْتُ) له ﵊: (أَوَلَيْسَ (٢) كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟) بالتَّخفيف، وفي نسخةٍ: «فنطَّوَّف» بتشديد الطَّاء والواو، وعند الواقديِّ: أنَّه ﷺ كان رأى في منامه قبلَ أن يعتمرَ أنَّه دخل هو وأصحابه البيت، فلمَّا رأوا تأخير ذلك شقَّ عليهم (قَالَ) ﵊: (بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ؟) هذا (قَالَ) عمر: (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) بتشديد الطَّاء المفتوحة والواو المكسورة المشدَّدة أيضًا (قَالَ) عمر: (فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللهِ حَقًّا؟) وفي «اليونينيَّة»: «نبيّ الله» بالنَّصب؟! (قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي) الخصلة (الدَّنِيَّةَ) الخبيثة (فِي

стр. 5657

دِينِنَا إِذًا؟!) أي: حينئذٍ (قَالَ) أبو بكرٍ ﵁ مخاطبًا لعمر ﵄ (١): (أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّه رسول الله» (¬ ﷺ ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ) بفتح الغين المعجمة، وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، وهو للإبل بمنزلة الرِّكاب للفرس، أي: تمسَّك بأمره ولا تخالفه (٢) كما يتمسَّك المرء بركاب الفارس فلا يفارقه (فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ) قال عمر: (قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ) ﵊ (يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فنطَّوَّف» بالفاء بدل الواو والتَّشديد (قَالَ) أبو بكرٍ: (بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ) ﵊ (أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟) هذا؟ قال عمر: (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) بالتَّشديد مع كسر الواو، وفي ذلك دلالةٌ على فضيلة أبي بكرٍ ووفور علمه؛ لكونه أجاب بما أجاب به الرَّسول ﷺ . (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق: (قَالَ عُمَرُ) ﵁: (فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ) التَّوقف في الامتثال ابتداءً (أَعْمَالًا) صالحةً. وعند ابن (٣) إسحاق: فكان (٤) عمر يقول: مازلت أتصدَّق، وأصوم، وأصلِّي، وأعتق من الَّذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الَّذي تكلَّمت به، وعند الواقديِّ من حديث ابن عبَّاس: قال عمر ﵁: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمت دهرًا، الحديث. ولم يكن هذا شكًّا منه في الدِّين، بل ليقف على الحكمة في القضيَّة، وتنكشف عنه الشُّبهة، وللحَثِّ (٥) على إذلال الكفَّار كما عُرِفَ من قوَّته في نصرة الدِّين، وقولُ الزُّهريِّ هذا منقطعٌ بينه وبين عمر. (قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ)، وأشهد (٦) على الصُّلح رجالًا من المسلمين، منهم أبو بكر وعمر وعليٌّ، ورجالًا من المشركين، منهم مِكْرَزُ بن حفص (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا) الهَدْيَ (ثُمَّ احْلِقُوا) رؤوسكم (قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ) رجاء نزول الوحي بإبطال الصُّلح المذكور؛ ليتمَّ لهم قضاء نسكهم، أو لاعتقادهم أنَّ الأمر المطلق

стр. 5658

لا يقتضي الفور (حَتَّى قَالَ) ﵇ لهم (ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ) ﵇ (عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ) من كونهم لم يفعلوا ما أمرهم به (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟) وعند ابن إسحاق: قالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، لا تلُمْهم فإنَّهم قد دخلهم أمرٌ عظيمٌ ممَّا أدخلت على نفسك من المشقَّة في أمر الصُّلح ورجوعهم بغير فتحٍ، ويحتمل أنَّها فهمت من الصَّحابة أنَّه احتمل عندهم أن يكون النبيُّ ﷺ أمرهم بالتَّحلُّل أخذًا بالرُّخصة في حقِّهم، وأنَّه هو (١) يستمرُّ على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حقِّ نفسه، فأشارت عليه أن يتحلَّل لينفي عنهم هذا الاحتمال، فقالت: (اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة (وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ) بنصب الفعل عطفًا على الفعل المنصوب قبله (فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ) ﵇ (فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الدَّال (٢) المهملة (٣)، وكانوا سبعين بَدَنةً فيها (٤) جملٌ لأبي جهلٍ في رأسه برةٌ من فضَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «هَدْيَه» (وَدَعَا حَالِقَهُ) هو (٥) خِرَاش -بمعجمَتين- ابن أميَّة بن الفضل الخزاعيُّ الكعبيُّ (فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا) هديهم ممتثلين ما أمرهم به؛ إذ لم تبقَ بعد ذلك غايةٌ تُنتظَر (وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا) أي: ازدحامًا، وفيه فضيلة أمِّ سلمة ووفور عقلها، وقد قال إمام الحرمين في «النِّهاية»: قيل: ما أشارت امرأةٌ بصوابٍ إلَّا أمُّ سلمةَ في هذه القضيَّة.

стр. 5659

(ثُمَّ جَاءَهُ) ﵇ (نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ) بعد ذلك في أثناء مدة الصُّلح (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾) نصبٌ على الحال (﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾) فاختبروهنَّ بما يغلب على ظنِّكم موافقة قلوبهنَّ (١) (حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]) بما تعتصم (٢) به الكافرات من عقدٍ ونسبٍ، جمعُ عصمةٍ، والمراد: نهي المؤمنين عن (٣) المقام على نكاح المشركات، وبقية الآية: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: إلى أزواجهنَّ الكَفَرة، لقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، أي: ما دفعوا إليهنَّ من المهور، وهذه الآية على رواية: «لا يأتيك منَّا أحدٌ وإن كان على دينك إلَّا رددته» تكون مخصِّصةً للسُّنَّة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السَّلف ناسخةٌ من قبيل نسخ السُّنَّة بالكتاب، أمَّا على رواية: «لا يأتيك منَّا رجلٌ» فلا إشكالَ فيه. (فَطَلَّقَ عُمَرُ) ﵁ (يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ) قُريبة بنت أبي أميَّة وابنة جرول الخزاعيِّ، كما في الرِّواية التَّالية (٤) [خ¦٢٧٣٣] (كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ) لقوله تعالى في الآية: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقد كان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام (فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا) وهي قُريبة (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «وتزوَّج الأخرى أبو جهم» [خ¦٢٧٣٣] (ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ) بفتح الموحَّدة وكسر الصَّاد المهملة (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) بدلٌ من «أبو بصير» ومعنى كونه (٥) من قريش أنَّه منهم بالحلف، وإلَّا فهو ثقفيٌّ، واسمه: عُتْبة -بضمِّ العين المهملة وسكون الفوقيَّة- ابن أَسَيد -بفتح الهمزة على الصَّحيح- ابن جارية -بالجيم- الثَّقفيُّ، حليف بني زهرة وبنو زهرة من قريش (وَهْوَ مُسْلِمٌ) جملة حاليَّة (فَأَرْسَلُوا) أي: قريش (فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ) هما خُنَيس -بخاءٍ معجمةٍ

стр. 5660

مضمومةٍ (١) ونونٍ مفتوحةٍ، آخره سينٌ مهملةٌ مصغَّرًا- ابن جابر، وأزهر بن عبد عوف الزُّهري إلى رسول الله ﷺ (فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا) يوم الحديبية أن تردَّ إلينا مَن جاء (٢) منَّا وإن كان على دينك، وسألوه أن يردَّ إليهم أبا بصير، كما وقع في (٣) الصُّلح (فَدَفَعَهُ) ﵇ (إِلَى الرَّجُلَيْنِ) وفاءً بالعهد (فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) في رواية ابن سعد: لخنيس بن جابر، ولابن إسحاق: للعامريِّ: (وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ) أي: أخرج السَّيف صاحبه من غمده (فَقَالَ: أَجَلْ) نعم (وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «به» بدل «منه» أي: بيده (فَضَرَبَهُ) أبو بصيرٍ (حَتَّى بَرَدَ) بفتح الموحَّدة والرَّاء، أي: مات (وَفَرَّ الآخَرُ) (٤) وعند ابن إسحاق: وخرج المولى يشتدُّ، أي: هربًا، وهو مولى خُنَيس، واسمه: كوثر (حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو) بالعين المهملة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا) بضمِّ الذَّال المعجمة وسكون العين المهملة، خوفًا (فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: قُتِلَ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «قَتَل» بفتح القاف والتاء، أي: قتل أبو بصيرٍ (وَاللهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ) أي: إن لم تردُّوه عنِّي (فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ) كان

стр. 5661

القياس أن يقول: والله قد أوفى الله ذمَّتك، لكنَّ القسم محذوفٌ، والمذكور مؤكِّدٌ له، ولغير أبي ذرٍّ: «إليك ذمَّتك» (قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيْلُ أُمِّهِ) برفع اللَّام في رواية أبي ذرٍّ، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (١) أي: هو ويلٌ لأمِّه، وقطع همزة «أمِّه» وتشديد ميمها مكسورة، وفي نسخةٍ: «ويلُ امِّه» بحذف الهمزة تخفيفًا، وفي أخرى: «ويلَ امِّه» بنصب اللَّام على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ. قال الجوهريُّ: وإذا أضفته فليس فيه إلَّا النَّصب، وفي «اليونينيَّة»: «ويلِ أمِّه» بكسر اللَّام وقطع الهمزة، قال ابن مالكٍ تبعًا للخليل: وي: كلمة تعجُّبٍ، وهي من أسماء الأفعال، واللَّام بعدها مكسورةٌ، ويجوز ضمُّها إتباعًا للهمزة وحذف الهمزة تخفيفًا، وقال الفرَّاء: أصل قولهم: ويل فلان: وي لفلان، أي: حُزنٌ له، فكثر الاستعمال، فألحقوا بها اللَّام فصارت كأنَّها منها، وأعربوها (مِسْعَرَ حَرْبٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتَين، بالنَّصب على التَّمييز أو الحال، مثل: لله درُّه فارسًا، ولأبي ذَرٍّ: «مسعرُ» بالرَّفع، أي: هو مسعر، و «حربٍ»: مجرورٌ بالإضافة، وأصل «ويل»: دعاءٌ عليه، واستُعمِل هنا للتَّعجُّب من إقدامه في الحرب والإيقاد لنارها وسرعة النُّهوض لها (لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) ينصره لإسعار الحرب، لأثار الفتنة وأفسد الصُّلح (فَلَمَّا سَمِعَ) أبو بصيرٍ (ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ) ﵇ (سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ) بكسر السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة، وبعدها (٢) فاءٌ، أي: ساحله في موضعٍ يُسمَّى العِيْص -بكسر العين المهملة وسكون التَّحتيَّة، آخره صادٌ مهملةٌ- على طريق أهل مكَّة إذا قصدوا الشام (قَالَ: وَيَنْفَلِتُ) بالفاء والمثنَّاة الفوقيَّة، أي: ويتخلَّص (مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ) أي: من أبيه وأهله من مكَّة، وعبَّر بصيغة الاستقبال إشارة إلى إرادة مشاهدة الحال؛ على حدِّ قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ (٣) الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] وفي رواية أبي الأسود عن عروة: «وانفلت (٤) أبو جندل في سبعين راكبًا مسلمين» (فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ) بسيف البحر (فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ

стр. 5662

أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ) بكسر العين وفتح الموحَّدة (١): جماعةٌ لا واحد لها من لفظها، وهي تُطلَق على الأربعين فما دونها، لكن عند ابن إسحاق: أنَّهم بلغوا نحوًا من سبعين، بل جزم بها (٢) عروة في «المغازي» [خ¦٤١٨٠] وزاد: «وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يُعادوا إلى المشركين» وسمَّى الواقديُّ منهم: الوليد بن الوليد بن المغيرة (فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ) بخبر عيرٍ -بكسر العين- قافلةٍ (خَرَجَتْ) من مكَّة (لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا) وقفوا لها في طريقها بالعرض، وذلك كنايةٌ عن منعهم لها من المسير (فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ) أبا سفيان بن حرب (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ) تقول (٣) له (٤): سألتك بالله وبحقِّ القرابة، ولأبي ذَرٍّ: «تناشده الله والرَّحمَ» (لَمَّا) بالتشديد، أي: إلَّا (أَرْسَلَ) إلى أبي بصيرٍ وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريشٍ (فَمَنْ أَتَاهُ) منهم مسلمًا (فَهْوَ آمِنٌ) من الردِّ إلى قريش (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) زاد في رواية أبي الأسود: «فقدموا عليه»، وفيها: «فعلم الَّذين كانوا أشاروا بألَّا يسلِّم أبا جندل إلى أبيه أنَّ طاعة رسول الله ﷺ خيرٌ ممَّا كرهوا» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾) أي: أيدي كفَّار مكَّة (﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]) أي: أظهركم عليهم (حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾) أي: الَّتي تمنع الإذعان للحقِّ، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾» وقوله: «الحميَّة» من قوله: «حتَّى بلغ الحميَّة (٥)» (وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ) وظاهر قوله: «فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾»: أنَّها نزلت في شأن أبي بصيرٍ، وفيه نظرٌ، والمشهور أنَّها نزلت بسبب القوم الَّذين أرادوا من قريشٍ أن يأخذوا المسلمين غرَّةً، فظفروا بهم، فعفا عنهم النَّبيُّ ﷺ ، فنزلت، رواه مسلمٌ وغيره.

стр. 5663

زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «قال أبو عبد الله» البخاريُّ مفسِّرًا لبعض غريبٍ في بعض (١) الآية من «المجاز» لأبي عبيدة: «﴿مَّعَرَّةٌ﴾ [الفتح: ٢٥]» مَفْعَلة (٢): «العُرُّ» بضمِّ العين وتشديد الرَّاء: «الجرَب» بالجيم؛ يعني: أن َّالمعرَّة مشتقَّةٌ من عرَّه؛ إذا دهاه ما يكره ويشقُّ عليه، والعُرُّ: هو الجرَب، قال الجوهريُّ: والعَرُّ بالفتح: الجرب. وبالضَّمِّ: قروحٌ مثل القوباء، تخرج بالإبل متفرِّقةً في مشافرها وقوائمها، يسيل منها مثل الماء الأصفر، فتُكوى الصِّحاح لئلَّا تعديها المراض. «﴿تَزَيَّلُوا﴾ [الفتح: ٢٥] انمازوا» أي: تميَّز بعضهم، وقوله: «انمازوا» ليس في الفرع وأصله. «وحَمَيت القوم: منعتهم» من حصول الشَّرِّ والأذى إليهم، ومصدره: «حِماية» على وزن: فِعَالة، بالكسر، «وأَحْميت الحِمَى» بكسر الحاء وفتح الميم مقصورًا: «جعلته حِمًى لا يُدخَل» فيه، ولا يُقرَب منه، وهو -بضمِّ الياء وفتح الخاء- مبنيًّا للمفعول، «وأَحْميت الحديد» في النَّار، فهو محميٌّ، «وأحميت (٣) الرَّجل؛ إذا أغضبتَه» ومصدره: «إِحْماءً»؛ بكسر الهمزة وسكون الحاء (٤) المهملة والمدِّ. ٢٧٣٣ - (وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، فيما تقدَّم موصولًا في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٣] (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ: (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ) أي: يختبر المهاجرات بالحلف والنَّظر في الأمارات. قال الزُّهريُّ فيما وصله ابن مردويه في «تفسيره»: (وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ) أي: من الأصدقة (وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَلَّا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ: قُرَيبَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء وبعد التَّحتيَّة موحَّدةٌ، وللكُشْمِيهَنيِّ: «قَرِيبة» بفتح القاف وكسر الرَّاء (بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ وَابْنَةَ

стр. 5664

جَرْوَلٍ) بفتح الجيم وسكون الرَّاء، أمَّ عبد الله بن عمر (الخُزَاعِيِّ) بالخاء المضمومة والزَّاي المعجمَتين (فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «قُريبة» بضمِّ القاف (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان، (وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء، عامر بن حُذيفة الأمويُّ (فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: وطالبوا بما أنفقتم من مهور نسائكم اللَّاحقات بالكفَّار، ولْيطالبوا بما أنفقوا من مهور أزواجهنَّ (١) اللَّاتي هاجرن إلى المسلمين (أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ﴾) وإن سبقكم وانفلت منكم مرتدًّا (﴿شَيْءٌ﴾) أحدٌ (﴿مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾) وإيقاع ﴿شَيْءٌ﴾ موقع «أحد» للتَّحقير والمبالغة في التَّعميم، أي: شيءٌ من مهورهنَّ (﴿إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالعَقْبُ) بفتح العين وسكون القاف في «اليونينيَّة» وقد تُفتَح؛ هو (مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ) من المهر (إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ) المسلمة (مِنَ الكُفَّارِ) إلى المسلمين (فَأَمَرَ) الله تعالى (أَنْ يُعْطَى) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) إلى الكفَّار مرتدَّةً مثلَ (مَا أَنْفَقَ) عليها من المهر، مفعولٌ ثانٍ لـ «يعطى» (مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بيعطى (اللَّاتِي) أسلمْن و (هَاجَرْنَ) إلى المسلمين إذا تزوَّجن، ولا يعطى الزَّوج الكافر شيئًا (وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا) ولأبي ذَرٍّ: «وما (٢) نعلم أنَّ أحدًا» (مِنَ المُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا).

стр. 5665

قال الزُّهريُّ: (وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة (الثَّقَفِيَّ) بالمثلَّثة فالقافِ فالفاءٍ، وهذا من مرسل الزُّهريِّ بخلافه في رواية معمر: فإنَّه موصولٌ إلى المسور [خ¦٢٧٣١] (قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونه (مُؤْمِنًا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مِن منًى»، قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيفٌ (مُهَاجِرًا) حالٌ من الأحوال المترادفة أو المتداخلة (فِي المُدَّةِ) الَّتي وقع الصُّلح عليها (فَكَتَبَ الأَخْنَسُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ، وبعد النُّون المفتوحة سينٌ مهملةٌ (بْنُ شَرِيقٍ) بشينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة قافٌ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ) أن يردَّه إليهم وفاءً للعهد (١) (فَذَكَرَ الحَدِيثَ … ) إلى آخره، وفي الرِّواية السَّابقة: «فأرسلوا في طلبه رجلين» [خ¦٢٧٣١] وقد سمَّاهما ابن سعد في «طبقاته»: خُنَيس -بمعجمةٍ ونونٍ مصغّرًا- ابن جابرٍ، ومولى له يقال له (٢): كوثر، وقال (٣) ابن إسحاق: فكتب الأخنس بن شَرِيق والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله ﷺ كتابًا، وبعثا به مع مولًى لهما ورجلٍ من بني عامرٍ استأجراه ببكرَين. انتهى. قال في «الفتح»: والأخنس من ثقيفٍ رهط أبي بصيرٍ، وأزهر من بني زهرةَ حلفاء أبي بصيرٍ، فلكلٍّ منهما المطالبة بردِّه.

стр. 5666

(١٦) (بابُ الشُّرُوطِ فِي القَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (¬﵄: إِذَا أَجَّلَهُ) إلى أجل معلوم (فِي القَرْضِ جَازَ) أي: التأجيل، أي: صحَّ القرض بشرطه، وهذا قد سبق معناه في «باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى» [خ¦٢٤٠٤] (١). ٢٧٣٤ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، فيما وصله في «باب (٢) التِّجارة في البحر» [خ¦٢٠٦٣] من رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «فقال: حدَّثني عبد الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيث» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حسنة، القرشيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ فَدَفَعَهَا) المسلِف (إِلَيْهِ) أي: إلى المستسلف (٣) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) معلومٍ، والَّذي أسلف (٤) هو النَّجاشيُّ، كما سمَّاه في «مسند الصَّحابة الَّذين نزلوا مصرَ» لمحمَّد بن الرَّبيع الجيزيِّ بإسنادٍ له فيه مجهول من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص مرفوعًا. والحديث سبق تامًّا في «باب الكفالة في القرض» [خ¦٢٢٩١] وهذا الباب جميعُه ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، ساقطٌ لغيرهما، وقال في «الفتح»: إنَّه ساقطٌ للنَّسفيِّ، لكنْ زاد في التَّرجمة الَّتي تليه، فقال: «باب الشُّروط في القرض والمكاتب … » إلى آخره، وفي «الفرع» كأصله: علامةُ تأخير الحديث عن الأثر. (١٧) (بابُ) حكم (المُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ) أي: حكم

стр. 5667

كتاب الله، وهو أعمُّ من أن يكون نصًّا أو استنباطًا (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄¬) ممَّا وصله سفيان الثَّوريُّ في «كتاب الفرائض» له من طريق مجاهدٍ عن جابرٍ: (فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ) أي: شروط المكاتَبين وساداتهم (بَيْنَهُمْ) معتبرةٌ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ) أبوه (عُمَرُ) بن الخطَّاب كذا وقع بالشَّكِّ، ولم يقل في رواية النَّسفيِّ: «أو عمر» (¬﵄: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ) أي: حكم كتاب الله (فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ) كذا في رواية كريمة، وسقط قوله: «وقال أبو عبد الله … » إلى آخره عند أبي ذرٍّ. ٢٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا) أن تعينها (فِي كِتَابَتِهَا) وفي رواية: عروة عن عائشة «تستعينها في كتابتها» [خ¦٢٥٦٠] (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ لها: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ) ثمنك، وأعتقتك (١) (وَيَكُونُ الوَلَاءُ) عليك (لِي) فذكرت بريرة ذلك لأهلها، فأبَوا إلَّا أن يكون الولاء لهم (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لعائشة (ذكَرَتْهُ ذَلِكَ) بتخفيف كاف «ذكَرَتْه» ولأبي ذَرٍّ: «ذكَّرَتْهُ» بتشديدها وفتح الرَّاء وسكون الفوقيَّة، وفي نسخةٍ: بسكون الرَّاء وضمِّ الفوقيَّة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ابْتَاعِيهَا) بهمزة وصلٍ (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) لا لغيره (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ) خطيبًا (فَقَالَ: مَا بَالُ) ما شأن (أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟!) أي: ليست في حكم الله الَّذي كتبه على عباده، وشرعه لهم، وليس المراد به خصوص القرآن (٢)، لأنَّ كون الولاء للمعتِق غير منصوصٍ في القرآن، ولكنَّ الكتاب أمر بطاعة الرَّسول، واتِّباع حكمه، وقد حكم بأنَّ الولاء لمن أعتق (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ

стр. 5668

فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ) التَّقييد بالمئة للتَّأكيد، لأنَّ العموم في قوله: «مَنِ اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلو زادت الشُّروط على المئة كان الحكم كذلك؛ لما دلَّت عليه الصِّيغة. وهذا الحديث قد سبق غير مرَّة. (١٨) (بابُ) بيان (مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا) بضمِّ المثلَّثة وسكون النُّون، بعدها تحتيَّةٌ، مقصورًا؛ الاستثناءُ (فِي الإِقْرَارِ، وَ) بيان (الشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يتعارفه» (النَّاسُ بَيْنَهُمْ) كشرط نقل المبيع (١) من مكان البائع، فإنَّه جائزٌ؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضى العقد، أو شرط قطع الثِّمار أو تبقيتها بعد الصَّلاح، أو شرط أن يعمل فيه البائع عملًا معلومًا، كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال، وهو في المعنى بيعٌ وإجارةٌ يوزَّع المسمَّى عليهما باعتبار القيمة، وقيل: يبطل الشَّرط ويصحُّ البيع بما يقابل المبيع من المسمَّى، والأصحُّ بطلانهما، لاشتمال البيع على شرط عملٍ فيما لم يملكه بعد (وَإِذَا قَالَ) لفلانٍ: عليَّ (مئةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ) بكسر المثلَّثة، وهذا (٢) استثناءُ قليلٍ من كثيرٍ، لا خلاف فيه، فيصحُّ، ويلزمه في قوله: «إلَّا واحدةً» تسعةٌ وتسعون درهمًا، وفي قوله: «إلَّا ثنتين» ثمانيةٌ وتسعون. (وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة، وبعد الواو السَّاكنة نونٌ، عبدُ الله بن أَرْطَبان البصريُّ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ عن هُشَيم عنه (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (قَالَ رَجُلٌ) ولأبي ذَرٍّ عن

стр. 5669

الكُشْمِيهَنِيِّ: «قال الرَّجل» بالتَّعريف (لِكَرِيِّهِ) بفتح الكاف وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة بوزن: فعيل، المكاري. وقال الجوهريُّ: يُطلَق على المكرِي وعلى المكتري أيضًا: (أَدْخِلْ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فدالٍ مهملةٍ ساكنةٍ فخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ، أمرٌ من الإدخال، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «اِرْحَلْ» بهمزة مكسورةٍ فراءٍ ساكنةٍ فحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ (رِكَابَكَ) بكسر الرَّاء، منصوبٌ بـ «أدخل» الإبل الَّتي يُسار عليها -الواحدة: راحلةٌ، لا واحد (١) لها من لفظها- أي: أدخلْها فِناءك لأرحل معك يوم كذا وكذا (فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِئَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ) أي: لم يرحل معه (فَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي: (مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ) شيئًا حال كونه (طَائِعًا) مختارًا (غَيْرَ مُكْرَهٍ) عليه (فَهْوَ) أي: الشَّرط الَّذي شرطه (عَلَيْهِ) أي: يلزمه، وقال الجمهور: هي عِدَةٌ، فلا يلزم (٢) الوفاء بها. (وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ ممَّا وصله سعيد بن منصور (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا) لآخر (وَقَالَ) المشتري للبائع: (إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ) بكسر الموحَّدة، أي: يوم الأربعاء (فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجِئْ) أي: المشتري (فَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي (لِلْمُشْتَرِي) عند التَّحاكم إليه (٣): (أَنْتَ أَخْلَفْتَ) الميعاد (فَقَضَى عَلَيْهِ) برفع البيع، وهذا (٤) مذهب أبي حنيفة وأحمد، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ: يصحُّ البيع، ويبطل الشرط. ٢٧٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة

стр. 5670

الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) بالنَّصب على التَّمييز، وليس فيه نفيُ غيرِها، وقد نقل ابن العربيِّ: أنَّ لله ألفَ اسمٍ، قال: وهذا قليلٌ فيها، ولو كان البحر مدادًا لأسماء ربي؛ لنفد البحر قبل أن تنفد أسماء ربي ولو جئنا بسبعة أبحر مثله مدادًا. وفي الحديث: «أسألك بكل اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتبك (١)، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك» وإنمَّا خصَّ هذه لشهرتها. ولما كانت معرفة أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، إنَّما تُعلَم من طريق الوحي والسُّنة، ولم يكن لنا أن نتصرَّف فيها بما لم يهتد إليه مبلَغُ علمِنا ومنتهى عقولِنا، وقد مُنِعنا عن إطلاق (٢) ما لم يردْ به التَّوقيف في ذلك وإن جوَّزه العقل وحكم به القياس؛ كان الخطأ في ذلك غير هيِّنٍ (٣)، والمخطئُ فيه غيرَ معذورٍ، والنُّقصانُ عنه (٤) كالزِّيادة فيه غيرَ مرضيٍّ، وكان الاحتمال في رسم الخطِّ واقعًا باشتباه تسعةٍ وتسعين في زلَّة الكاتب، وهفوة القلم بسبعةٍ وسبعين، أو سبعةٍ وتسعين، أو تسعةٍ وسبعين، فينشأ الاختلاف في المسموع من (٥) المسطور، أكَّده حسمًا للمادَّة وإرشادًا إلى الاحتياط بقوله: (مئةً) بالنَّصب على البدليَّة (إِلَّا) اسمًا (وَاحِدًا) ولأبي ذَرٍّ: «إلَّا واحدةً» بالتَّأنيث ذهابًا (٦) إلى معنى التَّسمية أو الصِّفة أو الكلمة (مَنْ أَحْصَاهَا) علمًا وإيمانًا أو عدًّا لها حتَّى يستوفيها، فلا يقتصر على بعضها، بل يثني على الله، ويدعوه بجميعها، أو مَن عقلها، وأحاط بمعانيها، أو حفظها (دَخَلَ الجَنَّةَ). وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها، وكأنَّ المؤلِّف أورده ليستدلَّ به على أنَّ الكلام إنَّما يتمُّ بآخره، فإذا كان فيه استثناءٌ أو شرطٌ عُمِل به، وأُخِذَ ذلك من قوله: «مئةً إلَّا واحدًا» وهو في الاستثناء مسلَّمٌ، فلو قال في البيع: بعت من هذه الصُّبرة مئةَ صاعٍ إلَّا

стр. 5671

صاعًا، صحَّ وعُمِل به، وكان بائعًا لتسعةٍ وتسعين صاعًا، وكذا في الإقرار كما مرَّ، ولا يُؤخَذ بأوَّل كلامه، ويُلغى آخره، لكن في استنباط ذلك من هذا الحديث نظرٌ، لأنَّ قوله: «مئةً إلَّا واحدًا» إنَّما ذُكِر تأكيدًا لما تقدَّم، فلم يُستَفدْ به فائدةٌ مستأنفةٌ حتَّى يُستنبَط منه هذا الحكم لحصول هذا المقصود بقوله: «تسعةً وتسعين اسمًا». وأمَّا الشُّروط فليست صورة الحديث، قاله الوليُّ بن العراقيِّ. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «التوحيد» [خ¦٧٣٩٢]، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت»، وابن ماجه في «الدُّعاء» (١). (١٩) (بابُ الشُّرُوطِ فِي الوَقْفِ). ٢٧٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح المهملة وبالنُّون (٢) عبد الله البصريُّ (قَالَ: أَنْبَأَنِي) بالإفراد، أي: أخبرني، والإنباء يُطلَق على الإجازة أيضًا، كما عُرِف في موضعه (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ

стр. 5672

يَسْتَأْمِرُهُ) أي: يستشيره (فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ) تُسمَّى: ثَمْغَ؛ بفتح المثلَّثة وسكون الميم وبالغين المعجمة (لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ) أي: أجود (عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُني بِهِ؟) أن أفعل فيها (قَالَ) ﵇: (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ) بتشديد الموحَّدة، أي: وقفت (أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ) أصلها (وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَفِي القُرْبَى) القرابة في الرَّحم (وَفِي) فكِّ (الرِّقَابِ) وهم المكاتَبون، بأن يُدفَع إليهم شيءٌ من الوقف تُفَكُّ به رقابهم (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) منقطعُ الحاجِّ ومنقطع الغُزاة (وَابْنِ السَّبِيلِ) الَّذي له مالٌ في بلدةٍ لا يصل إليها (١) وهو فقير (وَالضَّيْفِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (٢) (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) وَلِيَ التَّحدُّث على تلك الأرض (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا) من رَيْعها (بِالمَعْرُوفِ) بحسب ما يحتمل ريع الوقف على الوجه المعتاد (وَيُطْعِمَ) بضمِّ الياء، من الإطعام، بالنَّصب عطفًا على المنصوب (٣) بـ «أَنْ»، أي: بأن يطعم غيره حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ قَالَ) ابن عونٍ: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) بهذا الحديث (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّدًا (فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ) بضمِّ الميم وفتح الفوقيَّة، وبعد الهمزة المفتوحة مثلَّثةٌ مشدَّدةٌ مكسورةٌ فلامٌ، أي: جامعٍ (مَالًا) وقول الزَّركشيِّ: «مالًا» نصبٌ على التَّمييز. قال الإمامُ بدر الدِّين الدَّمامينيُّ: إنَّه خطأٌ، وإنَّما نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ به، أي: لـ «متأثِّل». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٤] وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الأحباس»، والله تعالى أعلم.

стр. 5673

((٥٥)) (كِتَابُ الوَصَايَا) جمع وصيَّةٍ، وهي لغةً: الإيصال (١)، من وصَّى الشَّيء بكذا، أوصله به؛ لأنَّ الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه. وشرعًا: تبرُّعٌ بحقٍّ مضافٍ إلى ما (٢) بعد الموت ليس بتدبيرٍ ولا تعليق عتقٍ وإن التحقا بها حكمًا في حسابهما من الثُّلث، كالتَّبرُّع المنجَّز في مرض الموت أو الملحق به. (١) (بسم الله الرحمن الرحيم. بابُ) حكم (الوَصَايَا) وقدَّم النَّسفيُّ في روايته البسملة على لفظ: «كتاب» (وَ) باب: (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) التَّقييد بالرَّجل خرج مخرج الغالب، وإلَّا فلا فرق في الوصيَّة الصحيحة بين الرَّجل والمرأة، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يقف على هذا الحديث باللَّفظ المذكور، فكأنَّه رواه بالمعنى، فإنَّ المرء هو الرَّجل (وَ) باب: (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «وقال الله »: (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾) أي:

стр. 5674

حضرت (١) أسبابه وظهرت أماراته ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ مالًا، وقيل: مالًا كثيرًا، لِمَا رُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أن مولًى له أراد أن يوصي، وله سبع مئة درهمٍ، فمنعه، وقال الله تعالى: (﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾) والخير هو المال (٢) الكثير (﴿الْوَصِيَّةُ﴾) مرفوعٌ بـ ﴿كُتِبَ﴾ وتذكير فعلها على تأويل أن يوصي أو الإيصاء (﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالعدل، فلا يفضل الغنى، ولا يتجاوز الثُّلث (﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾) مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: حقَّ حقًّا، أي: واجبًا (﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾) أي (٣): بدَّل ما ذُكِرَ من الوصيَّة (﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾) وصل إليه (﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾) ووقع أجر الميِّت على الله (﴿إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ﴾) للوصيَّة (﴿عَلِيمٌ﴾) بما بُدِّل منها، فيجازي المبدِّل بغير حقٍّ، وهذا الحكم كان (٤) في بدء الإسلام قبل نزول آية المواريث، فلمَّا نزلت نسختها، وصارت المواريث المقرَّرة فريضةً من الله يأخذها أهلها حتمًا من غير وصيَّة ولا تحمُّل مانة (٥) الوصي (٦)، وفي حديث عمرو بن خارجة في «السُّنن» مرفوعًا: «إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيَّة لوارثٍ» (﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ﴾) أي: توقَّع وعلم (﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾) بأن تعمَّد الجور في وصيَّته، فزاد على الثُّلث (﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾) بين الموصى لهم بردِّ (٧) ما زاد (﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾) في هذا التَّبديل؛ لأنَّه تبديل باطلٍ إلى حقٍّ بخلاف الأوَّل (﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]) حيث لم يجعل على عباده حرجًا في الدِّين. وقال البخاريُّ مفسِّرًا لقوله: (﴿جَنَفًا﴾) أي: (مَيْلًا) رواه الطَّبريُّ عن عطاءٍ بإسنادٍ صحيحٍ (﴿مُتَجَانِفٍ﴾) أي: (مَائِلٌ) ولغير أبي ذرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «متمايلٌ» وسقط لأبي ذَرٍّ من قوله: «﴿وَالأقْرَبِينَ … ﴾ إلى الآخر»، وقال بعد قوله: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾: «إلى ﴿جَنَفًا﴾» وللنَّسفيِّ (٨) كما في «الفتح»: «الآية» وفي نسخةٍ: «﴿وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

стр. 5675

٢٧٣٨ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) وسقط لأبي ذَرٍّ «عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَا) أي: ليس (حَقُّ امْرِئٍ) رجلٍ (مُسْلِمٍ) أو ذميٍّ، ولمسلمٍ عن أيوبَ عن نافعٍ: «ما حقُّ امرئٍ يؤمن بالوصيَّة» (١)، قال ابن عبد البرِّ: فسَّره ابن عيينة: أي: يؤمن بأنَّها حقٌّ (لَهُ شَيْءٌ) صفةٌ لـ «امرئٍ»، وعند البيهقيِّ (٢): «له مالٌ» بدل (٣) «شيءٌ»، حال كونه (يُوصِي فِيهِ) (٤) صفةٌ لـ «شيءٌ» حال كونه (يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ) صفةٌ أخرى لـ «امرئٍ» ومفعول «يبيت» محذوفٌ، تقديره: آمنًا أو ذاكرًا أو
следующие страницы →