← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

صاعًا، صحَّ وعُمِل به، وكان بائعًا لتسعةٍ وتسعين صاعًا، وكذا في الإقرار كما مرَّ، ولا يُؤخَذ بأوَّل كلامه، ويُلغى آخره، لكن في استنباط ذلك من هذا الحديث نظرٌ، لأنَّ قوله: «مئةً إلَّا واحدًا» إنَّما ذُكِر تأكيدًا لما تقدَّم، فلم يُستَفدْ به فائدةٌ مستأنفةٌ حتَّى يُستنبَط منه هذا الحكم لحصول هذا المقصود بقوله: «تسعةً وتسعين اسمًا». وأمَّا الشُّروط فليست صورة الحديث، قاله الوليُّ بن العراقيِّ. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «التوحيد» [خ¦٧٣٩٢]، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت»، وابن ماجه في «الدُّعاء» (١). (١٩) (بابُ الشُّرُوطِ فِي الوَقْفِ). ٢٧٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح المهملة وبالنُّون (٢) عبد الله البصريُّ (قَالَ: أَنْبَأَنِي) بالإفراد، أي: أخبرني، والإنباء يُطلَق على الإجازة أيضًا، كما عُرِف في موضعه (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ

стр. 5672

يَسْتَأْمِرُهُ) أي: يستشيره (فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ) تُسمَّى: ثَمْغَ؛ بفتح المثلَّثة وسكون الميم وبالغين المعجمة (لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ) أي: أجود (عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُني بِهِ؟) أن أفعل فيها (قَالَ) ﵇: (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ) بتشديد الموحَّدة، أي: وقفت (أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ) أصلها (وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَفِي القُرْبَى) القرابة في الرَّحم (وَفِي) فكِّ (الرِّقَابِ) وهم المكاتَبون، بأن يُدفَع إليهم شيءٌ من الوقف تُفَكُّ به رقابهم (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) منقطعُ الحاجِّ ومنقطع الغُزاة (وَابْنِ السَّبِيلِ) الَّذي له مالٌ في بلدةٍ لا يصل إليها (١) وهو فقير (وَالضَّيْفِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (٢) (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) وَلِيَ التَّحدُّث على تلك الأرض (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا) من رَيْعها (بِالمَعْرُوفِ) بحسب ما يحتمل ريع الوقف على الوجه المعتاد (وَيُطْعِمَ) بضمِّ الياء، من الإطعام، بالنَّصب عطفًا على المنصوب (٣) بـ «أَنْ»، أي: بأن يطعم غيره حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ قَالَ) ابن عونٍ: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) بهذا الحديث (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّدًا (فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ) بضمِّ الميم وفتح الفوقيَّة، وبعد الهمزة المفتوحة مثلَّثةٌ مشدَّدةٌ مكسورةٌ فلامٌ، أي: جامعٍ (مَالًا) وقول الزَّركشيِّ: «مالًا» نصبٌ على التَّمييز. قال الإمامُ بدر الدِّين الدَّمامينيُّ: إنَّه خطأٌ، وإنَّما نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ به، أي: لـ «متأثِّل». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٤] وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الأحباس»، والله تعالى أعلم.

стр. 5673

((٥٥)) (كِتَابُ الوَصَايَا) جمع وصيَّةٍ، وهي لغةً: الإيصال (١)، من وصَّى الشَّيء بكذا، أوصله به؛ لأنَّ الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه. وشرعًا: تبرُّعٌ بحقٍّ مضافٍ إلى ما (٢) بعد الموت ليس بتدبيرٍ ولا تعليق عتقٍ وإن التحقا بها حكمًا في حسابهما من الثُّلث، كالتَّبرُّع المنجَّز في مرض الموت أو الملحق به. (١) (بسم الله الرحمن الرحيم. بابُ) حكم (الوَصَايَا) وقدَّم النَّسفيُّ في روايته البسملة على لفظ: «كتاب» (وَ) باب: (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) التَّقييد بالرَّجل خرج مخرج الغالب، وإلَّا فلا فرق في الوصيَّة الصحيحة بين الرَّجل والمرأة، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يقف على هذا الحديث باللَّفظ المذكور، فكأنَّه رواه بالمعنى، فإنَّ المرء هو الرَّجل (وَ) باب: (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «وقال الله »: (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾) أي:

стр. 5674

حضرت (١) أسبابه وظهرت أماراته ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ مالًا، وقيل: مالًا كثيرًا، لِمَا رُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أن مولًى له أراد أن يوصي، وله سبع مئة درهمٍ، فمنعه، وقال الله تعالى: (﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾) والخير هو المال (٢) الكثير (﴿الْوَصِيَّةُ﴾) مرفوعٌ بـ ﴿كُتِبَ﴾ وتذكير فعلها على تأويل أن يوصي أو الإيصاء (﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالعدل، فلا يفضل الغنى، ولا يتجاوز الثُّلث (﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾) مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: حقَّ حقًّا، أي: واجبًا (﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾) أي (٣): بدَّل ما ذُكِرَ من الوصيَّة (﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾) وصل إليه (﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾) ووقع أجر الميِّت على الله (﴿إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ﴾) للوصيَّة (﴿عَلِيمٌ﴾) بما بُدِّل منها، فيجازي المبدِّل بغير حقٍّ، وهذا الحكم كان (٤) في بدء الإسلام قبل نزول آية المواريث، فلمَّا نزلت نسختها، وصارت المواريث المقرَّرة فريضةً من الله يأخذها أهلها حتمًا من غير وصيَّة ولا تحمُّل مانة (٥) الوصي (٦)، وفي حديث عمرو بن خارجة في «السُّنن» مرفوعًا: «إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيَّة لوارثٍ» (﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ﴾) أي: توقَّع وعلم (﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾) بأن تعمَّد الجور في وصيَّته، فزاد على الثُّلث (﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾) بين الموصى لهم بردِّ (٧) ما زاد (﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾) في هذا التَّبديل؛ لأنَّه تبديل باطلٍ إلى حقٍّ بخلاف الأوَّل (﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]) حيث لم يجعل على عباده حرجًا في الدِّين. وقال البخاريُّ مفسِّرًا لقوله: (﴿جَنَفًا﴾) أي: (مَيْلًا) رواه الطَّبريُّ عن عطاءٍ بإسنادٍ صحيحٍ (﴿مُتَجَانِفٍ﴾) أي: (مَائِلٌ) ولغير أبي ذرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «متمايلٌ» وسقط لأبي ذَرٍّ من قوله: «﴿وَالأقْرَبِينَ … ﴾ إلى الآخر»، وقال بعد قوله: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾: «إلى ﴿جَنَفًا﴾» وللنَّسفيِّ (٨) كما في «الفتح»: «الآية» وفي نسخةٍ: «﴿وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

стр. 5675

٢٧٣٨ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) وسقط لأبي ذَرٍّ «عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَا) أي: ليس (حَقُّ امْرِئٍ) رجلٍ (مُسْلِمٍ) أو ذميٍّ، ولمسلمٍ عن أيوبَ عن نافعٍ: «ما حقُّ امرئٍ يؤمن بالوصيَّة» (١)، قال ابن عبد البرِّ: فسَّره ابن عيينة: أي: يؤمن بأنَّها حقٌّ (لَهُ شَيْءٌ) صفةٌ لـ «امرئٍ»، وعند البيهقيِّ (٢): «له مالٌ» بدل (٣) «شيءٌ»، حال كونه (يُوصِي فِيهِ) (٤) صفةٌ لـ «شيءٌ» حال كونه (يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ) صفةٌ أخرى لـ «امرئٍ» ومفعول «يبيت» محذوفٌ، تقديره: آمنًا أو ذاكرًا أو

стр. 5676

موعوكًا (١)، وعند البيهقيِّ: «ليلةً أو ليلتين» ولمسلمٍ والنَّسائيِّ: «ثلاث ليالٍ» والاختلاف دالٌّ على التَّقريب لا التَّحديد، والمبتدأ الَّذي هو «ما حقُّ» محصورٌ في خبره المقدَّر بعد «إلَّا» من قوله: (إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ) أي: ما حقُّه إلَّا المبيت ووصيته (مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) مشهودٌ بها، فإنَّ الغالب إنَّما يكتب العدول، قال الله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ولأنَّ أكثر النَّاس لا يحسن الكتابة، فلا دلالة فيه على اعتماد الخط، ونقل في «المصابيح»: فيما إذا وُجِدَت وصيَّةٌ بخطِّ الميِّت من غير إشهادٍ في تَرِكَته، ويُعرَف أنَّها خطُّه بشهادة عدلين، عن الباجي أنَّها لا يثبت شيءٌ منها؛ لأنَّه قد يكتب ولا يعزم. رواه ابن القاسم في «المجموعة» و «العتبية»، ولم يحكِ ابن عرفة فيها خلافًا، والواو في «ووصيَّته» للحال، قال في «العُدَّة»: ويحتمل أن يكون خبر المبتدأ «يبيت» بتأويله

стр. 5677

بالمصدر، تقديره: ما حقُّه بيتوتة (١) ليلتين إلَّا وهو بهذه الصِّفة، وهذا معنى قوله في «المصابيح»: أن يبيت ليلتين (٢)، ارتفع بعد حذف «أن» مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] وقال في «الفتح» نحوه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا قياسٌ فاسدٌ، وفيه تغيير المعنى أيضًا، وإنَّما قدَّر «أنْ» في قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ لأنَّه في موضع الابتداء؛ لأنَّ قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ في موضع الخبر، والفعل لا يقع مبتدأً، فَتُقَدَّر (٣) «أنْ» فيه حتَّى يكون في معنى المصدر، فيصحُّ حينئذٍ وقوعه مبتدأً، فمن له ذوقٌ في العربية يفهم هذا، ويعلم تغيير المعنى فيما قال. انتهى. ولم يجب عن ذلك في «انتقاض الاعتراض» بشيءٍ بل بيَّض له ككثيرٍ من الاعتراضات الَّتي أوردها العينيُّ عليه، لكن يدلُّ لِمَا قالوه رواية النَّسائيِّ من طريق فُضَيل بن عياضٍ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، حيث قال فيها: «أَنْ يبيتَ» فصرَّح بـ «أن» المصدريَّة، والتَّعبير بالمسلم جرى على الغالب، وإلَّا فالذِّميُّ كذلك، فإن الكفَّار مخاطَبون بالفروع. فإن قلت: الوصيَّة شُرِعَت زيادةً في العمل الصَّالح، والكافر لا عمل له بعد الموت. أُجِيبَ: بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصيَّة كالإعتاق، وهو صحيحٌ من الذِّميِّ والحربيِّ، أو التَّعبير بالمسلم من الخطاب المسمَّى عند البيانيِّين بالتَّهييج، أي: الَّذي يمتثل أمر الله ويجتنب نواهيه إنَّما هو المسلم، ففيه إشعارٌ بنفي الإسلام عن تارك ذلك، وقال الشَّافعيُّ فيما حكاه النَّوويُّ: معنى الحديث: ما الحزم (٤) والاحتياط للمسلم إلَّا أن تكون وصيَّته مكتوبةً عنده، وروى البيهقيُّ في «المعرفة» ممَّا قرأته فيها عن الشَّافعيِّ أيضًا أنَّه قال في قوله: «ما حقُّ امرئٍ» يحتمل ما لامرئ أن يبيت ليلتين إلَّا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده، ويحتمل: ما المعروف في الأخلاق إلَّا هذا، لا من وجه الفرض. انتهى. وقد أُجمِعَ على الأمر بها، لكن مذهب الأربعة أنَّها مندوبةٌ لا واجبةٌ، ولا دلالة في حديث الباب لمن قال بالوجوب، وكيف وفي رواية مسلمٍ من طريق عبيد الله بن عمر (٥) وأيُّوب: «يريد أن يوصي فيه» (٦) فجعل

стр. 5678

ذلك متعلِّقًا (١) بإرادته. سلَّمنا أنَّه يدلُّ على الوجوب، لكن صرفه عن ذلك أدلَّةٌ أخرى، كقوله تعالى فيما قاله السُّهيلي: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١ - ١٢] فإنَّه نكَّر الوصيَّة كما نكَّر الدَّيْنَ، ولو كانت الوصية واجبةً، لقال: من بعد الوصيَّة. نعم، روى ابن عون عن نافعٍ عن ابن عمر الحديث بلفظ: «لا يحلُّ لامرئٍ مسلمٍ» وقال المنذريُّ: إنَّها تؤيِّد القائل (٢) بالوجوب، لكن لم يتابع ابن عون على هذه الرِّواية، وقد قال المنذريُّ: إنَّها شاذَّة. نعم، تجب الوصيَّة على من عليه حقٌّ لله (٣) كزكاةٍ وحجٍّ أو حقٌّ لآدميٍّ بلا شهودٍ، بخلاف ما إذا كان به شهودٌ فلا تجب، وهل الحكم كذلك في اليسير الَّتي جرت العادة بردِّه مع القرب، فيه كلام لبعضهم مال (٤) فيه إلى أنَّ مثل هذا (٥) لا تجب الوصيَّة فيه على التَّضييق والفور مراعاةً للشَّفقة. وهذا الحديث رواه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (تَابَعَهُ) أي: تابع مالكًا في أصل الحديث (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الطَّائفيُّ، فيما رواه الدَّارقطنيُّ في الأفراد (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٢٧٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ) البغداديُّ سكن نيسابور قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، العبديُّ الكوفيُّ الكِرمانيُّ، لا ابنُ بُكيرٍ المصريّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء مصغَّرًا (الجُعْفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن

стр. 5679

عبد الله السَّبيعيُّ الكوفيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بن أبي ضرار الخزاعيِّ (خَتَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح الخاء المعجمة والمثنَّاة الفوقيَّة، والجرُّ وصفٌ لـ «عمرو» أو عطف بيانٍ أو بدلٌ، وهو كلُّ ما كان من قِبَل المرأة مثل الأب والأخ (أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) أمِّ المؤمنين ﵂ و «أخي» بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، أنَّه (قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً) في الرِّق (وَلَا شَيْئًا) من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ولا شاةً» قال ابن حجر: والأوَّل أصحُّ، وزاد مسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ (١) والنَّسائيُّ: «ولا بعيرًا» (إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ) الَّذي أعدَّه للحرب كالسُّيوف (وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً) قال ابن التِّين فيما نقله العينيُّ: هي فَدَك والَّتي بخيبر، وإنَّما تصدَّق بها في صحَّته، وأخبر بالحكم عند وفاته، وإليه أشارت عائشة ﵂ بقولها في حديثها الَّذي رواه مسلمٌ وغيره المذكور: «ولا أوصى بشيءٍ». قال الكِرمانيُّ: الضَّمير في قوله: «جعلها» راجعٌ إلى الثَّلاث، أي: البغلة والسِّلاح والأرض، لا إلى الأرض فقط. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه التَّصدُّقَ بما ذُكِرَ، وحكمه حكم الوقف، وهو في معنى الوصيَّة لبقائها بعد الموت، قاله العينيُّ. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الخمس» [خ¦٣٠٩٨] و «الجهاد» [خ¦٢٨٧٣] و «المغازي» [خ¦٤٤٦١]، والنَّسائيُّ في «الأحباس». ٢٧٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان أبو محمَّدٍ السَّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «هو ابن مِغْوَلٍ» بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو، آخره لامٌ «البجليُّ الكوفيُّ» (٢) وهذه الزِّيادة من قول المؤلِّف. قال الكِرماني: لو لم

стр. 5680

يقلها كان افتراءً على شيخه، إذ الشَّيخ لم ينسبه، بل قال مالكٌ فقط، قال: (حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بضمِّ الميم وفتح الصَّاد المهملة وكسر الرَّاء المشدَّدة، آخره فاءٌ، الياميُّ من بني يامٍ من هَمْدان (قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) اسمه: علقمة (¬﵄: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا) لم يوصِ وصيَّةً خاصَّةً، فالنَّفيُّ ليس للعموم؛ لأنَّه أثبت بعد ذلك أنَّه أوصى بكتاب الله، والمراد (١): أنَّه لم يوصِ بما يتعلَّق بالمال، قال طلحة: (فَقُلْتُ) لابن أبي أوفى، أي: لما فهم (٢) منه عموم النَّفي: (كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ) في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الاية [البقرة: ١٨٠] (أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟) مبنيًّا للمفعول في «أُمِروا» كـ «كُتِبَ»، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) في الجواب: (أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ) أي: بالتَّمسُّك به والعمل بمقتضاه، واقتصر على الوصيَّة بكتاب الله لكونه أعظم وأهمَّ، ولأنَّ فيه تبيان كلِّ شيءٍ، إمَّا بطريق النَّصِّ، وإمَّا بطريق الاستنباط، فإن اتَّبعوا (٣) ما في الكتاب، عملوا بكلِّ ما أمرهم النَّبيُّ ﷺ به، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٤) [الحشر: ٧] وأما ما صحَّ في «مسلمٍ» وغيره: أنَّه ﷺ أوصى عند موته بثلاثٍ: «لا يبقينَّ بجزيرة العرب دينان» وفي لفظٍ: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب» وقوله: «أجيزوا الوفد بنحو ما (٥) كنت أجيزهم به» ولم يذكر الرَّاوي الثَّالثة و (٦) غير ذلك، فالظَّاهر أنَّ ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، قاله في «الفتح». ومطابقة الحديث للتَّرجمة (٧) في قوله: «فكيف كتب على النَّاس … » إلى آخره. والحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤٤٦٠] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٢]، ومسلمٌ في «الوصايا» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 5681

٢٧٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، و «زُرارة» -بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاء الأولى- ابن واقدٍ الكلابيُّ النَّيسابوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد خالِ إبراهيمَ، أنَّه (قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵄ كَانَ وَصِيًّا) عنه ﷺ ، أوصى له بالخلافة في مرض موته (فَقَالَتْ) ردًّا عليهم: (مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ) بها (وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ) خبرُ «كان» بلفظ اسم الفاعل، من الإسناد (إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي-) بفتح الحاء، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ) بنونٍ ساكنةٍ فخاءٍ معجمةٍ فنونٍ فمثلَّثةٍ مفتوحاتٍ، أي: انثنى ومال لاسترخاء أعضائه الشَّريفة (فِي حَجْرِي) عند فراق الحياة (فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟!) بالخلافة، فنفت ذلك مستندةً إلى ملازمتها له (١) إلى أن مات، ولم يقع منه شيءٌ من ذلك. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٥٩]، ومسلمٌ في «الوصايا»، والنَّسائيُّ في «الطهارة» و «الوصايا»، وابن ماجه في «الجنائز». (٢) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ) بفتح همزة «أَن» في «الفرع» كأصله (٢): على أنَّها مصدريَّةٌ، أي: بأن يترك (٣) أي: تركك ورثتك (٤) مبتدأ، خبره: (خَيْرٌ) وفي

стр. 5682

بعض الأصول: «إن يترك» بكسر الهمزة على أنَّها شرطية، والجزاء محذوف تقديره: إن يترك ورثته أغنياء فهو خير (مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ). ٢٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ) خاله (عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين كالسَّابق (عَنْ) أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ (١) النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (يَعُودُنِي) زاد الزُّهريُّ في روايته في «الهجرة» [خ¦٤٤٠٩] من وجعٍ أشفيت منه على الموت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) في حجة الوداع أو في (٢) الفتح أو في كلٍّ منهما (وَهْوَ) أي: النَّبيُّ ﷺ أو سعدٌ (يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ) وفي رواية الزُّهريِّ عن عامرٍ في «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣] لكن البائس سعد بن خولة. قال الدِّمياطيُّ: والزُّهريُّ أحفظ من سعد بن إبراهيم، فلعلَّه وهم في قوله: «ابن عفراء» ويحتمل أن يكون لأمه اسمان: خولة وعفراء، أو يكون أحدهما اسمًا والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمِّه والآخر اسم أبيه. قال سعد بن أبي وقاص: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ) بالرَّفع لأبوي ذَرٍّ والوقت، أي: أفيجوز الشَّطر؟ وهو النِّصف، والجرِّ عطفًا على قوله: بمالي كلِّه، أي: فأوصي بالنِّصف؟ وقال الزَّمخشريُّ: هو بالنَّصب على تقدير فعلٍ، أي: أعيِّن النِّصف أو أسمِّي النِّصف (قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثَُِ) بالرَّفع والجرِّ والنَّصب، ولأبي ذَرٍّ: «فالثِّلثُِ» بالفاء والرَّفع والجرِّ (قَالَ) ﵊: (فَالثُّلُثَُِ) بالنَّصب على الإغراء، أو بالرَّفع على الفاعل، أي: يكفيك

стр. 5683

الثُّلثُ أو على تقدير الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي: الثُّلث كافٍ أو العكس -وبالجرِّ- ولأبي ذَرٍّ: «قال: الثُّلث» بغير فاء (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلَّثة بالنِّسبة إلى ما دونه، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون لبيان أنَّ التَّصدُّق بالثُّلث هو الأكمل، أي: كثيرٌ أجره (١)، ويحتمل أن يكون معناه: كثيرٌ غير قليلٍ. قال الشَّافعيُّ: وهذا أَولى معانيه، يعني: أنَّ الكثرة أمرٌ نسبيٌّ (إِنَّكَ) بالكسر على الاستئناف، وتُفتَح بتقدير حرف الجرِّ، أي: لأنَّك (أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ) أي: بنته وأولاد أخيه عتبة بن أبي وقَّاص، منهم: هاشم بن عتبة الصَّحابيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «أَنْ تدعَ أنت ورثتك» (أَغْنِيَاءَ) وهمزة «أَنْ تدعَ» مفتوحةٌ على التَّعليل (٢)، فمحلُّ «أن تدع» مرفوعٌ على الابتداء، أي: تَرْكُكَ أولادَكَ أغنياءَ، والجملة بأسرها خبرُ «أَنْ» وبكسرها على الشَّرطيَّة، وجزاء الشَّرط قوله: (خَيْرٌ) على تقدير: فهو خيرٌ، وحذفُ الفاء من الجزاء سائغٌ شائعٌ غير مختصٍّ (٣) بالضَّرورة، ومن ذلك قوله ﵊ في حديث اللُّقطة: «فإن جاء صاحبها، وإلَّا استمتع بها» [خ¦٢٤٢٦] بحذف الفاء في أشباهٍ لذلك (٤) ومَن خصَّ هذا الحذف بضرورة الشِّعر فقد حاد عن التَّحقيق، وضيَّق حيث لا تضييق، كما قاله ابن مالك، ورُدَّ: بأنَّه يبقى الشَّرط بلا جزاء. وأُجِيب بأنَّه إذا صحَّت الرِّواية فلا التفات إلى مَن لم يجوِّز حذف الفاء من الجملة الاسمية، بل هو دليلٌ عليه. قال ابن مالكٍ: الأصل إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير، فحذفَ الفاء والمبتدأ، ونظيره قوله: «فإن جاء صاحبها وإلَّا استمتع بها» (٥)، وذلك ممَّا زعم النَّحويون أنَّه مخصوصٌ

стр. 5684

بالضَّرورة وليس مخصوصًا بها (١)، بل يكثر استعماله في الشِّعر ويقلُّ في غيره، ومن خصَّ هذا الحذف بالشِّعر (٢) حاد عن التَّحقيق، وضيَّق (٣) حيث لا تضييق (٤). انتهى. (مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللَّام، فقراء (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يسألونهم بأكفِّهم بأن يبسطوها للسُّؤال، أو يسألون ما يكفُّ عنهم الجوع (فِي أَيْدِيهِمْ) أي: بأيديهم، أو يسألون (٥) بأكفِّهم، وضع المسؤول في أيديهم (وَإِنَّكَ مَهْمَا) عطفٌ على «إنَّك (٦) أن تدع، أي: وإنَّك إن عشت فمهما (أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ) ابتغاء وجه الله (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) فالأجر حاصلٌ لك حيًّا وميِّتًا، وأجر الواجب يزداد بالنِّية، فافهم (حَتَّى اللُّقْمَةَُِ) بالجرِّ على أنَّ «حتَّى» جارَّة، وبالرَّفع لأبي ذَرٍّ على كونها ابتدائيَّةً، والخبرُ (تَرْفَعُهَا) وبالنَّصب. قال في «فتح الباري»: عطفًا على «نفقة»، والظَّاهر أنَّه سقط من نسخته حرف الجرِّ، أو مراده العطف على الموضع، ولغير أبي ذرٍّ «حتَّى اللقمة الَّتي ترفعها» (إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) فمها (وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ) أي: يطيل عمرك، وقد حقَّق الله ذلك، فاتَّفقوا على أنَّه عاش بعد ذلك قريبًا من خمسين سنة (٧) (فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ) من المسلمين بالغنائم ممَّا سيفتح الله على يديك من بلاد الشِّرك (وَيُضَرَّ) مبنيٌّ (٨) للمفعول (بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الَّذين يهلكون على يديك (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) لابن أبي وقَّاصٍ (يَوْمَئِذٍ) وارثٌ من أرباب الفروض أو من الأولاد (إِلَّا ابْنَةٌ) واحدةٌ، قيل: اسمها: عائشة. وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، وقال في «مقدمته» (٩): ووهم من قال: هي عائشة، لأنَّ عائشة أصغر أولاده، وعاشت إلى أن أدركها مالك بن أنسٍ، وقد كان لابن أبي وقَّاصٍ عدَّة أولاد، منهم: عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق وعبد الله وعبد الرَّحمن وعمران وصالح وعثمان، ومن البنات ثنتا (١٠) عشرة

стр. 5685

بنتًا، وهذا الحديث مضى في «باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٢٩٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الهجرة» (١) [خ¦٤٤٠٩] وغيرها. (٣) (بابُ الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ). (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إِلَّا الثُّلُثُ) فلو أوصى بأكثر لا تنفذ وصيَّته بالزَّائد (٢) (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم﴾) أي: بين اليهود (﴿بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]) بالقرآن أو بالوحي، فإذا تحاكم ورثة الذِّميِّ إلينا لا ننفذ من وصيَّته إلَّا الثُّلث؛ لأنَّا لا نحكم فيهم إلَّا بحكم الإسلام لهذه الآية، قاله ابن المُنَيِّر. ٢٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ) بغينٍ وضادٍ مشدَّدةٍ معجمتَين، أي: لو نقصوا من الثُّلث (إِلَى الرُّبْعِ) في الوصيَّة كان أَولى، وفي رواية ابن أبي عمر في «مسنده» عن سفيان: كان أحبَّ إليَّ، وعند الإسماعيليِّ: كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ (لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (أَوْ كَبِيرٌ) بالموحَّدة بالشَّكِّ،

стр. 5686

وهل يُستَحبُّ النَّقص عن الثُّلث لهذا الحديث؟ قال النَّوويُّ: إن كان الورثة أغنياء فلا، وإن كانوا فقراء استُحِبَّ. وقال ابن الصَّبَّاغ: في هذه الحالة يوصي بالرُّبع فما دونه. وقال القاضي أبو الطَّيِّب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غناهم فالأفضل ألَّا يوصي. وأطلق الرَّافعيُّ: النَّقص عن الثُّلث لخبر سعد، ولقول عليٍّ: لأَنْ أوصيَ بالخُمُس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالرُّبع، وبالرُّبع أحبُّ إليَّ من الثُّلث، والتَّفصيل الأوَّل هو الَّذي جزم به في «التَّنبيه» وأقرَّه عليه النَّوويُّ في «التَّصحيح»، وجزم (١) في «شرح مسلم» وحكاه عن الأصحاب. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفرائض»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الوصايا». ٢٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (٢)، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) أبو يحيى الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ) بن معاوية الفزاريُّ (٣) (عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ) بألف بعد الهاء فيهما، ابن عتبة بن أبي وقَّاصٍ، الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ (¬﵁¬) أنَّه (٤) (قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي) بكسر الموحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة في الفرع وغيره، لا يميتني في الدَّار الَّتي هاجرت منها وهي مكَّة، وقال العينيُّ كالكِرمانيِّ: «عقبيَّ» بتشديد التَّحتيَّة (قَالَ) ﵊: (لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ) يقيمك من مرضك (وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا) من المسلمين، زاد في رواية الباب السَّابق: «ويُضَرَّ بك آخرون» [خ¦٢٧٤٢] (قُلْتُ) ولأبي ذر: «فقلت» (٥):

стр. 5687

(أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي (١)) وارثٌ من أصحاب الفروض (ابْنَةٌ) واحدةٌ وهي أمُّ الحكم الكبرى (قُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «فقلت»: (أُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قَالَ:) (النِّصْفُ كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (قُلْتُ: فَالثُّلُثِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: «فالثُّلثُ» بالرَّفع، أي: أفيجوز الثُّلثُ؟ (قَالَ: الثُّلُثُ) يكفيك (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (أَوْ) قال: (كَبِيرٌ) بالموحَّدة، شكَّ الرَّاوي (قَالَ) سعدٌ أو مَن دونه: (فَأَوْصَى) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وأوصى» (النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فجاز» (ذَلِكَ لَهُمْ) وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٧٤٢]. (٤) (بابُ قَوْلِ المُوصِي) بكسر الصَّاد (لِوَصِيِّهِ) الَّذي أوصى إليه (تَعَاهَدْ وَلَدِي) بالنَّظر في أمره (وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مِنَ الدَّعْوَى) إذا ادَّعى. ٢٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بفتح الزَّاي وسكون الميم، ولأبي ذَرٍّ: «زَمَعة» بفتح الميم، ابن قيس العامريَّ، ولم تُسَمَّ الوليدة، وأمَّا ولدها فاسمه: عبدُ الرَّحمن (مِنِّي) أي: ابني (فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ) بكسر الموحَّدة (فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ) بالرَّفع اسم «كان»، ولأبي ذَرٍّ: «عامَ» بالنَّصب بتقدير: «في» (أَخَذَهُ

стр. 5688

سَعْدٌ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي) أي: هذا ابن أخي (قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بسكون الميم، ولأبي ذَرٍّ: بفتحها (فَقَالَ: أَخِي) أي: هذا أخي (وَابْنُ أَمَةِ (١) أَبِي) زمعة (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من أَمتِهِ المذكورة (فَتَسَاوَقَا) أي: تماشيا (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ابْنُ أَخِي) أي: هذا عبد الرَّحمن ابن أخي (كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أنَّه ابنه (فَقَالَ: عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بسكونِ الميم، وفتحها لأبي ذَرٍّ: هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) زمعة (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُوَ) أي: عبد الرَّحمن (لَكَ) أخٌ (يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ) بنصب «ابن» (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبه (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) الخيبة (ثُمَّ قَالَ) ﵊ (لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (احْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من عبد الرَّحمن (لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ) أي: ابن أبي وقَّاصٍ (فَمَا رَآهَا) عبد الرَّحمن (حَتَّى لَقِيَ اللهَ) تعالى، والأمر بالاحتجاب للنَّدب والاحتياط، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأخوَّته لها في ظاهر الشَّرع، والحديث قد سبق مرارًا [خ¦٢٠٥٣] [خ¦٢٢١٨]. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَوْمَأَ المَرِيضُ) أشار (بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً) أي: ظاهرةً (جَازَتْ) كذا في فرع «اليونينيَّة» كأصلها بإثبات «جازت» وسقطت في بعض الأصول، وحينئذٍ فتقدِّر (٢) بعد «بيِّنةً»: هل يحكم (٣) بها؟ أو نحو ذلك. ٢٧٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى العَوذيُّ بفتح العين (٤) (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ يَهُوِدِيًّا) لم يُسَمَّ

стр. 5689

(رَضَّ) أي: دقَّ (رَأْسَ جَارِيَةٍ) وكانت من الأنصار كما في رواية أبي داود، ولم تُسَمَّ (بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ) هذا الرضَّ؟ (أَفُلَانٌ) فعله، بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (أَوْ فُلَانٌ؟) (١) مرَّتين ليُعرَف، فيُطلَب (٢)، فيُقتَصَّ منه (حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ) بضمِّ السِّين وكسر الميم مبنيًّا للمفعول، و «اليهوديُّ»: بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (فَأَوْمَأَتْ) بهمزةٍ بعد الميم، أشارت (بِرَأْسِهَا) نعم (فَجِيءَ بِهِ) أي: باليهوديِّ الَّذي أشارت إليه (فَلَمْ يَزَلْ) بفتح الأوَّل والثَّاني (حَتَّى اعْتَرَفَ) بأنه الراضُّ (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ) وفي رواية موسى بن إسماعيل التَّبوذكيِّ في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٣] بين حجرين، قال في «الرَّوضة»: لو اعتُقِل لسانه صحَّت وصيَّته بالإشارة والكتابة. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) ولو بدون الثُّلث إن كانت ممَّن لا وارث له غير الموصى له (٣)، وإلَّا فموقوفةٌ على إجازة بقيَّة الورثة؛ لحديث البيهقيِّ وغيره من رواية عطاء عن ابن عبَّاسٍ: «لا وصيَّة لوارثٍ إلَّا أن تجيز (٤) الورثةُ» قال الذَّهبيُّ: إنَّه صالح الإسناد، لكنْ قال البيهقيُّ: إنَّ عطاءً غير قويٍّ، ورواه أبو داود والتِّرمذيُّ وغيرهما من حديث أبي أُمامة بلفظ: «إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيَّة لوارثٍ» وفي إسناده إسماعيل بن عيَّاش، وقد قوَّى حديثه عن الشَّاميِّين جماعةٌ، منهم: الإمام أحمد والبخاريُّ، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلمٍ، وهو شاميٌّ ثقةٌ، وصرَّح في روايته بالتَّحديث عند التِّرمذيِّ، وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ، وقد ورد من طرق بأسانيدَ لا يخلو واحدٌ منها عن مقالٍ، لكنَّ مجموعها يقتضي أنَّ له أصلًا، بل جنح الإمام الشَّافعيُّ في «الأمِّ» إلى (٥) أنَّ متنه متواترٌ، لكن نازع الفخر الرَّازيُّ في ذلك.

стр. 5690

٢٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ وَرْقَاءَ) بفتح الواو وسكون الرَّاء وبالقاف ممدودًا، ابن عمر (١) بن كليب أبي (٢) بشرٍ اليشكريِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ عبد الله (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ) المخلَّف عن الميِّت (لِلْوَلَدِ) ميراثًا (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ) في أوَّل الإسلام واجبةً (لِلْوَالِدَيْنِ) على ما يراه الموصي من المساواة والتَّفضيل (فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) بآية الفرائض (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) لفضله (وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ) مع الولد (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) مع وجود الولد (الثُّمُنَ وَ) عند عدمه (الرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ) عند عدم الولد (الشَّطْرَ) أي: النِّصف (وَ) عند وجوده (الرُّبُعَ) واحتجَّ بحديث: «لا وصيَّة لوارثٍ» مَن قال بعدم صحَّتها للوارث مطلقًا ولو أجاز الورثة، وبه قال المزنيُّ وداود، واحتجَّ الجمهور بالزِّيادة (٣) المتقدِّمة وهي قوله: «إلَّا أن تجيز (٤) الورثة»، وبأنَّ المنع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الورثة، فإذا أجازوه لم يمتنع، ولا أثر للإجازة والردِّ من الورثة للوصيَّة قبل موت

стр. 5691

الموصي، فلو أجازوا قبله فلهم الردُّ بعده وبالعكس؛ إذ لا حقَّ قبله لهم ولا للموصىَ له، فلا أثر للإجازة إلَّا بعد موته ولو قبل القسمة، والعبرة في كونه وارثًا أو غير وارثٍ بيوم الموت، فلو أوصى لغير وارثٍ كأخٍ مع وجود ابنٍ فصار وارثًا بأن مات الابن قبل موت الموصي أو معه فوصيَّته (١) لوارثٍ، فتبطل إن لم يكن وارثٌ غيره، وإلَّا فتُوقف على الإجازة، ولو أوصى لوارثٍ كأخٍ فصار غيرَ وارثٍ بأن حدث للموصي ابنٌ، صحَّت فيما يخرج من الثُّلث، والزَّائد عليه يتوقَّف على إجازة الوارث. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٦٧٣٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٧٨]. (٧) (بابُ) فضل (الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ) وإن كانت عند الصحَّة أفضل (٢). ٢٧٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيبٍ، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ عُمَارَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، ابن القعقاع بن شُبْرُمة الضَّبيِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) اسمه هرم، وقيل غير ذلك، ابن عَمرو البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ): أفضلها (أَنْ تَصَّدَّقَ) بتشديد الصَّاد والدَّال المهملتين (٣)، في محل رفع خبر

стр. 5692

المبتدأ المحذوف (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (حَرِيصٌ) وفي رواية موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد في «الزَّكاة» [خ¦١٤١٩] «وأنت صحيح شحيحٌ» بدل «حريصٌ»، حال كونك (تَأْمُلُ الغِنَى) بسكون الهمزة وضمِّ الميم، تطمع فيه (١) (وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ) بالجزم بـ «لا» النَّاهية، ولأبي ذَرٍّ: «ولا تَمهَّلْ» أصله: تتمهَّل، فحُذِفَت إحدى التَّاءين تخفيفًا (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) الرُّوح، أي: قاربت (الحُلْقُومَ) بضمِّ الحاء المهملة: مجرى النَّفس عند الغرغرة (قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا) مرَّتين، كنايةٌ عن الموصى له والموصى به فيهما (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا زاد على الثُّلث أو أوصى به لوارثٍ آخرَ، ويحتمل أن يراد بالثَّلاثة من يوصى له، وإنَّما أدخل (٢) «كان» في الأخير إشارةً إلى تقدير القدر (٣) له. وفي الحديث: أنَّ التَّصدُّق في الصِّحة ثمَّ في الحياة أفضل من صدقته مريضًا وبعد الموت وفي المرض (٤)، وفي «التِّرمذي» بإسنادٍ حسنٍ وصحَّحه ابن حبَّان عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «مَثَل الَّذي يعتق ويتصدَّق عند موته مَثَل الَّذي يهدي إذا شبع» وعن بعض السَّلف: أنَّه قال في بعض أهل التَّرف (٥): يعصون الله في أموالهم مرَّتين، يبخلون بها وهي (٦) في أيديهم، يعني: في الحياة، ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم، يعني: بعد الموت، فإنَّ الشَّيطان ربَّما زيَّن لهم الحيف في الوصيَّة.

стр. 5693

(٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تعالى) ولأبي ذَرٍّ: « »: (﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]) قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ: متعلِّقٌ بما تقدَّمه (١) من قسمة المواريث كلِّها، أي: هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية أو دين، وإنما قال: بـ «أو» الَّتي للإباحة دون الواو، للدَّلالة على أنَّهما متساويان في الوجوب مقدَّمان (٢) على القسمة مجموعين ومنفردين، وقدَّم الوصيَّة على الدَّين، وهي متأخرةٌ في الحكم؛ لأنَّها مشبَّهةٌ بالميراثُ شاقّةٌ على الورثة، مندوبٌ إليها، والدَّين إنَّما يكون على النُّذور، وقال غيرهما: تجوز بالوصيَّة عن المال الموصى به، والتَّقدير: من بعد أداء وصيَّةٍ أو إخراج وصيَّةٍ، وقد تكون الوصيَّة مصدرًا كالفريضة، وتكون من مجاز التَّعبير بالقول عن المقول فيه؛ لأنَّ الوصيَّة قولٌ. وأجاب ابن الحاجب عن تقدُّم الوصيَّة على الدَّين وإن كان الدَّين أقوى وتَقْدِمَتُهُ الوجهَ: بأنَّ حكم «أو» في كلام العرب والقرآن حكمُ الاستثناء في أنَّ ما بعدها يرفع ما قبلها؛ بدليل: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ (٣) أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] فإنَّ الإسلام رافعٌ للمقاتلة، وكأنَّه قال: تقاتلونهم إلَّا أن يسلموا أو إن لم يسلموا (٤)، فكذلك هذه الآية، فكأنَّه قال: من بعد وصيَّةٍ يُوصَى بها إلَّا أن يكون دينٌ فلا تقدُّم. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (أَنَّ شُرَيْحًا) القاضي، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه جابر الجعفيُّ وهو ضعيفٌ (وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) ممَّا لم يقف الحافظ ابن حجر على من وصله (وَطَاوُسًا) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه ليث بن أبي سُلَيمٍ، وهو ضعيفٌ أيضًا (وَعَطَاءً) وهو ابن أبي رباح، ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وَابْنَ أُذَيْنَةَ) بضمِّ الهمزة وفتح

стр. 5694

الذَّال المعجمة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة نونٌ، عبد الرَّحمن قاضي البصرة التابعي الثِّقة، ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ (أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ). (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله الدَّارميُّ (أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ) على وزن تفعَّل بصيغة الماضي (آخِرَ يَوْمٍ) أي: في آخر يومٍ (مِنَ الدُّنْيَا) ويجوز رفع «آخِرَ» خبرًا (١) لـ «أحقُّ» (وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ) بنصب «أوَّل» عطفًا على السَّابق، ويجوز الرَّفع كما مرَّ في «آخر» وقال العينيُّ كالكِرمانيِّ: «ما يُصَدَّق» بالبناء للمفعول من التَّصديق (٢) قال الكِرمانيُّ: وهو المناسب للمقام، أي: أنَّ إقرار المريض في مرض موته حقيقٌ بأن يُصدَّق به، ويُحكَم بإنفاذه. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَالحَكَمُ) بن عُتَيبة، فيما وصله ابن أبي شيبة عنهما (إِذَا أَبْرَأَ) أي: المريض (الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة (٣)، آخره جيمٌ، الأوسيُّ الأنصاريُّ، ممَّا لم يقف عليه الحافظ ابن حجر موصولًا (أَلَّا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الشِّين المعجمة مبنيًّا للمفعول، و «امرأته»: رفع نائبٍ عن الفاعل، وسقط «امرأته» للكُشْمِيهَنيِّ (الفَزَارِيَّةُ) بفتح الفاء والزَّاي، وبعد الألف راءٌ (عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا) رفع نائبٍ عن الفاعل، و «أغلق»: مبنيٌّ للمفعول، وللحَمُّويي والمُستملي: «عن مال أُغْلق عليها» قال العينيُّ: والظَّاهر أنَّ المراد أن المرأة بعد موت زوجها لا يُتعرَّض لها، فإنَّ (٤) جميع ما في بيته لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنَّه تزوَّجها فقيرةً، وأن ما في بيتها من متاع الرجال، وبه قال مالك. انتهى. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا لم يقف عليه الحافظ ابن حجر موصولًا: (إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ، جَازَ) وعتق، وخالفه الجمهور، فقالوا: لا يُعتَق إلَّا من الثُّلث (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا: إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي) أدَّاني حقِّي

стр. 5695

(وَقَبَضْتُ) ذلك (مِنْهُ جَازَ) إقرارها (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) قيل: المراد السَّادة الحنفيَّة (لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ) أي: المريض لبعض الورثة (لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ) أي: بهذا الإقرار (لِلْوَرَثَةِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «بسوء» بالموحَّدة بدل اللَّام. قال العينيُّ: لم يعلِّل الحنفيَّة عدم جواز إقرار المريض لبعض الورثة بهذه العبارة؛ بل لأنَّه ضرر لبقيَّة الورثة. ومذهب المالكيَّة كأبي حنيفة: إذا اتُّهِم، وهو اختيار الرُّويانيِّ من الشَّافعيَّة، والأظهر عندهم أنَّه يُقبَل مطلقًا كالأجنبيِّ لعموم أدلة الإقرار ولأنَّه انتهى إلى حالةٍ يَصْدُقُ فيها الكذوب، ويتوب فيها الفاجر (١)، فالظَّاهر أنَّه لا يقرُّ إلَّا بتحقيقٍ (ثُمَّ اسْتَحْسَنَ) أي: بعض النَّاس (فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ) أي: المريض (بِالوَدِيعَةِ وَالبِضَاعَةِ وَالمُضَارَبَةِ (٢)) والفرق بين هذه والدَّين: أنَّ مبنى الإقرار بالدَّين على اللُّزوم، ومبنى الإقرار بهذه على الأمانة، وبين اللُّزوم والأمانة فرقٌ ظاهرٌ، قاله العينيُّ. (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) أي: أكذب في الحديث من غيره؛ لأنَّ الصِّدق والكذب يوصف بهما القول لا الظَّنُّ، وهذا طرفٌ من حديثٍ، وصله المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٦٦] وساقه هنا لقصد الرَّدِّ على مَن أساء الظَّنَّ بالمريض، فمنع تصرُّفه، وهذا مبنيٌّ على تعليل بعض النَّاس بسوء الظَّنِّ، وقد علَّلوا بخلافه كما مرَّ (وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ) أي: المقرِّ لهم من الورثة (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) السَّابق موصولًا في «كتاب الإيمان» [خ¦٣٣] من حديث أبي هريرة: (آيَةُ المُنَافِقِ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: ما وجه دلالته عليه؟ قلت: إذا وجب ترك الخيانة وجب الإقرار بما عليه، فإذا أقرَّ فلا (٤) بدَّ من اعتبار إقراره، وإلَّا لم يكن لإيجاب الإقرار فائدة. (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ) أي: لم يفرِّق بين الوارث وغيره في ترك الخيانة ووجوب أداء الأمانة إليه، فيصحُّ الإقرار للوارث أو غيره، قاله الكِرمانيُّ، ونازع العينيُّ البخاريَّ في الاستدلال بهذه الآية لما ذكره: بأنَّه على تقدير تسليم اشتغال ذمَّة المريض بشيءٍ في نفس الأمر لا يكون إلَّا دينًا مضمونًا، فلا

стр. 5696

يُطلَق عليه الأمانة، قال: فلا يصحُّ الاستدلال بالآية الكريمة على ذلك على أن يكون الدَّين في ذمَّته. (فِيهِ) أي: في قوله: «آية المنافق إذا اؤتمن خان» (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظه: «أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا» وفيه: «وإذا (١) اؤتمن خان» وقد سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٣٤]. ٢٧٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ) الزَّهرانيُّ العتكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (٢) بْنُ جَعْفَرٍ) الزُّرقيُّ مولاهم المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) بضمِّ السِّين مصغَّرًا، الأصبحيُّ (عَنْ أَبِيهِ) مالكٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) أي: علامته (ثَلَاثٌ) فإن قلت: القياس جمع «آيةٍ» ليطابق «ثلاث». أُجِيب: بأنَّ «الثَّلاث» اسم جمعٍ، ولفظه مفردٌ، على أنَّ التَّقدير: آية المنافق معدودةٌ بالثَّلاث، وسقط لفظ «ثلاثٌ» لأبي ذَرٍّ (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ (كَذَبَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ) أمانة (خَانَ) فيها (وَإِذَا وَعَدَ) بخير في المستقبل (أَخْلَفَ) فلم يفِ. وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٣٣]. (٩) (بابُ تَأْوِيلِ قَوْلهِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قوله» (تَعَالَى: ﴿مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ (٣)﴾) ولأبي ذَرٍّ:

стр. 5697

«يوصي» (١) (﴿بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾) أي: بيان المراد بتقديم الوصيَّة في الذِّكر على الدَّين، مع أنَّ الدَّين هو المقدَّم في الأداء. قال ابن كثيرٍ: أجمع العلماء سلفًا وخلفًا أنَّ الدَّين مقدَّم على الوصيَّة، وبعده الوصيَّة ثمَّ الميراث، وذلك عند إمعان النَّظر يُفهَم من فحوى (٢) الآية (٣). (وَيُذْكَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ) رواه الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وابن ماجه عن عليِّ بن أبي طالبٍ بلفظ: «قال: إنَّكم تقرؤون ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾، وإنَّ رسول الله ﷺ قضى بالدَّين قبل الوصيَّة» الحديث. وفيه الحارث الأعور تُكلِّم فيه، لكن قال التِّرمذيُّ: إنَّ العمل عليه عند أهل العلم، وقد قال السُّهيليُّ: قُدِّمت الوصية في الذِّكر لأنَّها تقع على سبيل البرِّ والصِّلة بخلاف الدَّين لأنَّه يقع قهرًا فكانت (٤) الوصيَّة أفضل، فاستحقَّت البداءة، وقيل: الوصيَّة تُؤخَذ بغير عوضٍ، فهي أشقُّ على الورثة من الدَّين، وفيها (٥) مظِنَّة التَّفريط، فكانت أهمَّ فقُدِّمت، وقد نازع بعضهم في إطلاق (٦) كون الوصيَّة مقدَّمة على الدَّين في الآية؛ لأنَّه ليس فيها صيغة ترتيب، بل المراد: أنَّ المواريث إنَّما تقع بعد قضاء الدَّين

стр. 5698

وإنفاذ الوصيَّة، وأتى بـ ﴿أَوْ﴾ الَّتي للإباحة، وهي كقولك (١): جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين، أي: لك مجالسةُ كلٍّ منهما، اجتمعا أو افترقا. (وَقَوْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وزاد أبو ذرٍّ: « »: (﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]) خطابٌ يعمُّ المكلَّفين والأماناتِ، وإن نزلت (٢) يوم الفتح في عثمان بن طلحة لمَّا أغلق باب الكعبة، وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها، فلوى عليٌّ يده، وأخذه منه، فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يردَّه إليه (فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ) الَّذي هو واجبٌ (أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٢٦] (لَا صَدَقَةَ) كاملة (إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى) لفظ «ظهر» مقحَمٌ، والمديون ليس بغنيٍّ فالوصيَّة الَّتي لها حكم الصَّدقة تُعتَبر (٣) بعد الدَّين، قاله الكِرمانيُّ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (لَا يُوصِي العَبْدُ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ) أي: سيِّده (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا سبق موصولًا في «باب كراهية (٤) التَّطاول على الرَّقيق» من «كتاب العتق» [خ¦٢٥٥٤] (العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ).

стр. 5699

٢٧٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنديُّ -بكسر الموحَّدة وفتح الكاف- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير الإعطاء مرَّتين (ثُمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه كالفاكهة (خَضِرٌ) في المنظر (١) (حُلْوٌ) في الذَّوق، وذكَّر الخبر هنا وأنَّثه في «الزكاة» [خ¦١٤٧٢] وتقدَّم توجيهه ثَمَّ (فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) من غير حرص عليه، أو بسخاوة نفس المعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) بكسر الهمزة وسكون الشِّين المعجمة، مكتسبًا له بطلب النَّفس وحرصها عليه وتطلُّعها إليه (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) أي: للآخذ في المأخوذ (وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي: كذي الجوع الكاذب بسبب علَّةٍ من غلبة (٢) خلطٍ سوداويٍّ (٣) أو آفةٍ، ويُسمَّى جوعَ الكَلَب، كلَّما ازداد أكلًا ازداد جوعًا (وَاليَدُ العُلْيَا) المنفقة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) المنفَق عليها (قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا) بفتح الهمزة وتقديم الرَّاء السَّاكنة على الزَّاي، آخره همزةٌ

стр. 5700

مضمومةٌ، أي: لا آخذ من أحدٍ (بَعْدَكَ شَيْئًا) من ماله (حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ العَطَاءَ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا) خوف الاعتياد، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (دَعَا) بحذف الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «دعاه» أي: حكيمًا (لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «فأبى» بلفظ الماضي (أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ) أي: عمر (يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى) بلفظ المضارع، ولأبي ذَرٍّ: «فأبى» (أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تُوُفِي ﵀ لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغةً في الاحتراز، ولم يظهر لي (٢) وجه المطابقة، وما ذكروه لا يخلو من تعسُّفٍ كبيرٍ (٣)، فالله أعلم. وهذا الحديث قد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٢]. ٢٧٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة (السَّخْتِيَانِيُّ) بفتح السِّين المهملة وكسر الفوقيَّة (٤)، المروزيُّ، وسقط لأبي ذَرٍّ «السَّختيانيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد الله (٥) أبيه (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ) حافظٌ ملتزمٌ صلاحَ ما قام عليه

стр. 5701

وما هو تحت نظره (وَمَسْؤولٌ) في الآخرة (عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ) فيمن ولي عليهم (وَمَسْؤُولٌ) في الآخرة (عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ) زوجته وعياله (وَمَسْؤولٌ) في الآخرة (عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ) بحسن تدبيرها في (١) المعيشة والنُّصح له، والأمانة في ماله وحفظ عياله وأضيافه ونفسها (وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ) بحفظه والقيام بخدمته (وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ) ابن عمر (وَحَسِبْتُ) بلفظ الماضي، ولأبي ذَرٍّ: «وأحسب» (أَنْ قَدْ قَالَ) ﵊ (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ) يحفظه ويدبِّر مصلحته، وفي «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩٣] «ومسؤولٌ عن رعيَّته» وحذفه هنا للعلم به. (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَقَفَ) شخصٌ (أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ؟) استفهامٌ، وقد اختُلف في ذلك، فقال الشَّافعيَّة (٢): لو أوصى لأقارب نفسه لم نُدخل (٣) ورثته بقرينة الشَّرع، لأنَّ الوارث لا يُوصَى له عادة، وقيل: يدخلون لوقوع الاسم عليهم، ثمَّ يبطل نصيبهم لعدم إجازتهم لأنفسهم، ويصحُّ الباقي لغيرهم، ويدخل في الوصيَّة لأقارب زيدٍ ورحِمِه (٤) الوارثُ وغيره، والقريبُ والبعيدُ والمسلمُ والكافرُ والذَّكرُ والأنثى والخنثى (٥) والفقير والغنيُّ، لشمول الاسم لهم، ويستوي في الوصيَّة للأقارب (٦) قرابةُ الأب والأمِّ ولو كان الموصي عربيًّا لشمول الاسم، وقيل: لا تدخل قرابة الأمِّ إن كان الموصي عربيًّا؛ لأنَّ العرب لا تعدُّها قرابةً، ولا تفتخر بها، وهذا ما صحَّحه في «المنهاج» كـ «أصله»، لكنْ قال الرَّافعيُّ في «شرحَيه»:

стр. 5702

الأقوى الدُّخول، وصحَّحه في أصل «الرَّوضة» وإن أوصى لأقرب أقارب زيدٍ، دخل الأبوان والأولاد، كما يدخل غيرهم عند عدمهم؛ لأنَّ أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة، وهؤلاء كذلك وإن لم يطلق عليهم أقارب عرفًا. وقال أحمد كالشَّافعيَّة إلَّا أنَّه أخرج الكافر. وقال أبو حنيفة: القرابة: كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ من قِبَل الأب أو الأمِّ. ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم، وقال أبو يوسف ومحمد: مَن جمعَهم أبٌ منذ الهجرة من قِبَلِ أبٍ أو أمٍّ من غير تفصيلٍ، زاد زفر: ويقدَّم مَن قَرُب وهو روايةٌ عن أبي حنيفة أيضًا، وأقلُّ من يدفع له ثلاثة، وعند محمَّد اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلَّا أن يشترط ذلك. وقال مالك: يختص بالعصبة، سواء كان يرثه أم لا، ويبدأ بفقرائهم حتَّى يغنَوا ثم يعطي الأغنياء. (وَقَالَ ثَابِتٌ) ممَّا أخرجه مسلم (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ، مشهورٌ بكنيته، لمَّا نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: أرى ربَّنا يسألنا من أموالنا، فأُشهدك يا رسول الله أنِّي جعلت أرضي بيرحاء لله، قال: فقال رسول الله ﷺ (اجْعَلْهَا) أي: بيرحاء، ولأبي ذرٍّ: «اجعله» (لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ، فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ) هو ابن ثابتٍ شاعرُ رسول الله ﷺ (وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) وكانا من بني أعمامه، فيه: أنَّ الصَّدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين غير ورثةٍ، ولو أوصى لفقراء أقاربه لم يعطَ مكفِيٌّ بنفقة قريبٍ أو زوجٍ، ولو أوصى لجماعةٍ من أقرب أقارب زيد فلا بدَّ من الصَّرف إلى ثلاثةٍ من الأقربين. (وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى، ممَّا وصله المؤلِّف في «تفسير سورة آل

стр. 5703

عمران» [خ¦٤٥٥٥] مختصرًا: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس (١) (عَنْ) عمِّه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم، ابن عبد الله بن أنسٍ (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ مِثْلَ) ولأبي ذَرٍّ: «بمثل» (حَدِيثِ ثَابِتٍ) السَّابق قريبًا (قَالَ: اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا) أبو طلحة (لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي) زاد في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٤] في غير رواية أبي ذرٍّ: «ولم يجعل لي منها شيئًا»، ولأبي ذرٍّ هنا عن الحَمُّويي والمُستملي: «إليه أقرب منِّي» بالتَّقديم والتَّأخير. قال البخاريُّ أو شيخه -وهو الصَّواب كما وقع التَّصريح به في «سنن أبي داود» - (وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ) بن كعب (٢) (مِنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَاسْمُهُ) أي: أبي طلحة (زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ) بفتح الميم وتخفيف النُّون وإضافة «زيد» إلى «مناة» وليس بين «زيد» و «مناة» لفظ ابن، لأنَّه اسمٌ مركَّبٌ منهما، قاله الكِرمانيُّ، و «حرام»: بحاءٍ وراءٍ مهملتين و «عَمرو»: بفتح العين كالآتي (بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ) لأنَّه اختتن بالقَدُوم أو ضرب وجه رجل ٍبقَدُوم فنجره، فقيل له: النَّجَّار (وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ المُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ) بمهملتين (فَيَجْتَمِعَانِ) أي: أبو طلحة وحسَّان (إِلَى حَرَامٍ وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ) لهما، فهو جدُّ أبيهما (وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ (٣) بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وهو» أي: حرام بن عمرو (يُجَامِعُ حَسَّانَ وأَبَا طَلْحَةَ) على ما لا يخفى، والَّذي في «اليونينيَّة»: «حسَّانُ» بالرَّفع مصحَّحًا عليه (٤)، وقد تبيَّن أنَّ قوله: و «حرام بن عمرو» مسوقٌ لفائدة كونه يجامعهما. نعم، ما بعد ذلك

стр. 5704

إلى النَّجار مستغنًى عنه بما سبق، فليُتأمَّل. (وَأُبَيٌّ) بالرَّفع، جملةٌ مستأنفَةٌ، أي: وأبيٌّ يجامعهما (إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ) من آبائه (إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ) ويوضِّح ذلك ما زاده في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ حيث قال (١): «وَهْوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ» (فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ) الجدُّ السَّادس لأُبيِّ بن كعب السَّابع للآخرين (يَجْمَعُ) الثَّلاثة (حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا) هذا ما ظهر لي من شرح ذلك مع ما فيه من التَّكرار، وإنَّما يستقيم على ثبوت الواو قبل «أبا طلحة» من قوله: «فهو يجامع حسَّان أبا طلحة»، لكنِّي لم أرها ثابتةً في شيءٍ من النُّسَخِ الَّتي وقفت عليها. نعم، في الفرع كشطٌ في موضعها يشبه أنَّها كانت ثابتةً، ثمَّ أزيلت وأُصلِحت النَّصبة الَّتي على «حسَّان» بضمَّةٍ علامة للرفع وصُحِّحَ عليها، وحينئذٍ فيكون قوله: «هو» ضمير الشَّأن مبتدأً، خبره الجملة الفعليَّة، و «حسَّان»: رفع على الفاعليَّة، أي: حسَّان يجامع أبا طلحة في حرامٍ و «أبيُّ» بالرَّفع جملةٌ مستأنفةٌ أو عطفٌ على «حسَّان» أي: وأبيٌّ يجامع أبا طلحة (٢) إلى ستَّة آباء، ثمَّ رأيتُ الواو بعد «حسَّان» قبل «أبا طلحة» ثابتةً في بعض النُّسخ، وفي نسخةٍ: «حسَّانُ» بالرَّفع أيضًا، ونَصَبَ تاليَيْه (٣)، والضَّمير للشَّأن، أي: حسَّان يجامع أبا طلحة إلى حرام، ويجامع أبيًّا إلى ستَّة آباءٍ، وجُوِّزَ رفعُ الثَّلاثة. قال ابن الدَّمامينيِّ كالزَّركشيِّ: وهو صوابٌ أيضًا. انتهى. أي: حسَّان وأبو طلحة وأبيٌّ يجامع كلٌّ منهما الآخر، وإنَّما كان حسَّان وأُبيٌّ أقرب إلى أبي طلحة من أنسٍ؛ لأنَّ الَّذي يجمع أبا طلحة وأنسًا النَّجَّار، لأنَّ أنسًا هو ابن مالك بن النَّضْر -بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- ابن ضَمضَم -بفتح الضادَين (٤) المعجمتَين- ابن زيد بن حَرَام -بمهملتين- ابن عامر بن غَنْم -بفتح الغين المعجمة وسكون النُّون- ابن عديِّ بن النَّجَّار، وأبو طلحة وأُبيُّ (٥) بن كعبٍ كما مرَّ من بني مالك بن النَّجَّار، فلذا كان أبيُّ بن كعبٍ أقرب إلى أبي طلحة من أنسٍ، وقول الكِرمانيِّ وتبعه العينيُّ: إنَّما كانا أقرب إليه منه لأنَّهما يبلغان إلى عمرو بن مالك بواسطة ستَّة أنفسٍ، وأنسٌ يبلغ إليه بواسطة اثني عشر نفسًا، ثمَّ ساقا نسبه إلى عديٍّ، فقالا:

стр. 5705

ابن عمرو بن مالك بن النَّجَّار فيه نظرٌ، لأنَّ عديًّا المذكور في نسب أنسٍ هو أخو مالكٍ والد عمرٍو فلا اجتماع لهم فيه، ولئن سلَّمنا ثبوت عمرو بن مالك في هذا كما ذكرا؛ فأنسٌ إنَّما يبلغ إليه بتسعة أنفسٍ لا باثني عشر، فليُتأمَّل. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أراد به أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة: (إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ) الذين كانوا (فِي الإِسْلَامِ). ٢٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) سقط «ابن أبي طلحة» لأبي ذَرٍّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقولُ (١): قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ) اختصره هنا، ولفظه في «باب الزَّكاة على الأقارب» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] أنَّه سمع أنس بن مالكٍ ﵁ يقول: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحبُّ أمواله إليه بيرحاءَ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماءٍ فيها طيب. قال أنسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إن الله ﵎ يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنَّها صدقةٌ لله تعالى أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : «بَخٍ ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين» (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا)

стр. 5706

أي: بيرحاء (أَبُو طَلْحَةَ (١) فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) هو من عطف الخاصِّ على العامِّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا وصله في «مناقب قريش» [خ¦٣٥٢٥] و «تفسير سورة الشُّعراء» [خ¦٤٧٧٠] (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء (يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ) زاد في تفسير (٢) «سورة تبَّت» [خ¦٤٩٧١] بعد قوله: ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: «ورهطك منهم المخلصين»، وهذه الزِّيادة -كما قال القرطبيُّ- كانت قرآنًا فنُسِخَت، وزاد أيضًا في «تفسير الشُّعراء» [خ¦٤٧٧٠] بعدها «صعد النبيُّ ﷺ على الصَّفا» وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الحديث مرسلٌ، وبه (٣) جزم الإسماعيليُّ، لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان حينئذٍ إمَّا لم يولد، وإمَّا طفلًا، لكنْ روى الطَّبرانيُّ من حديث أبي أمامة: أنَّه ﷺ جمع بني هاشم ونساءه وأهله، وفيه: فقال: «يا عائشة بنت أبي بكرٍ، يا حفصة بنت عمر، يا أمَّ سلمة» فهذا إن ثبت -كما قاله في «الفتح» - يدلُّ على التَّعدُّد، لأنَّ القصَّة الأولى وقعت بمكَّة لتصريحه في «الشُّعراء» بأنَّه صعد الصَّفا، ولم تكن عائشة وحفصة وأمُّ سلمة عنده ومن أزواجه إلَّا بالمدينة، فتكون متأخِّرة عن الأولى، فيحضر ابن عبَّاس ذلك، ويحمل قوله: «جمع» (٤) أي: بعد ذلك، لا أنَّه وقع على الفور. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله في الباب اللَّاحق [خ¦٢٧٥٣].

стр. 5707

(١١) هذا (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ) إذا أوصى لهم؟ ٢٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ) عبد الله أو إسماعيل (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]) أي: الأقرب فالأقرب منهم، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهمُّ. وهذا الحديث من مرسل أبي هريرة لأنَّ إسلامه إنَّما كان بالمدينة. نعم، إن قلنا بالتَّعدُّد المفهوم من حديث أبي أُمامة عند الطَّبرانيِّ (١) حيث قال: «يا عائشة … » إلى آخره، انتفى كونه مرسلًا، ويحمل على أنَّ أبا هريرة حضر القصَّة بالمدينة، كما مرَّ في الباب السَّابق. (قَالَ) ﵊: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) من الله، بأن تخلِّصوها من العذاب بإسلامكم (لَا أُغْنِي) لا أدفع (عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) سقطت التَّصلية بعد قوله «بنت محمَّد» من نسخةٍ، وثبتت في أخرى بعد «عمَّة رسول الله ﷺ »، و «عبَّاس» و «صفيَّة» و «فاطمة» بالبناء على الضمِّ، وقول

стр. 5708

الزَّركشيِّ: يجوز (١) في «عبَّاس» الرَّفع والنَّصب، وكذا في (٢) «يا صفيَّةُ عمَّة» وكذا «يا فاطمةُ بنتَ»؛ قال في «المصابيح»: يريد بالرَّفع (٣) والنَّصب: الضَّمَّ والفتح؛ إذ (٤) مثله من المنادَيات مبنيٌّ على الضَّمِّ، وفُتِحَ للإتباع أو للتَّركيب على الخلاف. والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قوله: «يا صفيَّةُ» و «يا فاطمةُ» ففيه دلالة على دخول النِّساء في الأقارب، وكذا الفروع وعلى عدم التخصيص بمَن يرث (٥)، ولا (٦) بمَن كان مسلمًا، قاله في «الفتح»، لكنَّ مذهبنا كأبي حنيفة: أنَّه لا يدخل في الوصيَّة للأقارب الأبوان والأولاد، ويدخل الأجداد (٧)؛ لأنَّ الوالد والولد لا يعرَّفان بالقرب في العرف، بل القريب من ينتمي بواسطةٍ فتدخل الأحفاد والأجداد، وقيل: لا يدخل أحد من الأصول والفروع، وقيل: يدخل الجميع، وبه قطع (٨) المتولِّي. (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ، وهذه المتابعة أخرجها مسلمٌ. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟) إذا وقفه على نفسه ثمَّ على غيره، أو شرط لنفسه جزءًا معيَّنا، أو يجعل للنَّاظر على وقفه شيئًا ويكون هو النَّاظر، والصَّحيح من مذهب

стр. 5709

الشَّافعيَّة: بطلان الوقف على النَّفس وهو المنصوص، ولو وقف على الفقراء وشرط أن يُقْضى من غلَّة الوقف زكاته وديونه فهذا وقف على نفسه وغيره (١)، ففيه الخلاف، وكذا لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به، ولو استبقى الواقف لنفسه التَّولية وشرط أجرةً (٢)، وقلنا: لا يجوز أن يقف على نفسه، فالأرجح جوازه، ولو وقف على الفقراء ثمَّ صار فقيرًا ففي جواز أخذه وجهان: إذا قلنا: لا يقف على نفسه؛ لأنَّه لم يقصد نفسه وقد وجدت الصِّفة، والأصحُّ الجواز، ورجَّح الغزاليُّ المنع لأنَّ مطلقه ينصرف إلى غيره. (وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ) بن الخطاب (¬﵁¬) في تحبيسه أرضه الَّتي بخيبر المسمَّاة بـ «ثَمْغ» السَّابق موصولًا في آخر «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٧] (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) ولي (٣) التَّحدُّث عليه (أَنْ يَأْكُلَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «منها» بالتَّأنيث، أي: من الأرض المحبَّسة. قال البخاريُّ تفقُّهًا منه: (وَقَدْ يَلِي الوَاقِفُ) التَّحدُّث على وقفه (وَ) قد يليه (غَيْرُهُ) واستنبط منه: أنَّ للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف، لأنَّ عمر شرط لمن وَلِيَ وقفه (٤) أن

стр. 5710

يأكل منه، ولم يستثنِ إن كان هو الناظر (١) أو غيره، فدلَّ على صحَّة الشَّرط، وإذا جاز في المبهم الَّذي لم يعيِّنه كان فيما يُعيِّنه أجدر (٢)، وقال المالكيَّة: لا تكون ولاية النَّظر للواقف. قال ابن بطَّال: سدًّا للذَّريعة لئلَّا يصير كأنَّه وقف على نفسه، أو يطول العهد فينسى الواقف، فيتصرَّف فيه لنفسه، أو يموت فيتصرَّف فيه ورثته، واستنبط بعضهم من هذا: صحَّة الوقف على النَّفس، وهو قول أبي يوسف، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: ولا يصحُّ على نفسه ويُصْرَف إلى من بعده في الحال، وعنه يصحُّ، واختاره جماعةٌ، وعليه العمل، وهو أظهر، وإن وقف على غيره، واستثنى كلَّ الغلَّة أو بعضها له أو لولده مدَّة حياته نصًّا أو مدَّةً معيَّنةً أو استثنى الأكل أو الانتفاع لأهله، أو يطعم صديقه، صَّح، فلو مات في أثناء المدَّة؛ كان لورثته، ثمَّ قوَّى المؤلِّف ما احتجَّ به من قصَّة عمر بقوله (٣): (وَكَذَلِكَ مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «وكذلك كلُّ من» (جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا للهِ) على سبيل العموم كالمسلمين (فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا) بتلك العين الَّتي جعلها لله (كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ) من المسلمين، بناءً على أنَّ المخاطب يدخل في عموم خطابه (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) لنفسه ذلك (٤) في أصل الوقف، ومن ذلك انتفاعه بكتابٍ وقفه على المسلمين.
следующие страницы →