البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المثناتين الفوقيَّة والتَّحتيَّة، آخره مهملةٌ، يزيد بن حميدٍ الضُّبَعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁¬) قال: (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ) مهاجرًا (أَمَرَ بِالمَسْجِدِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أمر ببناء المسجد» (وَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، أي: ساوموني (بِحَائِطِكُمْ هَذَا) ولأبي ذرٍّ: «حائطكم» بحذف حرف الخفض فيُنصَب (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا» (لَا، وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) ، أي: من الله، وقد اختُلِف فيما إذا بنى صورة المسجد، ولم يصرِّح بانيه بالوقف، والجمهور: لا يثبت إلَّا إن صرَّح (١) به، وعن الحنفيَّة: إن أذن للجماعة بالصَّلاة فيه؛ ثبت، والله أعلم.
(٣١) (بابُ وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالكُرَاعِ) بضمِّ الكاف وتخفيف الرَّاء: الخيل، من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَالعُرُوضِ) بضمِّ العين: جمع عَرْض -بسكون الرَّاء- وهو المتاع لا نقد فيه (وَالصَّامِتِ) ضد النَّاطق، أي: النَّقدين الذَّهب والفضَّة.
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، ممَّا أخرجه عنه ابن وهبٍ في «موطَّئه»: (فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى غُلَامٍ لَهُ تَاجِرٍ يَتْجُرُ بِهَا (٢)) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفوقيَّة وضمِّ الجيم وتُكسَر (وَجَعَلَ رِبْحَهُ) أي: ربح المال المتَّجر به (صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ: هَلْ لِلرَّجُلِ) الجاعل (أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الأَلْفِ شَيْئًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تلك الألف» بالتَّأنيث، وهو ظاهرٌ، ووجه التَّذكير باعتبار اللَّفظ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً) شرطٌ على سبيل المبالغة، يعني: هل له أن يأكل وإن لم يجعل ربحها صدقةً؟ (فِي المَسَاكِينِ؟ قَالَ) الزُّهريُّ: (لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا) وإن لم يجعل.
стр. 5742
٢٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ) أباه (عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) فيه حذفُ المفعول، أي: حمل رجلًا على فرسٍ، والمعنى: أنَّه وهبه إيَّاه، وجعله مركوبًا له؛ ليقاتل عليه في سبيل الله (أَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ) برفع «رسولُ» وفي «اليونينيَّة» بالنَّصب (¬ ﷺ ¬) له (١) (لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلًا) ولأبي ذرٍّ: «فحمل» أي: عمر «عليها» (فَأُخْبِرَ عُمَرُ) عن الرَّجل (أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا) بفتح القاف مخففَّة (يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَهَا) من الرَّجل (فَقَالَ) ﵊ له: (لَا تَبْتَعْهَا) بسكون العين مجزومًا على النَّهي للتَّنزيه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا تبتاعُها» بألفٍ قبل العين، ورفَعها (وَلَا تَرْجِعَنَّ) بنون التَّأكيد الثَّقيلة (فِي صَدَقَتِكَ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «حمل على فرسٍ في سبيل الله». قال (٢) العينيُّ: وفيه نظرٌ، لأنَّه إنَّما تصدَّق به على الرَّجل من غير أن يقفه، ويدلُّ لذلك أنَّه أراد بيعه ولم ينكر عليه ذلك، ولو كان حمل على (٣) تحبيسٍ، لم يبع إلَّا أن يُحمَل على أنَّه انتهى إلى حالٍ لا ينتفع به فيما حبَّس عليه، لكن ليس في اللَّفظ ما يشعِر به، ويدلُّ لذلك أيضًا قوله: «ولا تعدْ في صدقتك» ولو كان تحبيسًا ووقفًا لعلَّل به دون الهبة.
وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الهبة» [خ¦٢٦٣٦].
(٣٢) (بابُ نَفَقَةِ القَيِّمِ لِلْوَقْفِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «نفقة بقيَّة الوقف». قال في «الفتح»: والأوَّل أظهر، لأنَّ المراد أجرة القيِّم. وهو العامل على الوقف.
стр. 5743
٢٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقْتَسِمْ (١)) بالجزم على النَّهي، ولأبي ذرٍّ: «لا يقتسمُ (٢)» بالرَّفع على الخبر (وَرَثَتِي دِينَارًا) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ولا درهمًا» وتوجيه الرَّفع أنَّه ﷺ لم يترك مالًا يورَث عنه، وأمَّا النَّهي، فعلى تقدير أن يخلِّف شيئًا، فنهاهم عن قسمته إن اتَّفق أنَّه يخلِّفه وسمَّاهم ورثةً مجازًا، وإلَّا فقد قال: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نورَثُ» [خ¦٣٠٩٣] (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي) احتجَّ له ابن عيينة -فيما قاله الخطَّابيُّ- بأنهنَّ في معنى المعتدَّات، لأنهنَّ لا يجوز لهنَّ أن ينكحن أبدًا، فجرت لهنَّ النَّفقة، وتُركَت حُجَرُهنَّ لهنَّ يسكنَّها (وَمَؤونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ) بالجرِّ عطفًا على «نفقة نسائي»، وهو القيِّم على الأرض أو الخليفة بعده ﵊، ففيه دليلٌ على مشروعيَّة أجرة العامل على الوقف.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفرائض» [خ¦٦٧٢٩]، ومسلمٌ في «المغازي» وأبو داود في «الخَراج».
٢٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد بن درهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ) أباه (عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ) الأرض الَّتي أصابها بخيبر (أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ) أي: الوقف (وَيُؤكِلَ) أي: يطعم (صَدِيقَهُ) منه حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) أي: متَّخذٍ (٣) منه (مَالًا).
стр. 5744
وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٧٧٢] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «اشترط … » إلى آخره.
(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَفَ) شخص (أَرْضًا أَوْ (١) بِئْرًا وَاشْتَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: «أو اشترط» (لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ) هل يجوز أم لا؟
(وَأَوْقَفَ) بالهمزة لُغيَّة، ولأبي ذرٍّ: «ووقف» (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (دَارًا) بالمدينة (فَكَانَ إِذَا قَدِمَ) المدينة مارًّا بها للحجِّ، وفي نسخة «اليونينيَّة»: «إذا قدمها» (نَزَلَهَا) وهذا وصله البيهقيُّ (وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام، فيما وصله الدَّارميُّ في «مسنده» (بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ) أي: المطلَّقة (مِنْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكُنَ) بفتح الهمزة، أي: لأن تسكن حال كونها (غَيْرَ مُضِرَّةٍ) بكسر الضَّاد، اسم فاعلٍ للمؤنَّث من الضَّرر (وَلَا مُضَرٍّ بِهَا) بفتح الضَّاد اسم مفعولٍ (فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ) في السُّكنى.
ومطابقة هذا لما ترجم به من جهة أن البنت قد تكون بكرًا، فتطلَّق قبل الدُّخول فتكون مؤنتها على أبيها، فيلزمه إسكانها فإذا أسكنها في وقفه فكأنه اشترط على نفسه رفع كلفةٍ.
(وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ) الَّذي خصَّه (مِنْ دَارِ) أبيه (عُمَرَ) التي تصدَّق بها، وقال: لا تباع، ولا توهب (سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لذوي الحاجات» (مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ) كبارهم وصغارهم، وهذا وصله ابن سعد بمعناه.
стр. 5745
٢٧٧٨ - (وَقَالَ عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ، فيما وصله الدَّارقطنيُّ والإسماعيليُّ وغيرهما: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) هو عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيبٍ السَّلميِّ الكوفيِّ القاريِّ: (أَنَّ عُثْمَانَ) بن عفان (¬﵁ حَيْثُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حين» (حُوصِرَ) أي: لمَّا حاصره أهل مصر في داره؛ لأجل تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرحٍ، واجتمع الناس (أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ الله (١)) زاد النَّسائيُّ من رواية ثُمامة بن حَزن (٢): «عن عثمان والإسلام»، وفي روايته (٣) أيضًا من طريق الأحنف: «أنشدكم بالله الَّذي لا إله إلَّا هو» وسقط لفظ الجلالة هنا عند غير أبي ذرٍّ (وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَحَفَرْتُهَا؟) المشهور: أنَّه اشتراها، لا أنَّه حفرها، كما في التِّرمذي بلفظ: هل تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماءٌ يُستَعذب غير بئر رُوْمة، فقال: «من يشتري بئر رُوْمة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخيرٍ له منها في الجنة»، فاشتريتها من صلب مالي؟ … الحديث. وعند النَّسائيِّ: أنَّه اشتراها بعشرين ألفًا أو بخمسة وعشرين ألفًا، لكن روى البغويُّ الحديث في «الصَّحابة» بلفظ: وكانت لرجلٍ من بني غفارٍ عينٌ يقال لها: رومة، وإذا كانت عينًا فيحتمل أن يكون عثمان حفر فيها بئرًا، أو كانت (٤) العين تجري إلى بئرٍ، فوسعها عثمان أو طواها، فنسب حفرها إليه، قاله في «فتح الباري» (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ) ﷺ (قَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتَين، وهي غزوة تبوك (فَلَهُ الجَنَّةُ، فَجَهَّزْتُهُمْ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فجهَّزته» (قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ) والضَّمير للصَّحابة. وروى النَّسائيُّ من طريق الأحنف بن قيس: أنَّ الَّذين صدَّقوه هم: عليُّ بن أبي طالبٍ وطلحةُ والزُّبير وسعد بن أبي وقَّاصٍ.
(وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁ فيما سبق موصولًا [خ¦٢٧٧٢] (فِي وَقْفِهِ) تلك الأرض: (لَا جُنَاحَ)
стр. 5746
لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) من ناظرٍ ومتحدثٍ (أَنْ يَأْكُلَ) أي: منه (١) بالمعروف، قال البخاريُّ: (وَقَدْ يَلِيهِ) أي: الوقف (الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ) من الواقف وغيره. وقد استدلَّ المؤلِّف بما ذكره: على جواز اشتراط الواقف لنفسه منفعةً مِنْ وقفه، وهو مقيَّد بما إذا كانت المنفعة عامَّةً؛ كالصَّلاة في بقعةٍ جعلها مسجدًا، والشُّرب من بئرٍ وقفها، وكذا كتابٌ وقفه على المسلمين للقراءة فيه ونحوها، وقِدْرٌ للطَّبخ فيها وكيزانٌ للشُّرب، ونحو ذلك، والفرق بين العامَّة والخاصَّة: أنَّ العامَّة عادت إلى ما كانت عليه من الإباحة بخلاف الخاصَّة.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ الوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ فَهْوَ جَائِزٌ).
٢٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ العنبريُّ مولاهم التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بن حُمَيد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا أراد بناء مسجده: (يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، أي: ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) ، أي: منه، ولا يصير الملك وقفًا بقول مالكه: لا أطلب (٢) ثمنه إلَّا إلى الله، لكنْ أجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ مراد البخاريِّ: أنَّ الوقف يصحُّ بأيِّ لفظٍ دلَّ عليه، إمَّا بمجرَّده أو بقرينةٍ. انتهى. وألفاظ الوقف صريحةٌ؛ كوقفت كذا (٣)، وحبَّست، وسبَّلت، أو أرضي موقوفة، أو محبَّسة، أو مسبَّلة، وكنايةٌ، كحرَّمت هذه البقعة للمساكين، أو أبَّدتها، أو داري محرَّمةٌ أو مؤبَّدةٌ، ولو قال: تصدَّقت به على المساكين ونوى الوقف؛ فوجهان، أصحهما أنَّ النِّيَّة تلتحق باللَّفظ، ويصير وقفًا، وإن أضاف إلى معيَّن، فقال: تصدَّقت عليك، أو قاله (٤) لجماعةٍ معيَّنين، لم يكن وقفًا على الصَّحيح، بل ينفذ فيما
стр. 5747
هو صريحٌ فيه، وهو التَّمليك المحض، ولو قال: جعلت هذا المكان مسجدًا، صار مسجدًا على الأصحِّ، لإشعاره بالمقصود واشتهاره فيه.
(٣٥) (بابُ) بيان سبب نزول (قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾) أي: شهادة اثنين، فحُذِف المضاف، وأُقيمَ المضاف إليه مُقامه، والتَّقدير: فيما أُمِرتُم شهادةُ بينكم، والمراد بالشهادة: الإشهاد، وأضافها (١) إلى الظَّرف على الاتِّساع (﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾) ﴿أَحَدَكُمُ﴾: نصبٌ على المفعوليَّة، و ﴿إِذَا حَضَرَ﴾: ظرفٌ لـ «الشَّهادة» وحضور الموت: مشارفته، وظهور أمارات بلوغ الأجل (﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾) بدلٌ مِن ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصيَّة، وأنَّها من الأمور اللَّازمة الَّتي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها، وخبر المبتدأ الَّذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قوله: (﴿اثْنَانِ﴾) وجوَّز
стр. 5748
الزمخشري: أن يكون ﴿اثْنَانِ﴾ فاعل ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ على معنى (١): فيما فُرِض عليكم أن يشهد اثنان (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾) أي: أمانةٍ وعقلٍ (﴿مِّنكُمْ﴾) من المسلمين أو من أقاربكم (﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾) من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب عند فقد المسلمين؛ أو من غير أقاربكم (﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾) أي: سافرتم فيها (﴿فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾) أي: قاربتموه (٢) وهذان شرطان (٣) لجواز استشهاد الذِّميِّين عند فقد المسلمين أن يكون ذلك في سفرٍ وأن يكون في وصيَّةٍ، وهذا مرويٌّ عن الإمام أحمد، وهو من أفراده، وخالفه الأئمَّة الثَّلاثة في ذلك، وأنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد أجمعوا على ردِّ شهادة الفاسق، والكافرُ شرٌّ من الفاسق، نعم، جوَّز أبو حنيفة شهادة الكفَّار بعضِهم على بعضٍ (﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾) تمسكونهما لليمين، ليحلفا (﴿مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾) صلاة العصر أو صلاة أهل دينهما (﴿فَيُقْسِمَانِ﴾) فيحلفان (﴿بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: ظهرت لكم ريبةٌ من اللَّذين ليسا من أهل ملَّتكم أنَّهما خانا، فيحلفان حينئذٍ (٤) بالله (﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾) بالقسم (﴿ثَمَنًا﴾) لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدُّنيا الفانية الزَّائلة (﴿وَلَوْ كَانَ﴾) المشهود عليه (﴿ذَا قُرْبَى﴾) أي: قريبًا إلينا، وجوابه محذوفٌ، أي: ﴿لَا نَشْتَرِي﴾ (﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ﴾) أي: الشَّهادة الَّتي أمر الله بإقامتها (﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾) إن كتمناها (﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾) فإن اطُّلِع (﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾) أي: الشَّاهدين (﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾) أي: استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين (﴿فَآخَرَانِ﴾) فشاهدان آخران من قرابة الميت (﴿يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾) الإثم، أي: فيهم ولأجلهم، وهم ورثة الميِّت، استحقَّ الحالفان بسببهم الإثم، فـ «على» بمعنى: «في» كقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملك سليمان (﴿الأَوْلَيَانِ﴾) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هما الأوليان، كأنَّه قيل: ومَن هما (٥)؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل: بدلٌ من الضَّمير في ﴿يِقُومَانُ﴾ أو من ﴿آخَرَانِ﴾ أي: الأحقَّان بالشَّهادة لقرابتهما ومعرفتهما من
стр. 5749
الأجانب (﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾) أي: أصدق منهما وأولى بأن تُقبَل (﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾) فيما قلنا فيهما من الخيانة (﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾) إن كنَّا قد كذَّبنا عليهما. ومعنى الآيتين -كما قاله القاضي-: أنَّ المحتَضِر إذا أراد الوصيَّة ينبغي أن يُشْهِد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيَّته، أو يوصي إليهما احتياطًا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثمَّ إن وقع نزاعٌ وارتيابٌ، أقسما على صدق ما يقولان بالتَّغليظ في الوقت، فإن اطُّلِعَ على أنَّهما كذبا بأمارةٍ ومظنَّةٍ، حلف آخران من أولياء الميِّت، والحكم منسوخٌ إن كان الاثنان شاهدين، فإنَّه لا يحلف الشَّاهد ولا يعارِض يمينه بيمين الوارث، وثابتٌ إن كانا وصيَّين ورُدَّ اليمين إلى الورثة إمَّا لظهور خيانة الوصيين، فإنَّ تصديق الوصيِّ باليمين لأمانته أو لتغيير الدَّعوى (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي تقدَّم من بيان الحكم (﴿أَدْنَى﴾) أقرب (﴿أَن يَأْتُواْ﴾) أي: الشُّهداء على نحو تلك الحادثة (﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾) من غير تحريفٍ ولا خيانةٍ فيها (﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾) أي: أقرب إلى أن يخافوا ردَّ اليمين بعد يمينهم على المدَّعين، فيحلفون على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحون ويُغرَّمون (١)، وإنَّما جمع الضَّمير (٢)؛ لأنَّه حكمٌ يعمُّ الشُّهود كلَّهم (﴿وَاتَّقُوا اللّهَ﴾) أن تحلفوا كاذبين أو تخونوا (﴿وَاسْمَعُواْ﴾) الموعظة (﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]) أي: لا يرشد من كان على معصيةٍ، وساق في رواية أبي ذرٍّ من قوله: «﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾». وقال المؤلِّف: (﴿الأَوْلَيَانِ﴾: واحدهما أَوْلَى، ومنه: أولى به) أي: أحقُّ به، وقوله: (﴿عُثِرَ﴾) أي: (أُظهِر) قاله أبو عبيدة في «المجاز» (﴿أَعْثَرْنَا﴾ [الكهف: ٢١]) أي: (أظهرنا) قاله الفرَّاء، وهذا كلُّه ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ فقط.
стр. 5750
٢٧٨٠ - (وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (١): (حَدَّثَنَا) وهذا وصله المؤلِّف في «التاريخ» فقال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ قال: حدَّثنا (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) يحيى بن زكريَّا، واسم أبي زائدة: ميمون الهَمْدانيُّ القاضي (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي (٢) القَاسِمِ) الطويل (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعيد (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ) هو بُزَيل، بضمِّ الموحَّدة وفتح الزَّاي -مصغَّرًا عند ابن ماكولا، ولابن منده من طريق السُّدِّي عن الكلبيِّ: بُدَيل بن أبي مارية، بدالٍ مهملة بدل الزَّاي- وليس هو بديل بن ورقاء، فإنَّه خزاعيٌّ، وهذا سهميٌّ، وفي رواية ابن جريج: أنَّه كان مسلمًا (مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) الصَّحابيِّ المشهور، وكان نصرانيًّا، وكان ذلك قبل أن يسلم (وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد الدَّال (٣) المهملة ممدودًا مصروفًا، وكان عديٌّ نصرانيًّا. قال الذَّهبيُّ (٤): لم يبلغنا إسلامه (٥)، من المدينة للتِّجارة إلى أرض الشَّام (٦) (فَمَاتَ) بُزَيل (٧) (السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ) وكان لمَّا اشتدَّ وجعه أوصى إلى تميمٍ وعديٍّ، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله (فَلَمَّا قَدِمَا) عليهم (بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا) بفتح القاف، (جَامًا) بالجيم وتخفيف الميم. قال في «الفتح»: أي: إناءً، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا تفسير الخاصِّ بالعامِّ، وهو لا يجوز؛ لأنَّ الإناء أعمُّ من الجام، والجام، هو الكأس. انتهى. والَّذي ذكره البغويُّ وغيره من المفسِّرين: أنَّه إناءٌ من فضَّةٍ منقوشٌ بالذَّهب، فيه ثلاث مئة مثقالٍ، وكذا في رواية ابن جُرَيج عن عكرمة: إناءٌ من فضَّةٍ منقوشٌ بذهب ٍ (مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ) بضمِّ الميم وفتح الخاء
стр. 5751
المعجمة والواو المشدَّدة، آخره صادٌ مهملةٌ، أي: فيه (١) خطوطٌ طوالٌ كالخوص، كانا أخذاه من متاعه، وفي رواية ابن جُرَيج عن عكرمة: أنَّ السَّهميَّ المذكور مَرِض فكتب وصيَّته بيده، ثمَّ دسَّها في متاعه، ثمَّ أوصى إليهما، فلمَّا مات فتحا متاعه، ثمَّ قدما على أهله، فدفعا إليهم (٢) ما أراد (٣)، ففتح أهله متاعه، فوجدوا الوصيَّة، وفقدوا أشياء فسألوهما عنها، فجحدا، فرفعوهما إلى النَّبيِّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] (فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ. فَقَالُوا) أي: الَّذين وُجِدَ الجام معهم: (ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ) عمرو بن العاص والمطَّلب بن أبي وداعة (مِنْ أَوْلِيَائِهِ) أي: من أولياء بُزَيل السَّهميِّ (فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) يعني: يميننا أحقُّ من يمينهما (وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾».
(٣٦) (بابُ) جواز (قَضَاءِ الوَصِيِّ دُِيُونَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ) ودال «دُِيون» مضمومةٌ ومكسورةٌ، كما في «اليونينيَّة» (٤).
стр. 5752
٢٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ) بالسِّين المهملة وبعد الألف موحَّدةٌ ثمَّ قافٌ، أبو جعفر التَّميميُّ مولاهم البغداديُّ البزَّاز (١) الفارسيُّ الأصل ثمَّ الكوفيُّ (أَوِ (٢) الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) الرُّخاميُّ -بالخاء المعجمة- البغداديُّ (عَنْهُ) أي: عن (٣) محمَّد بن سابقٍ والشَّكُّ من المؤلِّف، وقد روى عن (٤) ابن سابق بواسطةٍ في أوَّل حديثٍ يلي هذا الباب [خ¦٢٧٨٢]، وفي «المغازي» [خ¦٤١٨٩] و «النكاح» [خ¦٥١٦٢] (٥) و «الأشربة» [خ¦٥٥٧٩] ولم يروِ عنه بغير واسطةٍ إلَّا في هذا الموضع مع التَّردُّد في ذلك، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابن عبد الرَّحمن (أَبو مُعَاوِيَةَ) النَّحوي البصريُّ ثمَّ الكوفيُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، وبعد الألف سينٌ مهملةٌ، ابن يحيى الهَمْدانيِّ الحارثيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ ﵄: أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ) سنة ثلاثٍ (وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا) ليهوديٍّ وغيره (فَلَمَّا حَضَرَ جَدَادُ النَّخْلِ) بفتح الجيم وبدالَين مهملتَين، أي: أوان قطع ثمرتها، ولأبي ذرٍّ: «فلما حضره جِذاذ النَّخل» بضمير المفعول، و «جِذاذ»: بذالَين معجمتَين وكسر الجيم، يقال: جذذت الشَّيء، أي: كسرته وقطعته (أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الغُرَمَاءُ قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ) بفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة وكسر الدَّال المهملة، أمرٌ من: بيدرَ يبيدرُ، أي: اجعل (٦) كلَّ صنفٍ في بيدرٍ، أي: جرين يخصُّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فبادرْ» (كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةِ. فَفَعَلْتُ) ذلك (ثُمَّ دَعَوْتُ) رسول الله ﷺ ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «دعوته»، وله عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فدعوته» بالفاء بدل «ثمَّ» (فَلَمَّا (٧) نَظَرُوا) أي: الغرماء (إِلَيْهِ) ﵊ (أُغْرُوا) بضمِّ الهمزة وسكون الغين المعجَمة وبالرَّاء المهملة مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، أي: لهجوا (بِي) وقال في «النِّهاية»: لجُّوا في مطالبتي وألحُّوا عليَّ (تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى) ﵊ (مَا يَصْنَعُونَ) بي (أَطَافَ) بالهمزة قبل الطَّاء، ولأبي ذرٍّ: «طاف» بإسقاطها (حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ) أي: غرماء أبيك، فدعوتهم (فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ) من ذلك البيدر (حَتَّى أَدَّى اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي) السِّتَّة (بِتَمْرَةٍ) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الموحَّدة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ
стр. 5753
عن الحَمُّويي والمُستملي: «تمرة» بإسقاط الموحَّدة (فَسَلِمَ وَاللهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي) بفتح الهمزة (أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً).
(قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ في تفسير قوله: (أَغْرَوا بِي، يَعْنِي: هِيْجُوا بي) بكسر الهاء وسكون التَّحتيَّة (﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة: ١٤]) قال أبو عبيدة في «المجاز»: الإغراء: التَّهييج والإفساد، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، وثبت للمُستملي وحده، والله أعلم.
وقد سبق حديث الباب غير مرَّةٍ. منها في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٩] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٥] و «الهبة» [خ¦٢٦٠١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠].
стр. 5754
((٥٦)) (كِتَابُ الجِهَادِ والسِّيَرِ) بكسر السِّين المهملة وفتح التَّحتيَّة، وزاد في «الفرع»: بفتح السِّين وسكون التَّحتيَّة، جمع سيرةٍ وهي الطَّريقة، وأُطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنَّها متلقَّاةٌ من أحوال النَّبيِّ ﷺ في غزواته. والجهاد -بكسر الجيم- مصدر جاهدت العدوَّ مجاهدةً وجهادًا، وأصله: جيهاد كقيتال -فخُفِّف بحذف الياء- وهو مشتقٌّ من الجَهد -بفتح الجيم- وهو التَّعب والمشقَّة؛ لما فيه من ارتكابها، أو من الجُهد -بالضمِّ- وهو الطَّاقة، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما بذل طاقته في دفع صاحبه، وهو في الاصطلاح: قتال الكفَّار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله، ويُطلَق أيضًا على جهاد النَّفس والشَّيطان، وهو من أعظم الجهاد، والمراد بالتَّرجمة الأوَّل، والأصل فيه قبل الإجماع آياتٌ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وكان قبل الهجرة محرَّمًا، ثمَّ أُمِر ﷺ بعدها بقتال من قاتله، ثمَّ أُبيحَ الابتداء به في غير الأشهر الحُرُم، ثمَّ أُمِرَ به مطلقًا. ثمَّ إنَّ الجهاد قد يكون فرض عينٍ، وقد يكون فرض كفايةٍ؛ لأنَّ الكفار إن دخلوا (١) بلادنا أو أسروا مسلمًا يُتوقَّع فكُّه، ففرض عينٍ. وإن كان ببلادهم، ففرض كفايةٍ، ويأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في «باب وجوب النفير» [خ¦٢٨٢٥].
(بسم الله الرحمن الرحيم) قدَّم النَّسفيُّ البَسْملة، وسقط «كتاب» والتَّرجمة لأبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله.
(١) (بابُ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، وحينئذٍ فقوله: «فضلُ» رفعٌ بالابتداء
стр. 5755
(وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور أو بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى» (١) (﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾) أي: طلب من المؤمنين أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله؛ ليثيبهم الجنَّة، وذكر الشِّراء على وجه (٢) المثل (٣)؛ لأنَّ الأنفس والأموال كلَّها لله، وهي عندنا عاريةٌ، ولكنَّه تعالى أراد التَّحريض والتَّرغيب في الجهاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والباء في ﴿بِأَنَّ﴾ للمعاوضة، وهذا من فضله تعالى وكرمه وإحسانه، فإنَّه قَبِلَ العوض عمَّا يملكه بما تفضَّل به على عباده المطيعين له، ولذا قال الحسن البصريُّ: بايعهم والله فأغلى ثمنهم، وقال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ ليلة العقبة: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت، فقال: «أشترط لربِّي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممَّا تمعنون (٤) منه (٥) أنفسكم وأموالكم» قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنَّة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾) أي: في طاعته مع العدوِّ، وهذا كما قال (٦) الزَّمخشريُّ: في معنى الأمر، أو هو بيانُ ما لأجله الشِّراء (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾) أي: يقتلون العدوَّ، ويقتلهم (﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾) مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: إن هذا الوعد الَّذي وعده للمجاهدين في سبيله وعدٌ ثابتٌ قد أثبته (﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ﴾) مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقًّا (﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢]) أي: فافرحوا به غاية الفرح، فإنَّه
стр. 5756
أوجب لكم عظائم المطالب، وذلك هو الثَّواب الوافر (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]) أي: الموصوفين بتلك الفضائل، من التَّوبة والعبادة والصوم وغير ذلك ممَّا في الآية، وساق في رواية أبي ذرٍّ: «إلى قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾» وللنَّسفيِّ وابن شبُّويه: «﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾» الآيتين «إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾» وساق في رواية الأَصيليِّ وكريمة الآيتين جميعًا، قاله في «فتح الباري».
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما (١) وصله ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (الحُدُودُ: الطَّاعَةُ) وكأنَّه تفسيرٌ باللَّازم، لأنَّ من أطاع الله وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه.
٢٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بتشديد الموحَّدة، البزَّار -آخره راءٌ- أبو عليٍّ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ) التَّميميُّ البزَّار الكوفيُّ نزيل بغداد، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو، الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيْزَارِ) بفتح العين المهملة (٢) وسكون التَّحتيَّة وبالزَّاي وبعد الألف راءٌ، ابن حريثٍ العبديَّ الكوفيَّ (ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، سعد بن إياس (الشَّيْبَانِيِّ)
стр. 5757
بالشِّين المعجمة المفتوحة أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا) «على» بمعنى «في» لأنَّ الوقت ظرفٌ لها (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد منوَّنًا. قال ابن الخشَّاب: لا يجوز غيره؛ لأنَّه اسم معربٌ غير مضافٍ، وسبق زيادة بحثٍ في هذا في «المواقيت» [خ¦٥٢٧] (قَالَ) ﵊: (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ) أي: بالإحسان إليهما وترك عقوقهما (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) بالنَّفس والمال، وإنَّما خصَّ هذه الثَّلاثة بالذِّكر (١) لأنَّها عنوانٌ على ما سواها من الطَّاعات (٢) لأنَّ مَن حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومَن ضيَّعها كان لما سواها أَضيعَ. قال ابن مسعودٍ: (فَسَكَتُّ عَنْ) سؤال (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حينئذٍ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: طلبت منه الزِّيادة في السُّؤال (لَزَادَنِي) في الجواب.
وهذا الحديث قد سبق في «المواقيت» من «كتاب الصلاة» [خ¦٥٢٧].
٢٧٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون الموحَّدة- المخزوميُّ مولاهم، المكِّيُّ الإمام في التَّفسير (عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: يوم فتح مكَّة سنة ثمانٍ (لَا هِجْرَةَ) واجبةً من مكَّة إلى المدينة (بَعْدَ الفَتْحِ) أي: فتح مكة، للاستغناء عن ذلك؛ إذ كان معظم الخوف من أهلها، فأُمر المسلمون أن يقيموا في أوطانهم، والمراد: لا هجرة بعد الفتح لمن لم يكن (٣) هاجر قَبْلُ، بدليل الحديث الآخر: «يقيم المهاجر ثلاثًا بعد قضاء الحجِّ» (وَلَكِنْ جِهَادٌ) في الكفار (وَنِيَّةٌ) في الخير يحصِّلون بهما الفضائل الَّتي في معنى الهجرة، وقال النَّوويُّ:
стр. 5758
معناه: أنَّ تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكَّة، لكن حصِّلوه (١) بالجهاد والنِّيَّة الصَّالحة، قال: وفيه حثٌّ على نيَّة الخير، وأنَّه يُثاب عليها (وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا» (اسْتُنْفِرْتُمْ) بضمِّ التَّاء وكسر الفاء (فَانْفِرُوا) بهمزة وصلٍ وكسر الفاء أيضًا (٢) أي: إذا طلبكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو (٣) فاخرجوا إليه. وهذا دليلٌ على أنَّ الجهاد ليس فرض عينٍ، بل فرض كفايةٍ.
وهذا الحديث سبق في «كتاب الحج» في «باب لا يحلُّ القتال بمكَّة» [خ¦١٨٣٤].
٢٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين وتشديد الدَّال الأولى المهملات، ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، الأسديُّ القصَّاب (عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) التَّيميَّة القرشيَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نُرَى) بضمِّ النُّون، وفي نسخةٍ بفتحها، وفي أخرى بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مضمومةٍ وهي التي في الفرع وأصله، أي: نظنُّ أو نعتقد (الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ) وللنَّسائيِّ من (٤) رواية جريرٍ عن حَبيبٍ: «فإنِّي لا أرى في القرآن أفضل من الجهاد» (أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَكُنَّ أَفْضَلُ الجِهَادِ) بضمِّ الكاف وتشديد النُّون لأبي ذرٍّ، ولغيره: «لَاكِنَّ» بكسر الكاف وزيادة ألفٍ قبلها «أفضلَ الجهاد» بنصب «أفضلَ» بـ «لكنَّ» (حَجٌّ مَبْرُورٌ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو حجٌّ (٥).
وهذا الحديث قد سبق في «الحج» [خ¦١٥٢٠].
стр. 5759
٢٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن منصور» قال: (أَخْبَرَنَا عَفَّانُ) بن مسلم الصَّفَّار قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم الأولى، ابن يحيى بن دينارٍ العوذيُّ الشَّيبانيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) بجيمٍ مضمومةٍ فحاءٍ مهملةٍ مخفَّفةٍ، الأيامي (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصمٍ الأسديُّ (أَنَّ ذَكْوَانَ) الزَّيَّات (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي) بفتح اللَّام (عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ) أي: يساويه ويماثله (قَالَ) ﵊: (لَا أَجِدُهُ) أي: لا أجد العمل الَّذي يعدل الجهاد، ثمَّ (قَالَ) ﵊ مستأنفًا: (هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ) بالنَّصب عطفًا على «أن تدخلَ» (وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟) بنصبهنَّ عطفًا على السَّابق (قَالَ) الرَّجل: (وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) موقوفًا عليه، ويأتي (١) -إن شاء الله تعالى- في «باب الخيل ثلاثة» [خ¦٢٨٦٠] من طريق زيد بن أسلم، عن أبي (٢) صالحٍ مرفوعًا (٣): (إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ) من الاستنان وهو العَدْو، وقال الجوهريُّ: هو أن يرفع يديه ويطرحهما معًا (فِي طِوَلِهِ) بكسر الطَّاء (٤) المهملة وفتح الواو: حَبْله المشدود به المطوَّل له، ليرعى وهو بيد صاحبه (فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ) أي: فيكتب له استنانه (٥) حسناتٍ، فالضَّمير راجعٌ إلى المصدر الَّذي دلَّ عليه «ليستنَّ» فهو مثل: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] و «حسناتٍ»: نصبٌ على أنَّه مفعولٌ ثانٍ.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الجهاد» أيضًا.
стр. 5760
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ) ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ: «مجاهدٌ» بالميم صفةٌ لـ «مؤمنٌ» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) بالرَّفع عطفًا على «أفضلُ»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾) استفهامٌ في اللَّفظ، إيجابٌ في المعنى (﴿تُنجِيكُم﴾) تخلِّصكم (﴿مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾) استئنافٌ مبيِّنٌ للتِّجارة، وهو الجمع بين الإيمان والجهاد، والمراد به: الأمر، وإنَّما جِيءَ به بلفظ الخبر؛ للإيذان بوجوب الامتثال، كأنَّها وُجِدَت وحصلت (﴿ذَلِكُمْ﴾) أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) في (١) أنفسكم وأموالكم (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) العلم (﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾) جوابٌ للأمر (٢) المدلول عليه بلفظ الخبر، قال القاضي: ويبعد جعله جوابًا لـ ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ لأنَّ مجرَّد دلالته لا يوجب المغفرة (﴿وَيُدْخِلْكُمْ﴾) عطفٌ على ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ﴾) ما ذُكِرَ من المغفرة وإدخال الجنة (﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢]) وفي نسخةٍ بعد قوله: «﴿مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾» «إلى ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾».
٢٧٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (اللَّيْثِيُّ) بالمثلَّثة (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟) قال في «الفتح»: لم أقف على اسم السَّائل، وقد سبق أن أبا ذرٍّ سأل عن نحو ذلك، وللحاكم: أيُّ النَّاس أكمل إيمانًا؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مُؤْمِنٌ) أي: أفضل النَّاس مؤمنٌ
стр. 5761
(يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) لما فيه من بذلهما لله مع النَّفع المتعدِّي، وعند النَّسائيِّ: «إنَّ من خير النَّاس رجلًا عَمِلَ في سبيل الله على ظهر فرسه» بـ «من» التَّبعيضيَّة، وذلك يقوِّي قول من قال: إنَّ قوله: «مؤمنٌ يجاهد (١)» المقدَّر بقوله: «أفضل النَّاس مؤمنٌ يجاهد» عامٌّ مخصوصٌ، وتقديره: من أفضل النَّاس، لأنَّ العلماء الَّذين حملوا النَّاس على الشَّرائع والسُّنن وقادوهم إلى الخير أفضل، وكذا الصِّدِّيقون (قَالُوا: ثُمَّ مَنْ) يلي المؤمن المجاهد في الفضل؟ (قَالَ) ﵊: (مُؤْمِنٌ) أي: ثم يليه مؤمنٌ (فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، آخره موحَّدةٌ، هو ما انفرج بين الجبلَين، وليس بقيدٍ بل على سبيل المثال، والغالب على الشِّعاب الخلوُّ عن النَّاس، فلذا مثَّل بها للعزلة والانفراد، فكلُّ مكانٍ يبعد (٢) عن النَّاس فهو داخلٌ في هذا المعنى كالمساجد والبيوت، ولمسلمٍ من طريق معمر عن الزُّهريِّ: «رجلٌ معتزلٌ» (يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) وفيه فضل العزلة، لما فيها من السَّلامة من الغِيبة واللَّغو ونحوهما، وهو مقيَّدٌ بوقوع الفتنة. وفي حديث بَعْجَة -بفتح الموحَّدة والجيم، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ- ابن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا: «يأتي على النَّاس زمانٌ يكون خير النَّاس فيه منزلةً مَن أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، يطلب الموت في مظانِّه، ورجلٌ في شعبٍ من هذه الشِّعاب، يقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويدَع النَّاس إلَّا من خيرٍ» رواه مسلمٌ وابن حبَّان. وروى البيهقيُّ في «الزُّهد» عن أبي هريرة مرفوعًا: «يأتي على النَّاس زمانٌ لا يسلم لذي دينٍ دينه إلَّا من هرب بدينه من شاهقٍ إلى شاهقٍ، ومن جُحْرٍ إلى جُحْرٍ، فإذا كان ذلك (٣) لم تُنَل المعيشة إلَّا بسخطِ الله، فإذا كان ذلك (٤) كذلك، كان هلاك الرَّجل على يدي (٥) زوجته وولده، فإن لم يكن له زوجةٌ ولا ولدٌ، كان هلاكه على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان، كان هلاكه على يد قرابته أو الجيران». قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «يعيِّرونه بضيق المعيشة، فعند ذلك يورد نفسه الموارد الَّتي تهلك (٦) فيها نفسُه». أمَّا عند عدم الفتنة، فمذهب الجمهور: أنَّ الاختلاط أفضل، لحديث التِّرمذيِّ: «المؤمن
стр. 5762
الَّذي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أعظمُ أجرًا من الَّذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٤]، ومسلمٌ وأبو داود في «الجهاد»، وابن ماجه في «الفتن».
٢٧٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال»: (مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ) أي: الله أعلم بعقد نيَّته إن كانت خالصةً لإعلاء كلمته، فذلك المجاهد في سبيله وإن كان في نيَّته حبُّ المال والدُّنيا واكتساب الذِّكر، فقد أشرك مع سبيل الله الدُّنيا، والجملة معترضةٌ بين قوله: «مَثَل المجاهد في سبيل الله» وبين قوله: (كَمَثَلِ الصَّائِمِ) نهارَه (القَائِمِ) ليله، وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «كمثل الصَّائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيامٍ ولا صلاةٍ» وزاد النَّسائيُّ من هذا الوجه: «الخاشع الرَّاكع السَّاجد» ومثَّله بالصَّائم، لأنَّ الصَّائم ممسكٌ لنفسه عن الأكل والشُّرب واللَّذَّات، وكذلك المجاهد ممسكٌ لنفسه على محاربة العدوِّ، وحابسٌ نفسَه على مَن يقاتله، وكما أنَّ الصَّائم القائم الَّذي لا يفتر ساعةً من العبادة مستمرُّ الأجر، كذلك المجاهد لا يضيع ساعةً من ساعاته بغير أجرٍ. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
(وَتَوَكَّلَ اللهُ) أي: تكفَّل الله تعالى على وجه الفضل منه (لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ) أي: بتوفِّيه بدخوله الجنَّة في الحال بغير حسابٍ ولا عذابٍ، كما ورد: «إنَّ
стр. 5763
أرواح الشُّهداء تسرح في الجنَّة» (أَوْ يَرْجِعَهُ) بفتح أوَّله، أي: أو أن يرجعه إلى مسكنه حال كونه (سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ) وحده (أَوْ غَنِيمَةٍ) مع أجرٍ، وحُذِفَ الأجرُ مِن الثَّاني للعِلْم به، إذ لا يخلو المجاهد عنه، فالقضيَّة مانعة الخلوّ لا مانعة الجمع، أو لنقصه بالنِّسبة إلى الأجر الَّذي بدون الغنيمة؛ إذ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضلُ منه وأتمُّ أجرًا عند وجودها. وقد روى مسلمٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة إلَّا تعجَّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى (١) لهم الثُّلث، فإن لم يصيبوا غنيمةً تمَّ لهم أجرهم» فهذا صريحٌ ببقاء بعض الأجر مع حصول الغنيمة، فتكون الغنيمة في مقابلة جزءٍ من ثواب الغزو. وفي التَّعبير بثلثي الأجر حكمةٌ لطيفةٌ، وذلك أنَّ الله تعالى أعدَّ للمجاهد ثلاث كراماتٍ: دنيويَّتان وأخرويَّةٌ، فالدُّنيويَّتان السَّلامة والغنيمة، والأخرويَّة دخول الجنَّة، فإذا رجع سالمًا غانمًا، فقد حصل له ثلثا ما أعدَّ الله له، وبقي له عند الله الثُّلث، وإن رجع بغير غنيمةٍ عوَّضه الله عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته، وليس المراد ظاهر حديث الباب أنَّه إذا غنم لا يحصل له أجر، وقيل: إنَّ «أو» بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البرِّ والقرطبيُّ، ورجَّحه التُّوربشتيُّ في «شرحه» لـ «المصابيح» والتَّقدير: بأجرٍ وغنيمةٍ، وكذا رواه مسلمٌ بالواو في بعض رواياته، ورواه الفِرْيابيُّ وجماعةٌ عن يحيى بن يحيى بصيغة «أو» وكذا مالكٌ في «موطَّئه»، ولم يختلف عليه إلَّا في رواية يحيى ابن بُكَيرٍ عنه بالواو، ولكنْ في رواية ابن (٢) بُكَيرٍ عن مالكٍ مقالٌ، وكذا وقع (٣) عند النَّسائيِّ وأبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، فإن كانت هذه الرِّوايات محفوظة تعيَّن القول بأنَّ «أو» في هذا الحديث بمعنى الواو، كما هو مذهب نحاة الكوفة (٤)، لكن استشكله ابن دقيق العيد، من حيث إنَّه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلًا في الضَّمان، فيقتضي أنَّه لا بد من حصول الأمرين لهذا المجاهد، وقد لا يتَّفق له ذلك، فما فرَّ منه الَّذي ادَّعى أنَّ «أو» بمعنى: الواو، وقع في نظيره، لأنَّه يلزم على ظاهرها أنَّ من رجع بغنيمةٍ رجع بغير أجرٍ، كما يلزم على أنَّها بمعنى: الواو، وأنَّ كلَّ غازٍ يُجْمَع له بين
стр. 5764
الأجر والغنيمة معًا. وأجاب في «المصابيح»: بأنَّه إنَّما يرد الإشكال إذا كان القائل: -بأنَّها للتَّقسيم- قد فسَّر المراد ممَّا (١) ذكره هو من قوله: فله الأجر إن فاتته الغنيمة … إلى آخره، وأمَّا إن سكت عن هذا التَّفسير فلا يتَّجه الإشكال؛ إذ يحتمل أن يكون التَّقدير: أو يرجعه سالمًا مع أجرٍ وحده أو غنيمةٍ وأجرٍ كما مرَّ، والتَّقسيم بهذا الاعتبار صحيحٌ، والإشكال ساقطٌ، مع أنَّه لو سُلِّم أنَّ القائل -بأنَّها للتَّقسيم- صرَّح بأنَّ المراد: فله الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت فلا، لم يرد الإشكال المذكور عليه (٢)؛ لاحتمال أن يكون تنكير الأجر لتعظيمه، ويراد به الأجر الكامل، فيكون معنى قوله: فله الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت فلا يحصل له ذلك الأجر المخصوص، وهو الكامل فلا يلزم انتفاء مطلق الأجر عنه. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الجهاد» أيضًا.
(٣) (بابُ الدُّعَاءِ بِالجِهَادِ) كَأنْ يقول: اللَّهمَّ اجعلني من المجاهدين في سبيلك (وَالشَّهَادَةِ) أي: والدُّعاء بالشَّهادة (لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) كَأنْ يقول: اللَّهم ارزقنا الشهادة في سبيلك (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ ممَّا سبق موصولًا بأتمَّ منه في آخر «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٩٠] (ارْزُقْنِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «اللَّهم ارزقني» (شَهَادَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ) ولابن سعدٍ عن حفصة: أنَّها سمعت أباها عمر يقول: ارزقني قتلًا في سبيلك ووفاةً في بلد نبيِّك … الحديث.
стр. 5765
٢٧٨٨ - ٢٧٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) بفتح الحاء والرَّاء المهملتَين (١) (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام وبالحاء المهملة، وبعد الألف نون، وهي أخت أمِّ سُليمٍ وخالة أنسِ بن مالكٍ (فَتُطْعِمُهُ) ممَّا في بيتها من الطَّعام (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريِّ، أي: زوجًا له (فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) يومًا (٢) (فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وإسكان الفاء وكسر اللَّام، من: فَلَى يَفلِي من باب: ضرَب يضرِب، يعني: تفتِّش شعر رأسه لتستخرج هوامَّه، وإنَّما كانت تفلي رأسه لأنَّها كانت منه ذات محرم من قِبَل خالاته، لأنَّ أمَّ عبد المطلب كانت من بني النَّجَّار، وقيل: كانت إحدى خالاته ﵊ من الرَّضاعة. قال ابن عبد البر: فأيّ ذلك كان فأمُّ حَرام محرمٌ منه. ونقل النووي الإجماع على ذلك قال: وإنما اختلفوا هل ذلك من النسب أو الرَّضاع، وصوَّبَ بعضهم: أنَّه لا محرَّميَّة بينهما كما بيَّنه الحافظ الدِّمياطيُّ في جزءٍ أفرده لذلك وقال: وليس في الحديث ما يدلُّ على الخلوة بها فلعلَّ ذلك كان مع ولدٍ أو زوجٍ أو خادمٍ أو تابعٍ، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم، لا سيَّما إذا كنَّ مسنَّاتٍ مع ما ثبت له ﷺ من العصمة، أو هو من خصائصه ﵊ (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عندها (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ) فرحًا وسرورًا لكون أمَّته تبقى بعده (٣) متظاهرةً أمور (٤) الإسلام قائمةً بالجهاد حتَّى في البحر، والجملة حاليَّةٌ (قَالَتْ) أمُّ حرامٍ: (فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
стр. 5766
قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ) بمثلَّثةٍ فموحَّدةٍ مفتوحَتين فجيم، وسطه أو معظمه أو هوله، أقوالٌ (مُلُوكًا) نُصِبَ بنزع الخافض، أي: مثل ملوك (عَلَى الأَسِرَّةِ) أي: في الجنَّة كما قاله ابن عبد البرِّ، قال النووي (١): والأصحُّ أنَّه صفة لهم في الدُّنيا، أي: يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم (أَوْ) قال: (مِثْلُ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، شَكَّ إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وهذا (٢) ظاهرٌ فيما ترجم له المؤلِّف في حقِّ النِّساء، ويُؤخَذ منه (٣) حكم الرِّجال بطريق الأَولى، ولا يقال: لا مطابقةَ بينهما لأنَّه ليس في الحديث تمنِّي الشَّهادة وإنَّما فيه تمنِّي الغزو. ولأنَّ الشَّهادة هي الثَّمرة العظمى المطلوبة في الغزو، واستشكل الدُّعاء بالشَّهادة، إذ حاصله أن يدعو الله تعالى أن يمكِّن منه كافرًا يعصي الله بقتله، فيقلَّ عدد المسلمين ويدخلَ السُّرورُ على قلوب المشركين، ومقتضى القواعد الفقهيَّة ألَّا يتمنَّى معصية الله لنفسه ولا لغيره. وأجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ المدعوَّ به قصدًا إنَّما هو (٤) نيل الدَّرجة الرَّفيعة المعدَّة للشُّهداء، وأمَّا قتل الكافر للمسلم فليس بمقصودٍ للدَّاعي، وإنَّما هو من ضرورات الوجود؛ لأنَّ الله قد (٥) أجرى حكمه ألَّا ينال تلك الدَّرجة إلَّا شهيدٌ (ثُمَّ وَضَعَ) ﵊ (رَأْسَهُ) الشَّريفة (٦) ثانيًا فنام (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) وسقطت الواو من قوله: «وما» لأبي ذرٍّ (قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: أي: يركبون البحر (٧) (كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ) ملوكًا على الأسرَّة، ولأبي ذرٍّ: «في الأولى» بالتَّأنيث (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) الَّذين يركبون ثبج
стр. 5767
البحر (فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَنِ (١) مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) مع زوجها في أوَّل غزوةٍ كانت إلى الرُّوم مع معاوية زمنَ عثمان بن عفَّان سنة ثمانٍ وعشرين، وهذا قول أكثر أهل السِّيَر. وقال البخاريُّ ومسلمٌ: في زمان معاوية، فعلى الأوَّل يكون المراد: زمان غزو معاوية في البحر لا زمان خلافته (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ) في الطَّريق لمَّا رجعوا من غزوهم بغير مباشرةٍ للقتال، وقد قال ﵊: «مَن قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيدٌ، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ» رواه مسلمٌ. وروى أبو داود من حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ مرفوعًا: «مَن وَقَصَتْهُ فرسه أو بعيره، أو لدغته هامَّةٌ أو مات على فراشه فهو شهيدٌ». وقال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٠]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، والله أعلم.
(٤) (بابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ. يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي) يريد المؤلِّف أنَّ السَّبيل يُؤنَّث ويُذكَّر، وبذلك جزم الفرَّاء (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]) بضمِّ المعجمة وتشديد الزَّاي (واحِدُها: غازٍ ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣]) أي: (لهم درجاتٌ) أي: منازل، قاله أبو عُبيدة، وقال غيره: أي: هم ذوو (٢) درجاتٍ، وثبت (٣) قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي.
стр. 5768
٢٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوحاظيُّ الشَّاميُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الملك بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ) لم يذكر الزَّكاة والحجَّ، ولعلَّه سقط من أحد رواته، وقد ثبت الحجُّ في التِّرمذيِّ في حديث معاذ بن جبلٍ، وقال فيه: ولا أدري أذكر الزَّكاة أم لا؟ وأيضًا فإنَّ الحديث لم يُذكر لبيان الأركان، فكأنَّ الاقتصار على ما ذُكِرَ إن كان محفوظًا لأنَّه هو المتكرّر غالبًا، وأمَّا الزَّكاة فلا تجب إلَّا على من له مالٌ بشرطه، والحجُّ لا يجب إلَّا مرَّةً على التَّراخي (كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ) بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا)، وفي نسخةٍ: «في بيته الذي وُلِدَ فيه» وفيه تأنيسٌ لمن حُرِمَ الجهاد، وأنَّه ليس محرومًا من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنَّة وإن قصَّر عن درجة المجاهدين (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) في «التِّرمذيِّ» أنَّ الَّذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبلٍ، وعند الطَّبرانيِّ: وأبو الدَّرداء (أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال الطِّيبيُّ (١) وتبعه الكِرمانيُّ: لمَّا سوَّى النَّبيُّ ﷺ بين الجهاد وبين عدمه، وهو المراد بالجلوس في أرضه الَّتي وُلِدَ فيها في دخول المؤمن بالله ورسوله المقيم للصَّلاة الصَّائم
стр. 5769
لرمضان في الجنَّة (١)، استدرك ﷺ قوله الأوَّل بقوله الثَّاني: «إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ … » إلى آخره، وتُعقِّبَ: بأنَّ التَّسوية ليست على عمومها، وإنَّما هي في أصل دخول الجنَّة لا في تفاوت الدَّرجات كما مرَّ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي: بشِّرهم بدخول الجنَّة بالإيمان والصَّوم والصَّلاة ولا تكتفِ بذلك، بل زد (٢) على تلك البشارة بشارةً أخرى، وهي الفوز بدرجات الشُّهداء فضلًا من الله، ولا تقنعْ بذلك أيضًا، بل بشِّرهم بالفردوس الَّذي هو أعلى، وتعقَّبه في «فتح الباري»، فقال: لو لم يرد الحديث إلَّا كما وقع هنا لكان ما قال متَّجهًا، لكنْ ورد في الحديث زيادةٌ دلَّت على (٣) أنَّ قوله: «إنَّ (٤) في الجنَّة مئة درجةٍ» تعليلٌ لتلك البشارة المذكورة، فعند التِّرمذيِّ من رواية معاذٍ: قلت: يا رسول الله، ألا أخبر النَّاس؟ قال: «ذرِ النَّاس يعملون فإن في الجنَّة مئة درجةٍ» فظهر أنَّ المراد: لا تبشِّر النَّاس بما ذكرته من دخول الجنَّة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك، ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدَّرجات الَّتي تحصل بالجهاد، وهذه هي النُّكتة في قوله: «أعدَّها الله للمجاهدين» وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ قوله: «لكن وردت في الحديث زيادةٌ … » إلى (٥) آخره، غيرُ مسلَّمٍ، لأنَّ الزِّيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبلٍ، وكلام الطِّيبيِّ وغيره في حديث أبي هريرة، وكلُّ واحد من الحديثين مستقلٌّ بذاته والرَّاوي مختلف، فكيف يكون ما في حديث معاذٍ تعليلًا لما في حديث أبي هريرة، على (٦) أنَّ حديث معاذٍ لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه، فإنَّ عطاء بن يسار لم يدرك معاذًا. انتهى. وهذا الَّذي قاله العينيُّ ليس مانعًا ممَّا ذكره
стр. 5770
الحافظ ابن حجرٍ، فالحديث يبيِّن بعضه بعضًا، وإن تباينت طرقه، واختلفت مخارجه ورواته على ما لا يخفى (فَإِنْ (١) سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ) أي: أفضلها (وَأَعْلَى الجَنَّةِ) يعني: أرفعها. وقال ابن حيَّان (٢): المراد بالأوسط: السَّعة، وبالأعلى: الفوقيَّة. قال يحيى بن صالحٍ شيخُ البخاريِّ: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) بفتح القاف، قيل: وقيَّده الأصيليُّ بضمِّها، ولم يصحِّحه ابن قُرْقُول، بل قال: إنَّه وهمٌ عليه. قال في «المصابيح»: ووجهه: أنَّ «فوق» من الظُّروف الملازمة للظَّرفيَّة، فلا تُستَعمل غير منصوبةٍ أصلًا، والضَّمير المضاف إليه «فوق» ظاهرُ التَّركيب عوده إلى الفردوس، وقال السَّفاقسيُّ: راجعٌ إلى الجنَّة كلِّها. قال في «المصابيح»: والتَّذكير حينئذٍ باعتبار كون الجنَّة مكانًا، وإلَّا فمقتضى الظَّاهر على ذلك أن يقال: وفوقها (وَمِنْهُ) أي: من الفردوس (تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ) الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] وأصل «تفجَّر»: تتفجَّر -فحُذِفَت إحدى التَّاءين تخفيفًا- وقيل: الفردوس مُستَنزه أهل الجنَّة، وفي التِّرمذيِّ: هو ربوة الجنَّة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٣]، والتِّرمذيُّ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) فيما وصله في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٣] (عَنْ أَبِيهِ) فليحٍ: (وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) فلم يشكَّ كما شكَّ يحيى بن صالحٍ، حيث قال: «أُراه».
٢٧٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن حازمٍ قال:
стр. 5771
(حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عِمران بن مِلْحان العطارديُّ البصريُّ (عَنْ سَمُرَةَ) أي: ابن جُنَدَُبٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ) أي: ملكين، وهما جبريل وميكائيل (أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأدخلاني» (دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) أي: من الأولى المذكورة في هذا (١) الحديث المسوق مطوَّلًا في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] حيث قال: «وأدخلاني دارًا لم أرَ قطُّ أحسن منها، فيها رجالٌ وشيوخٌ وشبابٌ ونساءٌ وصبيانٌ، ثمَّ أخرجاني منها، فصَعِدا بي الشَّجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل» (لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا) أي: الملكان، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال»: (أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) وهو يدلُّ على أنَّ منازل الشُّهداء أرفع المنازل.
(٥) (بابُ الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ) بفتح الغين المعجمة: المرَّة الواحدة من الغُدوِّ وهو الخروج في أيِّ وقتٍ كان من أوَّل النَّهار إلى انتصافه، والرَّوحة: بفتح الرَّاء، المرَّة الواحدة من الرَّواح، وهو الخروج في أيِّ وقتٍ كان من زوال الشَّمس إلى غروبها (وَقَابُِ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ) بجرِّ «قابِ» عطفًا على «الغدوةِ» المجرور (٢) بالإضافة، وبالرَّفع على الاستئناف ما بين الوتر والقوس، أو قدر طولها، أو ما بين السِّيَةِ والمقبض، أو قدر ذراع أو ذراع يُقاس به، فكأنَّ المعنى: بيان فضلِ قدر الذِّراع من الجنَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «في الجنَّة».
٢٧٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا،
стр. 5772
ابن خالدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) هو الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ) مبتدأٌ تخصَّص بالصِّفة، وهي قوله: «في سبيل الله»، والتَّقدير: لغدوةٌ كائنةٌ في سبيل الله، واللَّام في «لغدوةٌ» للتَّأكيد. وقال ابن حجر: للقسَمَ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «الغدوة في سبيل الله» (أَوْ رَوْحَةٌ) عطفٌ عليه و «أو» للتَّقسيم، أي: لخرجةٌ واحدةٌ في الجهاد من أوَّل النَّهار أو آخره (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أي: ثواب ذلك الزَّمن القليل في الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا وما اشتملت عليه، وكذا قوله: «لَقَابُ قوس أحدكم» [خ¦٢٧٩٣] أي: ما صغر في الجنَّة (١) من المواضع كلِّها بساتينها وأرضها، فأخبر أنَّ قصير الزَّمان وصغير المكان في الجنَّة خيرٌ من طويل الزَّمان وكبير (٢) المكان في الدُّنيا تزهيدًا وتصغيرًا لها وترغيبًا في الجهاد، فينبغي أن يغتبط صاحب الغدوة والرَّوحة بغدوته وروحته أكثر ممَّا يغتبط أن لو حصلت له الدُّنيا بحذافيرها نعيمًا محضًا غير محاسب عليه مع أنَّ هذا لا يُتَصَّور.
وهذا الحديث من هذا الوجه من أفراد البخاريِّ.
٢٧٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي- الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُلَيح، اسمه: عبد الملك بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريِّ، واسم أبي عمرة: عمرو بن محصن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَقَابُ قَوْسٍ) مبتدأٌ، واللَّام للتَّأكيد (فِي الجَنَّةِ) صفةٌ لـ «قاب (٣) قوس» (خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ) لا تدخل الجنَّة مع الدُّنيا تحت «أفضل» إلَّا كما يُقال: العسل أحلى من
стр. 5773
الخلِّ، والغدوة والرَّوحة في سبيل الله وثوابها خيرٌ من نعيم الدُّنيا كلِّها لو ملكها، وتصوَّر تنعُّمه بها كلِّها؛ لأنَّه (١) زائلٌ، ونعيم الآخرة باقٍ (وَقَالَ) ﷺ : (لَغَدْوَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «الغدوة» (أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ).
٢٧٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدني (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعدي (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الرَّوْحَةُ وَالغَدْوَةُ) ولمسلمٍ من طريق وكيعٍ عن سفيان: «غدوةٌ أو روحةٌ» (فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وهو معنى «تطلع عليه الشَّمس وتغرب» وقد يقال: إنَّ بينهما تفاوتًا، فإنَّ حديث: «وما فيها» يشمل ما تحت طباقها ممَّا أودعه الله تعالى فيها (٢) من الكنوز وغيرها، وحديث: «ما طلعت عليه الشَّمس وغربت» يشمل ما تطلع وتغرب عليه من بعض السَّموات لأنَّها في الرَّابعة أو السَّابعة على الخلاف، وللمتكلِّمين قولان في حقيقة الدُّنيا أحدهما: أنَّها ما على الأرض من الهواء والجوِّ، والثَّاني: أنَّها كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة، والحاصل من أحاديث هذا الباب أنَّ المراد تسهيل أمر الدُّنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأنَّ مَن حصل له من الجنَّة قدر سوطٍ، يصير كأنَّه حصل له أعظم من جميع ما في الدُّنيا، فكيف بمن حصل له منها أعلى الدَّرجات؟!
(٦) (بابُ) بيان (الحُوْرِ العِينِ وَ) بيان (صِفَتِهِنَّ) وسقط لفظ «باب» في رواية أبي ذرٍّ، وحينئذٍ فالثَّلاثة بالرَّفع، فـ «الحور» مبتدأٌ، و «العين» وصفٌ له، و «صفتُهنَّ» عطفٌ على المبتدأ، والخبر محذوفٌ،
стр. 5774
أي: صفتهنَّ ما نذكره، و «الحور»: بضمِّ الحاء وسكون الواو وتُحرَّك. قال في «القاموس»: أن يشتدَّ بياض بياض العين وسواد سوادها، وتستديرَ حدقتها وترقَّ جفونها ويبيضَّ ما حواليها، أو شدَّة بياضها وسوادها في شدة بياض الجسد، أو اسوداد العين كلِّها مثل الظِّباء، ولا يكون في بني آدم بل يُستعار لها، و «العِين» بكسر العين: جمع عَيناء (يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ) أي: يتحيَّر فيها البصر (١) لحسنها (شَدِيدَةُ سَوَادِ العَيْنِ، شَدِيدَةُ بَيَاضِ العَيْنِ) كأنَّه يريد تفسير «العِين» -بالكسر- وبه قال أبو عبيدة. وقال في «القاموس»: وعَيِنَ كفَرِحَ عَينًا وعِينة بالكسر، عِظَمُ سواد عينه في سَعَةٍ فهو أَعْيَنُ (﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ﴾ [الطور: ٢٠]) أي: (أَنْكَحْنَاهُمْ) قاله أبو عبيدة، وسقط لغير أبي (٢) ذرٍّ «﴿بِحُورٍ﴾».
٢٧٩٥ - ٢٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، الأزديُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ) صفةٌ لـ «عبد» (لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ) أي: ثوابٌ، والجملة صفةٌ أخرى (يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا) أي: رجوعه، فـ «أنْ» مصدريَّةٌ، والجملة وقعت صفةً لقوله: «خيرٌ» (وَأَنَّ لَهُ
стр. 5775
الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) بفتح الهمزة عطفًا على «أنْ يرجعَ» ويجوز الكسر على أن تكون جملةً حاليَّةً (إِلَّا الشَّهِيدُ) مستثنى من قوله: «يسرُّه أن يرجعَ» (لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) بكسر اللَّام التَّعليليَّة (فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى) «فيُقْتَلَ»: بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول، منصوبٌ عطفًا على «أنْ يرجعَ». (وَسَمِعْتُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال» أي: حُمَيد الطَّويل: «وسمعت» (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ) بفتح الرَّاء والغين (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ) قال: والشَّكُّ من الرَّاوي (مَوْضِعُ قِيدٍ) بكسر القاف وسكون التَّحتيَّة، دون إضافةٍ (١) مع التَّنوين الَّذي هو عوضٌ عن (٢) المضاف إليه (يَعْنِي: سَوْطَهُ) تفسيرٌ للقيد، غير معروفٍ (٣)، ومن ثمَّ جزم بعضهم: بأنَّ الصَّواب: «قِدٍّ» بكسر القاف وتشديد الدَّال، وهو السَّوط المتَّخَذ من الجلد، وأنَّ زيادة الياء تصحيفٌ. وأما قول الكِرمانيِّ: إنَّه لا تصحيف فيه، وإنَّ المعنى صحيحٌ، وإنَّ غاية ما فيه أن يُقال: قلب إحدى الدَّالين ياء، وذلك كثيرٌ، فتعقَّبه العينيُّ، فقال: نفيه التَّصحيف غير صحيحٍ، وتعليله لما ادَّعاه تعليلُ مَن ليس له وقوفٌ على علم الصَّرف؛ وذلك أنَّ قلب أحد الحرفين المتماثلين ياء إنَّما يجوز إذا أُمِنَ اللَّبس، ولا لبسَ أشدّ من ذلك؛ إذ القيد بالياء: المقدار، والقدُّ بالتشديد: السَّوط المتَّخَذ من الجلد، وبينهما بَوٌن عظيمٌ، وعبَّر بموضع: «سوطٍ» لأنَّه الَّذي يسوق به الفرس للزَّحف، فهو أقلُّ آلات المجاهد ومع كونه تافهًا في الدُّنيا، فمحلُّه في الجنَّة أو ثواب العمل به أو نحوه عظيمٌ بحيث إنَّه (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وهو من تنزيل المغيَّب منزلة المحسوس، وإلَّا فليس شيءٌ من الآخرة بينه وبين الدُّنيا توازنٌ حتَّى يقع فيه التَّفاضل،
стр. 5776
أو المراد: أنَّ إنفاق الدُّنيا وما فيها لا يوازن ثوابه ثواب هذا، فيكون التَّوازن بين ثوابي عملين، فليس فيه تمثيل الباقي بالفاني (١) (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ) بتشديد الطَّاء المفتوحة وفتح اللَّام (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أي: بين السَّماء والأرض (وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا) وعن ابن عبَّاسٍ فيما ذكره ابن الملقِّن في «شرحه»: خُلِقَت الحوراء (٢) من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزَّعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأذفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها من الكافور الأبيض (وَلَنَصِيْفُهَا) بفتح لام التَّأكيد والنُّون وكسر الصَّاد المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالفاء، أي: خمارها (عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وعند الطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ مرفوعًا للنَّبيِّ ﷺ عن جبريل: «لو أنَّ بعض بنانها بدا لغلبَ ضوؤُه ضوءَ (٣) الشَّمس والقمر، ولو أنَّ طاقةً من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها … » الحديث.
(٧) (بابُ (٤) تَمَنِّي الشَّهَادَةِ).
٢٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (٥) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بسكون الفاء، قال
стр. 5777
عياضٌ: واليد هنا الملك والقدرة (لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ) بالزَّاي، ولأبي ذَرٍّ: «تغدو» بالدَّال المهملة بدل الزَّاي من الغُدُوِّ، وفي روايةِ أبي زُرْعة بن عمرو في «باب الجهاد من الإيمان» [خ¦٣٦] «لولا أن أشقَّ على أمَّتي» ورواية الباب تفسِّر المراد بالمشقَّة المذكورة، وهي أنَّ نفوسهم لا تطيب بالتَّخلُّف، ولا يقدرون على التَّأهُّب لعجزهم عن آلة السَّفر من مركوبٍ وغيره، وتعذُّر وجوده عند النَّبيِّ ﷺ ، وصُرِّحَ بذلك في رواية هَمَّام عند مسلمٍ، ولفظه: «ولكن لا أجد سَعةً أحملهم، ولا يجدون سعَةً فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي». قاله في «الفتح» (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ) بفتح اللَّام والواو وكسر الدَّال الأولى وتسكين الثَّانية (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَا) بضمِّ الهمزة على البناء للمفعول (ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) بتكرير «ثمَّ» ستَّ مراتٍ. قال الطِّيبيُّ: «ثمَّ» وإن دلَّ على التَّراخي في الزَّمان، لكنَّ الحمل على التَّراخي في الرُّتبة هو الوجه، لأنَّ المتمنَّى حصول درجاتٍ بعد القتل، والإحياء لم يحصل قبل، ومن ثمَّ كرَّرها لنيل مرتبةٍ بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، ولأبي ذرٍّ: «فأقتل» بالفاء في الثَّلاثة عوض «ثمَّ» وقال في «الفتح»: ثمَّ إنَّ النُّكتة في إيراد هذه عقب تلك إرادةُ تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، فكأنَّه قال: الوجه الَّذي تسيرون إليه فيه من الفضل ما أتمنَّى لأجله أن أُقتَل مرَّاتٍ، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. واستُشكِل هذا التَّمنِّي منه ﵊ مع علمه بأنه لا يُقتَل. وأُجيبَ: بأنَّ تمنِّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فكأنَّه ﵊ أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المؤمنين عليه.
٢٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ) بفتح الصَّاد المهملة وتشديد الفاء وبعد
стр. 5778
الألف راءٌ، الكوفيُّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن أرسل سريَّةً إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمانٍ، واستعمل عليهم زيدًا، وقال: «إن أُصيبَ زيدٌ فجعفر بن أبي طالبٍ على النَّاس، فإن أصيب جعفرٌ فعبد الله بن رواحة» فاقتتلوا مع الكفَّار، فأصيب زيدٌ (فَقَالَ) ﵊: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ) أي: قُتِلَ (ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ (١) غَيْرِ إِمْرَةٍ) بكسر الهمزة وسكون الميم، أي: من غير أن يؤمِّره أحدٌ، لكنَّه (٢) لما رأى المصلحة في ذلك فعله (فَفُتِحَ لَهُ) بضمِّ الفاء الثَّانية (وَقَالَ) ﵊: (مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ) أي: الَّذين أصيبوا (عِنْدَنَا) وإنَّما قال ﵊ ذلك لعلمه بما صاروا إليه من الكرامة (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ: (أَوْ قَالَ) ﵊: (مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا) لتحقُّقهم خيريَّة ما حصلوا عليه من السَّعادة العظمى والدَّرجة العليا، قال ذلك (وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بفتح الفوقيَّة وسكون الذَّال المعجمة وكسر الرَّاء: تسيلان دمعًا على فراقهم، أو رحمةً لما خلَّفوه من عيالٍ وأطفالٍ يحزنون (٣) لفراقهم، ولا يعرفون مقدار عاقبتهم وما لهم عند الله تعالى، والجملة حاليَّةٌ.
(٨) (بابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ) عطفٌ على «يصرع» وعَطْف الماضي على المضارع قليلٌ، وكان الأصل أن يقول: من صُرِعَ فمات، أو من يُصرعْ فيمتْ، وسقط للنَّسفيِّ لفظ «فمات»، وجواب الشَّرط قوله: (فَهُوَ مِنْهُمْ) أي: من (٤) المجاهدين (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)
стр. 5779
بالجرِّ عطفًا على «فضلِ»، ولأبي ذرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾) بقتلٍ أو وقوعٍ من دابَّةٍ أو غير ذلك (﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]) (﴿وَقَعَ﴾) أي: (وَجَبَ) هذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز»، وسقط قوله «﴿وَقَعَ﴾: وجب» للمُستملي، وروى الطَّبريُّ أنَّ الآية نزلت في رجلٍ مسلمٍ كان مقيمًا بمكَّة، فلمَّا سمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] قال لأهله وهو مريض: أخرجوني إلى جهة المدينة، فأخرجوه فمات في الطَّريق، فنزلت، واسمه: ضمرة على الصَّحيح.
٢٧٩٩ - ٢٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ) بفتح الحاء والرَّاء المهملتين (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام، بعدها حاءٌ مهملةٌ أنَّها (قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) حال كونه (يَتَبَسَّمُ) وفي روايةِ مالكٍ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنسٍ في «باب الدُّعاء بالجهاد» [خ¦٢٧٨٨] وهو يضحك (فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: أُنَاسٌ (٢) مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ) قال الزَّركشيُّ وتبعه الدَّمامينيُّ: قيل: المراد: الأسود، وقال الكِرمانيُّ: «الأخضر» صفةٌ لازمةٌ للبحر لا مخصِّصةٌ؛ إذ كلُّ البحار خضرٌ. فإن قلتَ: الماء بسيطٌ لا لون له.
стр. 5780
قلتُ: تُتوهَّم الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه. انتهى. (كَالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ) في الدُّنيا أو في الجنَّة (قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ) ﵊ (الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا) أي: من التبسُّم (فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا) أي: ما أضحكك؟ (فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا) أي: مثل الأولى من العرض، لكن قيل: إنَّ المعروضين راكبو البرِّ (فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) أي: الَّذين يركبون البحر الأخضر (فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) حال كونه (غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان في خلافة عثمان ﵃ (فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ) ولأبي ذرٍّ: «من غزوتهم» بزيادة تاء التَّأنيث (قَافِلِينَ) أي: راجعين (فَنَزَلُوا الشَّامَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ) والفاء في «فصرعتها» فصيحةٌ، أي: فركبتها فصرعتها.
وهذا الحديث قد (١) سبق في «باب الدُّعاء بالجهاد» [خ¦٢٧٨٨].
(٩) (بابُ) فضل (مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللهِ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه وآخره موحَّدةٌ، أي: من أُدْمِيَ عضوٌ منه أو أعمُّ، وفي بعض النُّسخ: «تُنكَب» على وزن «تُفْعَل».
٢٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبالضَّاد