← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

أو المراد: أنَّ إنفاق الدُّنيا وما فيها لا يوازن ثوابه ثواب هذا، فيكون التَّوازن بين ثوابي عملين، فليس فيه تمثيل الباقي بالفاني (١) (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ) بتشديد الطَّاء المفتوحة وفتح اللَّام (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أي: بين السَّماء والأرض (وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا) وعن ابن عبَّاسٍ فيما ذكره ابن الملقِّن في «شرحه»: خُلِقَت الحوراء (٢) من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزَّعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأذفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها من الكافور الأبيض (وَلَنَصِيْفُهَا) بفتح لام التَّأكيد والنُّون وكسر الصَّاد المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالفاء، أي: خمارها (عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وعند الطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ مرفوعًا للنَّبيِّ ﷺ عن جبريل: «لو أنَّ بعض بنانها بدا لغلبَ ضوؤُه ضوءَ (٣) الشَّمس والقمر، ولو أنَّ طاقةً من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها … » الحديث. (٧) (بابُ (٤) تَمَنِّي الشَّهَادَةِ). ٢٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (٥) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بسكون الفاء، قال

стр. 5777

عياضٌ: واليد هنا الملك والقدرة (لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ) بالزَّاي، ولأبي ذَرٍّ: «تغدو» بالدَّال المهملة بدل الزَّاي من الغُدُوِّ، وفي روايةِ أبي زُرْعة بن عمرو في «باب الجهاد من الإيمان» [خ¦٣٦] «لولا أن أشقَّ على أمَّتي» ورواية الباب تفسِّر المراد بالمشقَّة المذكورة، وهي أنَّ نفوسهم لا تطيب بالتَّخلُّف، ولا يقدرون على التَّأهُّب لعجزهم عن آلة السَّفر من مركوبٍ وغيره، وتعذُّر وجوده عند النَّبيِّ ﷺ ، وصُرِّحَ بذلك في رواية هَمَّام عند مسلمٍ، ولفظه: «ولكن لا أجد سَعةً أحملهم، ولا يجدون سعَةً فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي». قاله في «الفتح» (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ) بفتح اللَّام والواو وكسر الدَّال الأولى وتسكين الثَّانية (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَا) بضمِّ الهمزة على البناء للمفعول (ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) بتكرير «ثمَّ» ستَّ مراتٍ. قال الطِّيبيُّ: «ثمَّ» وإن دلَّ على التَّراخي في الزَّمان، لكنَّ الحمل على التَّراخي في الرُّتبة هو الوجه، لأنَّ المتمنَّى حصول درجاتٍ بعد القتل، والإحياء لم يحصل قبل، ومن ثمَّ كرَّرها لنيل مرتبةٍ بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، ولأبي ذرٍّ: «فأقتل» بالفاء في الثَّلاثة عوض «ثمَّ» وقال في «الفتح»: ثمَّ إنَّ النُّكتة في إيراد هذه عقب تلك إرادةُ تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، فكأنَّه قال: الوجه الَّذي تسيرون إليه فيه من الفضل ما أتمنَّى لأجله أن أُقتَل مرَّاتٍ، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. واستُشكِل هذا التَّمنِّي منه ﵊ مع علمه بأنه لا يُقتَل. وأُجيبَ: بأنَّ تمنِّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فكأنَّه ﵊ أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المؤمنين عليه. ٢٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ) بفتح الصَّاد المهملة وتشديد الفاء وبعد

стр. 5778

الألف راءٌ، الكوفيُّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن أرسل سريَّةً إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمانٍ، واستعمل عليهم زيدًا، وقال: «إن أُصيبَ زيدٌ فجعفر بن أبي طالبٍ على النَّاس، فإن أصيب جعفرٌ فعبد الله بن رواحة» فاقتتلوا مع الكفَّار، فأصيب زيدٌ (فَقَالَ) ﵊: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ) أي: قُتِلَ (ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ (١) غَيْرِ إِمْرَةٍ) بكسر الهمزة وسكون الميم، أي: من غير أن يؤمِّره أحدٌ، لكنَّه (٢) لما رأى المصلحة في ذلك فعله (فَفُتِحَ لَهُ) بضمِّ الفاء الثَّانية (وَقَالَ) ﵊: (مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ) أي: الَّذين أصيبوا (عِنْدَنَا) وإنَّما قال ﵊ ذلك لعلمه بما صاروا إليه من الكرامة (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ: (أَوْ قَالَ) ﵊: (مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا) لتحقُّقهم خيريَّة ما حصلوا عليه من السَّعادة العظمى والدَّرجة العليا، قال ذلك (وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بفتح الفوقيَّة وسكون الذَّال المعجمة وكسر الرَّاء: تسيلان دمعًا على فراقهم، أو رحمةً لما خلَّفوه من عيالٍ وأطفالٍ يحزنون (٣) لفراقهم، ولا يعرفون مقدار عاقبتهم وما لهم عند الله تعالى، والجملة حاليَّةٌ. (٨) (بابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ) عطفٌ على «يصرع» وعَطْف الماضي على المضارع قليلٌ، وكان الأصل أن يقول: من صُرِعَ فمات، أو من يُصرعْ فيمتْ، وسقط للنَّسفيِّ لفظ «فمات»، وجواب الشَّرط قوله: (فَهُوَ مِنْهُمْ) أي: من (٤) المجاهدين (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى)

стр. 5779

بالجرِّ عطفًا على «فضلِ»، ولأبي ذرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾) بقتلٍ أو وقوعٍ من دابَّةٍ أو غير ذلك (﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]) (﴿وَقَعَ﴾) أي: (وَجَبَ) هذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز»، وسقط قوله «﴿وَقَعَ﴾: وجب» للمُستملي، وروى الطَّبريُّ أنَّ الآية نزلت في رجلٍ مسلمٍ كان مقيمًا بمكَّة، فلمَّا سمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] قال لأهله وهو مريض: أخرجوني إلى جهة المدينة، فأخرجوه فمات في الطَّريق، فنزلت، واسمه: ضمرة على الصَّحيح. ٢٧٩٩ - ٢٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ) بفتح الحاء والرَّاء المهملتين (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام، بعدها حاءٌ مهملةٌ أنَّها (قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) حال كونه (يَتَبَسَّمُ) وفي روايةِ مالكٍ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنسٍ في «باب الدُّعاء بالجهاد» [خ¦٢٧٨٨] وهو يضحك (فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: أُنَاسٌ (٢) مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ) قال الزَّركشيُّ وتبعه الدَّمامينيُّ: قيل: المراد: الأسود، وقال الكِرمانيُّ: «الأخضر» صفةٌ لازمةٌ للبحر لا مخصِّصةٌ؛ إذ كلُّ البحار خضرٌ. فإن قلتَ: الماء بسيطٌ لا لون له.

стр. 5780

قلتُ: تُتوهَّم الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه. انتهى. (كَالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ) في الدُّنيا أو في الجنَّة (قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ) ﵊ (الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا) أي: من التبسُّم (فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا) أي: ما أضحكك؟ (فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا) أي: مثل الأولى من العرض، لكن قيل: إنَّ المعروضين راكبو البرِّ (فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) أي: الَّذين يركبون البحر الأخضر (فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) حال كونه (غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان في خلافة عثمان ﵃ (فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ) ولأبي ذرٍّ: «من غزوتهم» بزيادة تاء التَّأنيث (قَافِلِينَ) أي: راجعين (فَنَزَلُوا الشَّامَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ) والفاء في «فصرعتها» فصيحةٌ، أي: فركبتها فصرعتها. وهذا الحديث قد (١) سبق في «باب الدُّعاء بالجهاد» [خ¦٢٧٨٨]. (٩) (بابُ) فضل (مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللهِ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه وآخره موحَّدةٌ، أي: من أُدْمِيَ عضوٌ منه أو أعمُّ، وفي بعض النُّسخ: «تُنكَب» على وزن «تُفْعَل». ٢٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبالضَّاد

стр. 5781

المعجمة، نسبةً إلى حوض داود محلَّةٌ ببغداد، وسقط «الحوضيُّ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى البصريُّ (عَنْ إِسْحَاقَ) بن عبد الله بن أبي طلحة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ (١)) وهم المشهورون بالقرَّاء؛ لأنَّهم كانوا أكثر قراءةً من غيرهم، و «سُلَيْم» بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة، وقد وَهَّمَ الدِّمياطيُّ هذه الرِّواية: بأنَّ بني سُلَيْم مبعوثٌ إليهم، والمبعوث هم القرَّاء، وهم من الأنصار، وقال ابن حجرٍ: التَّحقيق أنَّ المبعوث إليهم بنو عامر، وأمَا بنو سُلَيْم فغدروا بالقُرَّاء المذكورين، والوهم في هذا السِّياق من حفص بن عمر شيخ البخاريِّ، فقد أخرجه هو في «المغازي» [خ¦٤٠٩١] عن موسى بن إسماعيل عن همَّام، فقال: بعث أخًا لأمِّ سُلَيْمٍ في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطُّفَيل … الحديث. فلعلَّ الأصل: بعث أقوامًا معهم أخو أمِّ سُلَيْمٍ إلى بني عامرٍ فصارت من بني سُلَيم (فَلَمَّا قَدِمُوا) بئر معونة (قَالَ لَهُمْ خَالِي) حَرَام بن مِلْحان: (أَتَقَدَّمُكُمْ) أي: إلى بني سُلَيم أو عامرٍ (٢) (فَإِنْ أَمَّنُونِي) بتشديد الميم (حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد اللَّام المكسورة (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه يدعوهم إلى الإيمان (وَإِلَّا) أي: وإن (٣) لم يؤمِّنوني (كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ) إليهم (فَأَمَّنُوهُ فَبَيْنَمَا) بالميم هو (يُحَدِّثُهُمْ) أي: يحدِّث بني سُلَيم (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَؤُوا) جواب «بينما» أي: أشاروا، وفي روايةٍ: «أُومِئَ» بضمِّ الهمزة وكسر الميم، أي: أُشِيرَ (إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) هو عامر بن الطُّفيل (فَطَعَنَهُ) برُمْحٍ (٤) (فَأَنْفَذَهُ) بالفاء والذَّال المعجمة، في جنبه حتَّى خرج من الشِّقِّ الآخر (فَقَالَ) أي: حرام المطعون: (اللهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ) بالشَّهادة (وَرَبِّ الكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب حرام (فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا رَجُلًا أَعْرَجَ) بالنَّصب، وهذا الرَّجل هو (٥) كعب بن يزيد الأنصاري، وهو من بني أميَّة كما عند الإسماعيليِّ، ولأبي ذرٍّ: «رجلٌ أعرجُ» بالرَّفع، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها يُكتَب بدون ألفٍ

стр. 5782

على اللُّغة الرَّبيعيَّة (صَعِدَ الجَبَلَ، قَالَ هَمَّامٌ) الرَّاوي: (فَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة بعد الفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأراه» بالواو، أي (١): أظنُّه (٢) (آخَرَ مَعَهُ) هو عمرو بن أميَّة الضَّمريُّ (فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ فَكُنَّا نَقْرَأُ) أي في جملة القرآن (أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ) لفظه (بَعْدُ) من التِّلاوة، وههنا تنبيهٌ وهو: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسَّها المحدِث ويقرأها الجُنُب؟ قال الآمديُّ: تردَّد فيه الأصوليُّون، والأشبه المنعُ من ذلك، وكلام السُّهيليِّ يقتضي خلاف ذلك، فإنَّه قال: إنَّ هذا المذكور ليس عليه رونق (٣) الإعجاز، ويقال: إنَّه لم ينزل بهذا النَّظم، ولكن بنظمٍ معجزٍ كنظم القرآن، فإن قيل: إنَّه خبرٌ فلا ينسخ. قلنا: لم يُنسَخ منه الخبر، وإنَّما نُسِخَ منه الحكم، فإنَّ حكم القرآن يُتلَى في الصَّلاة، وألَّا يمسَّه إلَّا طاهرٌ، وأن يُكتَب بين الدُّفتين، وأن يكون تعلُّمه فرض كفايةٍ، وكلُّ ما نُسِخَ رُفِعَت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظًا فهو منسوخٌ، فإن تضمَّن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولًا به. انتهى. وزاد ابن جريرٍ من طريق عُمَر بن يونس (٤)، عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنسٍ: وأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (فَدَعَا عَلَيْهِمْ) ﷺ (أَرْبَعِينَ صَبَاحًا) في القنوت (عَلَى رِعْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون العين المهملة، آخره لامٌ مجرورٌ، بدلٌ من «عليهم» بإعادة العامل، و «رعلٍ» هم بطنٌ من بني سُلَيم (وَذَكْوَانَ) بفتح المعجمة وسكون الكاف (وَبَنِي لِحْيَانَ) بكسر اللَّام وسكون الحاء المهملة (وَبَنِي عُصَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح الصَّاد المهملتين

стр. 5783

وتشديد الياء (١) التَّحتيَّة (الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ¬) وسيأتي في أواخر «الجهاد» [خ¦٣١٧٠] إن شاء الله تعالى: أنَّه دعا على أحياء من بني سُلَيم، حيث قتلوا القرَّاء. قال في «الفتح»: وهو أصرح في المقصود. ٢٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن قيسٍ» (عَنْ جُنْدَُبِ ابْنِ سُفْيَانَ) بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها، ابن عبد الله بن سفيان ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ) أي: أمكنة الشَّهادة، قيل: كان في غزوة أُحُد (وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ) بفتح الدَّال، أي: جُرِحَت أصبعه، فظهر (٢) منها (٣) الدَّم (فَقَالَ) مخاطبًا لها لمَّا توجَّعت على سبيل الاستعارة أو حقيقةً على سبيل المعجزة تسليةً لها: (هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ) بفتح الدَّال وسكون التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، صفةٌ للأصبع، والمستثنى فيه أعمُّ عام الصِّفة، أي: ما أنت بأصبعٍ موصوفةٍ بشيءٍ إلَّا بأن دَميتِ، فتثبَّتي، فإنَّكِ ما ابتُلِيتِ بشيءٍ من الهلاك والقطع إلَّا أنَّك دميتِ، ولم يكن ذلك هدرًا (وَ) لكنَّه (فِي سَبِيلِ اللهِ) ورضاه (مَا لَقِيتِ) بسكون التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «دميتْ» «لقيتْ» بسكون الفوقيَّة، وهذا ممَّا تعلَّق به الملحدون في الطَّعن، فقالوا: هذا شعرٌ نطق به، والقرآن ينفي عنه أن يكون شاعرًا. وأجيب: بأنَّه رجزٌ، والرَّجز ليس بشعرٍ على مذهب الأخفش، وإنَّما يقال لصاحبه: فلانٌ الرَّاجز، لا الشَّاعر؛ إذ الشِّعر

стр. 5784

لا يكون إلَّا بيتًا تامًّا مقفًّى على أحد أنواع العَروض المشهورة، وبأنَّ الشِّعر لا بدَّ فيه من قصد ذلك، فما لم يكن مصدره عن نيَّةٍ له ورويَّةٍ (١) فيه، وإنَّما هو اتِّفاق كلامٍ يقع موزونًا ليس منه، فالمنفيُّ صنعة الشاعريَّة لا غير. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٤٦]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». (١٠) (بابُ) فضل (مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم. ٢٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بقدرته أو في ملكه (لَا يُكْلَمُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الكاف وفتح اللَّام، أي: لا يُجرَح (أَحَدٌ) مسلمٌ (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، ويشمل من جُرِحَ في ذات الله، وكلّ ما دافع فيه المرء بحقٍّ فأصيب فهو مجاهدٌ، كقتال البغاة وقُطَّاع الطَّريق وإقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعند مسلمٍ من طريق هَمَّام عن أبي هريرة: «كلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلمُ» (-وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ) يُجرَح (فِي سَبِيلِهِ-) جملةٌ معترضةٌ بين المستثنى منه والمستثنى، مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ لمعنى المعترض فيه، وتفخيم شأن من يُكلَم في سبيل الله، ومعناه -والله أعلم-: تعظيم شأن من يُكلَم في سبيل الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: والله أعلم بالشَّيء الَّذي وضعت وما عُلِّقَ به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميمًا للصِّيانة عن الرِّياء والسُّمعة، وتنبيهًا على الإخلاص في الغزو، وأنَّ الثَّواب المذكور إنَّما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة الله هي

стр. 5785

العليا (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ) جرحه يَثْعَبُ -بالمثلَّثة والعين المهملة- يجري دمًا (اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ) أي: كريح المسك؛ إذ ليس هو مِسكًا حقيقةً، بخلاف اللَّون لون الدَّم، فلا حاجة فيه لتقدير ذلك؛ لأنَّه دمٌ حقيقة (١) فليس له من أحكام الدُّنيا والصِّفات فيها إلَّا اللَّون فقط، وظاهر قوله في رواية مسلمٍ: «كلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلم» أنَّه لا فرق في ذلك بين أن يُستَشهَد، أو تبرأ جراحته، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الَّذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا مَن فارق الدُّنيا وجرحه كذلك، ويؤيِّده ما رواه ابن حبَّان في حديث معاذٍ: «عليه طابع الشُّهداء» والحكمة في بعثته كذلك: أن يكون معه شاهدُ فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله ، ولأصحاب السُّنن، وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث معاذ بن جبلٍ: «من جُرِحَ جرحًا في سبيل الله أو نُكب نكبةً، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزَّعفران، وريحها المسك». قال الحافظ ابن حجرٍ: وعُرِفَ بهذه الزِّيادة أنَّ الصِّفة المذكورة لا تختصُّ بالشَّهيد، بل هي حاصلةٌ لكلِّ من جُرِحَ كذا قال، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنَّه في قتال الكفَّار، فيدخل فيه من جُرِح في سبيل الله في قتال البغاة وقطَّاع الطَّريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البرِّ، واستشهد على ذلك بقوله ﵊: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ». لكن قال الوليُّ ابن العراقيِّ: قد يُتوقَّف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل لإشارة النبيِّ ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك بقوله: «والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله»، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجهَ الله، وإنَّما يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطَّبع لا بداعية الشَّرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأَيُّ بَذْلٍ بَذَلَ نفسه فيه لله حتَّى يستحقَّ هذا الفضل؟! وهذا الحديث أورده (٢) المؤلِّف في «باب ما يقع من النَّجاسات في السَّمن والماء» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٧] وسبق البحث في وجه ذكره ثَمَّ.

стр. 5786

(١١) (بابُ) ذكر (قَوْلِ اللهِ تعالى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾) تنتظرون بنا (﴿إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]) إلَّا إحدى العاقبتين اللَّتين كلٌّ منهما حسنى العواقب الفتح أو الشَّهادة، وسقط قوله «﴿قُلْ﴾» لغير أبي الوقت (وَالحَرْبُ سِجَالٌ) بكسر السِّين (١) المهملة وتخفيف الجيم، أي: تارةً وتارةً، ففي غلبة المسلمين يكون لهم الفتح، وفي غلبة المشركين يكون للمسلمين الشَّهادة. ٢٨٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبةً إلى جدِّه، واسم أبيه: عبد الله المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين من الأوَّل مصغَّرًا، ابن عُتبة بن مسعودٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) زاد أبو ذرٍّ: «ابن حربٍ» (أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الرَّاء وسكون القاف، آخره لامٌ: ملك الرُّوم الملقَّب بقيصر (قَالَ لَهُ) أي: لأبي سفيان: (سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) ﵊ بفصلِ ثاني الضَّميرَيْن، قيل: وهو أصوبُ مِن وصله، ونصَّ عليه الزَّمخشريُّ (فَزَعَمْتَ أَنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ وَدِوَلٌ) بكسر الدَّال، ولأبي ذرٍّ: «ودُوَلٌ» بضمِّها. قال القزَّاز: العرب تقول: الأيَّام دُولٌ، ودَولٌ، ودِولٌ، ثلاثُ لغاتٍ، فقيل: بالضمِّ: الاسم، وبالفتح: المصدر وفي «بدء الوحي» [خ¦٧] من طريق شُعيبٍ عن الزُّهريِّ: «الحرب بيننا

стр. 5787

وبينه سجالٌ، ينال منَّا وننال منه» (فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى) أي: تُختَبر (ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ). وهذه قطعةٌ من حديثٍ سبق في (١) أوائل الكتاب [خ¦٧]. (١٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾) مبتدأٌ، وخبره مقدَّمٌ (﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾) أوَّل ما خرجوا إلى أحُدٍ لا يولُّون الأدبار، وقال مقاتلٌ: ليلة العقبة من الثَّبات مع الرسول ﷺ ، والمقاتلة (٢) لإعلاء الدِّين، من: صدقني إذا قال لي الصِّدقَ، فإنَّ المعاهد إذا أوفى بعهده فقد صدق فيه (﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾) أي: نذره بأن قاتل حتَّى استُشهِدَ كأنس بن النَّضر وطلحة، والنَّحب: النَّذر، استُعيرَ للموت؛ لأنَّه كنذرٍ لازمٍ في رقبة كلِّ حيوانٍ

стр. 5788

(﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾) الشَّهادة كعثمان (﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾) العهد ولا غيَّروه (١) (﴿تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]) بل استمرُّوا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل المنافقين الَّذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] وقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولُّون الأدبار. ٢٨٠٥ - ٢٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (الخُزَاعِيُّ) بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الزَّاي وبالعين المهملة، البصريُّ الملقَّب بمَرْدُوْيَهْ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي، بالسِّين المهملة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا. حَدَّثَنَا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «قال: وحدَّثني» بالإفراد، وفي نسخةٍ: «ح» لتحويل السَّند: «وحدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، و «زُرَارَة»: بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاءَين بينهما ألفٌ، ابن واقدٍ الهلاليِّ قال: (حَدَّثَنَا زِيَادٌ) بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة، ابن عبد الله العامريُّ البكَّائيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي)

стр. 5789

بالإفراد (حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بالنُّون والضَّاد المعجمة (عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ) لأنَّ غزوة بدر هي أوَّل غزوةٍ غزاها رسول الله ﷺ ، وكانت في السَّنة الثَّانية من الهجرة (لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَنِي) أي: أحضرني (قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ) بنون التَّوكيد (١) الثَّقيلة واللَّام، جواب القسم المقدَّر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ليراني الله» بألفٍ بعد الرَّاء وتحتيَّةٍ بعد النُّون المكسورة المخفَّفة (مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) برفع «يومُ» على أنَّه فاعلٌ بـ «كان» التَّامة، وفي الفرع وأصله: «يَوْمَ» بالنَّصب أيضًا على الظَّرفيَّة، أي: يومَ قتال أحد، أو أطلق اليوم وأراد الواقعة (٢)، فهو إضمارٌ أو مجازٌ، قاله الكِرمانيُّ (وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «وانهزم الناس» وهو معنى انكشف (قَالَ) أنس بن النَّضر: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: أَصْحَابَهُ) المسلمين من الفرار (وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: المُشْرِكِينَ) من القتال، فاعتذر عن الأولياء، وتبرَّأ من (٣) الأعداء مع أنَّه لم يرضَ الأمرَين جميعًا (ثُمَّ تَقَدَّمَ) نحو المشركين (فَاسْتَقْبَلَهُ) أي: استقبل أنس بن النَّضر (سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) بضمِّ الميم، آخره ذالٌ معجمةٌ، وزاد في «مسند الطَّيالسيِّ» من طريقٍ ثابتٍ عن أنسٍ: «منهزمًا» (فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ) أريد (الجَنَّةَ، وَرَبِّ النَّضْرِ) أي: والده (إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا) أي: ريح الجنَّة حقيقةً، أو وجد ريحًا طيِّبة ذكَّره طيبها بطيب ريح الجنَّة (مِنْ دُونِ أُحُدٍ) أي: عنده (قَالَ سَعْدٌ) هو ابن معاذٍ: (فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ) من إقدامه ولا صنيعه في المشركين من القتل مع أنِّي شجاعٌ كامل القوَّة، ولا ما وقع له من الصَّبر بحيث وُجِدَ في جسده ما يزيد على الثَّمانين من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ كما (قَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ: (فَوَجَدْنَا بِهِ) أي: بابن النَّضر (بِضْعًا) بكسر الموحَّدة، وقد تُفتَح (وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ (٤) طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ) قال العينيُّ: وكلمة: «أَوْ» في الموضعين للتَّنويع، وفي رواية عبد الله بن بكر عن

стр. 5790

حميدٍ عند (١) الحارث بن أبي أسامة: قال أنسٌ: فوجدناه بين القتلى (وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ، وَقَدْ (٢) مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ) بفتح الميم وتشديد المثلَّثة من المُثْلَةِ (٣)، أي: قطعوا أعضاءه من أنفٍ وأذنٍ وغيرهما (فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ) بإصبعه أو بطرف إصبعه (قَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ: (كُنَّا نُرَى) بضمِّ النُّون (أَوْ نَظُنُّ) شكٌّ من الرَّاوي، وهما بمعنًى واحد (أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الأحزاب: ٢٣]. وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ) أي: أخت (٤) أنس بن النَّضر، وهي عمَّة أنس بن مالكٍ (وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ) زاد في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣] فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النَّبيَّ ﷺ (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن النَّضر المستشهد يوم أحد: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) قاله توقُّعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يُرضِيَ خصمها ليعفو عنها ابتغاء مرضاته (فَرَضُوا بِالأَرْشِ) عوضًا عن القصاص (وَتَرَكُوا القِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قَسَمِهِ، وهو ضدُّ الحنث، وقصَّة الرُّبيِّع هذه سبقت في «باب الصُّلح في الدِّية» من «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣]. ٢٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وحَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد وإسقاط واو العطف، وفي نسخةٍ: «ح» للتَّحويل، «وحدَّثني» بالإفراد والواو (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس

стр. 5791

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدٍ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) الأنصاريَّ (¬﵁¬) واللَّفظ لابن أبي عتيقٍ، ويأتي لفظ: شعيب -إن شاء الله تعالى- في سورة الأحزاب [خ¦٤٧٨٤] (قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ) بفتح القاف (آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ) وسقط لأبي ذرٍّ «سورة» (كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ (١) رَجُلَيْنِ) خصوصيَّةً له ﵁ لمَّا كلَّم ﵊ رجلًا في شيءٍ فأنكره، فقال خزيمة: أنا أشهد، فقال ﵊: «أتشهد ولم تستشهد»؟ فقال: نحن نصدِّقك على خبر السَّماء، فكيف بهذا؟! فأمضى شهادته وجعلها بشهادتين، وقال: «لا تعد» (وَهْوَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) واستُشكِل كونه أثبتها في المصحف بقول واحدٍ أو اثنين، إذ شرط كونه قرآنًا التَّواتر. وأُجيبَ: بأنَّه كان متوترًا عندهم، ولذا (٢) قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، وقد رُوِي أنَّ عمر ﵁ قال: أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ، وكذا عن أُبيِّ بن كعبٍ وهلال بن أميَّة، فهؤلاء جماعةٌ. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧٨٤] وفي «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٦]، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه (عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ القِتَالِ) وفي نسخةٍ: «بابُ عملٍ صالحٍ» بالإضافة (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُوَيمر بن مالكٍ الأنصاريُّ ممَّا ذكره الدِّينوريُّ في «المجالسة»:

стр. 5792

(إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ) أي: متلبِّسين بأعمالكم (وَقَوْلُهُ بالرَّفع أيضًا (١) عطفًا على المرفوع السَّابق: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾) كان المؤمنون يقولون: لو علمنا أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ﴾ [الصف: ٤] فكرهوا القتال، فوعظهم الله وأدَّبهم، فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾؟ (﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾) أي: عَظُم ذلك في البغض، وهذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه، قَصَدَ في ﴿كَبُرَ﴾ التَّعجُّب من غير لفظه، ومعنى التَّعجُّب: تعظيم الأمر في قلوب السَّامعين؛ لأنَّ التَّعجُّب لا يكون إلَّا من شيءٍ خارجٍ عن نظائره وأشكاله، وأُسنِدَ ﴿كَبُرَ﴾ إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسيره دلالةً على أنَّ قوله (٢): ﴿مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ مقتٌ خالصٌ لا شَوْب فيه، لفرط تمكُّن المقت منه، واختير لفظ المقت؛ لأنَّه أشدُّ البغض وأبلغه (﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾) أي: في طاعته (﴿صَفًّا﴾) صافِّين أنفسهم (﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤]) أي: كأنَّهم في تراصِّهم بنيانٌ رُصَّ بعضه إلى بعضٍ، والمراد: أنَّهم لا يزولون عن أماكنهم، ولفظ رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: «﴿مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾»: إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾»، فلم يذكر ما بينهما. قال ابن المُنَيِّر (٣): ومناسبة الآية للتَّرجمة فيها خفاءٌ، وكأنَّه (٤) من جهة أنَّ الله تعالى عاتب من قال إنَّه يفعل الخير ولم يفعله، وأثنى على من وَفَى وثبت عند القتال، أو من جهة أنَّه أنكر على من قدَّم على القتال قولًا غير مرضيٍّ، ومفهومه: ثبوت الفضل في تقديم الصِّدق والعزم الصَّحيح على

стр. 5793

الوفاء، وذلك من أصلح الأعمال، وقال الكِرمانيُّ: والمقصود من ذكر (١) هذه الآية ذكره: ﴿صَفًّا﴾ إذ هو عملٌ صالحٌ قبل القتال. ٢٨٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) المعروف بصاعقة قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف الموحَّدة، وبعد الألف موحَّدةٌ ثانيةٌ، و «سَوَّار»: بفتح السِّين المهملة وتشديد الواو، وبعد الألف راءٌ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمه، لكنَّه أنصاريٌّ أوسيٌّ من بني النَّبِيت -بنونٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ ففوقيةٍ- كما في «مسلم» ولولا ذلك لأمكن تفسيره بعمرو بن ثابت بن وَقَش -بفتح الواو والقاف، بعدها معجمةٌ- وهو المعروف بأُصَيرمِ بني عبد الأشهل، فإنَّ بني عبد الأشهل بطنٌ من الأنصار من الأوس وهم غير بني النَّبِيْت، ويمكن أن يُحمَل على أنَّ له في بني النَّبِيْت نسبةً، فإنَّهم إخوةُ بني عبد الأشهل، يجمعهم الانتساب إلى الأوس (مُقَنَّعٌ) بفتح القاف والنُّون المشدَّدة، أي: غطَّى وجهه (بِالحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أو أسلم» (قَالَ) ﵊: (أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ. فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول أجرًا (كَثِيرًا) بالمثلَّثة، وأخرج ابن إسحاق في «المغازي» بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه كان يقول: أخبروني عن رجلٍ دخل الجنَّة لم يصلِّ، ثم يقول: هو عمرو بن ثابتٍ. (١٤) (بابُ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ) بفتح الغين المعجمة وسكون الرَّاء، آخره موحَّدةٌ منونًا،

стр. 5794

كـ «سهم» صفة له، وقال أبو عبيد (١) وغيره: أي: لا يُعرف راميه أو لا يُعرف من أين أتى، أو جاء على غير قصدٍ من راميه، وعن أبي زيدٍ فيما حكاه الهرويُّ: إن جاء من حيث لا يُعرف (٢) فهو بالتَّنوين والإسكان، وإن عُرف راميه، لكن أصاب من لم يقصد فهو بالإضافة وفتح الرَّاء، وأنكر ابن قتيبة السُّكون، ونسبه لقول العامَّة، وجوَّز الفتح وإضافة «سهم» لـ «غرب». ٢٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله الذُّهليُّ، كما جزم به الكلاباذيُّ وتبعه غيره، وقد (٣) نسبه المؤلِّف إلى جدِّه قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين (أَبُو أَحْمَدَ) ابن بهرام التَّميميُّ المَرْوَزيُّ (٤) سكن بغداد قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة، أبو معاوية النَّحويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة المكسورة (بِنْتَ البَرَاءِ) بنصب «بنتَ» وتخفيف راء «البراء» (٥) وهذا وهمٌ، والصواب المعروف: أنَّ الرُّبيِّع بنت النَّضر بن ضمضم عمَّة أنس بن مالك بن النَّضر بن ضمضم، وقال ابن الأثير في «جامعه»: إنَّه الَّذي وقع في كتب «النَّسب» و «المغازي» و «أسماء الصَّحابة». قال ابن حجر: وليس هذا بقادحٍ في صحَّة

стр. 5795

الحديث ولا في ضبط رواته (وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ (١) سُرَاقَةَ) بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف الرَّاء والقاف، و «حارثة»: بالحاء المهملة والمثلَّثة، الأنصاريِّ (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ)؟ بضمِّ (٢) المثلَّثة من «تُحدِّثُني» (وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ) بتنوين «سهمٌ» و «غرْبٌ» مع سكون الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «غَرَبٌ» بفتح الرَّاء، قال ابن قتيبة: وهو الأجود، لكنَّه ذكره مع إضافة «سهم» لـ «غرب»، وقد مرَّ مع غيره أوَّلًا (فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ) قال ابن المُنَيِّر: إنَّما شكَّت فيه لأنَّ العدوَّ لم يقتله قصدًا، وكأنَّها فهمت أنَّ الشَّهيد هو الَّذي يقتل قصدًا؛ لأنَّه الأغلب، فنزَّلت الكلام على الغالب، حتَّى بيَّن لها الرَّسول العموم (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ) نقل الحافظ ابن حجر، وتبعه العينيُّ عن الخطَّابيِّ ما نصُّه: أقرَّها النَّبيُّ ﷺ على هذا، فيُؤخَذ منه الجواز، ثمَّ تعقَّباه: بأنَّ ذلك كان قبل تحريم النَّوح فلا دلالة فيه، فإنَّ تحريمه كان في غزوة أُحد، وهذه القصَّة كانت عقب غزوة بدر، وفي هذا نظرٌ لا يخفى، فإنَّها لم تقل: اجتهدت عليه في النَّوح، ولا يلزم من الاجتهاد في البكاء النَّوح، وليس فيما نقلاه عن الخطابيِّ ما يُفْهِمُ ذلك، بل قوله: «أقرّها على هذا» إشارةٌ إلى البكاء المذكور في الحديث، ولا ريب أنَّ البكاء على الميِّت قبل الدَّفن وبعده جائزٌ اتِّفاقًا، فليُتأمَّل. (قَالَ) ﵊: (يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ) أي: درجاتٌ (فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة، والضَّمير في قوله: «إنَّها» مبهمٌ يفسِّره ما بعده، كقولهم: هي العرب تقول ما تشاء، ويجوز أن يكون الضَّمير للشَّأن، و «جنانٌ»: مبتدأٌ، والتَّنكير فيه للتَّعظيم (٣)، والمراد بذلك: التَّفخيم والتَّعظيم. (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لأبي ذرٍّ.

стр. 5796

(١٥) (بابُ) فضل (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا). ٢٨١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، هو ابن مرَّة (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) هو لاحقُ بن ضُمَيرة الباهليُّ، كما عند أبي موسى المدينيّ في «الصَّحابة» (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ) بين النَّاس ويشتهر (١) بالشَّجاعة (وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى) بضمِّ الياء وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول (مَكَانُهُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، أي: مرتبته في الشَّجاعة، وفي (٢) رواية الأعمش عن أبي وائل الآتية -إن شاء الله تعالى- في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٨] «ويقاتل رِياءً» وزاد في رواية منصور عن أبي وائل السَّابقة في «العلم» [خ¦١٢٣] والأعمش [خ¦٧٤٥٨]: «ويقاتل حميَّة»، وفي رواية منصور [خ¦١٢٣] «ويقاتل غضبًا» فتحصَّل (٣) أنَّ أسباب القتال خمسة: طلب المغنم، وإظهار الشَّجاعة، والرِّياء، والحميَّة، والغضب (فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ) ﵊: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ) أي: كلمة التَّوحيد (هِيَ العُلْيَا) بضمِّ العين المهملة (فَهُوَ) المقاتل (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، لا طالب (٤) الغنيمة والشُّهرة، ولا مُظهِر (٥) الشَّجاعة ولا للحميَّة ولا للغضب، فلو أضاف إلى الأوَّل غيره أخلَّ بذلك. نعم، لو حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا لا يخلُّ، وقد روى أبو داود والنَّسائيُّ من حديث أبي أمامة بإسنادٍ جيِّدٍ قال: جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكر، ما له؟ قال: «لا شيءَ له». فأعادها ثلاثًا، كلُّ ذلك يقول:

стр. 5797

«لا شيء له». ثمَّ قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى لا يقبل (١) من العمل إلَّا ما كان له خالصًا وابتُغِي به وجهه». وقال ابن أبي جمرة: ذهب المحقِّقون إلى أنَّه إذا كان الباعث الأوَّل قصد إعلاء كلمة الله لم يضرَّه ما انضاف إليه. انتهى. وفي جوابه ﵊ بما ذُكر غاية البلاغة والإيجاز، فهو من جوامع كلمِهِ ﷺ ؛ لأنَّه لو أجابه: بأنَّ جميع ما ذكره ليس في سبيل الله؛ احتُمِل أن يكون ما عداه في سبيل الله وليس كذلك، فعدل إلى لفظٍ جامعٍ عدل به عن الجواب عن ماهيَّة القتال إلى حالة المقاتل، فتضمَّن الجواب وزيادة، وقد يفسَّر القتال للحميَّة بدفع المضرَّة، والقتال غضبًا بجلب المنفعة، والذي يرى منزلته، أي: في سبيل الله، فتناول ذلك المدح والذَّمَّ؛ فلذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنَّفي، قاله في «فتح الباري». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخُمُس» [خ¦٣١٢٦] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٨] وسبق في «العلم» في «باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا» [خ¦١٢٣]. (١٦) (بابُ) فضل (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) عند الاقتحام في المعارك لقتال الكفَّار، وخصَّ القدمين لكونهما العمدة في سائر الحركات (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: « » (﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾) ظاهره خبرٌ، ومعناه: نهيٌ (﴿وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ﴾) سكَّان البوادي من (٢) مُزَينة وجُهَينة وأَشْجَعَ وأَسْلَمَ وغِفَار (﴿أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ و﴾) إذا غزا (إِلَى قَوْلِهِ (٣): ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]) ولغير أبي ذرٍّ: «﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾» ومناسبة الآية للتَّرجمة كما قال ابن بطال: أن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا﴾ أي: أرضًا ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤهم إيَّاها، ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ

стр. 5798

عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ أي: لا يصيبون من عدوِّهم قتلًا أو أسرًا أو غنيمةً ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾، قال: ففسَّر ﷺ العمل الصَّالح: بأنَّ النَّار لا تمسُّ من عمل بذلك، قال: والمراد بسبيل الله جميعُ طاعاته. انتهى. وعن عَباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عَبْس (١) وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النَّار». رواه البخاريُّ [خ¦٩٠٧] وفيه استعمال اللَّفظ في عمومه، لكن المتبادر عند الإطلاق من لفظ «سبيل الله» الجهادُ. ٢٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور كما نسبه الأَصيليُّ، فيما ذكره الجيانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) بالخاء المعجمة (مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ) الصُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحِمْيريُّ قاضي دمشق (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) «يزيدُ» من الزِّيادة أبو عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ) بفتح عين «عَبَاية» وتخفيف الموحَّدة والتَّحتيَّة، و «رِفاعة»: بكسر الرَّاء وبالفاء وبعد الألف عينٌ مهملةٌ (بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بالفاء والعين المهملة، و «خَدِيج»: بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة جيمٌ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن رفاعة» وسقط لأبي ذرٍّ «ابن خَديج» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو عَبْسٍ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحَّدة، آخره راءٌ، وسقط «هو عبد الرَّحمن بن جبر» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما اغبرَّتا» بالتَّثنية، وهي (٢) لغةٌ، والأولى (٣) أفصح، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة: «ساعةً من نهارٍ» (فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ) بنصب «تمسَّه» أي: أنَّ المسَّ ينتفي بوجود الغبار المذكور، وإذا كان مسُّ الغبار قدميه دافعًا لمسِّ النَّار إيَّاه، فكيف إذا سعى بهما، واستفرغ جهده، فقاتل حتَّى قَتل وقُتل؟ وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النَّار».

стр. 5799

وحديث الباب قد سبق في «باب المشي إلى الجمعة» في «كتاب الجمعة» [خ¦٩٠٧]. (١٧) (بابُ) عدم كراهة (مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ النَّاسِ فِي السَّبِيلِ) كذا في عدَّة نسخ مقابلةٍ على «اليونينيَّة»، وفي بعض الأصول: «عن الرَّأس في سبيل الله»، وقيل: إنَّ التَّعبير بـ «النَّاس» تصحيفٌ. قال العينيُّ: ولا وجه لدعوى التَّصحيف، لأنَّه إذا لم يُكرَه مسح الغبار عن (١) رأس مَن هو في سبيل الله فكذلك مسح (٢) غيرها. ٢٨١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الصغير قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ لَهُ) أي: لعكرمة (وَلِعَلِيِّ) أي: ولابنه عليٍّ (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عبَّاس أبي الحسن العابد: (ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فأتيا» (وَهُوَ وَأَخُوهُ) أي: من الرَّضاعة، وليس لأبي سعيدٍ أخٌ شقيقٌ ولا أخٌ من أبيه ولا من أمِّه إلَّا قتادة بن النُّعمان، ولا يصحُّ أن يكون هو، فإنَّ عليَّ بن عبد الله بن عبَّاس وُلِدَ في آخر خلافة عليٍّ، ومات قتادة بن النُّعمان قبل ذلك في أواخر خلافة عمر (فِي حَائِطٍ) أي: بستانٍ (لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا) أبو سعيدٍ (جَاءَ) فأخذ رداءه (فَاحْتَبَى وَجَلَسَ، فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ) بفتح اللَّام وكسر الموحَّدة، طُوْبَهُ النِّيْء المتَّخذ لعمارته (لَبِنَةً لَبِنَةً) مرَّتين (وَكَانَ عَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ (يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ

стр. 5800

لَبِنَتَيْنِ) ذكرهما مرَّتين كـ «لبنةٍ» (فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ وَقَالَ: وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ) هم أهل الشَّام، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «تقتله الفئة الباغية»، وفي «البزَّار»: «أنَّ أبا سعيد (١)». هذا السَّاقط عند أبي ذرٍّ من أصحابه لا من النَّبيِّ ﷺ (عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ) أي: يدعو عمَّارٌ الفئةَ الباغيةَ؛ وهم أصحاب معاوية الَّذين قتلوه في وقعة صفِّين (إِلَى) طاعة (اللهِ) إذ طاعة عليٍّ الإمام إذ ذاك من طاعة الله، وقال ابن بطَّال: يريد -والله أعلم- أهل مكَّة الَّذين أخرجوا عمَّارًا من دياره وعذَّبوه في ذات الله، قال: ولا يمكن أن يُتأوَل ذلك على المسلمين لأنَّهم أجابوا دعوة الله تعالى، وإنَّما يُدعى إلى الله مَن كان خارجًا عن الإسلام (وَيَدْعُونَهُ) أي: الفئة الباغية أو أهل مكة (إِلَى) سبب (النَّارِ) لكنَّهم معذورون للتَّأويل الَّذي ظهر لهم؛ لأنَّهم كانوا مجتهدين ظانِّين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم النَّاشئة عن الاجتهاد، وإذا قلنا: المراد: أهل مكَّة، وإنَّهم دعَوه إلى الرُّجوع إلى الكفر، وإنَّ هذا (٢) كان أوَّل الإسلام فلِمَ (٣) قال: «يدعوهم» بلفظ المستقبل، فيكون قد عبَّر بالمستقبل موضع الماضي، كما يقع التَّعبير بالماضي موضع المستقبل؟ فمعنى «يدعوهم»: دعاهم إلى الله، فأشار ﵊ إلى ذكر هذا لمَّا تطابقت (٤) شدَّته في نقله لبِنَتَينِ لبِنَتينِ شدَّته في صبره بمكَّة على العذاب، تنبيهًا على فضيلته وثباته في أمر الله، قاله ابن بطَّالٍ. والأوَّل هو ظاهر السِّياق لا سيما مع قوله: «تقتله الفئة الباغية» ولا يصحُّ أن يقال: إنَّ مراده الخوارج الَّذين بعث عليٌّ عمَّارًا يدعوهم إلى الجماعة؛ لأنَّ الخوارج إنَّما خرجوا على عليٍّ بعد قتل عمَّارٍ بلا خلاف، فإنَّ ابتداء أمر الخوارج كان عقب التَّحكيم، وكان التَّحكيم عقب انتهاء القتال بصفِّين، وكان قتل عمَّار قبل ذلك قطعًا، لكن ابن بطَّال تأدَّب،

стр. 5801

حيث لم يتعرَّض لذكر صفِّين إبعادًا لأهلها عن نسبة البغي إليهم، وفيما تقدَّم من الاعتذار عنهم بكونهم مجتهدين، والمجتهد إذا أخطأ له أجر ما يكفي عن هذا التَّأويل البعيد. وهذا الحديث قد مرَّ في «باب التَّعاون في بناء المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٤٧]. (١٨) (بابُ) جواز (الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالغُبَارِ). ٢٨١٣ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) بغير نسبةٍ، ونسبه أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ فقال: «محمَّد بن سلَام» بتخفيف اللَّام، ابن الفرج السَّلميُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ) الَّذي حفره الصَّحابة، لمَّا تحزَّبت عليهم الأحزاب بالمدينة سنة أربعٍ أو سنة خمسٍ (وَوَضَعَ السِّلَاحَ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «السِّلاح» (وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ (٢) جِبْرِيلُ) ﵇ (وَ) الحال أنَّه (قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ) بتخفيف الصَّاد المهملة، أي: ركب على رأسه الغبار، وعلق به كالعصابة تحيط بالرَّأس (فَقَالَ) له: (وَضَعْتَ السِّلَاحَ فَوَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَيْنَ)؟ وفي «المغازي» [خ¦٤١١٧] من طريق عبد الله ابن أبي شيبة عن ابن نُميرٍ عن هشامٍ: والله ما وضعناه فاخرج إليهم، قال (٣): «فإلى أين»؟ (قَالَ: هَهُنَا، وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة وفتح الظَّاء المعجمة،

стр. 5802

قبيلةٌ من اليهود (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬): وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤١١٧] أيضًا. (١٩) (بابُ فَضْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) أي: فضل من ورد فيه قول الله تعالى، ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء﴾) أي: بل هم أحياء (﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾) ذوو زلفى منه (﴿يُرْزَقُونَ﴾) من الجنَّة (﴿فَرِحِينَ﴾) حالٌ من الضَّمير في ﴿يُرْزَقُونَ﴾ (﴿بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾) وهو شرفُ الشَّهادة والفوز بالحياة الأبديَّة، والقرب من الله تعالى والتَّمتُّع بنعيم الجنَّة (﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾) عطف على ﴿فَرِحِينَ﴾ أي: يُسَرُّون بالبشارة (﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾) أي: بإخوانهم المؤمنين الَّذين فارقوهم أحياء فيلحقوا بهم (﴿مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾) فيمن خلَّفوه (١) من ذرِّيَّتهم (﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) على ما خلَّفوا من أموالهم (﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾) قال القاضي: كرَّره للتَّوكيد، أو ليعلِّق (٢) به ما هو بيانٌ لقوله: ﴿أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (٣)﴾ ويجوز أن يكون الأوَّل بحال (٤) إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم (﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ﴾) ثوابٍ لأعمالهم (﴿وَفَضْلٍ﴾) زيادةٍ عليه، كقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وتنكيرهما للتَّعظيم (﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]) من جملة المستبشر به، عطف على ﴿فَضْلٍ﴾. وفي (٥) حديث ابن عبَّاس عند الإمام أحمد مرفوعًا: «الشُّهداء على بارق نهرٍ بباب الجنَّة في قبَّةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقهم بكرةً وعشيًّا» وقال سعيد بن جُبَير: لمَّا دخلوا الجنَّة ورأوا ما فيها من الكرامة للشُّهداء قالوا: يا ليت إخواننا الَّذين في الدُّنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال؛ باشروها (٦) بأنفسهم حتَّى يستشهدوا،

стр. 5803

فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأُخبر رسول الله (١) ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرَهُم أنِّي قد أَنْزَلْتُ على نبيِّكم، وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ … الآية، وسياق الآيتين الكريمتين ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ وكريمة، وقال في رواية أبي ذرٍّ: «﴿يُرْزَقُونَ﴾ إلى: ﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾». ٢٨١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن (٢) أبي أويس الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ) بفتح الميم وضمِّ العين المهملة، وبعد الواو السَّاكنة نونٌ، موضعٌ من جهة نجدٍ (ثَلَاثِينَ غَدَاةً، عَلَى رِعْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون العين المهملة، بدلٌ من «الَّذين قتلوا» بإعادة العامل (وَذَكْوَانَ) بالذَّال المعجمة (وَعُصَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح الصَّاد المهملة وتشديد التَّحتيَّة (عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ أَنَسٌ: أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ، قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ) لفظه (٣) (بَعْدُ، بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ) زاد عمر بن يونس، عن عكرمة، عن إسحاق ابن أبي طلحة عند ابن جريرٍ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وبهذه الزِّيادة تحصل المطابقة بين الحديث والآية. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٨٨] بأتمَّ من هذا، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».

стр. 5804

٢٨١٥ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار المكيِّ أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ) منهم والد جابرٍ (الخَمْرَ) أي: شربوها بالغداة (يَوْمَ أُحُدٍ) وكانت إذ ذاك مباحةً (ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ) والخمر في بطونهم، فلم يمنعهم ما كان في علم الله من تحريمها، ولا كونها في بطونهم من حكم الشَّهادة وفضلها؛ لأنَّ التَّحريم إنَّما يلزم بالنَّهي، وما كان قبل النَّهي فغير مخاطَبٍ به (فَقِيلَ لِسُفْيَانَ) ابن عيينة: (مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ) أي: في هذا الحديث، هذا اللَّفظ موجودٌ (قَالَ) سفيان: (لَيْسَ هَذَا فِيهِ). وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة، فقال ابن المُنَيِّر: عَسِرٌ جدًّا، إلَّا أن يكون مراده التَّنبيه على أن الخمر الَّتي شربوها لم تضرَّهم، لأنَّ الله أثنى عليهم بعد موتهم، ورفع عنهم الخوف والحزن، وما ذاك إِلَّا أنَّ الخمر كانت يومئذٍ مباحةً، ولا يتعلَّق التَّكليف بفعل المكلَّف باعتبار ما في علم الله تعالى، حتَّى يبلغه رسوله. انتهى. قال في «المصابيح» بعد ذكره لهذا: لم تحصل النَّفس على (١) شفاءٍ من مطابقة الحديث للتَّرجمة؛ لأنَّ هؤلاء الَّذين اصطبحوا، ثمَّ ماتوا وهي في بطونهم لم يفعلوا ما يُتوقَّع عليه (٢) عتابٌ ولا عقابٌ ضرورة أنَّها (٣) كانت مباحةً حينئذٍ، فهي كغيرها من مباحاتٍ صدرت منهم ذلك اليوم، فما الحكمة في تخصيص هذا المباح دون غيره. انتهى. وأجاب في «فتح الباري»: بإمكان أن يكون أورد الحديث للإشارة إلى أحد الأقوال في سبب نزول الآية المترجم (٤) بها، فقد روى التِّرمذيُّ من حديث جابرٍ أيضًا (٥): «إن الله تعالى لمَّا كلَّم والد جابرٍ، وتمنَّى أنَّه (٦) يرجع إلى الدُّنيا، ثمَّ قال: يا ربِّ بلِّغْ مَنْ ورائي (٧)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا (٨)﴾ الآية» [آل عمران: ١٦٩].

стр. 5805

وحديث الباب قد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٤٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦١٨]. (٢٠) (بابُ ظِلِّ المَلَائِكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ). ٢٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «محمَّد» (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ (يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي) عبدِ الله، أي: يوم وقعة أحدٍ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ) بضمِّ الميم وتشديد المثلَّثة المكسورة، أي: جُدِعَ أنفه وأذنه أو شيءٌ من أطرافه (وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ) الثَّوب (فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ) ﵊ (صَوْتَ) امرأةٍ (صَائِحَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيّ: «صوت نائحة» زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٩٣] فقال: «من هذه؟» (فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو) فاطمةُ، أخت المقتول، عمَّة جابر (أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) عمَّة المقتول عبد الله، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقَالَ) ﵊: (لِمَ تَبْكِي؟) بكسر اللام وفتح الميم، أي: لِمَ تبكي هي؟ فالخطاب لغيرها، وإلَّا فلو كان مخاطبًا لها لقال: لِمَ تبكين؟ (أَوْ لَا تَبْكِي) شكَّ الرَّاوي، هل استفهم أو نهى؟ (مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) فكيف تبكي عليه مع حصول هذه المنزلة له؟ قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (قُلْتُ لِصَدَقَةَ) أي: ابن الفضل شيخه: (أَفِيهِ) أي: في (١) الحديث: (حَتَّى رُفِعَ؟ قَالَ) أي: سفيان بن عيينة: (رُبَّمَا قَالَهُ) أي: جابرٌ ولم يجزم، وقد جزم به في «الجنائز» [خ¦١٢٩٣] من طريق عليِّ بن عبد الله المدينيِّ، وكذلك (٢) رواه (٣) الحُميديُّ وجماعةٌ عن سفيان كما أفاده في «فتح الباري». وهذا الحديث قد سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٤٤] وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٨٠].

стр. 5806

(٢١) (بابُ تَمَنِّي المُجَاهِدِ) الذي قُتل في سبيل الله (أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا) لما يرى من الكرامة. ٢٨١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الدَّال المهملة (١)، آخره راءٌ منوَّنةٌ، محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَ) الحال أنَّ (لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ) وفي رواية مسلمٍ من طريق أبي خالدٍ الأحمر: «وأنَّ له الدُّنيا وما فيها» (إِلَّا الشَّهِيدُ) بالرَّفع ولأبي ذرٍّ: «إلَّا الشَّهيدَ» بالنَّصب (يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ) بالنَّصب (٢) (عَشْرَ مَرَّاتٍ) أي: في سبيل الله (لِمَا) باللَّام، أي: لأجل ما (يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بما» بالموحَّدة، أي: بسبب ما يرى. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الجهاد». (٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، والبارقة: اللَّمعان (وَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) ممَّا وصله المؤلِّف تامًّا في «الجزية» [خ¦٣١٥٩] (أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «نبيُّنا محمَّد» وليس في «اليونينيَّة» لفظ: «محمَّد»

стр. 5807

نعم، هو في فرعها (¬ ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: مَنْ قُتِلَ مِنَّا) أي: في سبيل الله (صَارَ إِلَى الجَنَّةِ) وثبت قوله: «عن رسالة ربِّنا» للحَمُّويي والمُستملي (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁، ممَّا وصله المؤلِّف (١) في «قصَّة عمرة الحديبية» [خ¦٣١٨٢] [خ¦٤٨٤٤] (لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى). ٢٨١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخةٍ بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن المهلَّب الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد الفزاريُّ لا السَّبيعيُّ، وسها الكِرمانيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، ابن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن معمر التَّيميِّ (٢) (وَكَانَ) أي: سالمٌ (كَاتِبًا (٣)) أي: لعمر بن عبيد الله، وفي الفرع: «كان كاتبه» قاله الكِرمانيُّ، وتعقَّبه (٤) البرماويُّ، وقد وقع التَّصريح بذلك في «باب لا تَمَنَّوا لقاء العدوِّ» [خ¦٣٠٢٤] من رواية يوسف بن موسى، عن عاصم بن يوسف اليربوعيِّ، عن أبي (٥) إسحاق الفزاريِّ، حيث قال فيها: حدَّثني سالمٌ أبو النَّضر: «كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله» وحينئذٍ: فقول الحافظ ابن حجر: «قوله: وكان كاتبه، أي: أنَّ سالمًا كان كَاتِبَ عبد الله بن أبي (٦) أوفى» (٧) سهوٌ، وتبعه فيه العلَّامة العينيُّ، وزاد فقال: وقد

стр. 5808

سها الكِرمانيُّ سهوًا فاحشًا حيث قال: وكان سالمٌ كَاتِبَ عمر بن عبيد الله، وليس كذلك، بل الصَّواب ما ذكرناه، أي: من كونه كاتب عبد الله بن أبي أوفى (قَالَ) أي: سالمٌ: (كَتَبَ إِلَيْهِ) أي: إلى عمر بن عبيد الله (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) فاعل: كتب (¬﵄¬) زاد في رواية يوسف بن موسى: فقرأته، قال الدَّارقُطنيُّ: لم يسمع أبو النَّضر من ابن أبي أوفى، فهو حجَّةٌ في رواية المكاتبة، وتُعقِّب كما في «فتح الباري»: بأنَّ شرط الرِّواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرِّواية صادرةً إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتبْ إلى سالمٍ، إنَّما كتب إلى عمر بن عبيد الله، وحينئذٍ فتكون رواية سالمٍ له عن عبد الله بن أبي أوفى من صور الوِجادة. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال: الظَّاهر أنَّه من رواية سالمٍ عن مولاه عمر بن عبيد (١) الله بقراءته عليه، لأنَّه كان كاتبه عن عبد الله بن أبي أوفى أنَّه كتب إليه، فيصير حينئذٍ من صور المكاتبة. انتهى. وفيه التَّصريح بأنَّ سالمًا كاتب عمر بن عبيد الله، فترجَّح (٢) أنَّ قوله الأوَّل سهوٌ أو سبْق قلمٍ، ويُستأنَس له بقول الدَّارقُطنيِّ: لم يسمع أبو النَّضر من ابن أبي أوفى، فتأمَّل. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -قَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) أي: أن ثواب الله والسَّبب الموصل إلى الجنَّة عند الضَّرب بالسُّيوف في سبيل الله، وهو من المجاز البليغ، لأنَّ ظلَّ الشَّيء لما كان ملازمًا له -ولا شكَّ أنَّ ثواب الجهاد الجنَّة- فكأنَّ ظلال السُّيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنَّة، أي: ملازمها استحقاق ذلك، وخصَّ السُّيوف؛ لأنَّها أعظم آلات القتال وأنفعها، لأنَّها أسرع إلى الزُّهوق، وفي حديث عمَّار بن ياسر عند (٣) الطَّبراني بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّه قال يوم صفِّين: «الجنَّة تحت الأبارقة» وفي ترجمة عمَّار بن ياسر من «طبقات ابن سعد»: تحت البارقة، بغير همزٍ. قال ابن حجرٍ: وهو الصَّواب. والبارقة: اللَّمعان، وقد تطلق البارقة ويراد (٤) بها نفس السُّيوف (٥)، وقيل: الإبْرِيق السَّيف، ودخلت الهاء عوضًا عن الياء، ولم يذكر المؤلِّف من الحديث ما يوافق لفظ التَّرجمة، وكأنَّه أشار بها إلى حديث عمَّار المذكور، ولم يسُقْه

стр. 5809

لكونه ليس على شرطه، واستنبط معناها ممَّا هو على شرطه، فإنَّه إذا ثبت لها ظلالٌ ثبت لها بارقةٌ ولمعانٌ، قاله ابن المُنَيِّر (١). (تَابَعَهُ) أي: تابع معاوية بن عمرو (الأُوَيْسِيُّ) عبدُ العزيز بن عبد الله، ممَّا رواه المؤلِّف في غير كتابه هذا (عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن مفتي بغداد، واسم أبي الزِّناد: عبدُ الله بن ذكوان المدنيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) قال في «الفتح»: وقد رواه عمر بن شَبَّة (٢) عن الأويسيِّ، فبيَّن أنَّ ذلك كان يوم الخندق. وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا، وفي «باب الصَّبر عند القتال» [خ¦٢٨٣٣] و «باب تأخير القتال حتَّى تزول الشمس» [خ¦٢٩٦٦] مطوَّلًا، وفي «باب النَّهي عن تمنِّي لقاء العدوِّ» [خ¦٧٢٣٧] وأخرجه مسلمٌ في «المغازي» وأبو داود في «الجهاد». (٢٣) (بابُ مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلْجِهَادِ) أي: في سبيل الله بأن ينوي ذلك عند المجامعة. ٢٨١٩ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد الإمام الأعظمُ، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق يحيى ابن بُكيرٍ عنه وكذا مسلمٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) ابن شرحبيل الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ (٣) أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِئَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، أي: والله لأجامعَنَّ مئةً أو تسعًا وتسعين، وفي روايةٍ: «ستِّين» وليس في ذكر القليل ما ينفي الكثير (٤) (كُلُّهُنَّ

стр. 5810

يَأْتِي) بالتَّحتيَّة (١)، ولأبي ذرٍّ: «تأتي» بالفوقيَّة (بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ) صفةٌ لفارسٍ (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ) وهو الملَك، وفي «مسلم» (٢): «فقال له صاحبه أو الملك»؛ بالشَّكِّ من أحد الرُّواة: (قل: إِنْ شَاءَ اللهُ) لنسيانه (فَلَمْ يَقُلْ) ﵇: (إِنْ شَاءَ اللهُ) بلسانه (٣)، والذي في الفرع وأصله حذفُ: «قل» ولم يكن غفل عن التَّفويض إلى الله بقلبه، حاشا منصب النُّبوَّة عن ذلك (فَلَمْ يَحْمِلْ) بالتَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «فلم تحمل» بالفوقيَّة (مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) أي: بنصف رجل، كما في روايةٍ أخرى (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) حال كونهم (فُرْسَانًا) جمع فارسٍ (أَجْمَعُونَ) رفعٌ تأكيدٌ لضمير الجمع في قوله: «لجاهدوا». قال شيخ مشايخنا السِّراج بن الملقِّن: هذا الحديث أخرجه البخاريُّ هنا معلَّقًا، وأسنده في ستَّة مواضع منها في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٣٩]. (٢٤) (بابُ) مدح (الشَّجَاعَةِ فِي الحَرْبِ وَ) ذمِّ (الجُبْنِ) بضمِّ الجيم وسكون الموحَّدة، أي: فيه. ٢٨٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ) بالقاف الحرَّانيُّ -بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء وبالنُّون- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهم الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ) لأنَّ الله تعالى قد أعطاه كلَّ الحُسْن (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) إذ هو أكملهم (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) لتخلُّقه بصفات الله تعالى الَّتي منها الجود والكرم (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزَّاي، أي: خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ) أي: ليلًا، وزاد أبو

стр. 5811

داود (١) في روايةٍ: «فانطلق النَّاس قِبَل الصَّوت» (فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ) عُرْيٍ، استعاره من أبي طلحة، يقال له: المندوب، وكان يقطف أي: بطيء المشي (وَقَالَ) حين رجع: (وَجَدْنَاهُ) أي: الفرس (بَحْرًا) أي: جوادًا واسع الجري، وفيه استعمال المجاز، حيث شبَّه الفرس بالبحر؛ لأنَّ الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٥٧] و «الأدب» [خ¦٦٢١٢]، والتِّرمذيُّ في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير». ٢٨٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) «عُمر»: بضمِّ العين، و «مُطعِم»: بكسرها وضمِّ الميم، النوفليُّ القرشيُّ (أَنَّ) أباه (مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أبي (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) ﵁ (أَنَّهُ بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ) أي: والحال أنَّه ﵊ معه (النَّاسُ مَقْفَلَهُ) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء واللَّام، مصدرٌ ميميٌ أو اسم زمانٍ، أي: زمان رجوعه (مِنْ حُنَيْنٍ) وادٍ بين مكَّة والطَّائف سنة ثمانٍ (فَعَلِقَهُ النَّاسُ) بفتح العين وكسر اللَّام المخفَّفة وبالقاف ثمَّ الهاء، أي: تعلَّقوا به، ولأبي ذرٍّ: «فعلقت» بتاء التَّأنيث بدل الهاء «الأعراب» بدل: «النَّاس»، وله عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فطفقت النَّاس (٢)» حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ) أي: ألجؤوه (إِلَى

стр. 5812

سَمُرَةٍ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم، وهي شجرةٌ من شجر البادية ذات شوكٍ (فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) بكسر الطَّاء، أي: علق شوكها بردائه الشَّريف فجبذه، فهو مجازٌ لأنَّه استعير لها الخطف (١)، أو المراد: خطفته الأعراب (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَعْطُونِي رِدَائِي) بهمزة قطعٍ (لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا) بكسر العين وفتح الضَّاد المعجمة، وبعد الألف هاءٌ وقفًا ووصلًا، شجرٌ كثير الشَّوك، و «نَعَمًا»: نصب على التَّمييز، و «لي» خبر «كان» ويجوز أن يكون «نعمًا» خبر «كان»، والنَّعم: الإبل أو والبقر والغنم، ولأبي ذرٍّ: «عددَ» بالنَّصب خبر «كان» مقدَّمًا، «نَعَمٌ» بالرَّفع اسمها مؤخَّرًا (لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ) ولأبي ذرٍّ من غير «اليونينيَّة»: «عليكم» (ثُمَّ لَا تَجِدُونِي) بنونٍ واحدةٍ، ولأبي ذرٍّ: «لا تجدونني» (بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا) أي: إذا جرَّبتموني لا تجدوني ذا بخلٍ ولا ذا كذبٍ ولا ذا جبنٍ، فالمراد: نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة الَّتي تدلُّ عليها الثَّلاثة، لأنَّ «كذوبًا» من صيغ المبالغة، و «جبانًا» صفةٌ مشبَّهةٌ، و «بخيلًا» يحتمل الأمرين. قال ابن المُنَيِّر - رحمه الله تعالى - وفي جَمعه ﵊ بين هذه الصِّفات لطيفةٌ، وذلك لأنَّها متلازمةٌ، وكذا أضدادها الصِّدق والكرم والشَّجاعة، وأصل المعنى هنا: الشَّجاعة، فإنَّ الشُّجاع واثقٌ من نفسه بالخُلْف من كسب سيفه، فبالضَّرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأنَّ الخلف إنَّما ينشأ من البخل، وقوله: «لو كان لي عدد (٢) هذه العضاه» تنبيهٌ بطريق الأولى لأنَّه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال «ثمَّ» هنا بعد ما تقدَّم ذكره ليس مخالفًا لمقتضاها، وإن كان الكرمُ يتقدَّم العطاء، لكنَّ عِلْم النَّاس بكرم الكريم إنَّما يكون بعد العطاء، وليس المراد هنا بـ «ثمَّ» الدِّلالةُ على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنَّما التَّراخي هنا لعلوِّ رتبة الوصف، كأنَّه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرمٍ، فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل ونحو ذلك. انتهى. وفيه دليلٌ على جواز تعريف الإنسان نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٤٨].

стр. 5813

(٢٥) (بابُ مَا يُتَعَوَّذُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، أي: بيان التَّعوُّذ (مِنَ الجُبْنِ) وهو ضدُّ الشَّجاعة. ٢٨٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن سويد الكوفيُّ الفَرَسيُّ -بفتح الفاء والرَّاء ثمَّ مهملةٌ- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الأَوْدِيَّ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة، نسبةً إلى أود بن معنٍ في باهلة (قَالَ: كَانَ سَعْدٌ) هو ابن أبي وقَّاص أحد العشرة (يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ (١)، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ) بالميم، وفي بعض الأصول: «بهنَّ» (دُبُرَ الصَّلَاةِ) بعد السَّلام منها (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) وهو ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) هو الخَرَف، أي: يعود كهيئته الأولى في زمن الطُّفوليَّة سخيف العقل قليل الفهم، أو هو أردؤه (٢)؛ وهو حال الهرم والضَّعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه، فيكون كَلًّا على أهله مستثقَلًا بينهم يتمنَّون موته، وإن لم يكن له أهلٌ فالمصيبة أعظم (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) زاد في «باب التَّعوُّذ من البخل (٣)» [خ¦٦٣٦٥] من رواية آدم، عن شعبة، عن عبد الملك، عن

стр. 5814

مصعب، عن سعدٍ: «وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا» يعني: فتنة الدَّجَّال، وحكى الكِرمانيُّ: أنَّ هذا من زيادات شعبة بن الحجَّاج. قال ابن حجرٍ: وليس كما قال، فقد بيَّن يحيى ابن أبي (١) بُكير عن شعبة أنَّه من كلام عبد الملك بن عمير راوي الخبر أخرجه الإسماعيليُّ من طريقه، وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارةٌ إلى أنَّ فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدُّنيا (وأعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) الواقع على الكفَّار ومن شاء الله من الموحِّدين، بمطارق من حديدٍ، يسمعه خلق الله كلُّهم، إلَّا الجنَّ والإنس، أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنِّه وكرمه، والإضافة هنا من إضافة المظروف إلى ظرفه، فهو على تقدير: «في» أي: من عذابٍ في القبر. قال عبد الملك بن عمير: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أي: بهذا الحديث (مُصْعَبًا) بضمِّ الميم وسكون الصَّاد المهملة وفتح العين، بعدها موحَّدةٌ، ابن سعد بن أبي وقَّاصٍ (فَصَدَّقَهُ). ومطابقة الحديث للتَّرجمة واضحةٌ، وإنَّما استعاذ من الجبن؛ لأنَّه يؤدي إلى عذاب الآخرة، كما قاله المهلَّب، لأنَّه يفرُّ مِن قِرنهِ في الزَّحف فيدخل تحت (٢) الوعيد، فمن ولَّى فقد باء بغضبٍ من الله، وربَّما يُفتَن في دينه، فيرتدّ بجبنٍ أدركه و (٣) خوفٍ على مهجته من الأَسْر والعبوديَّة، ثبَّتنا الله على دينه القويم. وهذا الحديث أخرجه الترمذيُّ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «الاستعاذة». ٢٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بكسر الميم الثَّانية (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيميَّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) يقول: (كَانَ النَّبِيُّ)

стр. 5815

ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ) هو ذهاب القدرة (وَالكَسَلِ) بفتح السِّين، وفي «اليونينيَّة»: بسكونها، وهو القعود عن الشَّيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التَّعب (وَالجُبْنِ) هو (١) الخَور (٢) من تعاطي الحرب ونحوها خوفًا على المهجة (وَالهَرَمِ) هو الزِّيادة في كبر السِّنِّ المؤدِّي إلى ضعف الأعضاء وتساقط القوَّة. قال ابن المُنَيِّر: فيه دليلٌ على أنَّ الغرائز قد تتبدَّل من خيرٍ إلى شرٍّ ومن شرٍّ إلى خيرٍ، ولولا ذلك لما صحَّ تعوُّذ الجبان من الجبن (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) أن نفتتن بالدُّنيا (٣) ونشتغل بها عن الآخرة، وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة (٤) عند الموت، أو هي فتنة الدَّجَّال على ما (٥) مرَّ في تفسير عبد الملك بن عمير (وَالمَمَاتِ) قيل: المراد: فتنة القبر كسؤال الملَكَين ونحو ذلك، والمراد من شرِّ ذلك، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالة فلا يُدْعى برفعه. وفي الحديث: «إنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدَّجَّال» [خ¦٨٦] فيكون عذاب القبر مسبَّبًا عن ذلك، والسَّبب غير المسبَّب، وقيل: المراد: الفتنة قُبَيل الموت، وأُضيفَت إلى الموت (٦) لقربها منه، فعلى هذا تكون فتنة المحيا قبل ذلك (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) فيه دليلٌ لأهل السُّنَّة على إثبات عذاب القبر، وقد كان ﷺ يتعوَّذ من جميع ما ذُكِر تشريعًا لأمَّته ليبيِّن لهم المهمَّ من الأدعية. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٦٧] وكذا مسلم، وأخرجه النَّسائيُّ في «الاستعاذة» وأبو داود في «الصَّلاة». (٢٦) (بابُ مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ فِي الحَرْبِ) ليُتأَسَّى بذلك ويرغِّب فيه، لا للرِّياء والسُّمعة (قَالَهُ أَبُو
следующие страницы →