داود (١) في روايةٍ: «فانطلق النَّاس قِبَل الصَّوت» (فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ) عُرْيٍ، استعاره من أبي طلحة، يقال له: المندوب، وكان يقطف أي: بطيء المشي (وَقَالَ) حين رجع: (وَجَدْنَاهُ) أي: الفرس (بَحْرًا) أي: جوادًا واسع الجري، وفيه استعمال المجاز، حيث شبَّه الفرس بالبحر؛ لأنَّ الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٥٧] و «الأدب» [خ¦٦٢١٢]، والتِّرمذيُّ في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
٢٨٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) «عُمر»: بضمِّ العين، و «مُطعِم»: بكسرها وضمِّ الميم، النوفليُّ القرشيُّ (أَنَّ) أباه (مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أبي (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) ﵁ (أَنَّهُ بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ) أي: والحال أنَّه ﵊ معه (النَّاسُ مَقْفَلَهُ) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء واللَّام، مصدرٌ ميميٌ أو اسم زمانٍ، أي: زمان رجوعه (مِنْ حُنَيْنٍ) وادٍ بين مكَّة والطَّائف سنة ثمانٍ (فَعَلِقَهُ النَّاسُ) بفتح العين وكسر اللَّام المخفَّفة وبالقاف ثمَّ الهاء، أي: تعلَّقوا به، ولأبي ذرٍّ: «فعلقت» بتاء التَّأنيث بدل الهاء «الأعراب» بدل: «النَّاس»، وله عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فطفقت النَّاس (٢)» حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ) أي: ألجؤوه (إِلَى
стр. 5812
سَمُرَةٍ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم، وهي شجرةٌ من شجر البادية ذات شوكٍ (فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) بكسر الطَّاء، أي: علق شوكها بردائه الشَّريف فجبذه، فهو مجازٌ لأنَّه استعير لها الخطف (١)، أو المراد: خطفته الأعراب (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَعْطُونِي رِدَائِي) بهمزة قطعٍ (لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا) بكسر العين وفتح الضَّاد المعجمة، وبعد الألف هاءٌ وقفًا ووصلًا، شجرٌ كثير الشَّوك، و «نَعَمًا»: نصب على التَّمييز، و «لي» خبر «كان» ويجوز أن يكون «نعمًا» خبر «كان»، والنَّعم: الإبل أو والبقر والغنم، ولأبي ذرٍّ: «عددَ» بالنَّصب خبر «كان» مقدَّمًا، «نَعَمٌ» بالرَّفع اسمها مؤخَّرًا (لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ) ولأبي ذرٍّ من غير «اليونينيَّة»: «عليكم» (ثُمَّ لَا تَجِدُونِي) بنونٍ واحدةٍ، ولأبي ذرٍّ: «لا تجدونني» (بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا) أي: إذا جرَّبتموني لا تجدوني ذا بخلٍ ولا ذا كذبٍ ولا ذا جبنٍ، فالمراد: نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة الَّتي تدلُّ عليها الثَّلاثة، لأنَّ «كذوبًا» من صيغ المبالغة، و «جبانًا» صفةٌ مشبَّهةٌ، و «بخيلًا» يحتمل الأمرين. قال ابن المُنَيِّر - رحمه الله تعالى - وفي جَمعه ﵊ بين هذه الصِّفات لطيفةٌ، وذلك لأنَّها متلازمةٌ، وكذا أضدادها الصِّدق والكرم والشَّجاعة، وأصل المعنى هنا: الشَّجاعة، فإنَّ الشُّجاع واثقٌ من نفسه بالخُلْف من كسب سيفه، فبالضَّرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأنَّ الخلف إنَّما ينشأ من البخل، وقوله: «لو كان لي عدد (٢) هذه العضاه» تنبيهٌ بطريق الأولى لأنَّه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال «ثمَّ» هنا بعد ما تقدَّم ذكره ليس مخالفًا لمقتضاها، وإن كان الكرمُ يتقدَّم العطاء، لكنَّ عِلْم النَّاس بكرم الكريم إنَّما يكون بعد العطاء، وليس المراد هنا بـ «ثمَّ» الدِّلالةُ على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنَّما التَّراخي هنا لعلوِّ رتبة الوصف، كأنَّه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرمٍ، فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل ونحو ذلك. انتهى. وفيه دليلٌ على جواز تعريف الإنسان نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٤٨].
стр. 5813
(٢٥) (بابُ مَا يُتَعَوَّذُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، أي: بيان التَّعوُّذ (مِنَ الجُبْنِ) وهو ضدُّ الشَّجاعة.
٢٨٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن سويد الكوفيُّ الفَرَسيُّ -بفتح الفاء والرَّاء ثمَّ مهملةٌ- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الأَوْدِيَّ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة، نسبةً إلى أود بن معنٍ في باهلة (قَالَ: كَانَ سَعْدٌ) هو ابن أبي وقَّاص أحد العشرة (يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ (١)، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ) بالميم، وفي بعض الأصول: «بهنَّ» (دُبُرَ الصَّلَاةِ) بعد السَّلام منها (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) وهو ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) هو الخَرَف، أي: يعود كهيئته الأولى في زمن الطُّفوليَّة سخيف العقل قليل الفهم، أو هو أردؤه (٢)؛ وهو حال الهرم والضَّعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه، فيكون كَلًّا على أهله مستثقَلًا بينهم يتمنَّون موته، وإن لم يكن له أهلٌ فالمصيبة أعظم (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) زاد في «باب التَّعوُّذ من البخل (٣)» [خ¦٦٣٦٥] من رواية آدم، عن شعبة، عن عبد الملك، عن
стр. 5814
مصعب، عن سعدٍ: «وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا» يعني: فتنة الدَّجَّال، وحكى الكِرمانيُّ: أنَّ هذا من زيادات شعبة بن الحجَّاج. قال ابن حجرٍ: وليس كما قال، فقد بيَّن يحيى ابن أبي (١) بُكير عن شعبة أنَّه من كلام عبد الملك بن عمير راوي الخبر أخرجه الإسماعيليُّ من طريقه، وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارةٌ إلى أنَّ فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدُّنيا (وأعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) الواقع على الكفَّار ومن شاء الله من الموحِّدين، بمطارق من حديدٍ، يسمعه خلق الله كلُّهم، إلَّا الجنَّ والإنس، أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنِّه وكرمه، والإضافة هنا من إضافة المظروف إلى ظرفه، فهو على تقدير: «في» أي: من عذابٍ في القبر. قال عبد الملك بن عمير: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أي: بهذا الحديث (مُصْعَبًا) بضمِّ الميم وسكون الصَّاد المهملة وفتح العين، بعدها موحَّدةٌ، ابن سعد بن أبي وقَّاصٍ (فَصَدَّقَهُ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة واضحةٌ، وإنَّما استعاذ من الجبن؛ لأنَّه يؤدي إلى عذاب الآخرة، كما قاله المهلَّب، لأنَّه يفرُّ مِن قِرنهِ في الزَّحف فيدخل تحت (٢) الوعيد، فمن ولَّى فقد باء بغضبٍ من الله، وربَّما يُفتَن في دينه، فيرتدّ بجبنٍ أدركه و (٣) خوفٍ على مهجته من الأَسْر والعبوديَّة، ثبَّتنا الله على دينه القويم.
وهذا الحديث أخرجه الترمذيُّ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «الاستعاذة».
٢٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بكسر الميم الثَّانية (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيميَّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) يقول: (كَانَ النَّبِيُّ)
стр. 5815
ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ) هو ذهاب القدرة (وَالكَسَلِ) بفتح السِّين، وفي «اليونينيَّة»: بسكونها، وهو القعود عن الشَّيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التَّعب (وَالجُبْنِ) هو (١) الخَور (٢) من تعاطي الحرب ونحوها خوفًا على المهجة (وَالهَرَمِ) هو الزِّيادة في كبر السِّنِّ المؤدِّي إلى ضعف الأعضاء وتساقط القوَّة. قال ابن المُنَيِّر: فيه دليلٌ على أنَّ الغرائز قد تتبدَّل من خيرٍ إلى شرٍّ ومن شرٍّ إلى خيرٍ، ولولا ذلك لما صحَّ تعوُّذ الجبان من الجبن (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) أن نفتتن بالدُّنيا (٣) ونشتغل بها عن الآخرة، وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة (٤) عند الموت، أو هي فتنة الدَّجَّال على ما (٥) مرَّ في تفسير عبد الملك بن عمير (وَالمَمَاتِ) قيل: المراد: فتنة القبر كسؤال الملَكَين ونحو ذلك، والمراد من شرِّ ذلك، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالة فلا يُدْعى برفعه. وفي الحديث: «إنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدَّجَّال» [خ¦٨٦] فيكون عذاب القبر مسبَّبًا عن ذلك، والسَّبب غير المسبَّب، وقيل: المراد: الفتنة قُبَيل الموت، وأُضيفَت إلى الموت (٦) لقربها منه، فعلى هذا تكون فتنة المحيا قبل ذلك (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) فيه دليلٌ لأهل السُّنَّة على إثبات عذاب القبر، وقد كان ﷺ يتعوَّذ من جميع ما ذُكِر تشريعًا لأمَّته ليبيِّن لهم المهمَّ من الأدعية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٦٧] وكذا مسلم، وأخرجه النَّسائيُّ في «الاستعاذة» وأبو داود في «الصَّلاة».
(٢٦) (بابُ مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ فِي الحَرْبِ) ليُتأَسَّى بذلك ويرغِّب فيه، لا للرِّياء والسُّمعة (قَالَهُ أَبُو
стр. 5816
عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن (١) النَّهديُّ (عَنْ سَعْدٍ) هو ابن أبي وقَّاص، فيما وصله في «المغازي» [خ¦٤٣٢٧].
٢٨٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ أبو رجاء البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابن إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الكنديِّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الصَّحابيِّ ابن صحابيَّيْنِ (٢)، وهو جدُّ محمَّد بن يوسف لأمِّه أنَّه (قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (وَ) صحبت (سَعْدًا) هو ابن أبي وقَّاص (وَ) صحبت (المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، وَ) صحبت (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵃، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ) أي: من هؤلاء الصَّحابة الأربعة، وسقط لفظ «منهم» للمُستملي (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) خشية التَّزايد (٣) والنُّقصان والدُّخول ي الوعيد (إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله (يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ) أي: بما وقع له فيه من ثبات القدم أو نحو ذلك. وقد كان من أهل النَّجدة، وذكر المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٠٦٢] عن قيسٍ قال: «رأيت يد طلحة شلَّاء وقى بها رسول الله ﷺ يوم أحد» وعن أبي عثمان النَّهدي: أنَّه لم يبقَ مع رسول الله ﷺ تلك الأيَّام غير طلحة وسعد، فلهذا حدَّث طلحة عن مشاهده (٤) يوم أحدٍ ليقتديَ به ويرغب النَّاس في مثل فعله. وقال الحافظ ابن حجر: لم يبيَّن في هذا الحديث ما حدَّث به (٥) طلحة من ذلك، وقد أخرجه أبو يَعلى من طريق يزيد بن خُصيفة، عن السَّائب بن يزيد، عمَّن حدَّثه عن طلحة: أنَّه (٦) ظاهَرَ بين دِرعَين يوم أحدٍ.
стр. 5817
(٢٧) (بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ) بفتح النُّون وكسر الفاء، أي: الخروج إلى قتال الكفَّار (ومَا يَجِبُ) أي: وبيان القدر الواجب (مِنَ الجِهَادِ و) مشروعيَّة (النِّيَّة) في ذلك (وَقَوْلِه) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «وقول الله » آمرًا بالنَّفير العامِّ مع الرَّسول ﵊ عام غزوة تبوك؛ لقتال أعداء الله من الرُّوم الكفرة من أهل الكتاب، وحتَّم على المؤمنين في الخروج معه على كلِّ حالٍ في المنشط والمكره والعسر واليسر، فقال تعالى: (﴿انْفِرُواْ خِفَافًا﴾) لنشاطكم له (﴿وَثِقَالاً﴾) عنه لمشقَّته عليكم، أو لقلَّة عيالكم ولكثرتها، أو ركبانًا ومشاةً، أو خفافًا وثقالًا من السِّلاح، أو صحاحًا ومراضًا، ولمَّا فهم بعض الصَّحابة من هذا الأمر العموم؛ لم يتخلَّفوا عن الغزو حتَّى ماتوا، منهم: أبو أيُّوب الأنصاريُّ والمقداد بن الأسود، ثمَّ رغَّب تعالى في بذل المهج في مرضاته والنَّفقة في سبيله، فقال: (﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) أي: بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما (﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) من تركه (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) الخير (﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾) أي: لو كان ما دعوا إليه نفعًا دنيويًّا قريبًا سهل المأخذ (﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾) متوسِّطًا (﴿لاَّتَّبَعُوكَ﴾) طمعًا في ذلك النَّفع (﴿وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾) أي: المسافة الَّتي تُقطَع بمشقَّة (﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ﴾ [التوبة: ٤١ - ٤٢]) لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ (الآيَةَ) إلى آخرها. وساقها إلى آخر قوله: ﴿بِاللّهِ﴾ وقال في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾: «إلى ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾» وحذف ما عدا ذلك، وقد ذكر سفيان الثَّوريُّ، عن أبيه عن
стр. 5818
أبي الضُّحى: أنَّ هذه الآية ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا﴾ أوّل ما نزل من سورة براءة، نقله ابن كثير الحافظ.
(وَقَوْلُِهُِ) تعالى بالجرِّ أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾) تباطأتم (﴿إِلَى الأَرْضِ﴾) متعلِّقٌ به، كأنَّه ضُمِّن معنى الإخلاد والميل، فعُدِّي بـ ﴿إِلَى﴾ (١)، وكان هذا في غزوة تبوك حيث أُمِروا بها بعد رجوعهم من الطَّائف حين طاب الثِّمار والظِّلال في شدِّة الحرِّ مع بُعد الشُّقَّة وكثرة العدوِّ، فشقَّ عليهم (﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) وغرورها (﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾) بدل الآخرة ونعيمها (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]) وقال في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿إِلَى الأَرْضِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾».
(يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول بغير واوٍ، ولأبي ذرٍّ: «ويُذكر» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: (انْفِرُوا) حال كونكم (ثُبَاتٍ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الموحَّدة، نُصِبَ بالكسرة كهنداتٍ، جمع ثُبَةٍ، ولأبي ذرٍّ والقابسيِّ: «ثُباتًا» بالألف. قال ابن حجرٍ: وهو غلطٌ لا وجهَ له. وقال العينيُّ: وهو غير صحيحٍ، لأنَّه جمع المؤنَّث السَّالم. وكذا قال ابن الملقِّن والزَّركشيُّ. وتعقَّبه العلَّامة ابن الدَّمامينيِّ: بأنَّ مذهب الكوفيين جواز إعرابه في حالة (٢) النَّصب بالفتح مطلقًا. وجوَّزه قومٌ في محذوف اللَّام، وعلى كلٍّ من الرَّأيَين يكون لهذه الرِّواية وجهٌ، ومن ذا الَّذي (٣) أوجب اتِّباع المذهب البصريِّ وألغى المذهب الكوفيَّ حتَّى يقال: بأنَّ هذه الرِّواية لا وجه لها. انتهى. والمعنى: انفروا جماعاتٍ في تفرقةٍ (٤) حال كونكم (سَرَايَا) جمع سريَّةٍ؛
стр. 5819
مَن (١) يدخل دار الحرب مستخفيًا حال كونكم (مُتَفَرِّقِينَ. يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ) ولأبي ذرٍّ: «ويقال (٢): واحد الثُّبات» (ثُبَةٌ) (٣) بضمِّ المثلَّثة فيهما، وهذا قول أبي عبيدة في «المجاز».
٢٨٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، أبو حفصٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطان، ولأبي ذرٍّ: «يحيى بن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبر المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ) فتح مكة: (لَا هِجْرَةَ) واجبةً من مكَّة إلى المدينة (بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ) في الكفَّار (وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) بهمزة وصلٍ وكسر الفاء، أي: إذا طلبكم الإمام إلى الغزو فاخرجوا إليه وجوبًا، فيتعيَّن على من عيّنه الإمام، وكذا (٤) إذا وطئ الكفَّار بلدةً للمسلمين، وأظلُّوا عليها، ونزلوا أمامها قاصدين، ولم يدخلوا، صار الجهاد فرضَ عينٍ، فإن لم يكن في أهل البلد (٥) قوةٌ، وجب على من يليهم، وهل كان في الزَّمن النَّبويِّ فرض عينٍ أو كفايةٍ؟ قال الماورديُّ: كان عينًا على المهاجرين فقط. وقال السُّهيليُّ: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم؛ لمبايعتهم النَّبيَّ ﷺ ليلة العقبة على أن يؤوه وينصروه، وقيل: كان عينًا في الغزوة الَّتي يخرج فيها ﵊ دون غيرها، والتَّحقيق: أنَّه كان عينًا على مَن عيَّنه ﷺ في حقِّه ولو لم يخرج ﵊.
وهذا الحديث قد سبق في «باب (٦) فضل الجهاد» [خ¦٢٧٨٣].
стр. 5820
(٢٨) (بابُ) حكم (الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ) القاتل (١) (فَيُسَدِّدُ) بالسِّين المهملة وكسر الدَّال المهملة (٢) المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: «فَيُسدَّدُ» بفتح الدَّال المهملة (بَعْدُ) بالضَّمِّ، أي: بعد قتله (٣) المسلم (وَيُقْتَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.
٢٨٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَضْحَكُ اللهُ) ، أي: يُقبِل بالرِّضا (إِلَى رَجُلَيْنِ) أي: مسلمٍ وكافرٍ، وللنَّسائيِّ: «إنَّ الله لَيعجب من رجلين» (يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ) زاد مسلمٌ من طريق همّام: قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (يُقَاتِلُ هَذَا) أي: المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) (فَيُقْتَلُ) أي: فيقتله الكافر. زاد همام عند مسلمٍ: «فيلج الجنَّة» (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ) زاد هَمَّام أيضًا: «فيهديه إلى الإسلام، ثمَّ يجاهد في سبيل الله» (فَيُسْتَشْهَدُ) ولأحمد من طريق الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة ﵁: قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: «يكون أحدهما كافرًا فيَقْتل الآخر، ثمَّ يُسلِم فيغزو فيُقتَل». قال ابن عبد البرِّ: يستفاد من الحديث أنَّ كلَّ من قُتِلَ في سبيل الله فهو في الجنَّة. انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة على ما سبق ظاهرةٌ، فلو قتل مسلمٌ مسلمًا عمدًا بلا شبهةٍ ثمَّ تاب القاتل واستشهد في سبيل الله، فقال ابن عبَّاسٍ ﵄: لا تُقبَل توبته، أخذًا بظاهر قوله
стр. 5821
تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وفي رواية النَّسائيِّ وأحمد وابن ماجه عن سالم بن أبي الجعد عنه: أنَّه قال: إنَّ الآية نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخْها شيءٌ حتَّى قُبِضَ رسول الله ﷺ . وقد روى الإمام أحمد والنَّسائيُّ من طريق أبي إدريس الخولانيِّ عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلُّ ذنبٍ عسى الله أن يغفره إلَّا الرَّجل يموت كافرًا أو الرَّجل يقتل مؤمنًا متعمِّدًا». لكن ورد عن ابن عبَّاسٍ خلاف ذلك، فالظَّاهر أنَّه أراد بقوله الأوَّل التَّشديد والتَّغليط، وعليه جمهور السَّلف وجميع أهل السُّنَّة، وصحَّحوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: المراد بالخلود: المكث الطَّويل، فإنَّ الدَّلائل عليه (١) متظاهرةٌ على أنَّ عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدُ بحثٍ في هذا بعون الله في تفسير سورة «النِّساء» [خ¦٤٥٩٠] و «الفرقان» [خ¦٤٧٦١] [خ¦٤٧٦٢] [خ¦٤٧٦٣].
٢٨٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة، قال (٢): (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة وبالسِّين المهملة، و «سعِيد» بكسر العين، ابن
стр. 5822
العاص الأمويُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَرَ) سنة سبعٍ، والجملة حاليَّةٌ (بَعْدَمَا افْتَتَحُوهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي) من غنائم خيبر، وهمزة «أسهم» قطعٌ (فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) هو أبَّان بن سعِيد بكسر العين: (لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا) أي: أبان بن سعيدٍ (قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ) بقافين مفتوحتين بينهما واوٌ ساكنةٌ آخره لامٌ، بوزن جعفر، واسمه: النُّعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم -بصادٍ مهملةٍ بوزن: أحمد- ابن فهر (١) بن غَنْم -بفتح المعجمة وسكون النُّون، بعدها ميمٌ- ابن عَمرو بن عَوفٍ -بفتح العين فيهما- الأوسيُّ الأنصاريُّ، و «قوقل» لقب ثعلبة، أو لقب أصرم، وعند البغويِّ في «الصَّحابة»: أنَّ النُّعمان ابن قوقل قال يوم أُحُدٍ (٢): أقسمت عليك يا ربِّ ألَّا تغيبَ الشَّمس حتَّى أطأ بعرجتي في الجنة، فاستُشهِد ذلك اليوم، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لقد رأيته في الجنَّة وما به عرج» (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) أبَّان: (وَا عَجَبًا) بالتَّنوين، اسم فعلٍ بمعنى: أعجب، و «وا» مثل واهًا وعجبًا: للتَّوكيد، وإذا (٣) لم يُنَوَّن فأصله: واعجبي، فأُبدِلَت كسرة الباء (٤) فتحةً والياء ألفًا، كما فُعِلَ في «يا أسفى» و «يا حسرتى»، وفيه شاهدٌ على استعمال «وا» في منادًى غير مندوبٍ، كما هو رأي المبرِّد واختيار ابن مالك، ونصب «عجبًا» بـ «وا» وفي رواية عليِّ بن عبد الله المدينيِّ: «واعجباه» (لِوَبْرٍ) بلام مكسورةٍ فواوٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ ساكنةٍ فراءٍ. قال الكمال الدَّميريُّ في كتابه «حياة الحيوان»: دويبةٌ أصغر
стр. 5823
من السِّنَّوْرِ طحلاء (١) اللَّون، لا ذَنَبَ لها، أي: طويل، يَحِلُّ أكلها، والناس يسمُّونها غنم بني إسرائيل، ويزعمون أنَّها مُسِخَت (تَدَلَّى) أي: انحدر (عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ) بفتح القاف وضمِّ الدَّال المخفَّفة، و «ضأن» بالضَّاد المعجمة وبعد الهمزة نونٌ، اسم جبلٍ في أرض دوسٍ قومِ أبي هريرة، وقيل: وهو رأس الجبل؛ لأنَّه في الغالب مرعى الغنم. قال الخطَّابيُّ: أراد أبَّان تحقير أبي هريرة، وأنَّه ليس في قدر من يشير بعطاءٍ ولا منعٍ، وأنَه قليل القدرة على القتال (يَنْعَى) بفتح أوَّله وسكون النُّون وفتح العين المهملة، أي: يعيب (عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، أَكْرَمَهُ اللهُ) بالشَّهادة (عَلَى يَدَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة؛ تثنية يدٍ (وَلَمْ يُهِنِّي) بأن لم يقدِّر موتي كافرًا (عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية فأدخلَ النَّار، وقد عاش أبَّان حتَّى تاب وأسلم قبل خيبر وبعد الحديبية (قَالَ) أي: عنبسة أو مَن دونه: (فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ) ﵊ (لَهُ) أي: لأبي هريرة (أَمْ) ولأبي ذرٍّ: «أو» (لَمْ يُسْهِمْ لَهُ (٢)) ورواه أبو داود: فقال: «ولم يقسم له».
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد السَّابق: (وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ) بفتح السِّين المهملة وكسر العين (عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وسقط ذلك لأبي ذرٍّ (السَّعِيدِيُّ هو عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم كالآتي (بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) بكسر عين «سعِيد» فيهما، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «هو».
(٢٩) (بابُ مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ).
стр. 5824
٢٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو (١) ابن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّون (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل (لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِ) التقوِّي على (الغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وكثر الإسلام، واشتدَّت وطأة أهله على عدوِّهم، ورأى أن يأخذ بحظِّه من الصَّوم (لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى) منوَّنًا، أي: فكان لا يصومهما (٢)، والمراد بيوم الأضحى: ما تشرع فيه الأضحية فتدخل فيه أيَّام التَّشريق.
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ).
٢٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمامُ دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، أبي عبد الله مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ) وعند مالكٍ في «الموطَّأ» من حديث جابر بن عتيكٍ: «الشُّهداء سبعةٌ سوى القتل في سبيل الله» وهو موافقٌ لما تُرجِم به، لكنَّه ليس على شرطه فلم يورده، بل نبَّه عليه في التَّرجمة إيذانًا بأنَّ الوارد في عدِّها من الخمسة والسَّبعة، ليس على معنى التَّحديد الَّذي لا يزيد ولا ينقص، أشار إليه ابن المُنَيِّر (المَطْعُونُ) الَّذي يموت بالطَّاعون، وهو غدَّة كغدَّة البعير، تخرج في الآباط والمراق
стр. 5825
(وَالمَبْطُونُ) المريض بالبطن (وَالغَرِقُ) بفتح الغين المعجمة وبعد الرَّاء المكسورة قافٌ، الَّذي يموت بالغرق (وَصَاحِبُ الهَدْمِ) بفتح الهاء وسكون الدَّال، الَّذي يموت تحته (وَالشَّهِيدُ) الذي قُتِل (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وزاد جابر بن عَتِيْكٍ في حديثه: «الحريق، وصاحب ذات الجَنْب، والمرأة تموت بجَُِمع -بضمِّ الجيم وفتحِها وكسْرِها- الَّتي تموت حاملًا جامعةً ولدها في بطنها، أو هي البكر، أو هي النُّفساء، وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ». ولأحمد من حديث راشد بن حُبَيش: «والسِّلّ» بكسر السِّين المهملة وباللَّام، وفي «السُّنن» وصحَّحه التِّرمذيُّ من حديث سعيد بن زيدٍ مرفوعًا: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ» وقال في الدِّين والدَّم والأهل مثل ذلك، وللنَّسائيِّ من حديث سويد بن مقرنٍ مرفوعًا: «من قُتِل دون مظلمته فهو شهيدٌ». وعند الدَّارقُطنيِّ وصحَّحه من حديث ابن عمر: «موت الغريب شهادة (١)». وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان: «المرابط». وللطَّبرانيِّ من حديث ابن عبِّاسٍ: «اللَّديغ والَّذي يفترسه السَّبع» ولأبي داود في (٢) حديث أمِّ حرام: «المائد في البحر الَّذي يصيبه القيء له أجر شهيدٍ». و «من قال حين يصبح ثلاث مرَّاتٍ: أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم، وقرأ ثلاث آياتٍ من آخر سورة الحشر … فإنْ مات من يومه مات شهيدًا» قال التِّرمذيُّ: حديثٌ (٣) حسنٌ غريبٌ. وعند أبي نُعيمٍ عن ابن عمر: «مَن صلَّى الضُّحى، وصام ثلاث أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، ولم يترك الوتر؛ كُتِب له أجرُ شهيدٍ». وعن أبي ذرٍّ وأبي هريرة: «إذا جاء الموتُ طالبَ العلم وهو على حاله مات شهيدًا». رواه ابن عبد البرِّ في «كتاب العلم» وعند الخطيب في «تاريخه» في (٤) ترجمة محمَّد بن داود الأصبهانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «مَن عشق فعفَّ وكتم فمات فهو شهيدٌ» ورواه السَّرَّاج في «مصارع
стр. 5826
العشَّاق»: «مَن عشق فظفر فعفَّ فمات مات شهيدًا» والمراد بشهادة (١) هؤلاء كلِّهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشُّهداء فضلًا منه .
وقد قسَّم العلماء الشُّهداء ثلاثة أقسامٍ: شهيدٌ في الدُّنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفَّار، وشهيدٌ في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم المذكورون هنا، وشهيدٌ في الدُّنيا دون الآخرة؛ وهو من غلَّ في الغنيمة، أو قُتِل مدبرًا. والشَّهيد: فَعِيلٌ، من الشُّهود بمعنى: مَفْعول، لأنَّ الملائكة تحضره وتبشِّره بالفوز والكرامة، أو بمعنى: فاعل، لأنَّه يلقى ربَّه، ويحضر عنده كما قال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] أو من الشَّهادة فإنَّه بيَّن صدقه في الإيمان والإخلاص في الطَّاعة ببذل النَّفس في سبيل الله، أو يكون تِلْوَ الرُّسل في الشَّهادة على الأمم يوم القيامة، ومن مات بالطَّاعون أو بوجع البطن، أو نحوهما ممَّا مرَّ يلحق بمن قُتِل في سبيل الله لمشاركته إيَّاه في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابده من الشِّدَّة، لا في جملة الأحكام والفضائل.
وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة» [خ¦٦٥٣]، وأخرجه التِّرمذيُّ في «الجنائز»، والنَّسائيُّ في «الطِّب».
٢٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان (٢) الأحول (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّد بن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) وفي حديث أبي عَسِيبٍ عند أحمدَ مرفوعًا: «ورِجْزٌ على الكافر (٣)» وفي حديث عُتبة بن عَبدٍ عند الطَّبرانيِّ في «الكبير» بإسنادٍ لا بأس به مرفوعًا: «يأتي الشُّهداء والمتوفَّون بالطَّاعون، فيقول أصحاب الطَّاعون: نحن
стр. 5827
شهداء (١) فيقال: انظروا، فإن كان جراحتهم كجراح الشُّهداء تسيل دمًا كريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٢]، ومسلمٌ في «الجهاد».
(٣١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾) عن الجهاد (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) في موضع الحال من القاعدين أو من الضَّمير الَّذي فيه و ﴿مِنَ﴾ للبيان، والمراد بالجهاد غزوة بدر، قاله ابن عبَّاسٍ. وقال مقاتلٌ: غزوة تبوك (﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) برفع ﴿غَيْرُ﴾ صفة للقاعدين، والضَّرر كالعمى والعرج والمرض (﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾) عطفٌ على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ أي (٢): لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علَّةٍ، وفائدته تذكير ما بينهما من التَّفاوت؛ ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته وأنفةً عن انحطاط منزلته (﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾) نصبٌ بنزع الخافض، أي: بدرجةٍ، والجملة موضِّحةٌ للجملة الأولى الَّتي فيها عدم استواء القاعدين والمجاهدين، كأنَّه قيل: ما بالهم (٣) لا يستوون؟ فأُجيبَ بقوله: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ (﴿وَكُلاًّ﴾) من القاعدين والمجاهدين (﴿وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى﴾) المثوبة الحسنى؛ وهي الجنَّة لحسن عقيدتهم وخلوص نيَّتهم، وإنَّما التَّفاوت في زيادة (٤) العمل المقتضي لمزيد الثَّواب (﴿وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾) كأنَّه قيل (٥): وأعطاهم زيادةً على القاعدين ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وأراد بقوله: (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]) تمام الآية،
стр. 5828
أي: غفورًا لما عسى أن يفرط منهم رحيمًا بهم، وقال في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾: «إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾».
٢٨٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ) أي: كادت أن تنزل (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا) هو ابن ثابتٍ الأنصاريّ (فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فجاءه» (بِكَتِفٍ) بفتح الكاف وكسر المثنَّاة الفوقيَّة، عظمٌ عريضٌ يكون في أصل كتف الحيوان، كانوا يكتبون فيه لقلَّة القراطيس (فَكَتَبَهَا) فيه. وفي رواية خارجةَ بن زيد بن ثابتٍ عن أبيه عند أحمد وأبي داود: إنِّي لقاعدٌ إلى جنب النَّبيِّ ﷺ إذ أُوحيَ إليه وغشيته السَّكينة، فوضع فخذه على فخذي. قال زيدٌ: فلا والله ما وجدت شيئًا قطُّ أثقل منها، فصرَّح خارجة بأنَّ نزولها كان بحضرة زيدٍ، فيُحمَل (١) قوله في رواية الباب: «دعا زيدًا فكتبها» على أنَّه (٢) لمَّا كادت أن تنزل، كما مرَّ.
(وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عمرو أو عبد الله بن زائدة العامريُّ، وأمُّ مكتومٍ أمُّه، واسمها: عاتكة (ضَرَارَتَهُ) بفتح الضَّاد المعجمة، أي: ذهابَ بصره (فَنَزَلَتْ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]).
فإن قلت: لِمَ كرَّر الرَّاوي: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ وهلَّا اقتصر على قوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾؟ أجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ الاستثناء والنَّعت لا يجوز فصلهما عن أصل الكلام، فلا بدَّ أن تُعاد الآية الأولى حتَّى يتَّصل بها الاستثناء والنَّعت. وقال السَّفاقسيُّ: إن كان الوحي نزل بقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فقط، فكأنَّ الرَّاوي رأى إعادة الآية من أوَّلها حتَّى يتَّصل الاستثناء
стр. 5829
بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزِّيادة بعد أن نزل بدونها فقد حكى الرَّاوي صورة الحال. قال ابن حجرٍ: والأوَّل أظهر لرواية سهل بن سعد، فأنزل الله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ وقال ابن الدَّمامينيِّ متعقِّبًا لابن المُنَيِّر في قوله: إنَّ الاستثناء والوصف لا يجوز فصلهما … إلى آخره: ليس هذا فصلًا، ولا يضرُّ ذكره مجرَّدًا عمَّا قبله، لأنَّ المراد: حكاية الزَّائد على ما نزل أوَّلًا، فيقتصر عليه لأنَّه الَّذي تعلَّق به الغرض، ولذا قال في الطَّريق الثَّانية عن زيدٍ: فأنزل الله تعالى ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فماذا يعتذر به عن زيد بن ثابتٍ مع كونه لم يصل الاستثناء أو النَّعت بما قبله؟ والحقُّ أنَّ كلا الأمرين سائغٌ، ثمَّ إنَّ استثناء ﴿أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ يُفهِم التَّسوية بين القاعدين للعذر وبين المجاهدين؛ إذ الحكم المتقدِّم عدم الاستواء، فيلزم ثبوت الاستواء لمن استثنى ضرورة أنَّه لا واسطة بين الاستواء وعدمه.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٣]، ومسلمٌ في «الجهاد».
٢٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) الصَّحابيِّ ﵁ ابن الصَّحابيِّ (١)، وقال التِّرمذيُّ: لم يسمع منه ﷺ ، فهو من التَّابعين. قال ابن حجرٍ: لا يلزم من عدم السَّماع عدم الصُّحبة (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) التَّابعيَّ أمير المدينة (٢) زمن معاوية ثمَّ صار خليفةً
стр. 5830
بعدُ (جَالِسًا فِي المَسْجِد، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) الأنصاريَّ ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أملى عليَّ»: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٥]. قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا (١) عَلَيَّ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الميم وضمِّ اللَّام مشدَّدةً، وهو مثل: يمليها عليَّ، ويملي (٢) ويُملِل بمعنًى، ولعلَّ الياء منقلبةٌ عن إحدى اللَّامين (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ) أي: لو استطعت، وعبَّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار أو استحضارًا لصورة الحال (وَكَانَ رَجُلًا أَعْمًى) وهذا يفسِّر قوله في الرِّواية السَّابقة: «وشكا ضرارتَه» [خ¦٢٨٣١] (فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المعجمة، والواو للحال (فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) فخذه الشَّريفة مِن ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، وبعد الرَّاء المفتوحة ضادٌ معجمةٌ مثقلةٌ، أي: تُدَقَّ (فَخِذِي) ولغير أبي ذرٍّ: «أن تَرضَّ» بفتح أوَّله (ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء، أي: كُشِفَ (عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]) وفي رواية خارجة بن زيدٍ عند أحمد وأبي داود: قال زيد بن ثابتٍ: فوالله لكأنِّي أنظر إلى ملحقها عند صدعٍ كان بالكتف.
وحديث الباب من أفراد البخاريِّ ومسلمٍ (٣).
(٣٢) (بابُ) فضل (الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ) مع الكفَّار.
٢٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 5831
مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، الأزديُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّدٍ الفزاريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمامِ في المغازي (عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ) مولى عمر بن عبيد الله (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ) أي: إلى عمر بن عبيد الله (فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ) أي: الكفَّار عند الحرب والتَّصافِّ (فَاصْبِرُوا) ولا تنصرفوا عن الصَّفِّ وجوبًا إذا لم يزد عدد الكفَّار على مثليكم (١)، بخلاف ما إذا زاد، لقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية. وهو أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ لو كان خبرًا لم يقع، بخلاف المخبر عنه ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ كمن ينصرف ليكمن في موضعٍ فيهجم، أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدوُّ إلى متَّسعٍ سهلٍ للقتال ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ يستنجد بها ولو بعيدةً، فلا يَحْرُم انصرافه، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً﴾ [الأنفال: ١٦] الآية. وخرج بالتَّصافِّ ما لو لقي مسلمٌ كافرَين، فله الانصراف وإن كان هو الَّذي طلبهما؛ لأنَّ فرض الجهاد والثَّبات إنَّما هو في الجماعة.
وقد مضى هذا الحديث في «باب الجنَّة تحت بارقة السُّيوف» [خ¦٢٨١٨] لكنَّه لم يذكر فيه قوله: «إذا لقيتموهم فاصبروا» وإنَّما قال: «واعلموا أنَّ الجنَّة تحت ظلال السُّيوف» فقول بعض الشُّرَّاح هنا: ذكر فيه المؤلِّف طرفًا من حديث ابن أبي أوفى، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه قريبًا في «باب الجنَّة تحت بارقة السُّيوف» لا يخفى ما فيه من التَّجوُّز إذ لم يقع ذلك لا في المتن ولا في الشَّرح والله الموفِّق (٢).
(٣٣) (بابُ التَّحْرِيضِ) أي: الحثِّ (٣) (عَلَى القِتَالِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: «وقولِ الله »: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (٤)﴾ (﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]) أي: حُثَّهم عليه.
стр. 5832
٢٨٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو (١)) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء (٢) المهملة وفتح الميم مصغَّرًا، الطَّويل، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الخَنْدَقِ) في شوَّال سنة خمسٍ من الهجرة (فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ) فيه بكسر الفاء حال كونهم (فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ) الحفر (لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى) ﵊ (مَا بِهِمْ) أي: الأمر المتلبِّس بهم (مِنَ النَّصَبِ) أي: التَّعب (وَالجُوعِ قَالَ) ﵊ محرِّضًا لهم على عملهم الَّذي هو بسبب (٣) الجهاد: (اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ) أي المعتبر أو الباقي المستمرَّ (عَيْشُ الآخِرَهْ) لا عيش الدُّنيا (فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ) بضمِّ الميم وكسر الجيم، و «للأنصار»: بلام الجرِّ، ويخرج به عن الوزن، وفي نسخةٍ: «فاغفر الأنصار» بالألف بدل اللَّام (٤)، وهذا من قول ابن رواحة، تمثَّل به النَّبيُّ (٥) ﷺ . قال الدَّاوديُّ: وإنَّما قال ابن رواحة: لاهمَّ، بلا ألفٍ ولا لامٍ، فأتى به بعض الرُّواة على المعنى، وإنَّما يتَّزن هكذا، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا توهيمٌ للرُّواة من غير داعٍ
стр. 5833
إليه، فلا يمتنع أن يكون ابن رواحة قال: «اللهمَّ» بألفٍ ولامٍ على جهة الخَزم، يعني بالخاء (١) المعجمة والزَّاي، وهو الزِّيادة على أوَّل البيت حرفًا فصاعدًا إلى أربعة، وكذا على أوَّل النِّصف الثَّاني حرفًا أو اثنين على الصَّحيح، هذا أمرٌ لا نزاع فيه بين العَروضيِّين، ولم يقل أحدٌ منهم بامتناعه وإن لم يستحسنوه، ولا قال أحدٌ إنَّ الخَزم يقتضي إلغاء ما هو فيه، حتَّى إنَّه لا يُعَدُّ شعرًا، نعم، الزِّيادة لا يُعتَدُّ بها في الوزن، ويكون ابتداء النَّظم ما بعدها، فكذا ما نحن فيه. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: ليس هو من قوله ﵊، ولو كان لم يكن به شاعرًا، وإنَّما يسمَّى به مَن قَصدَ صناعته، وعلم السَّبب والوتد وجميعَ معايبه (٢) من الزِّحاف والخَزم والقَبض ونحو ذلك. انتهى. وفيه نظرٌ لأنَّ شعراء العرب لم يكونوا يعلمون ما ذكره من ذلك (فَقَالُوا) الأنصار والمهاجرة حال كونهم (مُجِيبِينَ لَهُ) ﵊: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بايَعْنا» (مُحَمَّدًا عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِيْنَا أَبَدًا).
(٣٤) (بابُ) ذكر (حَفْرِ الخَنْدَقِ) حول المدينة.
٢٨٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمَين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرٍو المقعدُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صهيبٍ البصريُّون (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَعَلَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ) في غزوة الأحزاب (يَحْفِرُونَ
стр. 5834
الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ) وكان الَّذي أشار بحفره سَلمان الفارسيُّ (١) ﵃ (٢) (وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ) جمع متنٍ، ومتنا الظَّهر مكتنفا الصُّلب عن يمينٍ وشمالٍ من عصبٍ ولحمٍ، يُذكَّر ويُؤنَّث (وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا)
ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على الجهاد (٣)» ويتَّزن البيت بهذه الرِّواية. وقال الزَّركشيُّ: هو الصَّواب، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّ كونه غير موزونٍ لا يُعدُّ خطأً، فلِمَ لا يجوز أن يكون هذا الكلام نثرًا مسجعًا، وإن وقع بعضه موزونًا (٤) بحيث إذا روى أحدٌ فيها شيئًا لا يدخل في الوزن حكم بخطئه؟ (وَالنَّبِيُّ ﷺ يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ) مستمرٌّ (إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ، فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ) وفي الحديث السَّابق: أنَّهم كانوا يجيبونه ﵊، فقد كان تارةً يجيبهم، وتارةً يجيبونه.
٢٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ يَقُول: كَانَ
стр. 5835
النَّبِيُّ ﷺ ¬) يوم حفر الخندق (يَنْقُلُ) أي: التُّراب (وَيَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٣٧] و «المغازي» [خ¦٤١٠٤]، ومسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
٢٨٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «رأيت (١) النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ) سُمِّي به لاجتماع القبائل واتِّفاقهم على محاربته ﷺ ، وهو يوم الخندق (يَنْقُلُ التُّرَابَ) من الخندق (وَقَدْ وَارَى) أي: ستَر (التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ (٢)، وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 5836
لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) قال الزَّركشيُّ: هكذا رُوِيَ: «لولا» وصوابه في الوزن: لاهمَّ، أو: تَالله لولا أنت ما اهتدينا، قال في «المصابيح»: وهذا عجيبٌ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ هو المتمثِّل بهذا الكلام، والوزن لا يجري على لسانه الشَّريف غالبًا (وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ) أي: الوقار (عَلَيْنَا) وللأَصيليِّ وأبَوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فأنزلن» بنون التَّوكيد الخفيفة «سكينةً» بالتَّنكير، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأنزل» بحذف النُّون والجزم «سكينةً» بالتَّنكير (وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) الكفَّار (إِنَّ الأُلَى) هو من الألفاظ الموصولات، لا من أسماء الإشارة جمعًا للمذكَّر (قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) من البغي، وهو الظُّلم وهذا أيضًا غير متَّزن، فيتَّزن بزيادة: هم، فيصير إنَّ الألى هم قد بغوا علينا (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) من الإِباء.
(٣٥) (بابُ مَنْ حَبَسَهُ العُذْرُ) بالذَّال المعجمة؛ وهو (١) الوصف الطَّارئ على المكلَّف المناسب للتَّسهيل عليه (عَنِ الغَزْوِ) فله أجر الغازي.
٢٨٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ (٢)) اليربوعيُّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به واسم أبيه: عبد الله، قال (٣): (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويلُ (أَنَّ أَنَسًا)
стр. 5837
هو ابن مالكٍ (حَدَّثَهُمْ قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٢٨٣٩ - قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) وفي بعض الأصول: «ح» للتَّحويل «وحدَّثنا» (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويلِ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ) هي غزوة تبوكَ كما في رواية زهيرٍ [خ¦٢٨٣٨] (فَقَالَ: إِنَّ أَقْوَامًا بِالمَدِينَةِ خَلْفَنَا) بسكون اللَّام، أي: وراءنا (مَا سَلَكْنَا شِعْبًا) بكسر الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة، بعدها موحَّدةٌ، طريقًا في الجبل (وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ) أي: في ثوابه، ولابن حبَّان وأبي عَوانةَ من حديث جابرٍ: «إِلَّا شركوكم في الأجر» بدل قوله: «إلَّا وهم معكم». وللإسماعيليِّ من طريقٍ أخرى عن حمَّاد بن زيدٍ: «إِلَّا وهم معكم فيه بالنِّيَّة». ولأبي داود عن حمَّادٍ: «لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسيرٍ، ولا أنفقتم من نفقةٍ، ولا قطعتم واديًا (١) إلَّا وهم معكم فيه». قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: (حَبَسَهُمُ العُذْرُ) هو أعمُّ من المرض، فيشمل عدم القدرة على السَّفر وغيرَه، وفي «مسلمٍ» من حديث جابرٍ: «حبسهم المرضُ» وهو محمولٌ على الغالب.
(وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل شيخُ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن سلمة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويلِ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ) أنس بن مالكٍ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬).
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: السَّند (الأَوَّلُ) المحذوف منه موسى بين حُميدٍ وأنسٍ (أَصَحُّ) من الثَّاني المثبت فيه (٢) موسى، ولأبي ذَرٍّ: «الأوَّل عندي أصحُّ» واعترضه الإسماعيليُّ: بأنَّ حمَّادًا عالمٌ بحديث حُمَيدٍ مقدَّم فيه على غيره. قال في «الفتح»: وإنَّما قال ذلك لتصريح حُمَيدٍ بتحديث أنسٍ له كما تراه، ولا مانع أن يكون حُميدٌ سمع هذا من موسى عن أبيه، ثمَّ لقي أنسًا فحدَّثه به، أو سمع من أنسٍ، فثبَّته فيه ابنُه موسى. انتهى. وفيه أنَّ المؤمن يبلغ بنيَّته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل، كمن غلبه النَّوم عن صلاة اللَّيل، فإنَّه يُكتب له أجر صلاته، ويكون نومه صدقةً عليه
стр. 5838
من ربِّه. رواه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي ذرٍّ أو أبي الدَّرداء -شكَّ شعبة (١) - مرفوعًا. ورواه ابن خزيمة موقوفًا.
(٣٦) (بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ) في الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) أو المراد: ابتغاء وجه الله لئلَّا يعارض أولويَّة الفطر في الجهاد عن الصَّوم، لأنَّه (٢) يضعف عن اللِّقاء، لكن يؤيِّد الأوَّل ما في حديث أبي هريرة المرويُّ في «فوائد أبي الطَّاهر الذُّهليِّ»: «ما من مرابطٍ يرابط في سبيل الله، فيصوم يومًا في سبيل الله … » الحديث. وحينئذٍ فالأولويَّة المذكورة محمولةٌ على مَن يضعفه الصَّوم عن الجهاد، أمَّا من لم يضعفْه فالصَّوم في حقِّه أفضل لأنَّه يجمع بين الفضيلتَين.
٢٨٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصرٍ، فنسبه إلى جدِّه، ويعرف بالسَّعديِّ لأنَّه نزل بباب بني سعدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) بتشديد التَّحتيَّة، وبعد الألف شينٌ معجمةٌ، واسمه: زيد بن الصَّلْت، وقيل: زيد بن النُّعمان الزَّرقيُّ الأنصاريُّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) بالدَّال المهملة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (٣) ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ) (بَعَّدَ اللهُ) بتشديد العين (وَجْهَهُ) أي: ذاته كلَّها (عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) أي:
стр. 5839
سنةً. وعند أبي يَعلى من طريق زبَّان (١) بن فائدٍ، عن معاذِ بن أنسٍ: «بُعِّد من النَّار مئةَ عامٍ سيرَ المضمر الجواد». وعند الطَّبرانيِّ في «الصَّغير» و «الأوسط» بإسنادٍ حسنٍ عن أبي الدَّرداء: «جعل الله بينه وبين النَّار خندقًا كما بين السَّماء والأرض» وفي «كامل ابن عديٍّ» عن أنسٍ: «تباعدت منه جهنَّم خمسَ مئة عامٍ (٢)» قيل: ظاهرها التَّعارض. وأُجيبَ: بالاعتماد على رواية «سبعين» للاتفاق عليها، فما في الصَّحيح أَولى، أو أنَّ الله أعلمَ نبيَّه ﷺ بالأدنى، ثمَّ بما بعده على التَّدريج، أو أنَّ ذلك بحسب اختلاف أحوال الصَّائمين في كمال الصَّوم ونقصانه.
(٣٧) (بابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ) أي: الإنفاق في الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) أو في الجهاد وغيره مما (٣) يُقصَد به وجه الله تعالى.
٢٨٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) أبو محمَّدٍ الطَّلحيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون التَّحتيَّة وفتح الموحَّدة، ابن عبد الرَّحمن أبو معاوية النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) أي: صنفَين مقترنَين، شكلَين كانا أو نقيضَين، وكلُّ واحدٍ منهما زوجٌ، ومراده أن يُشفِع المنفق ما ينفقه من دينارٍ أو
стр. 5840
درهمٍ أو سلاحٍ أو غيره. وقال الدَّاوديُّ: ويقع الزَّوج على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد جزمًا. وفي رواية إسماعيل القاضي: «من أنفق زوجَين من ماله» (فِي سَبِيلِ اللهِ) عامٌّ في جميع أنواع الخير، أو (١) خاصٌّ بالجهاد (دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ) أي: خزنة كلِّ بابٍ، فهو من المقلوب (أَيْ فُلُْ) بضمِّ اللَّام وإسكانِها، وليس ترخيمًا له (٢)، لأنَّه لا يقال إلَّا بسكون اللَّام ولو كان ترخيمًا لفتحوها أو ضمُّوها. قال سيبويه: ليست (٣) ترخيمًا وإنَّما هي صيغةٌ ارتُجِلَت في باب النِّداء، وقد جاء في غير النِّداء:
في لجَّةٍ أمسك فلانًا عن فُلِ
فكسر اللَّام للقافية. وقال الأزهريُّ: ليس بترخيم فلان، ولكنَّها كلمةٌ على حدةٍ، فبنو أسدٍ يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحدٍ، وغيرهم يثنِّي ويجمع ويؤنِّث فيقول: يا فُلَان، ويا فُلُون، ويا فُلَة، ويا فُلَتان، ويا فُلات، وفلان وفلانة: كنايةٌ عن الذَّكر والأنثى من النَّاس، فإن كنَّيت بهما عن غير النَّاس؛ قلت: الفلان والفلانة. وقال قومٌ: إنَّه
стр. 5841
ترخيم: فلان، فحذف النُّون للتَّرخيم والألف لسكونها، وتُفتَح اللَّام وتُضَمُّ على مذهبَي التَّرخيم، قاله ابن الأثير، أي: فلانٌ (هَلُمَّ) بفتح الهاء وضمِّ اللَّام وتشديد الميم، أي: تعال (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّديق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الَّذِي) يدعوه خزنة كلِّ باب: (لَا تَوَى عَلَيْهِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو مقصورًا، أي: لا بأس عليه أن يدخل بابًا ويترك آخر (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) أي: ممَّن يُدعَى من تلك الأبواب كلِّها.
وهذا الحديث قد سبق في «الصِّيام» [خ¦١٨٩٧] وأخرجه (١) أيضًا في «فضل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».
٢٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون، العوقيُّ الباهليُّ الأعمى قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن أبي (٢) ميمونة الفهريُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ
стр. 5842
عَلَى المِنْبَرِ) وفي طريق معاذ بن فَضَالة، عن هشامٍ، عن هلالٍ في «باب الصَّدقة على اليتامى» [خ¦١٤٦٥] جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله (فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا) أي: حُسْنها وبهجتها الفانية (فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا) أي: ببركات الأرض (وَثَنَّى بِالأُخْرَى) أي: بزهرة الدُّنيا (فَقَامَ رَجُلٌ) لم أعرف (١) اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو، أي: أتصير النِّعمة عقوبةً؟ (فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قُلْنَا: يُوحَى إِلَيْهِ، وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُؤوْسِهِمِ الطَّيْرَ) كأنَّهم يريدون صيدَه، فلا يتحرَّكون مخافة أن يطير (ثُمَّ إِنَّهُ) ﵊ (مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الحاء المهملة والضَّاد المعجمة ممدودًا: العَرَقُ الَّذي أدرَّه عند نزول الوحي عليه (فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا)؟ بمدِّ الهمزة وكسر النُّونِ، الآن (أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟) بفتح الواو والهمزة؛ استفهامٌ على سبيل الإنكار، أي: المال هو خيرٌ، قالها (ثَلَاثًا: إِنَّ الخَيْرَ) الحقيقيَّ (لَا يَأْتِي إِلَّا بِالخَيْرِ) وهذا ليس بخيرٍ حقيقيٍّ لما فيه من الفتنة، والاشتغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة (وَإِنَّهُ كُلَّمَا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «كلُّ ما» بضمِّها (يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضمِّ التَّحتيَّة، من الإنبات، و «الرَّبيعُ»: رفعٌ على الفاعليَّة، وهو الجدول الَّذي يُستقى به (مَا يَقْتُلُ) قتلًا (حَبَطًا) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة والطَّاء المهملة، منصوبٌ على التَّمييز، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، وسقط قوله «ما» لأبي ذَرٍّ وحده، وقوله: «حبطًا» له ولأبي الوقت والأَصيليِّ (أَوْ يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه، أي: يقرب أن يقتل (كُلَّمَا أَكَلَتْ) ضبَّب على: «كلَّما» في «اليونينيَّة» وكتب على (٢) الحاشية صوابه: «إلَّا آكلة الخُضَر» بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد المعجمتين، و «آكلة»: بمدِّ الهمزة، والاستثناء مفرَّغٌ،
стр. 5843
والأصل: كلَّما ينبت الرَّبيع ما يقتل آكِلهُ إلَّا الدَّابة الَّتي تأكل الخُضَر فقط، أكلت -أي: آكلة الخضر- (حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «حتى إذا امتدَّت» (خَاصِرَتَاهَا) شبعًا (اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ) بفتح المثلَّثة واللَّام المخفَّفة والطَّاء المهملة، آخره فوقيَّةٌ، أي: ألقت بعرها سهلًا رقيقًا (وَبَالَتْ) فزال عنها الحبط، وإنَّما تحبط الماشية لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ بطونها، فيعرض لها المرض فتهلك (ثُمَّ رَتَعَتْ) وهذا مَثَلٌ ضربه للمقتصد في جمع الدُّنيا المؤدِّي حقَّها النَّاجي من وبالها، كما نجت آكلة الخُضَر (وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، أي: من حيث المنظر، وأنَّثه مع أنَّ المال مذكَّرٌ (١) باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو التَّاء للمبالغة، كراوية وعلَّامة (حُلْوَةٌ) أي: من حيث الذَّوق (وَنِعْمَ) أي: المال (صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ (٢) أَخَذَهُ بِحَقِّهِ) بأن جمعه من حلالٍ (فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) جميع أنواع الخير، ومنها الجهاد، وهو موضع التَّرجمة. وقد روى النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ- وابن حبَّان في «صحيحه»، وصحَّحه الحاكم من حديث خُرَيم -بالرَّاء مصغَّرًا- ابن فَاتِكٍ -بالفاء والفوقيَّة المكسورة- ورفعه: «من أنفق نفقةً في سبيل الله كُتِبت له بسبع مئة ضعفٍ» وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وغيره مرفوعًا: «مَن أرسل نفقةً في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة درهمٍ، ومَن غزا في سبيل الله بنفسه، وأنفق في وجه ذلك فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة ألف درهمٍ»، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦١] (وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ زيادة: «وابن السَّبيل» (وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ) أي: المال (بِحَقِّهِ) ولأبي ذَرٍّ: «يأخذها» أي: زهرة الدُّنيا (فَهْوَ كَالآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا؛ ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده، ونظر إلى ما فوقه، وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «الَّذي» (وَيَكُونُ) ماله (عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ) بأن يُنطِقَ الله الصَّامت منه بما فعل، أو يمثِّل (٣) مثاله (٤).
стр. 5844
وهذا الحديث قد سبق في «باب الصَّدقة على اليتامى» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦٥] ويأتي إن شاء الله تعالى بمنِّه وعونه (١) في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٧].
(٣٨) (بابُ فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، أَوْ خَلَفَهُ) بتخفيف اللَّام، أي: قام بعده في أهله ومن يتركه (بِخَيْرٍ) بأن قام عنه بما كان يفعله.
٢٨٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو المقعدُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ (٢)) بضمِّ الحاء وفتح السِّين، ابن ذكوان المعلِّم، البصريُّون، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ اليماميُّ (٣) الطَّائيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد كذلك (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة وكسر عين «سَعِيدٍ» مولى الحضرميِّ من أهل المدينة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ) أبو عبد الرَّحمن الجهنيُّ (¬﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ) بأن هيَّأ له أسباب سفره من ماله أو من مال الغازي (فَقَدْ غَزَا) أي: فله مثل أجر الغازي وإن لم يغزُ حقيقةً من غير أن ينقص من أجر الغازي شيءٌ؛ لأنَّ الغازي لا يتأتَّى منه الغزو إلَّا بعد أن يُكفى ذلك العمل، فصار كأنَّه يباشر (٤) معه الغزو، ولكنَّه يضاعَف الأجر لمن جهَّزه من ماله ما لا يضاعَف لمن دلَّه، أو أعانه إعانةً مجرَّدةً عن بذل المال. نعم، من تحقَّق عجزه عن الغزو،
стр. 5845
وصدقت نيَّته، ينبغي ألَّا يُختلَف أنَّ أجره يُضاعف (١) كأجر العامل المباشر لما مرَّ فيمن نام عن حزبه (وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ) في أهله ومن يتركه بأن ناب (٢) عنه في مراعاتهم وقضاء مآربهم زمانَ غيبته (فَقَدْ غَزَا) أي: شاركه في الأجر من غير أن ينقص من أجره شيءٌ، لأنَّ فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله، فكأنَّه مسبَّبٌ (٣) من فعله. وفي حديث عمر بن الخطَّاب مرفوعًا: «من جهَّز غازيًا (٤) حتَّى يستقلَّ كان له مثل أجره حتَّى يموت أو يرجع» رواه ابن ماجه. وفي «الطَّبرانيِّ الأوسط» برجال الصَّحيح مرفوعًا: «مَن جهَّز غازيًا في سبيل الله فله مثل أجره، ومَن خلف غازيًا في أهله بخير، وأنفق على أهله، فله مثل أجره». وفي حديث عمر بن الخطَّاب ﵁ في «صحيح ابن حبَّان» مرفوعًا: «من أظلَّ رأس غازٍ أظلَّه الله يوم القيامة» الحديث. فإن قلت: هل مَن جهَّز غازيًا على الكمال، ويخلفه بخيرٍ في أهله له (٥) أجر غازيَين أو غازٍ واحد؟ أجاب ابن أبي جمرة: بأنَّ ظاهر اللَّفظ يفيد أنَّ له أجر غازيَين؛ لأنَّه ﵊ جعل كلَّ فعلٍ مستقلًّا بنفسه غير مرتبطٍ بغيره.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الجهاد».
٢٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ، وسقط «بن إسماعيل» لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم، ابن يحيى الشَّيبانيُّ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا) يُكْثِر دخوله (بِالمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ)
стр. 5846
سهلةَ، أو اسمها: رميلة، أو الغُمَيصاء، وهي أمُّ أنسٍ (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ) أمَّهاتِ المؤمنين ﵅ (فَقِيلَ لَهُ) أي: لِمَ تخصُّ أمَّ سُليمٍ بكثرة الدُّخول إليها؟ ولم يُسمَّ القائل (فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا) حرام بن ملحان يوم بئر (١) معونَة (مَعِي) أي (٢): في عسكري أو على أمري و (٣) في طاعتي؛ لأنَّه ﵊ لم يشهد بئر معونَة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «المغازي» [خ¦٤٠٨٦] [خ¦٤٠٨٨] [خ¦٤٠٩٠] [خ¦٤٠٩١] وتعليل الكِرمانيِّ دخوله ﵊ على أمِّ سُليم بأنَّها كانت خالته من الرَّضاعة أو النَّسب، وأنَّ المحرميَّة سببٌ لجواز الدُّخول لا يحتاج إليه لأنَّ مِن خصائصه ﵊ جواز الخلوة بالأجنبيَّة لثبوت عصمته.
وقد ظهرت مطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه ﵊ خلف أخاها في أهله بخيرٍ بعد وفاته، وحُسْن العهد من الإيمان، وكفى بجبر الخاطر والتودُّد خيرًا، لا سيما من سيِّد الخلق ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
(٣٩) (باب التَّحَنُّطِ) أي: استعمال الحنوط وهو ما يُطيَّب به الميت (عِنْدَ القِتَالِ).
٢٨٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) بن الحارث الهُجَيميُّ -بضمِّ الهاء وفتح الجيم- قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (٤) (عَنْ
стр. 5847
مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ أنَّه (قَالَ: وَذَكَرَ) بواو الحال، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «ذكر» بإسقاطها (يَوْمَ) وقعة (اليَمَامَةِ) الَّتي كانت بين المسلمين وبين بني حَنيفة أصحاب مسيلمة في ربيعٍ الأوَّل سنة اثنتي عشرة (١) في خلافة أبي بكرٍ، و «اليَمامة»: بتخفيف الميم، مدينة من اليمن على مرحلتَين من الطَّائف، سُمِّيت بامرأةٍ زرقاءَ كانت تبصر الرَّاكب من مسيرة ثلاثة أيام (قَالَ: أَتَى) أبي (٢) (أَنَسٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة (ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) هو ابن شَمَّاسٍ -بفتح الشِّين المعجمة وتشديد الميم، آخره سينٌ مهملةٌ- الخزرجيَّ خطيبَ الأنصار (وَقَدْ حَسَرَ) بمهملتَين مفتوحتَين، أي: كشف (عَنْ فَخِذَيْهِ) بالذَّال المعجمة، واستُدِلَّ به على أنَّ الفخذ ليس بعورةٍ (وَهْوَ يَتَحَنَّطُ) يستعمل الحنوط في بدنه، والواو للحال (فَقَالَ) أي: أنسٌ لثابتٍ: (يَا عَمِّ) دعاه بذلك؛ لأنَّه كان أسنَّ منه ولأنَّه من قبيلته (٣) الخزرج (مَا يَحْبِسُكَ)؟ أي: ما يؤخِّرك (ألَّا تَجِيءَ؟) بتشديد اللَّام، و «تجيءَ» بالنَّصب (قَالَ: الآنَ يَا ابْنَ أَخِي) أجيءُ (وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ، يَعْنِي: مِنَ الحَنُوطِ) بفتح الحاء (ثُمَّ جَاءَ) زاد الطَّبرانيُّ: وقد تحنَّط ونشر أكفانه (فَجَلَسَ فَذَكَرَ) أنسٌ (فِي الحَدِيثِ انْكِشَافًا) أي: نوع انهزامٍ (مِنَ النَّاسِ) وعند ابن أبي زائدةَ عن ابن عونٍ عند الطَّبرانيِّ: فجاء حتَّى جلس في الصَّفِّ والنَّاس ينكشفون (٤) (فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا) أي: افسحوا لنا (حَتَّى نُضَارِبَ القَوْمَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالقوم» بزيادة حرف الجرِّ (مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بل كان الصَّفُّ لا ينحرف عن موضعه (بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ) من الفرار من عدوِّكم حتَّى طمعوا فيكم. وزاد ابن أبي زائدة: فتقدَّم (٥) فقاتل حتَّى قتل. و «أقرانَكم»: بالنَّصب على المفعوليَّة؛ جمع قرنٍ بكسر القاف، وهو الَّذي يعادل الآخر في الشِّدَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «بئسما (٦) عوَّدَكُم أقرانُكم» بالرَّفع فاعل «عوَّدكم».
(رَوَاهُ) أي: الحديث (حَمَّادٌ) هو ابن سلمةَ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البُنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن
стр. 5848
مالكٍ، ولفظه فيما رواه الطَّبرانيُّ: أن ثابت بن قيس بن شَمَّاسٍ جاء يوم اليمامة وقد تحنَّط ولبس ثوبَين أبيضَين، تكفَّن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللَّهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء، ثمَّ قال: بئسما عوّدتم أقرانكم، منذ اليوم خلُّوا بيننا وبينهم ساعةً، فحمل فقاتل حتَّى قُتل، وكانت درعه قد سُرِقَت، فرآه رجلٌ فيما يرى النَّائم، فقال: إنَّها في قِدْرٍ تحت إكافٍ بمكان كذا وكذا، فأوصاه بوصايا، فوجدوا الدِّرع وأنفذوا وصاياه، وعند الحاكم: أنَّه أوصى بعتق بعض رقيقه.
(٤٠) (بابُ فَضْلِ الطَّلِيعَةِ) بفتح الطَّاء المهملة وكسر اللَّام: اسم جنسٍ يشمل الواحد فأكثر، وهو من يُبعَث إلى العدوِّ؛ ليطَّلع على أحوالهم.
٢٨٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير بالتَّصغير التَّيميِّ (١) المدنيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁ وعن أبيه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ) (٢) بني قريظة من اليهود (٣) (يَوْمَ الأَحْزَابِ؟) لمَّا اشتدَّ الأمر، وذلك أنَّ الأحزاب من قريش وغيرهم لما جاؤوا إلى المدينة، وحفر النَّبيُّ ﷺ الخندق بلغ المسلمين أنَّ بني قريظة من اليهود نقضوا العهد الَّذي كان بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشًا على حرب المسلمين
стр. 5849
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (الزُّبَيْرُ) بن العوَّام القرشيُّ أحدُ العشرة: (أَنَا) آتيك بخبرهم (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (الزُّبَيْرُ: أَنَا) مرَّتين، وعند النَّسائيِّ من رواية وهب بن كيسان: أشهد لَسمعت جابرًا يقول: لمَّا اشتدَّ الأمر يوم بني قريظةَ قال رسول الله ﷺ : «مَن يأتينا بخبرهم؟» فلم يذهب أحدٌ، فذهب الزُّبير، فجاء بخبرهم، ثمَّ اشتدَّ الأمر أيضًا، فقال ﵊: «من يأتينا بخبرهم؟» فلم يذهب أحدٌ، فذهب الزُّبير، وفيه: أنَّ الزُّبير توجَّه إليهم ثلاث مرَّاتٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا) بفتح الحاء المهملة والواو، وبعد الألف راءٌ مكسورةٌ فتحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، أي: خاصَّة من أصحابه. وقال التِّرمذيُّ: النَّاصر، ومنه الحواريُّون أصحاب عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام أي: خلصاؤه وأنصاره، وقال قتادة فيما رواه عبد الرَّزاق: الوزير (وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) إضافةً إلى ياء المتكلِّم فحذفَ الياء، وقد ضبطه جماعةٌ بفتح الياء، وهو الَّذي في الفرع وغيره، وآخرون بالكسر وهو القياس، لكنَّهم حين استثقلوا ثلاث ياءاتٍ، حذفوا ياء المتكلِّم، وأبدلوا من الكسرة فتحةً. وقد استُشكِل (١) ذكر الزُّبير هنا، فقال ابن الملقِّن في «التَّوضيح» المشهور -كما قاله شيخنا فتح الدِّين اليعمريُّ- أَنَّ الَّذي توجَّه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان. قال (٢) الحافظ ابن حجرٍ ﵀: وهذا الحصر مردودٌ، فإنَّ (٣) القصَّة الَّتي ذهب لكشفها غير القصَّة الَّتي ذهب حذيفة لكشفها، فقصَّة الزُّبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد الَّذي كان بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين؟ وقصَّة حذيفة كانت لمَّا اشتدَّ الحصار على
стр. 5850
المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطَّوائف، ثمَّ وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذَّرت كلُّ طائفة من الأخرى، وأرسل الله (١) عليهم الرِّيح واشتدَّ البرد تلك اللَّيلة، فانتدب ﵊ مَن يأتيه بخبر قريش، فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك.
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا (٢) في «المغازي» [خ¦٤١١٣]، ومسلمٌ في «الفضائل» والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «السِّير»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُبْعَثُ الطَّلِيعَةُ) بالرَّفع، مفعولٌ ناب (٣) عن الفاعل، ولأبي ذَرٍّ: «يَبعث» بفتح أوَّله «الطَّليعةَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: هل يبعثه الإمام إلى كشف العدوِّ (وَحْدَهُ؟).
٢٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: نَدَبَ) أي: دعا (النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ، قَالَ صَدَقَةُ) شيخ المؤلِّف: (أَظُنُّهُ) أي: النَّدب (يَوْمَ الخَنْدَقِ) وقد رواه الحُميديُّ عن ابن عيينة، فقال فيه: يوم الخندق، من غير شكٍّ (فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ) أي: أجاب (ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ) وسقط لفظ «النَّاس» لغير أبي ذرٍّ (ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ