سهلةَ، أو اسمها: رميلة، أو الغُمَيصاء، وهي أمُّ أنسٍ (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ) أمَّهاتِ المؤمنين ﵅ (فَقِيلَ لَهُ) أي: لِمَ تخصُّ أمَّ سُليمٍ بكثرة الدُّخول إليها؟ ولم يُسمَّ القائل (فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا) حرام بن ملحان يوم بئر (١) معونَة (مَعِي) أي (٢): في عسكري أو على أمري و (٣) في طاعتي؛ لأنَّه ﵊ لم يشهد بئر معونَة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «المغازي» [خ¦٤٠٨٦] [خ¦٤٠٨٨] [خ¦٤٠٩٠] [خ¦٤٠٩١] وتعليل الكِرمانيِّ دخوله ﵊ على أمِّ سُليم بأنَّها كانت خالته من الرَّضاعة أو النَّسب، وأنَّ المحرميَّة سببٌ لجواز الدُّخول لا يحتاج إليه لأنَّ مِن خصائصه ﵊ جواز الخلوة بالأجنبيَّة لثبوت عصمته.
وقد ظهرت مطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه ﵊ خلف أخاها في أهله بخيرٍ بعد وفاته، وحُسْن العهد من الإيمان، وكفى بجبر الخاطر والتودُّد خيرًا، لا سيما من سيِّد الخلق ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
(٣٩) (باب التَّحَنُّطِ) أي: استعمال الحنوط وهو ما يُطيَّب به الميت (عِنْدَ القِتَالِ).
٢٨٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) بن الحارث الهُجَيميُّ -بضمِّ الهاء وفتح الجيم- قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (٤) (عَنْ
стр. 5847
مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ أنَّه (قَالَ: وَذَكَرَ) بواو الحال، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «ذكر» بإسقاطها (يَوْمَ) وقعة (اليَمَامَةِ) الَّتي كانت بين المسلمين وبين بني حَنيفة أصحاب مسيلمة في ربيعٍ الأوَّل سنة اثنتي عشرة (١) في خلافة أبي بكرٍ، و «اليَمامة»: بتخفيف الميم، مدينة من اليمن على مرحلتَين من الطَّائف، سُمِّيت بامرأةٍ زرقاءَ كانت تبصر الرَّاكب من مسيرة ثلاثة أيام (قَالَ: أَتَى) أبي (٢) (أَنَسٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة (ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) هو ابن شَمَّاسٍ -بفتح الشِّين المعجمة وتشديد الميم، آخره سينٌ مهملةٌ- الخزرجيَّ خطيبَ الأنصار (وَقَدْ حَسَرَ) بمهملتَين مفتوحتَين، أي: كشف (عَنْ فَخِذَيْهِ) بالذَّال المعجمة، واستُدِلَّ به على أنَّ الفخذ ليس بعورةٍ (وَهْوَ يَتَحَنَّطُ) يستعمل الحنوط في بدنه، والواو للحال (فَقَالَ) أي: أنسٌ لثابتٍ: (يَا عَمِّ) دعاه بذلك؛ لأنَّه كان أسنَّ منه ولأنَّه من قبيلته (٣) الخزرج (مَا يَحْبِسُكَ)؟ أي: ما يؤخِّرك (ألَّا تَجِيءَ؟) بتشديد اللَّام، و «تجيءَ» بالنَّصب (قَالَ: الآنَ يَا ابْنَ أَخِي) أجيءُ (وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ، يَعْنِي: مِنَ الحَنُوطِ) بفتح الحاء (ثُمَّ جَاءَ) زاد الطَّبرانيُّ: وقد تحنَّط ونشر أكفانه (فَجَلَسَ فَذَكَرَ) أنسٌ (فِي الحَدِيثِ انْكِشَافًا) أي: نوع انهزامٍ (مِنَ النَّاسِ) وعند ابن أبي زائدةَ عن ابن عونٍ عند الطَّبرانيِّ: فجاء حتَّى جلس في الصَّفِّ والنَّاس ينكشفون (٤) (فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا) أي: افسحوا لنا (حَتَّى نُضَارِبَ القَوْمَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالقوم» بزيادة حرف الجرِّ (مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بل كان الصَّفُّ لا ينحرف عن موضعه (بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ) من الفرار من عدوِّكم حتَّى طمعوا فيكم. وزاد ابن أبي زائدة: فتقدَّم (٥) فقاتل حتَّى قتل. و «أقرانَكم»: بالنَّصب على المفعوليَّة؛ جمع قرنٍ بكسر القاف، وهو الَّذي يعادل الآخر في الشِّدَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «بئسما (٦) عوَّدَكُم أقرانُكم» بالرَّفع فاعل «عوَّدكم».
(رَوَاهُ) أي: الحديث (حَمَّادٌ) هو ابن سلمةَ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البُنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن
стр. 5848
مالكٍ، ولفظه فيما رواه الطَّبرانيُّ: أن ثابت بن قيس بن شَمَّاسٍ جاء يوم اليمامة وقد تحنَّط ولبس ثوبَين أبيضَين، تكفَّن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللَّهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء، ثمَّ قال: بئسما عوّدتم أقرانكم، منذ اليوم خلُّوا بيننا وبينهم ساعةً، فحمل فقاتل حتَّى قُتل، وكانت درعه قد سُرِقَت، فرآه رجلٌ فيما يرى النَّائم، فقال: إنَّها في قِدْرٍ تحت إكافٍ بمكان كذا وكذا، فأوصاه بوصايا، فوجدوا الدِّرع وأنفذوا وصاياه، وعند الحاكم: أنَّه أوصى بعتق بعض رقيقه.
(٤٠) (بابُ فَضْلِ الطَّلِيعَةِ) بفتح الطَّاء المهملة وكسر اللَّام: اسم جنسٍ يشمل الواحد فأكثر، وهو من يُبعَث إلى العدوِّ؛ ليطَّلع على أحوالهم.
٢٨٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير بالتَّصغير التَّيميِّ (١) المدنيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁ وعن أبيه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ) (٢) بني قريظة من اليهود (٣) (يَوْمَ الأَحْزَابِ؟) لمَّا اشتدَّ الأمر، وذلك أنَّ الأحزاب من قريش وغيرهم لما جاؤوا إلى المدينة، وحفر النَّبيُّ ﷺ الخندق بلغ المسلمين أنَّ بني قريظة من اليهود نقضوا العهد الَّذي كان بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشًا على حرب المسلمين
стр. 5849
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (الزُّبَيْرُ) بن العوَّام القرشيُّ أحدُ العشرة: (أَنَا) آتيك بخبرهم (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (الزُّبَيْرُ: أَنَا) مرَّتين، وعند النَّسائيِّ من رواية وهب بن كيسان: أشهد لَسمعت جابرًا يقول: لمَّا اشتدَّ الأمر يوم بني قريظةَ قال رسول الله ﷺ : «مَن يأتينا بخبرهم؟» فلم يذهب أحدٌ، فذهب الزُّبير، فجاء بخبرهم، ثمَّ اشتدَّ الأمر أيضًا، فقال ﵊: «من يأتينا بخبرهم؟» فلم يذهب أحدٌ، فذهب الزُّبير، وفيه: أنَّ الزُّبير توجَّه إليهم ثلاث مرَّاتٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا) بفتح الحاء المهملة والواو، وبعد الألف راءٌ مكسورةٌ فتحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، أي: خاصَّة من أصحابه. وقال التِّرمذيُّ: النَّاصر، ومنه الحواريُّون أصحاب عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام أي: خلصاؤه وأنصاره، وقال قتادة فيما رواه عبد الرَّزاق: الوزير (وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) إضافةً إلى ياء المتكلِّم فحذفَ الياء، وقد ضبطه جماعةٌ بفتح الياء، وهو الَّذي في الفرع وغيره، وآخرون بالكسر وهو القياس، لكنَّهم حين استثقلوا ثلاث ياءاتٍ، حذفوا ياء المتكلِّم، وأبدلوا من الكسرة فتحةً. وقد استُشكِل (١) ذكر الزُّبير هنا، فقال ابن الملقِّن في «التَّوضيح» المشهور -كما قاله شيخنا فتح الدِّين اليعمريُّ- أَنَّ الَّذي توجَّه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان. قال (٢) الحافظ ابن حجرٍ ﵀: وهذا الحصر مردودٌ، فإنَّ (٣) القصَّة الَّتي ذهب لكشفها غير القصَّة الَّتي ذهب حذيفة لكشفها، فقصَّة الزُّبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد الَّذي كان بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين؟ وقصَّة حذيفة كانت لمَّا اشتدَّ الحصار على
стр. 5850
المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطَّوائف، ثمَّ وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذَّرت كلُّ طائفة من الأخرى، وأرسل الله (١) عليهم الرِّيح واشتدَّ البرد تلك اللَّيلة، فانتدب ﵊ مَن يأتيه بخبر قريش، فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك.
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا (٢) في «المغازي» [خ¦٤١١٣]، ومسلمٌ في «الفضائل» والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «السِّير»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُبْعَثُ الطَّلِيعَةُ) بالرَّفع، مفعولٌ ناب (٣) عن الفاعل، ولأبي ذَرٍّ: «يَبعث» بفتح أوَّله «الطَّليعةَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: هل يبعثه الإمام إلى كشف العدوِّ (وَحْدَهُ؟).
٢٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: نَدَبَ) أي: دعا (النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ، قَالَ صَدَقَةُ) شيخ المؤلِّف: (أَظُنُّهُ) أي: النَّدب (يَوْمَ الخَنْدَقِ) وقد رواه الحُميديُّ عن ابن عيينة، فقال فيه: يوم الخندق، من غير شكٍّ (فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ) أي: أجاب (ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ) وسقط لفظ «النَّاس» لغير أبي ذرٍّ (ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ
стр. 5851
الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد الثَّالثة، وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ (١) «النَّبيُّ ﷺ »: (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا) بتخفيف الواو؛ ناصرًا أو وزيرًا (وَإِنَّ حَوَارِيَّ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وحواريَّ» (الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ) وفيه منقبةٌ للزُّبير وقوَّة قلبه وشجاعته.
(٤٢) (بابُ) جواز (سَفَرِ) الشَّخصين (الاِثْنَيْنِ) معًا.
٢٨٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) موسى بن نافعٍ الأسديُّ الحنَّاط -بالحاء المهملة والنُّون- مشهورٌ بكنيته، وهو الأكبر (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بفتح الحاء المهملة والذَّال المعجمة المشدَّدة ممدودًا (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللَّام، عبد الله بن زيد البصريِّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الواو، آخره مثلَّثةٌ مصغَّرًا أنَّه (قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَنَا أَنَا) تأكيدٌ أو بيانٌ أو بدلٌ من المجرور أو خبر مبتدأ محذوفٍ (وَصَاحِبٌٍ لِي) هو ابن عمِّه، وهو ليثيٌّ، و «صاحبٌٍ» بالجرِّ أو الرَّفع عطفًا على سابقه، أي: لمَّا أردنا السَّفر إلى أهلينا، إذا أنتما خرجتما: (أَذِّنَا وَأَقِيمَا) بكسر المعجمة، أي: من أحبَّ منكما أن يؤذِّن فليؤذِّن، أو المراد أنَّ أحدهما يؤذِّن، والآخر يجيب، لا أنَّهما يؤذِّنان معًا (وَلْيَؤُمَّكُمَا) بسكون اللَّام وفتح الميم (أَكْبَرُكُمَا).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من كونهما لمَّا أرادا السَّفر قال لهما ﵊: «أذِّنا»، فأقرَّهما على ذلك، وحديث: «الرَّاكبان شيطانان» المرويُّ بإسنادٍ حسنٍ، وصحَّحه ابن خزيمة، قال الطبري: إنَّه زجر أدبٍ وإرشادٍ حسمًا للمادَّة، فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة له، ويأتي إن شاء الله تعالى البحث في ذلك في محلِّه، وقد سبق الحديث في «باب الأذان للمسافر» من «كتاب مواقيت الصَّلاة» [خ¦٦٣٠].
стр. 5852
(٤٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ) أي: لازمٌ لها (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ).
٢٨٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لفظٌ عامٌّ، والمراد به الخصوص، أي: الخيل الغازية في سبيل الله، لقوله في الحديث الآخر: «الخيل لثلاثة» [خ¦٢٨٦٠] أو المراد جنس الخيل، أي: أنَّها بصدد أن يكون فيها الخير، فأمَّا من ارتبطها لعملٍ غير صالحٍ فحصول الوزر لطريان ذلك الأمر العارض. ولأبي ذَرٍّ: «معقودٌ في نواصيها الخير» فأثبت لفظة (١): «معقودٌ» كالإسماعيليِّ من رواية عبد الله عن مالك عن نافع (٢)، وسقطت في «الموطَّأ» كرواية غير أبي ذرٍّ، وكذا في «مسلمٍ» من رواية مالكٍ أيضًا. ومعنى «معقودٌ» ملازمٌ لها كأنَّه معقودٌ فيها. قال في «شرح المشكاة»: ويجوز أن يكون الخير المفسَّر بالأجر والغنيمة -أي: في الحديث الآتي في الباب اللَّاحق [خ¦٢٨٥٢]- استعارةً مكنيَّةً، لأنَّ الخير ليس بشيءٍ محسوسٍ حتَّى تعقد عليه النَّاصية، لكنَّه شبَّهه لظهوره وملازمته بشيءٍ محسوسٍ معقودٍ يحلُّ على مكانٍ مرتفعٍ، فنسب الخير إلى لازم المشبَّه به، وذكر النَّاصية تجريدًا للاستعارة، والحاصل أنَّهم يدخلون المعقول في جنس المحسوس، ويحكمون عليه بما يُحكَم به (٣) على المحسوس مبالغة في اللُّزوم، والمراد بالنَّاصية هنا الشَّعر المسترسل من مقدَّم الفرس، وقد يُكنَّى بالنَّاصية عن جميع ذات الفرس. قال الوليُّ ابن العراقيِّ: ويمكن أنَّه أُشيرَ بذكر النَّاصية إلى أنَّ الخير إنَّما هو في مقدَّمها؛ للإقدام به على العدوِّ، دون مؤخَّرها لما فيه من الإشارة إلى الإدبار.
стр. 5853
وفي هذا الحديث -كما قاله القاضي عياضٌ- مع وجيز لفظه (١) من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع (٢) الجناس الَّذي بين الخيل والخير، وقال ابن عبد البرِّ: فيه تفضيل الخيل على سائر الدَّوابِّ؛ لأنَّه ﵊ لم يأت عنه (٣) في غيرها مثل هذا القول. وروى النَّسائيُّ عن أنسٍ: لم يكن شيءٌ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ بعد النِّساء من الخيل، وفي «طبقات ابن سعدٍ» عن عُريب -بضمِّ المهملة- المليكيِّ: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ (٤) يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] مَن هم؟ قال ﵊: «هم أصحاب الخيل»، ثمَّ قال: «إنَّ المنفق على الخيل كباسط يده بالصَّدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها كذكيِّ المسك يوم القيامة». ويُروَى: أنَّ الفرس إذا التقت الفئتان تقول: سبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح، وهو أشدُّ الدَّوابِّ عَدْوًا، وفي طبعه الخيلاء في مشيه، والسُّرور بنفسه، والمحبَّةُ لصاحبه، وربما عمَّر الفرس إلى تسعين سنةً.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ (٥) أيضًا في «المغازي».
٢٨٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج
стр. 5854
(عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملَتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح السِّين المهملة والفاء، سعيدٍ، كلاهما (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، البارقيِّ الأزديِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الخَيْلُ) أي: المعدَّة للجهاد في سبيل الله أو جنس الخيل (مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا (١) في «الجهاد» [خ¦٢٨٥٢] و «الخُمس» [خ¦٣١١٩] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الخيل» وابن ماجه في «الجهاد».
(قَالَ سُلَيْمَانُ) أي: ابن حربٍ شيخُ المؤلِّف ممَّا رواه أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» موصولًا، مخالفًا لحفص بن عمر شيخِ المؤلِّف أيضًا (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج أنَّه قال في روايته، أي: عن حُصَين وابن أبي السَّفر عن الشعبيِّ: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) فزاد لفظ: «أبي»، بين «ابن» و «الجَعْد» على رواية حفصٍ، وليس مراده أنَّ شعبة يروي عن عروة (٢)، كيف وشعبة لم يدركه (٣)، وإنَّما مراده أنَّ شعبة قال في روايته: «عروة بن أبي الجعد»، كما مرَّ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سليمان بن حربٍ على زيادة «أبي» (مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، أحدُ شيوخ المؤلِّف أيضًا، ممَّا هو موصولٌ في «مسندِ مسدَّد» (عَنْ هُشَيْمٍ) بالتَّصغير، هو ابن بَشِيرٍ بوزن: عظيم، السلميِّ الواسطيِّ (عَنْ حُصَيْنٍ) هو ابن عبد الرَّحمن السَّابق (عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) فأثبت لفظ: «أبي» وصوَّبه ابن المدينيِّ. وذكر ابن أبي حاتمٍ أنَّ اسم «أبي الجعد» سعدٌ، وسيكون لي عودةٌ إلى زيادة كلامٍ (٤) في هذا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٤] إن شاء الله تعالى، بعون الله ومنِّه وقوَّته.
стр. 5855
٢٨٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ البصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّانُ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح الفوقيَّة والتَّحتيَّة المشدَّدة، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حميد الضُّبعيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : البَرَكَةُ) حاصلة (فِي نَوَاصِي الخَيْلِ) وعند الإسماعيليِّ: «البركة تنزل في نواصي الخيل» فصرَّح فيه بما يتعلَّق به الجارُّ والمجرور، ولم يقل في هذا الحديث: «إلى يوم القيامة»، وقد (٢) يُراد بالبركة هنا: الزِّيادة بما يكون من نسلها والكسب عليها والمغانم (٣) والأجر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٤٤٤]، ومسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «الخيل».
(٤٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الجِهَادُ مَاضٍ) أي: مستمرٌّ (مَعَ) الإمام (البَرِّ) أي: العادل (وَ) مع الإمام (الفَاجِرِ) أي: الجائر (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) الموصول في السَّابق [خ¦٢٨٥٠] واللَّاحق [خ¦٢٨٥٢].
٢٨٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشعبيُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عُرْوَةُ) هو ابن الجعد، أو ابن أبي الجعد السَّابق قريبًا (٤) (البَارِقِيُّ) بالموحَّدة والرَّاء بعد الألف فالقاف، نسبةً إلى بارقَ جبلٍ باليمن أو قبيلة من ذي رعين (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) والخير هو (الأَجْرُ) أي: الثَّواب في الآخرة (وَالمَغْنَمُ) أي: الغنيمة في الدُّنيا، فهما بدلان من الخير، أو خبر مبتدأ
стр. 5856
محذوفٍ، أي: هو الأجر والمغنم كما مرَّ. وذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسَّره بالأجر والمغنم (١)، والمغنم المقترن بالأجر إنَّما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيِّد ذلك بما إذا كان الإمام عدلًا، فدلَّ على أنَّه لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر، وأنَّ الإسلام باقٍ وأهلَه إلى يوم القيامة؛ لأنَّ من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين، وهم المسلمون. وفي حديث أبي داود عن مكحولٍ عن أبي هريرة مرفوعًا: «الجهاد واجبٌ عليكم مع كلِّ أميرٍ بَرًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر» وإسناده لا بأس به، إلَّا أنَّ مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة، وفي حديث أنسٍ عنده أيضًا مرفوعًا: «والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخرُ أمَّتي الدَّجَّال، لا يبطله جَور جائرٍ، ولا عدل عادلٍ». وفي حديث جابر عند الإمام أحمد (٢) من الزِّيادة على حديث الباب: «في نواصيها الخير والنَّيل -بفتح النُّون وسكون التَّحتيَّة، بعدها لامٌ- وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها، وادعوا بالبركة»، وزاد ابن سعدٍ في «الطَّبقات» وابن منده في «الصَّحابة»: «والمنفق عليها كباسط كفِّه في الصَّدقة».
(٤٥) (بابُ) فضل (مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا) زاد الكُشْمِيهَنِيُّ: «في سبيل الله» (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]) أي: للغزو.
٢٨٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ) المروزيُّ، وقيل: حفصٌ اسم (٣) جدِّه. قال ابن أبي حاتمٍ: والصَّواب أنَّه: عليُّ بن الحسن بن نَشِيطٍ -بفتح النُّون وكسر المعجمة- بوزن: عظيمٍ، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المصريُّ نزيل الإسكندريَّة المدنيُّ الأصل (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا المَقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 5857
مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ) بنيَّة جهاد العدوِّ، لا لقصد (١) الزِّينة والتَّرفُّه والتَّفاخر (إِيمَانًا بِاللهِ) بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ له، أي: ربطه خالصًا لله تعالى امتثالًا لأمره (وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ) الَّذي وعدهُ به من الثَّواب على ذلك (فَإِنَّ شِبَعَهُ) بكسر المعجمة، أي: ما يشبع به (وَرِيَّهُ) بكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة، أي: ما يرويه من الماء (وَرَوْثَهُ) بالمثلَّثة (وَبَوْلَهُ) ثوابٌ (فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) وعند ابن أبي عاصم في «الجهاد» عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب -بفتح العين المهملة وكسر الرَّاء، بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ موحَّدةٌ- المُلَيْكيِّ (٢) عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «في الخيل وأبوالها وأرواثها كفٌّ من مسك الجنَّة». ورواه ابن سعدٍ في «الطَّبقات» بلفظ: «المنفق على الخيل كباسطِ يده بالصَّدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكيّ المسك»، وعند ابن ماجه من حديث تميمٍ الدَّاريِّ ﵁ مرفوعًا: «من ارتبط فرسًا في سبيل الله ثمَّ عالج علفه بيده كان له بكلِّ حبَّةٍ حسنةٌ» ورواه ابن أبي عاصمٍ أيضًا من حديث شرحبيل بن مسلمٍ: أنَّ روح بن زِنْباع الجُذاميَّ زار تميمًا الدَّاريَّ، فوجده ينقِّي لفرسه شعيرًا ثمَّ يعلِّقه عليه وحوله أهله، فقال له روحٌ: أمَا كان لك من هؤلاء مَن يكفيك؟ قال تميمٌ: بلى، ولكنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئٍ مسلمٍ ينقِّي لفرسه شعيرًا ثمَّ يعلِّقه عليه إلَّا كتب الله له بكلِّ حبَّةٍ حسنةً». ورواه الإمام أحمد في «مسنده».
(٤٦) (بابُ اسْمِ الفَرَسِ وَالحِمَارِ) أي: مشروعيَّة تسميتهما كغيرهما من الدَّوابِّ بأسماءٍ
стр. 5858
تخصُّها (١) لتميُّزها عن غيرها من جنسها (٢).
٢٨٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المقدَّميُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ (أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «مع رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: عام الحديبية (فَتَخَلَّفَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ) بالعمرة (وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ) لأنَّه ﵊ بعثه لكشف حال عدوٍّ لهم (٣) بجهة السَّاحل (فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا) ولأبي ذَرٍّ: «حمارَ وحشٍ» (قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ) أبو قتادة (فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ، حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ (٤) يُقَالُ لَهُ) بالتَّذكير، ولأبي ذَرٍّ: «لها»: (الجَرَادَةُ) بفتح الجيم والرَّاء المخفَّفة، والفرس: واحد الخيل، والجمع: أفراس، الذَّكر والأنثى فيه سواءٌ، وأصله التَّأنيث. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ كان يسمِّي الأنثى من الخيل «فرسةً». قالوا: ولا يقال لها: «فرسةً». نعم، حكى ابن جنِّي والفرَّاء: فرسةً. وتصغير (٥) الفرس: فُرَيْس، وإن أردت الأنثى خاصَّةً لم تقل إلَّا: فريسةً بالهاء، والجمع: أفراس وفروس، ولفظها مشتقٌّ من الأفراس، كأنَّها تفترس الأرض لسرعة مشيها، وللفرس كنًى، منها: أبو شجاعٍ وأبو مدركٍ، والحَجْر: الأنثى من الخيل، قال في القاموس: وبالهاء لحنٌ، وقال بعضهم: لم يدخلوا فيه الهاء لأنَّه اسمٌ لا يشركها
стр. 5859
فيه الذَّكر، والجمع: أحجارٌ وحجورٌ، لكن روى ابن عديٍّ في «الكامل» من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «ليس في حجرةٍ ولا بغلةٍ زكاةٌ». وهذا يدلُّ على أنَّه يقال: حجرة بالهاء (فَسَأَلَهُمْ) أي: سأل أبو قتادة أصحابه المحرمين (أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا) أن يناولوه (فَتَنَاوَلَهُ، فَحَمَلَ) أبو قتادة على الحمار (فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ) منه (فَأَكَلُوا، فَقَدِمُوا) بالقاف، ولأبوي ذَرٍّ -في نسخةٍ- والوقت (١) والأَصيليِّ: «فندموا» بالنُّون بدل القاف من النَّدامة. أي: ندموا على أكله لكونهم محرمين (فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ) ﷺ ، وكان قد سبقهم، وسألوه عن حكم أكله (قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا).
وهذا الحديث قد سبق بمعناه في «الحجِّ» [خ¦١٨٢١] بدون تسميةِ فرس أبي قتادة، ووقع في «سيرة ابن هشامٍ»: أنَّ اسمها: الحَزْوة (٢) -بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي بعدها واوٌ- والَّذي في «الصَّحيح» هو الصَّحيح، أو يكون لها (٣) اسمان.
٢٨٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بفتح الميم وسكون العين المهملة، آخره نونٌ، القزَّاز -بالقاف وتشديد الزَّاي الأولى- المدنيُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، و «عبَّاس»: بالموحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ، و «سَهْل»: بفتح السِّين المهملة وسكون الهاء، ابن سعدٍ السَّاعديُّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) أنَّه (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا) بستاننا (فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: اللُّحَيْفُ) بضمِّ اللَّام وفتح الحاء المهملة وسكون
стр. 5860
التَّحتيَّة، بعدها فاءٌ مصغَّرًا، وضبطه بعضهم: بفتح أوَّله وكسر ثانيه، على وزن: رَغيف، ورجَّحه الدِّمياطيُّ، وجزم به الهرويُّ، وقال: سُمِّي به لطول ذنبه، فَعِيل بمعنى: فاعل، كأنَّه يلحف الأرض بذنبه، وزاد أبوا ذَرٍّ والوقت والأَصيليُّ هنا (١): «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ. «وقال بعضهم: اللُّخَيف» أي: بضمِّ اللَّام وفتح الخاء المعجمة. قال عياضٌ: وبالأوَّل ضبطناه (٢) عن عامَّة شيوخنا، وبالثَّاني عن أبي الحسين اللُّغويِّ، وقيل: لا وجه لضبطه بالخاء المعجمة، وفي «النِّهاية»: أنَّه رُوِيَ بالجيم بدل الخاء المعجمة، وعند ابن الجوزيِّ: بالنُّون بدل اللَّام من النَّحافة. وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف.
٢٨٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه المروزيُّ (أنَّه (٣) سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ) ابن سليمان القرشيَّ الكوفيَّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) هو سلَّامٌ -بتشديد اللَّام- ابن سُلَيم الحنفيُّ الكوفيُّ، وعليه يدلُّ كلام المزيِّ، أو هو عمَّار بن زريقٍ، وبه جزم ابن حجرٍ لإخراج النَّسائيِّ الحديث، وصرَّح فيه به، وجزم الكِرمانيُّ بالأوَّل وتبعه العينيُّ، وقال: لا يصحُّ أن يكون هو عمَّارًا لأنَّه ممَّا انفرد به مسلمٌ، ولم يخرِّج له البخاريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين وسكون الميم
стр. 5861
الأَوْديِّ، بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (عَنْ مُعَاذٍ) هو ابن جبلٍ الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال، أي: راكبًا (١) خلفه (عَلَى حِمَارٍ) له ﵊ (يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة راءٌ، تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سُوَيد في تصغير: أسود، مأخوذٌ من العُفْرة، وهي حمرةٌ يخالطها بياضٌ، ووهم عياضٌ في ضبطه له بالغين المعجمة، وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له: يعفور، وابن عُبدُوسٍ حيث قال: إنَّهما واحدٌ فإنَّ عفيرًا أهداه المقوقس له ﷺ ، ويعفورًا أهداه فروة بن عمرٍو، وقيل: بالعكس (فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، هَلْ) ولأبي ذَرٍّ: «وهل» (تَدْرِي حَقَّ اللهِ) كذا بإسقاط «ما» في الفرع وغيره، وفي نسخةٍ: «ما حقُّ الله» (عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «أن يعبدوا» بحذف المفعول (وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ) بالنَّصب عطفًا على «فإنَّ حقَّ الله»، ولأبي ذَرٍّ: «وحقُّ العباد» (عَلَى اللهِ) بالرَّفع على الاستئناف فضلًا منه (أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا) أي: قلت (٢) ذلك فلا (أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟) فالمعطوف عليه مقدَّرٌ بعد الهمزة (قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ) بذلك (فَيَتَّكِلُوا) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة من الاتِّكال، وللكُشْمِيهَنيِّ: «فَيَنْكِلوا» بالنُّون السَّاكنة وكسر الكاف من النُّكول، وفي «اليونينيَّة»: بضمِّ الكاف لا غير.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «على حمار يقال له: عُفَيرٍ» لأنَّ الحمار اسم جنسٍ، سُمِّيَ ليتميَّز به عن غيره، والحديث أخرجه (٣) أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٠] لكنَّه لم يسمّ فيه الحمار.
стр. 5862
٢٨٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بموحَّدةٍ فمعجمةٍ مشدَّدةٍ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو (١) محمَّد بن جعفرٍ قال (٢): (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ فَزَعٌ) أي: خوف (بِالمَدِينَةِ) أي: ليلًا (فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لَنَا) لا ينافي قوله فيما سبق [خ¦٢٦٢٧] أنَّه لأبي طلحة لأنَّه زوج أمِّه (يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ) بغير ألفٍ ولامٍ، وكان بطيء المشي (فَقَالَ) حين استبرأ الخبر ورجع: (مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) أي: الفرس (لَبَحْرًا) شبَّه جريه -لما كان كثيرًا- بالبحر لكثرة مائه وعدم انقطاعه، وقال الخطَّابيُّ: «إِنْ» هنا نافيةٌ، واللَّام في «لَبحرًا» بمعنى: إلَّا (٣) أي: ما وجدناه إلَّا بحرًا، والعرب تقول: إِنْ زيدٌ لعاقلٌ، أي: ما زيدٌ إلَّا عاقلٌ.
стр. 5863
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد كان للنَّبيِّ ﷺ أربعةٌ وعشرون فرسًا، لكلِّ (١) واحدةٍ (٢) منهنَّ (٣) اسمٌ مخصوصٌ يعيِّنه (٤) ويميِّزه (٥) عن غيره من جنسه، وكان له بغلةٌ تُسمَّى: دُلْدُل (٦)، وناقةٌ تسمَّى: القَصْواء، وأخرى تُسمَّى: العَضْباء، وغير ذلك.
(٤٧) (بابُ مَا يُذْكَرُ) في الحديث (مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ) بالهمزة وتُخفَّف واوًا (٧)، وهو ضدُّ اليُمْن.
٢٨٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الشُّؤْمُ) كائنٌ (فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ) أي: إذا لم يغزَ عليه، أو كان (٨) شموسًا (وَالمَرْأَةِ) إذا كانت غير ولودٍ، أو غير قانعةٍ أو سليطةً (وَالدَّارِ) ذات الجار السُّوء، أو الضَّيِّقة، أو البعيدة من المسجد لا تسمع الأذان، وقد يكون الشُّؤْمُ في غير هذه الثَّلاثة، فالحصر فيها -كما قاله (٩) ابن العربيِّ- بالنِّسبة إلى العادة، لا بالنِّسبة إلى الخِلْقة. وقال الخطَّابيُّ: اليُمْن والشُّؤْم علامتان لما يصيب الإنسان من الخير
стр. 5864
والشَّرِّ، ولا يكون (١) شيءٌ من ذلك إلَّا بقضاء الله، وهذه الأشياء الثَّلاثة ظروفٌ، جُعِلَت مواقع لأقضيةٍ (٢) ليس لها بأنفسها وطبائعها (٣) فعلٌ، ولا تأثيرٌ في شيءٍ إلَّا أنَّها لمَّا كانت أعمَّ الأشياء الَّتي يقتنيها الإنسان، و (٤) كان في غالب أحواله لا يستغني عن دارٍ يسكنها، وزوجةٍ يعاشرها، وفرسٍ مرتبطةٍ، ولا يخلو عن عارضٍ مكروهٍ في زمانه، أضيف (٥) اليُمْن والشُّؤْم إليها إضافةَ مكانٍ، وهما صادران عن مشيئة الله . انتهى. وقد روى الحديثَ مالكٌ وسفيانُ وسائر الرُّواة بدون «إنَّما» واتَّفقت الطُّرق كلُّها على الاقتصار على الثَّلاثة المذكورة. نعم، زادت أمُّ سلمة في حديثها المرويِّ في «ابن ماجه»: «السَّيف» (٦) ولمسلمٍ من طريق (٧) يونس عن ابن شهابٍ: «لا عَدوى ولا طِيَرة، وإنَّما الشُّؤْم في ثلاثةٍ: المرأةِ، والفرسِ، والدَّارِ» وظاهره أنَّ الشُّؤم والطِّيرة في هذه الثَّلاثة. وعند أبي داود من حديث سعد بن مالكٍ مرفوعًا: «لا هامَّة ولا عَدوى ولا طِيَرة، وإن تكن الطِّيرة في شيءٍ ففي الدَّار والفرس والمرأة» قال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطِّيرة، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الثَّلاثة. وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: يُحتمَل أن يكون معنى الاستثناء على حقيقته، وتكون هذه الثَّلاثة خارجةً من (٨) حكم المستثنى منه، أي: الشُّؤم ليس في شيءٍ من الأشياء إلَّا في هذه الثَّلاثة، قال: ويحتمل أن ينزل (٩) على قوله ﷺ : «لو كان شيءٌ سابق القدر سبقه (١٠) العين» والمعنى: أَنْ لو فُرِضَ شيءٌ له قوَّةٌ وتأثيرٌ عظيمٌ يسبق القدر لكان عينًا، والعين لا تَسبقُ فكيف بغيرها. وعليه كلام القاضي عياضٍ، حيث قال: وجه تعقيبِ
стр. 5865
قولِه: «ولا طيرة» بهذه الشَّريطة (١) يدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى: أنَّ الشُّؤم لو كان له وجود في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها أَقْبل الأشياء له (٢)، لكنْ لا وجود له فيها، فلا وجود له أصلًا. انتهى. قال الطِّيبيُّ: فعلى هذا: الشُّؤمُ في الأحاديث المستشهَد بها محمولٌ على الكراهة الَّتي سببُها ما في الأشياء من مخالفة الشَّرع أو الطَّبع، كما قيل: شؤم الدَّار ضيقُها وسوء جيرانها، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها ونحوهما، وشؤم الفرس ألَّا يُغزَى عليها، فالشُّؤم فيها عدم موافقتها له شرعًا أو طبعًا. ويؤيِّده ما ذكره في «شرح السُّنَّة» كأنَّه يقول: إِنْ كان لأحدكم (٣) دارٌ يكره سكناها، أو امرأةٌ يكره صحبتها، أو فرسٌ لا تعجبه، فليفارقْها بأن ينتقل عن الدَّار، ويطلِّق المرأة، ويبيع الفرس، حتَّى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة، كما قال ﷺ في -جواب مَن قال: يا رسول الله إنَّا كنَّا في دارٍ كثيرٍ فيها عددنا وأموالنا، فتحوَّلْنا إلى أخرى، فقَلَّ فيها ذلك- «ذروها ذميمةً» (٤). رواه أبو داود، وصحَّحه الحاكم، فأمرهم بالتَّحُّول عنها؛ لأنَّهم كانوا فيها على استثقالٍ واستيحاشٍ، فأمرهم ﷺ بالانتقال عنها لِيزولَ عنهم ما يجدون من الكراهة، لا أنَّها (٥) سببٌ في ذلك، وقيل: يُحمَل الشُّؤم هنا على معنى قلَّة الموافقة وسوء الطِّباع، كما في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أحمدَ مرفوعًا: «من سعادة المرء المرأةُ الصَّالحةُ، والمسكن الصَّالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السُّوء، والمسكن السُّوء، والمركب السُّوء» وقد جاء عن عائشة ﵂: أنَّها أنكرت على أبي هريرة تحديثه بذلك، فعند أبي داود الطَّيالسيِّ في «مسنده» عن مكحولٍ قال: قيل لعائشة: إنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الشُّؤم في ثلاثةٍ» فقالت: لم يَحْفَظ (٦)،
стр. 5866
إنَّه دخل وهو (١) يقول: «قاتل الله اليهود يقولون: الشُّؤم في ثلاثةٍ» فسمع آخر الحديث، ولم يسمعْ أوَّله، لكنَّه منقطعٌ لأنَّ مكحولًا لم يسمع من عائشة. نعم، روى أحمد وابن خزيمة وصحَّحه الحاكم من طريق (٢) قتادة عن أبي حسَّان: أنَّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا: إنَّ أبا هريرة قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «الطِّيرة في الفرس والمرأة والدَّار» فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنَّما قال: «إنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يتطيَّرون من ذلك» فأخبرت أنَّه ﵊ إنَّما قال ذلك حكايةً عن أهل الجاهليَّة فقط، لكنْ لا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة مَن ذُكِرَ من الصَّحابة له في ذلك.
وهذا الحديث أخرجه [مسلم في «السلام»] (٣) والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء».
٢٨٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) اسمه: سلمةُ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ) أي: إن كان الشُّؤم في شيءٍ حاصلًا (فَفِي المَرْأَةِ وَالفَرَسِ وَالمَسْكَنِ) إخبارٌ أنَّه ليس فيهنَّ شؤمٌ (٤)، فإذا لم يكن في هذه الثَّلاثة فلا يكون في شيءٍ، واتَّفقت النُّسخ على إسقاط قوله: «الشُّؤم»، وكذا هو في «الموطَّأ». نعم، زاد في آخره: «يعني الشُّؤم»، وكذا رواه مسلمٌ، ورواه الدَّارقُطنيُّ عن إسماعيل بن عمر عن مالكٍ ومحمد بن سليمان الحرانيُّ عن مالكٍ بلفظ: «إن كان الشُّؤم في شيءٍ ففي المرأة … » إلى آخره، إلَّا أنَّ إسماعيل لم يقل «في شيءٍ».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥٠٩٥] و «الطِّبِّ» (٥)، ومسلمٌ في «الطِّبِّ»، وابن ماجه في «النِّكاح».
стр. 5867
(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «وقول الله »: (﴿وَالْخَيْلَ﴾) أي: وخلق الخيل (﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾) مفعولٌ له، عُطِفَ على محلِّ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾، واستُدلَّ به على حرمة لحومها ولا دليل فيه؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه (١) غالبًا ألَّا يُقصَد منه غيره أصلًا، ويدلُّ له أنَّ الآية مكيَّةٌ، وعامَّةُ المفسِّرين والمحدِّثين على أنَّ الحُمُر الأهليَّة حُرِّمت عام خيبر، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾» [النحل: ٨].
٢٨٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو إمام دار الهجرة ابن أنسٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) جارٌّ ومجرورٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ثلاثةٌ» بإسقاط حرف الجرِّ والرَّفع: (لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا) الرَّجل (الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا) للجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) (فَأَطَالَ) في الحبل الذي ربطها (٢) به حتَّى تسرح للرَّعي (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم، وبعد الرَّاء السَّاكنة جيمٌ: موضعِ كَلَأٍ (أَوْ رَوْضَةٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي
стр. 5868
كالآتي (فَمَا أَصَابَتْ) أي: ما أكلت وشربت ومشت (فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) بكسر الطَّاء المهملة وفتح التَّحتيَّة، حبلُها المربوطة فيه (مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ) أي: لصاحبها (حَسَنَاتٍ) يوم القيامة، يجدها موفورةً (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا) حبلها المذكور (فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقيَّة وتشديد النُّون، عَدَتْ بمرحٍ ونشاطٍ (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشِّين المعجمة والرَّاء والفاء فيهما، شوطًا أو شوطين فبعدت عن الموضع الَّذي ربطها صاحبها فيه ترعى، ورعت في غيره (كَانَتْ أَرْوَاثُهَا) بالمثلَّثة (وَآثَارُهَا) بالمثلَّثة في الأرض بحوافرها عند خطواتها (حَسَنَاتٍ لَهُ) أي: لصاحبها يوم القيامة (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (فَشَرِبَتْ مِنْهُ) بغير قصد صاحبها (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ) أي: شربها وعدم (١) إرادته أن يسقيها (حَسَنَاتٍ لَهُ، وَ) أمَّا الرَّجل الَّذي هي عليه وزرٌ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) بالنَّصب: للتَّعليل، أي: لأجل الفخر، أي: تعاظُمًا (وَرِياءً) أي: إظهارًا للطَّاعة والباطن بخلافه (وَنِوَاءً) بكسر النُّون وفتح الواو والمدِّ (٢)، عداوةً (لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ) أي: إثمٌ (عَلَى ذَلِكَ) الرَّجل، وقيل: الواو في «و (٣) رياءً ونواءً» بمعنى: «أو» لأنَّ هذه الثَّلاثة قد (٤) تفترق (٥) في الأشخاص، وكلُّ واحدٍ منها مذمومٌ على حدته، وحُذِف من هذه الرِّواية أحد هذه الثَّلاثة اختصارًا، وهو كما ثبت في آخر «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٧١] «رجلٌ ربطها تغنِّيًا وتعفُّفًا، ثمَّ لم ينسَ حقَّ الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك سِترٌ» وسيأتي في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٦].
(وسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) السَّائل صَعْصعةُ بن ناجية جدُّ الفرزدق (عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقتها (فَقَالَ) ﵊: (مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا) شيءٌ منصوصٌ (٦) (إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ) العامَّة الشَّاملة (الفَاذَّةُ) بالفاء والذَّال المعجمة المشدَّدة: القليلة المثل، المنفردة في معناها (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]) وفي هذه الآية
стр. 5869
كما قال ابن بطَّالٍ: تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنَّه شبَّه ما لم يذكر الله حكمه (١) في كتابه وهي الحُمُر بما ذكره. وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّ هذا ليس من القياس في شيء، وإنَّما هو استدلالٌ بالعموم وإثباتٌ لصيغته، خلافًا لمن أنكر أو وقف، وسيكون لنا عودةٌ إلى الكلام على هذا الحديث في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٦] إن شاء الله تعالى.
(٤٩) (بابُ مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ) لمَّا عيَّتْ (فِي الغَزْوِ) إعانةً له.
٢٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ -بالفاء- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين وكسر القاف، بشير بن عقبة الدَّورقيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ) عليُّ بن داود (النَّاجِيُّ) بالنُّون والجيم، نسبةً إلى بني ناجية بن سامة قبيلة كبيرة منهم (قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ) ﵁ (فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: سَافَرْتُ مَعَهُ
стр. 5870
فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ -قَالَ أَبُو عَقِيلٍ) بشيرٌ المذكور: (لَا أَدْرِي) قال أبو المتوكِّل: (غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً؟ -) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «(١) أم عُمْرة» بالميم بدل الواو، وقال داود بن قيسٍ، يعني: الفرَّاء الدَّبَّاغ فيما علَّقه المؤلِّف في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨] عن عبيد الله بن مِقْسمٍ، عن جابرٍ: اشتراه بطريق تبوك، فبيَّن الغزوة جازمًا بها، ووافقه على ذلك عليُّ بن زيد بن جدعان عن أبي المتوكِّل، لكن جزم ابن إسحاق: بأنَّه كان في غزوة ذات الرِّقاع، ورُجِّحَ: بأنَّ أهل المغازي أضبطُ (فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا) بزيادة «أَنْ» (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ) بسكون اللَّام وضمِّ التَّحتيَّة، بعدها عينٌ مهملةٌ (٢) وتشديد الجيم المكسورة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فليتعجَّل» بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة من باب التَّفَعُّل (قَالَ جَابِرٌ: فَأَقْبَلْنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي أَرْمَكَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ ساكنةٍ فميمٍ مفتوحةٍ فكافٍ؛ يخالط حمرتَه سوادٌ (لَيْسَ فِيهِ) أي: في الجمل، ولأبي ذَرٍّ: «فيها» أي: في الرَّاحلة لأنَّ الجمل راحلة (٣) (شِيَةٌ) بكسر الشِّين المعجمة وفتح التَّحتيَّة المخفَّفة، علامةٌ، أي: ليس فيه (٤) لمعةٌ من غير لونه، أو لا عيب فيه (وَالنَّاسُ خَلْفِي) جملةٌ حاليَّةٌ من قوله: «وأنا على جملٍ لي» أي: أنَّ جمله كان يسبق جمال غيره (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ) أي: وقف جملي من الإعياء والكلال، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ [البقرة: ٢٠] أي: وقفوا (فَقَالَ لِي (٥) النَّبِيُّ ﷺ : يَا جَابِرُ، اسْتَمْسِكْ، فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً، فَوَثَبَ البَعِيرُ مَكَانَهُ) ولأحمد: قلت: يا رسول الله، أبطأ جملي هذا، قال: «أنخْه» وأناخ رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال: «أعطني هذه العصا» ففعلت، فأخذها فنخسه بها نخساتٍ، ثمَّ قال: «اركب»، فركبت (فَقَالَ: أَتَبِيعُ الجَمَلَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) وفي «باب إذا اشترط البائع ظهر الدَّابة» من «كتاب الشُّروط» [خ¦٢٧١٨] من طريق عامر الشَّعبيِّ عن جابرٍ، قلت: لا. ثمَّ قال: بعنيه بوقيَّةٍ فبعته، وفي رواية داود بن قيسٍ: أحسبه بأربع أواقٍ فاستثنيت حملانه (٦) إلى أهلي (فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ
стр. 5871
وَدَخَلَ النَّبِيُّ (١) ﷺ المَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «عليه (٢)» (وَعَقَلْتُ الجَمَلَ) بالعقال (٣) (فِي نَاحِيَةِ البَلَاطِ) بفتح الموحَّدة: الحجارة المفروشة عند باب: المسجد (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊: (هَذَا جَمَلُكَ) الَّذي ابتعتَه منِّي (فَخَرَجَ) من المسجد (فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالجَمَلِ، وَيَقُولُ: الجَمَلُ جَمَلُنَا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَعْطُوهَا جَابِرًا) بقطع همزة «أَعطوها» مفتوحةً (ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: الثَّمَنُ وَالجَمَلُ لَكَ) هبةً. قال السُّهيليُّ ما محصِّله: إنَّه ﷺ لمَّا (٤) أخبر جابرًا بعد قتل أبيه بأُحدٍ أنَّ الله أحياه وقال: «ما تشتهي فأزيدك» أكَّد ﷺ الخبر بما يشبهه، فاشترى منه الجمل وهو مطيَّته بثمنٍ معلومٍ، ثمَّ وفَّر عليه الثَّمن والجمل، وزاده على الثَّمن، كما اشترى الله (٥) من المؤمنين أنفسهم بثمنٍ هو الجنَّة، ثمَّ ردَّ عليهم أنفسهم وزادهم، كما قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فتشاكل الفعل مع الخبر.
وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في «المظالم» [خ¦٢٤٧٠]، وشرحه في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨].
(٥٠) (بابُ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ) بسكون العين، أي: الشَّديدة (وَ) على (الفُحُولَةِ مِنَ الخَيْلِ) جمع فحلٍ، والتَّاء فيه كما قال الكِرماني: لعلَّها لتأكيد الجمع كما في الملائكة (وَقَالَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، المَُقْرَئِي -بفتح الميم وضمِّها وسكون القاف وفتح الرَّاء بعدها
стр. 5872
همزةٌ- نسبةً إلى قريةٍ من قرى دمشق، تابعيٌّ ليس له في البخاريِّ سوى هذا: (كَانَ السَّلَفُ) أي: من الصَّحابة فمَن بعدهم (يَسْتَحِبُّونَ الفُحُولَةَ) من الخيل أن يقاتلوا عليها في الجهاد (لأَنَّهَا أَجْرَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ فجيمٍ ساكنةٍ فراءٍ مفتوحةٍ بغير همزٍ، من الجري، وفي بعض الأصول: «أجرأ» بالهمز، من الجراءة (وَأَجْسَرُ) بالجيم وبالسِّين المهملة، أي: من الإناث. وروى الوليد بن مسلمٍ في «الجهاد» له من طريق عُبادة بن نُسَيٍّ -بضمِّ النُّون وفتح المهملة مصغَّرًا- أو ابن (١) محيريز: أنَّهم كانوا يستحبُّون إناث الخيل في الغارات، والبيات، ولِمَا خفي من أمور الحرب، ويستحبُّون الفحول في الصُّفوف، والحصون، ولِمَا ظهر من أمور الحرب.
٢٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) قال الدَّارقطنيُّ: هو أحمد الملقَّب بشَبُّويه، واسم جدِّه: ثابتٌ، وقال الحاكم: هو أحمد بن محمَّد بن موسى، ولقبه مردويه المروزيُّ، وهو (٢) أشهر وأكثر من الأوَّل، كما قاله في «الفتح» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ) بفتح الفاء والزَّاي: خوف (فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ) أسود (٣) كان بطيء المشي (فَرَكِبَهُ، وَقَالَ) حين استبرأ الخبر ورجع: (مَا رَأَيْنَا مِنْ
стр. 5873
فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) الفرس (لَبَحْرًا) «إنْ» في قول الكوفيِّين: بمعنى: «ما» واللَّام في «لَبحرًا» بمعنى: إلَّا، أي: ما وجدنا الفرس إلَّا بحرًا. وعند البصريِّين: «إِنْ» مخفَّفةٌ من الثَّقيلة، قاله ابن الملقِّن، وقال ابن المُنَيِّر: ولا دليل في لفظ الفرس في الحديث لما ترجم (١) له، حيث قال: والفحولة من الخيل، لأنَّ الفرس يتناول الفحل والأنثى، وإنَّما الحصان يخصُّ الفحل، إلَّا أن يستدلَّ البخاريُّ على أنَّه (٢) فحلٌ (٣) بعود ضمير المذكَّر عليه، يعني (٤) في قوله: «وإِنْ وجدناه» وهو استدلالٌ ضعيفٌ أيضًا لأنَّ العود يصحُّ أيضًا على اللَّفظ كما يصحُّ على المعنى، ولفظ الفرس مذكَّرٌ وإن كان يقع على المؤنَّث، عكس لفظ الجماعة فإنَّه مؤنَّثٌ ولكنَّه يقع على المذكَّر، فيجوز إعادة الضَّمير على اللَّفظ وعلى المعنى، إلَّا أنَّهم قالوا في تصغير الفرس الذَّكر: فُرَيس، وفي الأنثى: فُرَيسة، فاتَّبعوا المعنى لا اللَّفظ فهذا (٥) يقوِّي استدلاله، قال في «المصابيح»: لا يقوِّيه ولا يعضده بوجهٍ، فتأمَّله تجدْه كما قلنا.
(٥١) (بابُ) كمِّيَّة (سِهَامِ الفَرَسِ، وَقَالَ مَالِكٌ) إمام دار الهجرة: (يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالبَرَاذِينِ) بفتح الباء والرَّاء وبالذَّال المعجمة، جمع بِرْذَوْن -بكسر الموحَّدة وسكون الرَّاء وفتح المعجمة وسكون الواو- التُّركي (مِنْهَا) أي: من الخيل، وخلافها العِرَابُ، والأنثى بِرْذَوْنةٌ، وزاد في «الموطَّأ»: والهجين (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]) لأنَّ الله تعالى
стр. 5874
امتنَّ بركوب الخيل، وأسهم لها ﷺ ، واسم الخيل يقع على البِرْذَوْن والهجين بخلاف البغال والحمير، والمراد بالهجين: ما يكون أحد أبويه غير عربيٍّ والآخر عربيٌّ (وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ) هو بقيَّة قول مالكٍ، وهو مذهب الشَّافعية والحنابلة وأبي (١) يوسف ومحمَّدٍ.
٢٨٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مصغَّرًا، وكان اسمه: عبد الله الهبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا) أي: غير سهْمَي الفرس فيصير للفارس ثلاثة أسهمٍ، ولا يُزاد الفارس على ثلاثةٍ وإن حضر بأكثر من فرس، كما لا يُنقَص عنها. وقال أبو حنيفة: لا يسهم للفارس إلَّا سهمٌ واحدٌ، ولفرسه سهم، وقال: أكره أن أفضِّل بهيمةً على مسلمٍ، واحتجُّوا له في ذلك بظاهر ما رواه الدَّارقطنيِّ من طريق أحمد بن منصورٍ الرَّماديِّ عن أبي بكرٍ بن أبي شيبة، عن أبي أسامة (٢) وابن نُميرٍ، كلاهما عن عبيد الله بن عمر بلفظ: أسهم للفارس سهمين. وأُجيبَ: بأنَّ المعنى: أسهم للفارس بسبب فرسه سهمَين غيرَ سهمه المختصِّ به، فلا حجَّة فيه، وقد روى أبو داود من حديث أبي عمرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى للفرس سهمَين، ولكلِّ إنسانٍ سهمًا» فكان للفارس ثلاثةُ أسهمٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: تقديم هذا الحديث على قول مالك.
(٥٢) (بابُ مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الحَرْبِ).
стр. 5875
٢٨٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ) الأنماطيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه قال: (قَالَ رَجُلٌ) في روايةٍ عند المؤلِّف في «غزوة حُنَين» [خ¦٤٣١٥] أنَّه من قيسٍ (لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁: أَفَرَرْتُمْ) وفي «باب بغلة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٢٩٣٠] و (١) «المغازي» [خ¦٤٣١٦] «أَوَلَّيتم» (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ) وقعة (حُنَيْنٍ؟) وكانت لسِتٍّ خلتْ من شوَّالَ سنةَ ثمانٍ (قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ) بتشديد نون «لكنَّ» أي: نحن فررنا، ولكنَّ رسول الله ﷺ لم يفرَّ، وحذفَ لأنَّه لم يُرِدْ أن يصرِّح بفرارهم، ومعلوم من حال نبيِّنا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عدم الفرار؛ لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله في رغبتهم في الشَّهادة، ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنَّه فرَّ، ومن قال ذلك في النَّبيِّ ﷺ قُتِل ولم يُستَتَب عند مالكٍ (إِنَّ هَوَازِنَ) وهي قبيلةٌ كبيرةٌ من العرب، يُنسَبون إلى هوازن بن منصور (كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً) جمعُ رامٍ (وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا) أي: هوازن، ولأبي ذَرٍّ: «فاستقبلونا» بالفاء بدل الواو (بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَفِرَّ) أي: فأمَّا نحن فقد فررنا، وأمَّا رسول الله ﷺ فلم يفرَّ، فبيَّن شعبة أنَّ فرار من فرَّ لم يكن على نيَّة الاستمرار في الفرار، وإنَّما انكشفوا من وقع السِّهام، والفرار المتوعَّد عليه: هو أن ينوي عدم العود، وأمَّا من تحيَّز إلى فئةٍ أو كان فرارًا (٢) لكثرة عدد العدوِّ، بأن كان ضعفهم أو أكثر، أو نوى العَودَ إذا أمكنه؛ فليس داخلًا في الوعيد (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) ﵊ (وَإِنَّهُ لَعَلَى (٣) بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ) الَّتي أهداها له ملك أَيْلَةَ أو فروة الجذاميُّ (وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) بن الحارث بن عبد المطَّلب (آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ) أي: أنا النَّبيُّ، والنَّبيُّ لا يكذب، فلست بكاذبٍ فيما أقول حتَّى أنهزم وأنا متيقِّنٌ أنَّ الَّذي وعدني الله به من النَّصر حقٌّ، فلا يجوز عليَّ الفرار، وقوله: «لا كذبْ»
стр. 5876
بسكون الباء. وحكى ابن التِّين عن بعض أهل العلم: أنَّه كان يقوله (١) بفتح الباء. ليخرجه عن الوزن. قال في «المصابيح»: وهذا تغييرٌ للرِّواية الثَّابتة بمجرَّد خيال يقوم في النَّفس، وقد سبق ما يدفع كون هذا شعرًا، فلا حاجة إلى إخراج الكلام عمَّا هو عليه في الرِّواية (أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ) انتسب إلى جدِّه (٢) لشهرة عبد المطَّلب بين النَّاس لِمَا رُزِقَ من نباهة الذِّكر وطول العمر، بخلاف عبد الله أبيه فإنَّه مات شابًّا، أو لأنَّه اشتهر أنَّه يخرج من ذرِّية عبد المطَّلب مَن يدعو إلى الله، ويهدي الله الخلق به، وأنَّه خاتم الأنبياء فانتسب إليه ليتذكَّر ذلك مَن كان يعرفه.
(٥٣) (بابُ الرِّكَابِ) بكسر الرَّاء (وَالغَرْزِ لِلدَّابَّةِ) بالغين المعجمة المفتوحة وتقديم الرَّاء السَّاكنة على الزَّاي، واختُلِفَ هل الرِّكاب والغرز مترادفان؟ أو الغرز للجمل، والرِّكاب للفرس؟ أو الرِّكاب يكون من الحديد والخشب، والغرز لا يكون إلَّا من الجلد؟
٢٨٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهبَّاريُّ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ (٣) ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ) الشَّريفة (فِي الغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) حال كونها (قَائِمَةً أَهَلَّ) بالحجِّ أو (٤) العمرة (مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح اللَّام: قريةٌ خَرِبةٌ على ستَّة أميالٍ من المدينة.
والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة ظاهرةٌ في الغرز، والرِّكاب في معناه، فألحقه به أو أشار به إلى أنَّهما مترادفان.
стр. 5877
(٥٤) (بابُ رُكُوبِ الفَرَسِ العُرْيِ) بضمِّ العين المهملة (١) وسكون الرَّاء، وقال السَّفاقسيُّ: بفتح العين وتشديد التَّحتيَّة، وقال ابن فارسٍ: اعروريتُ (٢) الفرس إذا ركبته عُريًا، وهي نادرةٌ، والمراد: ليس له سرجٌ ولا أداةٌ، ولا يقال مثل هذا في الآدميِّين إنَّما يُقال: عريان.
٢٨٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون تاليها فيهما، ابن أوسٍ السَّلميُّ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: اسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا فزعوا ليلةً بالمدينة وكان قد سبقهم إلى الصَّوت (عَلَى فَرَسٍ) استعاره من أبي طلحةَ (عُرْيٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ) حال كونه (فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ) معلَّقٌ، وفيه: ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من التَّواضع والفروسيَّة البالغة.
(٥٥) (بابُ الفَرَسِ القَطُوفِ) بفتح القاف وضمِّ الطَّاء، أي: البطيء المشي مع تقارب الخُطا.
٢٨٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) البصريُّ ثمَّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء مصغَّرًا، و «يزيدُ» من الزِّيادة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي
стр. 5878
عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً) ليلًا (فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ) يقال له: مندوبٌ، استعاره منه (كَانَ يَقْطُِفُ) بكسر الطَّاء المهملة، وتُضَمُّ (أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ) -بكسر القاف والشَّكُّ من الرَّاوي- وعند المؤلِّف في «باب السُّرعة والرَّكض» من طريق محمَّد بن سيرين، عن أنسٍ بلفظ: فركب فرسًا لأبي طلحة بطيئًا (فَلَمَّا رَجَعَ) بعد أن استبرأ الخبر (قَالَ: وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا) قال في «أساس البلاغة»: وصفَه بالبحر لسعة جريه (فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى) بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: لا يطيق فرسٌ الجريَ معه ببركة الرَّسول ﷺ .
(٥٦) (بابُ) مشروعية (السَّبْقِ بَيْنَ الخَيْلِ) بفتح السِّين المهملة وسكون الموحَّدة مصدرٌ، وأمَّا بفتحها، فهو المال الَّذي يُدفع إلى السَّابق.
٢٨٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة صادٌ مهملةٌ، ابن عقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَجْرَى) أي: سابق (النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ) بضمِّ الضَّاد المعجمة وكسر الميم المشدَّدة (مِنَ الخَيْلِ) أي: عُلِفَ حتَّى سمِنَ وقويَ، ثمَّ قُلِّل علفها (١) إلَّا قوتًا، ثمَّ أدخلت (٢) بيتًا كنينًا وغشيت (٣) بالجلال حتَّى حميت وعرقت وجفّ عرقها فخف لحمها وقويت (٤) على الجري (مِنَ الحَفْيَاءِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء، بعدها تحتيَّةٌ
стр. 5879
ممدودًا ويقصر، مكانٌ خارجَ المدينة (إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ) بفتح الواو، والثَنِيَّة -بفتح المثلَّثة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة- أعلى الجبل أو الطَّريق فيه أو غير ذلك، وسُمِّيت بذلك لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودِّعون إليها (وَأَجْرَى) أي: سابق ﵊ (مَا لَمْ يُضَمَّرْ) من الخيل (مِنَ الثَّنِيَّةِ) المذكورة (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) بتقديم الزَّاي المضمومة على الرَّاء، آخره قافٌ مصغَّرًا، قبيلةٌ من الأنصار، وأُضيفَ المسجد إليهم لصلاتهم فيه، فالإضافة إضافة تعريفٍ لا ملكٍ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى) أي: سابقَ.
(قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن الوليد العدنيُّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريُّ، ومراد المؤلِّف من هذا بيان تصريح الثَّوريِّ عن شيخه بالتَّحديث، بخلاف الرِّواية الأولى فإنَّها بالعنعنة (قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ بالسَّند السَّابق: (بَيْنَ الحَفْيَاءِ) ولأبي ذَرٍّ: «من الحفياء» (إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَبَيْنَ ثَنِيَّةِ) بالجرِّ، ولأبي ذَرٍّ: «ثنيَّةَ» بالفتح (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أجرى» وقد مضى في «باب هل يقال مسجد بني فلان»؟ من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٢٠].
(٥٧) (بابُ إِضْمَارِ الخَيْلِ لِلسَّبْقِ) أي: إهزالها لأجل السَّبق، وسبقت كيفية ذلك في الباب السَّابق.
٢٨٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ (١)) نسبه (٢) لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله اليربوعيُّ الكوفيُّ
стр. 5880
قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَابَقَ) أي: بنفسه، أو أمر، أو أباح المسابقة (بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ) بتشديد الميم المفتوحة (وَكَانَ أَمَدُهَا) أي: غايتها (مِنَ الثَّنِيَّةِ) المعروفة بثنيَّة الوداع (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) بضمِّ الزَّاي، بعدها راءٌ مفتوحةٌ (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ سَابَقَ بِهَا) أي: بالخيل التي لم تُضمَّر، وفيه دليلٌ على أنَّ المراد بالمسابقة بين الخيل مركوبةً، وليس المراد إرسال الفرسَين ليجريا بأنفسهما.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدة في «المجاز»: (أمدًا) أي: (غايةً ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]) وهذا ممَّا اتَّفق عليه أهل اللُّغة، وقد سقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، وقد أورد ابن بطَّالٍ هنا سؤالًا، وهو: كيف ترجم على إضمار الخيل؟ وذكر أنَّ النَّبيَّ ﷺ سابق بين الخيل الَّتي لم تُضمَّر. وأجاب: بأنَّه أشار بطرفٍ من الحديث إلى بقيَّته، وأحال على سائره؛ لأنَّ تمام الحديث: أنَّه ﵊ سابق بين الخيل الَّتي (١) أُضمِرَت وبين الخيل الَّتي لم تُضمَّر، وتعقَّبه ابن المُنَيِّر فقال: إنَّما كان البخاريُّ يترجم على الشَّيء من جهة العامَّة لِمَا قد يكون ثابتًا، ولِمَا قد يكون منفيًّا، فمعنى قوله: باب إضمار الخيل للسَّبق، أي: هل هو شرطٌ أو لا، فبيَّن أنَّه ليس بشرطٍ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سابق بها مضمَّرةً وغير مضمَّرةٍ، وهذا أقعد لمقاصد (٢) البخاريِّ من قول الشَّارح: إنَّما ذكر طرفًا من الحديث ليدلَّ على تمامه، لأنَّ لِقائلٍ أن يقول: إذا لم يكن بدٌّ من الاختصار، فذِكْر (٣) الطَّرف المطابق للتَّرجمة (٤) أولى في البيان، لا سيما والطَّرف المطابق هو أوَّل الحديث؛ إذ أوَّله عن ابن عمرٍ: سابق النَّبيُّ ﷺ بين الخيل التي أُضمِرت من الحفياء إلى ثنيَّة الوداع، ثمَّ ذكر الخيل الَّتي لم تُضمَّر كما ساق (٥) في هذه التَّرجمة، فحمْلُه على تأويلها لا معترضَ (٦) عليه.
стр. 5881
قال ابن حجرٍ: ولا منافاة بين كلامه وكلام ابن بطَّالٍ، بل أفاد النُّكتة في الاقتصار.
(٥٨) (بابُ غَايَةِ السَّبَقِ لِلْخَيْلِ المُضَمَّرَةِ) بتشديد الميم المفتوحة.
٢٨٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن عمرو الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد بن الحارث الفزاريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الأسديِّ المدنيِّ (١) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم (فَأَرْسَلَهَا مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا) أي: غايتها (ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ) وأُضيفَت الثَّنيَّة إلى الوداع، لأنَّها موضع التَّوديع. قال أبو إسحاق: (فَقُلْتُ لِمُوسَى) أي: ابن عقبة: (فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ) وقال سفيان في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٨٦٨] خمسة أو ستَّة، وهو اختلافٌ قريبٌ (وَسَابَقَ) ﵊ (بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ) بتشديد الميم (٢) المفتوحة (فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا) أي: غايتها (مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ) قال أبو إسحاق: (قُلْتُ) أي: لموسى: (فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ) وقال سفيان: ميلٌ [خ¦٢٨٦٨]، ولم يشكَّ (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا) وذكر المؤلِّف هذا الحديث في هذه الأبواب الثَّلاثة من ثلاثة طرقٍ، فأشار في الأوَّل إلى مشروعيَّة السَّبق بين الخيل، وأنَّه ليس من العبث، بل من الرِّياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، والأصل في السَّبق الخيل والإبل. قال ﷺ : «لا سبق إلَّا في نصلٍ أو خُفٍّ أو حافرٍ» رواه التِّرمذيُّ من حديث أبي هريرة وحسَّنه، وابن حبَّان وصحَّحه. قال الإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى: الخفُّ: الإبل، والحافر: الخيل، وتجوز
стр. 5882
المسابقة على الفيل والبغل والحمار على المذهب أخذًا من الحديث السَّابق. والثَّاني: لا، قصرًا للحديث على ما فسَّره (١) به الشَّافعي، وأشار بالثَّاني: إلى أنَّ السُّنَّة أن يتقدَّم إضمار الخيل، وأنَّه لا يمتنع (٢) المسابقة عليها عند عدمه. وبالثَّالث: إلى غاية السَّبق فيُشترَط الإعلام بالموضع الَّذي يبدآن بالجري منه، والموضعِ المنتهي إليه، وتساوي المتسابقَين فيهما، فلو شرط تقدُّم (٣) مبتدأ أحدهما أو منتهاه لم يجز، وفي الحديث: أنَّ المضمَّر لا يُسابَق مع غيره، وهو محلُّ اتِّفاقٍ، ولم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك، بل وليس (٤) في الكتب السِّتَّة له (٥) ذكرٌ، لكن ترجم التِّرمذيُّ له (٦) «باب المراهنة على الخيل»، ولعلَّه أشار إلى ما أخرجه الإمام أحمد والبيهقيُّ والطَّبرانيُّ من حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وراهن، واتَّفقوا على جواز المسابقة بغير عوضٍ وبعوضٍ، لكنْ يُشترط (٧) أن يكون العوض من غير المتسابقين، إمَّا الإمام أو غيره من الرَّعيَّة، بأن يقول: مَن سبق منكما فله من (٨) بيت المال كذا أو عليَّ كذا، لِمَا في ذلك من الحثِّ على المسابقة، وبذل مالٍ في طاعةٍ، وكذلك يجوز أن يكون من أحد المتسابقين، فيقول: إن سبقتني فلك كذا، أو سبقتك فلا شيء لك عليَّ، فإن أخرج كلٌّ منهما مالًا على أنَّه إن سبقه الآخر فهو له لم يجز، لأنَّ كلًّا منهما متردِّدٌ بين أن يَغْنم و (٩) أن يَغْرم، وهو صورة القمار المحرَّم، إلَّا أن يكون بينهما (١٠) محلِّلٌ فيجوز، وهو ثالثٌ على فرسٍ مكافئٍ لفرسيهما (١١)، ولا يُخرِج المحلِّل مِن عنده شيئًا، ليَخرجَ هذا العقد عن صورة القِمار، وصورته أن يُخرج كلٌّ منهما مالًا، ويقولا للثَّالث: إن سبقْتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شيء لك، وهو فيما بينهما،
стр. 5883
أيُّهما سبق أخذ الجُعْل من صاحبه، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد والجمهور، ومنع المالكيَّة إخراج السَّبق منهما ولو بمحلِّلٍ ولم يعرف مالكٌ المحلِّل. لنا: ما رواه أبو داود وابن ماجه من رواية سفيان بن حسين، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أدخل فرسًا بين فرسَين، يعني (١): وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمارٍ، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمارٌ» ولم ينفرد به سفيان بن حسين كما زعم بعضهم، فقد رواه أبو داود أيضًا من طريق سعيد بن بشيرٍ عن الزُّهريِّ.
(٥٩) (بابُ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (عَلَى القَصْوَاءِ) بفتح القاف وسكون الصَّاد المهملة ممدودًا، اسم ناقته ﷺ ، وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله في «الحجِّ» [خ¦١٥٤٤]. (وَقَالَ المِسْوَرُ) بن مخرمة، فيما وصله في «باب الشُّروط في الجهاد» من «كتاب الشُّروط» [خ¦٢٧٣١] مطوَّلًا: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ) أي: ما حرنت (٢).
٢٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن عمرٍو الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم (٣) الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ) بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ ممدودًا.
стр. 5884
٢٨٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زيادٍ النَّهديُّ (١) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابنُ معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويلِ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ، لَا تُسْبَقُ -قَالَ حُمَيْدٌ) الطَّويلُ بالإسناد المذكور: (أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ-) على الشَّكِّ (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسم هذا الأعرابيِّ بعد التَّتبُّع الشَّديد (عَلَى قَعُودٍ) بفتح القاف، وهو ما استحقَّ الرُّكوب من الإبل، وأقلُّ ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل السَّادسة فيُسمَّى جملًا، ولا يقال إلَّا (٢) للذَّكر (فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ) أي: عرف ﷺ كونه شاقًّا عليهم (فَقَالَ) ﵊: (حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ) وفي روايةٍ: «إنَّ حقًّا على الله» فـ «على الله» (٣) متعلِّق بـ «حقًّا» و «ألَّا يرتفعَ»: خبرُ «أَنْ»، و «أَنْ» مصدريَّةٌ، فيكون معرفةً (٤)، والاسم نكرةً، فيكون من باب القَلْب، أي: إن عدم الارتفاع حقٌّ على الله.
стр. 5885
(طَوَّلَهُ) أي: رواه مطوَّلًا (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (عَنْ حَمَّادٍ) هو ابن سلمة (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا التَّعليق وصله أبو داود، ووقع في رواية المُستملي وحده عَقِب حديث عبد الله بن محمَّد، ووقع في رواية غير أبي ذرٍّ الهرويِّ بعد رواية زهيرٍ، وليس سياقه عند أبي داود بأطول من سياق زهير بن (١) معاوية عن حميدٍ. نعم، هو (٢) أطول من سياق أبي إسحاق الفزاريُّ، فتترجَّح رواية المُستملي، وكأنَّه اعتمد رواية أبي إسحاق؛ لِمَا وقع (٣) فيها من التَّصريح بسماع حُميدٍ عن (٤) أنسٍ، وأشار إلى أنَّه روي مطولًا من طريق ثابت، ثم وجده من رواية حميد مطولًا فأخرجه، قاله في «فتح الباري».
ومطابقة التَّرجمة لما ذكره من حيث إنَّ ذِكْر النَّاقة يشمل القصواء وغيرها. قال في «النِّهاية»: «القصواء»: النَّاقة الَّتي قُطِع طرف أذنها، وكلُّ ما قُطِع من الأُذن فهو جَدْعٌ، فإذا بلغ الرُّبع فهو قصوٌ، فإذا جاوزه فهو عَضْبٌ، فإذا استُؤصلت فهو صَلْمٌ، يقال: قصوته قصوًا فهو مقصوٌّ، والنَّاقة قصواء، ولا يقال: بعيرٌ أقصى، ولم تكن ناقته ﵊ قصواء، وإنَّما كان هذا لقبًا؛ لقوله: «تُسمَّى: العَضْباء» و «يقال لها: العَضْباء» ولو كانت تلك صفتها لم يحتجْ لذلك، وقيل: وقد جاء أنَّه كان له ناقةٌ تُسمَّى: العَضْباء، وأخرى تُسمَّى: الجدعاء، وأخرى تُسمَّى (٥): صلماء، وأخرى: مخضرمة، وهذا كلُّه في الأذُن، فيحتمل أن تكون كلُّ واحدةٍ صفة ناقةٍ مفردةٍ، وأن يكون الكلُّ (٦)