قال ابن حجرٍ: ولا منافاة بين كلامه وكلام ابن بطَّالٍ، بل أفاد النُّكتة في الاقتصار.
(٥٨) (بابُ غَايَةِ السَّبَقِ لِلْخَيْلِ المُضَمَّرَةِ) بتشديد الميم المفتوحة.
٢٨٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن عمرو الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد بن الحارث الفزاريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الأسديِّ المدنيِّ (١) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم (فَأَرْسَلَهَا مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا) أي: غايتها (ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ) وأُضيفَت الثَّنيَّة إلى الوداع، لأنَّها موضع التَّوديع. قال أبو إسحاق: (فَقُلْتُ لِمُوسَى) أي: ابن عقبة: (فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ) وقال سفيان في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٨٦٨] خمسة أو ستَّة، وهو اختلافٌ قريبٌ (وَسَابَقَ) ﵊ (بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ) بتشديد الميم (٢) المفتوحة (فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا) أي: غايتها (مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ) قال أبو إسحاق: (قُلْتُ) أي: لموسى: (فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ) وقال سفيان: ميلٌ [خ¦٢٨٦٨]، ولم يشكَّ (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا) وذكر المؤلِّف هذا الحديث في هذه الأبواب الثَّلاثة من ثلاثة طرقٍ، فأشار في الأوَّل إلى مشروعيَّة السَّبق بين الخيل، وأنَّه ليس من العبث، بل من الرِّياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، والأصل في السَّبق الخيل والإبل. قال ﷺ : «لا سبق إلَّا في نصلٍ أو خُفٍّ أو حافرٍ» رواه التِّرمذيُّ من حديث أبي هريرة وحسَّنه، وابن حبَّان وصحَّحه. قال الإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى: الخفُّ: الإبل، والحافر: الخيل، وتجوز
стр. 5882
المسابقة على الفيل والبغل والحمار على المذهب أخذًا من الحديث السَّابق. والثَّاني: لا، قصرًا للحديث على ما فسَّره (١) به الشَّافعي، وأشار بالثَّاني: إلى أنَّ السُّنَّة أن يتقدَّم إضمار الخيل، وأنَّه لا يمتنع (٢) المسابقة عليها عند عدمه. وبالثَّالث: إلى غاية السَّبق فيُشترَط الإعلام بالموضع الَّذي يبدآن بالجري منه، والموضعِ المنتهي إليه، وتساوي المتسابقَين فيهما، فلو شرط تقدُّم (٣) مبتدأ أحدهما أو منتهاه لم يجز، وفي الحديث: أنَّ المضمَّر لا يُسابَق مع غيره، وهو محلُّ اتِّفاقٍ، ولم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك، بل وليس (٤) في الكتب السِّتَّة له (٥) ذكرٌ، لكن ترجم التِّرمذيُّ له (٦) «باب المراهنة على الخيل»، ولعلَّه أشار إلى ما أخرجه الإمام أحمد والبيهقيُّ والطَّبرانيُّ من حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وراهن، واتَّفقوا على جواز المسابقة بغير عوضٍ وبعوضٍ، لكنْ يُشترط (٧) أن يكون العوض من غير المتسابقين، إمَّا الإمام أو غيره من الرَّعيَّة، بأن يقول: مَن سبق منكما فله من (٨) بيت المال كذا أو عليَّ كذا، لِمَا في ذلك من الحثِّ على المسابقة، وبذل مالٍ في طاعةٍ، وكذلك يجوز أن يكون من أحد المتسابقين، فيقول: إن سبقتني فلك كذا، أو سبقتك فلا شيء لك عليَّ، فإن أخرج كلٌّ منهما مالًا على أنَّه إن سبقه الآخر فهو له لم يجز، لأنَّ كلًّا منهما متردِّدٌ بين أن يَغْنم و (٩) أن يَغْرم، وهو صورة القمار المحرَّم، إلَّا أن يكون بينهما (١٠) محلِّلٌ فيجوز، وهو ثالثٌ على فرسٍ مكافئٍ لفرسيهما (١١)، ولا يُخرِج المحلِّل مِن عنده شيئًا، ليَخرجَ هذا العقد عن صورة القِمار، وصورته أن يُخرج كلٌّ منهما مالًا، ويقولا للثَّالث: إن سبقْتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شيء لك، وهو فيما بينهما،
стр. 5883
أيُّهما سبق أخذ الجُعْل من صاحبه، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد والجمهور، ومنع المالكيَّة إخراج السَّبق منهما ولو بمحلِّلٍ ولم يعرف مالكٌ المحلِّل. لنا: ما رواه أبو داود وابن ماجه من رواية سفيان بن حسين، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أدخل فرسًا بين فرسَين، يعني (١): وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمارٍ، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمارٌ» ولم ينفرد به سفيان بن حسين كما زعم بعضهم، فقد رواه أبو داود أيضًا من طريق سعيد بن بشيرٍ عن الزُّهريِّ.
(٥٩) (بابُ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (عَلَى القَصْوَاءِ) بفتح القاف وسكون الصَّاد المهملة ممدودًا، اسم ناقته ﷺ ، وهذا طرفٌ من حديثٍ وصله في «الحجِّ» [خ¦١٥٤٤]. (وَقَالَ المِسْوَرُ) بن مخرمة، فيما وصله في «باب الشُّروط في الجهاد» من «كتاب الشُّروط» [خ¦٢٧٣١] مطوَّلًا: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ) أي: ما حرنت (٢).
٢٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن عمرٍو الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم (٣) الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ) بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ ممدودًا.
стр. 5884
٢٨٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زيادٍ النَّهديُّ (١) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابنُ معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويلِ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ، لَا تُسْبَقُ -قَالَ حُمَيْدٌ) الطَّويلُ بالإسناد المذكور: (أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ-) على الشَّكِّ (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسم هذا الأعرابيِّ بعد التَّتبُّع الشَّديد (عَلَى قَعُودٍ) بفتح القاف، وهو ما استحقَّ الرُّكوب من الإبل، وأقلُّ ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل السَّادسة فيُسمَّى جملًا، ولا يقال إلَّا (٢) للذَّكر (فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ) أي: عرف ﷺ كونه شاقًّا عليهم (فَقَالَ) ﵊: (حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ) وفي روايةٍ: «إنَّ حقًّا على الله» فـ «على الله» (٣) متعلِّق بـ «حقًّا» و «ألَّا يرتفعَ»: خبرُ «أَنْ»، و «أَنْ» مصدريَّةٌ، فيكون معرفةً (٤)، والاسم نكرةً، فيكون من باب القَلْب، أي: إن عدم الارتفاع حقٌّ على الله.
стр. 5885
(طَوَّلَهُ) أي: رواه مطوَّلًا (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (عَنْ حَمَّادٍ) هو ابن سلمة (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا التَّعليق وصله أبو داود، ووقع في رواية المُستملي وحده عَقِب حديث عبد الله بن محمَّد، ووقع في رواية غير أبي ذرٍّ الهرويِّ بعد رواية زهيرٍ، وليس سياقه عند أبي داود بأطول من سياق زهير بن (١) معاوية عن حميدٍ. نعم، هو (٢) أطول من سياق أبي إسحاق الفزاريُّ، فتترجَّح رواية المُستملي، وكأنَّه اعتمد رواية أبي إسحاق؛ لِمَا وقع (٣) فيها من التَّصريح بسماع حُميدٍ عن (٤) أنسٍ، وأشار إلى أنَّه روي مطولًا من طريق ثابت، ثم وجده من رواية حميد مطولًا فأخرجه، قاله في «فتح الباري».
ومطابقة التَّرجمة لما ذكره من حيث إنَّ ذِكْر النَّاقة يشمل القصواء وغيرها. قال في «النِّهاية»: «القصواء»: النَّاقة الَّتي قُطِع طرف أذنها، وكلُّ ما قُطِع من الأُذن فهو جَدْعٌ، فإذا بلغ الرُّبع فهو قصوٌ، فإذا جاوزه فهو عَضْبٌ، فإذا استُؤصلت فهو صَلْمٌ، يقال: قصوته قصوًا فهو مقصوٌّ، والنَّاقة قصواء، ولا يقال: بعيرٌ أقصى، ولم تكن ناقته ﵊ قصواء، وإنَّما كان هذا لقبًا؛ لقوله: «تُسمَّى: العَضْباء» و «يقال لها: العَضْباء» ولو كانت تلك صفتها لم يحتجْ لذلك، وقيل: وقد جاء أنَّه كان له ناقةٌ تُسمَّى: العَضْباء، وأخرى تُسمَّى: الجدعاء، وأخرى تُسمَّى (٥): صلماء، وأخرى: مخضرمة، وهذا كلُّه في الأذُن، فيحتمل أن تكون كلُّ واحدةٍ صفة ناقةٍ مفردةٍ، وأن يكون الكلُّ (٦)
стр. 5886
صفة ناقةٍ واحدةٍ، فسمَّاها كلُّ واحدٍ منهم بما تخيَّل، وبذلك جزم الحربيُّ، ويؤيِّد ذلك ما رُوِيَ في حديث عليٍّ حين بعثه ﵊ ببراءة. فروى ابن عبَّاسٍ: أنَّه ركب ناقة رسول الله ﷺ القصواء، وروى جابرٌ: العضباء، ولغيرهما: الجدعاء، فهذا يصرِّح أنَّ الثلاثة صفة ناقةٍ واحدةٍ، لأنَّ القصَّة واحدةٌ.
(٦٠) (بابُ الغَزْوِ عَلَى الحَمِيرِ) كذا (١) وقع للمُستملي وحده من غير ذكر حديثٍ، ويناسبه حديث معاذٍ السَّابق: كنت رِدف النبيِّ ﷺ على حمارٍ يقال له: عفير [خ¦٢٨٥٦]. فيحتمل أنَّ المؤلِّف رحمه الله تعالى بيَّض له ليكتبه من غير الطريق السابقة كعادته، فاخترمته المنيَّة قبل، وضمَّ النسفيُّ هذه الترجمة لتاليتها (٢) فقال: «باب الغزو على الحمير وبغلة النبيِّ ﷺ ». واستُشكِل لأنَّه لا ذكر للحمير في حديثَي الباب. وأُجيب: باحتمال أن يؤخذ حكم الحمار من البغلة، أو أنَّ المؤلِّف بيَّض له.
(٦١) (بابُ بَغْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ البَيْضَاءِ، قاله أنسٌ) في حديثه الطَّويل في قصَّة حُنَينٍ [خ¦٤٣٣٧] (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن بن سعدٍ السَّاعديُّ، في حديثه الطَّويل في غزوة تبوك السَّابق موصولًا في أواخر «الزَّكاة» [خ¦١٤٨١] (أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة: مدينةٌ على (٣) ساحل البحر بين مصرَ ومكَّة في قول أبي عُبيدٍ، وقال غيره: هي آخر الحجاز وأوَّل الشَّام، بينها وبين المدينة خمسَ عشرةَ مرحلةً، واسم ملكها: يوحنَّا بن رُؤبة (٤)، واسم أمِّه: العَلْماء
стр. 5887
(لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) وهذه غير البغلة الَّتي كان عليها يوم حُنينٍ، وفي «مسلمٍ» عن العبَّاس: أنَّ البغلة الَّتي كانت تحته يوم حنينٍ أهداها له فروة بن نُفاثة -بضمِّ النون، وبعد الفاء المخفَّفة ألفٌ فمثلَّثةٌ- وهذا هو الصَّحيح.
٢٨٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أبو حفصٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الحَارِثِ) المصطلقيَّ الخزاعيَّ أخا أمِّ المؤمنين جويريةَ بنت الحارث ﵄ (قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ) هي دُلْدُل لأنَّ أهل السِّير لم يذكروا بغلةً بقيت بعده ﵊ سواها، والشُّهْبة غَلَبَة البياض على السَّواد، فسمَّاها بيضاء لذلك (وَسِلَاحَهُ) الَّذي أعدَّه للحرب (وَأَرْضًا تَرَكَهَا) وفي «الوصايا» [خ¦٢٧٣٩] جعلها (صَدَقَةً) أي: في صحَّته، وأخبر بحكمها عند وفاته، والأرض: هي نصف فدكٍ، وثلث أرض (١) وادي القرى، وسهمه من خمس خيبر، وحقُّه (٢) من بني النَّضير، قاله الكِرمانيُّ رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩١٢] و «المغازي» [خ¦٤٤٦١]، والنَّسائيُّ في «الأحباس»، وسبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٣٩].
стр. 5888
٢٨٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّانُ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ لَهُ رَجُلٌ) من قيسٍ: (يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ) وفي «باب مَن قاد دابَّة غيره» [خ¦٢٨٦٤] أفررتم (يَوْمَ) وقعة (حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ مَا وَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ¬) قال النَّوويُّ: هذا الجواب من بديع الأدب؛ لأنَّ تقدير الكلام: أفررتم كلُّكم فيدخل فيه النَّبيُّ ﷺ ، فقال البراء: لا والله ما فرَّ النَّبيُّ (١) ﷺ ، ويحتمل أنَّ السَّائل أخذ التَّعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] فبيَّن له البراء أنَّه من العموم الَّذي أُريدَ به الخصوص، ثمَّ أوضح سبب ذلك بقوله: (وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ) بفتح السِّين المهملة والرَّاء، وقد تُسكَّن، أي: المستعجلون منهم (فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ) بفتح النُّون، لا واحدَ له من لفظه، وفي «باب من قاد دابَّة غيره» [خ¦٢٨٦٤] «إنَّ هوازن كانوا قومًا رماةً، وإنَّما (٢) لمَّا لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم، فاستقبلونا بالسِّهام» فبيَّن السَّبب في الإسراع (وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ) الَّتي أهداها له فروة بن نُفاثة كما مرَّ عن رواية مسلمٍ، ولأبي ذَرٍّ: «على بغلةٍ بيضاءَ» (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ) بن عبد المطَّلب (آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ) أي: فلا أنهزم لأنَّ الَّذي وعدني الله به من النَّصر حقٌّ لا خُلْف لميعاده تعالى (أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ) انتسَب لجدِّه لشهرته به، كما قال ضمام بن ثعلبة لمَّا قدم: أيُّكم ابن عبد المطَّلب؟
(٦٢) (بابُ جِهَادِ النِّسَاءِ).
стр. 5889
٢٨٧٥ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، أبو عبد الله العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ) بن طلحة التَّيميِّ أبي الأزهر (عَنْ) عمَّته (عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) التَّيميَّة (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ) وهو القتال في سبيل الله (فَقَالَ) ﵊: (جِهَادُكُنَّ الحَجُّ).
وسبق هذا الحديث (١) بمعناه في أوَّل «الجهاد» [خ¦٢٧٨٤]، وأواخر «الحجِّ» [خ¦١٥٢٠].
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ) العدنيُّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، ممَّا هو موصولٌ في «جامعه» (عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن إسحاق (بِهَذَا).
٢٨٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة (٢) السُّوائيُّ العامريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن سعيدِ بن مسروقٍ الثَّوريُّ (عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن إسحاق (بِهَذَا … ) الحديث.
(وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، القصَّاب أبي (٣) عبد الله الحِمَّانيِّ -بكسر المهملة وتشديد الميم- الكوفيِّ (عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) التَّيميَّة (٤) (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ الجِهَادِ) في سبيل الله هل يفعلنه؟ (فَقَالَ) ﵊: (نِعْمَ الجِهَادُ الحَجُّ) بكسر النُّون وسكون العين المهملة، ورواية حبيبٍ هذه
стр. 5890
قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها موصولةٌ من رواية قَبيصة المذكورة، قال: والحاصل: أنَّ عنده -يعني: المؤلِّف- فيه عن سفيان إسنادَين، وفيه كما قال ابن بطَّالٍ: أنَّ النِّساء لا يجب عليهنَّ الجهاد؛ لأنهنَّ لسن من أهل القتال للعدوِّ، والمطلوب منهنَّ التَّستُّر ومجانبة الرِّجال، فلذا (١) كان الحجُّ أفضل لهنَّ. نعم، لهنَّ أن يتطوَّعْنَ بالجهاد، وللإمام أن يستعين بامرأةٍ وخنثى ومراهقٍ إذا كان فيهنَّ (٢) غَناء في القتال أو غيره، كسقي الماء ومداواة الجرحى، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٦٣) (بابُ غَزْوِ المَرْأَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «غزوة المرأة» (فِي البَحْرِ).
٢٨٧٧ - ٢٨٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن الحارث، وزاد أبو ذرٍّ: «هو الفَزَاريُّ» بفتح الفاء والزَّاي (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ) أبي طُوَالة -بضمِّ الطَّاء المهملة وتخفيف الواو- وليس بينه وبين سابقه زائدة بن قدامة كما زعم أبو مسعودٍ في «الأطراف» وأقرَّه المزِّيُّ عليه، فقد أخرجه الإمام أحمد وغيره كالبخاريِّ، ليس فيه زائدة عن أبي طوالة، وقد ثبت سماع أبي إسحاق
стр. 5891
من أبي طوالة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام، بعدها حاءٌ مهملةٌ فألفٌ فنونٌ، أمِّ حرامٍ خالة أنسٍ (فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا) فنام (ثُمَّ ضَحِكَ) بعد أن استيقظ من نومه (فَقَالَتْ) أمُّ حرامٍ: (لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: نَاسٌ) أي: أضحكني ناس (مِنْ أُمَّتِي، يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَثَلُهُمْ) في الدُّنيا أو في الجنَّة (مَثَلُ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ) إلى النَّوم، ثمَّ استيقظ (فَضَحِكَ، فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ (١)) أي: مثل قولها الأوَّل: لِمَ تضحك؟ (أَوْ) قالت: (مِمَّ ذَلِكَ؟) أي: الضَّحك (فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ) «ناسٌ من أمَّتي يركبون … » إلى آخره، لكن قيل في هذا: «يركبون البرَّ» وهو الظَّاهر (٢) (فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) الَّذين يركبون البحر (وَلَسْتِ مِنَ الآخِرِينَ) الَّذين يركبون البرَّ (قَالَ) أبو طُوَالة: (قَالَ أَنَسٌ: فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) وفي رواية إسحاق عن أنسٍ في أوَّل «الجهاد» [خ¦٢٧٨٨] وكانت أمُّ حرامٍ تحت عبادة بن الصَّامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ ، وظاهر هذه (٣) أنَّها كانت حينئذٍ زوجتَه، بخلاف الأولى. وأُجيبَ: بأنَّها كانت إذ ذاك زوجتَه، ثمَّ طلَّقها، ثمَّ راجعها بعد ذلك، قاله ابن التِّين، وقيل: إنَّما (٤) تزوَّجها بعد ذلك، وهذا أولى لموافقة محمَّد بن يحيى بن حبَّان عن أنسٍ: على أنَّ عُبادة تزوَّجها بعدُ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «باب ركوب البحر» [خ¦٢٨٩٤]، ويحمل قوله في رواية إسحاق: «وكانت تحت عبادة» على أنَّه (٥) جملةٌ معترضةٌ، أراد الرَّاوي وصفها به غير مقيَّدٍ بحالٍ من الأحوال، وظهر من رواية غيره أنَّه إنَّما تزوَّجها بعد ذلك، قاله في «الفتح» (فَرَكِبَتِ البَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ) بالقاف والرَّاء والظَّاء المعجمة المفتوحات، فاختةَ امرأةِ
стр. 5892
معاويةَ بن أبي سفيانَ، وكان أخذها معه لمَّا غزا قبرص (١) في البحر سنة ثمانٍ (٢) وعشرين، وهو أوَّل من ركب البحر للغزاة في خلافة عثمان ﵄، وقَرَظَة: هو ابن عبد (٣) عمرو (٤) بن نوفل بن عبد منافٍ، وليس هو قَرَظَة بن كعبٍ الأنصاريَّ (فَلَمَّا قَفَلَتْ) أي: رجعت (رَكِبَتْ دَابَّتَهَا، فَوَقَصَتْ بِهَا) بفتح الواو (فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَمَاتَتْ). الوقصُ: كسر العنق، يقال: وَقَصْتُ عُنقَه أقِصُها وَقْصًا، ووقصت به راحلته، كقولك: خذ الخطام وخذ بالخطام، ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن يقال: وقص الرَّجل فهو موقوصٌ.
(٦٤) (بابُ حَمْلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي الغَزْوِ دُونَ بَعْضِ نِسَائِهِ).
٢٨٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، أبو محمَّد السَّلميُّ الأنماطيُّ البرسانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مصغَّرًا قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيدَ الأيليُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ
стр. 5893
بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) أي: اللَّيثيَّ (وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود، الأربعةُ (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) ﵂ (كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً) أي: قطعةً (مِنَ الحَدِيثِ) عنها (١) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) أي: يمضي إلى سفرٍ (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ) بتاء التَّأنيث (يَخْرُجُ) بفتح حرف المضارعة وضمِّ الرَّاء (سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق (فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) أي: الأمر به، وفي رواية ابن اسحاق: فخرج سهمي عليهنَّ فخرج بي معه، وهو ظاهرٌ بأنَّه خرج بها وحدها، وأمَّا ما ذكره الواقديُّ من أنَّ أمَّ سلمة خرجت معه أيضًا في هذه الغزوة فغير صحيحٍ، والله أعلم (٢).
(٦٥) (بابُ غَزْوِ (٣) النِّسَاءِ وَقِتَالِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ).
٢٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمَين، بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج ميسرةَ المقعدُ التَّميميُّ المنقريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ؛ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وثبت ﷺ ، ولم يبق معه من أصحابه إلَّا اثنا عشر رجلًا، وكان سبب الهزيمة اشتغالهم بغنيمة الكفَّار لمَّا هزمهم المسلمون، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٠٦٤] (قَالَ) أنسٌ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَأُمَّ سُلَيْمٍ) هي أمُّ أنسٍ (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ) بكسر الميم الثَّانية المشدَّدة (أَرَى) أبصر (خَدَمَ سُوقِهِمَا) بفتح
стр. 5894
الخاء المعجمة والدَّال المهملة، خلاخيلهما، وقيل: سُمِّي الخلخال خدمة؛ لأنَّه ربَّما كان من سيور مركَّب فيه (١) الذَّهب والفضَّة، والخدمة في الأصل السَّير، والمخدم: موضع الخلخال من السَّاق، ولعلَّ رؤيته لذلك كانت عن (٢) غير قصدٍ للنَّظر، أو قبل الحجاب (تَنْقُزَانِ القِرَبَ) بفتح حرف المضارعة وسكون النُّون وضمِّ القاف، وبعد الزَّاي ألفٌ فنونٌ، والنَّقز: الوثب، وهو لازمٌ، أي: تثبان (٣) وتقفزان من سرعة (٤) السَّير، و «القرب» بالنصب واستُبعد لأنَّ «تنقز» غيرُ متعدٍّ، وأوَّله بعضهم على نزع الخافض، أي: تثبان بالقرب، وقرأه بعضهم بالرَّفع على أنَّه مبتدأٌ، خبره: «على متونهما» والجملة حاليَّةٌ، وضبط آخر: تُنقزان بضمِّ حرف المضارعة من: أنقز، فعدَّاه بالهمزة، أي: تحرِّكان القربَ لشدَّة عَدْوهما، ويصحُّ نصب «القرب» على هذا الوجه، وأعربه البدر الدَّمامينيُّ على أنَّه مفعولٌ باسم فاعلٍ منصوبٍ على الحال محذوفٍ، أي: تنقزان جاعلتَين القربَ، أو ناقلتَين القربَ على متونهما، قال: وحُذِفَ العامل لدلالة الكلام عليه (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أبي معمر، وهو جعفر بن مهران عن عبد الوارث: (تَنْقُلَانِ القِرَبَ) باللَّام بدل الزَّاي (عَلَى مُتُونِهِمَا) أي: ظهورهما (٥)، ولا إشكال في النَّصب على هذه الرِّواية (٦) كما لا يخفى (ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ) بضمِّ حرف المضارعة من: أفرغَ، أي: تفرغان (٧) الماء الَّذي في القرب (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا) أي: القرب، ولأبي ذَرٍّ: «فتفرغانه» أي: الماء (فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ) قال ابن المُنَيِّر: بوَّب على قتالهنَّ وليس هو في الحديث، فإمَّا أن يريد أنَّ إعانتهنَّ للغزاة غزوٌ، وإما أن يريد أنَّهنَّ ما ثبتن للمداواة ولسقي
стр. 5895
الجرحى إلَّا وهنَّ يدافعْن عن أنفسهنَّ وهو الغالب، فأضاف إليهنَّ القتال لذلك. انتهى. ويؤيِّد الأوَّل حديث ابن عبَّاسٍ عند مسلمٍ: «كان يغزو بهنَّ فيداوين الجرحى» ويؤيِّد الثَّاني: حديث أنسٍ عند مسلمٍ (١) أيضًا: أنَّ أمَّ سُليمٍ اتَّخذت خنجرًا يوم حُنَينٍ، فقالت: اتَّخذته إن دنا منِّي أحدٌ من المشركين بَقَرتُ به (٢) بطنه، وقد رُوِيَ: أنَّ أمَّ سُليمٍ كانت تسبق الشُّجعان في الجهاد (٣)، وثبتتْ يوم حُنينٍ والأقدامُ قد زلَّت (٤) والصُّفوف قد انتقضت (٥) والمنايا فغرت فاها، فالتفت إليها رسول الله ﷺ وفي يدها خنجرٌ، فقالت: يا رسول الله، اقتل هؤلاء الَّذين ينهزمون عنك كما يقتل هؤلاء الذين يحاربون، فليسوا بشرٍّ منهم، فقال: «يا أمَّ سُليمٍ، إنَّ الله قد كفى وأحسن». وقد قاتل نساء قريشٍ يوم اليرموك حين دهمتهم (٦) جموع الرُّوم، وخالطوا عسكر المسلمين يضربن النِّساء يومئذ بالسُّيوف، وذلك في خلافة عمر.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «فضل أبي طلحة» [خ¦٣٨١١] وفي «المغازي» [خ¦٤٠٦٤]، ومسلم في «المغازي».
(٦٦) (بابُ حَمْلِ النِّسَاءِ القِرَبَ إِلَى النَّاسِ فِي الغَزْوِ).
стр. 5896
٢٨٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ) أبو يحيى القرظيُّ إمامُ بني قريظة، ولد في عهده (١) ﷺ ، وله رؤيةٌ (٢)، وطال عمره، قاله الذَّهبيُّ، وقال غيره: اختُلِفَ في صحبته، وله حديثٌ مرفوعٌ لكن جزم أبو حاتم بأنَّه مرسلٌ، وصرَّح الزُّهريُّ عنه بالإخبار في حديثٍ آخر، سيأتي إن شاء الله تعالى في «باب لواء النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٢٩٧٦] (إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا) أي: أكسية من صوفٍ أو خَزٍّ كان يُؤتَزر (٣) بها (بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فَبَقِيَ) منها (مِرْطٌ جَيِّدٌ) بكسر الميم وسكون الرَّاء (فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَعْطِ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ (هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ) زوجتَه (أُمَّ كُلْثُومٍ) بضمِّ الكاف والمثلَّثة (بِنْتَ عَلِيٍّ-) وكانت أصغر بنات فاطمة الزَّهراء، وأولاد بناته ﵇ يُنسَبون إليه (فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ) بفتح السِّين المهملة وكسر اللَّام (أَحَقُّ) به (وَأُمُّ سَلِيطٍ) هي -كما ذكره ابن سعدٍ- أمُّ قيسٍ بنتُ عبيد (٤) بن زياد بن ثعلبة من بني مازنٍ، تزوَّجها أبو سَلِيطٍ بن أبي حارثة، عمرو بن قيسٍ من بني عديٍّ بن النَّجار، فولدت سَليطًا وفاطمةَ فكُنِّيت بأمِّ سليطٍ لذا فهي (مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وسكون الزَّاي، وبعد (٥) الفاء المكسورة راءٌ، أي: تحمل (لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ) وشهدت أيضًا خيبر وحنينًا.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ: (تَزْفِرُ) أي: (تَخِيطُ) قال عياضٌ: وهذا غير معروفٍ في اللُّغة، ولعلَّ البخاريَّ إنَّما تبع في ذلك ما رُوِيَ عن أبي صالحٍ كاتب اللَّيث، حيث قال فيما
стр. 5897
رواه أبو نُعيم عنه: تزفر تخرز، وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره من رواية الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، وحديث الباب أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٧١].
(٦٧) (بابُ مُدَاوَاةِ النِّسَاءِ الجَرْحَى) من الرِّجال وغيرهم (فِي الغَزْوِ).
٢٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن (١) المدينيِّ قال (٢): (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، ابن لاحقٍ الرَّقاشيُّ -بقافٍ وشينٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) المدنيُّ نزيل البصرة (عَنِ الرُّبَيِّعِ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة المكسورة (بِنْتِ مُعَوِّذٍ) بضمِّ الميم وفتح العين وتشديد الواو المكسورة وبالذَّال المعجمة، ابن عفراء (٣) الأنصاريَّة من المبايعات ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الغزو (نَسْقِي) أصحابه (وَنُدَاوِي) منهم (الجَرْحَى) من غير لمسٍ بأن يصنعن الدَّواء ويضعه غيرُهن على الجرح، أو المراد: المُتجالَّات (٤) منهنَّ؛ لأنَّ موضع الجرح لا يلتذُّ بمسِّه، بل يقشعرُّ منه الجلد، وتهابه النَّفس، ولمسه مؤلمٌ للَّامس والملموس، والضَّرورات تبيح المحظورات (وَنَرُدُّ القَتْلَى) منهم من المعركة (إِلَى المَدِينَةِ) وزاد الإسماعيليُّ من طريقٍ
стр. 5898
أخرى عن خالد بن ذكوان: «و (١) لا نقاتل»، وسقط قوله «إلى المدينة» لأبي ذَرٍّ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الباب التَّالي لهذا [خ¦٢٨٨٣]، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(٦٨) (بابُ رَدِّ النِّسَاءِ) الرِّجال (الجَرْحَى وَالقَتْلَى) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «إلى المدينة».
٢٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (٢) قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ) أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَسْقِي القَوْمَ) أي: الصَّحابة (وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى والقَتْلَى (٣)) منهم (إِلَى المَدِينَةِ) قال السَّفاقسيُّ: كانوا يوم أحدٍ يجعلون الرَّجلين والثَّلاثة من الشُّهداء على دابَّةٍ، وتردُّهم النِّساء إلى موضع قبورهم.
(٦٩) (بابُ) جواز (نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ البَدَنِ).
٢٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، ابن كُريبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن أبي بُرْدَة (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن
стр. 5899
قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: رُمِيَ) بضمِّ الرَّاء بصيغة المجهول (أَبُو عَامِرٍ) عبيد بن وهب -بضمِّ العين مصغَّرًا- الأشعريُّ عمُّ أبي موسى، وكان من كبار الصَّحابة (فِي رُكْبَتِهِ) بسهمٍ في غزوة أوطاسٍ، رماه جُشميٌّ (فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (انْزِعْ) بكسر الزَّاي (هَذَا السَّهْمَ. فَنَزَعْتُهُ) من ركبته (فَنَزَا) بالنُّون والزَّاي المفتوحَتين، أي: جرى (مِنْهُ المَاءُ) ولم ينقطع (فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٢٣] في بيته (فَأَخْبَرْتُهُ) بذلك (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ) بالتَّنوين (أَبِي عَامِرٍ) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٢٣] ورأيت بياض إبطيه، ثمَّ قال: «اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك من النَّاس» وإنَّما دعا له لأنَّه علم أنَّه ميِّتٌ من ذلك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا (١) مقطَّعًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٨٤] ويأتي إن شاء الله تعالى تامًّا في «المغازي» [خ¦٤٣٢٣].
(٧٠) (بابُ) فضل (الحِرَاسَةِ) بكسر الحاء الحفظ (فِي الغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللهِ).
стр. 5900
٢٨٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) الخزَّاز -بمعجَماتٍ- الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، القرشيُّ الكوفيُّ قاضي الموصل قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (١) قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) القرشيُّ العَنْزِيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَهِرَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الهاء (فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ) بعد زمان السَّهر (قَالَ: لَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا) صفةٌ لـ «رجلًا» (يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ) وعند مسلمٍ من طريق اللَّيث عن يحيى بن سعيدٍ: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة، فقال: «ليت رجلًا صالحًا … » إلى آخره. وظاهره: أنَّ السَّهر والقول معًا كانا (٢) بعد قدومه المدينة، بخلاف رواية الباب فإنَّ ظاهرها: أنَّ السَّهر كان قبل القدوم، والقول بعده، وهو محمولٌ على التَّقديم والتَّأخير، أي: سمعت عائشة تقول: لمَّا قدم، سهر، وقال: «ليت». ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ: كان رسول الله ﷺ أوَّل ما قدم المدينة سهر، وليس المراد بقدومه المدينة أوَّل قدومه إليها من الهجرة؛ لأنَّ عائشة إذ ذاك لم تكن عنده (إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ، فَقَالَ) ﵊: (مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ جِئْتُ لأَحْرُسَكَ) وفي رواية مسلمٍ المذكورة فقال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ (٣) (وَنَامَ) ولأبي ذَرٍّ: «فنام» (النَّبِيُّ (٤) ﷺ ¬) زاد المؤلِّف في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣١] من طريق سليمان بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ: حتَّى سمعنا غطيطه، وفي «التِّرمذيِّ» من طريق (٥) عبد الله بن شقيقٍ، عن عائشة قالت: كان النَّبيُّ ﷺ يُحرَس حتَّى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] إسناده حسنٌ، لكنَّه اختُلِف في وصله وإرساله، وهو يقتضي أنَّه لم يحرس بعد ذلك بناءً على سبق نزول الآية، لكنْ ورد في عدَّة أخبارٍ: أنَّه حُرِسَ في بدرٍ وأحدٍ والخندق ورجوعه من خيبر وفي وادي القرى وعمرة القضيَّة وفي حُنين، فكأنَّ الآية نزلت متراخيةً عن وقعة حُنين، ويؤيِّده ما في «المعجم الصَّغير» للطَّبرانيِّ عن أبي سعيدٍ: كان العبَّاس فيمن يحرس النَّبيَّ ﷺ فلمَّا نزلت هذه الآية ترك، والعبَّاس إنَّما لازمه بعد فتح
стр. 5901
مكَّة فيُحمَل على أنَّها نزلت بعد حُنينٍ، وحديث حراسته (١) ليلة حُنينٍ أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ، وقد تتبَّع بعضهم أسماء من حرسه ﷺ فجمع منهم سعد بن معاذٍ ومحمَّدَ بن مسلمة والزُّبير (٢) وأبا (٣) أيُّوبَ وذكوانَ بن عبد قيسٍ (٤) وابن (٥) الأدرع السَّلميَّ وابن الأدرعِ اسمُه: محجنٌ، ويقال: سلمة وعبَّاد بن بشرٍ والعبَّاس وأبا (٦) ريحانة.
وفي الباب أحاديث كحديث عثمان مرفوعًا: «حرسُ ليلةٍ في سبيل الله خيرٌ من ألف ليلةٍ يُقام ليلها ويُصام نهارها» رواه الحاكم وصحَّحه وابن ماجه (٧). وحديث أنسٍ مرفوعًا عند ابن ماجه أيضًا: «حرس ليلةٍ في سبيل الله، أفضل من صيام رجلٍ وقيامه في أهله ألف سنةٍ السَّنة ثلاث مئة يومٍ، اليوم كألف سنةٍ» لكنْ قال المنذريُّ: ويشبه أن يكون موضوعًا، وحديث ابن عمر مرفوعًا (٨): «ألا أنبِّئكم بليلةٍ أفضلَ من ليلة القدر؟ حارسٌ حرس في أرضِ خوفٍ، لعلَّه ألَّا يرجع إلى أهله» أخرجه الحاكم، وقال: على شرط البخاريِّ.
٢٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) بن أبي كريمة أبو يوسف (٩) الزِّمِّيُّ -بكسر الزَّاي (١٠)
стр. 5902
وتشديد الميم- الخراسانيُّ نزيل بغداد قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ) الحنَّاطُ -بالنُّون- المقبريُّ، وزاد أبو ذرٍّ: «يعني: ابن عيَّاشٍ» بتشديد التَّحتيَّة، وبعد الألف شينٌ معجمةٌ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتَين، عثمان بن عاصمٍ الأسديِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تَعِسَ) بفتح الفوقيَّة وكسر العين المهملة، وتُفتَح، بعدها سينٌ مهملةٌ، انكبَّ على وجهه، أو بَعُدَ، أو هلك أو شقيَ (عَبْدُ الدِّينَارِ، وَ) عبد (الدِّرْهَمِ، وَ) عبد (القَطِيفَةِ) بفتح القاف وكسر الطَّاء دثار (وَ) عبد (الخَمِيصَةِ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم: كساءٌ أسودُ مربَّعٌ، له أعلامٌ وخطوطٌ؛ يعني: إن طلب ذلك قد استعبده، وصار عمله كلُّه في طلبها كالعبادة لها فهو مجازٌ عن حرصه عليه وتحمُّله (١) الذُّلِّ لأجله (إِنْ أُعْطِيَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: إِنْ أُعْطِيَ له مالٌ (٢) (رَضِيَ) عن خالقه (وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) بما قُدِّرَ له، فصحَّ أنَّه عبدٌ في طلب ذلك فوجب الدُّعاء عليه بالتَّعس لأنَّه قد (٣) أوقف عمله على متاع الدُّنيا الفاني، وتركِ النَّعيم الباقي (لَمْ يَرْفَعْهُ) أي: لم يرفع الحديث (إِسْرَائِيلُ) بن يونس (ومُحَمَّد بن جُحَادَة) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة المخفَّفة، وبعد الألف دالٌ مهملةٌ، كلاهما (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) عثمان الأسديِّ، بل وقفاه (٤) عليه، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ومحمَّد بن جُحَادة».
стр. 5903
٢٨٨٧ - قال البخاريُّ: (وَزَادَنَا عَمْرٌو) بفتح العين وسكون الميم، ابن مرزوقٍ أحدُ مشايخه، وفي نسخةٍ: «وزاد لنا عمرٌو» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ) لم يقل: وعبد القطيفة (إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ) بكسر الخاء المعجمة، بدل قوله في الأولى: «لم يرض» والَّذي زاده عمرٌو هو قوله: (تَعِسَ وَانْتَكَسَ) بالسِّين المهملة، أي: عاوده المرض كما بدأ به، أو (١) انقلب على رأسه، وهو دعاءٌ عليه بالخيبة؛ لأنَّ من انتكس فقد خاب وخسر (وَإِذَا شِيكَ) بكسر الشِّين المعجمة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة كافٌ: أصابته شوكةٌ (فَلَا انْتَقَشَ) بالقاف والشِّين المعجمة، أي: فلا خرجت شوكته بالمنقاش، يقال: نقشت الشَّوك إذا استخرجته (طُوبَى) اسم الجنَّة، أو شجرةٌ فيها (٢) (لِعَبْدٍ آخِذٍ) بمدِّ الهمزة، وبعد الخاء المعجمة المكسورة ذالٌ معجمةٌ، اسم فاعلٍ من الأخذ، مجرورٌ صفة لـ «عبدٍ» (٣) فيمتنع من السَّعي للدِّينار والدِّرهم (بِعِنَانِ فَرَسِهِ) بكسر العين، أي: لجامها في الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ) بالمثلَّثة، مجرورٌ بالفتحة لمنعه من (٤) الصَّرف على أنَّه صفةٌ للمجرور من قوله: «طوبى لعبدٍ» (رَأْسُهُ) بالرَّفع: فاعلٌ، ولأبي ذَرٍّ: «أشعثُ» بالرَّفع. قال في «الفتح»: على أنَّه صفةُ الرَّأس، أي: رأسُه أشعثُ، وتعقَّبه في «العمدة» فقال: لا يصحُّ عند المعربين، والرَّأس: فاعلٌ، وكيف يكون صفته والصِّفة لا تتقدَّم على الموصوف (٥)؟! والتَّقدير الَّذي قدَّره يؤدِّي إلى إلغاء قوله: «رأسه» بعد قوله: «أشعث». انتهى. والظَّاهر أنَّه خبرٌ لمبتدأ (٦) محذوفٍ
стр. 5904
تقديره: و (١) هو أشعثُ (٢) (مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ) بسكون الغين وتشديد الرَّاء، وإعرابه مثل «أشعثُ رأسه» وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة» (٣): «أشعثَ رأسهُ» و «مغبَّرةً قدماه» حالان من «لعبدٍ» لأنَّه موصوفٌ (إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ) أي: حراسة العدوِّ خوفًا من هجومه (كَانَ فِي الحِرَاسَةِ) وهي مقدِّمة الجيش (وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ) مؤخَّر الجيش (كَانَ فِي السَّاقَةِ) وفي اتِّحاد الشَّرط والجزاء دلالةٌ على فخامة الجزاء وكماله، أي: فهو في أمرٍ عظيمٍ، فهو نحو: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» [خ¦٥٤]. وقال ابن الجوزيِّ: المعنى أنَّه خامل الذِّكر، لا يقصد السُّموَّ، فأيُّ موضعٍ اتَّفق له كان فيه، فمن لازم (٤) هذه الطَّريقة كان حريًّا (إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ) أي: عند النَّاس (لَمْ يُشَفَّعْ) بتشديد الفاء المفتوحة، أي: لم تقبل شفاعته.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريّ: (لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ) وسبق هذا قريبًا [خ¦٢٨٨٦] وهو ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ (وَقَالَ: تَعْسًا) لفظ القرآن: ﴿فَتَعْسًا لَّهُمْ﴾ [محمد: ٨] (كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَأَتْعَسَهُمُ اللهُ) وأمَّا (طُوبَى) فهي (فُعْلَى) بضمِّ الفاء وسكون العين وفتح اللَّام (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ) في الأصل، أي: طُيْبَى -بطاءٍ مضمومةٍ فياءٍ ساكنةٍ- ثمَّ (حُوِّلَتْ) أي: الياء (إِلَى الوَاوِ) لانضمام ما قبلها (وَهْيَ مِنْ: يَطِيبُ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه (٥) قال في
стр. 5905
«الفتح»: إنَّ قوله: «تعسًا (١) … » إلى آخره في رواية المُستملي وحده، وهو على عادة البخاريِّ في شرح اللَّفظة الَّتي توافق ما في القرآن.
والحديث أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٣٥] وابن ماجه في «الزُّهد».
(٧١) (بابُ فَضْلِ الخِدْمَةِ فِي الغَزْوِ) بكسر الخاء.
٢٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين مهملتَين مفتوحتَين بينهما راءٌ ساكنةٌ، وبعد الثَّانية راءٌ أخرى مفتوحةٌ، ابن البِرِنْد -بكسر الموحَّدة والرَّاء وسكون النُّون آخره دالٌ مهملةٌ- السَّاميُّ -بالمهملة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا من غير إضافةٍ، العبديِّ (عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «ابن مالكٍ» أنَّه (قَالَ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) البجليَّ، زاد مسلمٌ: في (٣) سفر، وهو أعمُّ من أن يكون في غزوٍ (٤) أو غيره (فَكَانَ يَخْدُمُنِي، وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ) كان الأصل أن يقول: وهو أكبر منِّي، لكنَّه فيه التفاتٌ أو تجريدٌ، ويحتمل أن يكون قوله: «وهو أكبر من أنسٍ» من قول ثابتٍ (قَالَ جَرِيرٌ) البجليُّ: (إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ) من تعظيم رسول الله ﷺ وخدمته (شَيْئًا (٥)، لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ).
قال في «فتح الباري»: وهذا الحديث من الأحاديث الَّتي أوردها المصنِّف في غير مظنَّتها،
стр. 5906
وأليقُ المواضعِ به المناقب. انتهى. وفيه إشعارٌ بأنَّه لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، لكن قال العينيُّ: إنَّ المطابقة (١) تُؤخَذ ممَّا زاده مسلمٌ، وهو قوله: «في سفرٍ» لشموله الغزو وغيره، كما سبق.
٢٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ) بفتح الحاء والطَّاء المهملتَين، بينهما نونٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ إِلَى) غزوة (خَيْبَرَ) سنة ستٍّ أو سبعٍ حال كوني (أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (رَاجِعًا) إلى المدينة (وَبَدَا) أي: وظهر (لَهُ أُحُدٌ) الجبل المعروف (قَالَ) ﵊: (هَذَا)
стр. 5907
مشيرًا إلى أحدٍ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً (وَنُحِبُّهُ) فما جزاء مَن يحبُّ إلَّا يُحَبَّ، أو المراد: بحبِّ أُحُدٍ حبُّ أهل المدينة وسكَّانها له (١) كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والأوَّل أَولى، ويؤيِّده حنين الأسطوانة على مفارقته ﷺ (ثُمَّ أَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بتخفيف الموحَّدة، تثنية: لابة، وهي الحَرَّة، والمدينة بين حَرَّتَين، وسقط لفظ «اللَّهمَّ» للمُستملي، وفي نسخةٍ: «وقال» بإثبات الواو (كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ) الخليل (مَكَّةَ) في الحرمة فقط، لا في وجوب الجزاء (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا) دعاءٌ بالبركة في أقواتهم (٢).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٦٧]، ومسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «المناقب».
٢٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر الموحَّدة، العتكيُّ الزَّهرانيُّ البصريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا) الخُلْقانيِّ -بضمِّ المعجمة وسكون اللَّام بعدها قافٌ- أبي زيادٍ (٣) الكوفيِّ الملقَّب بشَقُوصٍ -بفتح الشِّين المعجمة وضمِّ القاف الخفيفة وبالصَّاد المهملة- قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحولُ (عَنْ مُوَرِّقٍ) بضمِّ الميم وفتح الواو وكسر الرَّاء المشدَّدة، آخره قافٌ، ابن مُشَمْرِجٍ -بضمِّ الميم (٤) وفتح الشِّين المعجمة وسكون الميم وكسر الرَّاء، بعدها جيمٌ- ابن عبد الله (العِجْلِيِّ) بكسر العين المهملة وسكون الجيم،
стр. 5908
البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد مسلمٌ من وجه آخرَ عن عاصمٍ: «في سفر، فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يومٍ حارٍّ» (أَكْثَرُنَا ظِلًّا مَنْ) وفي الفرع وأصله (٢): «الَّذي» (يَسْتَظِلُّ) من الشَّمس (بِكِسَائِهِ) وزاد مسلمٌ: «ومنَّا من يتَّقي الشَّمس بيده» (وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا) لعجزهم (وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ) بكسر الرَّاء: الإبل الَّتي يُسار عليها -واحدها (٣): راحلةٌ، ولا واحد لها من لفظها- أي: أثاروها إلى الماء للسَّقي وغيره (وَامْتَهَنُوا) بفتح الفوقيَّة والهاء (وَعَالَجُوا) أي: خدموا الصَّائمين وتناولوا السَّقي والعلف، وفي رواية مسلمٍ: «فضربوا الأبنية» أي: البيوت الَّتي يسكنها العرب في الصَّحراء كالخباء والقبَّة «وسقوا الرِّكاب» (فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ: «فقال رسول الله» (¬ ﷺ : ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ) الوافر، وهو أجر ما فعلوه من خدمة الصَّائمين بضرب الأبنية والسَّقي وغير ذلك، لِمَا حصل منهم من النَّفع المتعدِّي، ومثلُ أجر الصُّوَّام؛ لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُّوَّام، وأما الصَّائمون فحصل لهم أجر صومهم القاصر عليهم، ولم يحصل لهم من الأجر ما حصل للمفطرين من ذلك. ولم تظهر لي المطابقة بين التَّرجمة والحديث. نعم، يحتمل أن يكون ممَّا زاده مسلم، حيث قال: «في سفر»، الشَّامل لسفر الغزو وغيره مع قوله: «فبعثوا الرِّكاب وامتهنوا وعالجوا» المفسَّر بالخدمة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا النَّسائيُّ.
(٧٢) (بابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ).
٢٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم
стр. 5909
بن نصر السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافعٍ الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كُلُّ سُلَامَى) بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف اللَّام وفتح الميم، عظام الأصابع (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ) بنصب «كلَّ» على الظَّرفيَّة (يُعِينُ الرَّجُلَ) مبتدأٌ على تأويل المصدر نحو: تسمع بالمعيديِّ، أي: وإعانتك (١) الرَّجل (فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ) بالحاء المهملة، يساعده في الرُّكوب (عَلَيْهَا) أي: الدَّابَّة، ولأبي ذَرٍّ: «عليه» أي: على (٢) الرُّكوب (٣) (أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) وخبر المبتدأ قوله: (صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ (٤)، وَكُلُّ خَطْوَةٍ) بفتح الخاء المعجمة، المرَّة الواحدة، ولأبي ذَرٍّ: «خُطوة» بضمِّها ما بين القدمين (يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ) بفتح الدَّال المهملة وتشديد اللَّام، أي: الدِّلالة عليه للمحتاج إليه (صَدَقَةٌ).
ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «يعين الرَّجل في دابَّته»، وسبق بعض الحديث في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٧].
(٧٣) (بابُ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) بكسر راء «رِبَاط» وتخفيف الموحَّدة، مصدر: رابَطَ، ووجه المفاعلة في هذا أنَّ كلًّا من الكفَّار والمسلمين ربطوا أنفسهم على حماية طرف (٥) بلادهم من عدوِّهم، والرِّباط مراقبة العدوِّ في الثُّغور المتاخمة لبلادهم بحراسة (٦) مَنْ بها من المسلمين، وهو في الأصل الإقامة على الجهاد، وقيل: الرِّباط مصدر: رابَط، بمعنى: لازمَ، وقيل: هو اسمٌ لما
стр. 5910
يُربَط به الشَّيء، أي: يُشدُّ، فكأنَّه يربط نفسه عمَّا يشغله عن ذلك، أو أنَّه يربط فرسه الَّتي يقاتل عليها، وقول ابن حبيبٍ من المالكيَّة: ليس من سكن الرِّباط بأهله وماله وولده مرابطًا، بل من يخرج عن أهله وماله وولده قاصدًا للرِّباط، تعقَّبه في «الفتح» فقال: في إطلاقه نظرٌ، فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدوِّ، ومن ثمَّ اختار كثيرٌ من السَّلف سكنى الثُّغور.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «رباطِ» المجرور (١)، ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ﴾) أي: على مشاقِّ الطَّاعات وما يصيبكم من الشَّدائد (﴿وَصَابِرُواْ﴾) وغالبوا أعداء الله في الصَّبر على شدائد الحرب (﴿وَرَابِطُواْ﴾) أبدانكم وخيولكم في الثُّغور مترصِّدين للغزو وأنفسكم على الطَّاعة، وفي «الموطَّأ» حديث أبي هريرة مرفوعًا: «وانتظار الصَّلاة فذلكم الرِّباط». وروى ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يومًا فقال (٢): أتدري يا ابن أخي فيم أُنزِلت (٣) هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قلت: لا، قال: أَمَا إنَّه لم يكن في زمان النَّبيِّ ﷺ غزوٌ يرابطون فيه، ولكنَّها نزلت في قومٍ يعمُرون المساجد يصلُّون الصَّلاة في مواقيتها، ثمَّ يذكرون الله فيها، ففيهم أُنزِلت (٤) ﴿اصْبِرُواْ﴾ على الصَّلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُواْ﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مساجدكم. الحديث. وكذا رواه الحاكم بنحوه في «مستدركه»، لكن حَمْل الآية على الأوَّل أظهر كما قاله في «الفتح» وعلى تقدير تسليم أنَّه لم يكن في عهده (٥) ﷺ رباطٌ، فلا يمنع ذلك من الأمر به (٦) والتَّرغيب فيه. انتهى. وعن محمَّد بن كعبٍ: اصبروا على دينكم، وصابروا لوعدي الَّذي وعدتكم به، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم حتَّى يترك دينه لدينكم (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في جميع أموركم وأحوالكم (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]) غدًا إذا لقيتموه تعالى، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بعد قوله تعالى: ﴿اصْبِرُواْ﴾ «إلى آخر الآية» فحذف ما بينهما.
стр. 5911
٢٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم التَّميميَّ أو اللَّيثيَّ الكنانيَّ البغداديَّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ، الأعرجِ المدنيِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ) أي: ثواب رباط يومٍ (فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ) النَّعيم الكائن في (الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) كلِّه لو ملكه إنسانٌ وتنعَّم به؛ لأنَّه نعيمٌ زائلٌ بخلاف نعيم الآخرة فإنَّه باقٍ، وعبَّر بـ «عليها» دون «فيها» لِمَا فيه من الاستعلاء، وهو أعمُّ من الظَّرفيَّة وأقوى، وفيه دليلٌ على أنَّ الرِّباط يصدق بيومٍ واحدٍ، وكثيرًا ما يضاف السَّبيل إلى الله، والمراد به كلُّ عملٍ خالصٍ يُتقرَّب به إلى الله تعالى كأداء الفرائض والنَّوافل، لكنَّه غلب إطلاقه على الجهاد، حتَّى صار حقيقةً شرعيَّةً فيه في مواضع (وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا (١)) عبَّر بالسَّوط دون سائر ما يُقَاتَل به؛ لأنَّه الَّذي يسوق به الفرس للزَّحف، فهو أقلُّ آلات الجهاد، ومع كونه تافهًا في الدُّنيا فمحلُّه في الجنَّة أو ثواب العمل به (وَالرَّوْحَةُ) بفتح الرَّاء، المرة الواحدة من الرَّواح، وهو السَّير فيما بين الزَّوال إلى اللَّيل (يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ) بفتح الغين المعجمة، المرَّة من الغدوِّ، وهو السَّير من أوَّل النَّهار إلى الزَّوال (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) و «أو» هنا للتَّقسيم لا للشَّكِّ، وهذا شاملٌ لقليل السَّير وكثيره في الطَّريق إلى الغزو أو في موضع القتال.
وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ.
(٧٤) (بابُ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ) بطريق التَّبعيَّة، لا أنَّه مخاطبٌ بالغزو.
стр. 5912
٢٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَميلٍ -بفتح الجيم- الثَّقفيُّ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بن عبد الرَّحمن بن محمَّد القارِّيُّ -بتشديد الياء- من القارَّة، المدنيُّ الأصل ثمَّ السَّكندريُّ (١) (عَنْ عَمْرٍو) هو (٢) ابن أبي عمرٍو مولى المطَّلب (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ زوجِ أمِّ أنسٍ: (التَمِسْ) أي: عيِّنْ لي (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بالرَّفع في الفرع، أي: هو يخدمني، وفي نسخةٍ: «يخدمْني» بالجزم جواب الأمر (حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى) غزوة (خَيْبَرَ) وكانت سنة سبعٍ بتقديم السِّين على الموحَّدة. واستُشكِل من حيث إنَّ ظاهره أنَّ أوَّل خدمته كان حينئذٍ، فيكون إنَّما خدمه أربع سنين. وقد صحَّ عنه أنَّه قال: خدمت النَّبيَّ ﷺ تسع سنين، وفي روايةٍ: «عشر سنين». وأُجيبَ: بأن يُحمَل قوله لأبي طلحة: «التمسْ لي غلامًا من غلمانكم» على أن يعيِّن له من يخرج معه في تلك السَّفرة، فينحطُّ الالتماس على الاستئذان في المسافرة به لا في أصل الخدمة؛ لأنَّها كانت متقدِّمةً (٣).
стр. 5913
(فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي) أي: أردفني خلفه على الدَّابَّة (وأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ) أي: قاربت البلوغ، والواو للحال (١) (فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ) على ما يُتوقَّع ولم يكن (وَالحَزَنِ) على ما وقع -وهو (٢) بفتح الحاء والزَّاي- أو الهمُّ هو الغمُّ والحزن، تقول: أهمَّني هذا الأمر وأحزنني (وَالعَجْزِ) وهو ضدُّ القدرة (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل عن الشَّيء مع وجود القدرة عليه (وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ) بضمِّ الجيم وسكون الموحَّدة: ضدُّ الشَّجاعة (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضَّاد المعجمة واللَّام، ثقله (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) الهرج والمرج، أو توحُّد الرَّجل في أمره وتغلُّب الرِّجال عليه.
(ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الحِصْنَ) المسمَّى بالقموص (ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الطَّاء المهملة، آخره موحَّدةٌ، و «حُيَيِّ»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح التَّحتيَّة الأولى وتشديد الثَّانية (وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا) كنانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق (وَكَانَتْ عَرُوسًا) قال الخليل: رجلٌ عروسٌ في رجالٍ عُرُسٍ، وامرأةٌ عروسٌ في نساءٍ عرائس، قال: والعروس نعتٌ يستوي فيه الرَّجل والمرأة ما داما في تعريسهما أيَّامًا (فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ) لأنَّها بنت ملكٍ من ملوكهم (فَخَرَجَ بِهَا) من خيبر (حَتَّى بَلَغْنَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتى إذا بلغنا» (سَدَّ الصَّهْبَاءِ) بفتح السِّين وتُضَمُّ (٣) وتشديد الدَّال المهملتَين، و «الصَّهْباء»: بفتح الصَّاد المهملة وسكون الهاء وبعدها موحَّدةٌ ممدودًا: اسم موضعٍ (حَلَّتْ) أي: طهرت من الحيض (فَبَنَى بِهَا) ﵊ (ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا) بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فسينٍ مهملةٍ، طعامًا من تمرٍ وأقطٍ وسمنٍ (فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ) بكسر النُّون وفتحها وفتح الطَّاء وسكونها، أربع لغاتٍ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: لأنسٍ: (آذِنْ) بمدِّ الهمزة وكسر المعجمة، أَعْلِمْ (مَنْ حَوْلَكَ) من المسلمين، فدعوتهم إلى وليمته (فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ) فما كان فيها خبزٌ ولا لحمٌ (ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي) بضمِّ أوَّله وفتح الحاء
стр. 5914
المهملة وتشديد الواو (لَهَا) أي: لأجلها (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ) أي: يجعلها لها حويَّةً تُدار حول سنام البعير (ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ؛ نَظَرَ إِلَى) جبل (أُحُدٍ فَقَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً أو مجازًا على حذف مضافٍ، أي: أهل أحدٍ (١) (وَنُحِبُّهُ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أي: حَرَّتيها (بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) إلَّا في وجوب الجزاء (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ) يريد أن يبارك الله لهم في الطَّعام الَّذي يُكال بالصِّيعان والأمداد.
(٧٥) (بابُ رُكُوبِ البَحْرِ) أي: للجهاد وغيره، للرِّجال والنِّساء، وكره مالكٌ ركوبه للنِّساء في الحجِّ خوفًا من عدم التَّستُّر من الرِّجال، ومنع عمر ﵁ ركوبه مطلقًا، فلم يركبه أحد طول حياته، ولا يُحتَجُّ بذلك، لأنَّ السُّنَّة أباحته للرِّجال والنِّساء في الجهاد، كما في حديث الباب وغيره، ولو كان يُكرَه لنهى عنه ﵊ الَّذين قالوا له: إنَّا لنركب البحر. الحديث. لكن في حديث زهير بن عبد الله مرفوعًا: «من ركب البحر عند ارتجاجه فقد برئت منه الذِّمة» ومفهومه الجوازُ عند عدم الارتجاج، وهو المشهور، وقد قال مطرٌ الورَّاق: ما ذكره الله إلَّا بحقٍّ، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] فإن غلب عليه (٢) الهلاك في ركوبه حَرُم، وإن استويا ففي التَّحريم وجهان، صحَّح النَّوويُّ في «الرَّوضة» التَّحريم.
стр. 5915
٢٨٩٤ - ٢٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل عارم البصريُّ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، ابن منقذٍ الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ) بنتُ مِلْحانَ خالةُ أنسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) أي: نام في الظَّهيرة (يَوْمًا فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ) من الفرح (قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «قلت» بدل «قالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي) وسقط للمُستملي قوله «من قومٍ» (يَرْكَبُونَ البَحْرَ كَالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ) في الدُّنيا؛ لسعة حالهم واستقامة أمرهم، أو في الجنَّة (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مَعَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «منهم» (ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) القول الأوَّل (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَيَقُولُ) مجيبًا لها: (أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) الَّذين يركبون البحر (فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) أي: بعد ذلك، وظاهر قوله في رواية إسحاق في أوَّل «الجهاد» [خ¦٢٧٨٨] «وكانت أمُّ حرامٍ تحت عبادة بن الصَّامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ » أنَّها كانت زوجته قَبْلُ، وهو محمولٌ على أنَّ قوله: وكانت تحت عبادة، جملةٌ معترضةٌ، قُصِدَ بها وصفها بذلك غير مقيَّد بحال، كما سبق في «باب غزو المرأة» [خ¦٢٨٧٨] (فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الغَزْوِ) وزاد في أوَّل «الجهاد» [خ¦٢٧٨٨] عن إسحاق: فركِبَتِ البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان، أي: لمَّا غزا قبرص في البحر سنة ثمانٍ وعشرين (فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَوَقَعَتْ، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا) أي: فماتت (١).
وهذا الحديث قد سبق مرَّاتٍ [خ¦٢٧٨٨] [خ¦٢٧٩٩] [خ¦٢٨٧٧].
(٧٦) (بابُ مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الحَرْبِ) أي: ببركتهم ودعائهم (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما سبق موصولًا أوَّل «البخاريّ» في «باب بدء الوحي» [خ¦٧] (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو
стр. 5916
سُفْيَانَ) صخرُ بن حربٍ أنَّه قالَ: (قَالَ لِي قَيْصَرُ) هو لقب هرقل: (سَأَلْتُكَ آشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ)؟ بمدِّ همزة «آشراف» (فَزَعَمْتَ ضُعَفَاءَهُمْ) بالنَّصب، وفي «بدء الوحي» [خ¦٧] «فذكرت أنَّ ضعفاءهم اتَّبعوه» (وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) أي: في الغالب.
٢٨٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ (١) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ) أبيه (طَلْحَةَ) بن مصرِّف الياميِّ (٢) (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، أنَّه (قَالَ: رَأَى) أي: ظنَّ (سَعْدٌ ﵁¬) هو ابن أبي وقَّاصٍ ووالد مصعبٍ، ومصعبٌ لم يدرك زمان هذا القول، وحينئذٍ فيكون مرسلًا، لكنَّه محمولٌ على أنَّه سمعه من أبيه، ويؤيِّده أنَّ في رواية الإسماعيليِّ (٣) عن مصعبٍ عن أبيه: أنَّه رأى (أَنَّ لَهُ فَضْلًا) من جهة الشَّجاعة والغنى (عَلَى مَنْ دُونَهُ) زاد النَّسائيُّ: من أصحاب رسول الله ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) زاد النَّسائيُّ: «بصومهم وصلاتهم ودعائهم» ووُجِّهَ: بأنَّ عبادة الضُّعفاء أشدُّ إخلاصًا، لخلاء (٤) قلوبهم من التَّعلُّق بالدُّنيا، وصفاء ضمائرهم ممَّا يقطعهم عن الله، فجعلوا همَّهم واحدًا، فزَكَت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم.
٢٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو
стр. 5917
ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ الصَّحابيَّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ ﵃¬) وسقط لفظ «الخدريِّ» لأبي ذَرٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ) بكسر الفاء وفتح الهمزة، وبعد الألف ميمٌ، أي: جماعة (مِنَ النَّاسِ) والفئام لا واحد له من لفظه، والجارُّ والمجرور في موضع رفعٍ صفةً لـ «فِئام»، كما أنَّ الجملة قبله (١) صفةٌ لـ «زمان» والعائد محذوفٌ، أي: فيه، وللحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «يغزو فيه فئامٌ من النَّاس» (فَيُقَالُ: فِيكُمْ) بحذف همزة الاستفهام (مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ (٢) عَلَيْهِ. ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ) أي: عليه (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ (٣) صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ) أي: عليه، وحذفت منهما لدلالة الأولى، والمراد من الثَّلاثة الصَّحابة والتَّابعون وأتباع التَّابعين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «علامات النُّبوة» [خ¦٣٥٩٤] و «فضائل الصَّحابة» [خ¦٣٦٤٩]، ومسلمٌ في «الفضائل».
(٧٧) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَقُولُ (٥): فُلَانٌ شَهِيدٌ) على سبيل القطع بذلك إلَّا إن ورد به الوحي (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فيما وصله في «باب أفضل النَّاس مؤمن يجاهد بنفسه وماله» [خ¦٢٧٨٧] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، اللهُ (٦)) ولأبي ذَرٍّ: «واللهُ» (أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه: أي: يجرح (فِي سَبِيلِهِ) فلا يعلم ذلك إلَّا مَن أعلمه الله.
стр. 5918
٢٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّدٍ القارِّيُّ -بتشديد الياء- الإسكندرانيُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ التَقَى هُوَ وَالمُشْرِكُونَ) (١) في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى في «باب إنَّ الله يؤيِّد الدِّين بالرَّجل الفاجر» [خ¦٣٠٦٢] التَّصريح بوقوع ذلك في خيبر، لكن (٢) في (٣) اتِّحاد القصَّتَين نظرٌ لما وقع بينهما من الاختلاف في بعض الألفاظ، وقد جزم ابن الجوزيِّ بأنَّ قصَّة سهلٍ هذه وقعت بأُحدٍ، ويؤيِّده أنَّ في حديث الباب عند أبي يَعلى الموصليِّ: أنَّه قيل لرسول الله ﷺ يوم أحدٍ: ما رأينا مثل ما أبلى فلانٌ … الحديث (٤). وفي ذلك شيءٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] (فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ) أي: رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (٥) (وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى
стр. 5919
عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ) هو قُزْمان، بضمِّ القاف وسكون الزَّاي، بعدها ميمٌ فألفٌ فنونٌ (لَا يَدَعُ لَهُمْ) أي: للمشركين (شَاذَّةً) بشينٍ معجمةٍ، وبعد الألف ذالٌ معجمةٌ مشدَّدةٌ (وَلَا فَاذَّةً) بالفاء والذَّال المعجمة أيضًا، والأولى الَّتي تكون مع الجماعة ثمَّ تفارقهم، والأخرى الَّتي لم تكن قد اختلطت بهم أصلًا، أي: أنَّه لا يرى شيئًا إلَّا أتى عليه فقتله. والتَّأنيث إمَّا أن يكون للمبالغة، كعلَّامة ونسَّابة، أو نعت لمحذوفٍ، أي: لا يترك لهم نسمةً شاذَّةً (إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ) أي: قائلٌ، وعند الكُشْمِيهَنِيِّ في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] «فقلت» فإن كانت محفوظةً؛ فهو سهلٌ الساعديُّ: (مَا أَجْزَأَ) بجيمٍ وزايٍ فهمزةٍ أي: ما أغنى (مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) أي: قُزْمان (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بوحيٍ من الله له: (أَمَا) بتخفيف الميم، استفتاحيَّةٌ، فتكسر الهمزة من قوله: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقه في الباطن (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو أكثم بن أبي الجَوْن الخزاعيُّ: (أَنَا صَاحِبُهُ) أي: أصحبه وألازمه لأنظر السَّبب الَّذي به يَصير (١) من أهل النَّار، فإنَّ فعله في الظَّاهر جميلٌ، وقد أخبره (٢) ﷺ أنَّه من أهل النَّار، فلا بدَّ له من سببٍ عجيبٍ (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بالأَرْضِ (٣) وَذُبَابَهُ) أي: طرفه الَّذي يضرب به (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) بفتح المثلَّثة، تثنية ثدي (ثُمَّ تَحَامَلَ) أي: مال (عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أكثم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) بمدِّ الهمزة وكسر النُّون، أي: الآن (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا) بضمِّ الجيم (شَدِيدًا (٤)،
стр. 5920
فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ) واستُشكِل القطع بكونه من أهل النَّار بمجرَّد عصيانه بقتل نفسه، والمؤمن لا يكفر بالمعصية. وأُجيبَ: باحتمال أنَّه ﷺ علم بالوحي أنَّه ليس مؤمنًا، أو أنَّه سيرتدُّ ويستحلُّ قتل نفسه، وفي حديث أكثم بن أبي الجون عند الطَّبرانيِّ فقلنا: يا رسول الله، فلانٌ (١) يجزي في القتال؟ قال: «هو في النَّار». قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلانٌ في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النَّار، فأين نحن؟! قال: «ذاك إخبات النِّفاق» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) قال النَّوويُّ: فيه التَّحذير من الاغترار بالأعمال، وأنَّه ينبغي للعبد ألَّا يتَّكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافةً من انقلاب الحال للقدر السَّابق، وكذا ينبغي للعاصي ألَّا يقنط، ولغيره ألَّا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.
ومطابقة الحديث (٢) للتَّرجمة من حيث إنَّهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قُتِلَ؛ لم يمتنع أن يشهدوا له بالشَّهادة، فلمَّا ظهر أنَّه لم يقاتل لله، وإنَّما قاتل غضبًا، عُلِمَ أنَّه لا يُطلَق على كلِّ مقتولٍ في الجهاد بأنَّه (٣) شهيدٌ لاحتمال أن يكون مثل هذا. نعم، أطلقها السَّلف والخلف بناءً على الظَّاهر، أمَّا من استشهد معه ﷺ كشهداء أحدٍ وبدرٍ ونحوهم؛ فلا خفاء به ظاهرًا، والظَّاهر أنَّ مَن بعدهم كذلك، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ شهيد المعركة لا يُغسَّل، وللفقيه إذا سُئِلَ عن مؤمنٍ قُتِل كذلك أن يقول: هو شهيدٌ، والَّذي منعه ﷺ أن يطلقه الإنسان جزمًا على الغيب، وهذا ممنوعٌ حتَّى في زمانه ﵊ إلَّا بوحيٍ خاصٍّ، قاله ابن المُنَيِّر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] ومسلمٌ في «الإيمان» و «القدر» (٤).