سُفْيَانَ) صخرُ بن حربٍ أنَّه قالَ: (قَالَ لِي قَيْصَرُ) هو لقب هرقل: (سَأَلْتُكَ آشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ)؟ بمدِّ همزة «آشراف» (فَزَعَمْتَ ضُعَفَاءَهُمْ) بالنَّصب، وفي «بدء الوحي» [خ¦٧] «فذكرت أنَّ ضعفاءهم اتَّبعوه» (وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) أي: في الغالب.
٢٨٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ (١) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ) أبيه (طَلْحَةَ) بن مصرِّف الياميِّ (٢) (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، أنَّه (قَالَ: رَأَى) أي: ظنَّ (سَعْدٌ ﵁¬) هو ابن أبي وقَّاصٍ ووالد مصعبٍ، ومصعبٌ لم يدرك زمان هذا القول، وحينئذٍ فيكون مرسلًا، لكنَّه محمولٌ على أنَّه سمعه من أبيه، ويؤيِّده أنَّ في رواية الإسماعيليِّ (٣) عن مصعبٍ عن أبيه: أنَّه رأى (أَنَّ لَهُ فَضْلًا) من جهة الشَّجاعة والغنى (عَلَى مَنْ دُونَهُ) زاد النَّسائيُّ: من أصحاب رسول الله ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) زاد النَّسائيُّ: «بصومهم وصلاتهم ودعائهم» ووُجِّهَ: بأنَّ عبادة الضُّعفاء أشدُّ إخلاصًا، لخلاء (٤) قلوبهم من التَّعلُّق بالدُّنيا، وصفاء ضمائرهم ممَّا يقطعهم عن الله، فجعلوا همَّهم واحدًا، فزَكَت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم.
٢٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو
стр. 5917
ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ الصَّحابيَّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ ﵃¬) وسقط لفظ «الخدريِّ» لأبي ذَرٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ) بكسر الفاء وفتح الهمزة، وبعد الألف ميمٌ، أي: جماعة (مِنَ النَّاسِ) والفئام لا واحد له من لفظه، والجارُّ والمجرور في موضع رفعٍ صفةً لـ «فِئام»، كما أنَّ الجملة قبله (١) صفةٌ لـ «زمان» والعائد محذوفٌ، أي: فيه، وللحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «يغزو فيه فئامٌ من النَّاس» (فَيُقَالُ: فِيكُمْ) بحذف همزة الاستفهام (مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ (٢) عَلَيْهِ. ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ) أي: عليه (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ (٣) صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ) أي: عليه، وحذفت منهما لدلالة الأولى، والمراد من الثَّلاثة الصَّحابة والتَّابعون وأتباع التَّابعين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «علامات النُّبوة» [خ¦٣٥٩٤] و «فضائل الصَّحابة» [خ¦٣٦٤٩]، ومسلمٌ في «الفضائل».
(٧٧) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَقُولُ (٥): فُلَانٌ شَهِيدٌ) على سبيل القطع بذلك إلَّا إن ورد به الوحي (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فيما وصله في «باب أفضل النَّاس مؤمن يجاهد بنفسه وماله» [خ¦٢٧٨٧] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، اللهُ (٦)) ولأبي ذَرٍّ: «واللهُ» (أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه: أي: يجرح (فِي سَبِيلِهِ) فلا يعلم ذلك إلَّا مَن أعلمه الله.
стр. 5918
٢٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّدٍ القارِّيُّ -بتشديد الياء- الإسكندرانيُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ التَقَى هُوَ وَالمُشْرِكُونَ) (١) في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى في «باب إنَّ الله يؤيِّد الدِّين بالرَّجل الفاجر» [خ¦٣٠٦٢] التَّصريح بوقوع ذلك في خيبر، لكن (٢) في (٣) اتِّحاد القصَّتَين نظرٌ لما وقع بينهما من الاختلاف في بعض الألفاظ، وقد جزم ابن الجوزيِّ بأنَّ قصَّة سهلٍ هذه وقعت بأُحدٍ، ويؤيِّده أنَّ في حديث الباب عند أبي يَعلى الموصليِّ: أنَّه قيل لرسول الله ﷺ يوم أحدٍ: ما رأينا مثل ما أبلى فلانٌ … الحديث (٤). وفي ذلك شيءٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] (فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ) أي: رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (٥) (وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى
стр. 5919
عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ) هو قُزْمان، بضمِّ القاف وسكون الزَّاي، بعدها ميمٌ فألفٌ فنونٌ (لَا يَدَعُ لَهُمْ) أي: للمشركين (شَاذَّةً) بشينٍ معجمةٍ، وبعد الألف ذالٌ معجمةٌ مشدَّدةٌ (وَلَا فَاذَّةً) بالفاء والذَّال المعجمة أيضًا، والأولى الَّتي تكون مع الجماعة ثمَّ تفارقهم، والأخرى الَّتي لم تكن قد اختلطت بهم أصلًا، أي: أنَّه لا يرى شيئًا إلَّا أتى عليه فقتله. والتَّأنيث إمَّا أن يكون للمبالغة، كعلَّامة ونسَّابة، أو نعت لمحذوفٍ، أي: لا يترك لهم نسمةً شاذَّةً (إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ) أي: قائلٌ، وعند الكُشْمِيهَنِيِّ في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] «فقلت» فإن كانت محفوظةً؛ فهو سهلٌ الساعديُّ: (مَا أَجْزَأَ) بجيمٍ وزايٍ فهمزةٍ أي: ما أغنى (مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) أي: قُزْمان (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بوحيٍ من الله له: (أَمَا) بتخفيف الميم، استفتاحيَّةٌ، فتكسر الهمزة من قوله: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقه في الباطن (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو أكثم بن أبي الجَوْن الخزاعيُّ: (أَنَا صَاحِبُهُ) أي: أصحبه وألازمه لأنظر السَّبب الَّذي به يَصير (١) من أهل النَّار، فإنَّ فعله في الظَّاهر جميلٌ، وقد أخبره (٢) ﷺ أنَّه من أهل النَّار، فلا بدَّ له من سببٍ عجيبٍ (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بالأَرْضِ (٣) وَذُبَابَهُ) أي: طرفه الَّذي يضرب به (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) بفتح المثلَّثة، تثنية ثدي (ثُمَّ تَحَامَلَ) أي: مال (عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أكثم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) بمدِّ الهمزة وكسر النُّون، أي: الآن (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا) بضمِّ الجيم (شَدِيدًا (٤)،
стр. 5920
فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ) واستُشكِل القطع بكونه من أهل النَّار بمجرَّد عصيانه بقتل نفسه، والمؤمن لا يكفر بالمعصية. وأُجيبَ: باحتمال أنَّه ﷺ علم بالوحي أنَّه ليس مؤمنًا، أو أنَّه سيرتدُّ ويستحلُّ قتل نفسه، وفي حديث أكثم بن أبي الجون عند الطَّبرانيِّ فقلنا: يا رسول الله، فلانٌ (١) يجزي في القتال؟ قال: «هو في النَّار». قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلانٌ في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النَّار، فأين نحن؟! قال: «ذاك إخبات النِّفاق» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) قال النَّوويُّ: فيه التَّحذير من الاغترار بالأعمال، وأنَّه ينبغي للعبد ألَّا يتَّكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافةً من انقلاب الحال للقدر السَّابق، وكذا ينبغي للعاصي ألَّا يقنط، ولغيره ألَّا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.
ومطابقة الحديث (٢) للتَّرجمة من حيث إنَّهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قُتِلَ؛ لم يمتنع أن يشهدوا له بالشَّهادة، فلمَّا ظهر أنَّه لم يقاتل لله، وإنَّما قاتل غضبًا، عُلِمَ أنَّه لا يُطلَق على كلِّ مقتولٍ في الجهاد بأنَّه (٣) شهيدٌ لاحتمال أن يكون مثل هذا. نعم، أطلقها السَّلف والخلف بناءً على الظَّاهر، أمَّا من استشهد معه ﷺ كشهداء أحدٍ وبدرٍ ونحوهم؛ فلا خفاء به ظاهرًا، والظَّاهر أنَّ مَن بعدهم كذلك، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ شهيد المعركة لا يُغسَّل، وللفقيه إذا سُئِلَ عن مؤمنٍ قُتِل كذلك أن يقول: هو شهيدٌ، والَّذي منعه ﷺ أن يطلقه الإنسان جزمًا على الغيب، وهذا ممنوعٌ حتَّى في زمانه ﵊ إلَّا بوحيٍ خاصٍّ، قاله ابن المُنَيِّر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] ومسلمٌ في «الإيمان» و «القدر» (٤).
стр. 5921
(٧٨) (بابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْيِ) بالسِّهام (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «التَّحريضِ» ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿وَأَعِدُّواْ﴾) أيُّها المؤمنون (﴿لَهُم﴾) لناقضي العهد أو الكفَّار (١) (﴿مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾) من كلِّ ما يُتقوَّى به في الحرب، وفي حديث «مسلمٍ» عن عقبة بن عامرٍ مرفوعًا: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ «ألا إنَّ القوَّة الرَّمي» قالها ثلاثًا. وخصَّه ﵊ بالذِّكر لأنَّه أقواه. قاله البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ، وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ تفسير النَّبيِّ ﷺ القوَّة بالرَّمي يخالف ما ذكره؛ ولأنَّ ﴿مَّا﴾ في قوله تعالى: ﴿مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ، و ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾ بيانٌ له، فالمراد بها: نفس القوَّة، وفي هذا البيان والمبيَّن إشارةٌ إلى أنَّ هذه العُدَّة لا تثبت (٢) بدون المعالجة والإدمان الطَّويل، وليس شيءٌ من عُدَّة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها، مثل القوس والرَّمي بها، ولذلك كرَّر ﵊ تفسير القوَّة بالرَّمي (﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾) أي: الَّذي تُربَط في سبيل الله تعالى، فِعَالٌ بمعنى: مفعول، وعطفها على القوَّة من عطف الخاصِّ على العامِّ، كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة (﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾) تخوِّفون به (﴿عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]) يعني: كفَّار مكَّة.
٢٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة، بعدها ألفٌ ففوقيَّةٌ، الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، مصغَّرًا من غير إضافةٍ، مولى سلمة (٣) ابن الأكوع أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ ابْنَ الأَكْوَعِ) اسم الأكوع: سنان بن
стр. 5922
عبد الله الأسلميُّ (¬﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ) عدَّةٍ من رجالٍ (١)، من ثلاثةٍ إلى عشرة (مِنْ أَسْلَمَ) القبيلة المشهورة، وهي بلفظ: أَفْعَل التَّفضيل، من السَّلامة حال كونهم (يَنْتَضِلُونَ) بالضَّاد المعجمة، أي: يترامون، والنِّضال: الرَّمي مع الأصحاب. قال الجوهريُّ: يقال: ناضلت فلانًا فنضلته إذا غلبته، وانتضل القوم، وتناضلوا، أي: رمَوا للسَّبق (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ (٢)) أي: يا بني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وهو أبو العرب، ففيه -كما قال الخطَّابيُّ-: أنَّ أهل اليمن من ولده، أو أراد بُنوَّة القوَّة؛ لأنَّهم رموا مثل رميه، ورُجِّح على الأوَّل، لما سيأتي إن شاء الله تعالى في «مناقب قريش» [خ¦٣٥٠٧] (فَإِنَّ أَبَاكُمْ) إسماعيل ﵊ (كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ). وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان في «صحيحه»: «ارموا وأنا مع ابن الأدرع» واسمه: محجن كما عند الطَّبرانيِّ، وقيل: سلمة كما عند ابن منده قال: و «الأدرع» لقبٌ (٣)، واسمه: ذكوان (قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ) من (٤) الرَّمي، والباء في «بأيديهم» زائدةٌ في المفعول (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟!) ذكر ابن إسحاق في «المغازي» عن سفيان بن فروة (٥) الأسلميِّ، عن أشياخٍ من قومه من الصَّحابة قال: بينا محجن بن الأدرع يناضل رجلًا من أسلم يقال له: نضلة … الحديث. وفيه: فقال نضلة وألقى قوسه من يده: والله لا أرمي معه وأنت معه، وفيه: فقال نضلة: لا يُغلبُ من كنت معه (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا فَأَنَا) بالفاء (مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) بجرِّ اللَّام تأكيدًا (٦) للضَّمير المجرور. واستُشكِل (٧) كونه ﷺ مع الفريقين وأحدهما مغلوبٌ. وأجاب الكِرمانيُّ: بأنَّ المراد بالمعيَّة معيَّةُ القصد إلى الخير وإصلاح النِّيَّة والتَّدرُّب فيه للقتال.
стр. 5923
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٧٣] و «مناقب قريش» [خ¦٣٥٠٧].
٢٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الغَسِيلِ) هو عبد الرَّحمن بن سليمان بن عبد الله (١) بن حنظلة غسيلِ الملائكة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ) بضمِّ الهمزة وفتح السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ (٢): «أَسِيد» بفتح الهمزة وكسر المهملة، وقد حكى البغويُّ الخلاف في فتح الهمزة، وقال الدوريُّ عن ابن معين: الضمُّ أصوبُ، الأنصاريِّ السَّاعديِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي أُسَيدٍ مالك بن (٣) ربيعة بن البَدَن -بفتح الموحَّدة والمهملة، بعدها نونٌ- شهد بدرًا وأحدًا وما بعدها (٤)، وهو آخر البدريِّين موتًا ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: إِذَا أَكْثَبُوكُمْ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فكافٍ ساكنةٍ فمثلَّثةٍ مفتوحةٍ فموحَّدةٍ مضمومةٍ، أي: إذا دنوا منكم وقاربوكم قربًا نسبيًّا، بحيث تنالهم السِّهام، لا قربًا تلتحمون معهم به (فَعَلَيْكُمْ) أن ترموهم (بِالنَّبْلِ) بفتح النُّون وسكون الموحَّدة، جمع: نَبْلة، وهي السِّهام العربيَّة اللِّطاف، والهمزة في «أكثبوكم» لتعدية: كَثَبَ، ولذلك (٥) عدَّاها إلى ضميرهم، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أكتبوكم» بالمثناة الفوقيَّة بدل المثلَّثة، والكتيبة بالمثنَّاة: القطعة العظيمة من الجيش، والجمع: الكتائب، ولعلَّ الدَّاوديُّ شرح على هذه الرِّواية، فقال: المعنى: كاثَروكم (٦)، فليُتأمَّل. وإنَّما أمرهم بالرَّمي عند القرب لأنَّهم إذا رموهم على بُعْدٍ قد لا يصل إليهم، ويذهب في غير منفعةٍ، وإلى ذلك الإشارة بقوله في رواية أبي داود: «واستبقوا نَبْلكم» وليس المراد الدُّنوَّ الذي لا يليق به إلَّا المطاعنة بالرِّماح والمضاربة بالسُّيوف (٧)، كما لا يخفى.
стр. 5924
(٧٩) (بابُ اللَّهْوِ بِالحِرَابِ وَنَحْوِهَا) من آلات الحرب كالسَّيف والقوس (١).
٢٩٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الفرَّاء الصَّغير (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف أبو (٢) عبد الرَّحمن الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بسكون العين، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ولم يقع في هذه الرِّواية ذكر الحِرَاب، فكأنَّه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، كما تقدَّم بيانه في «باب (٣) أصحاب الحراب في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥٥]. انتهى. ومراده: حديث ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة قالت: رأيت النَّبيَّ (٤) ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم، وهذا عجيبٌ، فقد ثبت ذكر ذلك في حديث هذا الباب في غير ما نسخةٍ من فروع «اليونينيَّة»، بل ورأيته (٥) فيها من رواية أبي ذرٍّ بلفظ: «يلعبون عند النبيِّ ﷺ بحرابهم» (دَخَلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَأَهْوَى) أي: قصد (إِلَى الحَصْبَاءِ (٦) فَحَصَبَهُمْ بِهَا) أي: رماهم بالحصباء لعدم علمه بالحكمة، وظنِّه أنَّه من اللَّهو الباطل (فَقَالَ) ﷺ : (دَعْهُمْ يَا عُمَرُ) أي: اتركهم يلعبون للتَّدريب على مواقع الحروب والاستعداد للعدوِّ.
(وَزَادَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «زاد» بإسقاطها، وللكُشْمِيهَنيِّ: «زادنا» بضمير المفعول (عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ فقال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام قال:
стр. 5925
(أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ قوله: (فِي المَسْجِدِ) يعني: أنَّ لعبهم وقع في المسجد، وإنَّما جاز ذلك فيه لأنَّه من منافع الدِّين.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «العيد».
(٨٠) (بابُ) ذكر (المِجَنِّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النُّون: الدَّرَقَة، وفي «النِّهاية»: هو التُّرس؛ لأنَّه يستر حامله، والميم زائدةٌ (وَمَنْ يَتَتَرَّسُ) بتحتيَّةٍ ففوقيَّتَين فراءٍ مشدَّدةٍ فمهملةٍ، أي: يتستَّر، ولأبي ذَرٍّ: «يتَّرِس» بفوقيَّةٍ واحدةٍ مشدَّدةٍ وكسر الرَّاء (بِتُرْسِ صَاحِبِهِ) عند القتال.
٢٩٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو الحسن الخزاعيُّ المروزيُّ (١) قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (عَنْ (٢) إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) ﵁ (يَتَتَرَّسُ (٣) مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ) لأنَّه يرمي بالسِّهام، والرَّامي يرمي بيديه جميعًا، فلا يمكنه غالبًا أن يمسك التُّرس فيستره (٤) النَّبيُّ ﷺ خوفَ أن يرميه العدوُّ (وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ) بالنَّبل، وزاد في «غزوة أحد» من «المغازي» [خ¦٤٠٦٤] كسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا، أي: من شدَّة الرَّمي (فَكَانَ) وفي نسخةٍ: «وكان» بالواو (إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ) بفتح الفوقيَّة والشِّين المعجمة والرَّاء المشدَّدة والفاء، أي: تطلَّع عليه (النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يُشرِف» بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الرَّاء، من الإشراف (فَيَنْظُرُ)
стр. 5926
بلفظ المضارع، في أوَّله فاءٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «نظر (١)» (إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ) أين يقع.
وهذا الحديث أورده المؤلِّف هنا مختصرًا من هذا الوجه، ويأتي إن شاء الله تعالى قريبًا (٢) بأتمَّ من هذا السِّياق في «المغازي» [خ¦٤٠٦٤].
٢٩٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَيرٍ -بالمهملة والفاء مصغَّرًا- الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّد بن عبد الله القارِّيُّ، بتشديد التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعد السَّاعديِّ ﵁ أنَّه (٣) (قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح الموحَّدة والضَّاد المعجمة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ: خوذته (عَلَى رَأْسِهِ) يوم أُحُدٍ (وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) بفتح الرَّاء والموحَّدة المخفَّفة: السِّنُّ الَّتي بين الثَّنيَّة والنَّاب، وكان الَّذي كسر رباعيتَه عتبة بن أبي وقَّاصٍ، ومن ثَمَّ لم يولد من نسله ولدٌ فيبلغ الحنث إلَّا وهو أبخر، أي: مكسور الثَّنايا من أصلها، يعرف ذلك في عقبه، وعند ابن هشامٍ: أنَّها اليمنى (٤) السُّفلى، وزاد: جرح شفته السُّفلى، وأنَّ عبد الله بن هشامٍ الزُّهريَّ شجَّه في جبهته، وأنَّ ابن قميئة (٥) جَرَح وجنته، فدخلت
стр. 5927
حلقتان من المغفر في وجنته. وعند الطَّبرانيِّ: أنَّ عبد الله بن قميئة رمى النَّبيَّ ﷺ يوم أحدٍ، فشجَّ وجهه وكسر رباعيته، فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول الله ﷺ «أقمأك الله» فسلَّط الله عليه تيس جبلٍ، فلم يزل ينطحه حتَّى قطَّعه قطعةً قطعةً. وعند الحاكم في «مستدركه» من حديث حاطب بن أبي بلتعة: أنَّه ﷺ قال له بأحدٍ: «أنَّ عتبة بن أبي وقَّاص هشَّم وجهي ودقَّ رباعيتي بحجرٍ رماني به … » الحديث. وفيه: أنَّ حاطبًا ضرب عتبة بالسَّيف فطرح رأسه، وعند ابن عائذٍ (١) من طريق الأوزاعيِّ: بلغنا أنَّه ﷺ لمَّا جُرِح يوم أحدٍ أخذ شيئًا، فجعل ينشِّف دمه، وقال: «لو وقع منه شيءٌ على الأرض لنزل عليهم العذاب من السَّماء» (وَكَانَ عَلِيٌّ) ﵁ (يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ فِي المِجَنِّ) يذهب في التُّرس بالماء مرَّة بعد أخرى (وَكَانَتْ فَاطِمَةُ) ابنته ﷺ (تَغْسِلُهُ) بفتح أوَّله وسكون المعجمة، من الدَّم بذلك الماء (فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً) بالنَّصب على التَّمييز (عَمَدَتْ) بفتح المهملة والميم (إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا) وعند الطَّبرانيِّ من طريق زهير بن محمَّدٍ عن أبي حازمٍ: فأحرقت حصيرًا حتَّى صارت رمادًا (وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ) بضمِّ الجيم (فَرَقَأَ الدَّمُ) بهمزة بعد القاف، أي: انقطع، وفيه امتحان الأنبياء لتعظيم أجرهم، ويتأسَّى بهم من ناله شِدَّةٌ، فلا يجد في نفسه غضاضةً.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٧٥] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٢٢].
٢٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ) بالحاء
стр. 5928
والدَّال المهملتَين والمثلَّثة المفتوحات، وبعد الألف نونٌ النَّصريِّ -بالنُّون- المدنيِّ، له رؤيةٌ (١) (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ) بفتح النُّون وكسر الضَّاد المعجمة السَّاقطة: بطنٌ من اليهود (مِمَّا أَفَاءَ اللهُ) ممَّا أعاده الله (عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ¬) بمعنى: صيَّره له، فإنَّه كان حقيقًا بأن يكون له؛ لأنَّه تعالى خلق النَّاس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوسَّلوا به إلى طاعته، وهو جديرٌ بأن يكون للمطيعين منهم من بني النَّضير (مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ) بكسر الجيم: ما (٢) لم يعملوا في تحصيله (بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) أي: ولا إبلٍ، والمعنى: أنَّهم لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل حصل ذلك بما نزل عليهم من الرُّعب الَّذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله (٣) ﷺ (فَكَانَتْ) أموال بني النَّضير، أي: معظمها بسبب ذلك (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً) فالأمر فيها مفوَّضٌ إليه، يضعها حيث شاء، فلا تقسم قسمة الغنائم الَّتي قوتل عليها (وَكَانَ) ﵊ (يُنْفِقُ) منها (عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ (٤)، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ) منها (٥) (فِي السِّلَاحِ) الشَّامل للمجنِّ وغيره من آلات الحرب، وبه تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة (وَالكُرَاعِ) بضمِّ الكاف، الخيل حال كونه (عُدَّةً) بضمِّ العين وتشديد الدَّال المهملتَين، استعدادًا (فِي سَبِيلِ اللهِ) .
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخراج»، والتِّرمذيُّ في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».
стр. 5929
٢٩٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ) هو ابن الهاد اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ، كذا ساقه، وهو ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ.
وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة، ابن عقبة بن محمَّد السُّوائي -بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف الواو والمدِّ- الكوفيُّ، وليس هو تصحيفَ قتيبةَ -بالمثنَّاة الفوقيَّة بعد القاف المضمومة- كما زعم أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بفتح المعجمة وتشديد الدَّال المهملة الأولى، ابن الهاد المدنيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا) بضمِّ حرف المضارعة وفتح الفاء وتشديد الدَّال المهملة (١) مضارع: فدَّاه، إذا قال له: «جُعِلتُ فداك» (بَعْدَ سَعْدٍ) هو ابن أبي وقَّاصٍ، واسمه: مالك بن وهيبٍ، أحد العشرة المبشَّرة (سَمِعْتُهُ يَقُولُ) أي: يوم أُحُد: (ارْمِ) أي: الكفَّار بالنَّبل (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) بكسر الفاء، قال ابن الزَّملكانيِّ: الحقُّ أنَّ كلمة التَّفدية نُقِلت بالعرف عن وضعها، وصارت علامةً على الرِّضا، فكأنَّه قال: ارمِ مرضيًّا عنك، وزعم المهلَّب: أنَّ هذا ممَّا (٢) خُصَّ به سعدٌ، وعورض بأنَّ في «الصَّحيحين» أنَّه ﵊ فدَّى الزُّبير وجمع له بين أبويه يوم الخندق [خ¦٣٧٢٠]، لكن ظاهرُ هذا وقول عليٍّ: «ما رأيته يفدِّي رجلًا بعد سعدٍ» التعارضُ، وجُمِعَ بينهما باحتمال أن يكون عليٌّ ﵁ لم يطَّلع على ذلك، أو مراده ذلك بقيد يوم أُحُدٍ (٣). وقول صاحب «المصابيح» متعقِّبًا للزَّركشيِّ في «التَّنقيح» حيث قال: قيل: وقد صحَّ أنَّه فدَّى الزُّبير أيضًا، فلعلَّ عليًّا لم يسمعه، إنَّما يحتاج إلى الاعتذار عنه (٤) إذا ثبت أنَّه فدَّى الزُّبير بعد سعدٍ، وإلَّا فقد يكون فدَّاه قبله، فلا يعارض قولَ عليٍّ هذا. انتهى. عجيبٌ! فإنَّه ثبت في «باب (٥) مناقب الزُّبير» [خ¦٣٧٢٠] من «البخاريِّ»: بأنَّه ﵊ لمَّا
стр. 5930
قال يوم الأحزاب: «من يأتِ بني قريظة فيأتيني بخبرهم» انطلق الزُّبير إليهم، فلمَّا رجع جمع له ﵊ بين أبويه، وغزوةُ الأحزابِ -المفدَّى فيها الزُّبير- كانت سنة أربعٍ أو خمسٍ، وأُحُدٍ -المفدَّى فيها سعدٌ- كانت سنة ثلاثٍ اتِّفاقًا، فوقوع ذلك للزُّبير كان بعد سعدٍ بلا خلافٍ كما لا يخفى، ولم تظهر المناسبة بين الحديث والتَّرجمة، فليُتَأمَّل.
وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤٠٥٩] ومسلمٌ في «الفضائل» والتِّرمذيُّ في «المناقب» وابن ماجه في «السِّير».
(٨١) (بابُ) مشروعية اتِّخاذ (الدَّرَقِ).
٢٩٠٦ - ٢٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، المعروف بيتيم عروة، وكان وصيَّه (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: أيَّام مِنًى (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: دون البلوغ من جواري الأنصار، إحداهما لحسَّان بن ثابتٍ كما في «الطَّبرانيِّ» أو كلتاهما (١) لعبد الله بن سلام كما في «الأربعين» للسُّلَميِّ (تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما (بِغِنَاءِ بُعَاثَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح العين المهملة، وبعد الألف مثلَّثةٌ، غير مصروفٍ، اسم حصنٍ كان عنده وقعةٌ بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين كما هو المعتمد، وكان كلٌّ من الفريقين ينشد الشِّعر، يذكر
стр. 5931
مفاخر نفسه (فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) للإعراض عن ذلك، لكن عدم إنكاره يدلُّ على تسويغ مثله على الوجه الَّذي أقرَّه (فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَانْتَهَرَنِي) أي: لتقريرها لهما على الغناء (١) (وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بحذف أداة الاستفهام وكسر الميم، آخره هاء تأنيثٍ، يعني (٢): الغناء أو الصَّوت الذي له صفيرٌ أو الصَّوت الحسن، وأضافها إلى الشَّيطان لأنَّها تلهي القلب عن ذكر الله، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لم يعلم أنَّه ﷺ أقرَّهنَّ على هذا القدر اليسير لكونه ظنَّه نائمًا لمَّا رآه مضطجعًا (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ (٣) رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ فَقَالَ: دَعْهُمَا) وزاد هشامُ بن عروة عن أبيه عند ابن أبي الدُّنيا في «العيدين» له بإسنادٍ صحيحٍ: «يا أبا بكر إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدنا» [خ¦٩٤٩]، فعرَّفه ﵊ الشَّأن مع بيان الحكمة بأنَّه يوم عيدٍ، أي: يوم سرورٍ شرعيٍّ فلا يُنكَر فيه مثل هذا، كما لا يُنكَر في الأعراس. قالت عائشة: (فَلَمَّا غَفَلَ) بفتح الغين المعجمة والفاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «عمِل» بميمٍ مكسورةٍ بدل الفاء، أي: اشتغل أبو بكرٍ بعملٍ (غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، قَالَتْ) عائشة: (وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ) بفتح «يومَ»، وفي نسخةٍ: «يومُ» بالرَّفع، والفتح أفصح، وللحَمُّويي والمُستملي: «وكان يومًا عندي» (يَلْعَبُ السُّودَانُ) الحبوش (بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) النَّظر إلى لعبهم (وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقَالَتْ) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «أن تنظري» أي: النَّظر إلى لعب السُّودان؟ فقلت: (نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ) حال كون (خَدِّي عَلَى خَدِّهِ) متلاصقين (وَيَقُولُ) أي: للسُّودان، وفي «العيدين» [خ¦٩٤٩]
стр. 5932
وهو يقول: (دُونَكُمْ) بالنَّصب على الظَّرف بمعنى الإغراء، أي: الزموا هذا اللَّعب (يَا بَنِي أَرْفَِدَةَ) بفتح الهمزة وكسر الفاء وفتحها، وهو جدُّ الحبشة الأكبر (حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ) بكسر اللَّام الأولى (قَالَ: حَسْبُكِ؟) أي: يكفيك (١) هذا القدر؟ بحذف همزة الاستفهام (قُلْتُ: نَعَمْ) حسبي (قَالَ: فَاذْهَبِي. قَالَ أَحْمَدُ) أي: ابن أبي صالحٍ المصريُّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف ﵀: «قال أحمد» (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله: (فَلَمَّا غَفَلَ) بالفاء من الغفلة، وسقط لأبي ذَرٍّ «عن ابن وهبٍ».
وسبق هذا الحديث في «باب الحراب والدَّرق يوم العيد» في أبواب «العيدين» [خ¦٩٤٩].
(٨٢) (باب) ذكر (الحَمَائِلِ) جمع حِمالة -بالكسر- وهي علاقة السَّيف (وَ) جواز (تَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالعُنُقِ).
٢٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ
стр. 5933
الجهضميُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ) زاد في «باب الشَّجاعة في الحرب» [خ¦٢٨٢٠] «وأجود الناس» (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزَّاي، أي: خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ) وسقط لأبي ذَرٍّ «ليلة» (فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) راجعًا وهم ذاهبون (وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الخَبَرَ) أي: حقَّقه (وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ) استعاره منه، وكان بطيء السَّير (عُرْيٍ) بضمِّ العين وسكون الرَّاء، صفةٌ لـ «فرس» (وَفِي عُنُقِهِ) ﷺ (السَّيْفُ) معلَّقٌ بالحمائل. قال الجوهريُّ: وهو السَّير الَّذي يقلَّده (١) المتقلِّد (وَهْوَ يَقُولُ: لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا) كذا في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ والحَمُّويي مرَّتَين كما في «الفتح» وفي رواية غيره مرَّةً واحدةً، أي: لا تخافوا. قال الكِرمانيُّ: والعرب تتكلَّم بهذه الكلمة واضعةً «لَمْ» موضع «لا» (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (وَجَدْنَاهُ) أي: الفرس البطيء في السَّير (بَحْرًا) واسع الجري (أَوْ قَالَ) ﵊: (إِنَّهُ لَبَحْرٌ) بالشَّك من الرَّاوي، وسبق الحديث مرارًا [خ¦٢٦٢٧] [خ¦٢٨٥٧] [خ¦٢٨٦٢].
(٨٣) (بابُ) ما جاء في (حِلْيَةِ السُّيُوفِ) بالجمع، أي: بالذَّهب والفضَّة من الجواز وعدمه، ولأبي ذَرٍّ: «باب ما جاء في حلية السُّيوف».
٢٩٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو العبَّاس مردويه المروزيُّ، قاله الكلاباذيُّ وأبو عبد الله الحاكم، زاد الكلاباذيُّ: السِّمسار قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ) المحاربيَّ قاضي
стр. 5934
دمشق في زمن عمر بن عبد العزيز (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) صُدَيَّ -بضمِّ الصَّاد وفتح الدَّال المهملَتين وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة- ابن عجلان الباهليَّ الصَّحابيَّ ﵁ (يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ) أي: من الصَّحابة (مَا كَانَتْ حُِلْيَةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلَا (١) الفِضَّةَ) بضمِّ الحاء وكسرها (إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلَابِيَّ) بفتح العين المهملة واللَّام المخفَّفة وتخفيف الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة؛ جمع عِلْباء -بكسر العين- عصبٌ في عنق البعير يشقق، ثمَّ يشدُّ به أسفل جفن السَّيف وأعلاه ويجعل في موضع الحلية منه، وفسَّره الأوزاعيُّ في رواية أبي نُعيم في «المستخرج» فقال: العَلَابيُّ: الجلود الخام الَّتي ليست بمدبوغةٍ، وقال الدَّاوديُّ: هي ضربٌ من الرَّصاص؛ ولذلك قرن بالآنك، وخطَّأه في «الفتح» ولعلَّه لقول القزَّاز: إنَّه غير معروفٍ. وأُجيبَ: بأنَّ كونه غير معروفٍ عند القزَّاز لا يستلزم تخطئة (٢) القائل به (٣)، لا سيَّما وقد قال الجوهريُّ: هو الرَّصاص أو جنسٌ منه، لكن قال في «المصابيح»: إنَّ قِرَانَهُ بالآنك يشبه أن يكون مانعًا من تفسيره بالرَّصاص لا مقتضيًا، ووقع عند ابن ماجه لتحديث أبي أمامة بذلك سببٌ؛ وهو دخلنا على أبي أمامة، فرأى في سيوفنا شيئًا من حلية فضَّةٍ، فغضب، وقال: لقد فتح قومٌ الفتوح، فذكره (وَالآنُكَ) بمدِّ الهمزة وضمِّ النُّون، بعدها كافٌ مخفَّفةٌ: الرَّصاص، وهو واحدٌ لا جمع له (وَالحَدِيدَ) ولا يلزم من كون حلية سيوفهم ما ذكر عدم جواز غيره، فيجوز للرَّجل تحلية السَّيف وغيره من آلات الحرب بالفضَّة، كالسَّيف والرُّمح وأطراف السِّهام والدِّرع والمِنطقة، والرَّان (٤) بالرَّاء المهملة والنُّون: خفٌّ يَلبس السَّاقَ ليس له قدمٌ، بل يكون ما بين الرُّكبة والكعبين، وكذا الخفُّ؛ لأنَّه يغيظ الكفَّار. وقد كان للصَّحابة ﵃ غنيةٌ عن ذلك؛ لشدَّتهم في أنفسهم وقوَّتهم في إيمانهم، ولا يجوز تحلية شيءٍ ممَّا ذُكِرَ (٥) بالذَّهب قطعًا، ويحرم على النِّساء تحلية آلات الحروب (٦) بالفضَّة والذَّهب (٧) جميعًا؛
стр. 5935
لأنَّ في استعمالهنَّ ذلك تشبُّهًا (١) بالرِّجال، وليس لهنَّ التشبُّه (٢) بالرِّجال، كذا قاله الجمهور فيما حكاه في «الرَّوضة» وصوَّبه.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «الجهاد».
(٨٤) (بابُ مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بِالشَّجَرِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ) النَّوم وقت (القَائِلَةِ) أي: الظَّهيرة.
٢٩١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ أنَّه (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) يزيد بن أميَّة (الدُّؤَلِيُّ) بضمِّ الدَّال وفتح الهمزة، نسبةً إلى الدُّؤَل من كنانة (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ أَخْبَرَ) ولأبي ذَرٍّ: «أخبره» أي: أنَّ كلًّا من سنانٍ وأبي سلمة قال: إنَّ جابرًا أخبره (أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: ناحية نجدٍ في (٤) غزوته إلى غطفان، وهي غزوة ذي أَمَر -بفتح
стр. 5936
الهمزة والميم- موضعٌ من ديار غطفان، وكانت على رأس خمسٍ وعشرين شهرًا من الهجرة (فَلَمَّا قَفَلَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ ﷺ قَفَلَ) أي: رجع (مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ) أي: الظَّهيرة (فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ) بكسر العين وفتح الضَّاد المعجمة وبعد الألف هاءٌ مكسورةٌ: شجرُ أمِّ غيلان وكلُّ شجرٍ عظيمٍ له شوكٌ (فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ) من حرِّ الشَّمس (فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ) بفتح السِّين وضمِّ الميم (١): شجرة طلحٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «تحت شجرةٍ» (وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ) اسمه: غُورَث، بضمِّ الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الرَّاء، آخره مثلَّثةٌ (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ هَذَا) أي: الأعرابيَّ (اخْتَرَطَ) أي: سلَّ (عَلَيَّ سَيْفِي) من غمده (وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ) حال كونه (صَلْتًا) بفتح الصَّاد (٢) المهملة وسكون اللَّام، أي: مصلتًا مجرَّدًا عن (٣) غمده (فَقَالَ) أي: الأعرابيُّ: (مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟) بضمِّ العين، و «مَنْ» استفهامٌ يتضمَّن النَّفي، كأنَّه قال: لا مانع لك منِّي، وزاد أبو ذرٍّ: «من يمنعك مني» مرَّةً أخرى، بل كتب بالفرع وأصله بإزاء هذه الزِّيادة ثلاثة بالقلم الهنديِّ، ومفهومه تكريرها ثلاثًا قال رسول الله ﷺ (فَقُلْتُ: اللهُ) أي: يمنعني منك (ثَلَاثًا) أي: قال له ذلك ثلاث مرَّاتٍ. وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة: قال: يا محمَّد من يعصمك مني؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنَّه عدوٌّ متمكِّنٌ، بيده سيف مشهورٌ، فلم يحصل للنَّبيِّ ﷺ روعٌ ولا جزعٌ (وَلَمْ يُعَاقِبْهُ) ولم يعاقب النَّبيُّ ﷺ الأعرابيَّ المذكور (وَجَلَسَ) حالٌ من (٤) المفعول، وعند ابن إسحاق: أنَّ الكفَّار قالوا لدعثور وكان شجاعًا: قد انفرد محمَّدٌ فعليك به، فأقبل ومعه صارمٌ، حتَّى قام على رأسه، فقال له: من
стр. 5937
يمنعك منِّي؟ فقال ﷺ : «الله (١)» فدفع جبريل ﵇ في صدره، فوقع السَّيف (٢) من يده، فأخذه النَّبيُّ ﷺ وقال: «من يمنعك أنت (٣) منِّي اليوم»؟ قال: لا أحد، فقال: «قم فاذهب لشأنك» فلمَّا ولَّى (٤) قال: كنت خيرًا منِّي، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أنا أحقُّ بذلك» ثمَّ أسلم بَعْدُ، وفي لفظ قال: وأنا أشهد ألَّا إله إلَّا الله وأنَّك رسول الله، ثمَّ أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، وقال الذَّهبيُّ: في الصَّحابة غُوْرَث بن الحارث، ويقال: دعثور أسلم -قاله البخاريُّ- من حديث جابرٍ، وتعقَّبه الجلال البلقينيُّ فقال: ما نسبه من إسلامه إلى البخاريِّ لم أقف عليه، فإنَّ البخاريَّ أعاد هذا الحديث في الغزوات بعد «غزوة ذات الرقاع» [خ¦٤١٣٥] ثمَّ في «غزوة بني المصطلق» [خ¦٤١٣٩] وهي المريسيع، ولم يذكر إسلامه، فليُحرَّر.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٣٤] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٣]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ »، والنَّسائيُّ في «السِّير»، زاد في نسخةٍ هنا عن الفرع وأصله: «وروى موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعدٍ، عن الزُّهريِّ: فشامَ السَّيفَ، فها هو ذا جالسٌ، ثمَّ لم يعاقبه» (٥).
(٨٥) (بابُ) مشروعيَّة (لُبْسِ البَيْضَةِ) وهي الخوذة.
٢٩١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ
стр. 5938
أَبِيهِ) أبي حازم، واسمه: سلمة بن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (¬﵁، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) جَرَحَ وجنته ابنُ قميئة (وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) كسرها عتبة بن أبي وقَّاص (وَهُشِمَتِ البَيْضَةُ) وهي الخوذة (عَلَى رَأْسِهِ) كسرها عبد الله بن هشامٍ (فَكَانَتْ فَاطِمَةُ) الزَّهراء ﵍ تَغْسِلُ الدَّمَ وَعَلِيٌّ ﵁ يُمْسِكُ، فَلَمَّا رَأَتْ) فاطمة (أَنَّ الدَّمَ لَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا يرتدُّ» (إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْزَقَتْهُ) بالزَّاي، أي: الرَّماد بالجرح، وسقط لفظ «ثمَّ» لأبي ذَرٍّ (فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ) أي: انقطع.
وهذا الحديث قد مرَّ قريبًا [خ¦٢٩٠٣].
(٨٦) (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلَاحِ عِنْدَ المَوْتِ).
٢٩١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاس» بالموحَّدة، آخره مهملةٌ، أبو عثمان البصريُّ الأهوازيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديِّ بن حسَّان العنبريُّ البصريُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، ابن المصطلق الخزاعيِّ أخي (١) أمِّ المؤمنين جويرية ﵄، أنَّه (قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عند موته (إِلَّا سِلَاحَهُ) الَّذي أعدَّه لحرب الكفَّار كالسُّيوف (وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ) هي الدُّلدل (وَأَرْضًا بِخَيْبَرَ) وهي فدك (جَعَلَهَا) في صحَّته (صَدَقَةً) وأخبر بحكمها عند
стр. 5939
موته، وخالف النَّبيُّ (١) ﷺ أهل الجاهليَّة فيما كانوا يوصون به من كسر (٢) السِّلاح وعقر الدَّوابِّ وحرق المتاع، من ترك بغلته وسلاحه وأرضه من غير إيصاء في ذلك بشيءٍ، إلَّا صدقةً في سبيل الله. وفي إبقاء السِّلاح -كما قال ابن المُنَيِّر- عنوانٌ للمسلم (٣) على إبقاء ذكره، واستنماء أعماله الحسنة الَّتي سنَّها للنَّاس، وعادته الجميلة الَّتي حمل عليها العباد، بخلاف أهل الجاهليَّة، ففي فعلهم ذلك إشارةٌ إلى انقطاع أعمالهم وذهاب آثارهم.
وقد مرَّ الحديث في أوَّل «الوصايا» [خ¦٢٧٣٩].
(٨٧) (بابُ تَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الإِمَامِ عِنْدَ القَائِلَةِ وَالاِسْتِظْلَالِ بِالشَّجَرِ).
٢٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) يزيد بن أميَّة (وَأَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ (٤)) وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «وحدَّثنا» وفي نسخةٍ: «ح: وحدَّثنا» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ) بضمِّ الدَّال المهملة (٥) وفتح الهمزة (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ
стр. 5940
غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد في «باب مَنْ علَّق سيفه بالشَّجر» [خ¦٢٩١٠] قِبَل نجدٍ، وسبق أنَّها غزوة ذي أَمَر (فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ) بكسر العين المهملة والهاء، وبينهما ضادٌ معجمةٌ فألفٌ، شجرُ أمِّ غيلان (فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي العِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ) من حرِّ الظَّهيرة (فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأصحابه: (إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ) بالخاء المعجمة والمثنَّاة الفوقيَّة والرَّاء آخره طاءٌ مهملةٌ، أي: سلَّ (سَيْفِي، فَقَالَ: مَنْ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «فمن» (يَمْنَعُكَ؟) أي: منِّي، كما في الرِّواية السَّابقة قريبًا [خ¦٢٩١٠] والمعنى: لا مانع لك منِّي (قُلْتُ: الله) أي: يمنعك (فَشَامَ السَّيْفَ) بالفاء والشِّين المعجمة، أي: غمده (فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ) بالرَّفع في الفرع كالجمهور، على أنَّ «ذا» خبرُ المبتدأ، و «جالسٌ» خبرٌ ثانٍ، قيل: وروي: «جالسًا» بالنَّصب على الحال، على جعل «ذا» خبرًا لمبتدأٍ، وعامل (١) الحال ما في «ها» من معنى التَّنبيه، أو في «ذا» من معنى الإشارة (ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ) أي: لم يعاقب النَّبيُّ ﷺ الرَّجلَ.
وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٩١٠].
(٨٨) (بابُ مَا قِيلَ فِي) اتِّخاذ (الرِّمَاحِ) واستعمالها من الفضل (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي) أي: من الغنيمة (وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ) بالذال المعجمة، و «الصَّغار» بفتح الصَّاد المهملة والغين المعجمة، أي: بذل الجزية (عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) وهذا طرفٌ من حديث رواه أحمد.
стр. 5941
٢٩١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة بعدها راءٌ، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، المدنيِّ (عَنْ نَافِعٍ) هو ابن عبَّاسٍ -بموحَّدة مشدَّدةٍ آخره سينٌ مهملةٌ- ويقال: عيَّاشٌ، بتحتيَّةٍ ومعجمةٍ (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ (الأَنْصَارِيِّ) وإنَّما قيل له ذلك للزومه (١)، وكان مولى عقيلة الغفاريَّة (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) عام الحديبية (حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ) أي: أبو قتادة (مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ) أي: بالعمرة (وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ) لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان بعثه لكشف حال عدوٍّ لهم بجهة السَّاحل والجملة حاليَّةٌ (فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا) ولأبي ذَرٍّ: «حمارَ وَحْشٍ» (فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ) الجرادة (فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا) أي: امتنعوا أن يناولوه إيَّاه (٢) (فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ) أي: أن يناولوه إيَّاه (فَأَبَوْا) وهذا موضع التَّرجمة (فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبَى بَعْضٌ) أي: امتنع أن يأكل منه (فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الحكم في أكله (قَالَ) ﵊: (إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ) بضمِّ الطَّاء المهملة وسكون العين (أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ).
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ (٣) بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) بن (٤) الحارث الأنصاريِّ (فِي الحِمَارِ الوَحْشِيِّ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ) المذكور إلَّا أنَّه (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ،
стр. 5942
ولأبي الوقت: «وقال»: (هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟) وهذا وصله المؤلِّف في «الذَّبائح» في «باب ما جاء في الصَّيد» [خ¦٥٤٩٠] ولم يذكر في هذه الرِّواية أنَّه ﷺ أكل منها. نعم؛ في «الهبة» [خ¦٢٥٧٠] فناولته العضد، فأكلها حتَّى تعرقها (١).
وقد سبق هذا الحديث في «الحجِّ» [خ¦١٨٢١] مع كثيرٍ من مباحثه، والله الموفِّق، وبه المستعان.
(٨٩) (بابُ مَا قِيلَ فِي دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من أيِّ شيءٍ كانت؟ (وَ) بيان حكم (القَمِيصِ فِي الحَرْبِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٨] (أَمَّا خَالِدٌ) هو ابن الوليد (فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ) أي: وقفها (فِي سَبِيلِ اللهِ) و «الأدراع»: جمع دِرعٍ -بكسر الدَّال المهملة- وهو الزَّرديَّة.
٢٩١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِنُ العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحَذَّاءُ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يوم غزوة بدرٍ (وَهْوَ فِي قُبَّةٍ) كالخيمة من بيوت العرب: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين، أي: أسألك (عَهْدَكَ) أي: بالنَّصر
стр. 5943
لرسلك (وَوَعْدَكَ) بإحدى الطَّائفتين وهزم حزب الشَّيطان (اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ) هلاك المؤمنين (لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ) وهذا تسليمٌ لأمر الله فيما يشاء أن يفعله، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين بأنَّ الشَّرَّ غير مراد الله، وإنَّما قال ذلك لأنَّه علم أنَّه خاتم النَّبيِّين، فلو هلك ومن معه حينئذٍ لم يُبعَث أحدٌ ممَّن يدعو إلى الإيمان، وفيه أنَّ نفوس البشر لا يرتفع الخوفُ عنها والإشفاقُ جملةً واحدةً؛ لأنَّه ﵊ كان وُعِدَ النَّصرَ وهو الوعدُ الَّذي نشده؛ ولذا قال تعالى عن موسى ﵇ حين ألقى السَّحرة حبالهم وعصيَّهم، فأخبر الله تعالى بعد أن أعلمه أنَّه ناصره وأنَّه معهما يسمع ويرى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ [طه: ٦٧] (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (بِيَدِهِ) ﵊ (فَقَالَ: حَسْبُكَ) أي: يكفيك مناشدتك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ) بحاءَين مهملتَين، الأولى مفتوحةٌ، والأخرى ساكنةٌ، داومتَ على (١) الدُّعاء أو بالغتَ وأطلتَ فيه (وَهْوَ فِي الدِّرْعِ) جملةٌ حاليَّةٌ، وهي موضع التَّرجمة (فَخَرَجَ) ﵇ لمَّا علم أنَّه استُجيبَ له لما وجد أبو بكرٍ في نفسه من القوَّة والطُّمأنينة (وَهْوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾) أي: سيتفرَّق (٢) شملهم (﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]) أي: الأدبار، وإفراده لإرادة الجنس، أو لأنَّ كلَّ واحدٍ يولِّي دبره، وعند ابن أبي حاتمٍ عن عكرمة: لمَّا نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] قال عمر: أي جمعٍ يُهزَم؟ أيُّ جمعٍ يُغلَب؟ قال عمر: فلمَّا كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدِّرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفت تأويلها يومئذٍ (﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾) أي: موعد عذابهم الأصليِّ (٣) وما يحيق بهم في الدُّنيا، فمن (٤) طلائعه (﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾) أشدُّ، والدَّاهية أمرٌ فظيعٌ لا يهتدى لدوائه (﴿وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]) مذاقًا من عذاب الدُّنيا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٥٣] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٧٥]، والنَّسائيُّ في «التفسير».
(وَقَالَ وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابن خالد بن عجلان البصريُّ، فيما وصله المؤلِّف في
стр. 5944
«سورة القمر» (١) [خ¦٤٨٧٥] (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء، أي: عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، وزاد: أنَّ الَّذي قاله كان (يَوْمَ بَدْرٍ).
٢٩١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تُوُفِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدِرْعُهُ) ذات الفضول (مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ) يُسمَّى بأبي الشَّحم (بِثَلَاثِينَ صَاعًا) أي: في مقابلة ثلاثين صاعًا (مِنْ شَعِيرٍ) فالباء للمقابلة.
(وَقَالَ يَعْلَى) بفتح أوَّله وثالثه بوزن يرضى، ابن عبيد الطَّنافسيُّ الكوفيُّ ممَّا سبق موصولًا في «الرَّهن في السَّلَم» [خ¦٢٢٥١] (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي: في روايته عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وزاد فقال: إنَّه (دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ).
(وَقَالَ مُعَلًّى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللَّام المفتوحة، ابن أسدٍ العميُّ البصريُّ ممَّا (٢) وصله في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٦] (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان، أي: عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة (وَقَالَ) فيه أيضًا: (رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ).
стр. 5945
٢٩١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا؛ ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ مَثَلُ) وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٣] «كمثل» (رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد الموحَّدة (قَدِ اضْطَرَّتْ) أَلْجَأَتْ (أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا) جمع تَرْقُوةٍ، وهي العظم الكبير الَّذي بين ثغرة النَّحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وخصَّهما بالذِّكر لأنَّهما عند الصَّدر، وهو مسلك (١) القلب، وهو يأمر المرء (٢) وينهاه (فَكُلَّمَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بصدقةٍ» (اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعْفِي أَثَرَهُ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون العين، وفي الفرع وأصله: بفتح العين وتشديد الفاء، أي: تمحو (٣) الجبَّة أثر مشيه لسبوغها، ومراده أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق كما يستر الثَّوب الَّذي يجرُّ على الأرض أثر مشي لابسه بمرور الذَّيل عليه (وَكُلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام من الجبَّة (إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ) أي: انزوت (عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ) والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه (فَسَمِعَ) أي: أبو هريرة (النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا) أي: الجبَّة (فَلَا تَتَّسِعُ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: مجموع الحديث سمعه أبو هريرة من رسول الله ﷺ ، فما وجه اختصاصه بالكلمة الأخيرة؟ وأجاب: بأنَّ لفظ: «يقول» يدلُّ على الاستمرار والتَّكرار، فلعلَّه ﵇ كرَّرها دون أخواتها.
стр. 5946
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «جبَّتان»، فإنَّه رُوِي بالباء الموحَّدة (١)، وهو المناسب لذكر القميص في التَّرجمة، ورُوِيَ: بالنُّون كما عند المؤلِّف في «باب مثل المتصدِّق والبخيل» من «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٤] من طريق حنظلة (٢) وابن هرمزٍ، وهو المناسب للدِّرع.
(٩٠) (بابُ) جواز (٣) لبس (الجُبَّةِ فِي السَّفَرِ وَالحَرْبِ) أي: بيان لبسها، وعطف الحرب على السَّفر من عطف الخاصِّ على العامِّ (٤).
٢٩١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال (٥): (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ، هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الموحَّدة، آخره حاءٌ مهملةٌ، العطارديُّ، وسقط لأبي ذَرٍّ «مسلم هو (٦) ابن صبيح» (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) ﵁ (قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ) في غزوة تبوك (ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ) بكسر القاف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فتلقَّيته» بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل اللَّام وفتح القاف مشدَّدةً، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فتوضَّأ» (وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ) بالهمز (٧) من نسج الكفَّار القارِّين
стр. 5947
بالشَّأم؛ لأنَّها إذ ذاك كانت دارهم (١) (فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ) بالتَّثنية فيهما (فَكَانَا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وكانا» (ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ) بالبناء على الضمِّ (فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ).
وسبق هذا الحديث في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٣].
(٩١) (بابُ) جواز لبس (الحَرِيرِ فِي الحَرْبِ) بحاءٍ مهملةٍ وسكون الرَّاء في رواية أبي ذرٍّ، وله في نسخةٍ: «في (٢) الجَرَب» بجيمٍ وفتح الرَّاء، والأُولى أَوْلَى بأبواب الجهاد (٣) على ما لا يخفى.
٢٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) أبو الأشعث العجليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيميُّ -بضمِّ الهاء وفتح الجيم (٤) - وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن الحارث» قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (أَنَّ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ ﵁ (حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريِّ القرشيِّ (وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (فِي) لبس (قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ) أجل (حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا) قال النَّوويُّ كغيره (٥): والحكمة (٦) في لبس الحرير للحكَّة لما فيه من البرودة (٧)، وتُعُقِّب بأنَّ الحرير حارٌّ، فالصَّواب فيه أنَّ الحكمة فيه لخاصيَّةٍ فيه تدفع الحكَّة، ولمسلمٍ من طريق أبي كُريبٍ (٨) عن أبي أسامة (٩) عن سعيد بن
стр. 5948
أبي عَروبة: رخَّص لعبد الرَّحمن بن عوف والزُّبير بن العوَّام في القميص الحرير في السَّفر من حكَّةٍ كانت بهما أو وجعٍ كان بهما.
أخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» وكذا أبو داود وابن ماجه وأخرجه النَّسائيُّ في «الزِّينة».
٢٩٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى العوذيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁.
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين وتخفيف النُّون، العَوَقِيُّ -بفتح العين المهملة والواو وبالقاف المكسورة- كان ينزل العوقة، وهم بطنٌ من عبد القيس (١)، فنُسِبَ إليهم قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) العوذيُّ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام (شَكَوَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ (٢) والأَصيليِّ (٣): «شكيا» بالياء (٤)، وصوَّب ابن التِّين الأوَّل (٥)؛ لأنَّ لام الفعل منه واوٌ كـ ﴿دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وأُجيبَ: بأنَّ في «الصِّحاح» يقال: شكيت وشكوت. (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي: القَمْلَ) وكأنَّ الحكَّة نشأت عن أثر القمل، فنُسِبَت العلَّة إلى السَّبب أو العلَّة بأحد الرَّجلين (فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي) لبس (الحَرِيرِ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ ساكنةٍ، قال أنسٌ: (فَرَأَيْتُهُ) بالهاء، ولأبي ذَرٍّ: «فرأيت» (عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ).
والظَّاهر أنَّ المؤلِّف أخذ قوله في التَّرجمة: «في الحرب» من قوله هنا: «في غزاةٍ» وقد أجاز الشَّافعيُّ وأبو يوسف استعمال الحرير للضَّرورة؛ كفجأة حربٍ (٦) ولم يجد غيره. ومنعه مالكٌ
стр. 5949
وأبو حنيفة مطلقًا، ولعلَّ الحديث لم يبلغهما. ونقل ابن حبيبٍ من المالكية (١) عن ابن الماجشون: استحباب (٢) لبس الحرير في الجهاد، والصَّلاة به (٣) حينئذٍ إرهابًا للعدوِّ، ولقذف الرُّعب والخشية في قلوبهم، ولذا رخَّص في الاختيال في الحرب، وقد قال ﵊ لأبي دجانة وهو يتبختر في مشيته: «إنَّها لمشيةٌ يبغضها الله إلَّا في هذا الموطن».
٢٩٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا (٤) يَحْيَى) القطَّانُ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (٥)) بالإفراد (قَتَادَةُ) بن دعامة (أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ فِي) لبس (حَرِيرٍ) ولم يذكر العلَّة والسَّبب، فهو محمولٌ على السَّابقة [خ¦٢٩٢٠].
٢٩٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: رَخَّصَ) بفتح الرَّاء والخاء مبنيًّا للفاعل، وأخرجه أحمد عن غندر بلفظ: رَخَّص رسول الله ﷺ (أَوْ رُخِّصَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الخاء مبنيًّا للمفعول -والشَّكُّ من الرَّاوي- وزاد أبو ذرٍّ: «لهما» أي: لعبد الرَّحمن بن عوفٍ (٦) والزُّبير، أي: في الحرير (لِحِكَّةٍ) أي: لأجل حكَّةٍ (بِهِمَا) ولم يُذكَر في هذه الرِّواية الحرير للعلم به من
стр. 5950
السَّابقة [خ¦٢٩٢٠] وكالحكَّة فيما ذُكِر الحرُّ والبرد ودفع القمل، وسواءٌ في ذلك السَّفر والحضر، وقيل: يجوز في السَّفر دون الحضر لورود الرُّخصة فيه، والمقيم يمكنه (١) المداواة، وسوف يكون لنا عودةٌ إن شاء الله تعالى إلى مباحث ذلك (٢) في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٣٩] بعون الله وقوَّته.
(٩٢) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي السِّكِّينِ) بكسر السِّين، أي: من جواز الاستعمال.
٢٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ (٣) شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) المدنيِّ، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «الضَّمريِّ» بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم (عَنْ أَبِيهِ) عَمرو -بفتح العين- ﵁ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ) أي: من لحم كتف شاةٍ في بيت ضُباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب أو في بيت ميمونة حال كونه (يَحْتَزُّ) بالحاء المهملة والزَّاي المشدَّدة، أي: يقطع (مِنْهَا، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ) في «النَّسائيِّ»: أنَّ الَّذي دعاه بلالٌ (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) فلم يجعله ناقضًا للوضوء.
وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ … إلى آخره، (وَزَادَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ) وبهذه الزِّيادة تحصل المطابقة بين التَّرجمة والحديث، ووجه إدخال الحديث هنا كون السِّكين من أنواع السِّلاح.
وقد مرَّ الحديث في «باب من لم يتوضَّأ من لحم الشَّاة» من «كتاب الوضوء» [خ¦٢٠٨] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٨].
стр. 5951
(٩٣) (بابُ مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ) أي: من الفضل.
٢٩٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، هو ابن إبراهيم، ونسبه لجدِّه لشهرته به، الفراديسيُّ (الدِّمَشْقِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخةٍ: «حدَّثني (١)» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقدٍ الحضرمي (٢) أبو عبد الرَّحمن الدِّمشقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، و «ثَور» بالمثلَّثة، الحمصيُّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، الكلاعيِّ (أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (العَنْسِيَّ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وبالسِّين المهملة، حمصيٌّ سكن دَارَيَّا، مخضرمٌ من كبار التَّابعين، ليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث (حَدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهْوَ نَازِلٌ فِي سَاحِلِ حِمْصَ وَهْوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ وَمَعَهُ) زوجته (أُمُّ حَرَامٍ) بنت مِلْحَان (قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ) هو جيش معاوية (قَدْ أَوْجَبُوا) لأنفسهم المغفرة والرَّحمة بأعمالهم الصَّالحة (قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ) ﵊: (أَنْتِ فِيهِمْ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ) ملك الرُّوم، يعني: القسطنطينيَّة (مَغْفُورٌ لَهُمْ) قالت أمُّ حرام: (فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا) فركبت البحر زمن معاوية لمَّا غزا قبرس سنة ثمانٍ وعشرين، فلما رجعت قُرِّبتْ دابَّةٌ
стр. 5952
لتركبها فوقعتْ، فاندقَّت عنقها فماتت، وكان أوَّلُ من غزا مدينة قيصر يزيد بن معاوية، وكان (١) معه جماعةٌ من سادات الصَّحابة كابن عمر وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وأبي أيُّوب الأنصاريِّ، وتُوفِّي بها سنة اثنتين وخمسين من الهجرة، واستدلَّ به المهلَّب على ثبوت خلافة يزيد، وأنَّه من أهل الجنَّة لدخوله في عموم قوله: «مغفورٌ لهم». وأُجيبَ: بأنَّ هذا جارٍ على طريق الحميَّة لبني أميَّة، ولا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليلٍ خاصٍّ إذ لا خلاف أنَّ قوله ﵊: «مغفورٌ لهم» مشروطٌ بكونه من أهل المغفرة، حتَّى لو ارتدَّ واحدٌ ممَّن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتِّفاقًا، قاله ابن المُنَيِّر. وقد أطلق بعضهم -فيما نقله المولى سعد الدِّين- اللَّعن على يزيد لما أنَّه كفر حين أمر بقتل الحسين، واتَّفقوا على جواز اللَّعن على من قتله، أو أمر به، أو أجازه و (٢) رضي به، والحقُّ أنَّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك (٣) وإهانته أهل بيت النَّبيِّ ﷺ ممَّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيلها آحادًا فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى. ومن يمنعْ يستدلُّ: بأنَّه ﵊ نهى عن لعن المصلِّين ومن كان من أهل القبلة.
стр. 5953
(٩٤) (بابُ) إخبار النبيِّ ﷺ عن (قِتَالِ اليَهُودِ) الكائن (١) في مستقبل الزَّمان.
٢٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، منسوبٌ إلى جدِّه أبي فَرْوة قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) مخاطبًا للحاضرين، والمراد غيرهم من أمَّته: (تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ) لأنَّ هذا إنَّما يكون إذا نزل عيسى ﵇، فإنَّ المسلمين يكونون معه، واليهود مع الدَّجَّال (حَتَّى يَخْتَبِئَ) بالخاء المعجمة والهمز وتركه، أي: يختفي (أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ) أي: الحجر حقيقةً: (يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ).
٢٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بن (٢) عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ) الَّذين يكونون مع الدَّجَّال عند نزول عيسى ﵇ (حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ) وفيه إشارةٌ إلى بقاء دين المسلمين إلى أن ينزل عيسى ﵇، فإنَّه الَّذي يقاتل الدَّجَّال، ويستأصل اليهود الَّذين معه.
стр. 5954
(٩٥) (بابُ قِتَالِ) المسلمين مع (التُّرْكِ) الَّذي هو من أشراط السَّاعة.
٢٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) بفتح العين وسكون الميم، و «تَغْلِبَ»: بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وسكون الغين المعجمة، وبعد اللَّام المكسورة موحَّدةٌ، العبديُّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) من علامات يوم القيامة (أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَْرِ) بفتح العين وتُسكَّن، و «النِّعال» جمع نعلٍ، أي: إنَّهم يجعلون نعالهم من حبالٍ ضُفِرَت من الشَّعر، أو المراد: طول شعورهم وكثافتها وطولها (١)، فهم لذلك يمشون فيها (وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ) بفتح الميم والجيم، وبعد الألف نونٌ مشدَّدةٌ، جمع مِجَنٍّ -بكسر الميم- أي: التُّرس (المُطْرَقَةُ (٢)) بضمِّ الميم وسكون الطَّاء المهملة وفتح الرَّاء مخفَّفةً، ولأبي ذَرٍّ: «المُطَرَّقَةُ» بفتح الطَّاء وتشديد الرَّاء، والأولى هي الفصيحة المشهورة في الرِّواية وكتب اللُّغة، وهي الَّتي أُلبِسَت الطِّراق (٣) وهي جلدةٌ تُقدَّر على قدر الدرقة، وتلصق عليها. قال البيضاويُّ: شبَّه وجوههم بالتُّرس لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «عراض الوجوه» لأنَّه وصفٌ للتُّرك، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٢]، وابن ماجه في «الفتن».
стр. 5955
٢٩٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجرميُّ -بالجيم- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ) هم -كما قال ابن عبد البرِّ- ولد يافث، وهم أجناسٌ كثيرةٌ أصحاب مدنٍ وحصونٍ، ومنهم قومٌ في رؤوس الجبال والبراري، ليس لهم عملٌ سوى الصَّيد، ويأكلون الرَّخَم والغربان، وليس لهم دينٌ، ومنهم من يتديَّن بدين المجوس، وهم الأكثرون، ومنهم من يتهوَّد، وفيهم سحرةٌ (صِغَارَ الأَعْيُنِ حُمْرَ الوُجُوهِ) بإسكان الميم، أي: بيض الوجوه مشربةٌ بحمرةٍ؛ لغلبة البرد على أجسامهم (١) (ذُلْفَ الأُنُوفِ) بنصب الثَّلاثة، صفةٌ للمفعول السَّابق، و «ذُلْفَ» بضمِّ الذَّال المعجمة وسكون اللَّام جمع: أذلف، أي: فُطْس الأنوف قصارها مع انبطاحٍ، وقيل: غلظٌ في الأرنبة، وقيل: تَطامنٌ، وكلٌّ متقاربٌ (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ) ولأبي ذَرٍّ: «المطرَّقة» بتشديد الرَّاء، أي: الَّتي لبست (٢) الأطرقة من الجلود، وهي الأغشية، تقول: طارقت (٣) بين النَّعلين، أي: جعلت إحداهما على الأخرى (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَْرُ) ولمسلمٍ من طريق سهيل بن أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «يلبسون الشَّعر، ويمشون في الشَّعر».
(٩٦) (بابُ قِتَالِ) القوم (الَّذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَْرَ) وهم من التُّرك أيضًا، وسقط لغير الكُشْمِيهَنِيِّ لفظ «الشَّعر».