← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

(٩٣) (بابُ مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ) أي: من الفضل. ٢٩٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، هو ابن إبراهيم، ونسبه لجدِّه لشهرته به، الفراديسيُّ (الدِّمَشْقِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخةٍ: «حدَّثني (١)» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقدٍ الحضرمي (٢) أبو عبد الرَّحمن الدِّمشقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، و «ثَور» بالمثلَّثة، الحمصيُّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، الكلاعيِّ (أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (العَنْسِيَّ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وبالسِّين المهملة، حمصيٌّ سكن دَارَيَّا، مخضرمٌ من كبار التَّابعين، ليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث (حَدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهْوَ نَازِلٌ فِي سَاحِلِ حِمْصَ وَهْوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ وَمَعَهُ) زوجته (أُمُّ حَرَامٍ) بنت مِلْحَان (قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ) هو جيش معاوية (قَدْ أَوْجَبُوا) لأنفسهم المغفرة والرَّحمة بأعمالهم الصَّالحة (قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ) ﵊: (أَنْتِ فِيهِمْ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ) ملك الرُّوم، يعني: القسطنطينيَّة (مَغْفُورٌ لَهُمْ) قالت أمُّ حرام: (فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا) فركبت البحر زمن معاوية لمَّا غزا قبرس سنة ثمانٍ وعشرين، فلما رجعت قُرِّبتْ دابَّةٌ

стр. 5952

لتركبها فوقعتْ، فاندقَّت عنقها فماتت، وكان أوَّلُ من غزا مدينة قيصر يزيد بن معاوية، وكان (١) معه جماعةٌ من سادات الصَّحابة كابن عمر وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وأبي أيُّوب الأنصاريِّ، وتُوفِّي بها سنة اثنتين وخمسين من الهجرة، واستدلَّ به المهلَّب على ثبوت خلافة يزيد، وأنَّه من أهل الجنَّة لدخوله في عموم قوله: «مغفورٌ لهم». وأُجيبَ: بأنَّ هذا جارٍ على طريق الحميَّة لبني أميَّة، ولا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليلٍ خاصٍّ إذ لا خلاف أنَّ قوله ﵊: «مغفورٌ لهم» مشروطٌ بكونه من أهل المغفرة، حتَّى لو ارتدَّ واحدٌ ممَّن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتِّفاقًا، قاله ابن المُنَيِّر. وقد أطلق بعضهم -فيما نقله المولى سعد الدِّين- اللَّعن على يزيد لما أنَّه كفر حين أمر بقتل الحسين، واتَّفقوا على جواز اللَّعن على من قتله، أو أمر به، أو أجازه و (٢) رضي به، والحقُّ أنَّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك (٣) وإهانته أهل بيت النَّبيِّ ﷺ ممَّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيلها آحادًا فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى. ومن يمنعْ يستدلُّ: بأنَّه ﵊ نهى عن لعن المصلِّين ومن كان من أهل القبلة.

стр. 5953

(٩٤) (بابُ) إخبار النبيِّ ﷺ عن (قِتَالِ اليَهُودِ) الكائن (١) في مستقبل الزَّمان. ٢٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، منسوبٌ إلى جدِّه أبي فَرْوة قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) مخاطبًا للحاضرين، والمراد غيرهم من أمَّته: (تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ) لأنَّ هذا إنَّما يكون إذا نزل عيسى ﵇، فإنَّ المسلمين يكونون معه، واليهود مع الدَّجَّال (حَتَّى يَخْتَبِئَ) بالخاء المعجمة والهمز وتركه، أي: يختفي (أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ) أي: الحجر حقيقةً: (يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ). ٢٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بن (٢) عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ) الَّذين يكونون مع الدَّجَّال عند نزول عيسى ﵇ (حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ) وفيه إشارةٌ إلى بقاء دين المسلمين إلى أن ينزل عيسى ﵇، فإنَّه الَّذي يقاتل الدَّجَّال، ويستأصل اليهود الَّذين معه.

стр. 5954

(٩٥) (بابُ قِتَالِ) المسلمين مع (التُّرْكِ) الَّذي هو من أشراط السَّاعة. ٢٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) بفتح العين وسكون الميم، و «تَغْلِبَ»: بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وسكون الغين المعجمة، وبعد اللَّام المكسورة موحَّدةٌ، العبديُّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) من علامات يوم القيامة (أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَْرِ) بفتح العين وتُسكَّن، و «النِّعال» جمع نعلٍ، أي: إنَّهم يجعلون نعالهم من حبالٍ ضُفِرَت من الشَّعر، أو المراد: طول شعورهم وكثافتها وطولها (١)، فهم لذلك يمشون فيها (وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ) بفتح الميم والجيم، وبعد الألف نونٌ مشدَّدةٌ، جمع مِجَنٍّ -بكسر الميم- أي: التُّرس (المُطْرَقَةُ (٢)) بضمِّ الميم وسكون الطَّاء المهملة وفتح الرَّاء مخفَّفةً، ولأبي ذَرٍّ: «المُطَرَّقَةُ» بفتح الطَّاء وتشديد الرَّاء، والأولى هي الفصيحة المشهورة في الرِّواية وكتب اللُّغة، وهي الَّتي أُلبِسَت الطِّراق (٣) وهي جلدةٌ تُقدَّر على قدر الدرقة، وتلصق عليها. قال البيضاويُّ: شبَّه وجوههم بالتُّرس لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «عراض الوجوه» لأنَّه وصفٌ للتُّرك، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٢]، وابن ماجه في «الفتن».

стр. 5955

٢٩٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجرميُّ -بالجيم- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ) هم -كما قال ابن عبد البرِّ- ولد يافث، وهم أجناسٌ كثيرةٌ أصحاب مدنٍ وحصونٍ، ومنهم قومٌ في رؤوس الجبال والبراري، ليس لهم عملٌ سوى الصَّيد، ويأكلون الرَّخَم والغربان، وليس لهم دينٌ، ومنهم من يتديَّن بدين المجوس، وهم الأكثرون، ومنهم من يتهوَّد، وفيهم سحرةٌ (صِغَارَ الأَعْيُنِ حُمْرَ الوُجُوهِ) بإسكان الميم، أي: بيض الوجوه مشربةٌ بحمرةٍ؛ لغلبة البرد على أجسامهم (١) (ذُلْفَ الأُنُوفِ) بنصب الثَّلاثة، صفةٌ للمفعول السَّابق، و «ذُلْفَ» بضمِّ الذَّال المعجمة وسكون اللَّام جمع: أذلف، أي: فُطْس الأنوف قصارها مع انبطاحٍ، وقيل: غلظٌ في الأرنبة، وقيل: تَطامنٌ، وكلٌّ متقاربٌ (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ) ولأبي ذَرٍّ: «المطرَّقة» بتشديد الرَّاء، أي: الَّتي لبست (٢) الأطرقة من الجلود، وهي الأغشية، تقول: طارقت (٣) بين النَّعلين، أي: جعلت إحداهما على الأخرى (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَْرُ) ولمسلمٍ من طريق سهيل بن أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «يلبسون الشَّعر، ويمشون في الشَّعر». (٩٦) (بابُ قِتَالِ) القوم (الَّذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَْرَ) وهم من التُّرك أيضًا، وسقط لغير الكُشْمِيهَنِيِّ لفظ «الشَّعر».

стр. 5956

٢٩٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ (١) الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٢) ابن شهابٍ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا) أي: من التُّرك (نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ) أي: متَّخذةٌ منه (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ) التُّرس (٣) (المُطْرَقَةُ) الَّتي يُطرق بعضها على بعضٍ، كالنعل المطرقة المخصوفة إذا طُرِقَ بعضها فوق بعضٍ، ولأبي ذَرٍّ: «المطرَّقة» بتشديد الرَّاء. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالسَّند السَّابق: (وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وتخفيف النُّون؛ عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (رِوَايَةً) لا على سبيل المذاكرة، أي: قاله عند النَّقل والتَّحمُّل لا عند القال والقيل، قاله الكِرمانيُّ. وقال الحافظ ابن حجرٍ: «روايةً» هو عوضُ قوله: عن النَّبيِّ ﷺ (صِغَارَ الأَعْيُنِ) بالنَّصب على المفعوليَّة (ذُلْفَ الأُنُوفِ) فطسَها مع القِصَر (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ) ولأبي ذَرٍّ: «المُطَرَّقة» بفتح الطَّاء وتشديد الرَّاء، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لما ذُكِرَ هنا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩١] بعون الله. وعند البيهقيِّ: «إِنَّ أُمَّتِي يَسُوقُهَا قَوْمٌ عِرَاضُ الوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الحَجَفُ ثلاث مرَّاتٍ حَتَّى يُلْحِقُونَهُمْ بِجَزِيْرَةِ العَرِبِ» قالوا: يا نبيَّ الله، من هم؟ قال: «التُّرْكُ، وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَرْبِطُنَّ خُيُولَهُمْ إِلَى سَوَارِي مَسَاجِدِ المُسْلِمِيْنَ». (٩٧) (بابُ مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الهَزِيمَةِ) وثبت هو (وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، واسْتَنْصَرَ) أي: بالله، ولأبي ذَرٍّ: «فاستنصر» بالفاء بدل الواو.

стр. 5957

٢٩٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين وسكون الميم (الحرَّانِيُّ) الجزريُّ، وسقط لفظ «الحرَّانيُّ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) هو ابن عازبٍ ﵁ (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ) هو من (١) قيسٍ، كما عند المؤلِّف في «غزوة حنين» [خ¦٤٣١٧] (أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، وهي كنية أبي الدَّرداء (٢) (يَوْمَ) وقعة (حُنَيْنٍ؟) أي: أفررتم كلُّكم؟ فيدخل فيه النَّبيُّ ﷺ (قَالَ) أي: البراء: (لَا وَاللهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ) الَّذين ليس معهم سلاحٌ يثقلهم، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وخفافهم» حال كونهم (حُسَّرًا) بضمِّ الحاء وفتح السِّين المشدَّدة (٣) المهملتَين (لَيْسَ بِسِلَاحٍ) أي: ليس أحدهم متلبِّسًا بسلاحٍ، فاسم «ليس» مضمرٌ، وقيل: الحاسر: الَّذي لا درع له ولا مغفر (فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً) بالنَّصب صفةُ «قومًا» (جَمْعَ هَوَازِنَ) بنصب «جمعَ» بدل من «قومًا» ويجوز رفعه على أنَّه خبر مبتدَأ محذوفٍ، أي: هم جمع هوازن، وجرُّ «هوازنَ» بالفتحة، لأنَّه لا ينصرف (وَبَنِي نَصْرٍ) بالصَّاد المهملة، قبيلة من بني أسدٍ (مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ) في الأرض من جودة رميهم، ويحتمل أن يكون في «كاد» ضمير شأنٍ مستترٍ، والجملة الفعليَّة خبر كاد، ويحتمل أن يكون «سهمٌ» اسمها، و «يسقط لهم» خبرها، مثل: ما (٤) كاد يقوم

стр. 5958

زيدٌ، على خلافٍ فيه (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) أي: رموهم بالنَّبل (مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا) أي: المسلمون (هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ) الَّتي أهداها له ملك أيلة أو فروة الجذاميُّ (وَابْنُ عَمِّهِ) مبتدأٌ، والواو للحال (أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ) خبر المبتدأ، وفي طريق شعبة عن أبي إسحاق في «باب من قاد دابَّة غيره في الحرب» [خ¦٢٨٦٤] وإنَّ أبا سفيان آخذٌ بلجامها (فَنَزَلَ) ﵊ عن بغلته (وَاسْتَنْصَرَ) أي: دعا الله بالنَّصر، فنصره الله تعالى؛ إذ رماهم بالتُّراب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعونه في «المغازي» [خ¦٤٣١٧] (ثُمَّ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ) أي: فلست بكاذبٍ في قولي حتَّى أنهزم (أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ) بسكون باء «كذبْ» و «المطَّلبْ»، وانتسب لجدِّه لشهرته به (١)، بخلاف أبيه عبد الله، فإنَّه مات شابًّا، أو لغير ذلك ممَّا سبق عند ذكره في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٤] (ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ) الَّذين ثبتوا معه بعد هزيمة من انهزم لكثرة العدوِّ بأن كانوا ضعفهم أو أكثر، أو نَوَوا العود عند الإمكان. (٩٨) (بابُ الدُّعَاءِ) أي: دعاء الإمام (عَلَى المُشْرِكِينَ) عند الحرب (بِالهَزِيمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ (٢)). ٢٩٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء، الرَّازيُ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قال في «الفتح»: هو الدَّستوائيُّ، وزعم الأَصيليُّ: أنَّه ابن حسَّان، ورامَ بذلك تضعيفَ الحديث، فأخطأ من وجهين، وتجاسر الكِرمانيُّ فقال: المناسب أنَّه هشام بن عروة، وتعقَّبه في «العمدة» فقال: هو الَّذي تجاسر حيث قال: إنَّه هشامٌ الدَّستوائيُّ، وليس هو الدَّستوائيَّ وإنَّما هو هشام بن حسَّان مثل ما قال الأَصيليُّ، وكذا نصَّ عليه الحافظ المزيُّ في «الأطراف» في موضعَين، وكذا قال الكِرمانيُّ، ثمَّ قال: لكنَّ المناسب لما مرَّ في «شهادة الأعمى» [خ¦٢٦٥٥] هشام بن عروة، فلم يظهر منه تجاسرٌ؛ لأنَّه لم

стр. 5959

يجزم بأنَّه هشام بن عروة، وإنَّما غرَّته رواية عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه عروة في الباب المذكور، فظنَّ أنَّ (١) ههنا أيضًا كذلك. انتهى. وسيأتي في «غزوة الأحزاب» [خ¦٤١١١]-إن شاء الله تعالى- أنَّ ابن حجرٍ قال فيها: كنت ذكرت في «الجهاد» [خ¦٢٩٣١] أنَّه الدَّستوائيُّ لكن جزم المِزِّيُّ في «الأطراف» بأنَّه ابن حسَّان، ثمَّ وجدته مصرَّحًا به في عدَّة طرقٍ، فهذا هو (٢) المعتمد، وأمَّا تضعيف الأَصيليِّ للحديث به فليس بمعتمدٍ، كما سأوضِّحه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٣٣] إن شاء الله تعالى (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ) وقعة (الأَحْزَابِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ) أي: بيوت الكفَّار أحياءً (وَقُبُورَهُمْ) أمواتًا (نَارًا، شَغَلُونَا) بقتالهم (عَنِ الصَّلَاةِ) ولأبي ذَرٍّ: «عن صلاة» (الوُسْطَى حِينَ) أي: وقت، ولأبي ذَرٍّ: «حتَّى» (غَابَتِ الشَّمْسُ) وفي «مسلمٍ» عن ابن مسعودٍ: إنَّ المشركين حبسوهم عن صلاة العصر حتَّى احمرَّت الشَّمس أو اصفرَّت، ومقتضاه: أنَّه لم يخرج الوقت، وجمع بينه وبين سابقه بأنَّ الحبس انتهى إلى وقت الحُمْرة أو الصُّفرة، ولم تقع الصَّلاة إلَّا بعد المغرب، واختلف في الصَّلاة الوسطى على أقوالٍ، وللحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ تأليفٌ مفردٌ في ذلك سمَّاه: «كشف المغطَّى عن حكم الصَّلاة الوسطى». قيل: والمطابقة بين التَّرجمة والحديث (٣) في قوله: «مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» لأنَّ في إحراق بيوتهم غاية التَّزلزل في أنفسهم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١١١] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٩٦] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٣٣]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير».

стр. 5960

٢٩٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة السوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو فِي القُنُوتِ) في الصُّبح بعد الرَّفع من الرُّكوع في الثَّانية: (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ (١)، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من العامِّ بعد الخاصِّ، وهمزة «أنجِ» في الأربعة همزة قطعٍ مفتوحةٍ، والجيم مكسورةٌ (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطَّاء المهملة، أي: بأسك وعقوبتك أو أخذتك الشَّديدة (عَلَى مُضَرَ) بضمِّ الميم وفتح الضَّاد المعجمة غير منصرفٍ لأنَّه علمٌ للقبيلة (اللَّهُمَّ سِنِينَ) نصبٌ بتقدير: اجعل (كَسِنِي يُوسُفَ) بن يعقوب ﷺ ، أي: غلاء كالغلاء الواقع في زمنه بمصر. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من قوله: «اللَّهمَّ اشدُد وطأتك» لأنَّها أعمُّ من أن تكون بالهزيمة، أو الزَّلزلة، أو تكون (٢) بغير ذلك من الشَّدائد، وقد سبق هذا الحديث في أوَّل «الاستسقاء» [خ¦١٠٠٦]. ٢٩٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) مردويه السِّمسار الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيُّ البجليُّ الكوفيُّ، واسم أبي خالدٍ: سعدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالدٍ الأسلميَّ (¬﵄ يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 5961

يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى المُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ) أي: يا ألله يا (مُنْزِلَ الكِتَابِ) القرآن يا (سَرِيعَ الحِسَابِ) قال الكِرمانيُّ: إمَّا أن يُراد به سريع حسابه بمجيء وقته، وإمَّا أنَّه سريعٌ في الحساب (اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ) أي: اكسرهم، وبدِّد شملهم (اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ) فلا يثبتوا عند اللِّقاء، بل تطيش عقولهم، وترعد (١) أقدامهم. ومطابقة هذا الحديث (٢) للتَّرجمة ظاهرةٌ، وإنَّما خصَّ الدُّعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون أن يدعو عليهم بالهلاك؛ لأنَّ الهزيمة فيها سلامة نفوسهم، وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من الشِّرك، ويدخلوا في الإسلام، والإهلاك الماحق لهم مفوِّتٌ لهذا المقصد الصَّحيح. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١١٥] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٨٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٩٢]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير». ٢٩٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ أخو عثمان قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وبعد الواو السَّاكنة نونٌ، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرٍو السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأزديِّ الكوفيِّ، أدرك الجاهليَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي ظِلِّ

стр. 5962

الكَعْبَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشامٍ فرعون هذه الأمَّة (وَنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ) سُمُّوا في الدُّعاء الآتي فيه: (وَنُحِرَتْ جَزُورٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ معترضةٌ بين قول أبي جهلٍ ومن معه، ومقولهم المحذوف المقدَّر بقوله: هاتوا من سلا الجزور الَّتي نُحرَت (فَأَرْسَلُوا) إليها (فَجَاؤُوْا) بشيءٍ (مِنْ سَلَاهَا) بفتح السِّين المهملة وتخفيف اللَّام مقصورًا (١)، من جلدتها الرَّقيقة الَّتي يكون فيها الولد من المواشي (وَطَرَحُوهُ عَلَيْهِ) ولأبي ذَرٍّ: «وطرحوا» بحذف الضَّمير، وكان الَّذي طرحه عقبة بن أبي مُعَيطٍ (فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ) الزَّهراء ﵂ (فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ) ﵊، واستَدلَّ به المالكيَّة (٢) على طهارة روث المأكول لحمه. وأجاب من قال بنجاسته: بأنَّه لم يكن في ذلك الوقت تعبُّدٌ به، وأيضًا ليس في السَّلا دمٌ، فهو كعضوٍ منها، فإن قيل: هو ميتةٌ؟ أُجيبَ: باحتمال أنَّه كان قبل تحريم ذبائح أهل الأوثان، وإن قيل: كان معه فرثٌ ودمٌ؟ قيل: لعلَّه كان قبل التَّعبُّد بتحريمه (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) قالها ثلاثًا (لأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ) اللَّام للبيان نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: هذا الدُّعاء مختصٌّ به، أو للتَّعليل، أي: دعا أو قال؛ لأجل أبي جهلٍ (وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون الفوقيَّة (وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة (٣)، و «عُقْبة»: بسكون القاف. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن مسعودٍ: (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ فِي قَلِيبِ بَدْرٍ قَتْلَى) مفعول ثانٍ لـ «رأيتهم»، والقَليب: البئر قبل أن تُطوَى (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ بالسَّند السَّابق: (وَنَسِيتُ السَّابِعَ) هو عُمارة بن الوليد (وَقَالَ (٤) يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «قال

стр. 5963

يوسف ابن أبي إسحاق» نسبه إلى جدِّه (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرٍو السَّبيعيِّ، ممَّا وصله في «الطَّهارة» [خ¦٢٤٠] (أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، بدلٌ من (١) قوله في رواية سفيان الثَّوريِّ عنه (٢): أُبيِّ بن خلفٍ (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، فيما وصله في «كتاب المبعث» [خ¦٣١٨٥] عن أبي إسحاق (أُمَيَّةُ أَوْ أُبَيٌّ) بالشَّكِّ، وكأنَّه حدَّث به (٣) مرَّةً «أميَّة» ومرَةً «أبيٌّ» وحدَّث به أخرى، فشكَّ فيه، أو الشَّكُّ من شعبة، وهو الظَّاهر. قال البخاريُّ: (وَالصَّحِيحُ) أنَّه (أُمَيَّةُ) لا «أُبيٌّ» لأنَّ أُبيًّا قتله النَّبيُّ ﷺ بيده يوم أُحُدٍ بعد بدر (٤). ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ (٥)، وسبق في «باب المرأة تطرح عن المصلِّي شيئًا من الأذى» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٢٠]. ٢٩٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة وفتح الكاف، عبدُ الله، واسم أبي مليكة: زهيرُ بن عبد الله بن جدعان التَّيميّ الأحول (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ) بتخفيف الميم، أي: الموت (عَلَيْكَ) قالت عائشة: (فَلَعَنْتُهُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولعنتهم» (فَقَالَ) ﵊: (مَا لَكِ؟) بكسر الكاف، أي: أيُّ شيءٍ حصلَ لكِ (٦) حتَّى لعنتهم (٧)؟ فأجابت بقولها (قُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قالت»: (أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ) أي: السَّام،

стр. 5964

فرددت (١) عليهم ما قالوا، فإنَّ ما قلت يُستجاب لي وما قالوا يُرَدُّ عليهم. قال الخطَّابيُّ: رواية المحدِّثين «وعليكم» بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بحذفها وهو الصَّواب؛ لأنَّه إذا حذفها صار قولهم مردودًا عليهم، وإذا أثبتها وقع الاشتراك معهم والدُّخول فيما قالوه لأنَّ الواو حرف عطفٍ، ولا اجتماع بين الشَّيئين. قال الزَّركشيُّ: وفيه نظرٌ إذ المعنى: ونحن ندعوا عليكم بما دعوتم به علينا، على أنَّا إذا فسَّرنا «السَّام» بالموت؛ فلا إشكال، لاشتراك الخلق فيه. انتهى. وقال: من فسَّرها بالموت فلا تبعد الواو، ومن فسَّرها بالسَّآمة فإسقاطها هو الوجه. وقال ابن الجوزيُّ: وكان قتادة يمدُّ ألف «السَّام». انتهى. لكنَّ إثبات الواو أصحُّ في الرِّواية وأشهر. وسيكون لنا عودةٌ إلى مباحث ذلك مع مزيدٍ فرائد الفوائد إن شاء الله تعالى في محالِّه بعون الله وقوَّته. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٢٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٩٥]. (٩٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُرْشِدُ المُسْلِمُ أَهْلَ الكِتَابِ) إلى طريق الهدى، ويعرِّفهم بمحاسن الإسلام ليرجعوا إليه (أَوْ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ؟) أي: القرآن رجاءَ أن يرغبوا في دين الإسلام. ٢٩٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن كوسج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ)

стр. 5965

محمَّد بن عبد الله (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ الزُّهريِّ (١) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون الفوقيَّة، بعدها موحَّدةٌ (بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ) وهو هرقلُ ملكُ الرُّوم (وَقَالَ) فيما كتبه (٢) إليه: (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ) عن الإسلام (فَإِنَّ عَلَيْكَ) مع إثمك (إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فسينٍ مهملةٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ فأخرى ساكنةٍ، آخره نونٌ، أي: الزَّرَّاعين، فأرشده إلى طريق الهدى والحقِّ. والظَّاهر أنَّ المؤلِّف استنبط ما ترجم به من كونه ﵊ كَتَبَ له بعض القرآن بالعربيَّة، فكأنَّه سلَّطه على تعليمه أوَّلًا بقراءته حتَّى يُترجَم له، ولا يُترجَم حتَّى يعرف المترجم كيفيَّة استخراجه، فتحصل المطابقة بين التَّرجمة والحديث (٣) من (٤) كتابته (٥) القرآن ومن مكاتبته، وقد منع مالكٌ من تعليم المسلم الكافر القرآن. وأجازه أبو حنيفة. واحتجَّ له الطَّحاويُّ بهذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦] وبحديث أسامة [خ¦٤٥٦٦] مرَّ النَّبيُّ ﷺ على ابن أُبيٍّ قبل أن يسلم، وفي المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين، فقرأ عليهم القرآن، وهذا أحد قولي الشَّافعيِّ. قال في «فتح الباري»: والَّذي يظهر أنَّ الرَّاجح التَّفصيل بين من يُرجَى منه الرَّغبة في الدِّين والدُّخول فيه، مع الأمن منه (٦) أن يتسلَّط بذلك إلى الطَّعن فيه وبين من يتحقَّق

стр. 5966

ألَّا ينجع فيه، أو يظنُّ أنَّه يتوصل بذلك إلى الطَّعن في الدِّين. (١٠٠) (بابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالهُدَى) إلى الإسلام (لِيَتَأَلَّفَهُمْ). ٢٩٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرجَ (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَدِمَ طُفَيْلُ (١) بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، و «طُفَيْل»: بضمِّ الطَّاء المهملة وفتح الفاء وسكون التَّحتيَّة، آخره لامٌ (الدَّوْسِيُّ) بفتح الدَّال المهملة وبالسِّين المهملة المكسورة (وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهو بخيبر، وكان أصحابه ثمانين أو تسعين، وهم الَّذين قدموا معه، وهم أهل بيتٍ من دَوْسٍ، وكان قدم قبلها بمكَّة، وأسلم وصدق (فَقَالُوا) أي: طفيلٌ وأصحابه: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا) قبيلةَ أبي هريرة (عَصَتْ) على الله (وَأَبَتْ) أن تسمع كلام طفيلٍ حين دعاهم إلى الإسلام (فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا (٢)) أي: بالهلاك (فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ. قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا) إلى الإسلام (وَائْتِ بِهِمْ) مسلمين، وهذا من كمال خلقه العظيم ورحمته ورأفته بأمَّته، جزاه الله عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمَّته، وصلَّى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، وأمَّا دعاؤه ﵊ على بعضهم فذلك حيث لا يرجو (٣)، ويخشى ضررهم وشوكتهم.

стр. 5967

(١٠١) (بابُ دَعْوَةِ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْراِنيِّ) أي: إلى الإسلام، ولأبي ذَرٍّ: «دعوة اليهود والنَّصارى» (وَعَلَى مَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ؟) بفتح الفوقيَّة من «يقاتَلون» (وَ) بيان (مَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كِسْرَى) ملك الفرس (وَقَيْصَرَ) ملك الرُّوم، ومعنى «قيصر»: البقير في لغتهم؛ لأنَّ أمَّه لمَّا أتاها (١) الطلق به ماتت، فبُقِرَ بطنها عنه، فخرج حيًّا، وكان يفخر (٢) بذلك لأنَّه لم يخرج من فرجٍ (وَ) بيان (الدَّعْوَةِ) إلى الإسلام (قَبْلَ القِتَالِ). ٢٩٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، ابن عبيدٍ الجوهريُّ الهاشميُّ مولاهم البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى) أهل (الرُّومِ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا) كراهية أن يقرأ كتابَهم غيرُهم، ورُوِيَ: من كرامة الكتاب ختمه. وعن ابن المقفَّع: من كتب إلى أخيه كتابًا ولم يختمه فقد استخفَّ به (فَاتَّخَذَ خَاتَمًا) أي: فأمر أن يُصنَعَ له خاتمٌ (مِنْ فِضَّةٍ) سنة ستٍّ (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي) خنصر (يَدِهِ) اليسرى (٣) كما في «مسلمٍ» أو اليمنى (٤) كما في «التِّرمذيِّ» (وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ثلاثة

стр. 5968

أسطرٍ، محمَّدٌ سطرٌ، ورسولٌ سطرٌ، والله سطرٌ، لكنْ لم تكن كتابته على التَّرتيب العاديِّ، فإنَّ ضرورة الاحتياج إلى أن يُختَم به تقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبةً؛ ليخرج (١) الختم مستويًا، ولعلَّ مراد المؤلِّف من الحديث قوله: «لمَّا أراد أن يكتب» لأنَّه يدلُّ على أنَّه قد كتب، وهو الَّذي ذكره ابن عبَّاسٍ في حديثٍ طويلٍ [خ¦٢٩٤٠] [خ¦٢٩٤١]. ٢٩٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (٢) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) تصغير (٣) عبد (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ) مع عبد الله بن حذافة السَّهميِّ (إِلَى كِسْرَى، فَأَمَرَهُ) أي: أمر رسول الله (٤) ﷺ ابن حذافة (أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ) المنذر بن ساوى -بفتح السِّين المهملة والواو- وكان من تحت يد كسرى، و «البحرين» تثنية بحر، موضعٌ بين البصرة وعُمان، وعبَّر بـ «عظيم» دون ملك لأنَّه لا ملك ولا سلطنة للكفَّار (يَدْفَعُهُ عَظِيمِ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى) فذهب به إلى عظيم البحرين فدفعه إليه، ثمَّ دفعه عظيم البحرين إلى كسرى (فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى خَرَّقَهُ) بتشديد الرَّاء بعد الخاء المعجمة، وفي طريق صالحٍ عن ابن شهابٍ عند المؤلِّف في «كتاب العلم» [خ¦٦٤] مزَّقه بدل «خرَّقه» قال ابن شهابٍ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ قَالَ): لمَّا مزَّقه وبلغ النَّبيَّ ﷺ غَضِبَ (فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ) أي: بأن (٥)

стр. 5969

(يُمَزَّقوا) أي: بالتَّمزيق (١) (كُلَّ مُمَزَّقٍ) بفتح الزَّاي فيهما، أي: يُفرَّقوا كلَّ نوعٍ من التَّفريق (٢)، فسلَّط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله (٣) بأن مزَّق بطنه سنة سبعٍ، فتمزَّق ملكه كلَّ ممزَّقٍ، وزال من جميع الأرض، واضمحلَّ بدعوته ﷺ . وفي هذا الحديث الدُّعاء إلى الإسلام بالكلام والكتابة، وأنَّ الكتابة تقوم مقام النُّطق، وقد اختُلف في اشتراط الدُّعاء قبل القتال، ومذهب الشَّافعيَّة: وجوب عرض الإسلام أوَّلًا على الكفَّار، بأن ندعوَهم إليه إن علمنا أنَّه لم تبلغهم الدَّعوة وإِلَّا استُحِبَّ. (١٠٢) (بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الإِسْلَامِ) ولأبي الوقت: «النَّاس إلى الإسلام» (وَالنُّبُوَّةِ) أي: الاعتراف بها (وَأَلَّا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) لأنَّ كلًّا منهم بشرٌ مثلهم (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧٩]) وزاد في رواية أبي ذرٍّ: «﴿الْكِتَابَ﴾» (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «إلى آخر الآية (٤)» والمعنى: ما ينبغي لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبوَّة أن يقول للنَّاس: اعبدوني مع الله، وإذا كان لا يصلح لنبيٍّ ولا لمرسلٍ فَلَأَنْ لا يصلح لأحدٍ من النَّاس غيرهم بطريقِ (٥) الأَولى، وقد كان أهل الكتاب يتعبَّدون لأحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].

стр. 5970

٢٩٤٠ - ٢٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، ابن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام، أبو إسحاق القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ (١) المدنيُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ (٣) اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ

стр. 5971

عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ) كتابًا (إِلَى قَيْصَرَ) ملك الرُّوم، واسمه: هرقل (يَدْعُوهُ) فيه (إِلَى الإِسْلَامِ، وَبَعَثَ) ﵊ (بِكِتَابِهِ) هذا (إِلَيْهِ) إلى قيصر (مَعَ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ) في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجع من الحديبية (وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: أمر دحية (أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) بضمِّ الموحَّدة وسكون الصَّاد المهملة وفتح الرَّاء مقصورًا: مدينة حوران ذات قلعةٍ بين الشَّام والحجاز، وعظيمها أميرها الحارث بن (١) شمر الغسَّانيُّ (لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ، وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ) عند غلبة جنوده الرُّوم عليهم في سنة عمرة الحديبية (مَشَى مِنْ حِمْصَ) مجرورٌ بالفتحة لأنَّه غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث. وزاد ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: أنَّه كان يُبسَط له البُسُط، ويوضع عليها الرَّياحين، فيمشي عليها (إِلَى إِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة واللَّام، بينهما تحتيَّةٌ ممدودةٌ، وهي بيت المقدس (شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وموحَّدةٍ ساكنةٍ، أي: أنعم (٢) عليه بدفع فارس عنه بعد أن ملكوا الشَّام وما والاها من الجزيرة وأقاصي بلاد الرُّوم، واضطروا هرقل حتَّى ألجؤوه إلى القسطنطينيَّة، وحاصروه فيها مدَّةً طويلةً (فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ) وهو بإيلياءَ (كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الَّذي بعثه مع دِحية، فأعطاه دِحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، فلما وصل إليه (قَالَ حِينَ قَرَأَهُ: التَمِسُوا لِي هَهُنَا (٣) أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ لأَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: عن نسبه وصفته ونعته وما يدعو إليه.

стр. 5972

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَربٍ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «بن حربٍ» (أَنَّهُ كَانَ بِالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ) صفةٌ لـ «رجالٍ» وكانوا ثلاثين رجلًا كما عند الحاكم حال كونهم (قَدِمُوا تِجَارًا) بكسر الفوقيَّة وتخفيف الجيم (فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) (١) وهي مدَّة صلح الحديبية (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَجَدَنَا) بفتح الدَّال، فعلٌ ومفعولٌ (رَسُولُ قَيْصَرَ) برفع «رسولُ» فاعله (بِبَعْضِ الشَّأْمِ) قيل (٢): غزَّة (٣)، المدينة المشهورة (فَانْطَلَقَ بِي وَبِأَصْحَابِي) رسول قيصر (حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ) وعند ابن السَّكن: وعنده بطارقته والقسِّيسون والرُّهبان (فَقَالَ لِتَُرْجُمَانِهِ) بفتح التَّاء -وقد تُضَمُّ- وضمِّ الجيم، وهو المفسِّر لغةً بلغةٍ: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ إليه نَسَبًا. قَالَ) قيصر: (مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ فَقُلْتُ: هُوَ ابْنُ عَمِّي) لأنَّه من بني عبد منافٍ، وهو الأب الرَّابع له ﷺ ولأبي سفيان، ولأبي ذَرٍّ: «ابن عمٍّ» بإسقاط الياء وتنوين الميم (وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي. فَقَالَ قَيْصَرُ: أَدْنُوهُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ، أي: قرِّبوه. زاد في أوَّل الكتاب: «منِّي» [خ¦٧] وإنَّما أراد بذلك الإمعان في السُّؤال (وَأَمَرَ بِأَصْحَابِي) القرشيِّين (فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي) لئلَّا يستحوا (٤) أن يواجهوه بالكذب إن كذب (٥)، و «كتفِي» بكسر الفاء (٦) وتخفيف الياء في الفرع كأصله (٧) (ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ

стр. 5973

لأَصْحَابِهِ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ) أبا سفيان (عَنِ) الرَّجل (الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَ) في حديثه عنه (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الذَّال المكسورة (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ) بضمِّ المثلَّثة بعد الهمزة السَّاكنة، أي: يَروي ويحكي (أَصْحَابِي عَنِّي الكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ) ﵊ لبغضي إيَّاه إذ ذاك (وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ) بتخفيف الدَّال المهملة (ثُمَّ قَالَ) هرقل (لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟) أي: ما حال نسبه، أهو من أشرافكم أم لا؟ (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ) عظيمٍ (قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ) من قريش (قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: كُنْتُمْ) أي: هل كنتم (تَتَّهِمُونَهُ عَلَى الكَذِبِ) وفي رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ أوَّل هذا الكتاب: فهل كنتم تتَّهمونه بالكذب [خ¦٧] (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ (١) مَلِكٍ؟) بكسر ميم «مِنْ» حرف جرٍّ وكسر لام «ملِك» صفةٌ مشبَّهةٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَن مَلَك» بفتح ميم «مَن» اسمٌ موصولٌ وفتح لام «ملَكَ» فعلٌ ماضٍ (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ) أي: أهل النَّخوة والتَّكبر منهم (يَتَّبِعُونَهُ) بتشديد الفوقيَّة وإسقاط (٢) همزة الاستفهام، وهو قليلٌ (أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) أي: اتَّبعوه (قَالَ: فَيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟) وفي رواية شعيبٍ [خ¦٧]: «أَمْ» بالميم بدل الواو (قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ) أي: منهم، كما في رواية شعيب (سَخْطَةً لِدِينِهِ) بالنَّصب على الحال، أي: ساخطًا (بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟) أي: ينقض العهد (قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ الآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ) أي: مدَّة صلح الحديبية (نَحْنُ نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي) بالفوقيَّة، والَّذي في «اليونينيَّة»: بالتَّحتيَّة (٣) (كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهِ) وسقط في رواية شعيبٍ لفظ «أنتقصه به» (لَا أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ) أي: تُروَى (عَنِّي غَيْرُهَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ أوْ قَاتَلَكُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ؟ قُلْتُ: كَانَتْ دُِوَلًا) بضمِّ الدَّال وكسرها وفتح الواو (وَسِجَالًا) بكسر السِّين وبالجيم، أي: نُوَبًا، نوبةٌ لنا، ونوبةٌ له كما قال: (يُدَالُ عَلَيْنَا المَرَّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الأُخْرَى) بضمِّ أوَّل «يُدال» و «نُدال» بالبناء للمفعول، أي: يغلبنا مرَّةً ونغلبه أخرى (قَالَ:

стр. 5974

فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟) زاد أبو ذرٍّ: «به» في رواية (١) (قَالَ) أبو سفيان: فقلت: (يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ) ولأبي الوقت: «ولا نشرك» (بِهِ شَيْئًا) بزيادة الواو قبل «لا» (وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) من عبادة الأصنام (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) المعهودة (وَالصَّدَقَةِ) المفروضة، وفي رواية شُعيبٍ [خ¦٧] «والصِّدق» بدل: «الصَّدقة» (وَالعَفَافِ) بفتح العين: الكفُّ عن المحارم وخوارم المروءة (وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ. فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ: قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ: أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ) أي: عظيمٍ (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي) أشرف (نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا، فَقُلْتُ) في نفسي: (لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ؛ قُلْتُ: رَجُلٌ يَأْتَمُّ) أي: يقتدي (بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ) قبل أن يُظهر (٢) رسالته (وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ) بعد إظهارها (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا. فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) بالجمع، وفي رواية شعيبٍ: أبيه [خ¦٧] بالإفراد (وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) غالبًا (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ) وفي رواية شعيب: أم (يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ) فإنَّه لا يزال في زيادةٍ (حَتَّى يَتِمَّ) أمره بالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام ونحوها؛ ولذا نزل في آخر سنيِّه ﵊ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الاية [المائدة: ٣] (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا. فَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تَخْلِطُ) بفتح المثنَّاة وسكون الخاء المعجمة، وبعد اللَّام المكسورة طاءٌ مهملةٌ (بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ) بفتح الموحَّدة والإضافة إلى ضمير «الإيمان»، و «القلوبَ» نصبٌ على المفعوليَّة، أي: تخالط بشاشةُ الإيمان القلوبَ الَّتي تدخل فيها (لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ) وفي رواية ابن (٣) إسحاق: وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا. وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ قَدْ فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ يكُونُ دُوَلًا وَيُدَالُ) بالواو، وسقطت لأبي ذَرٍّ (عَلَيْكُمُ المَرَّةَ، وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى) أي: تختبر

стр. 5975

بالغلبة عليهم (١)؛ ليُعلَم صبرهم (وَتَكُونُ (٢) لَهَا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» أي: للمبتلى منهم (العَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ: بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟) بإثبات الألف مع «ما» الاستفهاميَّة، وهو قليلٌ، وسبق في أوَّل الكتاب مزيدُ فوائد، فلتُنْظَر (فَزَعَمْتَ: أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَ) أنَّه (يَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ) أي: عن (٣) عبادة الأوثان (وَ) أنَّه (يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ) وللحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «والصِّدق» بدل: «الصَّدَقَة» (وَالعَفَافِ وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ) هرقل: (وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والمُستملي: «نبيٍّ» (قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ) قال ذلك لِمَا رأى من (٤) علامات (٥) نبوَّته الثَّابتة في الكتب السَّابقة (وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «لم أعلم» (أَنَّهُ مِنْكُمْ) أي: من قريشٍ (وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا؛ فَيُوشِكُ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: فيسرع (أَنْ يَمْلِكَ) ﵊ (مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ) أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه (وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ) بضمِّ اللَّام، أَصِلَ (إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ) بالجيم والشِّين المعجمة، لتكلَّفت (لُقِيَّهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «لقاءه» وفي «مرسل ابن إسحاق» عن بعض أهل العلم: أنَّ هرقل قال: ويحك، والله إنِّي لأعلم أنَّه نبيٌّ مرسلٌ، ولكنْ أخاف الرُّوم على نفسي، ولولا ذاك (٦) لاتَّبعته (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ) وفي رواية عبد الله بن شدَّادٍ عن أبي سفيان: لو علمت أنَّه هو لمشيت إليه حتَّى أقبِّل رأسه، وأغسل قدميه (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ثُمَّ دَعَا) هرقل (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: من وَكَّلَ ذلك إليه، أو من يأتي به، وزاد في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ: الَّذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل [خ¦٧] (فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم، مِن مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ) قدَّم لفظ العبوديَّة على الرِّسالة؛ ليدلَّ على أنَّ العبوديَّة أقرب طرقِ العباد إليه، وتعريضًا لبطلان قول النَّصارى في المسيح أنَّه ابن الله؛ لأنَّ الرُّسل مستوون في أنَّهم عباد الله (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهل (٧) (الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي

стр. 5976

أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ) مصدرٌ بمعنى الدَّعوة كالعافية. وفي رواية شعيبٍ: بدعاية الإسلام [خ¦٧] أي: بدعوته، وهي كلمة الشَّهادة الَّتي يُدعَى إليها أهل الملل الكافرة (أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ) بكسر اللَّام في الأولى والأخيرة وفتحِها في الثَّانية، وهذا في غاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التَّجنيس، فإنَّ «تسلمْ» شاملٌ لسلامته من خزي الدُّنيا بالحرب، والسَّبي، والقتل، وأخذ الدِّيار (١) والأموال، ومن عذاب الآخرة (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) أي: من جهة إيمانه بنبيِّه ثم بنبيِّنا محمَّدٍ ﷺ ، أو من جهة أنَّ إسلامه سببٌ لإسلام أتباعه (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ) أعرضت عن الإسلام (فَعَلَيْكَ) مع إثمك (إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ) بالهمزة وتشديد الياء بعد السِّين، جمع يريسي (٢)، أي: الأكَّارين، وهم الفلَّاحون والزَّرَّاعون، وللبيهقيِّ في «دلائله»: «عليك إثم الأكَّارين» أي: عليك إثم رعاياك الَّذين يتَّبعونك، وينقادون بانقيادك، ونبَّه بهؤلاء على جميع الرَّعايا؛ لأنَّهم الأغلب وأسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا (وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) بواو العطف على «أدعوك» أي: أدعوك (٣) بداعية الإسلام، وأدعوك بقول الله تعالى: يا أهل الكتاب (﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ﴾) نوحِّده بالعبادة، ونخلص له فيها (﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾) ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة (﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾) فلا نقول: عزير ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التَّحريم والتَّحليل (﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾) عن التَّوحيد (﴿فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]) أي: لزمتكم الحجَّة، فاعترفوا بأنَّا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنَّكم كافرون بما نطقتْ به الكتب، وتطابقت عليه الرُّسل (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا أَنْ قَضَى) هرقل (مَقَالَتَهُ عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ) أي: صياحهم وشغبهم (فَلَا أَدْرِي مَاذَا قَالُوا، وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر تاليها في الموضعين (٤)

стр. 5977

بالبناء للمجهول (فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ قُلْتُ لَهُمْ (١): لَقَدْ أَمِرَ) بفتح الهمزة وكسر الميم، أي: كبر وعظم (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون الموحَّدة، كنية رجلٍ من خزاعة، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فعبد الشِّعرى، فنسبوه إليه؛ للاشتراك في مطلق المخالفة، وقيل غير ذلك ممَّا سبق أوَّل الكتاب في «بدء الوحي» [خ¦٧] أي: لقد عظم شأنه (هَذَا مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) وهم الرُّوم (يَخَافُهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا) بالذَّال المعجمة (مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ) ﵊ (سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ قَلْبِي الإِسْلَامَ (٢) وَأَنَا كَارِهٌ) أي: للإسلام، وكان ذلك يوم فتح مكَّة، وقد حسن إسلامه، وطاب به قلبه بعد ذلك ﵁. وهذا الحديث سبق في «بدء الوحي» [خ¦٧] مع زيادات مباحث، والله الموفِّق. ٢٩٤٢ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم -بالحاء المهملة والزَّاي- سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديِّ (¬﵁¬) أنَّه (سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ) في أوَّل سنة سبعٍ: (لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ) أي: العَلَم (رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ) زاد ابن إسحاق عن سَلَمة بن (٣) عمرو بن الأكوع: «ليس بفرَّارٍ» (فَقَامُوا) أي: الصَّحابة الحاضرون (يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى؟) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، أي: فقام الحاضرون من الصَّحابة حال كونهم راجين لإعطاء الرَّاية له حتَّى

стр. 5978

يفتح الله على يديه (فَغَدَوْا، وَكُلُّهُمْ) أي: وكلُّ واحدٍ منهم (يَرْجُو أَنْ يُعْطَاها) وكلمة «أَنْ» مصدريَّةٌ (فَقَالَ) ﵊: (أَيْنَ عَلِيٌّ؟) أي: ما لي لا أراه حاضرًا، وكأنَّه ﵊ استبعد غيبته عن حضرته في مثل هذا الموطن لا سيَّما وقد قال: «لأعطينَّ الرَّاية … » إلى آخره، وحضر النَّاس كلُّهم طمعًا أن يفوزوا بذلك الوعد (فَقِيلَ) على سبيل الاعتذار عن غيبته: (يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ) من الرَّمد (فَأَمَرَ) ﷺ بإحضاره (فَدُعِيَ لَهُ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول، أي: دُعِيَ عليٌّ للنَّبيِّ ﷺ (فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ) بفتح الموحَّدة والرَّاء (حَتَّى كَأَنَّهُ (١) لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ) من الرَّمد (فَقَالَ) أي: عليٌّ: يا رسول الله (نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا) مسلمين (مِثْلَنَا. فَقَالَ) ﵊ له: (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء وسكون السِّين، أي: اتَّئدْ فيه وكن على الهينة (حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ) أي: قبل القتال. وهذا موضع التَّرجمة (وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لأَنْ) بفتح اللَّام، وفي «اليونينيَّة»: بكسرها (يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ) بضمِّ أوَّل «يُهدَى» وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ) بضمِّ الحاء المهملة والميم، كذا في «اليونينيَّة» بضمِّ الميم، فليُنْظَر، و «النَّعَم» بفتح النُّون، أي: حُمْر الإبل، وهي أحسنها وأعزُّها، أي: خير لك من أن تكون لك فتتصدَّق (٢) بها. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضل عليٍّ» [خ¦٣٧٠١]، ومسلمٌ في «الفضائل».

стр. 5979

٢٩٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد بن الحارث، الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ) بضمِّ أوَّله، من الإغارة (حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ (١) سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ) عن قتالهم (وَإِنْ (٢) لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ) عليهم (بَعْدَ مَا يُصْبِحُ) أي: أنَّه كان إذا لم يعلم حال القوم هل بلغتهم الدَّعوة أم لا ينتظر بهم الصَّباح ليستبرئ حالهم بالأذان، فإن (٣) سمعه أمسك عن قتالهم، وإلَّا أغار عليهم (فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة. ٢٩٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي كثيرٍ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا) هذا طريقٌ آخرُ لحديث أنسٍ، أخرجه بتمامه في «الصَّلاة» [خ¦٦١٠] بلفظ: «إذا غزا بنا (٤) قومًا لم يكن يغزو بنا حتَّى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإن (٥) لم يسمع أذانًا أغار عليهم … » الحديث. ٢٩٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «وحدَّثنا» بواو العطف (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ (٦) ﷺ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهَا لَيْلًا) نصبٌ على الظَّرفية (وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ) وفي رواية: «لم يُغِرْ» (عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ) أي: يطلع الفجر (فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ) بتخفيف الياء، هي

стр. 5980

كالمجارف إلَّا أنَّها من حديدٍ (وَمَكَاتِلِهِمْ) قِفَفهم لزرعهم (فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا): جاء (مُحَمَّدٌ وَاللهِ مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، أي: الجيش، لأنَّه خمسُ فِرَقٍ المقدِّمة، والقَلْب، والميمنة، والميسرة، والسَّاقة (فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : اللهُ أَكْبَرُ) ثلَّثه الطَّبرانيُّ (١) في روايته (خَرِبَتْ خَيْبَرُ) قاله بوحيٍ، أو تفاؤلًا لمَّا رأى آلات الخراب معهم من المساحي والمكاتل (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ). وهذا طريقٌ ثالثٌ لحديث أنسٍ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٩٧]، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «السِّير». ٢٩٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أمرني الله تعالى بأن (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بمقاتلة الناس، وهو من العامِّ الَّذي أُريد به الخاصُّ، فالمراد بـ «النَّاس» المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمرتُ أن أقاتل المشركين» (حَتَّى) أي: إلى أن (يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) ولمسلمٍ: «حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» وزاد في حديث ابن عمر عند المؤلِّف في «كتاب الإيمان» [خ¦٢٥] إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ) أي: حفظ (مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: الإسلام، مِنْ قَتْلِ النَّفس المحرَّمة، والزِّنا بعد الإحصان، والارتداد عن الدِّين (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) فيما يُسِرُّه من الكفر والمعاصي، يعني: أنَّا نحكم عليه بالإسلام، ونؤاخذه بحقوقه بحسب ما يقتضيه ظاهر حاله.

стр. 5981

(رَوَاهُ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما مثل حديث أبي هريرة هذا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد وصل المؤلِّف رواية عُمر في «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٩] ورواية ابنه في «الإيمان» [خ¦٢٥]. (١٠٣) هذا (بابُ) بيان (مَنْ أَرَادَ غَزْوَةً فَوَرَّى) بتشديد الرَّاء، أي: ستَرها، وكنَّى عنها (بِغَيْرِهَا) أي: بغير تلك الغزوة الَّتي أرادها، والتَّورية: أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين، أحدهما أقرب من الآخر مثلًا، فيسأل عنه وعن طريقه، فيفهم السَّامع بسبب ذلك أنَّه يقصد المكان القريب، فالمتكلِّم صادقٌ لكنَّ الخلل وقع من فهم السَّامع خاصَّةً، وأصله من وراء الإنسان؛ لأنَّ من ورَّى بشيءٍ، فكأنَّه جعله وراءه، وقيَّده السِّيرافيُّ في «شرح سيبويه» بالهمزة، قال: وأصحاب الحديث يسقطونها. انتهى. وليس ذلك خطأً منهم، ففي «الصِّحاح»: واريت الشَّيء، أي: أخفيته، وتوارى هو، أي: استتر، قال: وتقول: ورَّيت الخبر توريةً إذا سترته، وأظهرت غيره، ولا يقال: إنَّ كونه مأخوذًا من وراء الإنسان يقتضي أن يكون مهموزًا؛ لأنَّ همزة «وراء» (١) ليست أصليَّةً، وإنَّما هي منقلبةٌ عن ياءٍ، فإذا لوحظ في فعلٍ معنى وراء، لم يجزْ فيه الإتيان بالهمزة لفقدان الموجِب لقلبها في الفعل وثبوته في «وراء»، وهذا ممَّا يقتضي القطع بخطأِ من خَطَّأ (٢) المحدِّثين، ولا أدري مع هذا كيف يصحُّ كلام السِّيرافيِّ؟! فتأمَّلْه، قاله في «المصابيح» (وَ) بيان (٣) (مَنْ أَحَبَّ الخُرُوجَ) إلى السَّفر (يَوْمَ الخَمِيسِ) رُوِي في حديثٍ ضعيفٍ عند الطَّبراني عن نُبَيط بن شَرِيطٍ مرفوعًا: «بورك لأمَّتي في بكورها يوم الخميس»، ولا يلزم من

стр. 5982

حبِّه ﵊ لذلك المواظبةُ عليه، وقد خرج ﵊ في بعض أسفاره يوم السَّبت، ولعلَّه كان يحبُّه أيضًا كما رُوِيَ: «بارك الله لأمَّتي في سبتها وخميسها». ٢٩٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح (١) الكاف، قال (٢): (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (٣) (اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) يقال: لعبد الله هذا رؤيةٌ (بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ) زاد في «اليونينيَّة» بين الأسطر من غير رَقْمٍ عليه: «﵁» (وَكَانَ) أي: عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ) أبيه حين عَمِي (مِنْ بَنِيهِ) عبد الله هذا، وأخويه عُبَيد الله بالتَّصغير وعبد الرَّحمن (قَالَ) أي: عبد الله: (سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) هو ابن أبي كعبٍ عمرو الشَّيبانيَّ (حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في غزوة تبوك (وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) لئلَّا يتفطَّن العدوُّ فيستعدَّ (٤) للدَّفع.

стр. 5983

٢٩٤٨ - ٢٩٤٩ - وبه قال: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن موسى المروزيُّ أبو العبَّاس مردويه، زاد الكلاباذيُّ: السِّمسار قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال (١): (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) اعترضه الدَّارقُطنيُّ: بأنَّ عبد الرَّحمن لم يسمع من جدِّه كعب، وإنَّما سمع من أبيه عبد الله، واستدلَّ لذلك بما رواه سويد بن نصر عن ابن المبارك حيث قال: عن أبيه عن كعب، كما قال الجماعة، لكن جوَّز الحافظ ابن حجرٍ سماعه له من جدِّه كأبيه، وثبَّته فيه أبوه، فكان في أكثر الأحوال يرويه عن أبيه عن جدِّه، وربما رواه عن جدِّه، لكن رواية سويد بن نصر توجب أن يكون الاختلاف فيها على ابن المبارك، وحينئذٍ فتكون رواية أحمد بن محمَّد شاذَّةً، ولا يترتَّب على تخريجها كبير تعليلٍ، فإنَّ الاعتماد إنَّما هو على الرِّواية المتَّصلة. انتهى. وحمله بعضهم على (٢) أن يكون ذكر «ابن» موضع «عن» تصحيفًا من بعض الرُّواة، فكأنَّه كان (٣): أخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله عن كعب بن مالكٍ (٤) (¬﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا) بوصل اللَّام بالميم، وفي نسخة أبي ذرٍّ: «قلَّ ما» بفصلها منها (يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى) بتشديد الرَّاء، أي: سترها وكنَّى عنها (بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ) في رجب سنة تسعٍ من الهجرة، بتقديم المثنَّاة الفوقيَّة على المهملة، والمشهور في «تبوكَ» عدم (٥) الصَّرف للعلمية والتَّأنيث، ومَن صرفها أراد الموضع (فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ،

стр. 5984

وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا) بفتح الميم والفاء (١) والزَّاي: البريَّة الَّتي بين المدينة وتبوكَ، سُمِّيت مفازًا؛ تفاؤلًا بالفوز، وإلَّا فهي مَهْلكةٌ كما قالوا لِلَّديغ: سَلِيمٌ (وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ فَجَلَّى) قال الزَّركشيُّ وابن حجر والدَّمامينيُّ وغيرهم: بالجيم وتشديد اللَّام، زاد ابن حجرٍ فقال: ويجوز تخفيفها، وقال العينيُّ: بتخفيف اللَّام، وضبطه الدِّمياطيُّ في حديث كعب (٢) في «المغازي» [خ¦٤٤١٨] بالتَّشديد. وهو خطأٌ، أي: أظهر (لِلْمُسْلِمِينَ (٣) أَمْرَهُمْ) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «أمره» (لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ) أي: ليكونوا على أهبةٍ (٤) يلاقون بها عدوَّهم، ويعتدُّوا (٥) لذلك (وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ) أي: بجهته التي يريدها، وهي جهة تبوك. (وَ) (٦) بالسَّند السَّابق عن ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) عمُّ عبد الرَّحمن بن عبد الله (بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَقُولُ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ) في يومٍ من الأيَّام (إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ) فإنَّ أكثر خروجه في السَّفر فيه. وقد وهم مَنْ زعم أنَّ هذا الحديث معلَّقٌ. ٢٩٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) وفي بعض النُّسخ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ بفتح النُّون، قال: (حَدَّثَنَا (٧) هِشَامٌ) هو ابن يوسف (٨) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن

стр. 5985

شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أخي عبد الله (بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ) كعب بن مالكٍ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الخَمِيسِ) من المدينة (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ) في السَّفر جهادٍ أو غيره (يَوْمَ الخَمِيسِ). والمطابقة بين الأحاديث والتَّرجمة ظاهرةٌ، وحاصل ما سبق في أسانيدها: أنَّ الزُّهريَّ سمع من عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعبٍ كما في الحديثين الأوَّلَين، ومن عمِّه عبد الرَّحمن بن كعبٍ كما في باقيها. وكذا روى أيضًا عن أبيه عبد الله بن كعب نفسه، وكذا عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب عن عمِّه عُبَيد الله بن كعبٍ بالتَّصغير. (١٠٤) (بابُ) بيان (الخُرُوجِ) في السَّفر (بَعْدَ الظُّهْرِ). ٢٩٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ -بالشِّين المعجمة والحاء المهملة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي ذَرٍّ: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) لمَّا أراد حجَّة الوداع (صَلَّى بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا) يوم السَّبت خامسَ عشرَ ذي القعدة؛ لأنَّ الوقفة بعرفة كانت يوم الجمعة، فأوَّل الحجَّة الخميس قطعًا، ولا يقال: إنَّ الخامس والعشرين من القعدة الجمعة؛ لأنَّه ﵇ صلَّى الظُّهر أربعًا، فتعيَّن أن يكون أوَّل القعدة الأربعاء، والخامس والعشرين منه يوم السَّبت، فيكون ناقصًا (وَ) صلَّى ﵊ (العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) قصرًا، قال أنسٌ: (وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ) بضمِّ الرَّاء في الفرع، ويجوز فتحها، ولم يضبطها في «اليونينيَّة» أي: يلبُّون برفع الصَّوت (بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا). وفي الحديث إشارةٌ إلى جواز التَّصرُّف في غير وقت البكور؛ لأنَّ خروجه ﵊ كان بعد الظُّهر، وحينئذٍ فلا يمنع حديث: «بُورك لأمتِّي في بكورها» المرويُّ في «السُّنن» وصحَّحه ابن

стр. 5986

حبَّان من حديث صخرٍ الغامديِّ -بالغين المعجمة والدَّال المهملة- جوازَ ذلك، وإنَّما كان في البكور بركةٌ لأنَّه وقت نشاطٍ. (١٠٥) (بابُ) جواز (الخُرُوجِ) إلى السَّفر (آخِرَ الشَّهْرِ) من غير كراهةٍ (وَقَالَ كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «الحجِّ» [خ¦١٥٤٥] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ) في حجَّة الوداع (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ) يوم السَّبت، أي: في أذهانهم (١) حالة الخروج بتقدير تمامه (٢)، فاتَّفق أن كان الشَّهر ناقصًا، فأخبر بما كان في الأذهان يوم الخروج، لأنَّ الأصل التَّمام، أو ضمَّ يوم الخروج إلى ما بقي لأنَّ التأهُّب وقع في أوَّله، كأنَّهم لمَّا تأهبوا (٣) باتوا ليلة السَّبت على سفرٍ اعتدُّوا به (٤) من جملة أيَّام السَّفر، قاله في «الفتح» وفيه جواز السَّفر في آخر (٥) الشَّهر، خلافًا لِما كان عليه أهل الجاهليَّة، حيث كانوا يتَحرَّون (٦) أوائل الشَّهر للأعمال، ويكرهون في آخره (٧) التَّصرُّف (وَقَدِمَ) ﵊ (مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ).

стр. 5987

٢٩٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصاريَّة المدنيَّة (أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (١): «خرج» (لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، سُمِّي به لأنَّهم كانوا يقعدون فيه عن القتال (وَلَا نُرَى) بضمِّ النُّون وفتح الرَّاء، أي: لا نظنُّ (إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا) بفتح الدَّال والنُّون، أي: قربنا (مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ) الحرام (وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه من نسكه (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَدُخِلَ عَلَيْنَا) بضمِّ الدَّال مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله (يَوْمَ النَّحْرِ) نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: في يوم النحر (بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ) أي: البقر، واستعمل النحر موضع الذَّبح. (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّديق ﵃ (فَقَالَ) أي: القاسم: (أَتَتْكَ) عَمْرة (وَاللهِ بِالحَدِيثِ) الَّذي حدثْتك به (عَلَى وَجْهِهِ) لم تختصر منه شيئًا ولا غيَّرتْه. (١٠٦) (بابُ) جواز (الخُرُوجِ) إلى السَّفر (فِي رَمَضَانَ) من غير كراهةٍ. ٢٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عبد الله بن عتبة

стр. 5988

بن مسعودٍ الهذليِّ المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إلى مكَّة في غزوة فتحها يوم الأربعاء بعد العصر (فِي رَمَضَانَ) لعشرٍ مضين منه (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف ودالين مهملتَين الأولى مكسورةٌ على وزن: رغيف، عينٌ جاريةٌ على نحو مرحلتين من مكَّة، وهو ما بين قُدَيد وعُسْفَان (أَفْطَرَ) وفي رواية النَّسائيِّ: حتَّى أتى قديدًا، ثمَّ أتى بقدحٍ من لبنٍ فشرب فأفطر هو وأصحابه. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالسَّند السَّابق: (قَالَ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله السَّابق قريبًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَسَاقَ الحَدِيثَ) بطوله كما سبق عند المؤلِّف في «باب إذا صام أيَّامًا من رمضان» في «كتاب الصِّيام» [خ¦١٩٤٤] وأفاد في هذه: أنَّ الزُّهريَّ رواه عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بالإخبار، بخلاف الأولى فبالعنعنة، وزاد المُستملي هنا (١): «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «هذا قول الزُّهريِّ» محمَّد بن مسلمٍ، ولعلَّ مذهبه أنَّ طروء السَّفر في رمضان لا يبيح الفطر (٢)؛ لأنَّه شهد الشَّهر في أوَّله، فهو كطروئه في أثناء اليوم. قال المؤلِّف: «وإنَّما يقال» أي: «يؤخذ (٣) بالآخَرِ مِن فِعْلِ رسول الله ﷺ »؛ لأنَّه ناسخٌ للأوَّل، وقد أفطر عند الكَدِيد، وهو أفضل في (٤) السَّفر، لأنَّه إنَّما يفعل في المخيَّر فيه الأفضل. نعم، إن لم يتضرَّر بالصَّوم فهو أفضل عند الشَّافعيَّة، وفيه ردٌّ على من كره السَّفر في رمضان. (١٠٧) (بابُ) بيان مشروعيَّة (التَّوْدِيعِ) عند السَّفر من المسافر للمقيم، ومن المقيم للمسافر.

стр. 5989

٢٩٥٤ - (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «قال» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ ممَّا (١) وصله النَّسائيُّ والإسماعيليُّ وكذا المؤلِّف لكن (٢) من وجهٍ آخرَ كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٣٠١٦] (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ) أي: جيشٍ، أميره حمزة بن عمرٍو الأسلميُّ (وَقَالَ) ﵊ بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (لَنَا: إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «للرَّجلين» (مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا) ﵊ (فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ) هما هبَّار بن الأسود -بتشديد الموحَّدة- ونافع بن عبد عمرٍو كما عند ابن بشكوال من طريق ابن لهيعة عن بُكيرٍ، أو هبَّار وخالد بن عبد قيسٍ كما في «سيرة ابن هشامٍ» و «مسند البزَّار» أو هبَّارٌ ونافعٌ بن عبد قيسٍ بن لقيط بن عامرٍ الفهريُّ، وهو والد عقبة كما حرَّره البَلاذُريُّ، وهو الَّذي نخس بزينب بنت النَّبيِّ ﷺ بعيرها وكانت حاملًا فألقت ما في بطنها، وكان هو وهبَّار معه؛ فلذا أمر ﵊ بإحراقهما قال: (قَالَ) أبو هريرة: (ثُمَّ أَتَيْنَاهُ) ﵊ (نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ) للسَّفر، فيه توديع المسافر للمقيم، فتوديع المقيم للمسافر بطريق الأَولى، وهو أكثر في الوقوع (فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي (٣) كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ (٤) أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّار، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ) ، خبرٌ بمعنى النَّهي، وظاهره التَّحريم (فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا) قاله بعد أمره بإحراقهما، ففيه النَّسخ قبل العمل، أو قبل التَّمكُّن من العمل به (٥)، ولا حجَّة في قصَّة

стр. 5990

العرنيِّين حيث سمل ﵊ أعينهم بالحديد المحمَّى؛ لأنَّها كانت قصاصًا، أو منسوخةً، كذا قاله ابن المُنَيِّر. وفيه كراهة قتل -مثل البرغوث- بالنَّار. (١٠٨) (بابُ) وجوب (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ما لم يأمر بمعصيةٍ». ٢٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير ابن عمر بن حفصٍ العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «وحدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ الصَبَّاحٍ) وفي نسخةٍ: «ابن صبَّاح» بتشديد الموحَّدة آخره حاءٌ مهملةٌ، البزَّار الدَّولابيُّ البغداديُّ (عن إِسْمَاعِيلَ (١) بْنِ زَكَرِيَّا) بن مرَّة الخُلْقانيِّ؛ بضم الخاء المعجمة وسكون اللَّام بعدها قافٌ، الملقَّب شَقُوصًا، بفتح (٢) الشِّين المعجمة وضمِّ القاف المخفَّفة وبالصَّاد المهملة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريِّ السَّابق قريبًا (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
следующие страницы →