حبَّان من حديث صخرٍ الغامديِّ -بالغين المعجمة والدَّال المهملة- جوازَ ذلك، وإنَّما كان في البكور بركةٌ لأنَّه وقت نشاطٍ.
(١٠٥) (بابُ) جواز (الخُرُوجِ) إلى السَّفر (آخِرَ الشَّهْرِ) من غير كراهةٍ (وَقَالَ كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «الحجِّ» [خ¦١٥٤٥] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ) في حجَّة الوداع (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ) يوم السَّبت، أي: في أذهانهم (١) حالة الخروج بتقدير تمامه (٢)، فاتَّفق أن كان الشَّهر ناقصًا، فأخبر بما كان في الأذهان يوم الخروج، لأنَّ الأصل التَّمام، أو ضمَّ يوم الخروج إلى ما بقي لأنَّ التأهُّب وقع في أوَّله، كأنَّهم لمَّا تأهبوا (٣) باتوا ليلة السَّبت على سفرٍ اعتدُّوا به (٤) من جملة أيَّام السَّفر، قاله في «الفتح» وفيه جواز السَّفر في آخر (٥) الشَّهر، خلافًا لِما كان عليه أهل الجاهليَّة، حيث كانوا يتَحرَّون (٦) أوائل الشَّهر للأعمال، ويكرهون في آخره (٧) التَّصرُّف (وَقَدِمَ) ﵊ (مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ).
стр. 5987
٢٩٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصاريَّة المدنيَّة (أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (١): «خرج» (لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، سُمِّي به لأنَّهم كانوا يقعدون فيه عن القتال (وَلَا نُرَى) بضمِّ النُّون وفتح الرَّاء، أي: لا نظنُّ (إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا) بفتح الدَّال والنُّون، أي: قربنا (مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ) الحرام (وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه من نسكه (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَدُخِلَ عَلَيْنَا) بضمِّ الدَّال مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله (يَوْمَ النَّحْرِ) نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: في يوم النحر (بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ) أي: البقر، واستعمل النحر موضع الذَّبح.
(قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّديق ﵃ (فَقَالَ) أي: القاسم: (أَتَتْكَ) عَمْرة (وَاللهِ بِالحَدِيثِ) الَّذي حدثْتك به (عَلَى وَجْهِهِ) لم تختصر منه شيئًا ولا غيَّرتْه.
(١٠٦) (بابُ) جواز (الخُرُوجِ) إلى السَّفر (فِي رَمَضَانَ) من غير كراهةٍ.
٢٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عبد الله بن عتبة
стр. 5988
بن مسعودٍ الهذليِّ المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إلى مكَّة في غزوة فتحها يوم الأربعاء بعد العصر (فِي رَمَضَانَ) لعشرٍ مضين منه (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف ودالين مهملتَين الأولى مكسورةٌ على وزن: رغيف، عينٌ جاريةٌ على نحو مرحلتين من مكَّة، وهو ما بين قُدَيد وعُسْفَان (أَفْطَرَ) وفي رواية النَّسائيِّ: حتَّى أتى قديدًا، ثمَّ أتى بقدحٍ من لبنٍ فشرب فأفطر هو وأصحابه.
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالسَّند السَّابق: (قَالَ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله السَّابق قريبًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَسَاقَ الحَدِيثَ) بطوله كما سبق عند المؤلِّف في «باب إذا صام أيَّامًا من رمضان» في «كتاب الصِّيام» [خ¦١٩٤٤] وأفاد في هذه: أنَّ الزُّهريَّ رواه عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بالإخبار، بخلاف الأولى فبالعنعنة، وزاد المُستملي هنا (١): «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «هذا قول الزُّهريِّ» محمَّد بن مسلمٍ، ولعلَّ مذهبه أنَّ طروء السَّفر في رمضان لا يبيح الفطر (٢)؛ لأنَّه شهد الشَّهر في أوَّله، فهو كطروئه في أثناء اليوم. قال المؤلِّف: «وإنَّما يقال» أي: «يؤخذ (٣) بالآخَرِ مِن فِعْلِ رسول الله ﷺ »؛ لأنَّه ناسخٌ للأوَّل، وقد أفطر عند الكَدِيد، وهو أفضل في (٤) السَّفر، لأنَّه إنَّما يفعل في المخيَّر فيه الأفضل. نعم، إن لم يتضرَّر بالصَّوم فهو أفضل عند الشَّافعيَّة، وفيه ردٌّ على من كره السَّفر في رمضان.
(١٠٧) (بابُ) بيان مشروعيَّة (التَّوْدِيعِ) عند السَّفر من المسافر للمقيم، ومن المقيم للمسافر.
стр. 5989
٢٩٥٤ - (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «قال» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ ممَّا (١) وصله النَّسائيُّ والإسماعيليُّ وكذا المؤلِّف لكن (٢) من وجهٍ آخرَ كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٣٠١٦] (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ) أي: جيشٍ، أميره حمزة بن عمرٍو الأسلميُّ (وَقَالَ) ﵊ بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (لَنَا: إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «للرَّجلين» (مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا) ﵊ (فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ) هما هبَّار بن الأسود -بتشديد الموحَّدة- ونافع بن عبد عمرٍو كما عند ابن بشكوال من طريق ابن لهيعة عن بُكيرٍ، أو هبَّار وخالد بن عبد قيسٍ كما في «سيرة ابن هشامٍ» و «مسند البزَّار» أو هبَّارٌ ونافعٌ بن عبد قيسٍ بن لقيط بن عامرٍ الفهريُّ، وهو والد عقبة كما حرَّره البَلاذُريُّ، وهو الَّذي نخس بزينب بنت النَّبيِّ ﷺ بعيرها وكانت حاملًا فألقت ما في بطنها، وكان هو وهبَّار معه؛ فلذا أمر ﵊ بإحراقهما قال: (قَالَ) أبو هريرة: (ثُمَّ أَتَيْنَاهُ) ﵊ (نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ) للسَّفر، فيه توديع المسافر للمقيم، فتوديع المقيم للمسافر بطريق الأَولى، وهو أكثر في الوقوع (فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي (٣) كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ (٤) أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّار، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ) ، خبرٌ بمعنى النَّهي، وظاهره التَّحريم (فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا) قاله بعد أمره بإحراقهما، ففيه النَّسخ قبل العمل، أو قبل التَّمكُّن من العمل به (٥)، ولا حجَّة في قصَّة
стр. 5990
العرنيِّين حيث سمل ﵊ أعينهم بالحديد المحمَّى؛ لأنَّها كانت قصاصًا، أو منسوخةً، كذا قاله ابن المُنَيِّر. وفيه كراهة قتل -مثل البرغوث- بالنَّار.
(١٠٨) (بابُ) وجوب (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ما لم يأمر بمعصيةٍ».
٢٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير ابن عمر بن حفصٍ العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «وحدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ الصَبَّاحٍ) وفي نسخةٍ: «ابن صبَّاح» بتشديد الموحَّدة آخره حاءٌ مهملةٌ، البزَّار الدَّولابيُّ البغداديُّ (عن إِسْمَاعِيلَ (١) بْنِ زَكَرِيَّا) بن مرَّة الخُلْقانيِّ؛ بضم الخاء المعجمة وسكون اللَّام بعدها قافٌ، الملقَّب شَقُوصًا، بفتح (٢) الشِّين المعجمة وضمِّ القاف المخفَّفة وبالصَّاد المهملة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريِّ السَّابق قريبًا (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 5991
قَالَ: السَّمْعُ) لأولي الأمر بإجابة أقوالهم (وَالطَّاعَةُ) لأوامرهم (حَقٌّ) واجبٌ، وهو شاملٌ لأمراء المسلمين في عهد رسول الله ﷺ وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة (مَا لَمْ يُؤْمَرْ) أحدكم (بِالمَعْصِيَةِ) لله، ولأبي ذَرٍّ: «بمعصية» (فَإِذَا أُمِرَ) أحدكم (بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ) لهم (وَلَا طَاعَةَ) إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنمَّا الطَّاعة في المعروف، والفعلان مفتوحان، والمراد نفي الحقيقة الشَّرعيَّة لا الوجوديَّة.
(١٠٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُقَاتَلُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (مِنْ وَرَاءِ الإِمَامِ) القائم بأمور الأنام (وَيُتَّقَى بِهِ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (١).
٢٩٥٦ - ٢٩٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ الأَعْرَجَ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) في الآخرة.
وهذا طرفٌ من حديثٍ، وقد سبق الكلام فيه في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٨] و «الجمعة» [خ¦٨٧٦] ومطابقته لما ترجم له هنا غير بيِّنةٍ، لكن قال ابن المُنَيِّر: إنَّ معنى «يقاتل من ورائه» أي: من أمامه، فأطلق الوراء على الأمام؛ لأنَّهم وإن تقدَّموا في الصُّورة فهم أتباعه في الحقيقة،
стр. 5992
والنَّبيُّ ﷺ تقدَّم غيره عليه بصورة الزَّمان، لكنَّ المتقدِّم عليه مأخوذٌ عهده أن يؤمن به وينصره كآحاد أمَّته، ولذلك ينزل عيسى ابن مريم (١) ﵇ مأمومًا، فهم في الصورة أمامه، وفي الحقيقة خلفه، فناسب ذلك قوله: «يقاتل من ورائه» وهذا كما تراه في غايةٍ من التَّكلُّف، والظَّاهر أنَّه إنَّما ذكره جريًا على عادته أن يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً (٢) لتضمُّنه معنى (٣) الدَّلالة المطلوبة منه وإن لم يكن باقيه مقصودًا.
(وَبِهَذَا الإِسْنَادِ) السَّابق قال ﷺ : (مَنْ أَطَاعَنِي) فيما أَمرتُ به (٤) (فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنَّه ﵊ في الحقيقة مبلِّغٌ، و (٥) الآمر هو الله (وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ) أمير السريَّة أو الأمراء مطلقًا فيما يأمرونه (٦) به (فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ (٧) الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) قيل: وسبب قوله ﵊ ذلك أنَّ قريشًا ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم، فأعلمهم ﵊ أنَّ طاعة الأمراء حقٌّ واجبٌ (وَإِنَّمَا الإِمَامُ) القائم بحقوق الأنام (جُنَّةٌ) بضمِّ الجيم وتشديد النُّون، سترةٌ ووقايةٌ يمنع العدوَّ من أذى المسلمين، ويحمي بيضة الإسلام (يُقَاتَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، معه الكفَّار والبغاة (مِنْ وَرَائِهِ) أي: أمامه، فعبَّر بالوراء عنه كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم (٨)، فالمراد المقاتلة للدَّفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقةً أو قدَّامه، فإن لم يقاتل من ورائه، وأبى (٩) عليه مرج أمر
стр. 5993
النَّاس، وسطا القويُّ على الضَّعيف، وضُيِّعت الحدود والفرائض (وَيُتَّقَى بِهِ) بضمِّ أوَّله (١) مبنيًّا للمفعول، فلا يعتقد من قاتل عنه أنَّه حماه، بل ينبغي أن يعتقد أنَّه احتمى به لأنَّه فئته، وبه قويت همَّته، وفيه إشارةٌ إلى صحَّة تعدُّد الجهات، وألَّا يُعدَّ من التَّناقض وإن تُوهِّم فيه ذلك؛ لأنَّ كونه جُنَّة يقتضي أن يتقدَّم، وكونه يقاتل من أمامه يقتضي أن يتأخَّر، فجُمِعَ بينهما باعتبارين وجهتين (فَإِنْ أَمَرَ) رعيَّته (بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ) فيهم (فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ) الأمر والعدل (أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ) أي: أمر أو حكم (بِغَيْرِهِ) أي: بغير تقوى الله وعدله (فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ) وزرًا، كذا ثبتت هذه -يعني: «وزرًا» (٢) - في بعض طرق الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وحُذِفَت هنا لدلالة مقابلِه السَّابق عليه، و «منه» (٣) للتَّبعيض، فيكون المراد أنَّ بعض الوزر عليه، أو المراد أنَّ الوبال الحاصل منه عليه لا على المأمور، وحكى صاحب «الفتح»: أنَّه وقع في رواية أبي زيدٍ (٤) المروزيِّ: «فإنَّ (٥) عليه مُنَّةً» بضمِّ الميم وتشديد النُّون، بعدها هاء (٦) تأنيثٍ، قال: وهي (٧) تصحيفٌ بلا ريبٍ، وبالأولى جزم أبو ذرٍّ.
(١١٠) (بابُ البَيْعَةِ فِي الحَرْبِ) على (أَلَّا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى المَوْتِ) أي: على ألَّا يفرُّوا ولو ماتوا (لِقَوْلِه تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾)
стр. 5994
يوم الحديبية بيعة الرِّضوان (﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]) السَّمُرة أو أمُّ غيلان، وهم يومئذٍ ألفٌ وخمس مئةٍ وأربعون رجلًا، وقد أخبر سلمة بن الأكوع -وهو ممَّن بايع تحت الشَّجرة- أنَّه بايع على الموت، وليس المراد أن يقع الموت ولا بدَّ، بل على عدم الفرار ولو ماتوا.
٢٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضمِّ الجيم مصغَّر جاريةٍ، ابن أسماء الضُّبَعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ) الَّذي بعد صلح الحديبية إليها (فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا) أي: ما وافق منَّا رجلان على هذه الشَّجرة أنَّها هي الَّتي وقعت المبايعة تحتها، بل خفي مكانها أو اشتبهت عليهم لئلَّا يحصل بها افتتانٌ لِمَا وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أُمِنَ من تعظيم الجهَّال لها، حتَّى ربَّما يفضي بهم إلى اعتقاد أنَّها تضرُّ وتنفع، فكان في إخفائها رحمةٌ، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ) قال جُوَيرية: (فَسَأَلْتُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فسألنا» (نَافِعًا) مولى ابن عمر (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ) ﵇ (عَلَى المَوْتِ؟) وهمزة الاستفهام مقدَّرةٌ (قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بل بايعهم» (عَلَى الصَّبْرِ) أي: على الثَّبات وعدم الفرار، سواءٌ أفضى بهم ذلك إلى الموت أَمْ لا.
٢٩٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، وسقط عند أبي ذرٍّ «بن إسماعيل» قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابن خالد قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ (١) عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة، ابن
стр. 5995
زيد بن عاصمٍ (عَنْ) عمِّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (¬﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء، أي: في (١) زمن وقعة (٢) الحَرَّة وهي حرَّة زهرة أو واقم بالمدينة سنة ثلاثٍ وستِّين، وسببها: أنَّ عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا إلى يزيد بن معاوية، فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة، فخلعوه، وبايعوا عبد الله بن الزُّبير ﵁، فأرسل يزيد إلى (٣) مسلم بن عقبة، فأوقع بأهل المدينة وقعةً عظيمةً، قتل من وجوه النَّاس ألفًا وسبع مئةٍ، ومن أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان (أَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ لَهُ (٤): إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامرٍ الَّذي يُعرف أبوه بغسيل الملائكة، وكان أميرًا على الأنصار (يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ، فَقَالَ) عبد الله بن زيدٍ: (لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) والفرق أنَّه ﵊ يستحقُّ على كلِّ مسلمٍ أن يفديه بنفسه بخلاف غيره، وهل يجوز لأحدٍ أن يُستَهدف عن أحدٍ (٥) لقصد وقايته، أو يكون ذلك من إلقاء اليد إلى التَّهلكة؟ تردَّد فيه ابن المُنَيِّر، قال: لا خلاف أنَّه لا يؤثر أحدٌ أحدًا بنفسه لو (٦) كانا في مخمصةٍ ومع أحدهما قوتُ نفسه خاصَّة، قاله في «المصابيح».
стр. 5996
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٦٧]، وكذا مسلمٌ.
٢٩٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقد الحنظليُّ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) ابن الأكوع سنان بن عبد الله (¬﵁ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بيعة الرِّضوان بالحديبية تحت الشَّجرة (ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ) المعهودة، ولأبي ذَرٍّ: «إلى ظلِّ شجرةٍ» (فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ) ﵊: (يَا بْنَ الأَكْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: وَ) بايع (أَيْضًا) مرَّةً أخرى (فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ) وإنَّما بايعه مرَّةً ثانيةً؛ لأنَّه كان شجاعًا بذَّالًا لنفسه، فأكَّد عليه العقد احتياطًا حتَّى يكون بذله لنفسه عن رضًا متأكَّدٍ، وفيه دليلٌ على أنَّ إعادة لفظ النِّكاح وغيره ليس فسخًا للعقد الأول، خلافًا لبعض الشَّافعيَّة، قاله ابن المنيِّر. قال يزيد بن أبي عبيدٍ (١): (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لسلمة ابن الأكوع: (يَا أَبَا مُسْلِمٍ) وهي (٢) كنية سلمة (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ): كنَّا نبايع (عَلَى المَوْتِ) أي: على ألَّا نفرَّ ولو متنا.
وفي هذا الحديث الثُّلاثيِّ التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف (٣) أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٦٩]، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «السِّير».
стр. 5997
٢٩٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ تَقُولُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا)
وفي بعض الأصول كما نبَّه عليه البرماويُّ: «نحن الَّذي» بغير نونٍ، وهو على حدِّ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩] وسبق في «باب حفر الخندق» [خ¦٢٨٣٥] بلفظ: «على الإسلام»، بدل قوله هنا: «على الجهاد» وهو الموزون (فَأَجَابَهُمُ) متمثِّلًا بقول ابن رواحة يحرِّضهم على العمل (فَقَالَ) ولغير أبي ذرٍّ: «فأجابهم النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ»: (اللَّهُمَّ) لكن قال الدَّاوديُّ: إنَّما قال ابن رواحة: لَاْهمَّ، بغير ألفٍ ولا لامٍ، فأتى به بعض الرُّواة على المعنى وليس هو (١) بموزونٍ ولا هو رجزٌ (لَا عَيْشَ) يُعتبَر أو يبقى (إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ).
ومطابقته للتَّرجمة من قوله: «على الجهاد ما حيينا أبدًا»، فإنَّ معناه يؤول إلى أنَّهم لا يفرُّون عنه في الحرب أصلًا.
٢٩٦٢ - ٢٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه أنَّه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء،
стр. 5998
تصغير: فضل، ابن غزوان الكوفيَّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ -بالنُّون- البصريِّ (عَنْ مُجَاشِعٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الجيم وكسر الشِّين المعجمة، آخره عينٌ مهملةٌ، ابن مسعودٍ السُّلميِّ -بضمِّ السِّين- قُتِلَ يوم الجمل (¬﵁، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بعد الفتح (أَنَا وَأَخِي) مُجَالدٌ -بضمِّ الميم وتخفيف الجيم وكسر اللَّام، آخره دالٌ مهملةٌ- ابن مسعودٍ، قال مجاشعٌ: (فَقُلْتُ): يا رسول الله (بَايِعْنَا) بكسر المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين (عَلَى الهِجْرَةِ. فَقَالَ) ﵊: (مَضَتِ الهِجْرَةُ) أي: حكمها (لأَهْلِهَا) الَّذين هاجروا قبل الفتح، فلا هجرة بعده، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ (فَقُلْتُ): يا رسول الله (عَلَامَ) بحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلًا عليها كـ «فِيْمَ» للفرق بين الاستفهام والخبر، ولأبي ذَرٍّ: «قلت: علاما» بإسقاط الفاء قبل القاف وإثبات الألف بعد الميم، أي: على أيِّ شيءٍ (تُبَايِعُنَا؟ قَالَ) ﵊: أبايعكم (عَلَى الإِسْلَامِ وَالجِهَادِ) إذا احتيج إليه، وقد كان قبلُ مَنْ بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلَّا لعذرٍ، ومَن أسلم بعده (١) فله أن يجاهد وله التَّخلُّف عنه بنيَّةٍ صالحةٍ، إلَّا إن احتيج كنزول عدوٍّ فيلزم كلَّ أحدٍ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٠٧] و «الجهاد» [خ¦٣٠٧٨]، ومسلمٌ في «المغازي».
(١١١) (بابُ عَزْمِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ) أي: أنَّ وجوب طاعة الإمام على النَّاس محلُّه فيما لهم به طاقة، فالجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحلِّه المحذوف من اللَّفظ.
стр. 5999
٢٩٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة إبراهيم العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁: لَقَدْ أَتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه (فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ، مَا دَرَيْتُ) بفتح الدَّال والرَّاء (مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ) في موضع نصب مفعول «دريت» (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًا) أي: أخبرني، ففيه أمران: إطلاق الرُّؤية وإرادة الإخبار، وإطلاق الاستفهام وإرادة الأمر، كأنَّه قال: أخبرني عن أمر هذا الرَّجل، و «مُؤْدِيًا»: بضمِّ الميم وسكون الهمزة وكسر الدَّال وتخفيف المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: قويًّا، من آدى (١) الرَّجل: قَوِيَ، وقيل: «مؤديًا»: كامل الأداة، أي: السِّلاح، ومنه: وعليه أداة الحرب، وأداة كلِّ شيءٍ آلته وما يحتاج إليه. وفي هامش الفرع ممَّا نُسِبَ إلى أبي (٢) ذَرٍّ: «يعني: ذا أداةٍ وسلاحٍ» وقال النَّضر: المؤْدي: القادر على السَّفر، وقيل: المتهيِّئ، المعدُّ لذلك أداته، ولا يجوز حذف الهمزة منه لئلَّا يصير مِنْ: أَوْدَى إذا هلك (نَشِيطًا) بنونٍ مفتوحةٍ ومعجمةٍ مكسورةٍ من النَّشاط وهو الَّذي ينشط له ويخفُّ إليه، ويؤثر فعله (يَخْرُجُ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الخاء، أي: الرَّجل (مَعَ أُمَرَائِنَا فِي المَغَازِي) فيه التفاتٌ، وإلَّا فكان يقول: مع أمرائه، ليوافق «رجلًا» وضبط الحافظ ابن حجرٍ: «نخرج» بالنُّون، وقال: كذا في الرِّواية، ثمَّ قال: أو المراد بقوله: «رجلًا»: أحدنا، أو هو محذوفُ الصِّفة، أي: رجلًا (٣) منَّا، وفيه حينئذٍ التفاتٌ (فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا) الأمير، أي: يشدُّ علينا (فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا) بضمِّ النُّون: لا نطيقها، أو (٤) لا ندري أطاعةٌ هي أم معصيةٌ؟
стр. 6000
أيجب على هذا الرَّجل طاعةَ (١) الأمير أَمْ لا؟ قال عبد الله بن مسعودٍ: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: للرَّجل (وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ) سبب توقُّفه أنَّ الإمام إذا عيَّن طائفةً للجهاد أو لغيره من المهمَّات تعيَّنوا، و (٢) صار ذلك فرض عينٍ عليهم، فلو استفتى أحدهم عليه وادَّعى أنَّه كلَّفه ما لا طاقة له به بالتَّشهِّي، أشكلت الفتيا حينئذٍ؛ لأنَّا إن قلنا بوجوب طاعة الإمام عارضنا فساد الزَّمان، وإن قلنا بجواز الامتناع فقد يفضي ذلك إلى الفتنة، فالصَّواب التَّوقُّف، لكنَّ الظَّاهر أنَّ ابن مسعودٍ بعد أن توقَّف أفتاه بوجوب الطَّاعة بشرط أن يكون المأمور به موافقًا للتَّقوى (٣)، كما عُلِمَ (٤) ذلك من قوله: (إِلَّا أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّا مَرَّةً) إذ لولا صحَّة الاستثناء لما أوجبه الرَّسول (٥) (حَتَّى نَفْعَلَهُ) غايةٌ لقوله: «لا يعزم» أو للعزم الَّذي يتعلَّق به المستثنى، وهو «مرَّة» (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللهَ) (وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ) ممَّا تردَّد فيه أنَّه جائزٌ أم لا، وهو من باب القلب، أي: شكَّ نفسُه في شيءٍ (سَأَلَ) الشَّاكُّ (رَجُلًا) عالمًا (فَشَفَاهُ مِنْهُ) بأن أزال مرض تردُّده عنه بإجابته له بالحقِّ، فلا يُقْدِمُ المرء على ما يشكُّ فيه حتَّى يسأل عنه مَنْ عنده علمٌ (وَأَوْشَكَ) بفتح الهمزة والشِّين، أي: كاد (أَلَّا تَجِدُوهُ (٦)) في الدُّنيا، لذهاب الصَّحابة ﵃، فتفقدوا مَن يفتي بالحقِّ، ويشفي القلوب عن الشُّبه والشُّكوك (وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ) بفتح الغين المعجمة والموحَّدة، أي: ما بقي أو مضى (مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَالثَّغَْبِ) بفتح المثلَّثة وإسكان الغين المعجمة، وقد تُفتَح، آخره موحَّدةٌ: الماء المستنقع في (٧) الموضع المطمئنِّ (شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُهُ) شبَّه بقاء الدُّنيا ببقاء (٨) غديرٍ ذهب صفوه، وبقي كَدَره.
стр. 6001
(١١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) لأنَّ رياح النَّصر تهبُّ حينئذٍ غالبًا، ويتمكَّن من القتال بتبريد (١) حدَّة السِّلاح وزيادة النَّشاط، لأنَّ الزَّوال وقت هبوب الصَّبا الَّتي (٢) اختُصَّ ﵊ بالنَّصر بها.
٢٩٦٥ - ٢٩٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن المهلَّبِ الأزديُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّدٍ (هو الفزاريُّ) بفتح الفاء والزَّاي (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاشٍ بالشِّين المعجمة آخره، إمام المغازي (عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة، ابن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) مصغَّرًا ابن معمرٍ التَّيميِّ (وَكَانَ) سالمٌ (كَاتِبًا لَهُ) أي: لعمر بن عبيد الله كما قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، لكنْ خطَّأه العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ، ولم يذكرا له دليلًا، وفيه نظرٌ كما لا يخفى، ويؤيِّد ما قاله الكِرمانيُّ قوله في «باب لا تتمنَّوا لقاء العدوِّ» [خ¦٣٠٢٥] حدَّثني سالمٌ أبو النَّضر: كنتُ كاتبًا لعمر بن عبيد الله، فهو صريحٌ في أنَّ سالمًا كاتب عمر بن عبيد الله، لا كاتب عبد الله بن أبي أوفى، وكيف يرجع الضَّمير على (٣) متأخِّرٍ رتبةً، والأصل خلافه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ) أي: إلى
стр. 6002
عمر بن عبيد الله (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء (¬﵄، فَقَرَأْتُهُ، أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها (رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ) أي: غزواته (الَّتِي لَقِيَ فِيهَا) العدوَّ أو الحرب، واللَّفظ يحتملهما (انْتَظَرَ) خبر «أَنَّ» (حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ) أي: زالت (ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ) خطيبًا (قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا (١) لِقَاءَ العَدُوِّ) لأنَّ المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، ويؤيِّده قوله: (وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ) أي: من هذه المحذورات المتضمِّنة للقاء العدوِّ، ثم أمر (٢) بالصَّبر عند وقوع الحقيقة فقال: (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) فإن النَّصر مع الصَّبر (وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) أي: السَّبب الموصل إلى الجنَّة عند الضَّرب بالسَّيف في سبيل الله، وهو من المجاز البليغ؛ لأنَّ ظلَّ الشَّيء لمَّا كان ملازمًا له، وكان ثواب الجهاد الجنَّة، كان ظلال السُّيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنَّة، أي: ملازمها استحقاق ذلك، ومثله: الجنَّة تحت أقدام الأمَّهات، أو هو كنايةٌ عن الحضِّ على مقاربة العدوِّ، واستعمال السُّيوف، والاجتماع حين الزَّحف حتَّى تصير السُّيوف تظلُّ المقاتلين. قال ابن الجوزيِّ: إذا (٣) تدانى الخصمان صار كلٌّ منهما تحت ظلِّ سيف صاحبه؛ لحرصه على رفعه عليه ولا يكون ذلك إلَّا عند التحام القتال (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ) يا (مُنْزِلَ الكِتَابِ) القرآن الموعود فيه بالنَّصر على الكفَّار، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] والمراد: الجنس، فيشمل سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، فيكون المراد: شدَّة الطَّلب للنَّصر، كنصره (٤) هذا الكتاب بخذلان (٥) مَن يكفر به (٦) ويجحده (وَ) يا (مُجْرِيَ السَّحَابِ) بقدرته، إشارةٌ إلى سرعة إجراء ما يقدِّره الله (٧)، فإنَّه قدَّر جريان السَّحاب على أسرع حالٍ، وكأنَّه يسأل
стр. 6003
بذلك سرعة النَّصْرِ والظَّفر (١) (وَ) يا (هَازِمَ الأَحْزَابِ) وحده لا غيره (٢) (اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ) فأنت المنفرد (٣) بالفعل من غير حولٍ منَّا ولا قوَّةٍ، أو أنَّ المراد التوسُّل إليه بنعمه، وأشار بالأُولى (٤) إلى نعمة الدِّين بإنزال الكتاب، وبالثَّانية (٥) إلى نعمة الدُّنيا وحياة النُّفوس بإجراء السَّحاب الَّذي جعله سببًا في نزول الغيث والأرزاق، وبالثَّالثة إلى أنَّه حصَّل حفظ النِّعمتين، فكأنَّه قال: اللَّهمَّ كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخرويَّة والدُّنيويَّة وحفظهما فأبقهما، وقد وقع هذا السَّجع اتِّفاقًا من غير قصدٍ.
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «باب لا تمنَّوا (٦) لقاء العدوِّ» [خ¦٣٠٢٥].
(١١٣) (بابُ اسْتِئْذَانِ الرَّجُلِ) من الرَّعيَّة (الإِمَامَ) في الرُّجوع أو التَّخلُّف عن الخروج في الغزو (لِقَوْلِهِ) زاد في روايةٍ: « »: (﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾) الكاملون في الإيمان (﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾) من صميم قلوبهم (﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾) كتدبير أمر الجهاد والحرب (﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾) عن حضرته (﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾) ﷺ فيأذن لهم، واعتباره في كمال الإيمان؛ لأنَّه كالمصداق لصحَّته والمميِّز للمخلِص فيه عن المنافق (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [النور: ٦٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) (٧) يفيد: أنَّ المستأذن مؤمنٌ لا محالة، وأنَّ الذَّاهب بغير إذنه ليس كذلك، وفيه: أنَّ الإمام إذا جمع النَّاس لتدبير أمرٍ من أمور المسلمين ألَّا يرجعوا إلَّا بإذنه، وكذلك إذا خرجوا للغزو لا ينبغي لأحدٍ أن يرجع بغير إذنه، ولا يخالف أمير السَّريَّة، لا يقال: لا يستأذن غيره ﵊
стр. 6004
إذ (١) الحكم السَّابق من خصوصيَّاته ﵊، لأنَّه إذا (٢) كان ممَّن عيَّنه الإمام فطرأ له ما يقتضي التَّخلُّف أو الرُّجوع؛ فإنَّه يحتاج إلى الاستئذان، والاحتجاج بالآية للتَّرجمة في تمام الآية: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ قال مقاتلٌ: نزلت في عمر ﵁، استأذن في الرُّجوع إلى أهله في غزوة تبوك، فأذن له، وقال له (٣): انطلقْ لست بمنافقٍ، يريد بذلك تسميع المنافقين، ولأبي ذَرٍّ: «﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ الآية» ولابن عساكر: «إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
٢٩٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بالجيم، هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء وبعدها طاءٌ مهملةٌ- الضَّبيُّ الكوفيُّ (عَنِ المُغِيرَةِ) بن مِقْسَمٍ، بكسر الميم (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)
стр. 6005
الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) غزوة تبوك كما في «البخاريِّ» [خ¦٢٧١٨] أو ذات الرِّقاع كما في «طبقات ابن سعدٍ»، أو الفتح كما في «مسلمٍ» بلفظ: أقبلنا من مكَّة إلى المدينة (قَالَ (١): فَتَلَاحَقَ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ لَنَا) بنونٍ وضادٍ معجمةٍ، بعيرٌ يُستقَى عليه، وسُمِّيَ بذلك لنضحه بالماء حال سقيه، وعند البزَّار: أنَّه كان أحمر (قَدْ أَعْيَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ قبل العين السَّاكنة، أي: تعب وعجز عن المشي (فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَقَالَ لِي) ﵊: (مَا لِبَعِيرِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ (٢): عَيِيَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أعيا» بالهمزة قبل العين (قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذَرٍّ: سقوط التَّصلية (فَزَجَرَهُ، وَدَعَا لَهُ) ولمسلمٍ وأحمدَ: فضربه برجله، ودعا له، وفي رواية يونس بن بكيرٍ عن زكريا عند الإسماعيليِّ: فضربه رسول الله ﵊، ودعا له، فمشى مشيةً ما مشى قبل ذلك مثلها (فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي) ﵊: (كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ؟) بنونٍ وتحتيَّةٍ بعد العين، ولابن عساكر: «أفتبيعه؟» بإسقاطهما (قَالَ (٣): فَاسْتَحْيَيْتُ) منه (وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ) له ﵊: (نَعَمْ. قَالَ: فَبِعْنِيهِ) زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨] «بأوقيَّةٍ» (فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ) بفتح الفاء، خرزات عظام الظَّهر، وهي مفاصل عظامه، أي: على أنَّ لي الرُّكوب عليه (حَتَّى) أي: إلى أن (أَبْلُغَ المَدِينَةَ) وفي «الشُّروط» [خ¦٢٧١٨] وغيره: فاستثنيت حُملانه إلى أهلي -بضمِّ الحاء- أي: الحمل، والمفعول محذوفٌ، أي: حملانه إيايَّ، أو متاعي، أو نحو ذلك، فالمصدر مضافٌ للفاعل. واختُلِفَ في جواز بيع الدَّابَّة بشرط ركوب البائع، فجوَّزه المؤلِّف لكثرة رواية الاشتراط، وعليه أحمد، وجوَّزه مالكٌ إذا كانت المسافة قريبةً، ومنعه الشَّافعيُّ وأبو حنيفة مطلقًا لحديث النَّهي عن بيعٍ وشرطٍ. وأُجيبَ عن هذا الحديث: بأنَّه ﷺ لم يرد حقيقة البيع، بل أراد أن يعطيه الثَّمن بهذه الصُّورة، أو أنَّ الشَّرط
стр. 6006
لم يكن في نفس العقد، بل كان سابقًا أو لاحقًا، فلم يؤثِّر في العقد (١)، ووقع عند النَّسائيِّ: «أخذته بكذا، وأعرتك ظهره إلى المدينة» فزال الإشكال، لكن اختلف فيها حمَّاد بن زيدٍ وسفيان بن عيينة، وحمَّادٌ أعرف بحديث أيُّوبَ من سفيان، والحاصل: أنَّ الذَّين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الَّذين خالفوهم، وهذا وجهٌ من وجوه التَّرجيح، فيكون أصحَّ، ويترجَّح أيضًا (٢) بأنَّ الَّذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادةٌ، وهم حفاظ، فيكون حجَّةً (قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَرُوسٌ) يستوي فيه الذَّكر والأنثى، وفي «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٩] قريب عهدٍ بعرسٍ، أي: قريب عهد بالدُّخول على المرأة (فَاسْتَأْذَنْتُهُ) ﵊ في التَّقدُّم (فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى المَدِينَةِ، حَتَّى أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيَنِي خَالِي) اسمه: ثعلبة بن غنمة (٣) بن عديِّ بن سنان، وله خالٌ آخر، اسمه: عمرو بن غنمة، وعند ابن عساكر: اسمه الجَدُّ -بفتح الجيم وتشديد الدَّال- ابن قيسٍ، وقد ذكروا أنَّه خاله من جهةٍ مجازيَّةٍ (٤)، فيحتمل أن يكون الَّذي لامه على بيع الجمل أيضًا؛ لأنَّه كان يُتَّهم بالنِّفاق، بخلاف ثعلبة وعمرو ابني غنمة (فَسَأَلَنِي عَنِ البَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ) ولأبي ذَرٍّ: «صنعت به» (فَلَامَنِي) على بيعه من جهة أنَّه ليس لنا ناضحٌ غيره، ولأحمد من رواية نُبَيح -بضمِّ النُّون وفتح الموحَّدة، آخره حاءٌ مهملةٌ- فأتيت عمَّتي بالمدينة، فقلت لها: ألم تري أنِّي بعت ناضحنا (٥)، فما رأيت أعجبها ذلك. الحديث. واسمها: هند بنت عمرٍو، ويحتمل أنَّهما جميعًا لم يعجبهما بيعه لما ذكرَ من أنَّه لم يكن عنده ناضح غيره.
(قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ) في التَّقدُّم إلى المدينة: (هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا؟) قال ابن مالكٍ في «توضيحه»: فيه شاهدٌ على أنَّ «هل» قد (٦) تقع موقع الهمزة المستفْهَم بها عن التَّعييِّن، فتكون «أَمْ» بعدها متَّصلةً غير منقطعةٍ، لأنَّ
стр. 6007
استفهام النَّبيِّ ﷺ جابرًا لم يكن إلَّا بعد علمه بتزوُّجه إمَّا بكرًا وإمَّا ثيِّبًا، فطلب منه الإعلام بالتَّعيين كما كان يطلب بـ «أي»، فالموضع إذًا موضع الهمزة، لكن استغنى عنها بـ «هل» وثبت بذلك أَنَّ «أَمْ» المتَّصلة قد تقع بعد «هل» (١) كما تقع بعد الهمزة. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: يمكن أن يقال: لا نسلِّم أنَّها في الحديث متَّصلةٌ، ولِمَ لا يجوز أن تكون منقطعة، و «ثيِّبًا» مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ، فاستفهم (٢) أوَّلًا، ثمَّ أضرب، واستفهم ثانيًا، والتَّقدير: أتزوَّجت ثيِّبًا؟ قال: ولا شكَّ أنَّ المصير إلى هذا أَولى لما في الأوَّل من إخراج «أَمْ» عمَّا عُهِدَ فيها من كونها لا تعادل إلَّا الهمزة (فَقُلْتُ) له ﵊: (تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا) هي سُهَيلة بنت معوِّذٍ الأوسيَّةَ (فَقَالَ) ﵊ بفاءٍ قبل القاف: (هَلَّا) بغير فاءٍ قبل الهاء، ولأبي ذَرٍّ: «قال: فهلَّا» (تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) المراد: الملاعبة المشهورة، بدليل مجيئه في روايةٍ أخرى بلفظ: «تضاحكها وتضاحكك» (فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّي وَالِدِي، أَوِ (٣) اسْتُشْهِدَ، وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ) ولمسلم: قلت: إنَّ عبد الله هلك، وترك تسع بناتٍ (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: «فلا تؤدِّبَهنَّ» بالنَّصب (وَلَا تَقُومُ) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: «ولا تقومَ» بالنَّصب (عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: بالنَّصب (قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ) أي: البعير (عَلَيَّ) فحصل لجابرٍ الثَّمن والمُثْمَن معًا. وفي رواية مغيرة (٤) الماضية في «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٦] فأعطاني ثمنَ الجمل، والجملَ، وسهمي مع القوم، وكلُّها بطريق المجاز؛ لأنَّ العطيَّة إنَّما كانت بواسطة بلالٍ كما رواه مسلمٌ من هذا الوجه، فلمَّا قدمت المدينة قال لبلالٍ: «أعطِه أوقيَّةً من ذهبٍ، وزِده» قال: فأعطاني أوقيَّةً، وزادني قيراطًا، فقلت (٥): لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ .
стр. 6008
(قَالَ المُغِيرَةُ) المذكور بالسَّند السَّابق أو هو من التَّعليقات: (هَذَا) أي: البيع بمثل هذا الشَّرط (فِي قَضَائِنَا) حكمِنا (حَسَنٌ، لَا نَرَى بِهِ (١) بَأْسًا) لأنَّه أمرٌ معلومٌ لا خداع فيه ولا موجب للنِّزاع.
وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في عشرين موضعًا (٢)، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(١١٤) (بابُ مَنْ غَزَا وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسِهِ) بضمِّ العين كما في الفرع وأصله، أي: بزمان عرسه -وبكسرها- أي: بزوجته، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بعُرسٍ» بغير ضميرٍ مع ضمِّ العين (فِيهِ جَابِرٌ) أي: في الباب حديث جابرٍ السَّابق قريبًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فاكتفى بالقرب عن السِّياق.
(١١٥) (بابُ مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ بَعْدَ البِنَاءِ) أي: الدُّخول بزوجته لا قبله؛ لعدم تفرُّغ قلبه للجهاد وإقباله عليه بنشاطٍ؛ لأنَّ الَّذي يعقد عقده على امرأةٍ يصير متعلِّق الخاطر بها، بخلاف ما إذا دخل بها، فإنَّه يصير الأمر في حقِّه أخفَّ غالبًا (فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ) أي: في الباب حديثه (٣) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الآتي في «الخمس» [خ¦٣١٢٤] من طريق هَمَّامٍ عنه بلفظ: غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال: لايتبعني رجلٌ ملَكَ بضع امرأةٍ وهو يريد أن يبني بها (٤) ولمَّا يَبْنِ بها، وإنَّما لم يسُقْه هنا لأنَّه جرى على عادته الغالبة في أنَّه لا يعيد الحديث الواحد إلَّا (٥) إذا اتَّحد مخرجه في مكانين بصورته غالبًا، بل يتصرَّف فيه بالاختصار، وأمَّا قول الكِرمانيِّ: وإنَّما لم يذكره، واكتفى بالإشارة إليه لأنَّه لم يكن على شرطه، فأراد التَّنبيه عليه، فليس بجيِّدٍ.
стр. 6009
(١١٦) (بابُ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ) بالرُّكوب (عِنْدَ) وقوع (الفَزَعِ) وهو الإغاثة، وفي «الأصل»: الخوف.
٢٩٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ فَرَسًا) هو المندوبُ (لأَبِي طَلْحَةَ) زيدِ بن سهلٍ الأنصاريِّ زوج أمِّ أنس بن مالكٍ (فَقَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) يوجب الفزع (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) أي: الفرس (لَبَحْرًا) بلام التَّأكيد، و «إنْ» مخففَّةٌ من الثَّقيلة، والمعنى: أنَّه كالبحر في سرعة جريه، كأنَّه يسبح في جريه كما يسبح ماء البحر إذا ركب بعض أمواجه بعضًا.
(١١٧) (بابُ السُّرْعَةِ وَالرَّكْضِ) وهو ضربٌ من السَّير (فِي الفَزَعِ).
٢٩٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) بفتح السِّين المهملة وسكون الهاء، الأعرجُ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن بهرامٍ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الآخر، ابن زيدٍ الأزديُّ (١) البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: فَزِعَ النَّاسُ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا، ثُمَّ خَرَجَ) ﵊ (يَرْكُضُ) الفرس (وَحْدَهُ) من غير رفيقٍ (فَرَكِبَ النَّاسُ يَرْكُضُونَ
стр. 6010
خَلْفَهُ، فَقَالَ) ﵊: (لَمْ تُرَاعُوا) أي: لا تراعوا، فـ «لم» بمعنى: «لا»، أي: لا تخافوا، وهو مجزومٌ بحذف النُّون (إِنَّهُ) أي: الفرس (لَبَحْرٌ) أي: كالبحر في سرعة سيره (فَمَا سُبِقَ) بضمِّ السِّين مبنيًّا للمفعول، ولأبي الوقت: «قال: فما سُبِقَ» (بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ).
(١١٨) (بابُ الخُرُوجِ فِي الفَزَعِ (١) وَحْدَهُ) كذا ثبتت هذه التَّرجمة في «اليونينيَّة» وغيرها من غير حديثٍ (٢)، ولعلَّه أراد أن يكتب فيه حديث أنسٍ من وجهٍ آخرَ، فلم يتيسَّر له ذلك (٣)، وقد رَقَمَ عليه اليونينيُّ علامة أبي ذرٍّ.
(١١٩) (بابُ الجَعَائِلِ) بالجيم والعين المفتوحتين، جمع جعيلةٍ: ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه (وَالحُمْلَانِ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم، مجرورٌ عطفًا على سابقه، مصدرٌ كالحمل (فِي السَّبِيلِ) أي: سبيل الله وهو الجهاد.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) وهو ابن جبرٍ، ضدُّ الكسر، المفسِّر التَّابعيُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «غزوة الفتح» [خ¦٤٣٠٩] بمعناه: (قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب: (الغَزْوُ) أريدُ بالرَّفع، كما في «الفرع»، مبتدأٌ خبره محذوفٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أَنَغزُو» بالنُّون المفتوحة وضمِّ الزَّاي، بعدها واوٌ، وفي بعض الأصول: «الغزوَ» بالنَّصب مفعولٌ (٤) بفعلٍ محذوفٍ، أي: أريد الغزو، وقول
стр. 6011
الحافظ (١) ابن حجرٍ على الإغراء، والتَّقدير: عليكَ الغزوَ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يستقيم ولا يصحُّ معناه؛ لأنَّ مجاهدًا يخبر عن نفسه أنَّه يريد الغزو، لا أنَّه يطلب من ابن عمر ذلك، ويدلُّ له قوله: (قَالَ) ابن عمر: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي. قُلْتُ: أَوْسَعَ اللهُ عَلَيَّ. قَالَ: إِنَّ غِنَاكَ لَكَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الوَجْهِ) فيه: أنَّه لا يكره إعانة الغازي بنحو فرسٍ. نعم، اختُلِفَ فيما إذا آجر الغازي نفسه أو (٢) فرسه في الغزو، فجوَّزه الشَّافعيَّة، وكرهه المالكيَّة وكذا الحنفيَّة، لكنَّهم استثنوا ما إذا كان بالمسلمين ضعفٌ وليس في بيت المال شيءٌ، وإن أعان بعضهم بعضًا جاز لا على وجه البدل.
(وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب، ممَّا وصله ابن أبي شيبة وكذا المؤلِّف في «تاريخه» من هذا الوجه: (إِنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا المَالِ لِيُجَاهِدُوا) نصبٌ بلام: «كي» بحذف النُّون (ثُمَّ لَا يُجَاهِدُونَ، فَمَنْ فَعَلَهُ) أي: الأخذ ولم يجاهد، ولأبي ذَرٍّ: «فمَنْ فعل» (فَنَحْنُ أَحَقُّ بِمَالِهِ حَتَّى نَأْخُذَ مِنْهُ مَا أَخَذَ) أي: الَّذي أخذه، وفيه: أنَّ كلَّ مَن أخذ مالًا (٣) من بيت المال على عملٍ إذا أهمل العمل ردَّ ما أخذ بالقضاء، وكذلك الأخذ منه على عملٍ لا يتهيَّأ له.
(وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ: إِذَا دُفِعَ إِلَيْكَ شَيْءٌ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (تَخْرُجُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ) ممَّا يتعلَّق بسبيل (٤) الله (وَضَعْهُ) أي: حتَّى (٥) الوضع (عِنْدَ أَهْلِكَ) فإنَّه أيضًا من تعلُّقاته.
стр. 6012
٢٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ) الأصبحيَّ إمام دار الهجرة (سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، فَقَالَ زَيْدٌ: سَمِعْتُ أَبِي) أسلم مولى عمر بن الخطَّاب (يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: مَلَّكه، وعند المؤلِّف: أنَّه أعطاها رسول الله ﷺ ليحمل عليها، فحمل عليها رجلًا، الحديث [خ¦٢٧٧٥]. قال عمر (١): (فَرَأَيْتُهُ) أي: الفرس (يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : آشْتَرِيهِ؟) بهمزة استفهامٍ ممدودةٍ (فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ) بحذف الياء قبل الهاء جزمًا على النَّهي (وَلَا تَعُدْ) أي: لا ترجع (فِي صَدَقَتِكَ).
ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ الفرس الَّذي حمل عليه في سبيل الله (٢) كان حملانًا ولم يكن حبسًا؛ إذ لو كان حبسًا لم يجزْ بيعه.
٢٩٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ولأبي ذَرٍّ: «عن ابن عمر» (¬﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) سقط في رواية أبي ذرٍّ «بن الخطَّاب» (حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ) أي: يشتريه (فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ) بسكون الموحَّدة وجزم العين على النَّهي، أي: لا تشترِه (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ).
стр. 6013
٢٩٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّانُ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) لأنَّ أنفسهم لا تطيب بالتَّخلُّف، ولا يقدرون على التَّأهُّب لعجزهم عن آلة السَّفر (مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) هي القطعة من الجيش، يبلغ أقصاها أربع مئةٍ، تُبعَث إلى العدوِّ (وَلَكِنْ لَا أَجِدُ حَمُولَةً) هي الَّتي يُحمَل عليها من كبار الإبل (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَوَدِدْتُ) أي: والله لوددت (أَنِّي قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ) بالبناء للمفعول في الأربعة، وتمنِّيه ﵊ ذلك للحرص منه على الوصول إلى أعلى درجات الشَّاكرين، بذلًا لنفسه في مرضاة ربِّه وإعلاء كلمته ورغبته في الازدياد من الثَّواب، ولتتأسَّى به أمَّته.
(١٢٠) (بابُ الأَجِيرِ) في الغزو، هل يسهم له أو (١) لا (٢)؟
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، ممَّا وصله عبد الرَّزاق عنهما بمعناه: (يُقْسَمُ لِلأَجِيرِ مِنَ المَغْنَمِ) خصَّه الشَّافعيَّة بالأجير لغير الجهاد، كسياسة الدَّوابِّ، وحفظ الأمتعة ونحوهما مع القتال؛ لأنَّه شهد الواقعة، وتبيَّن بقتاله أنَّه لم يقصد بخروجه محضَ غيرِ الجهاد، بخلاف ما إذا لم يقاتل، ومحلُّ ذلك في أجيرٍ وردت الإجارة على عينه، فإن وردت على ذمَّته أُعطِيَ وإن لم يقاتل، سواءٌ تعلَّقت بمدَّةٍ معيَّنةٍ أم لا. أمَّا الأجير للجهاد؛ فإن كان ذمِّيًّا فله الأجرة دون السَّهم والرَّضخ؛ إذ لم يحضر مجاهدًا؛ لإعراضه عنه بالإجارة، أو مسلمًا فلا أجرة له لبطلان إجارته له؛ لأنَّه بحضوره الصَّفَّ يتعيَّن عليه. وهل يستحقُّ السَّهم؟ فيه وجهان في «الرَّوضة» وأصلها؛ أحدهما: نعم، لشهود الوقعة، والثَّاني: لا، وبه قطع البغويُّ، سواءٌ قاتل أم لا؛ إذ لم يحضر مجاهدًا لإعراضه عنه بالإجارة، وكلام الرَّافعيِّ يقتضي ترجيحه، وقال المالكيَّة والحنفيَّة: إذا استُؤجر لأن يقاتل لا يسهم له.
стр. 6014
(وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ) الكلاعيُّ الحمصيُّ أو الدِّمشقيُّ، المتوفَّى سنة عشرٍ ومئةٍ (فَرَسًا) ولم يُسَمَّ صاحب الفرس (عَلَى النِّصْفِ) ممَّا يخصُّ غيرها من الكراع وقت القسمة (فَبَلَغَ سَهْمُ الفَرَسِ أربع مئة دِينَارٍ، فَأَخَذَ مئتين وَأَعْطَى صَاحِبَهُ) النِّصف (مئتين) وقد وافقه على ذلك الأوزاعيُّ وأحمد، خلافًا للأئمَّة الثَّلاثة، وقد زاد المُستملي هنا: «باب استعارة الفرس في الغزو» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو خطأٌ لأنَّه يستلزم أن يخلو «باب الأجير» من حديثٍ مرفوعٍ، ولا مناسبة بينه وبين حديث يَعلى بن أميَّة. انتهى.
٢٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريجٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يَعلى بن أميَّة (¬﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَحَمَلْتُ عَلَى بَكْرٍ) فتيِّ الإبل (فَهْوَ أَوْثَقُ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي) بالمثلَّثة قبل القاف، و «أعمالي»: بالعين المهملة، وللحَمُّويي: «أوفق أحمالي» بالفاء بدل المثلَّثة، والحاء المهملة بدل العين، وللمُستملي: «أوثق أجمالي» بالمثلَّثة وبالجيم، وصوَّب البرماويُّ الأُولى (فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) لم يُسَمَّ، وفي رواية أبي داود: آذن رسول الله ﷺ في الغزو وأنا شيخٌ ليس لي خادمٌ، فالتمست أجيرًا يكفيني، وأُجْري له سهمين، فوجدت
стр. 6015
رجلًا، فلما دنا الرَّحيل أتاني فقال: ما أدري ما السَّهمان؟ فسَمِّ لي شيئًا كان السَّهم أو لم يكن؟ فسمَّيت له ثلاثة دنانير (فَقَاتَلَ) الأجير (رَجُلًا) وهو يَعلى بن أميَّة نفسه (فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) في «مسلمٍ»: أنَّ العاضَّ هو يَعلى بن أميَّة (فَانْتَزَعَ) المعضوض (يَدَهُ مِنْ فِيهِ) من فِيِّ العاضِّ (وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) واحدة الثَّنايا من الأسنان (فَأَتَى) العاضُّ الَّذي نُزِعَت ثنيَّته (النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَهَا) أي: أسقطها (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وقال»: (أَيَدْفَعُ يَدَهُ (١) إِلَيْكَ فَتَقْضَمُهَا) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والضَّاد المعجمة، من القضم. وهو الأكل بأطراف الأسنان، يقال: قضِمت الدَّابَّة بالكسر، تقضَم بالفتح (كَمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ) بالحاء المهملة لا الفجل بالجيم، والغرض منه قوله: «فاستأجرت أجيرًا».
(١٢١) (بابُ مَا قِيلَ فِي لِوَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) اللِّواء بكسر اللَّام والمدِّ: الرَّاية، وهي (٢) العَلَم أيضًا، أو هو غيرها، وهي ثوبٌ يُجعَل في طرف الرُّمح، ويُخَلَّى كهيئته، تصفقه الرِّياح، والعَلَم يعقد (٣)، أو هو دونها، أو هو العَلَم الضَّخم، وعلى التَّفرقة قومٌ كالتِّرمذيِّ، ويؤيِّده حديث ابن عبَّاسٍ المرويُّ عنده وأحمد: كانت راية رسول الله (٤) ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض، ومثله عند الطَّبرانيِّ عن بُرَيدة. وعند ابن عديٍّ عن أبي هريرة وزاد: مكتوبٌ فيه: لا إله إلَّا الله، محمَّد رسول الله، وهو ظاهر في التَّغاير، والَّذي صرَّح به غير واحدٍ من أهل اللُّغة ترادفهما، فلعلَّ التَّفرقة بينهما عرفيَّة، وقد كانت الرَّاية يمسكها رئيس الجيش، ثمَّ صارت تُحمَل على رأسه، وأمَّا
стр. 6016
العَلَم: فعلامةٌ لمحلِّ الأمير، تدور معه حيث دار، وكان اسم رايته ﵊ العُقاب.
٢٩٧٤ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) بكسر العين، هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن (٢) أبي مريم الجمحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (٣) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالد الأيليُّ (٤) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ) عبد الله المدنيُّ (القُرَظِيُّ: أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ) أي: ابن عبادة (الأَنْصَارِيَّ) الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ، سيِّد الخزرج، ابن سيِّدهم (¬﵁ -وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) جملةٌ معترضةٌ بين اسم «أنَّ» وخبرها؛ وهو قوله: (أَرَادَ الحَجَّ فَرَجَّلَ) بتشديد الجيم لا بالحاء المهملة، أي: سرَّح شعر رأسه قبل أن يحرم بالحجِّ، فمفعولُ «رجَّل» محذوفٌ. وهذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه الإسماعيليُّ، وتمامه: فرجَّل أحد شِقَّيْ رأسه، فقام غلامٌ له فقلَّد هَدْيه، فنظر قيسٌ فإذا هديه قد قُلِّد، فأهلَّ بالحجِّ، ولم يرجِّل شِقَّ (٥) رأسه الآخر، وإنَّما اقتصر على هذا القدر الَّذي ساقه لأنَّه موقوفٌ، وليس من غرضه، وإنَّما أراد منه أنَّ قيسًا كان صاحب لوائه ﵊، أي: الَّذي يختصُّ بالخزرج (٦) من الأنصار (٧)، وقد كان ﵊ يدفع إلى كلِّ رئيس قبيلةٍ لواءً يقاتلون تحته. نعم، قوله: «وكان صاحبَ لوائه» مرفوعٌ؛ لأنَّه لا يتقرَّر في ذلك إلَّا بإذنه ﵊.
стр. 6017
٢٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) (١) ولأبي ذَرٍّ: «قتيبة بن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة، الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، مولى سلمة (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي) غزوة (خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) يعني: لأجل الرَّمد، والهمزة في «أنا» للاستفهام مقدَّرةً أو ملفوظةً (٢) للإنكار، كأنَّه أنكر على نفسه تخلُّفه (فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ¬) بخيبر أو في أثناء الطَّريق (فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ) بضمِّ الهمزة، وفي «اليونينيَّة»: «لأَعطيَنَّ» بفتحها (أَوْ قَالَ: لَيَأْخُذَنَّ) شكَّ الرَّاوي، ولأبي ذَرٍّ: «أو ليأخذَنَّ» فأسقط لفظ «قال» (غَدًا رَجُلٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة، وللحَمُّويي والمُستملي: «رجلًا» بالنَّصب مفعول «لأعطيَنَّ» (يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ) خيبر (فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ) قد حضر (وَمَا نَرْجُوهُ) أي: قدومه في ذلك الوقت للرَّمد الَّذي به (فَقَالُوا) للنَّبيِّ ﷺ : (هَذَا عَلِيٌّ) قد حضر (فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) الرَّاية (فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) خيبر، والغرض منه قوله: «لأعطينَّ الرَّاية غدًا رجلًا يحبُّه الله» فإنَّه يشعر بأنَّ الرَّاية لم تكن خاصَّة بشخصٍ بعينه، بل كان يعطيها في كلِّ غزوةٍ لمن يريد.
стр. 6018
٢٩٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي: ابن مطعمٍ (قَالَ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ) بن عبد المطَّلب (يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ) بن العوَّام (¬﵄: هَهُنَا) أي: بالحجون (أَمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟) بفتح التَّاء وضمِّ الكاف، وتمامه: قال: نعم. والحديث مطوَّلًا في «غزوة الفتح» يأتي (١) إن شاء الله تعالى مع مباحثه [خ¦٤٢٨٠] وفيه أنَّ الرَّاية لا تركز إلَّا بإذن الإمام؛ لأنَّها علامةٌ عليه وعلى مكانه، فلا ينبغي أن يتصرَّفَ فيها إلَّا بأمره.
(١٢٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ) أي: مسافته (وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ) ولأبي ذَرٍّ: «وقول الله »: (﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]) قال أهل التَّفسير: يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم الأحزاب حتَّى تركوا القتال ورجعوا من غير سببٍ، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ: «﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ﴾» أي: بسبب إشراكهم به (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قاله» أي: نصره ﵊ بالرُّعب (جَابِرٌ) ممَّا وصله المؤلِّف في أوَّل «كتاب التَّيمُّم» [خ¦٣٣٥] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظه: «أُعطِيت خمسًا لم يُعطهُنَّ أحدٌ قبلي، نُصِرتُ بالرُّعب مسيرة شهرٍ» الحديث. وإنَّما اقتصر على الشَّهر؛ لأنَّه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار كالشَّام والعراق ومصر أكثر من شهرٍ، وليس المراد بالخصوصيَّة مجرَّد حصول الرُّعب، بل هو و (٢) ما ينشأ عنه من الظَّفَر بالعدوِّ.
стр. 6019
٢٩٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بُعِثْتُ) بضمِّ الموحَّدة (بِجَوَامِعِ الكَلِمِ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، وهي الكلمة الموجزة لفظًا المتَّسعة معنًى، وهذا شاملٌ للقرآن والسُّنَّة، فقد كان ﷺ يتكلَّم بالمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة (وَنُصِرْتُ) على الأعداء (بِالرُّعْبِ) أي: الخوف، زاد في رواية «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٥] السَّابقة: «مسيرة شهرٍ» وللطَّبرانيِّ من حديث السَّائب بن يزيد: «شهرًا أمامي وشهرًا خلفي» ولا تنافي بينه وبين حديث جابرٍ على ما لا يخفى (فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ) بضمِّ الهمزة وواوٍ بعدها، وبحذف (١) الموحَّدة من «مفاتيح» ولغير أبي ذرٍّ: «أتيتُ بمفاتيح» (خَزَائِنِ الأَرْضِ) كخزائن كسرى وقيصر ونحوهما، أو معادن الأرض الَّتي منها الذَّهب والفضَّة (فَوُضِعَتْ فِي يَدِي) كنايةٌ عن وَعْدِ ربِّه له بما ذكر أنَّه يعطيه أمَّته، وكذا وقع، ففتح لأمَّته ممالك كثيرة، فغنموا أموالها، واستباحوا خزائن ملوكها، وقد حمل بعضهم ذلك على ظاهره، فقال: هي خزائن أجناس أرزاق (٢) العالم، ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم، فكلُّ ما ظهر من رزق العالم فإنَّ الاسم الإلهيَّ لايعطيه إلَّا عن محمَّدٍ ﷺ الَّذي بيده المفاتيح، كما اختصَّ تعالى بمفاتيح الغيب، فلا يعلمها إلَّا هو، وأعطى هذا السَّيِّد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن. انتهى. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المثلَّثة، أي: تستخرجونها، أي: الأموال من مواضعها. يشير إلى (٣) أنَّه ﵊ ذهب ولم ينل منها شيئًا.
стр. 6020
٢٩٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، بالزَّاي (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ) عظيم الرُّوم الملقَّب بقيصر (أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ) ببيت (١) المقدس (ثُمَّ) بعد حضورهم (دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الَّذي بعث به مع دِحية إلى عظيم بصرى فدفعه (٢) إلى هرقل فقرأه (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ) اختلاط الأصوات، ولأبي ذَرٍّ: «كثرت» بتاء التَّأنيث (فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وارتفعت الأصوات» (وَأُخْرِجْنَا) من مجلسه، قال أبو سفيان: (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ) جواب قسمٍ محذوفٍ، أي: والله لقد أَمِر -بكسر الميم- أي: عَظُم (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون الموحَّدة، يريد النَّبيَّ ﷺ (أَإِنَّهُ) بكسر الهمزة على الاستئناف البيانيِّ، ويجوز فتحها على أنَّه مفعولٌ لأجله (يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) الرُّوم.
وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّه كان بين المدينة وبين الموضع الَّذي ينزله قيصر مدَّة شهرٍ أو نحوه.
(١٢٣) (بابُ حَمْلِ الزَّادِ فِي الغَزْوِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله: «تعالى» (﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾) في سفركم للحجِّ والعمرة ما تكفُّون به وجوهكم عن المسألة (﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]) كان ناسٌ من أهل اليمن يحجُّون بلا زادٍ مظهرين التَّوكُّل، ثمَّ يسألون النَّاس فنزلت، أي: فمن التَّقوى الكفُّ عن السُّؤال والإبرام. وقال بعضهم: تزوَّدوا لسفر الدُّنيا بالطَّعام، وتزوَّدوا (٣) لسفر الآخرة بالتَّقوى، فإنَّ خير الزَّاد التَّقوى.
стр. 6021
٢٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مصغَّرًا، الهبَّاريُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (وَحَدَّثَتْنِي) بالإفراد (أَيْضًا فَاطِمَةُ) بنت المنذر زوج هشامٍ، كلاهما (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (¬﵂¬) وعن أبيها (قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ سين (١) «سُفرة» وسكون فائها: طعامٌ يتَّخذه المسافر، وأكثر ما يُحمَل في جلدٍ مستديرٍ، فنُقِلَ اسم الطَّعام إلى الجلد وسُمِّيَ به، كما سُمِّيت المَزَادَةُ راويةً (فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ) من مكَّة (إِلَى المَدِينَةِ. قَالَتْ) أسماء: (فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ) بكسر السِّين، ظرف الماء من الجلد (مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ) بالنُّون وكسر الموحَّدة كاللَّاحقة، كما في الفرع وأصله، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّه يدلُّ على حمل الزَّاد لأجل السَّفر، لكنَّه استُشكِل لكونه لم يكن سفر غزوٍ. وأُجيبَ: بالقياس عليه (فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا (٢) أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي) بكسر النُّون: ما تشدُّ به المرأة وسطها. ليرتفع به ثوبها من الأرض عند المَهنة، أو إزارٌ فيه تكَّةٌ، أو ثوبٌ تلبسه المرأة ثمَّ تشدُّ وسطها بحبلٍ، ثمَّ ترسل الأعلى على الأسفل (قَالَ) لها أبو بكرٍ: (فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ) وللأَصيليِّ: «فاربطي» (بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلَتْ) ذلك بفتح اللَّام وسكون الفوقيَّة مصحَّحًا عليه في الفرع، وفي «اليونينيَّة»: «ففعلْتُ» بسكون اللَّام وضمِّ الفوقيَّة، قال الرَّاوي: (فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ) أسماء (ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ) وقيل: لأنَّها كانت تجعل نطاقًا على نطاقٍ، أو كان لها نطاقان، تلبس أحدهما، وتحمل في الآخر الزَّاد، والمحفوظ الأوَّل.
стр. 6022
٢٩٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «قال عمرٌو: أخبرني» (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ) بتشديد الياء كما في الفرع، ويجوز التَّخفيف، جمع أضحيةٍ: ما يُذبَح في يوم عيد الأضحى (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ) وهذا وإن لم يكن سفر غزوٍ، لكنَّ سفر الغزو يُقاس (١) عليه، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «كنَّا نتزوَّد».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «الأضاحي» [خ¦٥٥٦٧] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٤]، ومسلمٌ في «الحج» و «الأضاحي»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
٢٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيدٍ الزَّمِن العَنَزِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريَّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الشِّين المعجمة، و «يسار» ضدُّ اليمين، الحارثيُّ الأنصاريُّ المدنيُّ: (أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ) بن مالكٍ الأنصاريَّ (¬﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ (٢) ﷺ عَامَ خَيْبَرَ) في غزوتها سنة سبعٍ، و «خيبر» غير منصرفٍ للتَّأنيث والعلميَّة (حَتَّى إِذَا كَانُوا) أي: النَّبيُّ وأصحابه (بِالصَّهْبَاءِ) بالمهملة والموحَّدة والمدِّ (وَهْيَ) أي: الصَّهباء (مِنْ خَيْبَرَ، وَهْيَ أَدْنَى خَيْبَرَ) أي: أسفلها (فَصَلَّوُا العَصْرَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «ولم يُؤتَ» (النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا بِسَوِيقٍ) (٣) وهو ما يُجرش من الشَّعير والحنطة وغيرهما للزَّاد (فَلُكْنَا) بضمِّ اللَّام وسكون الكاف، أي: مضغنا
стр. 6023
السَّويق، وأدرناه في الفم (فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا) من الماء، أو (١) من رائق السَّويق (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إلى صلاة المغرب (فَمَضْمَضَ) قبل الدُّخول في الصلاة (وَمَضْمَضْنَا) كذلك (وَصَلَّيْنَا) نحن والنَّبيُّ ﷺ ولم نتوضَّأ (٢).
وموضع التَّرجمة في قوله: «فدعا النَّبيُّ ﷺ بالأطعمة» ومن قوله: «إلَّا بالسَّويق» وتقدَّم الحديث في «باب مَن مضمض من السَّويق» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٠٩].
٢٩٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ ابْنُ مَرْحُومٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، و «مَرْحوم»: بالحاء المهملة جدُّه، واسم أبيه: عُبَيس -بالعين والسِّين المهملتَين- العطَّار البصريُّ مولى آل معاوية قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة وكسر المثنَّاة الفوقيَّة، أبو (٣) إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) بن الأكوع (¬﵁ قَالَ: خَفَّتْ) أي: قلَّتْ (أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا) أي: افتقروا وفنيت أزوادهم، كذا قرَّره الزَّركشيُّ وابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ، وردَّه في «المصابيح»: بأنَّ قبله: «خفَّت أزواد النَّاس» ثمَّ الواقع أنَّها لم تفنَ بالكلِّيَّة، بدليل أنَّهم جمعوا فضل أزوادهم، فبرَّك ﵊ عليها (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ¬) فاستأذنوه (فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ) ﵊ في نحرها (فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَأَخْبَرُوهُ) بذلك (فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ) نحر (إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عُمَرُ) ﵁ (عَلَى
стр. 6024
النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ) نحر (إِبِلِهِمْ؟) أي: بقاؤهم يسيرٌ لغلبة الهلاك على الرِّجال، وقول ابن حجرٍ والدَّمامينيِّ تبعًا للزَّركشيِّ: وهذا أخذه عمر ﵁ من نهي النَّبيِّ ﷺ عن أكل لحوم الحُمُر الأهليَّة يوم خيبر؛ استبقاءً لظهورها ليحمل عليها المسلمين، ويحمل (١) أزوادهم، تعقَّبه صاحب «اللَّامع» بأنَّ الرَّاجح تحريم الحمر لعينها (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَادِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ) قال ابن حجرٍ: أي: هم يأتون ولذلك رفعه، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كونه حالًا أوجه على ما لا يخفى (فَدَعَا) ﷺ (وَبَرَّكَ) بتشديد الرَّاء، أي: دعا بالبركة (عَلَيْهِ) أي: على الطَّعام، ولأبي ذَرٍّ عن (٢) المُستملي: «عليهم» على الأزواد (ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ) بالحاء المهملة (٣) والمثلَّثة، أي: أخذوا بالحَثَيَات لكثرته، أي: حفنوا بأيديهم من ذلك (حَتَّى فَرَغُوا) من حاجتهم (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ) إشارة إلى أنَّ ظهور المعجزة يؤيِّد الرِّسالة. ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «خفَّتْ أزواد النَّاس».
(١٢٤) (بابُ حَمْلِ الزَّادِ عَلَى الرِّقَابِ) عند تعذُّر حمله على الدَّوابِّ.
стр. 6025
٢٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بسكون الموحَّدة بعد العين المفتوحة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁¬) ولأبي ذَرٍّ: «عن جابر بن عبد الله ﵄» (قَالَ: خَرَجْنَا) أي: في رجب سنة ثمانٍ من الهجرة في بعثٍ قِبَلَ السَّاحل، وكان أميره أبا عبيدة بن الجرَّاح (وَنَحْنُ ثلاث مئةٍ، نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا) هذا موضع التَّرجمة، والظَّاهر (١): أنَّه كان لهم زادٌ بطريق العموم وزادٌ بطريق الخصوص، فلمَّا فني (٢) الَّذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الَّذي بطريق الخصوص للمواساة (٣) بينهم في ذلك، وجوَّز العينيُّ: أن يكون معنى «فني»: أشرف على الفناء (حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ تَمْرَةً) وللكُشْمِيهَنيِّ: «في كلِّ يومٍ تمرة» (قَالَ رَجُلٌ) هو أبو (٤) الزُّبير كما هو (٥) في «مسلم» وسيأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٠] ما يدلُّ على أنَّه وهب بن كيسان: (يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ) هي كنية جابرٍ (وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ) أي: من جهة الغذاء أو القوت (مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا) أي: حزنَّا على فقدها، أو وجدناه مؤثِّرًا (حِينَ فَقَدْنَاهَا) بفتح القاف، وفي رواية أبي الزُّبير: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ فقال: كنَّا (٦) نمصُّها كما يمصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا (٧) إلى اللَّيل