٢٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مصغَّرًا، الهبَّاريُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (وَحَدَّثَتْنِي) بالإفراد (أَيْضًا فَاطِمَةُ) بنت المنذر زوج هشامٍ، كلاهما (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (¬﵂¬) وعن أبيها (قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ سين (١) «سُفرة» وسكون فائها: طعامٌ يتَّخذه المسافر، وأكثر ما يُحمَل في جلدٍ مستديرٍ، فنُقِلَ اسم الطَّعام إلى الجلد وسُمِّيَ به، كما سُمِّيت المَزَادَةُ راويةً (فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ) من مكَّة (إِلَى المَدِينَةِ. قَالَتْ) أسماء: (فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ) بكسر السِّين، ظرف الماء من الجلد (مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ) بالنُّون وكسر الموحَّدة كاللَّاحقة، كما في الفرع وأصله، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّه يدلُّ على حمل الزَّاد لأجل السَّفر، لكنَّه استُشكِل لكونه لم يكن سفر غزوٍ. وأُجيبَ: بالقياس عليه (فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا (٢) أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي) بكسر النُّون: ما تشدُّ به المرأة وسطها. ليرتفع به ثوبها من الأرض عند المَهنة، أو إزارٌ فيه تكَّةٌ، أو ثوبٌ تلبسه المرأة ثمَّ تشدُّ وسطها بحبلٍ، ثمَّ ترسل الأعلى على الأسفل (قَالَ) لها أبو بكرٍ: (فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ) وللأَصيليِّ: «فاربطي» (بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلَتْ) ذلك بفتح اللَّام وسكون الفوقيَّة مصحَّحًا عليه في الفرع، وفي «اليونينيَّة»: «ففعلْتُ» بسكون اللَّام وضمِّ الفوقيَّة، قال الرَّاوي: (فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ) أسماء (ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ) وقيل: لأنَّها كانت تجعل نطاقًا على نطاقٍ، أو كان لها نطاقان، تلبس أحدهما، وتحمل في الآخر الزَّاد، والمحفوظ الأوَّل.
стр. 6022
٢٩٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «قال عمرٌو: أخبرني» (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ) بتشديد الياء كما في الفرع، ويجوز التَّخفيف، جمع أضحيةٍ: ما يُذبَح في يوم عيد الأضحى (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ) وهذا وإن لم يكن سفر غزوٍ، لكنَّ سفر الغزو يُقاس (١) عليه، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «كنَّا نتزوَّد».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «الأضاحي» [خ¦٥٥٦٧] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٤]، ومسلمٌ في «الحج» و «الأضاحي»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
٢٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيدٍ الزَّمِن العَنَزِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريَّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الشِّين المعجمة، و «يسار» ضدُّ اليمين، الحارثيُّ الأنصاريُّ المدنيُّ: (أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ) بن مالكٍ الأنصاريَّ (¬﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ (٢) ﷺ عَامَ خَيْبَرَ) في غزوتها سنة سبعٍ، و «خيبر» غير منصرفٍ للتَّأنيث والعلميَّة (حَتَّى إِذَا كَانُوا) أي: النَّبيُّ وأصحابه (بِالصَّهْبَاءِ) بالمهملة والموحَّدة والمدِّ (وَهْيَ) أي: الصَّهباء (مِنْ خَيْبَرَ، وَهْيَ أَدْنَى خَيْبَرَ) أي: أسفلها (فَصَلَّوُا العَصْرَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «ولم يُؤتَ» (النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا بِسَوِيقٍ) (٣) وهو ما يُجرش من الشَّعير والحنطة وغيرهما للزَّاد (فَلُكْنَا) بضمِّ اللَّام وسكون الكاف، أي: مضغنا
стр. 6023
السَّويق، وأدرناه في الفم (فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا) من الماء، أو (١) من رائق السَّويق (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إلى صلاة المغرب (فَمَضْمَضَ) قبل الدُّخول في الصلاة (وَمَضْمَضْنَا) كذلك (وَصَلَّيْنَا) نحن والنَّبيُّ ﷺ ولم نتوضَّأ (٢).
وموضع التَّرجمة في قوله: «فدعا النَّبيُّ ﷺ بالأطعمة» ومن قوله: «إلَّا بالسَّويق» وتقدَّم الحديث في «باب مَن مضمض من السَّويق» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٠٩].
٢٩٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ ابْنُ مَرْحُومٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، و «مَرْحوم»: بالحاء المهملة جدُّه، واسم أبيه: عُبَيس -بالعين والسِّين المهملتَين- العطَّار البصريُّ مولى آل معاوية قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة وكسر المثنَّاة الفوقيَّة، أبو (٣) إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) بن الأكوع (¬﵁ قَالَ: خَفَّتْ) أي: قلَّتْ (أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا) أي: افتقروا وفنيت أزوادهم، كذا قرَّره الزَّركشيُّ وابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ، وردَّه في «المصابيح»: بأنَّ قبله: «خفَّت أزواد النَّاس» ثمَّ الواقع أنَّها لم تفنَ بالكلِّيَّة، بدليل أنَّهم جمعوا فضل أزوادهم، فبرَّك ﵊ عليها (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ¬) فاستأذنوه (فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ) ﵊ في نحرها (فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَأَخْبَرُوهُ) بذلك (فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ) نحر (إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عُمَرُ) ﵁ (عَلَى
стр. 6024
النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ) نحر (إِبِلِهِمْ؟) أي: بقاؤهم يسيرٌ لغلبة الهلاك على الرِّجال، وقول ابن حجرٍ والدَّمامينيِّ تبعًا للزَّركشيِّ: وهذا أخذه عمر ﵁ من نهي النَّبيِّ ﷺ عن أكل لحوم الحُمُر الأهليَّة يوم خيبر؛ استبقاءً لظهورها ليحمل عليها المسلمين، ويحمل (١) أزوادهم، تعقَّبه صاحب «اللَّامع» بأنَّ الرَّاجح تحريم الحمر لعينها (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَادِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ) قال ابن حجرٍ: أي: هم يأتون ولذلك رفعه، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كونه حالًا أوجه على ما لا يخفى (فَدَعَا) ﷺ (وَبَرَّكَ) بتشديد الرَّاء، أي: دعا بالبركة (عَلَيْهِ) أي: على الطَّعام، ولأبي ذَرٍّ عن (٢) المُستملي: «عليهم» على الأزواد (ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ) بالحاء المهملة (٣) والمثلَّثة، أي: أخذوا بالحَثَيَات لكثرته، أي: حفنوا بأيديهم من ذلك (حَتَّى فَرَغُوا) من حاجتهم (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ) إشارة إلى أنَّ ظهور المعجزة يؤيِّد الرِّسالة. ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «خفَّتْ أزواد النَّاس».
(١٢٤) (بابُ حَمْلِ الزَّادِ عَلَى الرِّقَابِ) عند تعذُّر حمله على الدَّوابِّ.
стр. 6025
٢٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بسكون الموحَّدة بعد العين المفتوحة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁¬) ولأبي ذَرٍّ: «عن جابر بن عبد الله ﵄» (قَالَ: خَرَجْنَا) أي: في رجب سنة ثمانٍ من الهجرة في بعثٍ قِبَلَ السَّاحل، وكان أميره أبا عبيدة بن الجرَّاح (وَنَحْنُ ثلاث مئةٍ، نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا) هذا موضع التَّرجمة، والظَّاهر (١): أنَّه كان لهم زادٌ بطريق العموم وزادٌ بطريق الخصوص، فلمَّا فني (٢) الَّذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الَّذي بطريق الخصوص للمواساة (٣) بينهم في ذلك، وجوَّز العينيُّ: أن يكون معنى «فني»: أشرف على الفناء (حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ تَمْرَةً) وللكُشْمِيهَنيِّ: «في كلِّ يومٍ تمرة» (قَالَ رَجُلٌ) هو أبو (٤) الزُّبير كما هو (٥) في «مسلم» وسيأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٠] ما يدلُّ على أنَّه وهب بن كيسان: (يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ) هي كنية جابرٍ (وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ) أي: من جهة الغذاء أو القوت (مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا) أي: حزنَّا على فقدها، أو وجدناه مؤثِّرًا (حِينَ فَقَدْنَاهَا) بفتح القاف، وفي رواية أبي الزُّبير: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ فقال: كنَّا (٦) نمصُّها كما يمصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا (٧) إلى اللَّيل
стр. 6026
(حَتَّى أَتَيْنَا البَحْرَ) أي: ساحله (فَإِذَا حُوتٌ) زاد في رواية «غزوة سيف البحر» من «المغازي» [خ¦٤٣٦٠] مثل الظَّرِب -بفتح المعجمة وكسر الرَّاء، آخره موحَّدةٌ- الجبل الصَّغير، والحوت: اسم جنسٍ لجميع السَّمك، أو ما عَظُم منه، وفي رواية الخولاني: فهبطنا ساحل البحر فإذا نحن بأعظم حوتٍ (قَذَفَهُ) وللحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «قد قذفه» (البَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، مَا أَحْبَبْنَا) أي: ما اشتهينا (١)، وفي رواية عمرو بن دينارٍ: نصف شهرٍ [خ¦٤٣٦١] وفي رواية أبي الزُّبير: أقمنا (٢) عليها شهرًا، ورجَّح النَّوويُّ هذه الأخيرة لما فيها من الزِّيادة. وفيه جواز أكل الحوت الطَّافي.
(١٢٥) (بابُ إِرْدَافِ المَرْأَةِ خَلْفَ أَخِيهَا) الرَّاكب.
٢٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم ابن بحرٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، واسمه: الضَّحاك قال (٣): (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ) الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، هو عبد الله بن عبيد (٤) الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة (٥): زهيرٌ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الحَجِّ؟ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، وَلْيَُرْدِفْكِ (٦)) بفتح الياء وضمِّها في «اليونينيَّة»، أخوك
стр. 6027
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ) وهذا موضع التَّرجمة (فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة؛ مكانٌ معروفٌ خارج مكَّة، وهو على أربعة أميالٍ من مكَّة إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيُّ، وزاد أبو داود في روايته: «فإذا هبطتَ بها من الأكمة فلتحرمْ (١)، فإنَّها عمرةٌ متقبَّلةٌ» وروى الفاكهيُّ من طريق محمَّد بن عميرٍ قال: إنَّما سُمِّي التَّنعيم؛ لأنَّ الجبل الَّذي عن يمين الدَّاخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي: نعمان (فَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَعْلَى مَكَّةَ حَتَّى جَاءَتْ).
٢٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا عبد الله بن محمَّدٍ» أي: المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم، ولأبي ذَرٍّ: «هو ابن دينار» (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) بفتح العين والهمزة، ابن أبي أوسٍ الثَّقفيِّ الطَّائفيِّ التَّابعيِّ، وليس بصحابيٍّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُرْدِفَ) أختي (عَائِشَةَ) ﵂ (وَأُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ) بضمِّ الهمزة من أُردف وأُعمرها.
فإن قلت: ما وجه دخول هذين الحديثين هنا؟ أُجيبَ: باحتمال أن يكون من قوله ﵊: «جهادكنَّ الحجُّ».
(١٢٦) (بابُ الاِرْتِدَافِ فِي) سفر (الغَزْوِ وَ) سفر (الحَجِّ).
٢٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا
стр. 6028
عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ) أي: النَّبيّ ﷺ وأصحابه ﵃ (لَيَصْرُخُونَ) بلام التَّأكيد، أي: يرفعون أصواتهم (بِهِمَا جَمِيعًا الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) بالجرِّ فيهما بدلًا من الضَّمير، ويجوز النَّصب على الاختصاص، وبالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أحدهما الحجُّ، والآخر العمرةُ.
وموضع التَّرجمة ظاهرٌ، وقِيسَ الغزو على الحجِّ.
(١٢٧) (بابُ الرِّدْفِ) بكسر الرَّاء، أي: المرتدف: الرَّاكب خلف الرَّاكب (عَلَى الحِمَارِ).
٢٩٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ) عبد الله بن سعيدٍ الأمويُّ (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَى إِكَافٍ) بكسر الهمزة، ويقال: وِكافٌ بالواو، وهو ما يُشَدُّ على الحمار كالسَّرج للفرس (عَلَيْهِ) أي: على الإكاف (قَطِيفَةٌ) دِثارُ مخملٍ (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (وَرَاءَهُ).
والحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٤] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٥٦٦] و «الأدب» [خ¦٦٢٠٧] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٥٤] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٦٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».
стр. 6029
٢٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا (١) يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (¬﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ يَوْمَ الفَتْحِ) في رمضان سنة ثمانٍ من الهجرة (مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) من كَداء، بالفتح والمدّ (عَلَى رَاحِلَتِهِ) حال كونه (مُرْدِفًا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) خادمه، وهذا موضع التَّرجمة، ويلحق الارتداف على الرَّاحلة بالارتداف على الحمار. نعم، هو عليه أقوى في التواضع (وَمَعَهُ بِلَالٌ) مؤذِّنه (وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) بن أبي طلحة بن عبد العُزَّى لكونه (٢) (مِنَ الحَجَبَةِ) بفتح الحاء المهملة والجيم، أي: حجبة الكعبة وسدنتها، الَّذين (٣) بيدهم مفتاحها (حَتَّى أَنَاخَ) ﵊ راحلته (فِي المَسْجِدِ) الحرام (فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ البَيْتِ) العتيق، فأتى به من عند أمِّه سُلَافة، بضمِّ السِّين المهملة (فَفَتَحَ) ﵊ به (٤) الكعبة (٥)، ولأبي ذَرٍّ: «فَفُتِحَ» بضم ثانيه مبنيًّا للمفعول (وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) الكعبة (وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ) بن طلحة الحجبيِّ (فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلًا) يصلِّي ويكبِّر ويدعو (ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَاسْتَبَقَ النَّاسُ) أي: فتسابقوا للولوج إلى الكعبة (وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فكان» (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ) الكعبة (فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ البَابِ قَائِمًا، فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في الكعبة؟ (فَأَشَارَ) بلالٌ (لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ) منها. وفي رواية مسلمٍ: أنَّه قال: صلَّى بين العمودَين اليمانيَّين (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر: (فَنَسِيتُ) بالفاء (أَنْ أَسْأَلَهُ) أي: بلالًا (كَمْ صَلَّى) النَّبيُّ ﷺ (مِنْ سَجْدَةٍ؟) أي: من (٦) ركعةٍ؟ ولا يعارضه نفيُ أسامة صلاته ﵊ فيها
стр. 6030
المرويُّ في «مسلمٍ» لأنَّ بلالًا مثبتٌ، فهو مقدَّمٌ على النَّافي. نعم، رُوِيَ عن أسامة إثباتها كما عند أحمد والطَّبرانيِّ، ولا تناقض في (١) روايتَيه؛ لأنَّ النَّفي بالنِّسبة لما في علمه، لكونه لم يرَ النَّبيَّ ﷺ حين صلَّى لاشتغاله في ناحيةٍ من نواحي الكعبة، أو لإتيانه بما يمحو به النَّبيُّ ﷺ الصُّور الَّتي كانت بالكعبة، والإثباتُ أخبره به (٢) غيره، فرواه عنه.
(١٢٨) (بابُ مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ) للرَّاكب (وَنَحْوِهِ) كالإعانة (٣) على الرُّكوب.
٢٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) هو ابن منصور بن بهرام الكوسج المروزيُّ، كما رجَّحه الحافظ ابن حجرٍ، قال: (أَخْبَرَنَا (٤) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون ثانيه (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُّ سُلَامَى) بضمِّ السِّين وفتح الميم، مقصورًا: الأنملة من أنامل الأصابع (مِنَ النَّاسِ) أو كلُّ عظمٍ مجوَّفٍ من صغار العظام. قال التُّوربشتيُّ: وفي معناه: خُلِقَ الإنسان على ثلاث مئةٍ وستِّين مفصلًا، عليه أن يتصدَّق عن كلِّ مفصلٍ بصدقةٍ. وقال في «الفتح»: والمعنى: على كلِّ مسلمٍ مكلَّفٍ بعدد كلِّ مفصلٍ من عظامه صدقةٌ لله تعالى شكرًا له بأن جعل لعظامه مفاصل يتمكَّن بها من القبض والبسط، وخُصَّت بالذِّكر لما في التَّصرُّف بها من دقائق الصَّنائع الَّتي اختصَّ بها
стр. 6031
الآدميُّ. انتهى. وقال البيضاويُّ: المعنى: أنَّ على (١) كلِّ مفصلٍ من عظامٍ، يصبح سليمًا من الآفات، باقيًا على الهيئة الَّتي تتمُّ بها منافعه وأفعاله صدقةً شكرًا لمن صوَّره، ووقاه عمَّا يعتريه (٢) ويؤذيه. انتهى. و «كلُّ سلامى» مبتدأٌ مضافٌ، و «من النَّاس» صفةٌ لـ «سلامى» (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) جملةٌ من المبتدأ والخبر خبرٌ للمبتدأ الأوَّل، فإن قلت: كان القياس أن يقول: عليها لأنَّ «السُّلامى» مؤنَّثةٌ؟ أُجِيبَ: بأنَّه جاء على وفق لفظ: «كلُّ» أو أنَّه ضمَّن لفظ «سلامى» معنى: العظم أو المفصل، وأعاد الضَّمير عليه كذلك (كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) بنصب «كلَّ» على الظَّرفيَّة (يَعْدِلُ) المسلم المكلَّفُ، أي: يصلح بالعدل (بَيْنَ الاِثْنَيْنِ (٣) صَدَقَةٌ) بفتح أوَّل «يَعدِل» وكسر ثالثه (٤)، وهو مبتدأٌ، تقديره: أن يعدل، مثل قوله: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ مِن أَنْ تراه (وَيُعِينُ) المسلم المكلَّف (الرَّجُلَ) أي: يساعده (عَلَى دَابَّتِهِ، فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا) الرَّاكب، وقوله: «فيحمل» بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الحاء المهملة (أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ) وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يدخل فيه (٥) الأخذ بالرِّكاب وغيره، و «أو» للشَّكِّ من الرَّاوي، أو للتَّنويع (وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) يكلِّمها أخاه المسلم (صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ) بفتح الخاء، ولأبي ذَرٍّ: «خُطوةٍ» بضمِّها (يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ) ذاهبًا وراجعًا (صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ) أي: يزيل (الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ).
стр. 6032
(١٢٩) (بابُ السَّفَرِ) وللمُستملي: «كراهية السَّفر» (بِالمَصَاحِفِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى) القول بالكراهة الثَّابتة عند المُستملي كما مرَّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، ابن الفرافصة العبديِّ الكوفيِّ ممَّا وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عمر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ رواية إسحاق: كره رسول الله ﷺ أن يُسافَرَ بالقرآن إلى أرض العدوِّ … الحديث. وأراد بالقرآن: المصحف.
(وَتَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن بشرٍ (ابْنُ إِسْحَاقَ) صاحب المغازي، ممَّا رواه أحمد بمعناه (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) إنَّما ذكر المؤلِّف هذه المتابعة؛ ليبين ما زاده بعضهم في هذا الحديث وهو قوله: «مخافة أن يناله العدوُّ» زاعمًا أنَّه من قول الرَّسول؛ لأنَّه لا يصحُّ مرفوعًا، وإنَّما هو من قول مالكٍ لما أخرجه أبو داود عن القعنبيِّ عن مالكٍ، فقال: قال مالكٌ: أراه مخافة، وكذا أكثر الرُّواة عن مالكٍ جعلوا التَّعليل من كلامه، وأشار ابن عبد البرِّ إلى أنَّ ابن وهبٍ تفرَّد بها (١). كذا قرَّره ابن بطَّالٍ وغيره. نعم، لم ينفرد بها ابن وهبٍ، فقد أخرجه من طريق عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن مالكٍ، وزاد: مخافة أن يناله العدوُّ، وكذا رواها مرفوعةً إسحاق في «مسنده» المشار إليه قريبًا، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه أيضًا من طريق اللَّيث عن نافعٍ، ومسلمٌ من طريق أيُّوب بلفظ: فإنِّي لا آمن أن يناله العدوُّ، فصرَّح بأنه (٢) مرفوعٌ، وليس بمدرجٍ،
стр. 6033
وحينئذٍ فالمتابعة إنَّما هي في أصل الحديث، قاله في «الفتح». والعطف في قوله: وكذلك يُروى، صحيحٌ على رواية المُستملي، أمَّا على رواية غيره فاستشكله الخطَّابيُّ من حيث إنَّه لم يتقدَّمه ما يعطف عليه. وأجاب: باحتمال غلط النُّسَّاخ بالتَّقديم والتَّأخير.
(وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) ﵃ (فِي أَرْضِ العَدُوِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ القُرْآنَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين، كذا في الفرع وأصله وأصل الدِّمياطيِّ وغيرهم، فالنَّهي عن السَّفر بالقرآن إنَّما المراد به السَّفر بالمصحف خشية أن يناله العدوُّ، لا السَّفر بالقرآن نفسِه؛ لأنَّ القرآن المنزل لا يمكن السَّفر به، فدلَّ على أنَّ المراد به: المصحف المكتوب فيه القرآن.
٢٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
стр. 6034
عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى (١) أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ) أي: بالمصحف (إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ) خوفًا من الاستهانة به، واستدلَّ به: على منع بيع المصحف من الكافر لوجود العلَّة، وهي التَّمكُّن من الاستهانة به، وكذا كتب فقهٍ فيها آثار السَّلف، بل قال السُّبكيُّ: الأحسن أن يقال: كتب علمٍ وإن خلت عن الآثار تعظيمًا للعلم الشَّرعيِّ. قال ولده الشَّيخ تاج الدِّين: وقوله: «تعظيمًا للعلم الشَّرعيِّ» يفيد جواز بيع الكافر كتب علومٍ غير شرعيَّةٍ، وينبغي المنع من بيع ما يتعلَّق منها بالشَّرع، ككتب النَّحو واللُّغة. انتهى.
فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين كتابه ﵊ إلى هرقل من قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الاية [آل عمران: ٧٠]؟ أُجيبَ: بأنَّ المراد بالنهي حمل المجموع، أو المتميّز، والمكتوب لهرقل إنَّما هو في ضمن كلامٍ آخرَ غير القرآن.
(١٣٠) (بابُ) مشروعيَّة (التَّكْبِيرِ عِنْدَ الحَرْبِ).
٢٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَيُّوبَ) هو (٢) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَبَّحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) لا تضادَّ بين هذا وبين (٣) قوله في رواية حُمَيدٍ عن أنسٍ: «أنَّهم قدموا ليلًا» [خ¦٦١٠] فإنَّه يُحمَل على أنَّهم
стр. 6035
لمَّا قدموها ناموا دونها، ثمَّ ركبوا إليها فصبَّحوها (وَقَدْ خَرَجُوا) أي: أهلها (بِالمَسَاحِي عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) طالبين مزارعهم (فَلَمَّا رَأَوْهُ) ﵊ (قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ) مرَّتين، أي: الجيش، وسُمِّيَ به لأنَّه مقسومٌ بخمسة: المقدِّمة، والسَّاقة، والميمنة، والميسرة، والقَلْب، والمعنى: أنَّ محمَّدًا جاء بالجيش ليقاتلهم (فَلَجَؤُوا إِلَى الحِصْنِ) الَّذي بخيبر، و «لجؤوا» باللَّام المفتوحة والجيم والهمزة المضمومة، أي: تحصَّنوا به (فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ) كذا بزيادة التَّكبير في معظم الطُّرق عن أنسٍ، وهذا موضع التَّرجمة (خَرِبَتْ خَيْبَرُ) قاله ﵊ تفاؤلًا لِمَا رأى معهم من (١) آلة الهدم، أو قاله بطريق الوحي، ويؤيِّده قوله: (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ) بفتح الذَّال المعجمة (وَأَصَبْنَا حُمُرًا) بضمِّ الحاء المهملة والميم، جمع حمارٍ، والمراد: الأهلي (فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ ¬) هو أبو طلحة، زيد بن سهلٍ، كما في «مسلمٍ»: (إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ) بالتَّثنية، وللكُشْمِيهَنيِّ: «ينهاكم» بالإفراد (عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ) الأهليَّة لأنَّها رجس، فتحريمها لعينها، لا لأنَّها لم تُخمَّس (٢)، ولا لكونها تأكل العَذَرة، ولا لأنَّها كانت حمولتهم (فَأُكْفِئَتِ القُدُورُ) أي: أُميلت، أو قُلِبت (بِمَا فِيهَا تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الله بن محمَّدٍ المسنَديَّ (عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ (عَنْ سُفْيَانَ رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ).
(١٣١) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي التَّكْبِيرِ).
стр. 6036
٢٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ أو هو الفريابيُّ، كما نصَّ عليه أبو نُعيم قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ (١) عَاصِمٍ) الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَلٍّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ﵁¬) أنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنَّا (٣) إِذَا أَشْرَفْنَا) أي: اطَّلعنا (عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا) قد (ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اِرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بكسر الهمزة وفتح الموحَّدة، أي: ارفقوا أو انتظروا أو أمسكوا عن الجهر، وقفوا عنه، أو اعطفوا عليها بالرِّفق بها والكفِّ عن الشِّدَّة (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ) في مقابلة «أصمَّ» (قَرِيبٌ) في مقابلة «غائبًا»، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ: «تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ». قال الطَّبريُّ: وفيه كراهية رفع الصَّوت بالدُّعاء والذِّكر، وبه قال عامَّة السَّلف من الصَّحابة والتَّابعين.
وموضع التَّرجمة من معنى الحديث لأنَّ حاصل المعنى فيه: أنَّه ﵊ كره رفع الصَّوت بالذِّكر والدُّعاء.
(١٣٢) (بابُ التَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ) أي: نزل المسافر (وَادِيًا).
٢٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا) بكسر العين، أي:
стр. 6037
طلعنا موضعًا عاليًا (١) كجبلٍ أو تلٍّ (كَبَّرْنَا) استشعارًا لكبرياء الله تعالى عندما يقع البصر على الأمكنة العالية؛ لأنَّ الارتفاع محبوبٌ للنُّفوس لما فيه من استشعار أنَّه أكبر من كلِّ شيءٍ (وَإِذَا نَزَلْنَا) إلى مكانٍ منخفضٍ كوادٍ (سَبَّحْنَا) استنباطًا من قصَّة يونس وتسبيحه في بطن الحوت، لننجو من بطن الأودية، كما نجا يونس بالتَّسبيح من بطن الحوت، وعن بعضهم: لمَّا كان التَّكبير لله عند رؤية عظيمٍ من مخلوقاته وجب أن يكون فيما انخفض من الأرض تسبيحٌ لله تعالى؛ لأنَّ تسبيحه تعالى تنزيه عن صفات الانخفاض والضَّعة، وقال ابن المُنَيِّر: ينبغي أن يكون التَّنزيه في محلِّ الانخفاض والاستعلاء؛ لأنَّ جهتي (٢) العلوِّ والسُّفل كلاهما محالٌ على الحقِّ (٣) تعالى، فالعلوُّ وإن كان معنويًّا لا جسمانيًّا فقد وُصِفَ به (٤)، ولم يؤذن في وصفه بالانخفاض البتَّة، ولا له اسم مشتقٌّ في (٥) ذلك، وقد ورد: «ينزل ربُّنا إلى سماء الدُّنيا» وأوَّلناه بالمعنى، لكنَّه لم يشتقَّ له منه اسمُ المتنزِّل، بخلاف اسمِه المتعالي . انتهى. من «المصابيح».
(١٣٣) (بابُ التَّكْبِيرِ إِذَا عَلَا) المسافر في الغزو أو الحجِّ أو غيرهما (شَرَفًا) أي: مكانًا مُشْرِفًا عاليًا.
٢٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة، العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد ابن أبي عديٍّ، واسمُ أبي عديٍّ: إبراهيمُ السُّلميُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين ابن عبد الرَّحمن (عَنْ
стр. 6038
سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله (¬﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا) بكسر العين (١)، أي: علونا مكانًا عاليًا (كَبَّرْنَا، وَإِذَا تَصَوَّبْنَا) أي: انحدرنا ونزلنا (سَبَّحْنَا).
٢٩٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن يوسف، كما قاله ابن السَّكن، وتردَّد أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ بين أن يكون هو ابن صالحٍ كاتب اللَّيث، وبين أن يكون هو (٢) ابن رجاءٍ الغدانيُّ، والمعتمد الأوَّل كما قاله الجيَّانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ) بقافٍ ثمَّ فاءٍ، أي: رجع (مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: الغَزْوَِ) بالنَّصب على المفعوليَّة، والجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وهذه الجملة كالإضراب عن الحجِّ والعمرة، كأنَّه قال: إذا قفل من الغزو، ثمَّ إنَّ ظاهره اختصاص قول ذلك بالمذكورات، والجمهور على (٣) مشروعيَّته لكلِّ سفر طاعةٍ (يَقُولُ) ﵊:
стр. 6039
(كُلَّمَا أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء وسكون الواو، أشرف وعلا (عَلَى ثَنِيَّةٍ) بفتح المثلَّثة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أعلى الجبل أو الطَّريق في الجبال (أَوْ) أوفى على (فَدْفَدٍ) بفاءَين مفتوحتَين، بينهما دالٌ (١) ساكنةٌ وبعد الأخيرة أخرى مهملتَين: الفلاة من الأرض لا شيء فيها، أو الغليظة، أو ذات الحصى المستوية أو المرتفعة (كَبَّرَ) الله (ثَلَاثًا) هو جواب الشَّرط وموضع التَّرجمة كما لا يخفى (ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال القرطبيُّ: وفي تعقيب التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن. وقال في «الفتح»: يحتمل أنَّه ﵊ كان يأتي بهذا الذِّكر عقب التَّكبير وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أنَّ التَّكبير يختصُّ (٢) بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متَّسعًا أكمل الذِّكر المذكور فيه، وإلَّا فإذا هبط سبَّح كما دلَّ عليه حديث جابرٍ، ويحتمل أن يكمل الذِّكر مطلقًا عقب التَّكبير، ثمَّ يأتي بالتَّسبيح إذا هبط (آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحن راجعون إلى الله تعالى، نحن (تَائِبُونَ) إليه (٣) تعالى، فيه إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، وقاله ﵊ على سبيل التَّواضع أو تعليمًا لأمَّته، نحن (عَابِدُونَ) نحن (سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا) نحن (حَامِدُونَ) والجارُّ والمجرور إمَّا متعلِّقٌ (٤) بـ «ساجدون»، أو بـ «حامدون» (٥)، أو بهما، أو بالصِّفات الأربعة المتقدِّمة، أو بالخمسة على سبيل (٦) التَّنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ (٧)) فيما وعد به من إظهار دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا ﷺ (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الَّذين تحزَّبوا في غزوة الخندق لحربه ﷺ ، فاللَّام للعهد، أو المراد: كلُّ من تحزَّب من الكفَّار لحربه ﵊، فتكون جنسيَّةً، أو المراد: اللَّهم اهزم الأحزاب، فيكون بمعنى الدُّعاء، والأوَّل هو الظَّاهر، وقد كان ﵊ إذا خرج للغزو واعتدَّ له بالعَدَد والعُدَد، فيجمع أصحابه
стр. 6040
ويتَّخذ الخيل والسِّلاح، فإذا رجع تعرَّى عن ذلك، وردَّ الأمر فيه إليه فقال: وهزم الأحزاب (وَحْدَهُ) فيُنفى السَّبب فناءً في المسبِّب، وهذا هو المعنى الحقيقيُّ؛ لأنَّ الإنسان وفعله خلقٌ لربِّه تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] فما حصل من الهزيمة والنصرة مضاف إليه وبه، وهو خير النَّاصرين.
(قَالَ صَالِحٌ) هو ابن كيسان: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لسالم بن عبد الله: (أَلَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللهِ) بن عمر بعد قوله: «آيبون»: (إِنْ شَاءَ الله؟) كما في رواية نافعٍ ممَّا ثبت في «باب ما يقول إذا رجع من الغزو» [خ¦٣٠٨٤] (قَالَ) سالمٌ: (لَا) أي: لم يقل ذلك.
(١٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ) سفر طاعةٍ (مَا) ولغير أبي ذرٍّ: «مثل ما» (كَانَ يَعْمَلُ فِي الإِقَامَةِ).
стр. 6041
٢٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان الواسطيُّ قال (١): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (العَوَّامُ) بفتح العين المهملة وتشديد الواو، ابن حوشبٍ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ) بن عبد الرَّحمن (السَّكْسَكِيُّ) بسينَين مهملتَين مفتوحتَين، بينهما كافٌ ساكنةٌ، وفي آخره أخرى أيضًا، نسبةً إلى السَّكاسك بن أشرس بن كندة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء، عامر بن أبي موسى الأشعريَّ (وَاصْطَحَبَ) أي: أبو بردة (هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون الموحَّدة وفتح الشِّين المعجمة الشَّاميُّ، واسم أبيه: حَيْوِيْل -بفتح الحاء (٢) المهملة وسكون التَّحتيَّة وكسر الواو، بعدها تحتيَّةٌ أخرى ساكنةٌ ثمَّ لامٌ- وَلِيَ خَراجَ (٣) السِّنْدِ لسليمانَ بن عبد الملك، وتوفِّي في خلافته، وليس له في «البخاريِّ» ذكرٌ إلَّا هنا، والمعنى: اصطحب معه (فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ) أبي (أَبَا مُوسَى) الأشعريَّ ﵁ (مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا مَرِضَ العَبْدُ) المؤمن، وكان يعمل عملًا قبل مرضه، ومنعه منه المرض، ونيَّتُه لولا المانع مداومتُه عليه (أَوْ سَافَرَ) سفر طاعةٍ، ومنعه السَّفر ممَّا كان يعمل من الطَّاعات، ونيَّتُه المداومة (كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ) حال كونه (مُقِيمًا) وحال كونه (صَحِيحًا) فهما حالان مترادفان أو متداخلان، وفيه اللَّفُّ والنَّشر الغير المرتَّب، لأنَّ «مقيمًا» يقابل «أو سافر»، و «صحيحًا» يقابل (٤) «إذا مرض» وحمل ابن بطَّالٍ الحكم المذكور على النَّوافل لا الفرائض، فلا تسقط بالسَّفر والمرض، وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّه تحجَّر (٥) واسعًا، بل
стр. 6042
تدخل فيه الفرائض الَّتي شأنها (١) أن يعمل بها، وهو صحيحٌ إذا عجز عن جملتها أو بعضها (٢) بالمرض كُتِبَ له أجر ما عجز عنه فعلًا، لأنَّه قام به عزمًا أن لو كان صحيحًا، حتَّى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يُكتَب له عنها أجر صلاة القائم. انتهى. وهذا ذكره في «المصابيح» من غير عزوٍ ساكتًا عليه، وتعقَّبه صاحب «الفتح» فقال (٣): وليس اعتراضه بجيِّدٍ لأنَّهما لم يتواردا (٤).
(١٣٥) (بابُ) حكم (السَّيْرِ) حال كون السَّائر (وَحْدَهُ) من غير رفيقٍ معه؛ هل يُكْرَه أم لا؟
٢٩٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: نَدَبَ) أي: دعا (النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ) غزوة (الخَنْدَقِ) وهي الأحزاب، سبق في «فضل الطَّليعة» [خ¦٢٨٤٦] «من يأتيني بخبر القوم؟» ويأتي إن شاء الله تعالى في «مناقبه» [خ¦٣٧٢٠] «من يأتيني بخبر بني قريظة؟» (فَانْتَدَبَ) أي: أجاب (الزُّبَيْرُ) بن العوَّام ﵁ (ثُمَّ نَدَبَهُمْ) ﵊ ثانيًا (فَانْتَدَبَ) أي: أجاب (٥) (الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ) ﵊ ثالثًا (فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ) زاد في رواية أبي ذرٍّ: «ثلاثًا» وفيه شدَّة شجاعته ﵁ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا) بفتح الحاء المهملة منوَّنًا، أي: خاصَّةً من أصحابه (وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) قال الزَّجَّاج:
стр. 6043
الحواريُّ ينصرف لأنَّه منسوبٌ إلى حوار، وليس كبخاتيّ وكراسيّ لأنَّ واحده بختيّ وكرسيّ، وإذا أُضيفَ إلى ياء المتكلِّم فقد تُحذَف، وقد ضبطه جماعةٌ بفتح الياء وهو الَّذي في الفرع، وأكثرهم بكسرها، وهو القياس، لكنَّهم حين استثقلوا الكسرة وثلاث ياءاتٍ حذفوا ياء المتكلِّم، وأبدلوا من الكسرة فتحةً.
(قَالَ سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة: (الحَوَارِيُّ) هو (النَّاصِرُ) وهذا أخرجه التِّرمذيُّ وغيره عنه، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا (١) وصله ابن أبي حاتمٍ: سُمِّي الحواريُّون لبياض ثيابهم وإنَّهم كانوا صيَّادين، وأخرج عن الضَّحَّاك: أنَّ الحواريَّ هو الغسَّال بالنَّبطيَّة، وعن قتادة: الحواريُّ الَّذي يصلح للخلافة، وعنه: هو الوزير.
ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث انتداب الزبير وتوجُّهه وحده، كما يدلُّ على ذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى في «مناقب الزُّبير» [خ¦٣٧١٩].
٢٩٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) وللمُستملي زيادة: «ابن زيد بن عبد الله بن عمر ﵃» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) محمَّدٌ (عَنِ) جدِّه (ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(ح) للتَّحويل، وسقطت في الفرع وأصله (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَِحْدَةِ) بفتح الواو وكسرها، وأنكر بعضهم الكسر كما حكاه السَّفاقسيُّ، ونصبه على الظَّرفيَّة عند الكوفيِّين، والمصدريَّة عند البصريِّين (مَا أَعْلَمُ) جملةٌ
стр. 6044
في محلِّ نصبٍ مفعول «يعلمُ» (١) (مَا سَارَ رَاكِبٌ) وكذا ماشٍ، فالأوَّل خرج مخرج الغالب (بِلَيْلٍ وَحْدَهُ) وهذا الحديث رواه النَّسائيُّ من رواية عمر بن محمَّدٍ أخي عاصم بن محمَّدٍ، وهو يردُّ على التِّرمذيِّ حيث قال: إنَّ عاصم بن محمَّدٍ تفرَّد بروايته، ويُؤخَذ من حديث جابرٍ جوازُ السَّفر منفردًا للضَّرورة والمصلحة الَّتي لا تنتظم إلَّا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطَّليعة، والكراهة لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيَّدةً بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيَّدةً بالخوف حيث لا ضرورة.
(١٣٦) (بابُ السُّرْعَةِ فِي السَّيْرِ) عند الرُّجوع إلى الوطن. (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (أَبُو حُمَيْدٍ) بضمِّ
стр. 6045
الحاء المهملة، عبد الرَّحمن السَّاعديُّ ممَّا سبق في حديثٍ مطوَّلًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٨١] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ) بميمٍ مضمومةٍ ففوقيَّةٍ فعينٍ مفتوحَتين فجيمٍ مكسورةٍ (إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيُعَجِّلْ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الجيم مشدَّدةً، ولأبي ذَرٍّ: «فليتَعَجَّلْ» بفتح التَّحتية والفوقيَّة والجيم. قال المهلَّب: تعجُّله (١) ﵊ إلى المدينة ليريح نفسه، ويفرح أهله.
٢٩٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄¬) قال البخاريُّ: قال ابن المثنَّى: (كَانَ يَحْيَى) القطَّان (يَقُولُ) تعليقًا: عن عروة أو مسندًا إليه: سُئِل أسامة (وَأَنَا أَسْمَعُ) السُّؤال، قال يحيى: (فَسَقَطَ عَنِّي) لفظ: «وأنا أسمع» عند رواية الحديث كأنَّه لم يذكرها أوَّلًا، واستدركه آخرًا، وهذه الجملة معترضةٌ بين قوله: «سُئِل أسامة بن زيد ﵄» وبين قوله: (عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) حين أفاض من عرفة، فقوله: «عن مسير» متعلِّقٌ بقوله: «سُئِلَ» على ما لا يخفى (قَالَ) أي: أسامة، ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (فَكَانَ يَسِيرُ العَنَقَ) بفتح العين المهملة والنُّون، وهو السَّير السَّهل (فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً) بفتح الفاء وسكون الجيم، الفُرْجة بين الشَّيئين (نَصَّ) بفتح النُّون وتشديد الصَّاد المهملة (وَالنَّصُّ) السَّير الشَّديد حتَّى (٢) يستخرج أقصى ما عنده، فهو (٣) (فَوْقَ العَنَقِ) المفسَّر بالسَّير السَّهل، وإنَّما تعجَّل ﵊ إلى المزدلفة ليتعجَّل الوقوف بالمشعر الحرام.
стр. 6046
٣٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) نسبه (١) لجدِّه الأعلى، وإلَّا فهو سعيدُ بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم الجمحيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ -هُوَ (٢) ابْنُ أَسْلَمَ- عَنْ أَبِيهِ) أسلم (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ) زوجته (صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) بالتَّصغير الصَّحابيَّة الثَّقفيَّة أخت المختار، وكانت من العابدات (شِدَّةُ وَجَعٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ) ليدرك من حياتها ما يمكنه أن تعهد إليه بما لا (٣) تعهده إلى غيره (حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ، ثُمَّ نَزَلَ) عن دابَّته (فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعَتَمَةَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) ولأبي ذَرٍّ: «جَمعَ بينهما» بصيغة الماضي (وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدَّ، قاله صاحب «المحكم»، وقال القاضي عياض: أسرع، كذا قال، وكأنَّه نسب الإسراع إلى السَّير توسُّعًا (أَخَّرَ المَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: المغرب والعشاء كذلك.
٣٠٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال (٤): (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين وفتح الميم (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ) نصبٌ بنزع الخافض، أي: من نومه، أو مفعولٌ ثانٍ لـ «يمنع» لأنَّه يطلب مفعولين كأعطى (وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) أي: كمال نومه وكمال طعامه وكمال (٥) شرابه ولذَّة ذلك؛
стр. 6047
لما فيه من المشَقَّة والتَّعب ومعاناة الحرِّ والبرد والخوف والسُّرى ومفارقة الأهل والأصحاب وخشونة العيش (فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ) بفتح النُّون، أي: بلغ همَّته (١) من مطلوبه (فَلْيُعَجِّلْ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الجيم (إِلَى أَهْلِهِ) هذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى. قال في «معالم السُّنَّة»: فيه التَّرغيب في الإقامة؛ لئلَّا تفوته الجُمُعَات والجماعات والحقوق الواجبة للأهل والقرابات، وهذا في الأسفار غير الواجبة. ألا تراه يقول ﵊: «فإذا قضى نَهْمَته فليعجِّل إلى أهله»، أشار إلى السَّفر الَّذي له نَهْمة وأَرَبٌ من تجارةٍ أو غيرها، دون السَّفر الواجب كالحجِّ والغزو.
(١٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَمَلَ) رجلٌ آخرَ (عَلَى فَرَسٍ) ليجاهد عليها (٢) في سبيل الله (فَرَآهَا تُبَاعُ) هل له أن يشتريها، أم لا؟
٣٠٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ) أي: أَرْكَبَهُ غيره في الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) هبةً لا وقفًا (فَوَجَدَهُ) أي: فوجد عمرُ (٣) الفرس (يُبَاعُ) وكان اسمه: الورد، وكان لتميمٍ الدَّاريِّ، فأهداه (٤) للنَّبيِّ ﷺ فأعطاه لعمر ﵁ (فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ) أي: يشتريه (فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) هل يشتريه؟ (فَقَالَ) بالفاء قبل القاف، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (لَا تَبْتَعْهُ) أي: لا تشتره (٥) (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) سمَّى الشِّراء عَودًا في الصَّدقة؛ لأنَّ العادة جرت
стр. 6048
بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأُطلِق على القدر الَّذي يُسامَح به رجوعًا.
٣٠٠٣ - وبه قال (١): (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي (٢) أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) في الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ، فَابْتَاعَهُ) أي: باعه، كما جاء «اشترىَ» بمعنى: باع، أو الأصل: أباعه، فهو بمعنى: عرضه للبيع (أَوْ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بأن فرَّط في القيام (٣) به، و «أو» للشَّكِّ من الرَّاوي (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ) بضمِّ الرَّاء، مصدر: رخص السِّعر، وأرخصه الله، فهو رخيصٌ (فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ) نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، والصَّارف له عن التَّحريم تشبيهه بالعائد في قيئه (وَإِنْ) كان (بِدِرْهَمٍ) مبالغةٌ في رخصه (فَإِنَّ العَائِدَ) الرَّاجع (فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ) يقيء ثمَّ (يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) فيأكله، وهو دليلُ مَن منع (٤) الرُّجوع في الصَّدقة لما اشتمل عليه من التَّنفير الشَّديد، حيث شبَّه الرَّاجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء، والرُّجوع في الصَّدقة برجوع الكلب في قيئه.
стр. 6049
(١٣٨) (بابُ الجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ) المسلمين.
٣٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس بن دينارٍ الأسديُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ) السَّائب بن فروخ المكِّيَّ الأعمى (الشَّاعِرَ -وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ-) قال ذلك لئلَّا يُظنَّ أنَّه بسبب كونه شاعرًا يُتَّهَم (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) وهو ابن العاصي (¬﵄ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) هو جاهمة بن العبَّاس بن مرداسٍ كما عند النَّسائيِّ وأحمد، أو معاوية بن جاهمة كما عند البيهقيِّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ (١) فِي الجِهَادِ فَقَالَ) له ﵊: (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟) (قَالَ: نَعَمْ) حيَّان (قَالَ: فَفِيهِمَا) أي: الوالدين (فَجَاهِدْ) الجارُّ والمجرور (٢) متعلِّقٌ بالأمر، قُدِّم للاختصاص، والفاء الأولى جواب شرطٍ محذوفٍ، والثَّانية جزائيَّةٌ لتضمُّن الكلام معنى الشَّرط، أي: إذا كان الأمر كما قلت فاخصصهما بالجهاد، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] أي: إذا لم يتسَّهل لكم إخلاص العبادة في بلدةٍ ولم يتيسَّر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث يتمشَّى لكم ذلك، فحذف الشَّرط وعوَّض منه تقدُّم (٣) المفعول المفيد للإخلاص ضمنًا، وقوله:
стр. 6050
«فجاهد» جيء به للمشاكلة، وهذا ليس ظاهره مرادًا لأنَّ ظاهر الجهاد إيصال الضَّرر للغير، وإنَّما المراد القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو بذل المال وتعب البدن، فيُؤوَّل المعنى: ابذل مالك، وأتعب بدنك (١) في رضا والديك.
والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة مستنبطةٌ من قوله: «ففيهما فجاهد» لأنَّ أمره بالمجاهدة فيهما يقتضي رضاهما عليه، ومن رضاهما الإذنُ له عند الاستئذان. وفي حديث أبي سعيدٍ عند أبي داود: «فارجعْ فاستأذنهما، فإنْ أَذِنَا لك فجاهد، وإلَّا فَبَرَّهما» وصحَّحه ابن حبَّان، والجمهور على حرمة الجهاد إذا مَنَعَا أو أحدُهما بشرط إسلامهما لأنَّ برَّهما فرض عينٍ، والجهاد فرض كفايةٍ، فإذا تعيَّن الجهاد فلا إذن، وهل يلتحق الجدُّ والجدَّة بهما في ذلك؟ الأصحُّ: نعم، لشمول طلب البرِّ.
(١٣٩) (بابُ مَا قِيلَ فِي الجَرَسِ) بفتح الجيم والرَّاء، آخره سينٌ مهملةٌ: المصوِّت (٢) (وَنَحْوِهِ) مما يُعلَّق كالقلائد (فِي أَعْنَاقِ الإِبِلِ) من الكراهة وتخصيصه الإبل -كالحديث- لأغلبيتها.
٣٠٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ (٣) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن محمَّد بن حزمٍ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ)
стр. 6051
المازنيِّ (أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ) بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة (الأَنْصَارِيَّ) قيل: اسمه قيس الأكبر بن حُرَيرٍ -بمهملاتٍ، بين الأخيرتَين مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ، وأوَّله مضمومٌ مصغَّرًا- وليس له في هذا الكتاب سندٌ غير هذا (¬﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) قال في «الفتح»: لم أقف على تعيينها (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن أبي بكر بن حزمٍ الرَّاوي: (حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ) كأنَّه شكَّ في هذه الجملة (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَسُولًا) هو زيد بن حارثة، رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (لَا تَبْقَيَنَّ) بالمثنَّاة الفوقيَّة والقاف المفتوحتين، ولغير أبي ذرٍّ: «ألَّا يبقينَّ» بزيادة «أَنْ» وبالتَّحتيَّة بدل الفوقيَّة (فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة لا بالموحَّدة (أَوْ) قال: (قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ) كذا هنا بلفظ «أو» للشَّكِّ أو للتَّنويع، والنَّهي للتَّنزيه كما حكاه النَّووي عن الجمهور، وقيل: في حكمة النَّهي خوف اختناق الدَّابة بها عند شدَّة الرَّكض؛ أو لأنَّهم كانوا يعلِّقون بها الأجراس، وفي حديث أبي داود والنَّسائيِّ عن أمِّ حبيبة مرفوعًا: «لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جرسٌ». أو لأنَّهم كانوا يقلِّدونها أوتار القسيِّ (١) خوف العين، فأُمِروا بقطعها إعلامًا بأنَّ الأوتار لا تردُّ من أمر الله شيئًا، وهذا الأخير قاله مالك.
وأمَّا المطابقة فمن جهة أنَّ الجرس لا يُعلَّق في أعناق الإبل إلَّا بقلادةٍ (٢)، وهي (٣) الوتر ونحوه، فذكر المؤلِّف الجرس الَّذي يُعلَّق بالقلادة، فإذا ورد النَّهي عن تعليق القلائد (٤) في أعناق الإبل دخل فيه النَّهي عن الجرس ضرورةً، والأصل هو (٥) النَّهي عن الجرس (٦): «لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جرسٌ»، فافهم.
ورواة الحديث ثلاثةٌ مدنيُّون وثلاثةٌ أنصاريُّون، وفيه تابعيَّان، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» وأبو داود في «الجهاد» والنَّسائيُّ في «السِّير».
стр. 6052
(١٤٠) (بابُ مَنِ اكْتُتِبَ فِي جَيْشٍ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ) حال كونها (حَاجَّةً، وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «أو كان» (لَهُ عُذْرٌ) غير ذلك (هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ؟) في الحجِّ معها.
٣٠٠٦ - به قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي (١) مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحَّدة، بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، اسمه: نافذ -بالنُّون والفاء والذَّال المعجمة- مولى عبد الله بن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ (٢) امْرَأَةٌ) سفرًا طويلًا أو قصيرًا (إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) بنسبٍ أو غيره أو زوجٍ لها؛ لتأمن على نفسها، ولم يشترطوا في المحرم والزَّوج كونهما ثقتَين، وهو في الزَّوج واضحٌ، وأمَّا في المحرم فسببه -كما في «المهَمَّات» - أنَّ الوازع الطَّبيعي أقوى من الشَّرعي، وكالمَحْرَمِ عبدُها الأمين، والاستثناء من الجملتين -كما هو مذهب الشَّافعيِّ- لا من الجملة الأخيرة لكنَّه (٣) منقطعٌ لأنَّه متى كان معها محرمٌ لم تبقَ خلوةٌ، فالتَّقدير: لا يقعدنَّ رجلٌ مع امرأةٍ إلَّا ومعها محرمٌ. واستُشكِل: بأنَّ الواو تقتضي معطوفًا عليه. وأُجِيبَ: بأنَّ الواو للحال، أي: لا يخلونَّ في حالٍ إلَّا في مثل هذا الحال، والحديث مخصوصٌ بالزَّوج، فإنَّه لو كان معها زوجها كان المحرم بل أَولى بالجواز (فَقَامَ رَجُلٌ) لم يُعرَف اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا) بضمِّ تاء «اكتُتِبت» مبنيًّا للمفعول، كما في «الفرع»، وفي بعض الأصول للفاعل، أي: أُثبِتَ اسمي في جملة من يخرج فيها، من قولهم: اكتُتب الرَّجل إذا (٤) كتب نفسه في ديوان السُّلطان، ولم تعيَّن الغزوة (وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي) حال كونها (حَاجَّةً) ولم يُعرَف اسم المرأة (قَالَ) ﵊:
стр. 6053
(اذْهَبْ (١) فَحُجَّ) ولأبي ذَرٍّ: «فاحجُجْ» بفكِّ الإدغام (مَعَ امْرَأَتِكَ) فقدَّم الأهمَّ؛ لأنَّ الغزو يقوم غيره فيه مقامه، بخلاف الحجِّ معها، وليس لها محرمٌ غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٦١].
(١٤١) (بابُ) حكم (الجَاسُوسِ) أي: إذا كان من جهة الكفَّار، ومشروعيَّته من جهة المسلمين، وهو بالجيم والمهملتين، بوزن: فاعول (التَّجَسُّسُ) ولأبي ذَرٍّ: «والتَّجسُّس» هو (التَّبَحُّثُ) كذا فسَّره أبو عبيدة، وهو التَّفتيش عن بواطن الأمور (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «الجاسوس» ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [الممتحنة: ١]) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، و ﴿أَوْلِيَاء﴾: مفعولٌ ثانٍ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾.
стр. 6054
٣٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكِّيُّ (سَمِعْتُهُ) بضمير النَّصب، ولأبي ذَرٍّ: «سمعت» (مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن الحنفيَّة قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ أَبِي رَافِعٍ) أسلم مولى رسول الله ﷺ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁¬) هو ابن أبي طالبٍ (يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالمِقْدَادَ) زاد في رواية غيرأبي ذرٍّ: «بن الأسود» (١) وقوله: «أنا» تأكيدٌ للضَّمير المنصوب، ولا منافاة بين هذا وبين رواية أبي عبد الرَّحمن السُّلميِّ عن عليٍّ: بعثني وأبا مرثدٍ الغنويَّ والزُّبير بن العوَّام [خ¦٣٩٨٣] لاحتمال أن يكون وقع البعث لهم جميعًا (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال»: (انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بخاءين معجمتين، بينهما ألفٌ، لا بمهملةٍ ثمَّ جيمٍ: موضعٌ بين مكَّة والمدينة على اثني عشر ميلًا من المدينة (فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) بفتح الظَّاء المعجمة وكسر العين المهملة وفتح النُّون، المرأة في الهودج، واسمها: سارة على المشهور، وكانت مولاة عمرو بن هشام بن عبد المطَّلب (٢)، أو اسمها: كنود كما قاله البَلاذُريُّ وغيره، وتُكْنَى أمَّ سارةٍ (وَمَعَهَا كِتَابٌ) من حاطب (فَخُذُوهُ مِنْهَا، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا؛ إذ الأصل: تتعادى، أي: تجري (بِنَا خَيْلُنَا (٣) حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ) المذكورة (فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ) سارة المذكورة (فَقُلْنَا) لها: (أَخْرِجِي الكِتَابَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء، الَّذي معكِ (فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا) لها: (لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء والجيم (أَوْ لَنُلْقِيَنَّ) نحن (الثِّيَابَ) كذا
стр. 6055
في الفرع وأصله بضمِّ النُّون وكسر القاف وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة ونون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ وأبي الوقت كما في الفرع وأصله: «أو لتُلقِنَّ» بالفوقيَّة المضمومة وحذف التَّحتيَّة، وفي بعض الأصول: «أو لتلقيَِنَّ» بتحتيَّةٍ مكسورةٍ أو مفتوحةٍ بعد القاف، والصَّواب في العربية: «أو لَتُلقِنَّ» بدون ياءٍ؛ لأنَّ النُّون الثَّقيلة إذا اجتمعت مع الياء السَّاكنة حُذِفت الياء لالتقاء السَّاكنين، لكن أجاب الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ وغيره: بأنَّ الرِّواية إذا صحَّت تُؤوَّل الكسرة بأنَّها لمشاكلة «لتُخْرِجِنَّ» وباب المشاكلة واسعٌ، والفتح بالحمل على المؤنَّث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة (فَأَخْرَجَتْهُ) أي: الكتاب (مِنْ عِقَاصِهَا) بكسر العين المهملة وبالقاف وبالصَّاد (١) المهملة، الخيط الذي يُعتَقَص به أطراف الذَّوائب أو الشَّعر المضفور (٢)، وقال المنذريُّ: هو لَيُّ الشَّعْر بعضه على بعضٍ على الرَّأس، وتدخل أطرافه في أصوله، وقيل: هو السَّير الَّذي (٣) تجمع به شعرها على رأسها (فَأَتَيْنَا بِهِ) أي: بالكتاب، وللمُستملي: «بها» أي: بالصَّحيفة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وقول الكِرمانيِّ: «أو بالمرأة» معارَضٌ بما رواه الواحديُّ بلفظ: وقال: «انطلقوا حتَّى تأتوا روضة خاخٍ، فإنَّ بها ظعينةً معها كتابٌ إلى المشركين، فخذوه وخلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها» (فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) بالحاء والطَّاء المكسورة المهملتين ثمَّ موحَّدةٌ، و «بلتعة»: بموحَّدةٍ مفتوحةٍ ولامٍ ساكنةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وعينٍ مهملةٍ مفتوحتين، واسمه: عامر، وتوفِّي حاطب سنة ثلاثين (إِلَى أُنَاسٍ (٤) مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) هم صفوان بن أميَّة وسُهَيل بن عمرٍو وعكرمة بن أبي جهلٍ، كما رواه الواقديُّ بسندٍ له مرسلٍ (يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ولفظ الكتاب كما في «تفسير يحيى بن سلام»: أمَّا بعد يا معشر قريشٍ، فإنَّ رسول الله ﷺ جاءكم بجيشٍ كاللَّيل، يسير كالسَّيل، فوالله لو جاءكم وحده؛ لنصره الله، وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، والسَّلام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امرأً
стр. 6056
مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ) بفتح الصَّاد المهملة (١)، أي: مضافًا إليهم، ولا نسب لي فيهم، من إلصاق الشَّيء بغيره وليس منه، أو حليفًا لقريش (وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا) بضمِّ الفاء في «اليونينيَّة»، وفي «الفرع»: بفتحها مصلحًا. وعند ابن إسحاق: ليس لي في القوم أصلٌ ولا عشيرةٌ. وقال السُّهيليُّ: كان حاطب حليفًا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العُزَّى (وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ (٢)) أي: حين (فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ (٣) أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا) أي: نعمةً ومنَّةً عليهم (يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي) وفي رواية ابن إسحاق: وكان لي بين أظهرهم ولدٌ وأهلٌ (٤) فصانعتهم عليه، و «أَنْ» في قوله: «أَنْ أتَّخذ» مصدريَّةٌ في محلِّ نصبٍ، مفعول: «أحببت» (وَمَا فَعَلْتُ) ذلك (كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا) أي: عن ديني (وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَقَدْ صَدَقَكُمْ) بتخفيف الدَّال، أي: قال الصِّدق، وزاد في «فضل من شهد بدرًا» من «المغازي» [خ¦٣٩٨٣] «ولا تقولوا إلَّا خيرًا». ولأبي ذَرٍّ: «قد صدقكم» فأسقط اللَّام الَّتي قبل قاف «قد» (قَالَ (٥) عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ (٦): يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) واستُشكِل إطلاق عمر عليه النِّفاق بعد شهادته ﵊ بأنَّه ما فعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، وهذه الشَّهادة نافيةٌ للنِّفاق قطعًا. وأُجيبَ: بأنَّه إنَّما قال ذلك لِمَا كان عنده من القوَّة في الدِّين وبغض المنافقين، وظنَّ أنَّ فعلَه هذا يوجب قتله، لكنَّه (٧) لم يجزم بذلك فلذا استأذن في قتله، وأطلق عليه النِّفاق لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذره النَّبيُّ ﷺ لأنَّه كان متأوِّلًا؛ إذ (٨) لا ضرر فيما فعله (قَالَ) ﵊ مرشدًا إلى علَّة ترك قتله: (إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) وكأنَّه قال: وهل أسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذَّنب العظيم؟ فأجاب بقوله: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) الَّذين حضروا وقعتها،
стр. 6057
واستعمل «لعلَّ» استعمال «عسى» (١) فأتى (٢) بـ «أَنْ» قال النَّوويُّ: ومعنى التَّرجِّي هنا راجعٌ إلى عمر لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّقٌ عند الرَّسول (فَقَالَ) تعالى مخاطبًا لهم خطاب تشريفٍ وإكرامٍ: (اعْمَلُوا (٣) مَا شِئْتُمْ) في المستقبل (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) عبَّر عن الآتي بالواقع مبالغةً في تحقُّقه، وعند الطَّبرانيِّ (٤) من طريق معمر عن الزُّهريِّ عن عروة: «غافرٌ لكم»، وفي «مغازي ابن عائذ» من مرسل عروة: «اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم» قال القرطبيُّ: وهذا الخطاب قد تضمَّن أنَّ هؤلاء حصلت لهم حالةٌ غُفِرت بها (٥) ذنوبهم السَّابقة، وتأهَّلوا أن تغفر (٦) لهم (٧) الذُّنوب اللَّاحقة إن وقعت منهم، وما أحسنَ قول بعضهم:
وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ … جاءت محاسنه بألف شفيع
وليس المراد أنَّهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرةُ الذُّنوب اللَّاحقة، بل لهم صلاحيَّة أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصَّلاحيَّة لشيءٍ وجود ذلك الشَّيء، وحمله البرماويُّ على أنَّهم لا (٨) يقع منهم ذنبٌ في المستقبل ينافي عقيدة الدِّين، بدليل قبوله ﵊ عذره لما علم من صحَّة عَقْده (٩) وسلامة قلبه، وقيل: المراد غفران الماضي لا المستقبل، وتُعُقِّب بأنَّ هذا الصَّادر من حاطب إنَّما وقع في المستقبل لأنَّه صدر منه بعد بدر فلو كان للماضي لم يحصل التَّمسك به هنا، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله (١٠) ﵊ في كلِّ مَن أخبر عنه بشيءٍ من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنَّة إلى أن فارقوا الدُّنيا، ولو
стр. 6058
قُدِّر صدور شيءٍ من أحدٍ منهم لبادر إلى التَّوبة ولازَمَ الطَّريقة المثلى كما لا يخفى، والمراد: الغفران لهم في الآخرة، وإلَّا فلو توجَّه على أحدٍ منهم حدٌّ مثلًا استُوفِيَ منه بلا ريبٍ.
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (وَأَيُّ إِسْنَادٍ هَذَا؟) أي: عجبًا لجلالة رجاله؛ لأنَّهم الأكابر العدول الأيقاظ، والثِّقات الحفَّاظ.
(١٤٢) (بابُ الكِسْوَةِ لِلأُسَارَى) ما يواري عوراتهم؛ إذ لا يجوز النَّظر إليها، والكِسوة -بكسر الكاف، وقد تُضَمُّ- يقال: كسوته إذا ألبستَه ثوبًا. و «الأُسارى» بضمِّ الهمزة: جمع أسيرٍ.
٣٠٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ البخاريُّ المسنَديُّ -بفتح النُّون- قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكذا اللَّاحقة (١) (بِأُسَارَى) بدرٍ (وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ) بن عبد المطَّلب، وكان من (٢) جملتهم (وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ) أي: نظر يطلب لأجل العبَّاس (قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، هو ابن (٣) مالك بن الحارث، وسلول أمُّ أُبيّ بن (٤) مالكٍ، وكان عبد الله سيِّد الخزرج ورأس المنافقين (يَقْدُرُ عَلَيْهِ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه المخفَّف، وللأَصيليِّ:
стр. 6059
«يُقدَر عليه (١)» بضمٍّ ثمَّ فتحٍ، أي: يجيء على قدره (فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ) أي: قميص عبد الله ابن أُبيٍّ، وذلك أنَّهم لم يجدوا قميصًا يصلح للعبَّاس إلَّا قميص عبد الله؛ لأنَّ العبَّاس كان طويلًا جدًّا وكذلك عبد الله (فَلِذَلِكَ نَزَعَ (٢) النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ) عن بدنه (الَّذِي أَلْبَسَهُ) لعبد الله بن أُبيٍّ (٣) بعد أن أُخرِج من قبره.
(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (كَانَتْ لَهُ) أي: لعبد الله بن أُبيٍّ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ) نعمةٌ (فَأَحَبَّ) ﵊ (أَنْ يُكَافِئَهُ) عليها، وفيه: أنَّ المكافأة تكون بعد الموت كالحياة.
والحديث سبق في «باب هل يخرج الميت من القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٢٧٠].
(١٤٣) (بابُ فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ) من الكفَّار.
٣٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيّ) بالقاف والمثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزةٍ، مرفوعٌ صفةٌ لـ «يعقوب» أو بالجرِّ صفةٌ لـ «عبد (٤)» وهو منسوبٌ لبني القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَهْلٌ)
стр. 6060
بفتح السِّين وسكون الهاء (¬﵁¬) زاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «يعني ابن سعد» (١) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ) غزوة (خَيْبَرَ: لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ (٢) عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وهمزة لـ «أَعطينَّ» مفتوحةٌ في «اليونينيَّة» مضمومةٌ في غيرها، وللمُستملي والحَمُّويي: «على يده» بالإفراد (يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى) الرَّاية الموعود بها؟ بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة مِن «أيُّهم» و «يُعطَى» مع فتح طائها مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ: «أيَّهُمْ يُعْطِي» بفتح المثنَّاة مِن «أيَّهم» وضمِّها مِن «يُعْطِي» وكسر الطَّاء (فَغَدَوْا) وللحَمُّويي والمُستملي: «غدَوا» (كُلُّهُمْ) على رسول الله ﷺ (يَرْجُوهُ) أي: الفوز بالوعد، وحَذْف النُّون بلا ناصبٍ وجازمٍ لغةٌ فصيحةٌ، ولأبي ذَرٍّ: «يرجونه» (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (أَيْنَ عَلِيٌّ؟) أي: ما لي لا أراه حاضرًا؟ كأنَّه ﷺ استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك (٣) الموطن، لا سيَّما وقد قال: «لأعطينَّ الرَّاية … » إلى آخره، (فَقِيلَ): يا رسول الله، هو (يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ) قال ﵊: «فأرسِلُوا إليه» فأُتِيَ به (فَبَصَقَ) ﵊ (فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرَِأَ) بفتح الرَّاء كضَرَبَ وقد تُكْسَر كعَلِم، والأُولى لأهل الحجاز كما في «الصِّحاح» أي: شُفِيَ (كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث عليٍّ: فما رمدت ولا صُدِعتُ مذ دفع إليَّ النَّبيُّ ﷺ الرَّاية يوم خيبر (فَأَعْطَاهُ الرَّاية، فَقَالَ) عليٌّ: (أُقَاتِلُهُمْ) بحذف همزة الاستفهام (حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا) مسلمين (فَقَالَ) ﵊: (انْفُذْ) بضمِّ الفاء وبالذَّال المعجمة، أي: امضِ (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء، أي: على هينتك (حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ) بفِنائهم (ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ) من حقِّ الله فيه (٤) (فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا) واحدًا (خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تكُونَ (٥) لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) فتتصدَّق