← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ) بفتح الصَّاد المهملة (١)، أي: مضافًا إليهم، ولا نسب لي فيهم، من إلصاق الشَّيء بغيره وليس منه، أو حليفًا لقريش (وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا) بضمِّ الفاء في «اليونينيَّة»، وفي «الفرع»: بفتحها مصلحًا. وعند ابن إسحاق: ليس لي في القوم أصلٌ ولا عشيرةٌ. وقال السُّهيليُّ: كان حاطب حليفًا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العُزَّى (وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ (٢)) أي: حين (فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ (٣) أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا) أي: نعمةً ومنَّةً عليهم (يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي) وفي رواية ابن إسحاق: وكان لي بين أظهرهم ولدٌ وأهلٌ (٤) فصانعتهم عليه، و «أَنْ» في قوله: «أَنْ أتَّخذ» مصدريَّةٌ في محلِّ نصبٍ، مفعول: «أحببت» (وَمَا فَعَلْتُ) ذلك (كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا) أي: عن ديني (وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَقَدْ صَدَقَكُمْ) بتخفيف الدَّال، أي: قال الصِّدق، وزاد في «فضل من شهد بدرًا» من «المغازي» [خ¦٣٩٨٣] «ولا تقولوا إلَّا خيرًا». ولأبي ذَرٍّ: «قد صدقكم» فأسقط اللَّام الَّتي قبل قاف «قد» (قَالَ (٥) عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ (٦): يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) واستُشكِل إطلاق عمر عليه النِّفاق بعد شهادته ﵊ بأنَّه ما فعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، وهذه الشَّهادة نافيةٌ للنِّفاق قطعًا. وأُجيبَ: بأنَّه إنَّما قال ذلك لِمَا كان عنده من القوَّة في الدِّين وبغض المنافقين، وظنَّ أنَّ فعلَه هذا يوجب قتله، لكنَّه (٧) لم يجزم بذلك فلذا استأذن في قتله، وأطلق عليه النِّفاق لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذره النَّبيُّ ﷺ لأنَّه كان متأوِّلًا؛ إذ (٨) لا ضرر فيما فعله (قَالَ) ﵊ مرشدًا إلى علَّة ترك قتله: (إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) وكأنَّه قال: وهل أسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذَّنب العظيم؟ فأجاب بقوله: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) الَّذين حضروا وقعتها،

стр. 6057

واستعمل «لعلَّ» استعمال «عسى» (١) فأتى (٢) بـ «أَنْ» قال النَّوويُّ: ومعنى التَّرجِّي هنا راجعٌ إلى عمر لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّقٌ عند الرَّسول (فَقَالَ) تعالى مخاطبًا لهم خطاب تشريفٍ وإكرامٍ: (اعْمَلُوا (٣) مَا شِئْتُمْ) في المستقبل (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) عبَّر عن الآتي بالواقع مبالغةً في تحقُّقه، وعند الطَّبرانيِّ (٤) من طريق معمر عن الزُّهريِّ عن عروة: «غافرٌ لكم»، وفي «مغازي ابن عائذ» من مرسل عروة: «اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم» قال القرطبيُّ: وهذا الخطاب قد تضمَّن أنَّ هؤلاء حصلت لهم حالةٌ غُفِرت بها (٥) ذنوبهم السَّابقة، وتأهَّلوا أن تغفر (٦) لهم (٧) الذُّنوب اللَّاحقة إن وقعت منهم، وما أحسنَ قول بعضهم: وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ … جاءت محاسنه بألف شفيع وليس المراد أنَّهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرةُ الذُّنوب اللَّاحقة، بل لهم صلاحيَّة أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصَّلاحيَّة لشيءٍ وجود ذلك الشَّيء، وحمله البرماويُّ على أنَّهم لا (٨) يقع منهم ذنبٌ في المستقبل ينافي عقيدة الدِّين، بدليل قبوله ﵊ عذره لما علم من صحَّة عَقْده (٩) وسلامة قلبه، وقيل: المراد غفران الماضي لا المستقبل، وتُعُقِّب بأنَّ هذا الصَّادر من حاطب إنَّما وقع في المستقبل لأنَّه صدر منه بعد بدر فلو كان للماضي لم يحصل التَّمسك به هنا، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله (١٠) ﵊ في كلِّ مَن أخبر عنه بشيءٍ من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنَّة إلى أن فارقوا الدُّنيا، ولو

стр. 6058

قُدِّر صدور شيءٍ من أحدٍ منهم لبادر إلى التَّوبة ولازَمَ الطَّريقة المثلى كما لا يخفى، والمراد: الغفران لهم في الآخرة، وإلَّا فلو توجَّه على أحدٍ منهم حدٌّ مثلًا استُوفِيَ منه بلا ريبٍ. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (وَأَيُّ إِسْنَادٍ هَذَا؟) أي: عجبًا لجلالة رجاله؛ لأنَّهم الأكابر العدول الأيقاظ، والثِّقات الحفَّاظ. (١٤٢) (بابُ الكِسْوَةِ لِلأُسَارَى) ما يواري عوراتهم؛ إذ لا يجوز النَّظر إليها، والكِسوة -بكسر الكاف، وقد تُضَمُّ- يقال: كسوته إذا ألبستَه ثوبًا. و «الأُسارى» بضمِّ الهمزة: جمع أسيرٍ. ٣٠٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ البخاريُّ المسنَديُّ -بفتح النُّون- قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكذا اللَّاحقة (١) (بِأُسَارَى) بدرٍ (وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ) بن عبد المطَّلب، وكان من (٢) جملتهم (وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ) أي: نظر يطلب لأجل العبَّاس (قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، هو ابن (٣) مالك بن الحارث، وسلول أمُّ أُبيّ بن (٤) مالكٍ، وكان عبد الله سيِّد الخزرج ورأس المنافقين (يَقْدُرُ عَلَيْهِ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه المخفَّف، وللأَصيليِّ:

стр. 6059

«يُقدَر عليه (١)» بضمٍّ ثمَّ فتحٍ، أي: يجيء على قدره (فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ) أي: قميص عبد الله ابن أُبيٍّ، وذلك أنَّهم لم يجدوا قميصًا يصلح للعبَّاس إلَّا قميص عبد الله؛ لأنَّ العبَّاس كان طويلًا جدًّا وكذلك عبد الله (فَلِذَلِكَ نَزَعَ (٢) النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ) عن بدنه (الَّذِي أَلْبَسَهُ) لعبد الله بن أُبيٍّ (٣) بعد أن أُخرِج من قبره. (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (كَانَتْ لَهُ) أي: لعبد الله بن أُبيٍّ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ) نعمةٌ (فَأَحَبَّ) ﵊ (أَنْ يُكَافِئَهُ) عليها، وفيه: أنَّ المكافأة تكون بعد الموت كالحياة. والحديث سبق في «باب هل يخرج الميت من القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٢٧٠]. (١٤٣) (بابُ فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ) من الكفَّار. ٣٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيّ) بالقاف والمثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزةٍ، مرفوعٌ صفةٌ لـ «يعقوب» أو بالجرِّ صفةٌ لـ «عبد (٤)» وهو منسوبٌ لبني القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَهْلٌ)

стр. 6060

بفتح السِّين وسكون الهاء (¬﵁¬) زاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «يعني ابن سعد» (١) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ) غزوة (خَيْبَرَ: لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ (٢) عَلَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وهمزة لـ «أَعطينَّ» مفتوحةٌ في «اليونينيَّة» مضمومةٌ في غيرها، وللمُستملي والحَمُّويي: «على يده» بالإفراد (يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى) الرَّاية الموعود بها؟ بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة مِن «أيُّهم» و «يُعطَى» مع فتح طائها مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ: «أيَّهُمْ يُعْطِي» بفتح المثنَّاة مِن «أيَّهم» وضمِّها مِن «يُعْطِي» وكسر الطَّاء (فَغَدَوْا) وللحَمُّويي والمُستملي: «غدَوا» (كُلُّهُمْ) على رسول الله ﷺ (يَرْجُوهُ) أي: الفوز بالوعد، وحَذْف النُّون بلا ناصبٍ وجازمٍ لغةٌ فصيحةٌ، ولأبي ذَرٍّ: «يرجونه» (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (أَيْنَ عَلِيٌّ؟) أي: ما لي لا أراه حاضرًا؟ كأنَّه ﷺ استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك (٣) الموطن، لا سيَّما وقد قال: «لأعطينَّ الرَّاية … » إلى آخره، (فَقِيلَ): يا رسول الله، هو (يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ) قال ﵊: «فأرسِلُوا إليه» فأُتِيَ به (فَبَصَقَ) ﵊ (فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرَِأَ) بفتح الرَّاء كضَرَبَ وقد تُكْسَر كعَلِم، والأُولى لأهل الحجاز كما في «الصِّحاح» أي: شُفِيَ (كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث عليٍّ: فما رمدت ولا صُدِعتُ مذ دفع إليَّ النَّبيُّ ﷺ الرَّاية يوم خيبر (فَأَعْطَاهُ الرَّاية، فَقَالَ) عليٌّ: (أُقَاتِلُهُمْ) بحذف همزة الاستفهام (حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا) مسلمين (فَقَالَ) ﵊: (انْفُذْ) بضمِّ الفاء وبالذَّال المعجمة، أي: امضِ (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء، أي: على هينتك (حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ) بفِنائهم (ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ) من حقِّ الله فيه (٤) (فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا) واحدًا (خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تكُونَ (٥) لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) فتتصدَّق

стр. 6061

بها، و «حُمْر»: بضمِّ الحاء وسكون الميم، مِن ألوان الإبل المحمودة، وهي أنفَسُها وخيارها، يُضرَب بها المثل في نفاسة الشَّيء، و «أَنْ» مِن «لأَنْ يهديَ الله» مصدريَّةٌ في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر قوله: «خيرٌ لك» وكأنَّه ﷺ استحسن قول عليٍّ: أقاتلهم حتَّى يكونوا مثلنا، واستحمده على ما قصده من مقاتلته إيَّاهم حتَّى يكونوا مهتدين، إعلاءً لدين الله تعالى، ومن ثمَّ حثَّه ﷺ على ما نواه بقوله: «فوالله لأَنْ يهديَ الله بك … » إلى آخره. وهذا موضع التَّرجمة، وتأتي مباحثه في «المغازي» [خ¦٤٢١٠] إن شاء الله تعالى. (١٤٤) (بابُ الأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ) بضمِّ همزة «الأُسارى». ٣٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والمعجمة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف المثنَّاة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَجِبَ اللهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ) أي: وكانوا في الدُّنيا (فِي السَّلَاسِلِ) حتَّى دخلوا في الإسلام، وبهذا التَّقدير يكون المراد حقيقةَ وضعِ السَّلاسل في الأعناق. ويقع التَّطابق بين التَّرجمة والحديث، ويؤيِّد أنَّ المراد الحقيقةَ ما عند المؤلِّف في «تفسير آل عمران» [خ¦٤٥٥٧] من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: خير النَّاس للنَّاس (١) يأتون بهم في (٢) السَّلاسل في أعناقهم، حتَّى يدخلوا في الإسلام، وحمله جماعةٌ على المجاز، فقال المهلَّب: المعنى: يدخلون في الإسلام مكرَهين، وسمَّى الإسلام بالجنَّة لأنَّه سببها. وقال ابن الجوزيِّ: معناه: أنَّهم أُسروا وقُيِّدوا، فلمَّا عرفوا صحَّة الإسلام؛ دخلوا طوعًا، فدخلوا الجنَّة، فكان الإكراه على الأسر والتَّقييد هو السَّببَ الأوَّلَ، فكأنَّه أَطلق على الإكراه التسلسل (٣)، ولمَّا

стр. 6062

كان هو السَّبب في دخول الجنَّة أقام المسبَّب مُقام السَّبب. وقال الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ: لعلَّهم المسلمون الَّذين هم أسارى في أيدي الكفَّار، فيموتون أو يقتلون على هذه الحالة، فيحشرون عليها ويدخلون الجنَّة كذلك (١). انتهى. (١٤٥) (بابُ فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ) التَّوراة والإنجيل. ٣٠١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) قال: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ) ضدُّ الميِّت، لقبٌ له، وهو صالح بن صالحِ بن مسلم بن حيَّان وكنيته (أَبُو حَسَنٍ) بفتح الحاء والسِّين المهملتَين (قَالَ) أي: صالحٌ: (سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شراحيل (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، الحارث (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) عبد الله أبا موسى بن قيس الأشعريَّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثَةٌ) من الرِّجال، مبتدأٌ، خبره قوله: (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ (٢) لَهُ الأَمَةُ) برفع «الرَّجل» بدلًا (٣) من «ثلاثةٌ» بدل تفصيلٍ، أو بدل كلٍّ بالنَّظر إلى المجموع، أو «الرَّجل» خبر مبتدأ محذوف تقديره: أوَّلهم، أو الأوَّل الرَّجل (فَيُعَلِّمُهَا) ما يجب تعليمه من الدِّين (فَيُحْسِنُ) بفاء العطف، ولأبي ذَرٍّ: «ويُحْسِن» (تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا) من غير عنفٍ ولا ضربٍ بل بالرِّفق، وإنَّما غاير بينه وبين التَّعليم وهو داخل فيه؛ لتعلُّقه بالمروءات والتَّعليم بالشَّرعيَّات، أي: الأوَّل

стр. 6063

عرفيٌّ والثَّاني شرعيٌّ، أو الأوَّل دنيويٌّ والثَّاني دينيٌّ (ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا) بعد أن يَصْدُقَها (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجر العتق وأجر التَّزويج، وإنَّما اعتبرهما لأنَّهما الخاصَّان (١) بالإماء دون السَّابقين (وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ) اليهوديُّ والنصرانيُّ (الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا) بنبيِّه موسى وعيسى (ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ) محمَّدٍ (¬ ﷺ ¬) في عهد بعثته أو بعدها إلى يوم القيامة، جزم الكِرمانيُّ -وتبعه العينيُّ- بالأوَّل معلِّلًا: بأنَّ نبيَّه بعد البعثة إنَّما هو محمَّدٌ ﷺ باعتبار عموم بعثته ﵊، ولا يخفى ما فيه، فإنَّ بعثته ﵊ في عهده وبعده عامَّةٌ لا فرق بينهما، وجزم بالثَّاني الإمام البلقينيُّ وتبعه الحافظ ابن حجرٍ عملًا بظاهر اللَّفظ، وفي كلٍّ منهما نظرٌ؛ لأنَّا إذا قلنا: إنَّ بعثته ﵊ قاطعةٌ لدعوة عيسى، فلا نبيَّ للمؤمن من أهل الكتاب إلَّا محمَّدٌ ﷺ ، وحينئذٍ فالإيمان إنَّما هو بمحمَّدٍ ﷺ فقط؛ فكيف ترتَّب الأجر مرَّتين؟! أُجيبَ: بأنَّ مؤمن أهل الكتاب لا بدَّ أن يكون مع إيمانه بنبيِّه مؤمنًا بمحمَّدٍ ﷺ ؛ للعهد المتقدِّم والميثاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾ الاية [آل عمران: ٨١] المفسَّر بأخذ الميثاق من النَّبيِّين وأممهم مع وصفه تعالى له في التَّوراة والإنجيل، فإذا بُعِث ﷺ فالإيمان (٢) به مستمرٌّ. فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت فكيف تعدَّد إيمانه حتَّى تعدَّد أجره؟ أُجيبَ: بأنَّ إيمانه أوَّلًا تعلَّق بأنَّ الموصوف بكذا رسول، وإيمانه ثانيًا تعلَّق بأنَّ محمَّدًا ﷺ هو الموصوف بتلك الصِّفات، فهما معلومان متباينان فجاء التَّعدُّد (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجر الإيمان بنبيِّه وأجر الإيمان بمحمَّدٍ ﷺ ، وكذا حكم الكتابيَّة؛ إذ (٣) النِّساء شقائق الرِّجال في الأحكام. واستُشكِلَ دخول اليهود في ذلك لأنَّ شرعهم نُسِخ بعيسى ﵊، والمنسوخ لا أجر في العمل به، فيختص الأجران (٤) بالنَّصرانيِّ. وأجيب: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ النَّصرانيَّة ناسخةٌ لليهوديَّة. نعم، لو ثبت ذلك لكان كذلك، كذا قرَّره الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ وغيره، لكن قال في «الفتح»: لا خلاف أنَّ عيسى ﵊ أرسل إلى بني إسرائيل، فمَن أجاب منهم نُسِب إليه، ومَن كذَّب منهم واستمرَّ على يهوديَّته لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر لأنَّ

стр. 6064

شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيِّه. نعم، مَن دخل في اليهوديِّة من غير بني إسرائيل، أو (١) لم يكن بحضرة عيسى فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنَّه يهوديٌّ مؤمنٌ؛ إذ هو مؤمنٌ بنبيِّه موسى ولم يكذِّب نبيًّا آخرَ بعده، فمن أدرك بعثة محمَّدٍ ﷺ ممَّن كان بهذه المثابة، وآمن به لم يشكل أنَّه دخل في الخبر المذكور. نعم، الإشكال في اليهود الَّذين كانوا بحضرته ﷺ ، وقد ثبت أنَّ الآية الموافقة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى في سورة القصص: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] نزلت في طائفةٍ آمنوا به (٢) (٣) كعبد الله بن سَلَام وغيره، ففي «الطَّبرانيِّ» من حديث رِفَاعة القُرظيِّ قال: نزلت هذه الآيات (٤) فيَّ وفيمن آمن معي، وروى الطَّبرانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن عليِّ بن رِفَاعة القُرظيِّ قال: خرج عشرةٌ من أهل الكتاب -منهم أبي (٥) رِفاعةُ- إلى النَّبيِّ ﷺ ، فآمنوا فأُوذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ … الآيات [القصص: ٥٢ - ٥٥] فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمرُّوا على اليهوديَّة إلى أن آمنوا بمحمَّدٍ ﷺ ، وقد ثبت أنَّهم يؤتون أجرهم مرَّتين. قال الطِّيبيُّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمَّدٍ ﷺ سببًا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخةً. انتهى. ويمكن أن يقال: إنَّ الَّذين كانوا بالمدينة لم تبلغهم دعوة عيسى ﵊ لأنَّها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمرُّوا على يهوديَّتهم مؤمنين بنبيِّهم موسى إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمَّدٍ ﷺ ، فبهذا يرتفع الإشكال، واشترط بعضهم في الكتابيِّ بقاءه (٦) على ما بُعِث به نبيُّه من غير تبديلٍ ولا تحريفٍ، وعُورض: بأنه ﷺ كتب إلى هرقل: «أسلمْ تَسلمْ، يؤتك الله أجرك مرَّتين»، وهرقل كان ممَّن دخل في النَّصرانيَّة بعد التَّبديل، والتَّقييد بأهل الكتاب مخرجٌ لغيرهم من الكفَّار، فلا ينبغي حمله على العموم، وإن جاء في الحديث أنَّ حسناتِ الكفَّار مقبولةٌ بعد إسلامهم؛ لأنَّ لفظ الكفَّار يتناول الكافر الحربيَّ، وليس له أجران قطعًا (وَالعَبْدُ) المملوك (الَّذِي

стр. 6065

يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ) تعالى كالصَّلاة والصَّوم (وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) في خدمته وغيرها (لَهُ أَجرَان) أيضًا أجر تأديته للعبادة (١) وأجر نصحه. (ثُمَّ قَالَ) عامرٌ (الشَّعْبِيُّ) يخاطب صالحًا: (وَأَعْطَيْتُكَهَا) بواو العطف، أي: المسألة أو المقالة، وللحَمُّويي والمُستملي: «أُعطيكها» بضمِّ الهمزة بلفظ المستقبل من غير واوٍ ولا فوقيَّةٍ (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من الأجرة (وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ) أي: يسافر (فِي أَهْوَنَ مِنْهَا) أي: من المسألة (إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة. (١٤٦) (بابُ) حكم (أَهْلِ الدَّارِ) الحربيِّين (يُبَيَّتُونَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة بعد الموحَّدة مبنيًّا للمفعول، أي: يُغَار عليهم باللَّيل بحيث لايميَّز بين أفرادهم (فَيُصَابُ الوِلْدَانُ) أي: الصِّغار بسبب التَّبييت (وَالذَّرَارِيُّ) بالذَّال المعجمة، والرَّفع والتَّشديد، عَطفًا على «الولدان» هل يجوز ذلك أم لا؟ ثم ذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى (٢) تفسير ثلاث آيات من القرآن يوافقن ما في الخبر على عادته: الأولى: (﴿بَيَاتًا﴾) بالموحَّدة ثمَّ المثنَّاة التَّحتيَّة الخفيفة، وبعد الألف فوقيَّةٌ، لا نيامًا -بالنُّون والميم- من النَّوم، لأنَّ مراده قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا بعد التَّكذيب ﴿بَيَاتًا﴾ [الأعراف: ٤] يعني: (لَيْلًا) وسُمِّي اللَّيل بياتًا لأنَّه يُبات فيه. والثَّانية: قوله في سورة النمل: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ﴾ ((لَيُبَيِّتَنَّهُ)) (٣) بالتَّحتيَّة بعد اللَّام في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: بالنُّون، من البيات، وهو مباغتة العدوِّ (لَيْلًا).

стр. 6066

والثَّالثة: (يُبَيَّتُ) بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ثمَّ موحَّدةٍ مفتوحةٍ (١) فمثنَّاةٍ مفتوحةٍ (٢) مشدَّدةٍ ثمَّ فوقيَّةٍ مضمومةٍ، أي: (لَيْلًا) لكنَّ لفظ التِّلاوة في سورة النساء: ﴿بَيَّتَ﴾ بموحَّدةٍ ثمَّ مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مشدَّدةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحاتٍ ﴿وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١] والثَّانية والثَّالثة من زيادة أبي ذرٍّ كما في «الفتح» والَّذي في الفرع: سقوطهما عنده (٣)، فالله أعلم. ٣٠١٢ - ٣٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال (٤): (حَدَّثَنَا) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ، وفي «مسند الحُميديِّ»: عن سفيان عن الزُّهريِّ أخبرني عبيد الله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ) ضدُّ السَّهل (بْنِ جَثَّامَةَ) بفتح الجيم وتشديد المثلَّثة، اللَّيثيِّ (¬﵃ قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وإسكان الموحَّدة ممدودًا، من عمل الفُرْع من المدينة، بينه وبين الجحفة ممَّا يلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون ميلًا، وسُمِّيت بذلك لتَبَوُّءِ السُّيولِ بها (٥) (أَوْ بِوَدَّانَ) بفتح الواو بعد

стр. 6067

الموحَّدة وتشديد المهملة، وبعد الألف نونٌ: قريةٌ جامعةٌ، بينها وبين الأبواء ثمانية أميالٍ، وهي أيضًا من عمل الفُرْع، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَسُئِلَ) بواو الحال وضمِّ السِّين مبنيًّا للمفعول. قال في «الفتح»: ولم أقف على اسم السَّائل، ثمَّ وجدت في «صحيح ابن حبَّان» من طريق محمَّد بن عمرٍو عن الزُّهريِّ بسنده عن الصَّعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: «نعم» فظهر أنَّ الرَّاوي هو السَّائل، ولأبي ذَرٍّ: «فسُئِل» (عَنْ أَهْلِ الدَّارِ) الحربيِّين حال كونهم (١) (يُبَيَّتُونَ) بفتح المثنَّاة المشدَّدة بعد الموحَّدة مبنيًّا للمفعول، أي: يُغار عليهم ليلًا بحيث لا يُعرف رجلٌ من امرأةٍ (مِنَ المُشْرِكِينَ) بيانٌ لأهل الدَّار (فَيُصَابُ) بضمِّ المثنَّاة (مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ) بالذَّال المعجمة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ) ﵊ مجيبًا للسَّائل: (هُمْ) أي: النِّساء والذَّراريُّ (مِنْهُمْ) أي: من أهل الدَّار من المشركين، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل إذا لم يوصل إلى قتل الرِّجال إلَّا بذلك قُتِلوا، وإلَّا فلا تُقصد الأطفال ولا (٢) النِّساء بالقتل مع القدرة على ترك ذلك، جمعًا بين الأحاديث المصرِّحة بالنَّهي عن قتل النِّساء والصِّبيان وما هنا. قال الصَّعب بن جثَّامة: (وَسَمِعْتُهُ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «فسمعته» بالفاء. قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أوضح (يَقُولُ: لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ (٣) ﷺ ¬) ومن يقوم مقامه من خلفائه، وأصل الحمى عند العرب: أنَّ الرَّئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكانٍ عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كلِّ جانبٍ، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، فأبطل الشَّرع ذلك، و «حِمَى» بغير تنوينٍ كما في «اليونينيَّة» وفي بعض النُّسخ: «حِمًى» بثبوته (٤)، فتكون «لا» بمعنى: ليس، وعلى الأوَّل تكون للاستغراق بخلاف الثَّاني. وهذا الحديث مستقلٌّ، ذكره المؤلِّف فيما سبق في «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٧٠] ووجه دخوله هنا كونه في (٥) تحمُّل ذلك كذلك. (وَ) بالسَّند السَّابق (٦) (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ)

стр. 6068

بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ حال كونه يقول: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١): حَدَّثَنَا الصَّعْبُ) بن جَثَّامة (فِي الذَّرَارِيِّ) فقط، قال سفيان: (كَانَ عَمْرٌو) أي: ابن دينارٍ (يُحَدِّثُنَا) هذا الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ مرسَلًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: «من آبائهم» وقد أخرج الإسماعيليُّ الحديث من طريق العبَّاس بن يزيد: حدَّثنا سفيان قال: كان عمرو يحدِّث -قبل أن يقدم المدينة (٢) الزُّهريُّ- عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله عن ابن عبَّاسٍ، عن الصَّعب. قال سفيان: فقدم علينا الزُّهريُّ، فسمعته يعيده ويبديه … فذكر الحديث، فانتفى الإرسال. نعم، صورته صورة الإرسال، ولا (٣) يندفع بإخراج الإسماعيليِّ له، قال سفيان: (فَسَمِعْنَاهُ) بعد ذلك (مِنَ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ الصَّعْبِ) بن جثَّامة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه (قَالَ: هُمْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ). وأخرج الحديث مسلمٌ في «المغازي» وأبو داود وابن ماجه في «الجهاد» والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «السِّير». (١٤٧) (بابُ) النَّهي عن (قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِي الحَرْبِ) لقصورهم عن فِعْل (٤) الكفر، ولما في استبقائهم من الانتفاع بهم، إمَّا بالرِّقِّ أو بالفداء عند من يجوِّز أن يُفادَى به. ٣٠١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٥) اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا ليثٌ» (عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن

стр. 6069

عمر بن الخطَّاب (¬﵁ أَخْبَرَهُ (١) أَنَّ امْرَأَةً) لم تُسَمَّ (وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ ¬) هي (٢) غزوة الفتح كما في «معجم الأوسط» للطَّبرانيِّ (مَقْتُولَةً) بالنَّصب (فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد». (١٤٨) (بابُ) النَّهي عن (قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الحَرْبِ). ٣٠١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة: (حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عمر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ) حال كونها (مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فتح مكَّة (فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) استدلَّ به البرماويُّ كالكِرمانيِّ: على أنَّه إذا قال للشَّيخ: أخبركم أو حدَّثكم (٣) ونحوهما فلانٌ وسكت عن جوابه مع قرينةِ الإجابة، جاز له أن يرويه عنه، لكن ردَّه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ إسحاق بن رَاهُوْيَه روى الحديث في «مسنده» كذلك، وزاد في آخره: فأقرَّ به أبو أسامة وقال: نعم، وحينئذٍ فلا حجَّة فيه لما ذكر (٤) لأنَّه تبيَّن من هذه الطريق الأخرى أنَّه لم يسكت، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يستلزم من قوله: «نعم» في إحداهما (٥) عدم سكوته في الأخرى، كذا قال (٦)، فليُتأَمَّل. وقد يقال: في هذا

стр. 6070

تساهلٌ إذ الحديثُ نقصَ نقصًا، لا سيما إذا اتَّحد المخرج، فصحَّ ما قاله حافظ العصر (١). (١٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللهِ) بفتح الذَّال مِن «يُعَذَّب» مبنيًّا للمفعول. ٣٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ مولى ميمونة أو أمِّ سلمة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) كذا أخرجه النَّسائيُّ كالمؤلِّف هنا، وخالف محمَّد بن إسحاق فرواه في «السِّيرة» عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن بُكير، فأدخل بين سليمان وأبي هريرة أبا إسحاق الدَّوسيَّ، وسليمان قد صحَّ سماعه من أبي هريرة، وهو غير مدلِّسٍ، فتكون رواية ابن إسحاق من «المزيد في متَّصل الأسانيد» (أَنَّهُ) أي: أبا هريرة (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ) أميره حمزة بن عمرٍو الأسلميُّ، كما عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ (فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا) هَبَّار بن الأسود ونافع بن عبد عمرٍو أو غيرهما كما مرَّ [خ¦٢٩٥٤] (فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ) بهمزة قطعٍ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ) للسَّفر وودَّعناه: (إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا) بالتَّشديد، والَّذي في «اليونينيَّة»: بالتَّخفيف (فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ) ، خبرٌ بمعنى النَّهي، وهو نسخٌ لأمره السَّابق، وفي رواية ابن لَهيعة: «وإنَّه لا ينبغي» ولابن إسحاق: «ثمَّ رأيت أنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا الله» قال البيضاويُّ: إنَّما مُنِعَ التَّعذيب بالنَّار؛ لأنَّه أشدُّ العذاب، ولذلك أوعدها الكفَّار (٢). وقال

стр. 6071

الطِّيبيُّ: لعلَّ المنع من التَّعذيب بها في الدُّنيا أنَّ الله تعالى جعل النَّار فيها منافعُ النَّاس وارتفاقُهم، فلا يصحُّ منهم أن يستعملوها في الإضرار، ولكن له تعالى أن يستعملها فيه لأنَّه ربُّها ومالكها يفعل ما يشاء من التَّعذيب بها والمنع منه، وإليه أشار بقوله في الحديث الآخر: «ربُّ النار» وقد جمع الله تعالى الاستعمالين في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] أي: تذكيرًا بنار جهنَّم لتكون حاضرةً للنَّاس يذكرون ما أُوعدوا به (١)، وجعلنا بها أسباب المعاش كلَّها. انتهى. وقد اختلف السَّلف في التَّحريق، فكرهه عمر وابن عبَّاسٍ وغيرهما مطلقًا، سواءٌ كان بسبب كفرٍ أو قصاصًا، وأجازه عليٌّ وخالد بن الوليد، وقال المهلَّب: ليس هذا النَّهي على التَّحريم بل على سبيل التَّواضع، وقد سمل ﵊ أعين العرنيِّين بالحديد المحمَّى، وحرق أبو بكر ﵁ اللَّائط بالنَّار بحضرة الصَّحابة، وتُعُقِّب بأنَّه لا حجَّة فيه للجواز، فإنَّ قصَّة العرنيِّين كانت قصاصًا أو منسوخةً (٢)، وتجويز الصَّحابي معارضٌ بمنع صحابيٍّ غيره. (فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا) بالواو والجيم، وفي «باب التَّوديع» [خ¦٢٩٥٤] «فإن أخذتموهما» (فَاقْتُلُوهُمَا). ٣٠١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال (٣): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا) هم السَّبئيَّة أتباع عبد الله

стр. 6072

ابن سبأ، كانوا يزعمون أنَّ عليًّا ربُّهم، تعالى الله وتقدَّس عن مقالتهم، وعند ابن أبي شيبة: كانوا قومًا يعبدون الأصنام (فَبَلَغَ) ذلك (ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا) بدله، فالخبر محذوفٌ، وأتى بـ «أنا» تأكيدًا للضَّمير المتَّصل (لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ) وهذا أصرح في النَّهي من السَّابق في الحديث الَّذي قَبْلُ (وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ) الحقّ وهو دين الإسلام (فَاقْتُلُوهُ) وفي حديثٍ مرويٍّ في «شرح السُّنَّة»: فبلغ ذلك عليًّا فقال: صدق ابن عبَّاسٍ، وإنَّما حرَّقهم عليٌّ ﵁ بالرَّأي والاجتهاد، وكأنَّه لم يقف على النَّصِّ في ذلك قبل، فجوَّز ذلك للتَّشديد بالكفَّار (١) والمبالغة في النكاية والنَّكال، وقوله: «ولقتلتهم» عطف على جواب «لو» وأتى باللَّام لإفادتها معنى التَّأكيد، وخصَّها بالثَّاني دون الأوَّل وهو الجواب؛ لأنَّ القتل أهمُّ وأحرى من غيره لورود النَّصِّ أنَّ النَّار لا يعذِّب بها إلَّا الله. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٢]، وأبو داود وابن ماجه في «الحدود» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المحاربة». (١٥٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه التَّخيير بين المنِّ والفداء في الأسرى، لقوله تعالى في سورة القتال: (﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ [محمد: ٤]) أي: فإمَّا تمنُّون منًّا أو تفدون فداءً، والمراد: التَّخيير بعد الأسر بين المنِّ والإطلاق وبين أخذ الفداء. وعن بعض السَّلف: أنَّها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ الاية [التوبة: ٥] والأكثرون على أنَّها محكمةٌ، قال بعضهم: التَّخيير بين القسمين فلا يجوز قتله، والأكثرون منهم (٢)، وهو قول أكثر السَّلف على التَّخيير بين (٣) المنِّ والمفاداة والقتل والاسترقاق (فِيْهِ) أي: في الباب (حَدِيثُ ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة، وقد ذكره المؤلِّف في مواضع، ولفظه في «وفد (٤) بني حنيفة» من «المغازي» [خ¦٤٣٧٢] بعث النَّبيُّ ﷺ

стр. 6073

خيلًا قِبلَ نجدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له: ثُمامة بن أُثالٍ، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرج إليه النَّبيُّ ﷺ فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي خيرٌ يا محمَّد، إن تقتلني تقتلْ ذا دمٍ، وإن تُنعمْ تُنعم على شاكرٍ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، حتَّى كان الغد، ثمَّ قال له (١): «ما عندك يا ثمامة؟» قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكرٍ، فتركه حتَّى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» (٢) فقال: عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة … » الحديث. هذا موضع الترجمة منه، فإنَّه ﷺ أقرَّه على ذلك ولم ينكر عليه التَّقسيم، ثمَّ منَّ عليه بعد ذلك، وهو (٣) يؤيِّد قول الجمهور: أنَّ الأمر في أسرى الكفَّار من الرِّجال إلى الإمام، يفعل ما هو الأحظُّ للإسلام والمسلمين، وعن مالكٍ: لا يجوز المنُّ بغير فداءٍ، وعن الحنفيَّة: لا يجوز المنُّ أصلًا لا بفداءٍ ولا بغيره. (وَ) في الباب أيضًا (قَوْلُهُ في سورة الأنفال: (﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الاية [الأنفال: ٦٧]) أي: ما صحَّ وما استقام لنبيٍّ من الأنبياء أن يأخذ أسارى ولا يقتلهم، زاد في رواية أبي ذرٍّ وكريمة: «﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾» [الأنفال: ٦٧] يعني: يغلب في الأرض (٤)، وهذا تفسير أبي عبيدة، وعن مجاهدٍ: الإثخان: القتل، وقيل: المبالغة فيه، أي: حتَّى يكثر فيعزَّ الإسلام ويذلَّ الكفر (﴿تُرِيدُونَ (٥) عَرَضَ الدُّنْيَا﴾) حطامها وهو الفداء (الآيَةَ) وتمامها: ﴿وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] يريد لكم ثواب الآخرة، أو سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ﴾ يغلِّب أولياءه على أعدائه ﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم ما يليق بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخان ومنع من الافتداء حين كانت الشَّوكة للمشركين، وخُيِّر بينه وبين المنِّ لمَّا تحوَّلت (٦) الحال وصارت

стр. 6074

الغلبة للمؤمنين. نزلت حين جاؤوا بأسارى بدرٍ، فاستشار ﷺ فيهم، فقال عمر: هم أئمَّة الكفر، والله أغناك عن الفداء فاضرب أعناقهم، وقال أبو بكرٍ: هم قومك وأهلك لعلَّ الله أن يتوب عليهم، خذ منهم فديةً تقوِّي بها أصحابك، فقَبِل الفداء، وعفا عنهم. (١٥١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ لِلأَسِيرِ) في أيدي الكفَّار (أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ) ولأبي ذَرٍّ: «أو يخدع» (الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الكَفَرَةِ؟ فِيهِ المِسْوَرُ) أي: في حكم الباب حديث المسور بن مخرمة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في «صلح الحديبية» [خ¦٢٧٣١] [خ¦٢٧٣٢] وفيه: وعلى أنَّه لا يأتيك منَّا رجلٌ -ولو (٢) كان على دينك- إلَّا رددتَه إلينا … ، إلى أن قال: ثمَّ رجع النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصيرٍ رجلٌ من قريشٍ وهو مسلمٌ، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالا: العهد الَّذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرَّجلين، فخرجا به حتَّى بلغا (٣) ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ (٤) لهم، فقال أبو بصير لأحد الرَّجلين: والله إنِّي لأرى سيفك هذا يا فلانُ جيِّدًا، فاستلَّه الآخر فقال: أجل والله إنَّه لجيِّدٌ، لقد جرَّبت به ثمَّ جرَّبت، فقال أبو بصيرٍ: أرني أنظرْ إليه فأمكنه منه فضربه حتَّى برد، وفرَّ الآخر حتَّى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرًا» فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ قال: قُتِل والله صاحبي وإنِّي لمقتولٌ، فجاء أبو بصيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله أوفى الله إليك ذمَّتك، قد رددتني إليهم، ثمَّ أنجاني (٥) منهم، قال النَّبيُّ (٦) ﷺ : «ويلُ أمِّه مسعر حربٍ لو كان له أحدٌ» فلمَّا سمع ذلك عرف أنَّه سيردُّه إليهم، فخرج حتَّى أتى سيف البحر، قال: وينفلت (٧) منهم أبو جندل بن سُهَيلٍ،

стр. 6075

فلحق بأبي بصيرٍ، فجعل لا يخرج من قريشٍ رجلٌ (١) قد أسلم إلَّا لحق بأبي بصير، حتَّى اجتمعت منهم عصابةٌ، فوالله ما يسمعون بعِيْرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشَّام إلَّا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النَّبيِّ ﷺ تناشده بالله والرَّحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمنٌ، فأرسل النَّبيُّ ﷺ إليهم، فلم ينكر ﷺ على أبي بصيرٍ قتله العامريَّ، ولا أمر فيه بقودٍ ولا ديةٍ، وإنَّما لم يجزم المؤلِّف ﵀ بالحكم لأنَّه اختلف في الأسير يُعَاهِدُ ألَّا يهرب، فقال الشَّافعيُّ والكوفيُّون: لا يلزمه. وقال مالكٌ: يلزمه. وقال ابن القاسم وابن الموَّاز: إِنْ أكرهوه على أن يحلف لم يلزمه لأنَّه مكرهٌ. وقال بعض الفقهاء: لا فرق بين الحلف والعهد، وخروجه عن بلد الكفر واجبٌ، والحجَّة في ذلك فعل أبي بصيرٍ، وتصويب النَّبيِّ ﷺ فعله. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبيُّ: ولا حجَّة فيه لأنَّه ليس فيه (٢) أنَّ أبا بصيرٍ عاهدهم على ذلك، والنَّبيُّ ﷺ إنَّما عاهدهم على ألَّا يخرج معه بأحدٍ منهم ولا يحبسه عنهم، ولا عاهدهم على ألَّا يخرج منهم مَن أسلم، فيلزم ذلك أبا بصيرٍ. (١٥٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ) الرَّجل (المُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ؟) هذا المشرك جزاءً لفعله (٣).

стр. 6076

٣٠١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى) بضمِّ الميم وتشديد اللَّام المفتوحة، ولغير أبي ذرٍّ: «بن أسدٍ» قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ) بضمِّ العين وسكون الكاف: قبيلةٌ معروفةٌ (ثَمَانِيَةً) نصبٌ بدلًا من «رهطًا» أو بيانًا له (قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بالجيم السَّاكنة وفتح المثنَّاة والواو الأولى، من الاجتواء، أي: كرهوا الإقامة بها، أو لم يوافقهم طعامها (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْغِنَا رِسْلًا) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المهملة، أي: اطلب لنا لبنًا (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ) بفتح الذَّال المعجمة، آخره مهملةٌ، ما بين الثَّلاثة (١) إلى العشرة من الإبل (فَانْطَلَقُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا) وللإسماعيليِّ من رواية ثابتٍ: ورجعت إليهم (٢) ألوانهم (وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ) يسارًا غلامَه ﵊ (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ) افتعال من السَّوق وهو السَّير العنيف (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بالصَّاد المهملة والخاء المعجمة، فعيلٌ بمعنى: فاعل، أي: صوت المستغيث (فَبَعَثَ) ﵊ (الطَّلَبَ) في آثارهم، وفي حديث سلمة ابن الأكوع: خيلًا من المسلمين، أميرُهم كُرْز بن جابرٍ الفهريُّ، ولمسلمٍ من رواية معاوية بن قرَّة عن أنسِ بن مالك (٣): أنَّهم شبابٌ من الأنصار، قريبٌ من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائفًا يقتصُّ آثارهم (فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ) بالجيم، أي: ارتفع (حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ) بضمِّ الهمزة وكسر المثنَّاة الفوقيَّة إليه ﵊ (فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) بتشديد الطَّاء في «اليونينيَّة» (٤)، أي: أمر بها فقُطعَت، وظاهره: أنَّه قطع يدي (٥) كلِّ واحدٍ ورجليه، لكن يردُّه رواية التِّرمذيِّ: من خلافٍ، وللمؤلِّف من رواية الأوزاعيِّ [خ¦٦٨٠٢] لم يحسمهم، أي: لم يكوِ ما قطع منهم بالنَّار لينقطع الدَّم، بل تركهم ينزفون (ثُمَّ أَمَرَ) ﵊

стр. 6077

(بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ) بضمِّ الهمزة رباعيَّا وهو المعروف في اللُّغة (فَكَحَلَهُمْ بِهَا) بالتَّخفيف، أي: أمر بذلك، وفي روايةٍ: «فأُكْحِلُوا» بهمزةٍ مضمومةٍ وكسر الحاء، وإنَّما (١) فعل ذلك بهم لما في رواية التَّيميِّ: أنَّهم كانوا فعلوا بالرِّعاء مثل ذلك، وعليه ينزل تبويب البخاريِّ، ولولا ذلك؛ لم يكن ثَمَّ مناسبةٌ، وقيل: إنَّه منسوخٌ (٢) بآيةِ المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الاية [المائدة: ٣٣] قاله الشَّافعيُّ (وَطَرَحَهُمْ بِالحَرَّةِ) بالحاء والرَّاء المهملتَين: أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ معروفة بالمدينة (يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا) استُشكِل: بأنَّ الإجماع -كما قاله القاضي- أنَّ من وجب قتله فاستسقى يُسقى. وأُجيبَ: بأنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّه ﷺ أمر بذلك، ولا أذن فيه، أو أنَّهم بارتدادهم لم يكن لهم حرمةٌ، ولذلك قال أصحابنا: من معه ماءٌ يحتاج إليه لعطشٍ وهناك مرتدٌّ لو لم يسقه مات؛ يتوضَّأ به، ولا يسقيه، بخلاف الذِّمِّيِّ والبهيمة. (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله: (قَتَلُوا، وَسَرَقُوا) لأنَّهم أخذوا اللِّقاح من حِرْز مثلها، وهذا أخذه أبو قلابة استنباطًا، لكنَّه نوزع فيه: بأنَّ هذه ليست سرقةً، وإنَّما هي حرابةٌ (وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ، وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَادًا). (١٥٣) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من سابقه. ٣٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَرَصَتْ) بفتح

стр. 6078

القاف والرَّاء والصَّاد المهملتَين، أي: لدغت (نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ) هو عُزَير. وعند التِّرمذيِّ الحكيم: أنَّه موسى (فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ) موضع اجتماعهنَّ (فَأُحْرِقَتْ) بتاء التَّأنيث، أي: القرية، ولأبي ذَرٍّ: «فأُحرِقَ»، أي: النَّمل، لجواز التَّعذيب بالنَّار وإحراق النَّمل قصاصًا، وهو غير مكلَّفٍ في شرعه، واستُدِلَّ به على جواز حرق الحيوان المؤذي؛ لأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه. نعم، ورد فيه النَّهي عن التَّعذيب بالنَّار إلَّا في القصاص بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النَّمل لحديث ابن عبَّاسٍ في «السُّنن»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن قتل النَّملة والنَّحلة والهدهد والصُّرد (١) (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ) إلى ذلك النَّبيِّ: (أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ) بفتح الهمزة، وبهمزة (٢) الاستفهام مقدَّرة أو ملفوظ بها (أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ الله) تعالى؟ وفي «بدء الخلق» [خ¦٣٣١٩] «فهلَّا نملةً واحدةً» أي: فهلَّا أحرقت نملةً واحدةً وهي الَّتي آذتك، بخلاف غيرها فلم يصدر منها جنايةٌ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لو حرق (٣) الَّتي قرصته لما عوتب، وقيل: لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق، بل في الزِّيادة على النَّملة الواحدة، وهو يدلُّ لجوازه في شرعه، وتُعُقِّب بأنَّه لو كان كذلك لم يعاتَب (٤) أصلًا ورأسًا، أو أنَّه من باب: حسناتُ الأبرار سيِّئاتُ المقرَّبين. وقد رُوِيَ: أنَّ لهذه القصَّة سببًا وهو أنَّ هذا النَّبيَّ مرَّ على قريةٍ أهلكها الله بذنوب أهلها، فوقف متعجِّبًا، فقال: يا ربِّ كان فيهم صبيانٌ ودوابّ ومن لم يقترف ذنبًا، ثمَّ نزل تحت شجرةٍ فجرت له هذه القصَّة، فنبَّهه الله (٥) على أنَّ الجنس المؤذي يُقتل وإن

стр. 6079

لم يؤذِ، وتُقتَل أولاده وإن لم تبلغ الأذى، والحاصل: أنَّه لم يعاتبه (١) إنكارًا لما فعل، بل جوابًا له وإيضاحًا لحكمة شمول الإهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضرب له المثل بذلك، أي: إذا اختلط من يستحقُّ الإهلاك بغيره وتعيَّن إهلاك الجميع طريقًا إلى إهلاك المستحقِّ جاز إهلاك الجميع. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد»، وابن ماجه. (١٥٤) (بابُ) جواز (حَرْقِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ) الَّتي للمشركين، و «حَرْق»: بفتح الحاء وسكون الرَّاء، واعترضه في «فتح الباري»: بأنَّه لا يقال في المصدر: حَرْق، وإنَّما يقال: تحريقٌ وإحراقٌ؛ لأنَّه رباعيٌّ، وقال الزَّركشيُّ: الصَّواب: إحراق، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ في «المشارق»: والحرق يكون من النَّار، والأعرف: الإحراق، فجعل الحرق معروفًا لا خطأً. ٣٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ الأحمسيِّ البجليِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة

стр. 6080

والزَّاي (قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الله الأحمسيُّ ﵁: (قَالَ (١) لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا تُرِيحُنِي) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام وبالرَّاء والحاء (٢) المهملتين، طلبٌ يتضمَّن الأمر بإراحة قلبه المقدَّس (مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟) بالخاء المعجمة واللَّام، بعدها صادٌ مهملةٌ مفتوحاتٍ، أو بفتح أوَّله وسكون ثانيه، أو بضمِّهما، أو بفتحٍ ثمَّ ضمٍّ، والأوَّل أشهر لأنَّه لم يكن شيءٌ أتعب لقلبه ﵊ من بقاء ما يُشرَك به من دون الله، وخُصَّ جريرٌ بذلك لأنَّها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم (٣) (وَكَانَ) ذو الخَلَصَة (بَيْتًا) لصنمٍ (فِي خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلَّثة وفتح العين المهملة كجعفر، قبيلةٌ شهيرةٌ ينتسبون إلى خثعمَ بن أَنْمار -بفتح الهمزة وسكون النُّون- ابن إِرَاشٍ -بكسر الهمزة وتخفيف الرَّاء، آخره شينٌ معجمةٌ- أو اسم البيت الخَلَصَة، واسم الصَّنم ذو الخَلَصَة، وضعَّفه الزَّمخشريُّ: بأنَّ «ذو» لا تضاف إلَّا إلى أسماء الأجناس (يُسَمَّى) أي: ذو الخَلَصَة (كَعْبَةَ اليَمَانِيَةَ) بالتَّخفيف، لأنَّه بأرض اليمن، ضاهوا به الكعبة البيت (٤) الحرام، من إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وجوَّزه الكوفيُّون، وهو عند البصريِّين بتقدير: كعبة الجهة اليمانية (قَالَ) جرير: (فَانْطَلَقْتُ) أي: قبل وفاته ﵊ بشهرين (فِي خَمْسِينَ وَمِئَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الميم، آخره سينٌ مهملةٌ، قبيلة من العرب، وهم إخوة بَجِيلة -بفتح الموحَّدة وكسر الجيم- رهط جريرٍ، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أَنْمار، وبَجَيلة: امرأةٌ تُنسَب (٥) إليها (٦) القبيلة المشهورة (وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ) أي: يثبتون عليها لقوله: (قَالَ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ) ﵊ (فِي صَدْرِي) لأنَّ فيه القلب (حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ) الشَّريفة (فِي صَدْرِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) على الخيل (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) لغيره حال كونه (مَهْدِيًّا) بفتح الميم في نفسه (فَانْطَلَقَ) جريرٌ (إِلَيْهَا) أي: إلى ذي الخلصة (فَكَسَرَهَا) أي: هدم بناءها

стр. 6081

(وَحَرَّقَهَا) بتشديد الرَّاء، بأن رمى النَّار فيما فيها من الخشب (ثُمَّ بَعَثَ) جرير (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يُخْبِرُهُ) بتكسيرها وتحريقها (فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ) هو أبو أرطأة حُصَين بن ربيعة -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين- لرسول الله ﷺ : (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ) بالهمزة والجيم (١) والواو والفاء، أي: صارت كالبعير الخالي الجوف (أَوْ) قال: (أَجْرَبُ) بالرَّاء والموحَّدة، كنايةٌ عن نزع زينتها وإذهاب بهجتها. وقال الخطَّابيُّ: مثْلُ الجمل المطليِّ بالقَطِران من جَرَبه، إشارةٌ إلى ما حصل لها من سواد الإحراق (قَالَ: فَبَارَكَ) ﵊ (فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا) أي: دعا لها بالبركة (خَمْسَ مَرَّاتٍ) مبالغةً، واقتصر على الوتر لأنَّه مطلوبٌ. ٣٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ، ولم يُصِبْ مَن ضعَّفه، قال: (أَخْبَرَنَا (٢) سُفْيَانُ) بن عيينة أو الثَّوريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: حَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بتشديد الرَّاء (نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) قبيلة من اليهود بالمدينة سنة أربعٍ من الهجرة، وخرَّب بيوتهم بعد أن حاصرهم خمسة عشر يومًا، وفيهم نزلت الآيات من سورة الحشر، وفي رواية «المغازي» [خ¦٤٠٣١] عند المؤلِّف قال: حرَّق رسول الله ﷺ نخل بني النَّضير وقطعَ، وهي البويرة، فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ [الحشر: ٥] والبويرة: موضع نخل بني النَّضير، وقوله: «فنزلت» يدلُّ على أنَّ نزول الآية بعد التَّحريق، فيحتمل أن يكون التَّحريق باجتهادٍ أو وحيٍ ثمَّ نزلت، واستدلَّ الجمهور بذلك على جواز التَّحريق والتَّخريب في بلاد العدوِّ إذا تعيَّن طريقًا في نكاية العدوِّ، وخالف (٣) بعضهم فقال: لا يجوز قطع المثمر أصلًا، وحمل ما ورد من ذلك: إمَّا على غير

стр. 6082

المثمر، وإمَّا (١) على أنَّ الشَّجر الَّذي قُطِعَ في قصَّة بني النَّضير كان في الموضع الَّذي يقع فيه القتال، وهذا قول اللَّيث والأوزاعيِّ وأبي ثورٍ. ويأتي الحديث بتمامه إن شاء الله تعالى مع بقيَّة مباحثه في «كتاب المغازي» [خ¦٤٠٣١]. (١٥٥) (بابُ قَتْلِ النَّائِمِ المُشْرِكِ). ٣٠٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام الخفيفة، ابن سعيدٍ الطُّوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) ميمون الهَمْدانيُّ الكوفيُّ القاضي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) زكريَّا الأعمى (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: في رمضان سنة ستٍّ، أو في ذي الحجَّة سنة خمسٍ، أو في

стр. 6083

آخر (١) سنة أربعٍ (رَهْطًا) ما بين الثَّلاثة إلى التِّسعة من الرِّجال، وكانوا (٢) (مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ) عبد الله أو سلام بن أبي الحُقَيق -بضمِّ الحاء (٣) المهملة (٤) وفتح القاف الأولى- اليهوديِّ، وكان قد حزَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ (لِيَقْتُلُوهُ) بسبب ذلك (فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) هو عبد الله بن عَتِيكٍ -بفتح العين المهملة وكسر المثنَّاة الفوقيَّة- الأنصاريُّ (فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ) بخيبرَ، أو بأرض الحجاز، وجمع بينهما بأن يكون حصنه (٥) كان قريبًا من خيبر في طرف أرض الحجاز (قَالَ) عبد الله بن عَتيك: (فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ) بفتح الميم وكسر الموحدة (دَوَابَّ لَهُمْ، قَالَ: وَأَغْلَقُوا بَابَ الحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا) بفتح القاف (٦) (حِمَارًا لَهُمْ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ أُرِيهِمْ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، من الإراءة (أَنَّنِي) بفتح الهمزة والنُّون الأولى المشدَّدة وكسر الثَّانية، ولأبي ذَرٍّ: «أَنِّي» بنونٍ واحدةٍ مكسورةٍ مشدَّدةٍ (أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الحِمَارَ، فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ) معهم (وَأَغْلَقُوا باب الحِصْنِ لَيْلًا، فَوَضَعُوا المَفَاتِيحَ فِي كَُوَّةٍ) بفتح الكاف وضمِّها وتشديد الواو: ثقبٌ (٧) في جدار البيت (حَيْثُ أَرَاهَا) بفتح الهمزة (فَلَمَّا نَامُوا أَخَذْتُ المَفَاتِيحَ، فَفَتَحْتُ بَابَ) مكان من (الحِصْنِ) الَّذي (٨) فيه أبو رافعٍ (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ) لأتحقَّق أنَّه هو خوفًا من أن أقتل غيره ممَّن لا غرض لي في قتله (فَأَجَابَنِي، فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ) أي: اعتمدت جهة الصَّوت لأنَّ الموضع كان مظلمًا (فَضَرَبْتُهُ) عند وصولي إليه (فَصَاحَ، فَخَرَجْتُ) من عنده (ثُمَّ جِئْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ) إليه (٩)، ولأبي ذَرٍّ: «فخرجتُ ثمَّ رجعتُ» (كَأَنِّي مُغِيثٌ) له (فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ -وَغَيَّرْتُ صَوْتِي- فَقَالَ: مَا لَكَ؟)

стр. 6084

«ما» استفهاميَّةٌ، مبتدأٌ، وخبره «لك» (لأُمِّكَ الوَيْلُ) القياس أن يقول (١): على أمِّك الويل، وذكر اللَّام (٢) لإرادة الاختصاص (قُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي. قَالَ: فَوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ) أي: تكلَّفته (٣) على مشقَّةٍ (حَتَّى قَرَعَ العَظْمَ) أي: أصابه (ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشٌ) بفتح الدَّال وكسر الهاء، صفةٌ مشبَّهةٌ، أي: متحيِّرٌ، والجملة حاليَّةٌ، وهذا يقتضي أنَّ الفاعل لذلك كلِّه عبد (٤) الله بن عَتيكٍ، لكن عند ابن هشامٍ عن الزُّهريِّ عن عبد الله بن (٥) كعب بن مالكٍ: أنَّه خرج إليه خمسة نفرٍ: عبد الله بن عتيكٍ، ومسعود بن سنانٍ، وعبد الله بن أنيسٍ، وأبو قتادة الحارث بن رِبعيٍّ، وخزاعيُّ بن أسودَ حليفٌ لهم مِن أَسْلم، وأمَّر عليهم عبد الله بن عَتيكٍ، وأنَّهم لمَّا دخلوا عليه ابتدروه بأسيافهم، وأنَّ عبد الله بن أنيس (٦) تحامل عليه بسيفه في بطنه حتَّى أنفذه، وهو يقول: قَطْني قَطْني، أي: حسبي، لكن ما في البخاريِّ أصحُّ. قال عبد الله بن عَتيك: (فَأَتَيْتُ سُلَّمًا لَهُمْ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام المشدَّدة (لأَنْزِلَ مِنْهُ) بفتح الهمزة (فَوَقَعْتُ فَوُثِئَتْ) بضمِّ الواو وكسر المثلَّثة وهمزةٍ مفتوحةٍ مبنيًّا للمفعول، أي: أصاب عظم (رِجْلِي) شيءٌ لا يبلغ الكسر كأنَّه فكٌّ، وإنَّما وقع من الدَّرجة؛ لأنَّه كان ضعيف البصر (فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ) لهم: (مَا أَنَا بِبَارِحٍ) بموحَّدتين فألفٍ فراءٍ فحاءٍ مهملةٍ، أي: بذاهبٍ (حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ) بالنُّون وكسر العين، أي: المخبرة بموته، ولأبي ذَرٍّ: «الواعية» بالواو بدل النُّون، أي: الصَّارخة الَّتي تندب القتيل، والوعي الصَّوت (فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا (٧) أَبِي رَافِعٍ) بفتح النُّون والعين، وبعد المثنَّاة التَّحتيَّة ألفٌ، وقولُ

стр. 6085

الخطَّابيِّ: «كذا رُوِيَ، وحقُّه: نَعاءِ أبا رافع (١)، أي: انعوا أبا رافعٍ كقولهم: دَراكِ بمعنى: أدركْ» تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا قدحٌ في الرِّواية الصَّحيحة بوهمٍ يقع في الخاطر، فالنَّعايا هنا: جمع نَعيٍّ كصفيٍّ وصفايا، والنَّعي خبر الموت، أي: فما برحت حتَّى سمعت الأخبار مصرِّحةً بموت أبي رافعٍ (تَاجِرِ أَهْلِ الحِجَازِ) فيه قبول خبر (٢) الواحد في الوفاة بقرائن الأحوال، ولو كان القائل (٣) كافرًا لأنَّ (٤) المحكَّمَ القرينةُ لا القول (قَالَ: فقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ) بالقاف واللَّام والموحَّدة المفتوحات، أي: ما بقي علَّةٌ أو داءٌ (٥) تُقلَب له رجلي لتُعَالجَ (حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ) بموت أبي رافعٍ. فإن قلت: من أين تؤخَذ المطابقة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجيبَ: بأنَّه إنَّما قصد أبا رافعٍ وهو نائمٌ، وإنَّما أيقظه ليعلم مكانه بصوته، فكان حكمه حكمَ النَّائم لأنَّه حينئذٍ استمرَّ على خبال نومه، لأنَّه بعد أن ضربه لم يفرَّ من مكانه، ولا تحوَّل من (٦) مضجعه حتَّى عاد إليه فقتله، على أنَّه قد صُرِّح في الحديث الآتي [خ¦٣٠٢٣] بأنَّه قتله في حالة النَّوم. انتهى. وفي الحديث جواز التَّجسُّس على المشركين، وجواز قتل المشرك بغير دعوةٍ إذا كان قد بلغته قبل ذلك، وقتله إذا كان نائمًا مع تحقُّق استمراره على الكفر واليأس من فلاحه بالوحي أو القرائن (٧) الدَّالَّة على ذلك، وأخرج الحديثَ المؤلِّفُ أيضًا مختصرًا هنا [خ¦٣٠٢٣] وفي «المغازي» [خ¦٤٠٣٨].

стр. 6086

٣٠٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) هو ابن سليمان القرشيُّ المخزوميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو يحيى بن زكريَّا بن أبي زائدة، وسقط لفظ «يحيى» لأبي ذَرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) زكريَّا (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ الكوفيِّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا) بفتح الرَّاء وسكون الهاء (مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ) بالعين المهملة (بَيْتَهُ) الَّذي هو فيه من الحصن، وللحَمُّويي والمُستملي: «بيَّته» بتشديد المثنَّاة التحتية المفتوحة بعد الموحَّدة، من التَّبييت، أي: حال كونه قد بيَّته (لَيْلًا، فَقَتَلَهُ وَهْوَ نَائِمٌ) صُرِّح بأنَّ ابن عتيكٍ هو الَّذي قتله، وأنَّه كان نائمًا كما نبَّه عليه قريبًا. (١٥٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ) بإسقاط إحدى التَّاءين من «تمنَّوا» تخفيفًا. ٣٠٢٤ - ٣٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن عيسى المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ

стр. 6087

اليَرْبُوعِيُّ) الخيَّاط الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّدٍ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي وكسر الرَّاء (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن أبي (١) أميَّة (أَبُو النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما، التَّيميُّ (٢) المدنيُّ وكان أميرًا على حرب الخوارج قال: (كُنْتُ كَاتِبًا لَهُ) أي: لعمر بن عبيد الله، لا لعبد الله بن أبي أوفى (قَالَ) أي: سالمٌ: (كَتَبَ إِلَيْهِ) أي: إلى عمر بن عبيد الله التَّيميِّ (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء، بينهما واوٌ ساكنةٌ، وفي نسخةٍ: «قال: كنت كاتبًا لعمر بن عُبيد الله، فأتاه كتاب عبد الله بن أبي أوفى» (حِينَ خَرَجَ إِلَى الحَرُورِيَّةِ) بفتح الحاء المهملة (فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ انْتَظَرَ) خبرُ «إنَّ» (حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ) عن خطِّ وسط السَّماء. (ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَقَالَ): يا (٣) (أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ) بحذف إحدى تاءي «تمنَّوا». فإن قلت: تمنِّي لقاء العدوِّ جهادٌ، والجهاد طاعةٌ، فكيف ينهى عن الطَّاعة؟ أُجيبَ: بأن المرء لا يدري ما يؤول إليه الحال، وقصَّة الرَّجل الَّذي أثخنته (٤) الجراح في غزوة خيبر وقتْلِ نفسِه حتَّى آل أمرُهُ أَن كان من أهل النَّار شاهدةٌ لذلك، وقد روى سعيد بن منصورٍ من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ (٥) مرسلًا: «لا تمنَّوا لقاء العدوِّ، فإنَّكم لا تدرون عسى أن تُبتَلَوا بهم (٦)» أو النَّهي لما في

стр. 6088

التَّمنِّي من صورة الإعجاب والاتِّكال على النُّفوس، والوثوق بالقوَّة وقلَّة الاهتمام بالعدوِّ، وتمنِّي الشَّهادة ليس مستلزمًا لتمنِّي لقاء العدوِّ، فيجوز، وتمنِّي (١) لقاء العدوِّ جهادٌ أو مستلزمٌ له، وتمنِّي الجهاد مستلزمٌ للقاء العدوِّ، وهو يتضمَّن الضَّرر المذكور، ولذا تمَّمه ﵊ بقوله: (وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ) من هذه المخاوف المتضمِّنة للقاء العدوِّ، وهو نظير سؤال العافية (٢) من الفتن، وقد قال الصِّدِّيق الأكبر أبو بكرٍ ﵁: لأنْ أُعافى فأشكرَ أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبرَ، وهل يُؤخذ منه منع طلب المبارزة لأنَّه من تمنِّي لقاء العدوِّ، ومن ثمَّ قال عليٌّ لابنه: يا بنيَّ لا تَدْعُ أحدًا إلى المبارزة، ومَن دعاك إليها فاخرج إليه لأنَّه باغٍ، والله قد ضمن نصر من بُغِيَ عليه، ولطلب المبارزة شروطٌ معروفةٌ في الفقه إذا اجتمعت أُمِن معها المحذُور في لقاء العدوِّ المنهيُّ عن تمنِّيه (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) أي: اثبتوا، ولا تظهروا التَّألُّم من شيءٍ يحصل لكم، فالصَّبر في القتال: هو كظم ما يُؤلِم من غير إظهار شكوى ولا جزعٍ، وهو الصَّبر الجميل (وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ) أي: ثوابها (تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) وقال النَّوويُّ: معناه: أنَّ الجهاد وحضور معركة الكفَّار طريقٌ إلى الجنَّة، وسببٌ لدخولها (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ) يا (مُنْزِلَ الكِتَابِ) الفرقان أو سائر الكتب السَّماويَّة (وَ) يا (مُجْرِيَ السَّحَابِ) بنزول الغيث بقدرته (وَ) يا (هَازِمَ الأَحْزَابِ) وحده، إشارةٌ إلى تفرُّده بالنَّصر، وهزم ما يجتمع من أحزاب العدوِّ (اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ) وفي رواية الإسماعيليِّ في هذا الحديث من وجهٍ آخرَ: أنَّه ﷺ دعا أيضًا فقال: «اللَّهمَّ أنت ربُّنا وربُّهم، ونحن عبيدك، وهم عبيدك (٣)، نواصينا ونواصيهم بيدك، فاهزمهم وانصرنا عليهم».

стр. 6089

(وَقَالَ مُوسَى بن عُقْبَة) بالإسناد المذكور، وكأنَّ المؤلِّف رواه بالإسناد الواحد مطوَّلًا ومختصرًا: (حدَّثني) بالإفراد (سالمٌ أبو النَّضر) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وسقط عند غيره من قوله «مولى عمر بن عبيد الله (١)» إلى هنا، وساق في رواية أبي ذرٍّ الحديث كالباقين (كُنتُ كاتِبًا لِعُمَرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ) صريحٌ في أنَّ سالمًا كاتبُ عمر بن عبيد الله، وهو يردُّ على العينيِّ كالحافظ ابن حجرٍ حيث رجَّعا الضَّمير في قوله في «باب الجنَّة تحت بارقة السُّيوف» [خ¦٢٨١٨] عن سالمٍ أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله -وكان كاتبًا له- إلى عبد الله بن أبي أوفى (فأتاه) أي: عمر بن عبيد الله (كتابُ عبدِ الله بنِ أبي أَوفَى ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لا تمنَّوا لِقاءَ العَدوِّ) بحذف إحدى تاءي «تمنَّوا». ٣٠٢٦ - (وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ البصريُّ العقديُّ -لا عبد الله بن برَّاد- ممَّا وصله مسلمٌ: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحزاميُّ (٢) (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَمَنَّوْا) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا، ولأبي ذَرٍّ: «لا تتمنَّوا» بإثباتها (لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) لأنَّ مع الصَّبر يبقى الثَّبات، ويُرجى النَّصر. (١٥٧) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (الحَرْبُ خَدْعَةٌ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدَّال المهملة كما في الفرع وأصله (٤) وهي الأفصح، وجزم بها أبو ذرٍّ الهرويُّ والقزَّاز، وقال ثعلب: بلغنا أنَّها لغة

стр. 6090

النَّبيِّ (١) ﷺ ، وللأَصيليِّ فيما (٢) قاله في «الفتح»: «خُدْعة» بضمِّ الخاء مع سكون الدَّال، وجوَّز: «خُدَعة» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه كهُمَزَة ولُمَزَةٍ، وهي صيغة مبالغةٍ، وحكى المنذريُّ: «خَدَعة» بفتح الأوَّل والثَّاني، جمع خادعٍ. وحكى مكيٌّ وغيره: «خِدْعة» بكسر أوَّله وسكون ثانيه فهي خمسة، ومعنى الإسكان: أنَّها تخدع أهلها، من وصف الفاعل باسم المصدر، أو وصف المفعول، كـ: هذا الدِّرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه، وعن الخطَّابيِّ: أنَّها المرَّة الواحدة، يعني: أنَّه إذا خدع مرَّةً واحدةً لم تُقَلْ عثرته، ومعنى الضَّمِّ مع السُّكون: أنَّها تخدع الرِّجال، أي: هي محلُّ الخداع وموضعه، ومع فتح الدَّال، أي: تخدع الرِّجال تُمنِّيهم الظَّفر، ولا تفي لهم كالضّحكة إذا كان يضحك بالنَّاس، وقيل: الحكمة في الإتيان بالتَّاء الدَّلالة على الوحدة (٣)، فإنَّ الخداع إن كان من المسلمين فكأنَّه حضَّهم على ذلك ولو مرَّة واحدةً، وإن كان من الكفَّار فكأنَّه حذَّرهم من مكرهم ولو وقع مرَّةً واحدةً، فلا ينبغي التَّهاون بهم لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قلَّ. ٣٠٢٧ - ٣٠٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ (٤) (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: هَلَكَ) أي: مات (كِسْرَى) بكسر الكاف وقد تُفتَح، معرَّب خسرو (٥)، أي: واسع الملك، وهو اسمٌ لكلِّ مَن ملك الفرس (ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ) بالعراق، وفي روايةٍ: «إذا هلك كسرى … » إلى آخره، قال القرطبيُّ: وبين رواية «هلك» و «إذا هلك» بَونٌ، ويمكن الجمع بأن

стр. 6091

يكون أبو هريرة سمع أحد اللَّفظين قبل أن يموت كسرى والآخرَ بعد ذلك (١)، قال: ويحتمل أن يقع التَّغاير بالموت والهلاك (٢)، فقوله: «إذا هلك كسرى» أي: هلك ملكه وارتفع، وقوله: «مات كسرى ثم لا يكون كسرى بعده» المراد به (٣): كسرى حقيقةً، أو المراد بقوله: «هلك كسرى»: تحقُّق (٤) وقوع ذلك حتَّى عبَّر عنه بلفظ الماضي، وإن كان (٥) لم يقع بعدُ للمبالغة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] (وَقَيْصَرُ) بغير صرفٍ للعُجْمة (٦) والعلميَّة، ونُوِّن في الفرع وصُحِّح عليه، مبتدأٌ خبره: (لَيَهْلِكَنَّ) بفتح الياء وكسر اللَّام الثَّانية، وفي الفرع كأصله: «وقيصرٌ» بالتَّنوين مصحَّحٌ عليه، وفي نسخةٍ: «ولا قيصرٌ ليهلكنَّ» بالصَّرف بعد النَّفي لزوال العلميَّة بالتَّنكير (ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ) بالشَّام. قال إمامنا الشَّافعيُّ: وسبب الحديث أنَّ قريشًا كانت تأتي الشَّام والعراق كثيرًا للتِّجارة في الجاهليَّة، فلمَّا أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم بالإسلام، فقال ﵊: «لا كسرى ولا قيصر بعدهما» بهذين الإقليمين، ولا ضرر عليكم، فلم يكن قيصرٌ بعده بالشَّام، ولا كسرى بالعراق (٧)، ولا يكون (وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُمَا) أي: مالهما المدفون وكلُّ ما (٨) يُجمَع ويُدَّخر، وسقطت ميم «كنوزهما» في (٩) الفرع وأصله (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، «ولتُقْسَمَنَّ» بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح السِّين والميم وتشديد النُّون مبنيًّا للمفعول. (وَسَمَّى) النَّبيُّ (١٠) ﷺ (الحَرْبَ: خَُدْعَةً) في غزوة الخندق لمَّا بعث نُعيم بن مسعودٍ

стр. 6092

يُخذِّل بين قريشٍ وغطفان واليهود، قاله الواقديُّ، وتكون بالتَّورية وبالكَمين وبخلْف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرَّم، وقال النَّوويُّ: اتَّفقوا على جواز خداع الكفَّار في الحرب كيف ما أمكن، إلَّا أن يكون فيه نقض عهدٍ أو أمانٍ فلا يجوز. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ. ٣٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ) بفتح الهمزة وسكون الصَّاد المهملة (١)، وبعد الرَّاء المفتوحة ميمٌ، ولأبي الوقت: «أبو بكرٍ بُوْر» بضمِّ الموحَّدة، وبعد الواو السَّاكنة راءٌ، وهو اسمه، ولأبي ذَرٍّ: «اسمه: بُوْر المروزيُّ» واقتصر في رواية أبي الوقت على قوله: «بُوْر» (٢)، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بضمِّ الميم وفتح النُّون وتشديد الموحَّدة المكسورة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الحَرْبَ خَُدْعَةً) وهذه طريقٌ (٣) ثانيةٌ لحديث أبي هريرة. ٣٠٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ (٤) عَنْهُما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الحَرْبُ خَُدْعَةٌ) وفيه كالسَّابق الإشارة إلى استعمال الرَّأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشَّجاعة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».

стр. 6093

(١٥٨) (بابُ) حكم (الكَذِبِ فِي الحَرْبِ). ٣٠٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟) بالشِّين المعجمة، اليهوديِّ القرظيِّ (فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ) أي: آذى رسول الله، وأذاه (١) لرسول الله هو أذى (٢) لله لأنَّه لا يرضى به (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، الأنصاريُّ: (أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ) بهمزة الاستفهام، و «أن» مصدريَّةٌ، أي: أتحبُّ قتله (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) زاد في رواية الباب اللَّاحق [خ¦٣٠٣٢] قال: فائذن لي فأقول، قال: «قد فعلت»، وبهذه الزِّيادة تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، فإنَّه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحًا وتلويحًا (قَالَ) جابر: (فَأَتَاهُ) أي: فأتى محمَّدُ بن مسلمة كعبًا (فَقَالَ) له: (إِنَّ هَذَا -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا) بفتح العين والنُّون المشدَّدة (٣)، أتعبنا بما كلَّفنا به من الأوامر والنَّواهي الَّتي فيها تعبٌ، لكنَّه في مرضات الله، وهذا من التَّعريض الجائز (وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ) بفتح اللَّام، و «الصَّدقةَ» مفعولٌ ثانٍ، أي: طلبها منَّا ليضعها مواضعها (قَالَ) كعبٌ: (وَأَيْضًا

стр. 6094

وَاللهِ) بعد ذلك (لَتَمَلُّنَّهُ) بفتح اللَّام والفوقيَّة والميم وضمِّ اللَّام المشدَّدة، أي: تزيد ملالتكم وتتضجَّرون منه أكثر وأزيد من ذلك، وسقط لأبي ذَرٍّ «لَتَمَلُّنَّه» (قَالَ) محمَّد بن مسلمة: (فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ (١) إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ) محمَّد (٢) بن مسلمة (يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ) في السَّنة الثَّالثة من الهجرة، وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ ، وفيه تجويز (٣) الكذب في الحرب تعريضًا، وهل يجوز تصريحًا؟ نعم، تضمَّنت الزِّيادة المنبَّه عليها آنفًا التَّصريح، وأصرحُ منها ما في التِّرمذيِّ من حديث أسماء بنت يزيدَ مرفوعًا: «لا يحلُّ الكذب إلَّا في ثلاثٍ: يحدِّث (٤) الرَّجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين النَّاس». قال النَّوويُّ: الظَّاهر إباحةُ حقيقة (٥) الكذب في الأمور الثَّلاثة، لكنَّ التَّعريض أَولى. وهذا الحديث قد مرَّ في «باب رهن السِّلاح» [خ¦٢٥١٠]. (١٥٩) (بابُ) جواز (الفَتْكِ) بفتح الفاء وسكون الفوقيَّة، آخره كافٌ (بِأَهْلِ الحَرْبِ) أي: قتلهم على (٦) غفلةٍ. ٣٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁

стр. 6095

(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟) زاد في الرِّواية الأولى [خ¦٣٠٣١] «فإنَّه قد آذى الله ورسوله» (فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) الأنصاريُّ أخو بني عبد الأشهل: (أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟) زاد ابن إسحاق: أنا له يا رسول الله (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَائْذَنْ لِي فَأَقُولَ) بالنَّصب، أي: عنِّي وعنك ما رأيته مصلحةً من التَّعريض، وغيره ممَّا لم يحقَّ باطلًا ولم يبطل حقًّا (قَالَ) ﵊: (قَدْ فَعَلْتُ) أي: أَذِنْتُ. وهذا مختصرٌ (١) من الحديث السَّابق، ووجه المطابقة بينه وبين التَّرجمة من معناه لأنَّ ابن مسلمة غرَّ ابن الأشرف وقتله، وهو الفتك على ما تقرَّر. فإن قلت: كيف قتله بعد أن غرَّه (٢)؟ فالجواب: لأنَّه نقض العهد، وأعان على حرب النَّبيِّ ﷺ وهجاه. فإن قلت: كيف أمَّنه ثمَّ قتله؟ أُجيبَ: بأنَّه لم يصرِّح له بالتَّأمين، وإنَّما أوهمه بذلك، وآنسه حتَّى تمكَّن من قتله. (١٦٠) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الاِحْتِيَالِ، وَالحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشَى) بالتَّحتيَّة والفوقيَّة (مَعَرَّتَهُ) بفتح الميم والعين المهملة والرَّاء المشدَّدة والنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «تُخشى» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «معرَّتُه» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، أي: فساده وشرُّه. ٣٠٣٣ - (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «عبد الله» (أَنَّهُ قَالَ:
следующие страницы →