يكون أبو هريرة سمع أحد اللَّفظين قبل أن يموت كسرى والآخرَ بعد ذلك (١)، قال: ويحتمل أن يقع التَّغاير بالموت والهلاك (٢)، فقوله: «إذا هلك كسرى» أي: هلك ملكه وارتفع، وقوله: «مات كسرى ثم لا يكون كسرى بعده» المراد به (٣): كسرى حقيقةً، أو المراد بقوله: «هلك كسرى»: تحقُّق (٤) وقوع ذلك حتَّى عبَّر عنه بلفظ الماضي، وإن كان (٥) لم يقع بعدُ للمبالغة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] (وَقَيْصَرُ) بغير صرفٍ للعُجْمة (٦) والعلميَّة، ونُوِّن في الفرع وصُحِّح عليه، مبتدأٌ خبره: (لَيَهْلِكَنَّ) بفتح الياء وكسر اللَّام الثَّانية، وفي الفرع كأصله: «وقيصرٌ» بالتَّنوين مصحَّحٌ عليه، وفي نسخةٍ: «ولا قيصرٌ ليهلكنَّ» بالصَّرف بعد النَّفي لزوال العلميَّة بالتَّنكير (ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ) بالشَّام. قال إمامنا الشَّافعيُّ: وسبب الحديث أنَّ قريشًا كانت تأتي الشَّام والعراق كثيرًا للتِّجارة في الجاهليَّة، فلمَّا أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم بالإسلام، فقال ﵊: «لا كسرى ولا قيصر بعدهما» بهذين الإقليمين، ولا ضرر عليكم، فلم يكن قيصرٌ بعده بالشَّام، ولا كسرى بالعراق (٧)، ولا يكون (وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُمَا) أي: مالهما المدفون وكلُّ ما (٨) يُجمَع ويُدَّخر، وسقطت ميم «كنوزهما» في (٩) الفرع وأصله (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، «ولتُقْسَمَنَّ» بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح السِّين والميم وتشديد النُّون مبنيًّا للمفعول.
(وَسَمَّى) النَّبيُّ (١٠) ﷺ (الحَرْبَ: خَُدْعَةً) في غزوة الخندق لمَّا بعث نُعيم بن مسعودٍ
стр. 6092
يُخذِّل بين قريشٍ وغطفان واليهود، قاله الواقديُّ، وتكون بالتَّورية وبالكَمين وبخلْف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرَّم، وقال النَّوويُّ: اتَّفقوا على جواز خداع الكفَّار في الحرب كيف ما أمكن، إلَّا أن يكون فيه نقض عهدٍ أو أمانٍ فلا يجوز.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
٣٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ) بفتح الهمزة وسكون الصَّاد المهملة (١)، وبعد الرَّاء المفتوحة ميمٌ، ولأبي الوقت: «أبو بكرٍ بُوْر» بضمِّ الموحَّدة، وبعد الواو السَّاكنة راءٌ، وهو اسمه، ولأبي ذَرٍّ: «اسمه: بُوْر المروزيُّ» واقتصر في رواية أبي الوقت على قوله: «بُوْر» (٢)، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بضمِّ الميم وفتح النُّون وتشديد الموحَّدة المكسورة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الحَرْبَ خَُدْعَةً) وهذه طريقٌ (٣) ثانيةٌ لحديث أبي هريرة.
٣٠٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ (٤) عَنْهُما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الحَرْبُ خَُدْعَةٌ) وفيه كالسَّابق الإشارة إلى استعمال الرَّأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشَّجاعة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
стр. 6093
(١٥٨) (بابُ) حكم (الكَذِبِ فِي الحَرْبِ).
٣٠٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟) بالشِّين المعجمة، اليهوديِّ القرظيِّ (فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ) أي: آذى رسول الله، وأذاه (١) لرسول الله هو أذى (٢) لله لأنَّه لا يرضى به (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، الأنصاريُّ: (أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ) بهمزة الاستفهام، و «أن» مصدريَّةٌ، أي: أتحبُّ قتله (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) زاد في رواية الباب اللَّاحق [خ¦٣٠٣٢] قال: فائذن لي فأقول، قال: «قد فعلت»، وبهذه الزِّيادة تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، فإنَّه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحًا وتلويحًا (قَالَ) جابر: (فَأَتَاهُ) أي: فأتى محمَّدُ بن مسلمة كعبًا (فَقَالَ) له: (إِنَّ هَذَا -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا) بفتح العين والنُّون المشدَّدة (٣)، أتعبنا بما كلَّفنا به من الأوامر والنَّواهي الَّتي فيها تعبٌ، لكنَّه في مرضات الله، وهذا من التَّعريض الجائز (وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ) بفتح اللَّام، و «الصَّدقةَ» مفعولٌ ثانٍ، أي: طلبها منَّا ليضعها مواضعها (قَالَ) كعبٌ: (وَأَيْضًا
стр. 6094
وَاللهِ) بعد ذلك (لَتَمَلُّنَّهُ) بفتح اللَّام والفوقيَّة والميم وضمِّ اللَّام المشدَّدة، أي: تزيد ملالتكم وتتضجَّرون منه أكثر وأزيد من ذلك، وسقط لأبي ذَرٍّ «لَتَمَلُّنَّه» (قَالَ) محمَّد بن مسلمة: (فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ (١) إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ) محمَّد (٢) بن مسلمة (يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ) في السَّنة الثَّالثة من الهجرة، وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ ، وفيه تجويز (٣) الكذب في الحرب تعريضًا، وهل يجوز تصريحًا؟ نعم، تضمَّنت الزِّيادة المنبَّه عليها آنفًا التَّصريح، وأصرحُ منها ما في التِّرمذيِّ من حديث أسماء بنت يزيدَ مرفوعًا: «لا يحلُّ الكذب إلَّا في ثلاثٍ: يحدِّث (٤) الرَّجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين النَّاس». قال النَّوويُّ: الظَّاهر إباحةُ حقيقة (٥) الكذب في الأمور الثَّلاثة، لكنَّ التَّعريض أَولى.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب رهن السِّلاح» [خ¦٢٥١٠].
(١٥٩) (بابُ) جواز (الفَتْكِ) بفتح الفاء وسكون الفوقيَّة، آخره كافٌ (بِأَهْلِ الحَرْبِ) أي: قتلهم على (٦) غفلةٍ.
٣٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁
стр. 6095
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟) زاد في الرِّواية الأولى [خ¦٣٠٣١] «فإنَّه قد آذى الله ورسوله» (فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) الأنصاريُّ أخو بني عبد الأشهل: (أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟) زاد ابن إسحاق: أنا له يا رسول الله (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَائْذَنْ لِي فَأَقُولَ) بالنَّصب، أي: عنِّي وعنك ما رأيته مصلحةً من التَّعريض، وغيره ممَّا لم يحقَّ باطلًا ولم يبطل حقًّا (قَالَ) ﵊: (قَدْ فَعَلْتُ) أي: أَذِنْتُ.
وهذا مختصرٌ (١) من الحديث السَّابق، ووجه المطابقة بينه وبين التَّرجمة من معناه لأنَّ ابن مسلمة غرَّ ابن الأشرف وقتله، وهو الفتك على ما تقرَّر. فإن قلت: كيف قتله بعد أن غرَّه (٢)؟ فالجواب: لأنَّه نقض العهد، وأعان على حرب النَّبيِّ ﷺ وهجاه. فإن قلت: كيف أمَّنه ثمَّ قتله؟ أُجيبَ: بأنَّه لم يصرِّح له بالتَّأمين، وإنَّما أوهمه بذلك، وآنسه حتَّى تمكَّن من قتله.
(١٦٠) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الاِحْتِيَالِ، وَالحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشَى) بالتَّحتيَّة والفوقيَّة (مَعَرَّتَهُ) بفتح الميم والعين المهملة والرَّاء المشدَّدة والنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «تُخشى» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «معرَّتُه» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، أي: فساده وشرُّه.
٣٠٣٣ - (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «عبد الله» (أَنَّهُ قَالَ:
стр. 6096
انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهة (ابْنِ صَيَّادٍ فَحُدِّثَ بِهِ) بضمِّ الحاء وكسر الدَّال مبنيًّا للمفعول، أي: فأُخبِر بابن صيَّادٍ والحال أنَّه (فِي نَخْلٍ) بالنُّون والخاء المعجمة (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ طَفِقَ) جعل ﵊ (يَتَّقِي) يخفي نفسه (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) حتَّى لا يراه ابن صيَّادٍ. قال العينيُّ: وهذا احتيالٌ وحذرٌ؛ لأنَّ أمَّ ابن صيَّادٍ ممَّن يُخشى معرَّتُه (وَابْنُ صَيَّادٍ فِي قَطِيفَةٍ) كساء له (١) خمل (لَهُ فِيهَا) أي: لابن صيَّادٍ في القطيفة (رَمْرَمَةٌ) براءين مهملتَين وميمَين، أي: صوتٌ (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا صَافِ) بكسر الفاء وأوَّله صادٌ مهملةٌ، وهو اسم ابن صيَّادٍ (هَذَا مُحَمَّدٌ، فَوَثَبَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ) أي: أمُّه بحيث لا يعرف بقدومه ﷺ (بَيَّنَ) لكم باختلاف كلامه ما يهوِّن عليكم أمره، ويظهر حاله.
(١٦١) (بابُ) إنشاد (الرَّجَزِ فِي الحَرْبِ وَ) ما (٢) جاء في (رَفْعِ الصَّوْتِ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ) يوم الأحزاب (فِيهِ) أي: في هذا الباب (سَهْلٌ) بفتح السِّين وسكون الهاء، ابن سعدٍ السَّاعديُّ ممَّا وصله في «غزوة الخندق» [خ¦٤٠٩٨] (وَأَنَسٌ) ممَّا سبق موصولًا في «حفر الخندق» [خ¦٢٨٣٥] كلاهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفيه: «اللهمَّ لا عيش إِلَّا عيش الآخره» (وَفِيهِ) أيضًا (يَزِيدُ) بن أبي عبيد (عَنْ) مولاه (سَلَمَةَ) ابن الأكوع ممَّا سيأتي في «غزوة خيبر» [خ¦٤١٩٦] وفيه: «اللَّهمَّ لولا أنت ما اهتدينا».
стр. 6097
٣٠٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ (١)) سلَّام بن سُليمٍ الحنفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ: «رأيت رسول الله» (¬ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ) الواو للحال (حَتَّى وَارَى) أي: ستر (التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ) الشَّريف (وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ، وَهْوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحة): الأنصاريِّ البدريِّ النَّقيب الشَّاعر، وسقط لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والحَمُّويي لفظ «ابن رواحة» (اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا. وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا. فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا. وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا. إِنَّ الَاعْدَاءَ) بفتح اللَّام وسكون العين، آخره همزٌ ممدودًا (قَدْ بَغَوْا) أي: استطالوا (عَلَيْنَا. إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) من الإباء وهو الامتناع (يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ) حالٌ من قوله: «وهو يرتجز».
وهذا الحديث قد سبق في «باب حفر الخندق» [خ¦٢٨٣٦].
(١٦٢) (بابُ مَنْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ).
стр. 6098
٣٠٣٥ - ٣٠٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ الأحمسيِّ البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابن عبد الله الأحمسيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: ما منعني ممَّا التمست منه أو من دخول منزله، ولا يلزم منه النَّظر إلى أمَّهات المؤمنين ﵅ (مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «في وجهه» وهو التفاتٌ من التَّكلُّم إلى الغيبة. (وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي) لأنَّه محلُّ القلب، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «في صدره» وهو على (١) طريق الالتفات كالسَّابق (وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) لغيره حال كونه (مَهْدِيًّا) بفتح الميم، في نفسه، قال ابن بطَّالٍ: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ لأنَّه لا يكون هاديًا لغيره إِلَّا بعد أن يهتدي هو، فيكون مهديًّا. انتهى. وأُجيبَ: بأنَّه (٢) حالٌ من الضَّمير، فلا تقديم ولا تأخير، وأيضًا فليس هنا صيغة ترتيبٍ.
(١٦٣) (بابُ دَوَاءِ الجَرْحِ) بفتح الجيم (بِإِحْرَاقِ الحَصِيرِ) وحشوه به (وَغَسْلِ المَرْأَةِ عَنْ أَبِيهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَمْلِ المَاءِ فِي التُّرْسِ) لأجل ذلك.
стр. 6099
٣٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ الأعرجُ (قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) الأنصاريَّ (¬﵁: بِأَيِّ شَيْءٍ) الجارُّ متعلِّقٌ بـ «دُوْوِي» (١)، والمجرور للاستفهام (دُووِيَ) بواوٍ ساكنةٍ بعد (٢) الدَّال المضمومة، ثمَّ واوٍ أخرى مكسورةٍ على البناء للمفعول، من المداواة (جُرْحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الَّذي (٣) جُرِحَه بأُحُد؟ (فَقَالَ) سهلٌ: (مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) قال ذلك؛ لأنَّه كان آخر من بقي من الصَّحابة بالمدينة (كَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (يَجِيءُ بِالمَاءِ فِي تُرْسِهِ، وَكَانَتْ يَعْنِي: فَاطِمَةَ) ﵄ (تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (وَأُخِذَ حَصِيرٌ) بالواو وضمِّ الهمزة مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، كقوله: (فَأُحْرِقَ، ثُمَّ حُشِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) والفاعل لذلك فاطمةُ، كما وقع التَّصريح به في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٢٢].
وهذا الحديث سبق في «باب غسل المرأة أباها الدَّم عن وجهه» من (٤) «الطَّهارة» [خ¦٢٤٣].
(١٦٤) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَازُعِ) وهو التَّخاصم والتَّجادل (وَالاِخْتِلَافِ فِي) المقاتلة في أحوال (الحَرْبِ) بأن يذهب كلُّ واحدٍ منهم إلى رأيٍ (وَ) بيان (عُقُوبَةِ مَنْ عَصَى إِمَامَهُ) أي: بالهزيمة.
(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: « » بعد أن أمر المؤمنين بالثَّبات عند ملاقاتهم العدوَّ،
стр. 6100
والصَّبر على مبارزتهم: (﴿وَلَا تَنَازَعُواْ﴾) باختلاف الآراء كما فعلتم بأُحُد (﴿فَتَفْشَلُواْ﴾) جواب النَّهي، فتجبنوا عن (١) عدوِّكم (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]) مستعارةٌ للدَّولة من حيث إنَّها في نفوذ أمرها مشبَّهةٌ بالرِّيح في هبوبها، وقيل: المراد بها الحقيقة، فإن النُّصرة لا تكون إلَّا بريحٍ يبعثها الله تعالى، وفي الحديث: «نُصِرتُ بالصَّبا وأُهلِكَت عادٌ بالدَّبور» [خ¦١٠٣٥].
و (قَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره»: (الرِّيحُ: الحَرْبُ) وهو تفسيرٌ مجازيٌّ، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله «قال (٢) قتادة: الرِّيح الحرب» وثبت له في روايته عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «قال: يعني: الحرب» (٣).
٣٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن جعفر بن أعين البيكنديُّ، أو ابن موسى بن عبد الله الختِّيُّ -بالخاء المعجمة وتشديد الفوقيَّة- السَّختيانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسي -بضمِّ الرَّاء فهمزةٍ (٤) فمهملةٍ- الكوفيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة عامرٍ (عَنْ جَدِّهِ) أي: جدِّ (٥) سعيدٍ أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا) هو ابن جبلٍ (وَأَبَا مُوسَى) الأشعريَّ (إِلَى اليَمَنِ) قبل حجَّة
стр. 6101
الوداع (قَالَ) (١) لهما: (يَسِّرَا) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد السِّين (٢) المهملة المكسورة، أي: خذا بما فيه من (٣) التَّيسير (٤) (وَلَا تُعَسِّرَا) من التَّعسير وهو التَّشديد (وَبَشِّرَا) بالموحَّدة والشِّين المعجمة من التَّبشير، وهو إدخال السُّرور (وَلَا تُنَفِّرَا) من التَّنفير، أي: لا تذكرا شيئًا ينهزمون منه، ولا تقصدا ما فيه الشِّدَّة (وَتَطَاوَعَا) بفتح الواو، أي: تحابَّا (وَلَا تَخْتَلِفَا) فإنَّ الاختلاف يوجب الاختلال، ويكون سببًا للهلاك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٤١] و «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] و «الأدب» [خ¦٦١٢٤]، ومسلمٌ في «الأشربة» و «المغازي»، والنَّسائيُّ في «الأشربة» (٥) و «الوليمة»، وابن ماجه في «الأشربة».
стр. 6102
٣٠٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، الحرَّانيُّ، من أفراده، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄¬) حال كونه (يُحَدِّثُ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ) بفتح الرَّاء والجيم المشدَّدة، جمع راجلٍ، على خلاف القياس وهم الَّذين لا خيل معهم (يَوْمَ أُحُدٍ) نصبٌ على الظَّرفيَّة (وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، الأنصاريَّ، استشهد يوم أُحُدٍ، و «عبدَ الله» نصبٌ بـ «جعل» (فَقَالَ) ﵊ لهم: (إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ) بفتح الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وفتح المهملة مخفَّفة، ولأبي ذَرٍّ: «تخَطَّفنا» بفتح الخاء وتشديد الطَّاء، وأصله: تتخطَّفنا (١) بتاءين، حُذِفَت إحداهما، أي: إن رأيتمونا قد زلنا من (٢) مكاننا، وولَّينا منهزمين، أو إن قُتِلنا وأكلت الطَّير لحومنا (فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ) وعند ابن إسحاق: قال: انضحوا الخيل عنَّا بالنَّبل، لا يأتونا من خلفنا (وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فواوٍ ساكنةٍ فطاءٍ فهمزةٍ ساكنةٍ، أي: مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض (فَلَا تَبْرَحُوا) أي: فلا تزالوا (٣) مكانكم (حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ) وعند أحمد والحاكم والطَّبرانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقامهم في موضعٍ، ثمَّ قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» (فَهَزَمُوهُمْ) وللأربعة: «فهزمهم» أي: هزم المسلمون الكفَّار.
(قَالَ) أي: البراء: (فَأَنَا وَاللهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ) المشركات (يَشْتَدِدْنَ) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الشِّين
стр. 6103
المعجمة وكسر الدَّال الأولى يفتعلن، أي: يسرعن المشي أو يشتددن (١) على الكفَّار، يقال: شدَّ عليه في الحرب، أي: حمل عليه (٢)، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يشدُدْن» بإسقاط الفوقيَّة وضمِّ الدَّال الأولى. وقال عياضٌ: وقع للقابسيِّ في «الجهاد» «يُسْنِدن» بضمِّ أوَّله وسكون السِّين المهملة، بعدها نونٌ مكسورةٌ ودالٌ مهملةٌ، أي: يمشين في سند الجبل يردن أن يصعدنه حال كونهنَّ (قَدْ بَدَتْ) أي: ظهرت (خَلَاخِلُهُنَّ) بفتح الخاء، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (وَأَسْوُقُهُنَّ) بضمِّ الواو، جمع ساقٍ، وضبطه بعضهم بالهمزة، لأنَّ الواو إذا انضمَّت جاز همزها، نحو: أدور وأدؤر، ليعينهنَّ ذلك على الهرب حال كونهنَّ (رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ) وسمَّى ابن إسحاق النِّساء المذكوراتِ؛ وهنَّ: هند بنت عُتبة خرجت مع أبي سفيان، وأمُّ حكيمٍ بنت الحارث بن هشامٍ خرجت (٣) مع زوجها عكرمة بن أبي جهلٍ، وفاطمةُ بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشامٍ، وبرزةُ بنت مسعودٍ الثَّقفيَّة مع زوجها (٤) صفوان بن أميَّة، وهي أمُّ ابن (٥) صفوان، وريطةُ بنت منبِّه (٦) السَّهميَّة مع زوجها عمرو بن العاص، وهي والدة ابنه عبد الله، وسلافةُ بنت سعدٍ مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبيِّ، وخناس بنت مالكٍ أمُّ مصعب بن عميرٍ، وعمرةُ بنت علقمة، وعند غيره: كان النِّساء اللَّواتي خرجن مع المشركين يوم أُحُدٍ خمس عشرة امرأةً، وإنَّما خرجت قريشٌ بنسائها لأجل الثَّبات (فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ) وهم الرَّجَّالة (٧): (الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (الغَنِيمَةَ) نصبٌ على الإغراء فيهما، وفي «اليونينيَّة»: «الغنيمة» مرَّة واحدة (ظَهَرَ) أي: غلب (أَصْحَابُكُمْ) المؤمنون الكفَّار (فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ الله ﷺ ؟) والهمزة في «أنسيتم» للاستفهام الإنكاريِّ (قالُوا: وَاللهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَلَمَّا أَتَوْهُمْ
стр. 6104
صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ) أي: قلبت وحُوِّلت إلى الموضع الَّذي جاؤوا منه (فَأَقْبَلُوا) حال كونهم (مُنْهَزِمِينَ) عقوبةً لعصيانهم قولَه ﵊: «لا تبرحوا» (فَذَاكَ إِذْ) حين (يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ) في جماعتهم المتأخِّرة (١): إليَّ يا (٢) عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنَّة (فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ (٣) ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا) منهم: أبو بكرٍ وعمر وعليٌّ وعبد الرَّحمن بن عوفٍ وسعد بن أبي وقاصٍ وطلحة بن عبيد الله والزُّبير بن العوَّام وأبو عبيدة بن الجرَّاح وحُباب بن المنذر وسعد بن معاذٍ وأُسيد بن حُضيرٍ (فَأَصَابُوا مِنَّا) أي: من (٤) طائفةٍ من (٥) المسلمين، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «منها» (سَبْعِينَ) منهم: حمزة بن عبد المطَّلب ومصعب بن عميرٍ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أصابوا» (مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمئةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا) سقط قوله «قتيلًا» من بعض النُّسخ (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ: (أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟) أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟) عمر (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) والهمزة في الثَّلاثة للاستفهام الاستخباريِّ، ونهيه ﵊ عن إجابة أبي سفيان تصاونًا عن الخوض فيما لا فائدة فيه وعن خصامٍ مثلِه، وكان ابن قميئة قال لهم: قتلته (ثُمَّ رَجَعَ) أبو سفيان إِلَى أَصْحَابِهِ (٦) فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ) بتشديد الميم (فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللهِ يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ) وإنَّما أجابه بعد النَّهي حمايةً للظنِّ برسول الله ﷺ أنَّه قُتِل، وأنَّ بأصحابه الوهن، فليس فيه عصيانٌ له في الحقيقة (وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوؤُكَ) يعني: يوم الفتح (قَالَ) أي: أبو سفيان: (يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ) أي: هذا اليوم في
стр. 6105
مقابلة يوم بدرٍ (وَالحَرْبُ سِجَالٌ) أي: دُوَل مرَّة لهؤلاء ومرَّة لهؤلاء (إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً) بضمِّ الميم وسكون المثلَّثة، أي: أنَّهم جدعوا (١) أنوفهم، وبقروا بطونهم، وكان حمزة ﵁ ممَّن مُثِّل به (لَمْ آمُرْ بِهَا) يعني: أنَّه لا يأمر بفعل قبيحٍ لا يجلب لفاعله نفعًا (وَلَمْ تَسُؤْنِي) أي: لم أكرهها وإن كان وقوعها بغير أمري، وعند ابن إسحاق: «والله ما سخطتُ وما نهيتُ وما أمرتُ» وإنَّما لم تسؤه لأنَّهم كانوا أعداءً له، وقد كانوا قتلوا ابنه يوم بدرٍ (ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ) بقوله: (اُعْلُ هُبَل، اُعْلُ هُبَل) بضمِّ الهمزة وسكون العين المهملة، و «هُبَل»: بضمِّ الهاء وفتح الموحَّدة: اسم صنمٍ كان في الكعبة، أي: علا حزبك يا هُبَل، فحذف حرف النِّداء (قَالَ) ولأبي الوقت (٢): «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُجِيبُوا لَهُ) أي: لأبي سفيان، و «تجيبوا» بحذف النُّون بدون ناصبٍ لغةٌ فصيحةٌ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ألا تجيبونه؟» «بالنُّون» بدل: «اللَّام»، ولأبي ذَرٍّ: «ألا تجيبوه؟» بحذف النُّون (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ) بقطع همزة «الله» في «اليونينيَّة» (قَالَ) أبو سفيان: (إنَّ لَنَا العُزَّى) صنمٌ كان لهم (وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟) باللَّام، ولأبي ذَرٍّ والأصيلي (٣): «ألا تجيبونه؟»، ولأبي ذَرٍّ أيضًا: «ألا تجيبوه؟» بحذف النُّون (قَالَ (٤): قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ (٥)، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ) أي: الله ناصرنا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٤٣] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٦١]، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».
стр. 6106
(١٦٥) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا فَزِعُوا بِاللَّيْلِ) ينبغي لإمام العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن (١) يندبه لذلك.
٣٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ. قَالَ) أي: أنسٌ: (وَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزَّاي، أي: خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ليلًا» (سَمِعُوا صَوْتًا، قَالَ) أنسٌ: (فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) راجعًا، واستبرأ الخبر (عَلَى فَرَسٍ) اسمُه: المندوب (لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ) بضمِّ العين وسكون الرَّاء؛ بغير سرجٍ (وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ فَقَالَ: لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا) مرَّتين، أي: لا تخافوا خوفًا مستقرًّا (٢) أو خوفًا يضرُّكم (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَجَدْتُهُ بَحْرًا) بصيغة التَّوحيد (يَعْنِي: الفَرَسَ) وشبَّهه به لسعة (٣) جريه.
وسبق هذا الحديث مرارًا [خ¦٢٦٢٧] [خ¦٢٨٥٧] [خ¦٢٨٦٢] [خ¦٢٨٢٠] [خ¦٢٨٦٧] [خ¦٢٩٠٨] [خ¦٢٩٦٨].
(١٦٦) (بابُ مَنْ رَأَى العَدُوَّ) وقد أقبل (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا صَبَاحَاهْ) أي: أغيثوني وقت الصَّباح، أي: وقت الغارة (حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة، من الإسماع، و «النَّاسَ»: نصبٌ على المفعوليَّة.
стр. 6107
٣٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرِ بن فرقدٍ البرجميُّ البلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مصغَّرًا من غير إضافةٍ (عَنْ) مولاه (سَلَمَةَ) ابن الأكوع، سنان بن عبد الله أنَّه (أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ) حال كوني (ذَاهِبًا نَحْوَ الغَابَةِ) بالغين المعجمة، وبعد الألف موحَّدةٌ، وهي على بريدٍ من المدينة في طريق الشَّام (حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الغَابَةِ) هي (١) كالعقبة في الجبل (لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) لم يُسَمَّ الغلام، ويحتمل أنَّه رباح الَّذي كان يخدم النَّبيَّ ﷺ (قُلْتُ) له: (وَيْحَكَ، مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ) بضمِّ الهمزة، آخره مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ ساكنةٌ مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أُخِذَ» بإسقاط التَّاء (٢) الفوقيَّة (لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بكسر اللَّام بعدها قافٌ، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، مرفوعٌ نائبًا عن الفاعل، واحدها: لَقوح وهي الحلوب، وكانت عشرين لقحةً ترعى بالغابة، وكان فيهم عيينة بن حصنٍ الفزاريُّ (قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ) بفتح الفاء والزَّاي: قبيلتان
стр. 6108
من العرب فيها أبو ذرٍّ (فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أي: لابتي المدينة، واللَّابة: الحَرَّة: (يَا صَبَاحَاهُ، يَا صَبَاحَاهُ) مرَّتين بفتح الصَّاد والموحَّدة، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ فألفٌ فهاءٌ مضمومةٌ، وفي «الفرع»: سكونها، وكذا في أصله؛ منادى مستغاث، والألف للاستغاثة، والهاء للسَّكت، وكأنَّه نادى النَّاس استغاثةً بهم في وقت الصَّباح. وقال ابن المُنَيِّر: الهاء للنُّدبة، وربَّما سقطت في الوصل، وقد ثبتت في الرِّواية، فيوقف عليها بالسُّكون. وقال القرطبيُّ: معناه: الإعلام بهذا الأمر المهمِّ الَّذي دهمهم في الصَّباح، وهي كلمةٌ يقولها المستغيث (ثُمَّ انْدَفَعْتُ (١)) بسكون العين، أسرعت في السَّير وكان ماشيًا على رجليه (حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ) بالنَّبل (وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ (٢)) بضمِّ الرَّاء وتشديد الضَّاد المعجمة، بعدها عينٌ مهملةٌ، والرَّفع فيهما، ولأبي ذَرٍّ: نصب المعرَّف، أي: يوم هلاك اللِّئام، من قولهم: لئيمٌ راضعٌ، وهو الَّذي رضع اللُّؤم من ثدي أمِّه، وكلُّ من نُسِبَ إلى لؤمٍ فإنَّه يوصف بالمصِّ والرَّضاع. وفي المثَل: أَلْأَم من راضعٍ، وأصله: أنَّ رجلًا من العمالقة طرقه ضيفٌ ليلًا، فمصَّ ضرع شاته لئلَّا يسمع الضَّيف صوت الحَلْب، فكثر حتَّى صار كلُّ لئيمٍ راضعًا، سواءً فعل ذلك أو لم يفعله. وقيل: المعنى: اليوم يُعرَف من رضع كريمةً فأنجبته، أو لئيمةً فهجنته، أو اليوم يُعرَف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرَّب بها من غيره (فَاسْتَنْقَذْتُهَا) بالقاف والذَّال
стр. 6109
المعجمة (مِنْهُمْ (١)) أي: استخلصت اللِّقاح من غطفان وفزارة (قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا) أي: الماء (فَأَقْبَلْتُ بِهَا) حال كوني (أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) وكان قد خرج ﵊ إليهم غداة الأربعاء في الحديد مقنَّعًا (٢) في خمس مئةٍ، وقيل: سبع مئةٍ بعد أن جاء الصَّريخ، ونودي: يا خيل الله اركبي، وعقد للمقداد بن عمرٍو لواءً وقال له: «امضِ حتَّى تلحقك الخيول (٣)، وأنا على أثرك» (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ القَوْمَ) يعني: غطفان وفزارة (عِطَاشٌ) بكسر العين المهملة (وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا) مفعول له، أي: كراهة شربهم (سِقْيَهُمْ) بكسر السِّين وسكون القاف، أي: حظَّهم من الشُّرب (فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة. وعند ابن سعدٍ: قال سلمة: فلو بعثتني (٤) في مئة رجلٍ استنقذت ما بأيديهم من السَّرح، وأخذت بأعناق القوم (فَقَالَ) ﵊: (يَا بْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ) أي: قدرت عليهم فاستعبدتهم وهم في الأصل أحرارٌ (فَأَسْجِحْ) بهمزة قطعٍ وسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ، وبعد الجيم المكسورة حاءٌ مهملةٌ، أي: فارفق وأَحْسِنِ العفوَ (٥) ولا تأخذ
стр. 6110
بالشدَّة (إِنَّ القَوْمَ) غطفان وفزارة (يُقْرَوْنَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون القاف والواو، بينهما راءٌ مفتوحةٌ، آخره نونٌ، أي: يضافون (فِي قَوْمِهِمْ) يعني: أنَّهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم ويساعدونهم، فلا فائدة في البعث في الأثر لأنَّهم لحقوا بأصحابهم، وزاد ابن سعدٍ: فجاء رجلٌ من غطفان فقال: مرُّوا على فلانٍ الغطفانيِّ، فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرةً فتركوها وخرجوا هرابًا، الحديث. وفيه معجزةٌ حيث أخبر ﵊ بذلك (١). فكان كما قاله (٢)، وفي بعض الأصول من «البخاريِّ»: «يَقرُون» بضمِّ الرَّاء مع فتح أوَّله، أي: ارفق بهم فإنَّهم يضيفون الأضياف، فراعى (٣) ﷺ ذلك لهم رجاء توبتهم وإنابتهم، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يَقِرُّون» بفتح أوَّله وكسر القاف وتشديد الرَّاء، ولأبي ذَرٍّ: «من قومهم».
وهذا الحديث الثَّاني عشر من ثلاثيَّات البخاريِّ، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٩٤]، وكذا مسلمٌ و (٤) أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٦٧) (بابُ مَنْ قَالَ: خُذْهَا) أي: الرَّميةَ (وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ، وَقَالَ سَلَمَةُ) في حديثه السَّابق [خ¦٣٠٤١] (خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ) المشهور في الرَّمي بالإصابة عن القوس، وهذا على سبيل الفخر، وهو منهيٌّ عنه إلَّا في هذه الحالة لاقتضاء الحال هنا فعله لتخويف الخصم.
стр. 6111
٣٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بتصغير «العبد»، ابن موسى بن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ) من قيسٍ (البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ) بضمِّ العين، وهي كنية البراء (أَوَلَّيْتُمْ) أي: أدبرتم منهزمين (يَوْمَ) غزوة (حُنَيْنٍ؟) والهمزة للاستفهام الاستخباريِّ (قَالَ البَرَاءُ وَأَنَا أَسْمَعُ) هو من قول أبي إسحاق، والواو للحال (أَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ) لفرط شجاعته، وثقته بوعد الله، ورغبته في الشَّهادة ولقاء ربِّه، ولا يجوز على نبيٍّ الانهزام، ومن نَسَب أحدًا منهم لذلك قُتِلَ، وحذف الفاء من جواب «أمَّا» (١) في قوله: «لم يولِّ»، قال ابن مالكٍ: هو جائزٌ نظمًا ونثرًا، يعني: فلا يختصُّ بالضَّرورة (كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ) بن عبد المطَّلب (آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ) البيضاء يكفُّها (٢) عن الإسراع به (٣) إلى العدوِّ (فَلَمَّا غَشِيَهُ المُشْرِكُونَ) أي: أحاطوا به ﷺ (نَزَلَ) عن بغلته (فَجَعَلَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ) بسكون الموحَّدة فيهما، وفيه التَّنويه بشجاعته ﷺ ، وثباته (٤) في الحرب، وانتسب لجدِّه لشهرته في العرب، أو لغير ذلك ممَّا سبق (قَالَ) أي: البراء: (فَمَا رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء (مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ) ﷺ .
وقد سبق (٥) هذا الحديث في «الجهاد» في «باب من قاد دابَّة غيره في الحرب» [خ¦٢٨٦٤].
(١٦٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا نَزَلَ العَدُوُّ) من المشركين (عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ) من المسلمين، ينفذ إذا أجازه الإمام.
стр. 6112
٣٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) بضمِّ الهمزة وفتح الميمين، بينهما ألفٌ سعدٌ (هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح النُّون مصغَّرًا، الأنصاريُّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنانٍ (الخُدْرِيِّ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ) القبيلة المشهورة من اليهود من قلعتهم (عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ) هو ابن معاذٍ، وكان ﵊ فيما ذكره ابن إسحاق: قد حاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فأذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فحكم فيهم سعد بن معاذٍ، وكان قد رُمِيَ في غزوة الخندق بسهمٍ قطع منه الأكحل، فلمَّا نزلتْ على حكمه (بَعَثَ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: في طلبه (وَكَانَ) سعد (قَرِيبًا مِنْهُ) لأنَّه ﵊ قد جعله في خيمةِ رُفَيدة الأسلميَّة ليعوده من قريبٍ في مرضه الَّذي أصابه من تلك الرَّمية (فَجَاءَ) ومعه قومه من الأنصار (عَلَى حِمَارٍ) وقد وطَّؤوا له بوسادةٍ من أدمٍ، وأحاطوا به في طريقهم، يقولون له: أحسنْ في مواليك، فقال لهم: لقد آن لسعدٍ ألَّا تأخذه في الله لومة لائمٍ، وكان رجلًا جسيمًا (فَلَمَّا دَنَا) أي: قرب من رسول الله ﷺ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) فقاموا إليه وأنزلوه (فَجَاءَ) سعدٌ (فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (إِنَّ هَؤُلَاءِ) اليهود من بني قريظة
стр. 6113
(نَزَلُوا عَلَى (١) حُكْمِكَ) فيهم (قَالَ) سعدٌ: (فَإِنِّي أَحْكُمُ) فيهم (أَنْ تُقْتَلَ) الطَّائفة (المُقَاتِلَةُ) منهم وهم الرِّجال (وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ) أي: النِّساء والصِّبيان (قَالَ) ﵊: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ) بكسر اللَّام، أي: بحكم الله. ونقل القاضي عياضٌ: أنَّ بعضهم ضبطه في «البخاريِّ» بكسر اللَّام وفتحها، فإن صحَّ الفتح فالمراد به جبريل، يعني: بالحكم الَّذي جاء به الملَك عن الله، وعُورضَ: بأنَّه لم يُنقَل نزول ملكٍ في ذلك (٢) بشيءٍ، ولو نزل بشيءٍ؛ اتُّبِعَ وتُرِكَ الاجتهاد، وبأنَّه: ورد في بعض ألفاظ الصَّحيح: «قضيت بحكم الله» [خ¦٤١٢١]. نعم، ورد في غير «البخاريِّ» ممَّا ذكره بعضهم: أنَّه قال في حكم سعدٍ بذلك: «طرقني الملَك سَحَرًا».
قال ابن المُنَيِّر: ويُستفاد من هذا الحديث لزوم حكم المحكَّم برضا الخصمين، سواءٌ كان في أمور الحرب أو غيرها، وهو ردٌّ على الخوارج الَّذين أنكروا التَّحكيم على عليٍّ ﵁، وفيه أيضًا تصحيح القول: بأنَّ المصيب واحدٌ، وأنَّ المجتهد ربَّما أخطأ ولا حرج عليه، ولهذا قال ﵊: «لقد حكمت بحكم الملك»، فدلَّ ذلك على أنَّ حكم الله في الواقعة متقرِّرٌ، فمن أصابه (٣) فقد أصاب الحقَّ، ولولا ذلك لم يكن لسعدٍ مزيَّةٌ في الصَّواب، لا يقال: كانت المسألة قطعيَّةً، والمسائل القطعيَّة لله فيها حكمٌ واحدٌ، لأنَّا نقول: بل كانت اجتهاديَّةً ظَنِّيَّةً، ولهذا كان رأي الأنصار أن يُعفى عن اليهود خلافًا لسعدٍ، وما كان الأنصار ليتَّفق أكثرهم على خلاف الصَّواب قطعًا، وفيه: جواز الاجتهاد في زمنه ﵊ وبحضرته، فكيف بعد وفاته؟! وفيه: أنَّه يُسوَّغ للإمام الأعظم إذا كانت له حكومةٌ في نفسه أن يولِّي نائبًا يحكم بينه وبين خصمه للضَّرورة، وينفذ ذلك على خصمه إذا كان عدلًا، ولا يقدح فيه أنَّه حكم له وهو نائبه، نقله في «المصابيح».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضائل سعدٍ» [خ¦٣٨٠٤] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٢] و «المغازي» [خ¦٤١٢١]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «المناقب» و «السِّيَر» و «الفضائل».
стр. 6114
(١٦٩) (بابُ) حكم (قَتْلِ الأَسِيرِ (١)، وَقَتْلِ الصَّبْرِ) بأن يُمسَك ذو (٢) روحٍ، ثمَّ يُرمى بشيءٍ حتَّى يموت.
وفي الحديث: النَّهي عن قتل شيءٍ من الدَّوابِّ صبرًا، وللكُشْمِيهَنيِّ: «قتل الأسير صبرًا» بزيادة «صبرًا» بعد «الأسير» وحذف قوله: «وقتل الصَّبر» وهي (٣) أخصر، والصَّبْر لغةً: الحبس، وإذا شُدَّت يدا رجُلٍ ورِجْلاه، ومسكه (٤) آخر وضرب (٥) عنقه يقال: قُتِلَ صبرًا.
٣٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ) مكَّة (عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الفاء المفتوحة راءٌ: زَردٌ يُنسَج من الدُّروع (٦) على قدر الرَّأس، يُلبَسُ تحت القلنسوة (فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ) هو أبو (٧) برزة الأسلميُّ (فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ) بفتح الخاء (٨) المعجمة والطَّاء المهملة، آخره لامٌ، اسمه: عبد الله أو عبد العُزَّى (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ) ﵊: (اقْتُلُوهُ) لأنَّه ارتدَّ عن الإسلام وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النَّبيَّ ﷺ ، وله (٩) قينتان تغنِّيان
стр. 6115
بهجاء المسلمين، فابتدره سعيدُ بن حريث، أو (١) أبو برزة، أو الزُّبير بن العوَّام، أو سعد بن ذؤيبٍ، أو تعاونوا كلُّهم على قتله، وهذا مخصِّصٌ لقوله ﵊: «مَن دخل المسجد فهو آمنٌ»، وفيه: جواز إقامة الحدِّ والقصاص بمكَّة خلافًا لأبي حنيفة، وتأوَّل الحديث: بأنَّه قَتَل ابن خطلٍ في السَّاعة الَّتي أُبيحَت له. وأجاب أصحابنا: بأنَّها إنَّما أُبيحَت ساعة الدُّخول حتَّى استولى عليها، وإنَّما قُتِلَ ابن خطلٍ بعد ذلك لأنَّه وقع بعد نزع المِغْفَر.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب دخول الحرم ومكَّة بغير إحرامٍ» في أواخر «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٤٦].
(١٧٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ؟) أي: هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟ (وَ) بيان حكم (مَنْ لَمْ يَسْتَأْسِرْ) أي: لم يسلِّم نفسه للأسر (وَمَنْ رَكَعَ) ولأبي ذَرٍّ: «ومن صلَّى» (رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ القَتْلِ).
стр. 6116
٣٠٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال (١): (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بفتح العين وسكون الميم (بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ) بفتح الهمزة وكسر السِّين المهملة، و «جاريةَ»: بالجيم (الثَّقَفِيُّ -وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ) بضمِّ الزاي وسكون الهاء (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ-: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا قدم عليه بعد أُحُد رهطٌ من عَضَل والقارة، فقالوا: يا رسول الله، إنَّ فينا إسلامًا فابعث معنا (٢) نفرًا من أصحابك
стр. 6117
يفقهوننا (عَشَرَةَ رَهْطٍ) ما دون العشرة من الرِّجال، ولا يكون فيهم امرأةٌ (سَرِيَّةً) نصبٌ على البيان (عَيْنًا) أي: جاسوسًا، وانتصابه بدلٌ مِن (١) «سريَّة». وعند ابن إسحاق: أنَّهم كانوا ستَّة نفرٍ من أصحابه؛ وهم: مرثدُ بن أبي مرثدٍ الغنويُّ حليف حمزة بن عبد المطَّلب، وخالد بن البكير اللَّيثيُّ حليف بني عديٍّ، وعاصم بن ثابتِ بن أبي (٢) الأقلح، وخبيب بن عديٍّ، وزيد بن الدَّثِنَة، وعبد الله بن طارقٍ. وما في الصَّحيح أصحُّ، وقد عُدَّ فيهم: مغيث بن عبيدٍ البلويّ حليف الأنصار (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ) أي: ابن أبي الأقلح (الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بن الخطَّاب) لأمِّه، لأنَّ أمَّ عاصم بن عمر هي بنت عاصم بن ثابت (٣)، وكان (٤) اسمها: جَميلة -بفتح الجيم- وقال مصعب الزُّهريُّ: إنَّما هو خال عاصمٍ لا جدُّه لأنَّ عاصم ابن عمر بن الخطَّاب أمُّه جميلةُ بنت ثابت بن أبي (٥) الأقلح أُخت عاصم بن ثابتٍ، وكان اسمها: عاصيةً، قال الكِرمانيُّ: وعليه الأكثر، وسقط قوله «بن الخطَّاب» لغير أبي ذرٍّ، وعند ابن إسحاق: وأمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثدٍ، وما في الصَّحيح أصحُّ (فَانْطَلَقُوا) أي: الرَّهط العشرة (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالهَدْأَةِ) بفتح الهاء وسكون الدَّال المهملة وفتح الهمزة، ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ: «بالهدَأة» بفتح الدَّال، وقد تُحذَف الهمزة (وَهْوَ) موضعٌ (بَيْنَ عُسْفَانَ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملة (٦) (وَمَكَّةَ ذُكِرُوا) بضمِّ المعجمة وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول (لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ) بضمِّ الهاء وفتح الذَّال المعجمة (يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ) بكسر اللَّام، وحُكِيَ فتحُها
стр. 6118
وسكون الحاء المهملة، وهو ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضرَ، وعند الدِّمياطيِّ: أنَّهم بقايا جُرْهم (فَنَفَّرُوا لَهُمْ) بتشديد الفاء، وفي «اليونينيَّة» بتخفيفها، أي: استنجدوا لأجلهم (قَرِيبًا) بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي نسخةٍ: «فنَفَروا» بتخفيف الفاء «قريبًا» بالنَّصب بنزع الخافض، وفي أخرى: «فنَفَروا» بالتخفيف أيضًا «قريبٌ» بالرَّفع، أي: خرج إليهم قريبٌ، ولأبي الوقت: «فنفذوا» بذالٍ معجمةٍ بدل الرَّاء (مِنْ مِئَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ) بالنَّبل (فَاقْتَصُّوا) أي: اتَّبعوا (آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا) اسم مكانٍ، نصبٌ بتقدير الجارِّ على حدِّ: رميتُ مرمى زيدٍ و «تمرًا»: نصب مفعول «وجدوا» (تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ) صفةٌ لـ «تمرًا» (فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ) أمير السَّريَّة (وَأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا) بالجيم، أي: استندوا (إِلَى فَدْفَدٍ) بفاءين مفتوحتين، بينهما دالٌ مهملةٌ ساكنةٌ، وآخره دالٌ مهملةٌ أيضًا: رابيةٌ مشرفةٌ (وَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا) بهمزة قطعٍ (بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا. قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا) بالتشديد (١) (أَنَا فَوَاللهِ لَا أَنْزِلُ اليَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ) أي: في عهده (اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ) ﷺ (فَرَمَوْهُمْ) أي: رمى الكفَّارُ المسلمين (بِالنَّبْلِ) بفتح النُّون وسكون الموحَّدة، بالسِّهام العربيَّة (فَقَتَلُوا عَاصِمًا) أمير السَّريَّة (فِي) جملة (سَبْعَةٍ) من العشرة، وعند ابن إسحاق: أنَّهم كانوا ستَّة نفرٍ كما مرَّ، وأنَّهم قتلوا منهم ثلاثةً وأسروا ثلاثةً (فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالعَهْدِ وَالمِيثَاقِ، مِنْهُمْ: خُبَيْبٌ) بضمِّ الخاء المعجمة (٢) وفتح الموحَّدة الأولى، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ؛ ابن عديٍّ (الأَنْصَارِيُّ) الأوسيُّ (وَابْنُ دَثَِنَةَ) بفتح الدَّال المهملة وكسر المثلَّثة وفتحها وفتح النُّون، زيد بن الدَّثِنَة (٣) بن معاوية بن عبيدٍ الأنصاريُّ البياضيُّ (وَرَجُلٌ آخَرُ) هو عبد الله بن طارقٍ البلويُّ حليف بني ظفرٍ من الأنصار، كما عند ابن هشامٍ في «السِّيرة» (فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ) بها (فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ) وهو عبد الله بن طارقٍ: (هَذَا أَوَّلُ الغَدْرِ، وَاللهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ فِي هَؤُلَاءِ) ولأبي ذَرٍّ: «إنَّ لي في هؤلاء» (لأُسْوَةً) بالنَّصب: اسم «إِنَّ» أي: اقتداءً (يُرِيدُ القَتْلَى)
стр. 6119
عاصمًا والسِّتَّة (فَجَرَّرُوهُ) بفتح الرَّاء الأولى المشدَّدة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وجرَّروه» بالواو بدل الفاء (وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ) إلى مكَّة (فَأَبَى) أي: فامتنع من الرَّواح معهم (فَقَتَلُوهُ) بمرِّ الظَّهران فقبرُه هناك (فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثَِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وقيعة بدر» بكسر القاف ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ. قال الكِرمانيُّ: وقوله: «بعد وقعة بدرٍ» متعلِّقٌ بقوله: بعث رسول الله ﷺ إذ الكلُّ كان بعده إلَّا البيع فقط، أي: المذكور في قوله: (فَابْتَاعَ) أي: فاشترى (خُبَيْبًا بَنُو الحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) وهم عقبة وأبو سروعة وأخوهما لأمِّهما حجير بن أبي إهابٍ، واشترى ابنَ دَثَِنَةَ صفوانُ بن أُمَيَّة -بضمِّ الهمزة فميمٍ (١) - وقتله بمكَّة بأبيه كما عند ابن إسحاق (وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ) فأخَّروه عندهم حتَّى تنقضي الأشهر الحُرم (فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا).
قال ابن شهابٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف التَّحتيَّة وبعد الألف ضادٌ معجمةٌ، القاريُّ من القارة (أَنَّ بِنْتَ الحَارِثِ) اسمها: زينب، كما عند خلفٍ في «الأطراف» (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا) أي: لقتله (اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى) بعدم الصَّرف لأنَّه على وزن «فُعْلى» وبه على أنَّه على (٢) وزن «مُفعَل» على خلافٍ بين الصَّرفيِّين، والذي في «اليونينيَّة» الصَّرفُ (يَسْتَحِدُّ بِهَا) أي: يحلق بها شعر عانته لئلَّا يظهر عند قتله (٣) (فَأَعَارَتْهُ) قالت: (فَأَخَذَ) خبيبٌ (ابْنًا لِي وَ) الحال (أَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ) ولأبي ذَرٍّ: «حتَّى» وكان اسم ابنها هذا أبا الحسين بن الحارث بن عديِّ بن نوفل بن عبد منافٍ، وهو جدُّ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي الحسين المكيُّ المحدِّث، من أقران الزُّهريِّ (قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ) بضمِّ الميم وسكون الجيم وكسر اللَّام، أي: الصَّبيّ (عَلَى فَخِذِهِ) بالخاء والذَّال المعجمة (وَ) الحال أنَّ (المُوسَى بِيَدِهِ) بيد خبيبٍ (فَفَزِعْتُ) بكسر الزَّاي وسكون العين (فَزْعَةً) بفتح الفاء وسكون الزَّاي (عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ
стр. 6120
أَقْتُلَهُ؟) بحذف همزة الاستفهام (مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ) وعند ابن سعدٍ: ما كنت لأغدر (وَاللهِ) أي: قالت بنت الحارث: والله (مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا (١) يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ) بكسر القاف وسكون الطَّاء، أي: عنقود عنبٍ (فِي يَدِهِ وَ) الحال (إِنَّهُ لَمُوثَقٌ) بفتح المثلَّثة، أي: لمقيَّدٌ (فِي الحَدِيدِ وَ) الحال أنَّ (مَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ) بفتح المثلَّثة والميم (وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ (٢) اللهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا) وهذه كرامةٌ جعلها الله تعالى لخبيبٍ آيةً على يد الكفَّار، وبرهانًا لنبيِّه ﷺ ، وتصحيحًا لرسالته عند الكافرة، وأهل بلدها الكفَّار والكرامة ثابتةٌ للأولياء عند أهل السُّنَّة، والفرق بينها وبين المعجزة التَّحدِّي كما هو مقرَّرٌ في موضعه (فَلَمَّا خَرَجُوا) بخبيب (مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: ذَرُونِي) أي: اتركوني (أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) وعند ابن سعدٍ: أنَّه ركعهما في موضع مسجد التَّنعيم (ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ) أي: من القتل (لَطَوَّلْتُهَا) يعني: الصَّلاة، وفي نسخةٍ: «لطوَّلتهما» أي: الرَّكعتين، وهو جواب «لولا». والظَّاهر أنَّه سقط من النُّسخة الَّتي شرح عليها الكِرمانيُّ فقدَّره بنحو: لزدت على ركعتين (٣)، أو لأطلتهما، بعد أن صرَّح بحذفه (اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا) أي: عُمَّهم بالهلاك، وزاد موسى بن عقبة: ولا تُبقِ منهم أحدًا، واقتلهم بَدَدًا -بفتح الموحَّدة- يعني: متفرِّقين، فلم يحل الحول ومنهم أحدٌ حيٌّ، وقال خبيبٌ بعد فراغه من الدُّعاء عليهم: (ما أُبَالِي) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «وما أن أبالي» وله أيضًا عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولست أبالي» (حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ) بكسر الشِّين المعجمة، وفي «المغازي» [خ¦٣٩٨٩] على أيِّ جنبٍ (كَانَ للهِ مَصْرَعِي) أي: مطرحي على الأرض (وَذَلِكَ) أي: قتلي (فِي ذَاتِ الإِلَهِ) أي: في وجه الله وطلب ثوابه (وَإِنْ يَشَأْ؛ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون اللَّام، أي: أوصال جسدٍ (مُمَزَّعِ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية والزَّاي المشدَّدة وبعدها عينٌ مهملةٌ، أي: مقطَّعٍ مفرَّقٍ، وهذان البيتان من قصيدةٍ أوَّلها:
لقد جمَّع الأحزاب حولي وألَّبوا … قبائلهم واستجمعوا كلَّ مجمع
وقد قرَّبوا أبناءهم ونساءهم … وقُرِّبت من جذعٍ طويلٍ مُمَنَّع
стр. 6121
وساقها ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا، تأتي إن شاء الله تعالى في «السِّير» [خ¦٣٩٨٩] بعون الله (١)، وقال ابن هشامٍ: أكثر أهل العلم بالشِّعر ينكرها لخبيبٍ (فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ) عقبة بالتَّنعيم وصلبه ثَمَّ، وقيل: بل قتله أبو سَِروعة -بكسر السِّين المهملة وفتحها- عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفلٍ، كما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ وغيره (فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا) أي: مصبورًا محبوسًا للقتل، وإنَّما صار فعل خبيب سنَّةً؛ لأنَّه فعل ذلك في حياة الشَّارع ﷺ واستحسنه، وقد صلَّى هاتين الرَّكعتين زيد بن حارثة مولاه ﵊ في حياته ﵊ لما أراد رجلٌ قتله، كما رويناه من طريق السُّهيليِّ بسنده إلى اللَّيث بن سعدٍ بلاغًا عنه (فَاسْتَجَابَ اللهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ) أمير السَّريَّة دعاءه (يَوْمَ أُصِيبَ) حيث قال: اللَّهمَّ أخبر عنا نبيَّك (فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا) أي: مع ما جرى عليهم (وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ) أمير السَّريَّة (حِينَ حُدِّثُوا) بضمِّ الحاء المهملة وكسر الدَّال، أي: حين أخبروا (أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا) بفتح التَّاء (بِشَيْءٍ مِنْهُ) نحو رأسه (يُعْرَفُ) به (وَكَانَ) أي: عاصم (قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ) وهو عقبة بن أبي مُعَيطٍ (فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ) بضمِّ الموحَّدة وكسر العين المهملة مبنيًّا للمفعول، و «مثلُ»: بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «فبعث الله على عاصمٍ مثلَ» نصبٌ على المفعوليَّة (الظُّلَّةِ) بضمِّ الظَّاء المعجمة وتشديد اللَّام، أي: السَّحابة المظلَّة (مِنَ الدَّبْرِ) بفتح الدَّال المهملة وإسكان الموحَّدة، ذكور النَّحل أو الزَّنابير (فَحَمَتْهُ) أي: حفظته (مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يقطعوا» (مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فلم يُقدَر» بضمِّ أوله وفتح ثالثه، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «أن يُقطَع» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، «من لحمه شيءٌ» -بالرَّفع نائبًا عن الفاعل- لأنَّه كان حلف لا يمسُّ مشركًا، ولا يمسُّه مشركٌ، فبرَّ الله قَسَمه، وإنَّما لم يحمه الله تعالى من القتل وحماه من قطع شيءٍ من بدنه؛ لأنَّ القتل موجبٌ للشَّهادة
стр. 6122
بخلاف القطع، فلا ثواب فيه مع ما فيه من هتك حرمته، وذُكِرَ: أنَّه لما أُنزِل خبيبٌ (١) إذا هو رطبٌ لم يتغيَّر بعد أربعين يومًا، ودمه على جرحه وهو يبضُّ دمًا كالمسك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٢] وفي «المغازي» [خ¦٣٩٨٩]، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير»، وفيه الشِّعر دون الدُّعاء.
(١٧١) (بابُ) وجوب (فَكَاكِ الأَسِيرِ) من أيدي العدوِّ بمالٍ أو بغير مالٍ (فِيهِ) أي: في الباب (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁ ممَّا وصله في «الأطعمة» [خ¦٥٣٧٣] و «النِّكاح» [خ¦٥١٧٤] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط هذا التَّعليق في رواية أبي ذرٍّ.
٣٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ، وسقط لأبي ذَرٍّ «بن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٢) ﷺ : فُكُّوا العَانِيَ) بالعين المهملة، وبعد الألف نونٌ على وزن: القاضي، قال جريرٌ أو قتيبة: (يَعْنِي: الأَسِيرَ) أي: من المسلمين من بيت المال، وسقط لفظ «يعني» لأبي ذَرٍّ، وفي روايةٍ له: «فكُّوا العاني، أي: الأسير» بدل «يعني» (وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ) آدميًّا وغيره (وَعُودُوا المَرِيضَ) وهذه الأخيرة سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، والأُولَيَان فرض كفايةٍ كما نبَّه (٣) عليه كافَّة العلماء.
стр. 6123
٣٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء المهملة وكسر الرَّاء المشدَّدة، بعدها فاءٌ، ابن طريفٍ الحارثيُّ الكوفيُّ (أَنَّ عَامِرًا) (١) الشَّعبيَّ (حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة (٢) فاءٌ، وهب بن عبد الله السُّوائيُّ (¬﵁¬) أنَّه (٣) (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ) أهلَ البيت النَّبويِّ (شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ) خصَّكم به النَّبيُّ ﷺ دون غيركم كما تزعم الشِّيعة (إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ) عليٌّ (٤): (وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ) أي: شقَّها في الأرض حتَّى نبتت ثمَّ أثمرت، فكان منها حبٌّ كثيرٌ (وَبَرَأَ النَّسَمَةَ) أي: خلقها (مَا أَعْلَمُهُ) عندنا (إِلَّا فَهَْمًا) بسكون الهاء وفتحها والنَّصب، ولأبي ذَرٍّ: «إلَّا فَهَْمٌ» بالرَّفع وفتح الهاء وسكونها، قاله ابن
стр. 6124
سِيدَهْ (يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ) فيه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسِّرين إذا وافق أصول الشَّريعة، وهذا فيه (١) تأييد لقول إمام دار الهجرة مالكٍ ﵀: ليس العلم بكثرة الرِّواية (٢)، وإنَّما هو نورٌ وفهمٌ يضعه الله في قلب من يشاء (وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) وهي الورقة المكتوبة، وكانت معلَّقة بقبضة سيفه، وعند النَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه. قال أبو جُحَيفة: (قُلْتُ) لعليٍّ ﵁: (وَمَا) أي: أيُّ شيءٍ (فِي) هذه (الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ): فيها (العَقْلُ) أي: حكم العقل وهو الدِّية، أي: أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها (وَفَكَاكُ الأَسِيرِ) وهو ما يحصل به خلاصه (وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) أي: وفي الصَّحيفة حكم العقل، وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفيَّة مستدلِّين: بأنَّه ﷺ قتل مسلمًا بمعاهدٍ، رواه الدَّارقُطنيِّ، لكنَّه حديثٌ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به.
وهذا الحديث سبق في «باب كتابة العلم» من «كتاب العلم» [خ¦١١١].
(١٧٢) (بابُ فِدَاءِ المُشْرِكِينَ) بمال يُؤخَذ منهم.
٣٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) الأسديُّ مولاهم أبو إسحاق المدنيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) صاحب المغازي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُسمَّوا (اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ) زاد في رواية أبي ذرٍّ في «باب إذا أُسِرَ أخو الرَّجل» من «كتاب العتق» [خ¦٢٥٣٧] «لنا» (فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا) بضمِّ الهمزة وبالفوقيَّة (عَبَّاسٍ) هو ابن عبد المطَّلب، وليسوا بأخواله، بل أخوال أبيه عبد المطَّلب لأنَّ أمَّه سلمى بنت عمرٍو من
стр. 6125
بني النَّجَّارِ، وليست نتيلة أمُّ عبَّاسٍ أنصاريَّةً اتِّفاقًا، وقالوا: «ابن أختنا» لتكون المنَّة عليهم في إطلاقه، بخلاف ما لو قالوا: «ائذن لنا فلنترك لعمِّك» (فِدَاءَهُ) أي: المال الذي تستنقذ به نفسه من الأسر (فَقَالَ) ﵊: (لَا تَدَعُونَ مِنْهَا) أي: لا تتركون من فديته (دِرْهَمًا) وإنَّما لم يجبهم ﷺ إلى التَّرك لئلَّا يكون في الدِّين نوع محاباةٍ، وكان العبَّاس ذا مالٍ، فاستوفيت منه الفدية وصرفت إلى الغانمين، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «لا تدعوا» بحذف النُّون مجزومٌ على النَّهي، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «منه» أي: من الفداء، وعند ابن إسحاق: أنَّه ﷺ قال: «يا عبَّاسُ، افدِ نفسك وابنَي أخيك عَقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرٍو» وعند موسى بن عقبة أنَّ فداءهم كان أربعين أوقيَّةً ذهبًا.
٣٠٤٩ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) ولأبي ذَرٍّ: «إبراهيم بن طهمان» (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي» (بِمَالٍ) وكان مئة ألفٍ، كما رواه ابن أبي شيبة مرسلًا، وكان خراجًا (مِنَ البَحْرَيْنِ) بلدة بين البصرة وعُمان (فَجَاءَهُ العَبَّاسُ) عمُّه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي) منه (فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي) يوم بدرٍ (وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين وكسر القاف، ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) له ﵊: (خُذْ. فَأَعْطَاهُ) ﵊ (فِي ثَوْبِهِ) أي: في ثوب العبَّاس من ذلك المال.
وهذا التَّعليق سبق في «باب القسمة وتعليق (١) القنو في (٢) المسجد» في «أبواب المساجد» من «الصَّلاة» [خ¦٤٢١].
стр. 6126
٣٠٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين، بينهما عينٌ مهملةٌ (٢) ساكنةٌ، آخره راءٌ، هو ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعمٍ ﵁ (وَكَانَ جَاءَ فِي) طلب فداء (أُسَارَى بَدْرٍ) وفَكاكهم كافرًا أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي) صلاة (المَغْرِبِ بِالطُّورِ) أي: بسورة الطور، زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٨٥٤] فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] الآيات إلى قوله: ﴿(٣) الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] كاد قلبي يطير.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة: «وكان جاء في أسارى بدر» وقد سبق هذا الحديث في «باب الجهر في المغرب» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٦٥].
(١٧٣) (بابُ) حكم (الحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ) هل يجوز قتله؟
٣٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال (٤): (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة، آخره سينٌ مهملةٌ، عتبة بن عبد الله الهلاليُّ (عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام (ابْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ) أي: جاسوسٌ، وهو صاحب سرِّ الشَّرِّ، وسُمِّيَ عينًا لأنَّ جُلَّ عمله بعينه (مِنَ المُشْرِكِينَ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (وَهْوَ فِي سَفَرٍ) وعند مسلمٍ: أنَّ ذلك كان في غزوة هوازن
стр. 6127
(فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ) أي: انصرف (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلَهُ) سلمة بن الأكوع (فَنَفَّلَهُ) بتشديد الفاء، أي: أعطاه ﵊ (سَلَبَهُ) نافلةً زائدةً على ما يستحقُّه بالغنيمة، بفتح المهملة واللَّام والموحَّدة، وهو الشَّيء المسلوب، سُمِّي به؛ لأنَّه يُسلَب عن المقتول، والمراد به: ثياب القتيل والخفُّ وآلاتُ الحرب والسَّرج واللِّجام والسِّوار والمِنْطقَة والخاتَم والقَصعة معه، ونحو ذلك ممَّا هو مبسوطٌ في الفقه، وهذا السَّلَب الَّذي أُعْطِيَهُ سلمة من مقتوله جملٌ أحمرُ، عليه رحله وسلاحه كما وقع مبيَّنًا في مسلمٍ، وكان القياس أن يقول: فقتلته فنفلني، لكنَّه التفاتٌ من ضمير المتكلِّم إلى الغيبة. نعم، في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فقتلتُه» بضمير المتكلِّم على الأصل، وعند مسلمٍ: فقال: من قتل الرَّجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سلبه أجمع».
وفي الحديث جواز (١) قتل الجاسوس الحربيِّ الكافر باتِّفاقٍ، وأمَّا المعاهد والذِّميُّ فقال مالك: ينتقض عهده بذلك. وعند الشَّافعيَّة خلاف، أمَّا لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتِّفاقًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(١٧٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُقَاتَلُ) بفتح رابعه (عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) لأنَّهم بذلوا الجزية على أن يأمنوا في (٢) أنفسهم وأموالهم وأهليهم، فيقاتل عنهم كما يقاتل عن المسلمين (وَلَا يُسْتَرَقُّونَ) بضمِّ أوَّله والقاف المشددة مبنيًّا للمفعول، ولو نقضوا العهد، خلافًا لابن القاسم.
стр. 6128
٣٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابن (١) عبد الرَّحمن السَّلميِّ (٢) الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ) بعد أن طعنه أبو لؤلؤة الطَّعنة الَّتي مات بها: (وَأُوصِيهِ) يعني: الخليفة بعده (بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ) أي: بعهد الله وعهد رسوله (¬ ﷺ ¬) ومراده أهل الكتاب (أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ) بضمِّ أوَّل «يُوفَى» وفتح ثالثه، وفي نسخةٍ أخرى (٣): «أن يُوفِي» بكسر ثالثه، والَّذي في «الفرع»: «يوْفَى» بسكون الواو وفتح الفاء مخفَّفًا (وَأَنْ يُقَاتَلَ) بضمِّ أوَّله وفتح الفوقية (مِنْ وَرَائِهِمْ) أي: من (٤) بين أيديهم فيدفع الكافر الحربيَّ عنهم، وقد سبق استعمال «وراء» بمعنى: أمام (وَلَا يُكَلَّفُوا) بضمِّ أوَّله وفتح اللَّام المشدَّدة، في إعطاء الجزية (إِلَّا طَاقَتَهُمْ) فلا يُزاد عليهم على مقدارها.
وسبق هذا الحديث بأطول من هذا في آخر «الجنائز» [خ¦١٣٩٢] ويأتي إن شاء الله تعالى في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠].
(١٧٥) (بابُ جَوَائِزِ الوَفْدِ) جمع جائزةٍ؛ وهي العطيَّة، والوفد: الجماعة يَرِدُون.
(١٧٦) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُسْتَشْفَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء (إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُعَامَلَتِهِمْ؟) بالجرِّ
стр. 6129
عطفًا على الجملة المضاف إليها لفظ (١): الباب، ووقع في رواية ابن شَبُّويه عن الفَِرَبْريِّ وهو عند الإسماعيليِّ: تأخير «باب جوائز الوفد» عن «باب هل يستشفع» وهو أوجه؛ لأنَّ ما ساقه من الحديث مطابقٌ لترجمة «جوائز الوفد» لأنَّه قال فيه: «وأجيزوا الوفد» وكأنَّه كتب: «باب جوائز الوفد» ثم بيَّض له ليسوق فيه حديثًا يليق به، فلم يقع له ذلك، وأسقط النَّسفيُّ هذه التَّرجمة أصلًا، واقتصر على ترجمة «هل يستشفع».
٣٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ولم يقع لقبيصة في هذا الكتاب روايةٌ عن ابن عيينة إلَّا هذه، وروايته فيه عن سفيان الثَّوريِّ كثيرةٌ جدًّا، وحكى الجيانيُّ عن رواية ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ في هذا: قتيبة بدل: قبيصة، وقد أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٣١] عن قتيبة، ومسلمٌ في «الوصايا» عن سعيدِ بن منصورٍ وقتيبةَ وابن أبي شيبة والنَّاقد عن ابن عيينة (عَنْ سُلَيْمَانَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه (٢) (الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ) قال الكِرمانيُّ: خبر المبتدأ المحذوف (٣)، أو بالعكس نحو: يومُ الخميس يومُ الخميس نحو (٤): أنا أنا، والغرض (٥) منه تفخيم أمره في
стр. 6130
الشِّدة والمكروه، وهو امتناع الكتاب فيما يعتقده ابن عبَّاسٍ (وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟) أي: أيُّ يوم هو؟! تعجَّب منه لما وقع فيه من وجعه ﷺ (ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ) بفتح الخاء والضَّاد المعجمتين والموحَّدة، أي: رطَّب وبلَّل (دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ) الَّذي تُوفِّي فيه (يَوْمَ الخَمِيسِ فَقَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ) أي: ائتوني بأدوات كتابٍ كالقلم والدُّواة، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يُكتَب فيه (١)، نحو: الكاغد والكتف (أَكْتُبْ لَكُمْ (٢)) بجزم «أكتبْ» جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف، وهو من باب: المجاز، أي: آمر أن يُكتَب لكم (كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا) في «باب كتابة العلم» من «كتابه» (٣) [خ¦١١٤] قال عمر: إنَّ النَّبيَّ ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتابُ الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللَّغط (٤) (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ) من الأنبياء (تَنَازُعٌ) في «كتاب العلم» قال أي: النَّبيُّ ﷺ : «قوموا عنِّي، ولا ينبغي عندي التَّنازع» ففيه التَّصريح بأنَّه من قوله ﷺ لا من قول ابن عبَّاسٍ، والظَّاهر أنَّ هذا الكتاب الَّذي أراده إنَّما هو في النَّصِّ على خلافة أبي بكرٍ، لكنَّهم لمَّا تنازعوا واشتدَّ مرضه ﷺ ؛ عدل عن ذلك معوِّلًا على ما أصَّله من استخلافه في الصَّلاة. وعند مسلمٍ عن عائشة أنَّه ﷺ قال: «ادعي لي أبا بكرٍ وأخاك أكتبْ كتابًا، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائلٌ: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكرٍ». وعند البزَّار من حديثها: لمَّا اشتدَّ وجعه ﵊ قال: «ائتوني بدواةٍ وكتفٍ أو قرطاسٍ أكتبْ لأبي بكرٍ كتابًا (٥) لا يختلف النَّاس عليه» ثمَّ قال: «معاذَ اللهِ أن يختلف النَّاس على أبي بكرٍ» فهذا نصٌّ صريحٌ فيما ذكرناه، وأنَّه ﷺ إنَّما ترك كتابه معوِّلًا على أنَّه لا يقع إلَّا كذلك، وهذا يُبطِل قول من قال: إنَّه كتابٌ