← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

٣٠٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين، بينهما عينٌ مهملةٌ (٢) ساكنةٌ، آخره راءٌ، هو ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعمٍ ﵁ (وَكَانَ جَاءَ فِي) طلب فداء (أُسَارَى بَدْرٍ) وفَكاكهم كافرًا أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي) صلاة (المَغْرِبِ بِالطُّورِ) أي: بسورة الطور، زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٨٥٤] فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] الآيات إلى قوله: ﴿(٣) الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] كاد قلبي يطير. ومطابقة الحديث للتَّرجمة: «وكان جاء في أسارى بدر» وقد سبق هذا الحديث في «باب الجهر في المغرب» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٦٥]. (١٧٣) (بابُ) حكم (الحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ) هل يجوز قتله؟ ٣٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال (٤): (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة، آخره سينٌ مهملةٌ، عتبة بن عبد الله الهلاليُّ (عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام (ابْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ) أي: جاسوسٌ، وهو صاحب سرِّ الشَّرِّ، وسُمِّيَ عينًا لأنَّ جُلَّ عمله بعينه (مِنَ المُشْرِكِينَ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (وَهْوَ فِي سَفَرٍ) وعند مسلمٍ: أنَّ ذلك كان في غزوة هوازن

стр. 6127

(فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ) أي: انصرف (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلَهُ) سلمة بن الأكوع (فَنَفَّلَهُ) بتشديد الفاء، أي: أعطاه ﵊ (سَلَبَهُ) نافلةً زائدةً على ما يستحقُّه بالغنيمة، بفتح المهملة واللَّام والموحَّدة، وهو الشَّيء المسلوب، سُمِّي به؛ لأنَّه يُسلَب عن المقتول، والمراد به: ثياب القتيل والخفُّ وآلاتُ الحرب والسَّرج واللِّجام والسِّوار والمِنْطقَة والخاتَم والقَصعة معه، ونحو ذلك ممَّا هو مبسوطٌ في الفقه، وهذا السَّلَب الَّذي أُعْطِيَهُ سلمة من مقتوله جملٌ أحمرُ، عليه رحله وسلاحه كما وقع مبيَّنًا في مسلمٍ، وكان القياس أن يقول: فقتلته فنفلني، لكنَّه التفاتٌ من ضمير المتكلِّم إلى الغيبة. نعم، في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فقتلتُه» بضمير المتكلِّم على الأصل، وعند مسلمٍ: فقال: من قتل الرَّجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سلبه أجمع». وفي الحديث جواز (١) قتل الجاسوس الحربيِّ الكافر باتِّفاقٍ، وأمَّا المعاهد والذِّميُّ فقال مالك: ينتقض عهده بذلك. وعند الشَّافعيَّة خلاف، أمَّا لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتِّفاقًا. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير». (١٧٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُقَاتَلُ) بفتح رابعه (عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) لأنَّهم بذلوا الجزية على أن يأمنوا في (٢) أنفسهم وأموالهم وأهليهم، فيقاتل عنهم كما يقاتل عن المسلمين (وَلَا يُسْتَرَقُّونَ) بضمِّ أوَّله والقاف المشددة مبنيًّا للمفعول، ولو نقضوا العهد، خلافًا لابن القاسم.

стр. 6128

٣٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابن (١) عبد الرَّحمن السَّلميِّ (٢) الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ) بعد أن طعنه أبو لؤلؤة الطَّعنة الَّتي مات بها: (وَأُوصِيهِ) يعني: الخليفة بعده (بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ) أي: بعهد الله وعهد رسوله (¬ ﷺ ¬) ومراده أهل الكتاب (أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ) بضمِّ أوَّل «يُوفَى» وفتح ثالثه، وفي نسخةٍ أخرى (٣): «أن يُوفِي» بكسر ثالثه، والَّذي في «الفرع»: «يوْفَى» بسكون الواو وفتح الفاء مخفَّفًا (وَأَنْ يُقَاتَلَ) بضمِّ أوَّله وفتح الفوقية (مِنْ وَرَائِهِمْ) أي: من (٤) بين أيديهم فيدفع الكافر الحربيَّ عنهم، وقد سبق استعمال «وراء» بمعنى: أمام (وَلَا يُكَلَّفُوا) بضمِّ أوَّله وفتح اللَّام المشدَّدة، في إعطاء الجزية (إِلَّا طَاقَتَهُمْ) فلا يُزاد عليهم على مقدارها. وسبق هذا الحديث بأطول من هذا في آخر «الجنائز» [خ¦١٣٩٢] ويأتي إن شاء الله تعالى في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]. (١٧٥) (بابُ جَوَائِزِ الوَفْدِ) جمع جائزةٍ؛ وهي العطيَّة، والوفد: الجماعة يَرِدُون. (١٧٦) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُسْتَشْفَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء (إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُعَامَلَتِهِمْ؟) بالجرِّ

стр. 6129

عطفًا على الجملة المضاف إليها لفظ (١): الباب، ووقع في رواية ابن شَبُّويه عن الفَِرَبْريِّ وهو عند الإسماعيليِّ: تأخير «باب جوائز الوفد» عن «باب هل يستشفع» وهو أوجه؛ لأنَّ ما ساقه من الحديث مطابقٌ لترجمة «جوائز الوفد» لأنَّه قال فيه: «وأجيزوا الوفد» وكأنَّه كتب: «باب جوائز الوفد» ثم بيَّض له ليسوق فيه حديثًا يليق به، فلم يقع له ذلك، وأسقط النَّسفيُّ هذه التَّرجمة أصلًا، واقتصر على ترجمة «هل يستشفع». ٣٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ولم يقع لقبيصة في هذا الكتاب روايةٌ عن ابن عيينة إلَّا هذه، وروايته فيه عن سفيان الثَّوريِّ كثيرةٌ جدًّا، وحكى الجيانيُّ عن رواية ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ في هذا: قتيبة بدل: قبيصة، وقد أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٣١] عن قتيبة، ومسلمٌ في «الوصايا» عن سعيدِ بن منصورٍ وقتيبةَ وابن أبي شيبة والنَّاقد عن ابن عيينة (عَنْ سُلَيْمَانَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه (٢) (الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ) قال الكِرمانيُّ: خبر المبتدأ المحذوف (٣)، أو بالعكس نحو: يومُ الخميس يومُ الخميس نحو (٤): أنا أنا، والغرض (٥) منه تفخيم أمره في

стр. 6130

الشِّدة والمكروه، وهو امتناع الكتاب فيما يعتقده ابن عبَّاسٍ (وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟) أي: أيُّ يوم هو؟! تعجَّب منه لما وقع فيه من وجعه ﷺ (ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ) بفتح الخاء والضَّاد المعجمتين والموحَّدة، أي: رطَّب وبلَّل (دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ) الَّذي تُوفِّي فيه (يَوْمَ الخَمِيسِ فَقَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ) أي: ائتوني بأدوات كتابٍ كالقلم والدُّواة، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يُكتَب فيه (١)، نحو: الكاغد والكتف (أَكْتُبْ لَكُمْ (٢)) بجزم «أكتبْ» جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف، وهو من باب: المجاز، أي: آمر أن يُكتَب لكم (كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا) في «باب كتابة العلم» من «كتابه» (٣) [خ¦١١٤] قال عمر: إنَّ النَّبيَّ ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتابُ الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللَّغط (٤) (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ) من الأنبياء (تَنَازُعٌ) في «كتاب العلم» قال أي: النَّبيُّ ﷺ : «قوموا عنِّي، ولا ينبغي عندي التَّنازع» ففيه التَّصريح بأنَّه من قوله ﷺ لا من قول ابن عبَّاسٍ، والظَّاهر أنَّ هذا الكتاب الَّذي أراده إنَّما هو في النَّصِّ على خلافة أبي بكرٍ، لكنَّهم لمَّا تنازعوا واشتدَّ مرضه ﷺ ؛ عدل عن ذلك معوِّلًا على ما أصَّله من استخلافه في الصَّلاة. وعند مسلمٍ عن عائشة أنَّه ﷺ قال: «ادعي لي أبا بكرٍ وأخاك أكتبْ كتابًا، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائلٌ: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكرٍ». وعند البزَّار من حديثها: لمَّا اشتدَّ وجعه ﵊ قال: «ائتوني بدواةٍ وكتفٍ أو قرطاسٍ أكتبْ لأبي بكرٍ كتابًا (٥) لا يختلف النَّاس عليه» ثمَّ قال: «معاذَ اللهِ أن يختلف النَّاس على أبي بكرٍ» فهذا نصٌّ صريحٌ فيما ذكرناه، وأنَّه ﷺ إنَّما ترك كتابه معوِّلًا على أنَّه لا يقع إلَّا كذلك، وهذا يُبطِل قول من قال: إنَّه كتابٌ

стр. 6131

بزيادة أحكامٍ وتعليمٍ، وخشي عمر عجز النَّاس عن ذلك (فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفتح الهاء والجيم من غير همزٍ في أوَّله بلفظ الماضي، وقد ظنَّ ابن بطالٍ أنَّها بمعنى: اختلط، وابن التِّين: أنَّها بمعنى: هذى، وهذا غير لائقٍ بقدره الرَّفيع، إذ لا يقال: إنَّ كلامه غير مضبوطٍ في حالةٍ من الحالات، بل كلُّ ما يتكلَّم به حقٌّ صحيحٌ لا خُلْف فيه ولا غلط، سواءً كان في صحَّةٍ أو مرضٍ أو نومٍ أو يقظةٍ أو رضًا أو غضبٍ. ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ رسول الله ﷺ هجركم، من الهجر الَّذي هو ضدُّ الوصل لما قد ورد عليه من الواردات الإلهيَّة، ولذا قال: «في الرفيق الأعلى» [خ¦٣٦٦٩]. وقال النَّوويُّ: وإن صحَّ بدون الهمزة فهو لمَّا أصابه الحيرة والدَّهشة لعظيم ما شاهده من هذه الحالة الدَّالَّة على وفاته وعظم المصيبة أجرى الهجر مجرى شدَّة الوجع. قال الكِرمانيُّ: فهو مجاز لأنَّ الهذيان الَّذي للمريض مستلزمٌ لشدَّة وجعه، فأطلق الملزوم، وأراد اللَّازم، وللمُستملي والحَمُّويي: «أهجر؟» بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أهذى؟! إنكارًا على من قال: لا تكتبوا، أي: لا تجعلوه كأمر من هذى في كلامه، أو على من ظنَّه بالنَّبيِّ ﷺ في ذلك الوقت لشدَّة المرض عليه (قَالَ) ﵊: (دَعُونِي) أي: اتركوني (فَالَّذِي أَنَا فِيهِ) من المراقبة و (١) التَّأهُّب للقاء الله، والتَّفكُّر في ذلك (خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي (٢) إِلَيْهِ) من الكتابة ونحوها (وَأَوْصَى) ﵊ (عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ) فقال: (أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ) وهي ما بين عدن إلى ريف العراق طولًا، ومن جدَّة إلى أطراف الشَّام عرضًا، قاله الأصمعيُّ فيما رواه عنه أبو عبيدٍ، وقال الخليل: سُمِّيت جزيرة العرب لأنَّ بحر فارس وبحر الحبش والعراق ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها، ولم يتفرَّغ أبو بكر ﵁ لذلك، فأجلاهم عمر ﵁، وقيل: إنَّهم كانوا أربعين ألفًا، ولم ينقل عن أحد من الخلفاء أنَّه أجلاهم من اليمن مع أنَّها من جزيرة العرب (وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ (٣) مَا) ولأبي الوقت:

стр. 6132

«بنحوٍ ممَّا» (كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) قال ابن المُنَيِّر: والَّذي بقي من هذا الرَّسم ضيافات الرُّسل، وإقطاعات الأعراب، ورسومهم في أوقاتٍ، ومنه إكرام أهل الحجاز إذا وفدوا. قال ابن عيينة كما عند الإسماعيليِّ هنا والبخاريِّ في «الجزية» [خ¦٣١٦٨] (١)، أو سليمان الأحول كما في «مسند الحميديِّ» أو سعيد بن جبيرٍ كما عند النَّوويِّ في «شرح مسلمٍ»: (وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ) هي إنفاذ جيش أسامة، وكان المسلمون اختلفوا في ذلك على أبي بكرٍ، فأعلمهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَهِد بذلك عند موته، أو هي قوله: «لا تتَّخذوا قبري وثنًا»، قال في «المقدِّمة»: ووقع في «صحيح ابن حبَّان» ما يرشد إلى أنَّها الوصيَّة بالأرحام. (وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الزُّهريُّ فيما وصله إسماعيل القاضي في «أحكامه»: (سَأَلْتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ فَقَالَ): هي (مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ وَاليَمَامَةُ وَاليَمَنُ) وهذا موافقٌ لما روي عن مالكٍ إمام دار الهجرة (وَقَالَ يَعْقُوبُ) بن محمَّد المذكور: (وَالعَرْجُ) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء بعدها جيمٌ، قريةٌ جامعةٌ من الفرع على نحو ثمانيةٍ وسبعين ميلًا من المدينة (أَوَّلُ تِهَامَةَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة (٢). وقد استدلَّ بهذا الحديث إمامنا الشَّافعيُّ وغيره من العلماء على منع إقامة الكافر -ذمِّيًّا كان أو حربيًّا- بمكَّة والمدينة واليمامة وقراهنَّ، وما تخلَّل ذلك من الطُّرق، فلا يقرُّ في شيءٍ منها بجزيةٍ ولا بغيرها لشرفها. نعم، لا يُمنَع من ركوب بحر الحجاز لأنَّه ليس موضع إقامة، بخلاف جزائره وقرى الأماكن المذكورة، وكذا لا يُمنَع من الإقامة باليمن لأنَّه ليس من الحجاز وإن كان من جزيرة العرب لأنَّ عمر أجلى أهل الذِّمَّة من الحجاز، وأقرَّهم فيما عداه من اليمن، ولم يخرجهم هو ولا أحدٌ من الخلفاء منه، وإنَّما أخرج أهل نجران من جزيرة العرب وليست من الحجاز لنقضهم العهد بأكلهم الرِّبا المشروط عليهم تركه، وكذا يُمنَع من دخول الحرم المكِّيِّ، فلا يدخله لمصلحةٍ ولا لغيرها لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ والمراد: جميع الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (٣) أي: فقرًا بمنعهم من

стр. 6133

الحرم وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] ومعلومٌ أنَّ الجلب إنَّما يجلب إلى البلد لا إلى المسجد نفسه، فلو دخل كافرٌ بغير إذن الإمام؛ أخرجه وعزَّره إن علم أنَّه ممنوعٌ منه، وإن أذن الإمام أو نائبه له في الدُّخول للحجاز (١) خارج الحرم لمصلحة لنا من رسالةٍ أو عقد هدنةٍ أو حمل ميرةٍ أو متاعٍ نحتاجه، فلا يقيم فيه أكثر من أربعة أيامٍ، ولا يُمنَع من دونها، وليس حرم المدينة كحرم مكَّة فيما ذُكِر لاختصاصه بالنُّسك، وثبت أنَّه ﷺ أدخل الكفَّار مسجده وكان ذلك بعد نزول سورة براءة، وجوَّز أبو حنيفة ﵀ دخولهم حرم مكَّة. وقال العينيُّ: مذهب أبي حنيفة أنَّه لا بأس بأن يدخل أهل الذِّمَّة المسجد الحرام؛ لأنَّه ﷺ أنزل وفد ثقيفٍ في مسجده وهم كفَّارٌ، رواه أبو داود، والآية محمولةٌ على منعهم أن يدخلوه (٢) مستولين عليه، ومستعلين على أهل الإسلام من حيث التَّدبير و (٣) القيام بعمارة المسجد. (١٧٧) (بابُ التَّجَمُّلِ) باللُّبس (لِلْوُفُودِ). ٣٠٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بُكيٍر المخزوميُّ مولاهم المصريُّ

стр. 6134

قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ) هو ما غَلُظَ من الحرير (تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ) أي: اشْتَرِ (هَذِهِ الحُلَّةَ فَتَجَمَّلْ) أي: تزيَّن (بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ) زاد في «الجمعة» [خ¦٨٨٦] إذا قدموا عليك، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «والوفد» بالتَّوحيد (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذِهِ) الحلَّة الحرير (لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ) أي: من لا نصيب (لَهُ) من الخير في الآخرة، وهذا خاصٌّ بالرِّجال، وإن كانت كلمة «مَنْ» تدلُّ على العموم لأدلَّةٍ أخرى على إباحة الحرير للنِّساء (أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) شكٌّ من الرَّاوي، ولم ينكر ﵊ عليه (١) طلبه التَّجمُّل، وإنَّما أنكر عليه التَّجمُّل بهذا الشَّيء المنهيِّ عنه، وهذا موضع التَّرجمة (فَلَبِثَ) أي: عمر (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ) بالإضافة وكسر الدَّال (فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ: إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي أيضًا (ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ؟ فَقَالَ: تَبِيعُهَا) أي: أرسلتها إليك لتبيعها (أوْ) قال: (تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ) وعند أحمد: أنَّه باعها بألفي درهمٍ، وهو مشكلٌ بما زاده البخاريُّ في «الجمعة» [خ¦٨٨٦] حيث قال: فكساها عمر أخًا بمكَّة (٢) له مشركًا. (١٧٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ يُعْرَضُ الإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ؟).

стр. 6135

٣٠٥٥ - ٣٠٥٦ - ٣٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين وفتح الميمَين ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أبيه (¬﵄ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ) دون العشرة أو إلى الأربعين (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهته، وكان غلامًا من اليهود، وكان يتكهَّن أحيانًا فيصدق ويكذب، فشاع حديثه وتُحدِّث أنَّه الدَّجَّال، وأشكل أمره، فأراد النَّبيُّ ﷺ أن يختبر حاله، إذ لم ينزل في أمره وحيٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ابن الصَّيَّاد» بالتَّعريف (حَتَّى وَجَدُوهُ) ولأبي ذَرٍّ: «وجده» بالتَّوحيد حال كونه (يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) بضمِّ الهمزة والطَّاء من «أُطُم» وهو البناء المرتفع، و «مَغَالَة»: بفتح الميم والغين المعجمة واللام: بطنٌ من الأنصار، أو حيٌّ من قضاعة (وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ (١) يَحْتَلِمُ، فَلَمْ يَشْعُرْ) أي: ابن صيَّادٍ (حَتَّى) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيءٍ حتَّى» (ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟

стр. 6136

فَنَظَرَ إِلَيْهِ) ﷺ (ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) أي: العرب (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ (١) لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ (٢): «ورسوله» بالإفراد كذا في الفرع وأصله، ونسبَ ابن حجرٍ الإفراد للمُستملي. وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: كيف طابق قوله: «آمنت بالله ورسله» جواب الاستفهام؟ وأجاب: بأنَّه لمَّا أراد أن يُظهِرَ للقوم حاله أرخى العنان، حتَّى يبيِّنه عند المغترِّ به فلهذا قال آخرًا: «اخسأْ». انتهى. وقيل: يحتمل أنَّه أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النُّبوَّة، ولمَّا كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصفٍ فقال: «آمنت بالله ورسله» (٣). ثمَّ (٤) (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ) وعند التِّرمذيِّ من حديث أبي سعيدٍ: قال: أرى عرشًا فوق الماء. قال النَّبيُّ ﷺ : «ترى عرش إبليس فوق البحر». قال: «ما ترى؟» قال: أرى صادقًا وكاذبين، أو صادقين وكاذبًا (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُلِطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر اللَّام مخفَّفةً في الفرع وأصله مصحَّحًا عليها، ومشدَّدةً في غيرهما، أي: خُلِطَ عليك الحقُّ والباطل على عادة الكهَّان (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة وبالهمز فيه وفي السَّابق، أي: أضمرت لك في نفسي شيئًا. وفي التِّرمذيِّ: أنَّه خبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ) بضمِّ الدَّال المهملة، وبعدها خاءٌ معجمةٌ، فأدرك البعض على عادة الكهَّان في اختطاف بعض الشَّيء من الشَّياطين من غير وقوفٍ على تمام البيان. فإن قلت: كيف اطَّلع ابن صيَّادٍ أو شيطانه على ما في الضَّمير؟

стр. 6137

أُجيبَ: باحتمال أن يكون النَّبيُّ ﷺ تحدَّث مع نفسه أو أصحابه بذلك فاسترق الشَّيطان ذلك أو بعضه. فإن قلت: فما وجه التَّخصيص بإخفاء هذه الآية؟ أجاب أبو موسى المدينيُّ: بأنَّه أشار بذلك إلى أنَّ عيسى ابن مريم ﵇ يقتل الدَّجَّال بجبل الدُّخان، فأراد التَّعريض لابن صيَّادٍ بذلك. وحكى الخطَّابيُّ: أنَّ الآية كانت حينئذٍ مكتوبةً في يد النَّبيِّ ﷺ ، فلم يهتدِ ابن صيَّادٍ منها إلَّا لهذا القدر النَّاقص على طريق الكهنة، ولهذا (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اخْسَأْ) بالخاء المعجمة السَّاكنة وفتح السِّين المهملة، آخره همزٌ، كلمة زجرٍ واستهانةٍ، أي: اسكتْ متباعدًا ذليلًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) أي: لن تتجاوز القدر الَّذي يدركه الكهَّان من الاهتداء إلى بعض الشَّيء، ولا يُتجاوز (١) منه إلى النُّبوَّة، قال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «تعدُ» بغير واوٍ على أنَّه مجزومٌ بـ «لن» في لغةٍ حكاها الكسائيُّ، كما ذكره ابن مالكٍ في «توضيحه» (قَالَ عُمَرُ) ﵁ (يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ) أي: في ابن صيَّادٍ (أَضْرِبْ عُنُقَهُ) بهمزة قطعٍ مجزومًا جواب الطَّلب (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ يَكُنْهُ) فيه اتِّصالُ الضَّمير إذا وقع خبرًا لـ «كان»، واسمها مستترٌ فيها (٢)، وابن مالكٍ في «ألفيَّته» يختاره على الانفصال، عكس ما اختاره ابن الحاجب، وللأَصيليِّ وابن عساكرٍ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إن يكنْ» هو بانفصال الضَّمير كالآتية وهو الصَّحيح، واختاره ابن مالكٍ في «التَّسهيل» و «شرحه» تبعًا لسيبويهِ، ولفظ «هو» تأكيدٌ للضَّمير المستتر، و «كان»: تامَّةٌ، أو وضع «هو» موضع: إيَّاه، أي: إن يكن إيَّاه. وفي حديث ابن مسعودٍ عند أحمد: «إن يكن هو الَّذي تخاف فلن تستطيعه»، وعند الحارث بن أبي أسامة عن جدِّه (٣) مرسلًا: «إن يكن هو الدَّجَّال» (فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) لأنَّ عيسى هو الَّذي يقتله، وفي حديث جابرٍ عند التِّرمذيِّ: «فلست بصاحبه إنَّما صاحبه عيسى ابن مريم» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ (٤) فَلَا خَيْرَ لَكَ

стр. 6138

فِي قَتْلِهِ) قال الخطَّابيُّ: وإنمَّا لم يأذن النَّبيُّ ﷺ في قتله مع ادِّعائه النُّبوَّة بحضرته؛ لأنَّه كان غير بالغٍ، أو لأنَّه كان من جملة أهل المهادنة. قال في «الفتح»: والثَّاني هو المتعيّن، وقد جاء مصرَّحًا به في حديث جابرٍ عند أحمد، وفي مرسل عروة: «فلا يحلُّ لك قتله» ولم يصرِّح ابن صيَّادٍ بدعوى النُّبوَّة، وإنَّما أوهم أنَّه يدَّعي الرِّسالة، ولا يلزم من دعواها دعوى النُّبوَّة، قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]. وبالسَّند السَّابق: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) معه حال كونهما (يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ صَيَّادٍ حَتَّى إِذَا دَخَلَ) ﵊ (النَّخْلَ طَفِقَ) أي: جعل (النَّبِيُّ ﷺ يَتَّقِي) أي: يستتر (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) بالذَّال المعجمة: أصولها (وَهْوَ يَخْتِلُ) بفتح المثنَّاة (١) التَّحتيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقيَّة، أي: يسمع (٢) في خفيةٍ (٣) (أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا) وفي حديث جابرٍ: رجاء أن يسمع من كلامه شيئًا ليعلم أنَّه صادقٌ أم (٤) كاذبٌ (قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ) أي: ابن صيَّادٍ، كما في «الجنائز» [خ¦١٣٥٥] (وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ) أي: كساء له خملٌ (لَهُ) أي: لابن صيَّادٍ (فِيهَا) أي: في القطيفة (رَمْزَةٌ) براءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، أي: صوتٌ خفيٌّ (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه ﵊ (يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: أَيْ صَافِ) بصادٍ مهملةٍ وفاءٍ مكسورةٍ (وَهْوَ اسْمُهُ) وزاد في «الجنائز» [خ¦١٣٥٥] هذا محمَّدٌ (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ) بالمثلَّثة، أي: نهض من مضجعه مسرعًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 6139

لَوْ تَرَكَتْهُ) أمُّه ولم تعلمه بنا (بَيَّنَ) أي: أظهر لنا من حاله ما نطَّلع به على حقيقة حاله. (وَقَالَ سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر بالإسناد السَّابق: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄: (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بَعْدُ (فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ (١) أَنْذَرَهُ (٢) قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ (٣) نُوحٌ قَوْمَهُ) خصَّ نوحًا بالذِّكر؛ لأنَّه أبو البشر الثَّاني، أو لأنَّه (٤) أوَّل مشرِّعٍ (وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ). وقد ذكر في هذا الباب (٥) ثلاث قصصٍ اقتصر منها في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٣٨] على الثَّانية، وفي «الفتن» [خ¦٧١٢٣] على الثالثة، وقد اختُلِف في أمر ابن صيَّادٍ اختلافًا كثيرًا يأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٣٥٥] بعون الله ومَنِّه. (١٧٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْيَهُودِ: أَسْلِمُوا) بفتح الهمزة وكسر اللَّام، من الإسلام (تَسْلَمُوا) بفتح الفوقيَّة واللَّام، من السَّلامة، أي: تسلموا في الدُّنيا من القتل والجزية، وفي الآخرة من العقاب الدَّائم (قَالَهُ المَقْبُرِيُّ) بفتح الميم وضمِّ الموحَّدة، وهو سعيد بن أبي سعيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ في حديثٍ يأتي إن شاء الله تعالى موصولًا في «الجزية» [خ¦٣١٦٧]. (١٨٠) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ) من أهل الحرب (فِي دَارِ الحَرْبِ وَلَهُمْ مَالٌ وَأَرَضُونَ فَهْيَ لَهُمْ).

стр. 6140

٣٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ، ولأبي ذَرٍّ وحده كما في «الفتح»: «حدَّثنا عبد الله هو ابن المبارك» بدل «أخبرنا عبد الرَّزَّاق» قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بدون تعريفٍ، ابن عليٍّ (١) زين العابدين (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) الأمويِّ القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ؟) حجَّة الوداع (قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ) بفتح العين وكسر القاف، ابن أبي طالب (مَنْزِلًا؟) زاد في «باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٨٨] وكان عَقيلٌ وَرِثَ أبا طالبٍ هو وطالبٌ، ولم يرث جعفر ولا عليٌّ شيئًا لأنَّهما كانا مسلمين، وكان عَقيلٌ وطالبٌ كافرين، أي: عند وفاة أبيهما لأنَّ عقيلًا أسلم بعد ذلك. قيل: ولمَّا كان أبو طالبٍ أكبر ولد عبد المطَّلب؛ احتوى على أملاكه، وحازها وحده على عادة الجاهليَّة من تقديم الأسنِّ، فتسلَّط عقيلٌ أيضًا بعد الهجرة عليها. وقال الدَّاوديُّ: باع عقيلٌ ما كان للنَّبيِّ ﷺ ولمن هاجر من بني عبد المطَّلب، كما كانوا يفعلون بدُور مَن هاجر من المؤمنين، وإذا أجاز ﵊ لعَقيلٍ تصرُّفه قبل إسلامه فما بعد الإسلام بطريقِ الأَولى. وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة (٢). (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) بكسر الكاف وبنونين بينهما ألفٌ (المُحَصَّبِ) بفتح الصَّاد بلفظ المفعول من التَّحصيب، عطف بيانٍ، أو بدلٌ من «الخَيف» وفي «الحجِّ» [خ¦١٥٩٠] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من الغد يوم النَّحر وهو

стр. 6141

بمنًى: «نحن نازلون غدًا بخَيف بني كنانة» وفيه تجوُّزٌ عن الزَّمان المستقبل القريب بلفظ: الغد، كما يُتجوَّز (١) بالأمس عن الماضي، لأنَّ النُّزول في «المحصَّب» إنَّما يكون في الثَّالث عشر من الحجَّة، لا في اليوم الثَّاني من العيد الَّذي هو الغد حقيقةً (حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ) وفي «باب نزول النبيِّ ﷺ مكَّة (٢)» من «الحجِّ» [خ¦١٥٩٠] حيث تقاسموا -بمثنَّاةٍ قبل القاف بلفظ الجماعة- أي: تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا) وفي «الحجِّ» [خ¦١٥٩٠] وذلك أنَّ قريشًا وكنانة تحالفت (عَلَى بَنِي هَاشِمٍ) زاد في «الحجِّ» من رواية الوليد [خ¦١٥٩٠] وبني عبد المطَّلب أو بني المطَّلب بالشَّكِّ (أَلَّا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُؤُووهُمْ) وفي «الحجِّ» [خ¦١٥٩٠] ألَّا يناكحوهم ولا يبايعوهم. قال الإمام النَّوويُّ: معنى تقاسمهم على الكفر: تحالفهم على إخراج النَّبيِّ ﷺ وبني هاشم والمطَّلب من مكَّة إلى خَيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصَّحيفة المشهورة، فيها أنواعٌ من الباطل، فأرسل الله عليها الأَرَضَة، فأكلت ما فيها من الكفر، وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبريلُ النَّبيَّ ﷺ ، فأخبر به عمَّه أبا طالبٍ، فأخبرهم عن النَّبيِّ ﷺ بذلك، فوجودوه كما أخبر، وقد ذكر الخطيب: أنَّ قوله هنا: «وذلك أنَّ بني كنانة … » إلى آخره، المعطوف على حديث أسامة مُدرَجٌ في رواية الزُّهريِّ عن عليِّ بن حسينٍ عن عمرو بن عثمان عن أسامة، وإنَّما هو عند الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وذلك أنَّ ابن وهبٍ رواه عن يونس، عن الزُّهريِّ، ففصل بين الحديثين، وروى محمَّد بن أبي حفصة، عن الزُّهريِّ الحديث الأوَّل فقط، وروى شعيبٌ والنُّعمان بن راشدٍ وإبراهيم بن سعدٍ والأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ الحديث الثَّاني فقط (٣) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجرٍ بعد أن ذكر ذلك: أحاديث الجميع عند البخاريِّ، وطريق ابن وهبٍ عنده لحديث أسامة في «الحجِّ» [خ¦١٥٨٨]، ولحديث أبي هريرة في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٧٩]، وأخرجهما مسلم معًا في «الحجِّ». (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ: (وَالخَيْفُ) المذكور المنسوب لبني كنانة: هو (الوَادِي) وقال غيره: ما ارتفع من مسيل (٤) الوادي، ولم يبلغ أن يكون جبلًا.

стр. 6142

٣٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم مولى عمر بن الخطَّاب (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد التَّحتيَّة وقد تُهمزُ (عَلَى الحِمَى) بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مقصورًا، وهو موضعٌ يعيِّنه الإمام لنحو نَعَم الصَّدقة ممنوعًا عن الغير، وعند ابن سعدٍ من طريق عمير بن هنيٍّ عن أبيه: أنَّه كان على حمى الرَّبَذَة (فَقَالَ) أي: عمر له: (يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ المُسْلِمِينَ) أي: اكفف يدك عن ظلمهم (وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ) فإنَّها لا تُحجَب عن الله، ولأبي ذَرٍّ: «المسلمين» كذا في عدَّةٍ من فروع «اليونينيَّة» كهي وغيرها، وعزا الأولى في «فتح الباري» للإسماعيليِّ والدَّارقُطنيِّ وأبي نُعيمٍ، وتبعه العينيُّ، والعجب منه أنَّها في المتن الَّذي ساقه بلفظ: «المظلوم» (فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَأَدْخِلْ) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة، يعني (١): أدخل في الحمى والمرعى (رَبَّ الصُّرَيْمَةِ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الرَّاء، وهي القطيعة من الإبل بقدر الثَّلاثين (وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح النُّون تصغير: غَنَم، والمراد: القليل منهما كما دلَّ عليه (٢)

стр. 6143

التَّصغير (وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ) عبد الرَّحمن (وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ) عثمان، كان القياس أن يقول: وإيَّاك لأنَّ هذه الكلمة للتَّحذير، وتحذير المتكلِّم نفسه قليلٌ كما مرَّ، ولكنَّه بالغ فيه من حيث إنَّه حذَّر نفسه، ومراده: تحذير من يخاطبه وهو أبلغ لأنَّه ينهى نفسه، ومراده: نهي من يخاطبه عن إيثار ابن عوفٍ وابن عفَّان على غيرهما في الرَّعي، أو تقديمهما على الغير، وخصَّهما بالذِّكر على طريق المثال؛ لأنَّهما كانا من مياسير الصَّحابة، ولم يرد بذلك منعهما البتَّة، وإنَّما أراد أنَّه إذا لم يَسَعِ المرعى إلَّا نَعَم أحد الفريقين فَنَعَم المقلِّين أَولى، وقد بيَّن وجه ذلك بقوله: (فَإِنَّهُمَا) أي: ابن عوفٍ وابن عفَّان (إنْ تَهْلِكْ (١)) بكسر اللَّام والجزم (مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى) عوض ذلك من (٢) أموالهما من (نَخْلٍ وَزَرْعٍ) وغيرهما (وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ) القليلة (وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ) القليلة اللَّذَيْنِ ليس لهما إلَّا ذلك (٣) (إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي) مجزومٌ بحذف الياء (بِبَنِيهِ) أي: بأولاده، ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ كما في «الفتح»: «ببيته» بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ، قبلها تحتيَّةٌ ساكنةٌ بلفظِ مفردِ «البيت» والمعنى متقاربٌ (فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ) مرَّتين، أي: نحن فقراء محتاجون، أو نحو ذلك، وعند غير أبي ذرٍّ: «يا أمير المؤمنين» مرَّةً واحدةً (أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا؟!) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أنا لا أتركهم محتاجين، ولا أجوِّز ذلك، فلا بدَّ لي من إعطاء الذَّهب والفضَّة لهم بدل الماء والكلأ من بيت المال (لَا أَبَا لَكَ) بغير تنوينٍ، لأنَّه كالمضاف، وظاهره الدُّعاء عليه، لكنَّه على المجاز لا الحقيقة (فَالمَاءُ وَالكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ) أي: من إنفاقهما من بيت المال (وَايْمُ اللهِ إِنَّهُمْ) أي: أرباب المواشي القليلة من أهل المدينة وقراها (لَيَرَوْنَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: ليعتقدون، وبضمِّها، أي: ليظنُّون (أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا) أي: هذه الأراضي (لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا) بفاءٍ قبل القاف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكرٍ: «قاتلوا» (عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا) عفوًا (فِي الإِسْلَامِ) فكانت أموالهم لهم، وهذا بخلاف من أسلم من أهل العنوة، فإنَّ أرضه فيءٌ للمسلمين؛ لأنَّهم غلبوا على بلادهم كما غلبوا على أموالهم،

стр. 6144

بخلاف أهل الصُّلح في ذلك، وإنَّما ساغ لعمر ﵁ ذلك لأنَّه كان مَواتًا فحماه لِنَعَم الصَّدقة ومصلحة المسلمين (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا المَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ) مَن لا يجد ما يركبه (فِي سَبِيلِ اللهِ) من الإبل والخيل (مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا) وجاء عن مالكٍ: أنَّ عدَّة ما كان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفًا من إبلٍ وخيلٍ وغيرهما. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «إنَّها لبلادهم» إلى آخرها، وأشار بالتَّرجمة إلى الرَّدِّ (١) على من قال من الحنفيَّة: إنَّ الحربيَّ إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتَّى غلب المسلمون عليها فهو أحقُّ بجميع ماله إلَّا أرضه وعقاره، فإنَّها تكون فيئًا للمسلمين. وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور، قاله في «فتح الباري»، وهذا الأثر تفرَّد به البخاريُّ عن الجماعة. وقال الدَّارقُطنيُّ فيه: غريبٌ صحيحٌ. (١٨١) (بابُ كِتَابَةِ الإِمَامِ النَّاسَ) بالنَّصب مفعولًا (٢) للمصدر المضاف لفاعله، أي: من المقاتلة وغيرهم، ولأبي ذَرٍّ: «للنَّاس» أي: لأجلهم، والمفعول محذوفٌ. ٣٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (٣) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ

стр. 6145

النَّبِيُّ (١) ﷺ : اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وفتح (٢) اللَّام والفاء المشدَّدة، وللأَصيليِّ وابن عساكرٍ وأبي الوقت: «يلْفِظ» بالتَّحتيَّة وسكون اللَّام وكسر الفاء (بِالإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ. فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخمس مئة رَجُلٍ) ولعلَّه كان عند خروجهم إلى أُحُدٍ أو عند حفر الخندق، وبه جزم السَّفاقسيُّ أو بالحديبية لأنَّه اختُلِفَ في عددهم هل كانوا ألفًا وخمس مئةٍ أو ألفًا وأربع مئةٍ؟ وفيه مشروعيَّة كتابة الإمام النَّاس عند الحاجة إلى الدَّفع عن المسلمين (فَقُلْنَا: نَخَافُ) أي: هل نخاف (وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخمس مئةٍ) زاد أبو معاوية عن الأعمش عند مسلمٍ: فقال: «إنَّكم لا تدرون لعلَّكم (٣) أن تُبتَلَوا» (فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) بضمِّ التَّاء للمتكلِّم، أي: لقد رأيت أنفسنا (ابْتُلِينَا) بضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول، بعد رسول الله ﷺ (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهْوَ خَائِفٌ) أي: مع كثرة المسلمين، ولعلَّه أشار إلى ما وقع في خلافة عثمان ﵁ من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخِّر الصَّلاة أو لا يقيمها على وجهها، فكان بعض الورعين يصلِّي وحده سرًّا، ثمَّ يصلِّي معه خشية الفتنة. وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون اليشكريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، أي (٤): عن أبي وائلٍ عن حذيفة الحديث، وفيه: (فَوَجَدْنَاهُمْ خمس مئةٍ) فلم يذكر أبو حمزة الأَلْفَ الَّتي ذكرها سفيان (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) بن خازم -بالخاء المعجمة- ممَّا وصله مسلمٌ وأحمد والنَّسائيُّ وابن ماجه: (مَا بَيْنَ ستِّ مئةٍ إِلَى سبع مئةٍ) وزيادة الثِّقة الحافظ مقدَّمةٌ؛ ولذا قدَّم المؤلِّف رواية الثَّوريِّ، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه، فالثَّوريُّ أحفظهم مطلقًا، وقد قيل في الجمع: بأنَّ

стр. 6146

المراد بالخمس مئةٍ المقاتلة من أهل المدينة (١) خاصَّةً، وبما بين السِّتِّ مئةٍ إلى السَّبع مئةٍ هم ومن ليس بمقاتلٍ، وبالألف وخمس مئةٍ هم ومن حولهم من أهل القرى والبوادي، لكنَّ الحديث متَّحد المخرج، ومداره على الأعمش بسنده واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» والنَّسائيُّ في «السِّير». ٣٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال (٢): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحَّدة، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، نافذٌ، بالنُّون والفاء والذَّال المعجمة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُعرَف اسمه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُتِبْتُ) بضمِّ الكاف وكسر الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَ) الحال أنَّ (امْرَأَتِي حَاجَّةٌ) لم يُعرَف اسم المرأة، ولا الغزوة أيضًا (قَالَ) ﵊: (ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) وإنَّما كان ذلك لأنَّه ليس لها مَحْرَمٌ غيره، والغزو يقوم غيره فيه مقامه، وفيه إشعارٌ بأنَّه كان من عادتهم كتابة من يتعيَّن للخروج للجهاد. وسبق الحديث في «الحجِّ» [خ¦١٨٦٢] و «الجهاد» [خ¦٣٠٠٦]. (١٨٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ).

стр. 6147

٣٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ. (ح) لتحويل السَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) سقط لأبي ذَرٍّ «بن غيلان» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ، واللَّفظ لروايته لا لشعيبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد الأصيليُّ: «خيبر» (فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ) بفتح الياء وتشديد الدَّال وكسر العين، و «الإسلامَ»: نصبٌ على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من يُدْعَى بالإسلام» بضمِّ الياء وسكون الدَّال وفتح العين، و «بالإسلامِ» جارٌّ ومجرورٌ (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) علم ذلك (١) بالوحي أنَّه غير مؤمنٍ، أو أنَّه سيرتدُّ ويستحلُّ قتل نفسه، وقد قيل: إنَّ اسمه قزمان الظفريُّ، وهو معدودٌ في جملة المنافقين، وعُورِضَ: بأنَّ قصَّة قُزْمان كانت في وقعة أُحُدٍ كما سبق في حديث سهل بن سعدٍ [خ¦٢٨٩٨] والأوَّل مبنيٌّ على أنَّ القصَّة الَّتي في حديث سهلٍ متَّحدةٌ مع قصَّة حديث أبي هريرة هذا، وفيه نظرٌ لما وقع بينهما من الاختلاف على ما لا يخفى، لكنَّ صنيع البخاريِّ حيث ساق الحديثين (٢) في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٠٤] يُشعِر باتِّحادهما عنده. وأمَّا قول أبي هريرة: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فمحمولٌ على المجاز، فالمراد جنسه من المسلمين، لأنَّ الثَّابت أنَّه إنَّما جاء بعد أن فُتِحَت خيبر، ووقع عند الواقديِّ: أنَّه قدم بعد فتح معظم خيبر فحضر فتح آخرها، وفي «الجهاد» [خ¦٢٨٢٧] من طريق عنبسة بن سعيدٍ عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعدما افتتحها، فقلت: يا رسول الله، أسهم لي (فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ) بالرَّفع فاعلُ «حضرَ» ويجوز النَّصب على المفعوليَّة على التَّوسُّع وفي «حضَر» ضميرٌ يرجع إلى الرَّجل، وهو فاعله

стр. 6148

(قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) وفي رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٠٣] قاتل الرَّجل أشدَّ القتال حتَّى كَثُرت به الجراحة (فَقِيلَ) القائل هو أكثم بن أبي (١) الجون إن قلنا باتِّحاد القصَّتين: (يَا رَسُولَ اللهِ، الَّذِي قُلْتَ: إِنَّهُ) وللأربعة: «الَّذي قلت له: إنَّه» أي: الَّذي قلت فيه: إنَّه (٢) (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فاللَّام بمعنى: «في» (فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِلَى النَّارِ قَالَ) أبو هريرة أو غيره: (فَكَادَ) بالدَّال، أي: قارب (بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ) أي (٣): يشكَّ في صدق الرَّسول ﷺ ، وفيه: جواز دخول «أَنْ» على خبر «كاد» وهو جائزٌ مع قلَّته (٤)، وسقطت في رواية شعيبٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ «فكأنَّ» بهمزة قطعٍ (٥) ونونٍ مشدَّدةٍ «بعض النَّاس أراد أن يرتاب» (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ) وفي رواية شعيبٍ: فوجد الرَّجل ألم الجراحة (٦)، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج (٧) منها أسهمًا (٨) فنحر بها نفسه (فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا) المؤذِّن (فَنَادَى بِالنَّاسِ) ولأبي ذَرٍّ: «في الناس» (إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ (٩) مُسْلِمَةٌ) فيه إشعارٌ بسلب الإيمان عن الرَّجل المذكور (وَإِنَّ اللهَ) بكسر الهمزة وفتحها (لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) يحتمل أن تكون اللَّام للعهد، والمراد قُزْمان المذكور، وأن تكون للجنس، وهذا لا يعارضه قوله ﵊ المرويُّ في «مسلمٍ»: «إنّا لا نستعين بمشركٍ» لأنَّه خاصٌّ بذلك الوقت، وحجَّة النَّسخ (١٠) شهود صفوان بن أميَّة حُنَينًا

стр. 6149

معه ﷺ وهو مشركٌ، وقصَّته مشهورةٌ في «المغازي» [خ¦٤٢٠٧] قال ابن المُنَيِّر: موضع التَّرجمة من الفقه ألَّا يُتخيَّل في الإمام أو السُّلطان الفاجر -إذا كان (١) حمى حوزة الإسلام- أنَّه مُطَّرح النَّفع في الدِّين لفجوره، فيجوز الخروج عليه وأن يُخلع، لأنَّ الله قد يؤيِّد به دينه، وفجوره على نفسه، فيجب الصَّبر عليه والسَّمع والطَّاعة له في غير المعصية، ومن هذا استجاز العلماء الدُّعاء للسَّلاطين (٢) بالتَّأييد والنَّصر، وغير ذلك من الخير. وهذا الحديث قد مرَّ نحوه في «باب لا يقول: فلانٌ شهيدٌ» من حديث سهل بن سعدٍ السَّاعديِّ [خ¦٢٨٩٨] ويأتيان إن شاء الله تعالى في «غزوة خيبر» من «كتاب المغازي» [خ¦٤٢٠٢] [خ¦٤٢٠٤] بعون الله وقوَّته (٣). (١٨٣) (بابُ مَنْ تَأَمَّرَ) أي: جعل نفسه أميرًا على قومٍ (فِي الحَرْبِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) أي: من غير تأمير الإمام أو نائبه (إِذَا خَافَ العَدُوَّ) أي: فإنَّه جائزٌ. ٣٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم البصريُّ و «عُلَيَّة» أمُّه (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصرٍ البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا التقى النَّاس بمؤتة، وكُشِفَ له (٤) ما بينه وبينهم حتَّى نظر إلى

стр. 6150

معتركهم (١) (فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ) هو ابن حارثة (فَأُصِيبَ) أي: فقُتِل (ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ) هو ابن أبي طالبٍ (فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) الأنصاريُّ (فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) المخزوميُّ سيف الله (عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) أي: صار أميرًا بنفسه من غير أن يُفوِّض الإمام إليه، وهو متعلِّقٌ بـ «خالد بن الوليد» ففي «المغازي» [خ¦٤٢٦١] من هذا الكتاب من حديث ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ : إِن قُتِلَ زيدٌ فجعفرٌ، وإِن قُتِل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة، ويروى: «مِن غير إمرةٍ» (فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا) ولأبي ذَرٍّ: «ففتح الله عليه فما» (يَسُرُّنِي أَوْ قَالَ: مَا (٢) يَسُرُّهُمْ) أي: المقتولين (أَنَّهُمْ عِنْدَنَا) لأنَّ حالهم فيما هم فيه خيرٌ ممَّا لو كانوا عندنا، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَقَالَ) أنسٌ: (وَإِنَّ عَيْنَيْهِ) ﵇ (لَتَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء: تسيلان دمعًا، ويُؤخَذ من الحديث -كما قاله ابن المُنَيِّر- أنَّ مَن تعيَّن لولايةٍ وتعذَّرت مراجعة الإمام أنَّ الولاية تثبت لذلك المتعيَّن شرعًا، وتجب طاعته حكمًا، أي: إذا اتَّفق عليه الحاضرون، وأنَّ الإمام لو عهد إلى جماعةٍ مرتَّبين، فقال الخليفة: بعد موتي فلانٌ وبعد موته فلانٌ جاز، وانتقلت الخلافة إليهم على ما رتَّب، كما رتَّب رسول الله (٣) ﷺ أمراء جيش غزوة مؤتة، فلو مات الأوَّل في حياة الخليفة فالخلافة للثَّاني، ولو مات الأوَّل والثَّاني في حياته فهي للثَّالث، ولو مات الخليفة وبقي الثَّلاثة أحياء فانتصب الأوَّل للخلافة، ثمَّ أراد أن يعهد بها إلى غير الآخرين؛ فالظاهر من مذهب الشَّافعيِّ جوازه؛ لأنَّها لمَّا انتهت إليه صار أملك بها، بخلاف ما إذا مات ولم يعهد إلى أحدٍ، فليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثَّاني، ويُقَدَّم عهد الأوَّل على اختيارهم، والعهد موقوفٌ على قبول (٤) المعهود إليه، واختُلِف في وقت قبوله فقيل: بعد موت الخليفة، والأصحُّ أنَّ وقته ما بين عهد الخليفة وموته قاله في «الرَّوضة» وأشار إليه المهلَّب، واعترضه صاحب «المصابيح» من المالكيَّة: بأنَّ الإمامة حينئذٍ ترجع إلى أنَّها حبسٌ على الخليفة، يتحكَّم فيها إلى يوم القيامة، فيقول: فلانٌ بعد فلانٍ، وعَقِب فلان بعد (٥) عقب (٦)

стр. 6151

فلان، ولا يصلح (١) هذا في مصالح المسلمين المختلفة باختلاف الأوقات. (١٨٤) (بابُ العَوْنِ) في الجهاد (بِالمَدَدِ) بالميم المفتوحة، ما يَمدُّ به الأمير بعض العسكر من الرِّجال. ٣٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد بن إبراهيم أبو (٢) عمرٍو السَّلميُّ البصريُّ (وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ) الأنماطيُّ كلاهما (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي عَروبة البصريِّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ رِعْلٌ) بكسر الرَّاء وسكون العين، ابن خالدِ بن عوف بن امرئ القيس (وَذَكْوَانُ) بفتح الذَّال المعجمة، ابن ثعلبة (وَعُصَيَّةُ) بضمِّ العين وفتح الصَّاد المهملتَين، مصغَّرًا، ابن خُفافٍ (وَبَنُو لَِحْيَانَ) بكسر اللَّام وفتحها: حيٌّ (٣) من هُذَيل (فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ) ﵊ أي: طلبوا منه المدد (عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ) وكان أميرهم المنذر بن عمرٍو، وقيل: مرثد بن أبي مرثد (قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ) لكثرة قراءتهم (يَحْطِبُونَ (٤)) بكسر الطَّاء، أي: يجمعون الحطب (بِالنَّهَارِ) يشترون به الطَّعام لأهل الصُّفَّة (وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى

стр. 6152

بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ) بفتح الميم وضمِّ العين المهملة وسكون الواو، بعدها نونٌ: موضعٌ ببلاد هذيل بين مكَّة وعسفان (غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ) وكان ذلك في صَفَر من السَّنة الرَّابعة، لكنَّ قوله: «وبنو لِحيان» وَهَمٌ، كما نبَّه عليه الدِّمياطيُّ لأنَّ بني لحيان ليسوا أصحاب بئر معونة، وإنَّما هم أصحاب الرَّجيع الَّذين قتلوا عاصمًا وأصحابه، وأسروا خُبيبًا، وكذا قوله: «وأتاه رِعْلٌ وذَكوان وعُصَيَّة» وَهَمٌ أيضًا، وإنَّما أتاه أبو براء من بني كلابٍ، وأجار أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، فأخفر جواره عامر بن الطُّفيل، وجمع عليهم هذه القبائل من بني سُليمٍ (فَقَنَتَ) ﵊ (شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ) فشرك بين (١) بني لِحيان وعُصَيَّة وغيرهم في الدُّعاء لأنَّ خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرَّجيع جاءا (٢) إليه ﷺ في ليلةٍ واحدةٍ. (قَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة: (وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّهُمْ قَرَؤُوْا بِهِمْ قُرْآنًا أَلَا) بتخفيف (٣) اللَّام (بَلِّغُوا قَوْمَنَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بلِّغوا عنَّا قومنا» (بِأَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ) بالبناء على الضمِّ، لقطعه عن الإضافة، ولأبي ذَرٍّ: «بعد ذلك» أي: نُسِخَت تلاوتها. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٥] أيضًا و «المغازي» [خ¦٤٠٨٨]، وأخرجه مسلمٌ في «الحدود» والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الحدود» و «الطِّبِّ» و «المحاربة». (١٨٥) (بابُ مَنْ غَلَبَ العَدُوَّ، فَأَقَامَ عَلَى عَرْصَتِهِمْ) بفتح العين والصَّاد المهملتَين، بينهما راءٌ، أي: بقعتهم الواسعة الَّتي لا بناء بها من دارٍ وغيرها (ثَلَاثًا). ٣٠٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح راء «رَوح» وضمِّ عين «عُبَادة» وتخفيف الموحَّدة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة

стр. 6153

أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ) أي: غلبهم (أَقَامَ بِالعَرْصَةِ) الَّتي لهم (ثَلَاثَ لَيَالٍ) لأنَّ الثَّلاث أكثر ما يستريح المسافر فيها، أو لقلَّة احتفاله بهم، كأنَّه يقول: نحن مقيمون، فإن كانت لكم قوَّةٌ فهلمُّوا إلينا، وقال ابن المُنَيِّر: ولعلَّ المقصود بالإقامة: تبديل السَّيئات وإذهابها بالحسنات، وإظهار عزِّ الإسلام في تلك الأرض، كأنَّه يضيفها بما يوقعه فيها من العبادات والأذكار لله، وإظهار شعائر المسلمين: وإذا تأمَّلْتَ البقاعَ وجدتَها … تشقى كما تشقى الأنامُ (١) وتسعدُ وإذا كان ذلك (٢) في حكم الضِّيافة ناسب أن يقيم عليها ثلاثًا لأنَّ الضِّيافة ثلاثٌ. (تَابَعَهُ) أي: تابع رَوح بن عبادة (مُعَاذٌ) هو ابن معاذ (٣) العنبريُّ (٤)، فيما وصله الإسماعيليُّ (وَعَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى السَّامي -بالمهملة- فيما وصله مسلمٌ قالا: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ مسلمٍ: لمَّا كان يوم بدرٍ وظهر عليهم نبيُّ الله … الحديث. وقد أخرج البخاريُّ الحديث في «المغازي» في «غزوة بدرٍ» [خ¦٣٩٧٦] عن شيخٍ آخر عن رَوحٍ، بأتمَّ من هذا السِّياق. (١٨٦) (بابُ مَنْ قَسَمَ الغَنِيمَةَ فِي غَزْوِهِ وَسَفَرِهِ. وَقَالَ رَافِعٌ) هو ابن خديجٍ، ممَّا وصله في «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٨] (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) هو ميقات أهل المدينة (٥) كما قاله النَّوويُّ،

стр. 6154

لكنْ (١) زاد مسلمٌ كالبخاريِّ في «باب من عدل عشرًا من الغنم» [خ¦٢٥٠٧] بجزورٍ من تِهامة، وهو يردُّ على النَّوويِّ (٢) كما مرَّ في «الشَّركة» [خ¦٢٤٨٨] (فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا) ولأبي ذَرٍّ: «إبلًا وغنمًا»، زاد في «الشركة» [خ¦٢٥٠٧] فعجِل القوم فأغلوا بها القدور، فجاء (٣) رسول الله ﷺ فأمر بها فأكفئت (فَعَدَلَ) بتخفيف الدَّال المهملة، أي: قَوَّم (عَشَرَةً) بتاء التَّأنيث، لكن قال ابن مالكٍ: لا يجوز إثباتها، ولأبي الوقت: «كلَّ عشرةٍ» وفي نسخةٍ بالفرع وأصله: «عشرًا» (مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ) أي: جعلها معادلةً له. ٣٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال المهملة وفتح الموحَّدة، ابن الأسود القيسيُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم، ابن يحيى العَوْذِيُّ، بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذَّال المعجمة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ) بسكون العين، وهي ما بين الطَّائف ومكَّة (حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) بالتَّنوين، وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاثة أميالٍ. ومطابقة الحديث (٥) لما تُرجِمَ به غير خفيَّةٍ، وفي الحديث: جواز قسم الغنائم بدار الحرب، وأنَّه راجعٌ إلى رأي الإمام، فيقسم (٦) عند الحاجة، ويؤخِّر إذا رأى في المسلمين غنًى، ومنع أبو حنيفة القسمة في دار الحرب، واحتجُّوا له لأنَّ المُلْك لا يتمُّ إلَّا بالاستيلاء، ولا يتمُّ الاستيلاء إِلَّا بإحرازها في دار الإسلام.

стр. 6155

(١٨٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا غَنِمَ المُشْرِكُونَ) المحاربون (مَالَ المُسْلِمِ، ثُمَّ وَجَدَهُ المُسْلِمُ) بعد استيلاء المسلمين عليهم؛ هل يأخذه لأنَّه أحقُّ به أو يكون من الغنيمة؟ ٣٠٦٧ - (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ نُمَيْرٍ) عبد الله الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، ممَّا وصله أبو داود: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب القرشيُّ العدويُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ، فَأَخَذَهُ العَدُوُّ) من أهل الحرب، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ذهبتْ» بزيادة تاء التَّأنيث «فأخذها» بتأنيث الضَّمير، لأنَّ الفرس اسم جنس يُذكَّر ويؤنَّث (فَظَهَرَ عَلَيْهِ) أي: غلب على العدوِّ (المُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ) الفرس (فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبَقَ) أي: هرب (عَبْدٌ لَهُ) أي: لابن عمر يوم اليرموك كما عند عبد الرَّزَّاق (فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ) أي: العبد (عَلَيْهِ) على ابن عمر (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في زمن أبي بكر الصِّدِّيق، والصَّحابة متوافرون من غير نكيرٍ منهم، وفيه دليلٌ للشَّافعيَّة وجماعةٍ: على أنَّ أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئًا من مال المسلمين، ولصاحبه أخذُه قبل القسمة (١) وبعدها، وعند مالكٍ وأحمد وآخرين: إِن وجده مالكه قبل القسمة فهو أحقُّ به، وإِن وجده بعدها فلا يأخذه إلَّا بالقيمة، رواه الدَّارقُطنيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا، لكنَّ إسناده ضعيفٌ جدًّا، وبذلك قال أبو حنيفة: إلَّا في الآبق، فقال: مالكه أحقُّ به مطلقًا.

стр. 6156

٣٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندارُ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريُّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ أَنَّ عَبْدًا لاِبْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَبَقَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ) أي: على الآبق (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَرَدَّهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَأَنَّ فَرَسًا لاِبْنِ عُمَرَ) أيضًا (عَارَ) بعينٍ وراء مخفَّفةٍ مهملتَين، بينهما ألفٌ، أي: انطلق هاربًا على وجهه (فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ) خالدٌ (فَرَدُّوهُ) وفي نسخةٍ: «فردَّه» (عَلَى عَبْدِ اللهِ) أي: بعد موت النَّبيِّ ﷺ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَارَ: مُشتَقٌّ مِنَ العَيرِ) بفتح العين وسكون التَّحتيَّة (وَهُوَ حِمَارُ وَحْشٍ، أَي: هَرَبَ) يريد أنَّه فعل فعله من النِّفار والهرب، وقال الطَّبريُّ: يُقال ذلك للفرس إذا فعله مرَّةً بعد مرَّةٍ، وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره. ٣٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) صاحب المغازي (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ لَقِيَ المُسْلِمُونَ) بحذف المفعول. قال الكِرمانيُّ: أي: كفَّار الرُّوم، وعند الإسماعيليِّ في روايته (١) عن محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، وأبي نُعيمٍ من طريق أحمد بن يحيى (٢) الحلوانيِّ، كلاهما عن أحمد ابن يونس شيخ البخاريِّ، فيه بلفظ: يوم لقي المسلمون طيئًا وأسدًا، فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جُرْفًا فصرعه وسقط عبد الله، فعارَ الفرس فأخذه العدوُّ (وَأَمِيرُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) ﵁ (بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ في زمن خلافته (فَأَخَذَهُ) أي: الفرس (العَدُوُّ فَلَمَّا هُزِمَ العَدُوُّ) بضمِّ الهاء مبنيًّا للمفعول، و «العدوُّ»: رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، وفي نسخةٍ: «هَزَمَ العدوَّ» بفتح الهاء مبنيًّا للفاعل، أي: هزم الله العدوَّ (رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ) عليه. وقد صُرِّح في هذه الرِّواية: بأنَّ قصَّة الفرس كانت في زمن أبي بكرٍ، وفي رواية ابن نُميرٍ الأولى: أنَّها كانت في زمن النَّبيِّ ﷺ وقصَّة العبد بعده، وخالفه يحيى القطَّانُ فجعلهما

стр. 6157

معًا (١) بعده ﷺ ، لكن وافق ابنَ نُميرٍ إسماعيلُ بن زكريَّا كما عند الإسماعيليِّ، وصحَّحه الدَّاوديُّ، وأنَّه كان في غزوة مؤتة. قال: وعبيدُ الله أثْبتُ في نافعٍ من موسى بن عقبة. (١٨٨) (بابُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالفَارِسِيَّةِ) أي: باللُّغة الفارسيَّة (وَالرَِّطَانَةِ) بفتح الرَّاء ويجوز كسرها، وهي التَّكلُّم بلسان العجم (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: «وَقَولِ الله »: (﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾) أي: ومن آيات الله اختلاف لغاتكم أو أجناس نطقكم وأشكاله، خالف جلَّ وعلا بين هذه الأشياء حتَّى لا تكاد تسمع منطقين متَّفقين في همسٍ واحدٍ ولا جهارةٍ ولا حدَّةٍ (٢) ولا رخاوةٍ ولا فصاحةٍ ولا لُكْنَةٍ ولا نَظْمٍ ولا أسلوبٍ، ولا غير ذلك من صفات النُّطق وأحواله (﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]) بياض الجلد وسواده، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها، ولاختلاف ذلك وقع التَّعارف، وإلَّا فلو اتَّفقت وتشاكلت وكانت ضربًا واحدًا لوقع التَّجاهل والالتباس، ولتَعطَّلت مصالحُ كثيرةٌ (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾) ولأبي ذَرٍّ: «وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾» (﴿مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]) فيه إشارةٌ إلى أنَّ نبيَّنا محمَّدًا ﷺ كان عارفًا بجميع الألسنة؛ لشمول رسالته الثَّقلين على اختلاف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه. ٣٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، أبو حفصٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل البصريُّ (٣) قال: (أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي

стр. 6158

سُفْيَانَ) الجمحيُّ القرشيُّ المكيُّ (١) قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم وسكون التَّحتيَّة وبالنُّون ممدودًا ويُقصَر، أبو الوليد المكيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: قُلْتُ) يوم الخندق: (يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا) بضمِّ الموحَّدة وفتح الهاء وسكون التَّحتيَّة مصغَّر «بَهْمَة» (٢) بإسكان الهاء، ولد الضَّأن الذَّكر والأنثى (وَطَحَنْتُ) بسكون النُّون (صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) وفي روايةٍ: «وطحنَتْ» بسكون التَّاء، أي: امرأته، فقوله هنا: «وطحنْتُ» أي: أمرتها أن تطحن (فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ) أي: ومعك نفرٌ (فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُوْرًا) بضمِّ السِّين المهملة وإسكان الواو من غير همزٍ، وفي «اليونينيَّة»: بالهمز (٣)، وهو بالفارسيَّة، أي: طعامًا دعا إليه النَّاس (فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ) بتخفيف اللَّام منوَّنةً، أي: فأقبلوا وأسرعوا أهلًا بكم، أتيتم أهلَكم، وفي «اليونينيَّة»: بالتَّشديد من غير تنوينٍ، وهذا موضع التَّرجمة. ٣٠٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة وبالنُّون، أبو محمَّدٍ السَّلميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (عَنْ أُمِّ خَالِدٍ) اسمها: أَمة، بفتح الهمزة (بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) الأمويَّة، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ أَبِي) هو خالدٌ (وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَِنَهْ سَِنَهْ) بفتح السِّين المهملة، وكَسَرَها القابسيُّ (٤) وسكون الهاء فيهما،

стр. 6159

ولأبي ذَرٍّ: «سناه سناه» بأَلِفٍ بعد النُّون فيهما، وحكى ابن قُرْقول تشديد النُّون لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) أي: ابن المبارك، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها -أي: النُّسخ-: «قال (١) أبو عبد الله» أي: البخاريُّ، وسقط في بعضها «قال (٢) عبد الله» (وَهِيَ) أي: «سَنَه» (بِـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ) وهي (٣) الرِّطانة بغير العربيِّ (قَالَتْ) أمُّ خالدٍ: (فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ) الَّذي بين كتفيه ﷺ (فَزَبَرَنِي) بفتح الفاء والزَّاي و (٤) الموحَّدة والرَّاء، أي: نهرني (أَبِي، قَالَ (٥) رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهَا) أي: اتركها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَبْلِي وَأَخْلِقِي) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر اللَّام وبالقاف في الثَّاني، مِن: أبليت الثَّوب إذا جعلته عتيقًا، «وأخلقي» أيضًا من باب الإفعال وهو بمعناه أيضًا، وجاز أن يكونا (٦) من الثُّلاثيِّ، وليس قوله: «أَخْلِقي» بعد «أَبْلي» عطف الشَّيء على نفسه لأنَّ في المعطوف تأكيدًا وتقويةً ليس في المعطوف عليه، كقوله تعالى (٧): ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ - ٥] أو معنى «أخلقي»: خَرِّقي (٨) ثيابك وارقعيها، ولأبي ذَرٍّ والمروزيِّ: «وأخلفي» بالفاء. قال ابن الأثير: بمعنى: العوض والبدل، أي: اكتسي خَلَفه بعد بلائه، يقال: خَلَف الله وأَخلف -بالهمز- أي: جعلك الله ممَّن يخلفه عليك بعد ذهابه وتمزُّقه (ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) ثلاثًا،

стр. 6160

والَّذي في «اليونينيَّة»: «أخلفي» بالفاء في الثَّلاثة لا بالقاف. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن المبارك: (فَبَقِيَتْ) أي: أمُّ خالدٍ (حَتَّى دَكَِنَ) أي: الثَّوب؛ بدالٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وكافٍ مفتوحةٍ -وتُكسَر- ونونٍ للكُشْمِيهَنيِّ ورجَّحه أبو ذرٍّ أي: اسودَّ لونه من كثرة ما لُبِسَ من الدُّكنة، وهي غَبرة كَدِرة، وللمُستملي والحَمُّويي: «حتَّى ذَكَرَ» بالذَّال المعجمة المفتوحة والرَّاء بدل المهملة والنُّون مبنيًّا للفاعل، وعند ابن السَّكن: «ذكر دهرًا» وهو تفسيرٌ لرواية من روى: «ذكر» وكأنَّه أراد بقي هذا القميص مدَّةً من الزَّمان طويلةً نسيها الرَّاوي (١)، فعبَّر عنها بقوله: ذكر دهرًا، أي: زمانًا طويلًا نَسيتُ تحديده، ففي «ذَكر» على هذا ضميرٌ يرجع إلى الرَّاوي، أي: ذكر الرَّاوي دهرًا نسي الَّذي روى عنه تحديده، وقيل: في «ذكر» ضمير القميص، أي: بقي هذا القميص حتَّى ذكر دهرًا مجازًا، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «ذكرتْ» بلفظ المعروف، أي: بقيتْ حتَّى ذكرتْ دهرًا طويلًا، وفي بعضها: «حتى ذُكِرَتْ» (٢) بلفظ المجهول، أي: حتَّى صارت مذكورةً عند النَّاس لخروجها عن العادة. انتهى. وقال في «المصابيح»: والضَّمير في «بقيتْ» عائدٌ على الخميصة، فذكَّر وأنَّث باعتبارين؛ إذ المراد بالقميص: هو الخميصة، وأحسنُ من هذا أن يعود ضمير المؤنَّث على أمِّ خالد، وضمير المذكَّر على القميص. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٥] و «الأدب» [خ¦٥٩٩٣] وأخرجه أبو داود في «اللِّباس». ٣٠٧٢ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة، أبي الحارث القرشيِّ البصريِّ، لا الألهانيِّ

стр. 6161

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) ﵄ (أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ بِالفَارِسِيَّةِ: كَِخٍْ كَِخٍْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!) بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة (١) وكسرها منوَّنةً فيهما، كلمةٌ يُزجَر بها الصِّبيان عن المستقذَرات، يقال له: كَخْ، أي: اتركها وارْمِ بها، وهي كلمةٌ أعجميَّةٌ عُرِّبت ولذا (٢) أدخلها المؤلِّف في هذا الباب، قاله الدَّاوديُّ. وقال ابن المُنَيِّر: وجه مناسبته أنَّه ﷺ خاطبه بما يفهمه ممَّا لا يتكلَّم به الرَّجل مع الرَّجل، فهو كمخاطبة (٣) الأعجميِّ (٤) بما يفهمه من لغته، ومقصود البخاريِّ من إدراج هذا الباب في «الجهاد»: أنَّ الكلام بالفارسيَّة يحتاج إليه المسلمون لأجل رسل العجم، وسقط قوله «بالفارسيَّة» في بعض الأصول، وضُبِّب عليها في الفرع (٥) كأصله، وهذا الحديث قد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٨٥]. (١٨٩) (بابُ) حرمة (الغُلُولِ) بضمِّ الغين المعجمة واللَّام، مطلق الخيانة أو في الفيء خاصَّةً، قال في «المشارق»: كلُّ خيانةٍ غلولٌ، لكنَّه صار في عرف الشَّرع الخيانةَ في المغنم، وزاد في «النِّهاية»: قبل القسمة. انتهى. فإن كان الغلول مطلق الخيانة فهو أعمُّ من السَّرقة، وإن كان من المغنم خاصَّةً فبينه وبينها عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، ونقل النَّوويُّ الإجماع على أنَّه من الكبائر (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]) وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ، يأتي (٦) في «التَّفسير» [خ¦٣٠٧٣] إن شاء الله تعالى مباحثه.

стр. 6162

٣٠٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) (١) القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة، يحيى بن سعيدٍ التَّيميِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمُ بن عمرو بن جريرٍ البجليُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الغُلُولَ) وهو الخيانة في المغنم كما مرَّ (فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (لَا أَلْقَيَنَّ أَحَدَكُمْ) بفتح الهمزة والقاف من اللِّقاء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «لا أَُلفَِينَّ» بفتح الهمزة والفاء وبضمِّ (٢) الهمزة وكسر الفاء، من الإلفاء، وهو الوجدان، وهو (٣) بلفظ النَّفي المؤكَّد بالنُّون والمراد به: النَّهي، وهو مِثْل قولهم: لا أرينَّك ههنا، وهو ممَّا أُقيمَ فيه المسبَّب مقام السَّبب، والأصل: لا تكن ههنا فأراك، وتقديره في الحديث: لا يغلَّ أحدكم فألفيه، أي: أجده (يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ) بمثلَّثةٍ مضمومةٍ فغينٍ معجمةٍ مخفَّفةٍ فألفٍ ممدودةٍ، صوت الشَّاة، وقول ابن المُنَيِّر: «وما أظنُّ أهل السِّياسة فهموا تجريس السَّارق وعملته على رقبته ونحو هذا إلَّا من هذا الحديث» تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا يلزم من وقوع ذلك في الدَّار الآخرة جواز فعله في الدنيا لتباين الدَّارين وعدم استواء المنزلتين (عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ (٤) حَمْحَمَةٌ) بفتح الحاءَين المهملتَين بينهما ميمٌ ساكنةٌ وبعد الأخيرة ميمٌ أخرى مفتوحةٌ، صوت الفرس إذا طلَب علفَه، وهو دون الصَّهيل، وسقط للكُشْمِيهَنيِّ لفظ «فرسٌ» وكذا في رواية ابن شَبُّويه والنَّسفيِّ (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) من المغفرة، ولابن عساكر: «لا أملك لك (٥) من الله شيئًا»

стр. 6163

وسقط للحَمُّويي والمُستملي لفظة «لك» (قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله، فلا عذر لك بعد الإبلاغ، وهذا غايةٌ في الزَّجر، وإلَّا فهو ﵇ صاحب الشَّفاعة في المذنبين (وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) بضمِّ الرَّاء وتخفيف الغين المعجمة ممدودًا: صوت البعير (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله (وَ (١) عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ) أي: ذهبٌ أو فضَّةٌ (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله (أَوْ) بألفٍ قبل الواو، وسقطا معًا لأبي ذَرٍّ (عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ) بكسر الرَّاء وفتح القاف، وبعد الألف عينٌ مهملةٌ، جمع رقعة (تَخْفِقُ) بكسر الفاء، أي: تتقعقع وتضطرب إذا حرَّكتها الرِّياح، أو تلمع، يقال: أخفق الرَّجل بثوبه إذا لمع، وقال الحميديُّ وتبعه الزَّركشيُّ وغيره: أراد ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرِّقاع، وتعقَّبه ابن الجوزيِّ بأنَّ الحديث سيق لذكر الغلول الحسِّيِّ فحمْلُه على الثِّياب أنسبُ (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) وحكمةُ الحمل المذكور فضيحةُ الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم، وقال بعضهم: هذا الحديث يفسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أي: يأت به (٢) حاملًا له على رقبته (وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ فيما وصله مسلمٌ (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيدٍ المذكور: (فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) كما في الرِّواية الأولى عن غير الكُشْمِيهَنِيِّ وابن شَبُّويه والنَّسفيِّ. (١٩٠) (بابُ) حكم (القَلِيلِ مِنَ الغُلُولِ) هل هو مثل حكم الكثير أم لا؟ (وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم في حديث هذا الباب (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ مَتَاعَهُ) أي: متاع الرَّجل، بالحاء المهملة في «حرَّق». قال البخاريُّ: (وَهَذَا) الحديث المذكور (أَصَحُّ) من الحديث المرويِّ عند أبي داود من طريق (٣) صالح بن محمَّد بن زائدة اللَّيثيِّ المدنيِّ أحدِ

стр. 6164

الضُّعفاء، قال: دخلت مع مَسْلمة بن عبد الملك أرض الرُّوم، فأُتِيَ برجل قد غلَّ (١)، فسأل سالمًا عنه، فقال: سمعت أبي يحدِّث عن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال (٢): «إذا وجدتم الرَّجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه» قال المؤلِّف في «التاريخ»: يحتجُّون بهذا الحديث في إحراق رحل الغالِّ، وهو باطلٌ، ليس له أصلٌ، وراويه لا يُعتَمد عليه. ٣٠٧٤ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص أنَّه (قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح المثلَّثة والقاف، أي: على عياله، وما يثقل حمله من الأمتعة (رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِرْكِرَةُ) بكسر الكافين في هذه الرِّواية، وبينهما راءٌ ساكنةٌ، والرَّاء الأخرى مفتوحةٌ، وكان أسود، وكان يمسك دابَّة رسول الله ﷺ في القتال، وفي «شرف المصطفى»: أنَّه كان نوبيًّا، أهداه له هوذة بن عليٍّ الحنفيُّ صاحب اليمامة (فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُوَ فِي النَّارِ) على معصيته إن لم يعفُ الله عنه (فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا) من المغنم (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك لأبي ذَرٍّ (قَالَ ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، محمَّدٌ شيخ المؤلِّف في روايته بهذا الإسناد عن ابن عُيَينة: (كَرْكَرَةُ. يَعْنِي: بِفَتْحِ الكَافِ) الأولى والثَّانية (وَهْوَ مَضْبُوطٌ كَذَا) قال القاضي عياضٌ: هو بفتح الكافين وبكسرهما. وقال النَّوويُّ: إنَّما اختلف في كافه الأولى،

стр. 6165

وأما الثَّانية فمكسورةٌ اتفاقًا. انتهى. والَّذي رأيته في الفرع كأصله كسرهما في الطَّريق الأولى وفتحهما في الثَّانية، فالله أعلم، وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فوجدوا عباءةً» لأنَّها قليلٌ بالنِّسبة إلى غيرها من الأمتعة والنَّقدين. (١٩١) (بابُ مَا (١) يُكْرَهُ مِنْ ذَبْحِ الإِبِلِ وَالغَنَمِ فِي المَغَانِمِ). ٣٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) الثَّوريِّ والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين والموحَّدة، و «رِفَاعة» بكسر الرَّاء وفتح الفاء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ) هو ابن خَديج الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) وليس (٢) ميقاتَ أهل المدينة كما مرَّ قريبًا [خ¦٥٦/ ١٨٦ - ٤٧٩٩]
следующие страницы →