← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) ﵄ (أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ بِالفَارِسِيَّةِ: كَِخٍْ كَِخٍْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!) بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة (١) وكسرها منوَّنةً فيهما، كلمةٌ يُزجَر بها الصِّبيان عن المستقذَرات، يقال له: كَخْ، أي: اتركها وارْمِ بها، وهي كلمةٌ أعجميَّةٌ عُرِّبت ولذا (٢) أدخلها المؤلِّف في هذا الباب، قاله الدَّاوديُّ. وقال ابن المُنَيِّر: وجه مناسبته أنَّه ﷺ خاطبه بما يفهمه ممَّا لا يتكلَّم به الرَّجل مع الرَّجل، فهو كمخاطبة (٣) الأعجميِّ (٤) بما يفهمه من لغته، ومقصود البخاريِّ من إدراج هذا الباب في «الجهاد»: أنَّ الكلام بالفارسيَّة يحتاج إليه المسلمون لأجل رسل العجم، وسقط قوله «بالفارسيَّة» في بعض الأصول، وضُبِّب عليها في الفرع (٥) كأصله، وهذا الحديث قد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٨٥]. (١٨٩) (بابُ) حرمة (الغُلُولِ) بضمِّ الغين المعجمة واللَّام، مطلق الخيانة أو في الفيء خاصَّةً، قال في «المشارق»: كلُّ خيانةٍ غلولٌ، لكنَّه صار في عرف الشَّرع الخيانةَ في المغنم، وزاد في «النِّهاية»: قبل القسمة. انتهى. فإن كان الغلول مطلق الخيانة فهو أعمُّ من السَّرقة، وإن كان من المغنم خاصَّةً فبينه وبينها عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، ونقل النَّوويُّ الإجماع على أنَّه من الكبائر (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذَرٍّ: « » بدل قوله «تعالى»: (﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]) وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ، يأتي (٦) في «التَّفسير» [خ¦٣٠٧٣] إن شاء الله تعالى مباحثه.

стр. 6162

٣٠٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) (١) القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة، يحيى بن سعيدٍ التَّيميِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمُ بن عمرو بن جريرٍ البجليُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الغُلُولَ) وهو الخيانة في المغنم كما مرَّ (فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (لَا أَلْقَيَنَّ أَحَدَكُمْ) بفتح الهمزة والقاف من اللِّقاء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «لا أَُلفَِينَّ» بفتح الهمزة والفاء وبضمِّ (٢) الهمزة وكسر الفاء، من الإلفاء، وهو الوجدان، وهو (٣) بلفظ النَّفي المؤكَّد بالنُّون والمراد به: النَّهي، وهو مِثْل قولهم: لا أرينَّك ههنا، وهو ممَّا أُقيمَ فيه المسبَّب مقام السَّبب، والأصل: لا تكن ههنا فأراك، وتقديره في الحديث: لا يغلَّ أحدكم فألفيه، أي: أجده (يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ) بمثلَّثةٍ مضمومةٍ فغينٍ معجمةٍ مخفَّفةٍ فألفٍ ممدودةٍ، صوت الشَّاة، وقول ابن المُنَيِّر: «وما أظنُّ أهل السِّياسة فهموا تجريس السَّارق وعملته على رقبته ونحو هذا إلَّا من هذا الحديث» تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا يلزم من وقوع ذلك في الدَّار الآخرة جواز فعله في الدنيا لتباين الدَّارين وعدم استواء المنزلتين (عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ (٤) حَمْحَمَةٌ) بفتح الحاءَين المهملتَين بينهما ميمٌ ساكنةٌ وبعد الأخيرة ميمٌ أخرى مفتوحةٌ، صوت الفرس إذا طلَب علفَه، وهو دون الصَّهيل، وسقط للكُشْمِيهَنيِّ لفظ «فرسٌ» وكذا في رواية ابن شَبُّويه والنَّسفيِّ (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) من المغفرة، ولابن عساكر: «لا أملك لك (٥) من الله شيئًا»

стр. 6163

وسقط للحَمُّويي والمُستملي لفظة «لك» (قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله، فلا عذر لك بعد الإبلاغ، وهذا غايةٌ في الزَّجر، وإلَّا فهو ﵇ صاحب الشَّفاعة في المذنبين (وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) بضمِّ الرَّاء وتخفيف الغين المعجمة ممدودًا: صوت البعير (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله (وَ (١) عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ) أي: ذهبٌ أو فضَّةٌ (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله (أَوْ) بألفٍ قبل الواو، وسقطا معًا لأبي ذَرٍّ (عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ) بكسر الرَّاء وفتح القاف، وبعد الألف عينٌ مهملةٌ، جمع رقعة (تَخْفِقُ) بكسر الفاء، أي: تتقعقع وتضطرب إذا حرَّكتها الرِّياح، أو تلمع، يقال: أخفق الرَّجل بثوبه إذا لمع، وقال الحميديُّ وتبعه الزَّركشيُّ وغيره: أراد ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرِّقاع، وتعقَّبه ابن الجوزيِّ بأنَّ الحديث سيق لذكر الغلول الحسِّيِّ فحمْلُه على الثِّياب أنسبُ (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) وحكمةُ الحمل المذكور فضيحةُ الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم، وقال بعضهم: هذا الحديث يفسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أي: يأت به (٢) حاملًا له على رقبته (وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ فيما وصله مسلمٌ (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيدٍ المذكور: (فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) كما في الرِّواية الأولى عن غير الكُشْمِيهَنِيِّ وابن شَبُّويه والنَّسفيِّ. (١٩٠) (بابُ) حكم (القَلِيلِ مِنَ الغُلُولِ) هل هو مثل حكم الكثير أم لا؟ (وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم في حديث هذا الباب (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ مَتَاعَهُ) أي: متاع الرَّجل، بالحاء المهملة في «حرَّق». قال البخاريُّ: (وَهَذَا) الحديث المذكور (أَصَحُّ) من الحديث المرويِّ عند أبي داود من طريق (٣) صالح بن محمَّد بن زائدة اللَّيثيِّ المدنيِّ أحدِ

стр. 6164

الضُّعفاء، قال: دخلت مع مَسْلمة بن عبد الملك أرض الرُّوم، فأُتِيَ برجل قد غلَّ (١)، فسأل سالمًا عنه، فقال: سمعت أبي يحدِّث عن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال (٢): «إذا وجدتم الرَّجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه» قال المؤلِّف في «التاريخ»: يحتجُّون بهذا الحديث في إحراق رحل الغالِّ، وهو باطلٌ، ليس له أصلٌ، وراويه لا يُعتَمد عليه. ٣٠٧٤ - وبه قال (٣): (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص أنَّه (قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح المثلَّثة والقاف، أي: على عياله، وما يثقل حمله من الأمتعة (رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِرْكِرَةُ) بكسر الكافين في هذه الرِّواية، وبينهما راءٌ ساكنةٌ، والرَّاء الأخرى مفتوحةٌ، وكان أسود، وكان يمسك دابَّة رسول الله ﷺ في القتال، وفي «شرف المصطفى»: أنَّه كان نوبيًّا، أهداه له هوذة بن عليٍّ الحنفيُّ صاحب اليمامة (فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُوَ فِي النَّارِ) على معصيته إن لم يعفُ الله عنه (فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا) من المغنم (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك لأبي ذَرٍّ (قَالَ ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، محمَّدٌ شيخ المؤلِّف في روايته بهذا الإسناد عن ابن عُيَينة: (كَرْكَرَةُ. يَعْنِي: بِفَتْحِ الكَافِ) الأولى والثَّانية (وَهْوَ مَضْبُوطٌ كَذَا) قال القاضي عياضٌ: هو بفتح الكافين وبكسرهما. وقال النَّوويُّ: إنَّما اختلف في كافه الأولى،

стр. 6165

وأما الثَّانية فمكسورةٌ اتفاقًا. انتهى. والَّذي رأيته في الفرع كأصله كسرهما في الطَّريق الأولى وفتحهما في الثَّانية، فالله أعلم، وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فوجدوا عباءةً» لأنَّها قليلٌ بالنِّسبة إلى غيرها من الأمتعة والنَّقدين. (١٩١) (بابُ مَا (١) يُكْرَهُ مِنْ ذَبْحِ الإِبِلِ وَالغَنَمِ فِي المَغَانِمِ). ٣٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) الثَّوريِّ والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين والموحَّدة، و «رِفَاعة» بكسر الرَّاء وفتح الفاء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ) هو ابن خَديج الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) وليس (٢) ميقاتَ أهل المدينة كما مرَّ قريبًا [خ¦٥٦/ ١٨٦ - ٤٧٩٩]

стр. 6166

(فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، وَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا) -بكسر الجيم مخفَّفةً- بذبح شيءٍ ممَّا أصابوه بغير إذنٍ (فَنَصَبُوا القُدُورَ) للطَّبخ (فَأَمَرَ) ﵊ (بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ) أي: فقُلِبَت (١) ونُكِّسَت؛ ليعلم أنَّ الغنيمة إنَّما يستحقُّونها بعد قسمته لها، وذلك أنَّ القصَّة وقعت في دار الإسلام لقوله فيها: «بذي الحليفة»، وليس لأهل الإسلام أن يأخذوا في أرض (٢) الإسلام إلَّا ما قُسِمَ لهم، قاله المهلَّب، وقال القرطبيُّ: المأمور بإكفائه إنَّما هو المرق عقوبةً للَّذين تعجَّلوا، وأما نفس اللَّحم فلم يُتلَف، بل يحمل على (٣) أنَّه جُمِعَ ورُدَّ إلى المغانم، ولا يظنُّ أنَّه أمر بإتلافه لأنَّه مال الغانمين، وقد نهى ﵊ عن إضاعة المال (ثُمَّ قَسَمَ) ﵊ ما أصابوه (فَعَدَلَ) بتخفيف الدَّال (عَشَرَةً) بفتح الشِّين آخره فوقيَّةٌ، وفي نسخةٍ: «عشْرًا» بإسكان الشِّين (مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ) بالفاء والنُّون والدَّال المهملة المشدَّدة، أي: نَفَرَ (مِنْهَا بَعِيرٌ، وَفِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرةٌ) بالمثنَّاة الفوقيَّة آخره كذا لأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ، ولغيرهم: «يسيرٌ» (فَطَلَبُوهُ) أي: البعير (فَأَعْيَاهُمْ) أي: أعجزهم (فَأَهْوَى) أي: مدَّ (إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ، وقيل: هو رافعٌ الرَّاوي (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ، فَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ البَهَائِمُ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) جمع آبدةٍ؛ وهي الَّتي قد تأبَّدت، أي: توحَّشت ونفرت من (٤) الإنس (فَمَا نَدَّ) نَفَرَ (عَلَيْكُمْ؛ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) قال عَبَاية: (فَقَالَ جَدِّي) رافع بن خديجٍ: (إِنَّا) بتشديد النُّون (نَرْجُو) أي: نخاف، والرَّجاء يأتي بمعنى الخوف (أَوْ نَخَافُ) شكٌّ من الرَّاوي (أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) جمع مدية وهي السِّكِّين (أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟) قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: ما الغرض من ذكر لقاء العدوِّ عند السُّؤال عن الذَّبح بالقصب؟ وأجاب: بأنَّ الغرض أنَّا لو استعملنا السُّيوف في المذابح لكلَّت؛ وعند اللِّقاء نعجز عن المقاتلة بها (فَقَالَ) ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بالنُّون السَّاكنة بعد (٥) الهمزة المفتوحة، أي: أساله وأجراه (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) بضمِّ الذَّال المعجمة وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، وزاد الأربعة: «عليه» (فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ)

стр. 6167

كلمةُ «ليس» بمعنى «إلَّا»، وما بعدها نصبٌ (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) أي: وسأبيِّن لكم العلَّة في ذلك (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) إذا ذبح به يتنجَّس بالدَّم، وهو زادُ إخواننا من الجنِّ ولذا نُهِيَ عن الاستنجاء به (وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) لأنَّهم يدمون مذابح الشِّياه (١) بأظفارهم حتَّى تزهق النَّفس خنقًا (٢) وتعذيبًا، ويحلُّونها محلَّ الذَّكاة، قاله الخطَّابيُّ. وقال النَّوويُّ: لأنَّهم كفَّارٌ، ولا يجوز التَّشبُّه بهم وبشعارهم (٣). وهذا الحديث سبق في «باب قسمة الغنم» من «كتاب الشَّركة» [خ¦٢٤٨٨]. (١٩٢) (بابُ) مشروعيَّة (البِشَارَةِ فِي الفُتُوحِ). ٣٠٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن خالدٍ الأحمسيُّ البجليُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ

стр. 6168

(قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) البجليُّ (¬﵁: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، ومعناها: العرض والتَّحضيض، وتختصُّ بالجملة الفعليَّة (تُرِيحُنِي) من الإراحة بالرَّاء والحاء المهملة (مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟) بالخاء المعجمة واللَّام والصَّاد المهملة المفتوحات (وَكَانَ بَيْتًا فِيهِ خَثْعَمُ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلَّثة وفتح العين المهملة: قبيلةٌ من اليمن (يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمَانِيَةِ) بخفض التَّاء (١) لأبي ذَرٍّ، وبتخفيف الياء على المشهور لأنَّ الألف بدلٌ من إحدى ياءي النَّسب، وهو من إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وقدَّر فيه البصريُّون حذفًا تقديره: كعبة الجهة اليمانية، وطلب ذلك ﵊ لأنَّه كان فيه صنمٌ يعبدونه من دون الله، اسمه الخَلَصة. قال جريرٌ: (فَانْطَلَقْتُ) أي: قبل وفاته ﵊ بشهرين (فِي خَمْسِينَ وَمِئَةٍ مِنْ) رجال (أَحْمَسَ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعد الميم المفتوحة سينٌ مهملةٌ قبيلة جريرٍ (وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ) ﵊ (فِي صَدْرِي) بيده الشَّريفة، لأنَّ فيه القلب (حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) فلم يسقط بعد ذلك من (٢) فرسٍ (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) إشارةٌ إلى قوَّة التَّكميل وإلى قوَّة الكمال بقوله: (مَهْدِيًّا) بفتح الميم، وهو من باب التَّقديم والتَّأخير لأنَّه لا يكون هاديًا لغيره إلَّا بعد أن يهتدي هو فيكون مهديًّا (فَانْطَلَقَ) جريرٌ (إِلَيْهَا) أي: إلى ذي الخَلَصة (فَكَسَرَهَا، وَحَرَّقَهَا) بتشديد الرَّاء (فَأَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) حصين بن ربيعة، ويكنَّى أبا أرطأة الأحمسيَّ (يُبَشِّرُهُ) من الأحوال المقدَّرة، وهذا موضع التَّرجمة (فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ) حصينٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «لرسول الله: يا رسول الله (٣)» (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ) إلى الخلق (مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) شبَّهها حين ذهب سقفها وكسوتها فصارت سوداء من الإحراق

стр. 6169

بالجمل الَّذي زال شعره ونقص جلده من الجرب، وصار إلى الهزال (١) (فَبَارَكَ) ﵊ (عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَ) على (رِجَالِهَا) أي: دعا بالبركة لها (خَمْسَ مَرَّاتٍ. قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ في روايته لهذا الحديث عن يحيى القطَّان بالإسناد المذكور آنفًا بدل قوله في (٢) رواية محمَّد بن المثنَّى: «بيتًا (٣) فيه خثعم»: (بَيْتٌ فِي خَثْعَمَ) وصوَّب هذه الرِّواية محقِّقو الحفَّاظ، ويؤيِّد ذلك ما رواه أحمد في «مسنده» عن يحيى (٤) بلفظ: بيتًا لخثعم. وحديث الباب قد مرَّ في «باب حرق الدُّور والنَّخيل» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٢٠] قريبًا. (١٩٣) (بابُ مَا يُعْطَى للبَشِير، وَأَعْطَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) السَّلميُّ المدنيُّ أحد الثَّلاثة الَّذين تِيْبَ عليهم، وأحد السَّبعين الَّذين شهدوا العقبة (ثَوْبَيْنِ حِينَ بُشِّرَ بِالتَّوْبَةِ) أي: حين بشَّره سلمة ابن الأكوع (٥) كذا في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ: أنَّ المبشِّرَ سلمةُ ابن الأكوع، وفي «المقدمة» في «المغازي»: أَنَّ الَّذي بشَّر كعبًا بتوبته وسعى إليه حمزةُ بن عمرو الأسلميُّ، وكذا هو في «المصابيح»، لا (٦) ابن

стр. 6170

الأكوع، أي: بشَّره (١) بقبول توبته لأجل تخلُّفه عن غزوة تبوك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في حديثه الطَّويل في «غزوة تبوك» من «المغازي» [خ¦٤٤١٨] بعون الله. (١٩٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ) أي: فتح مكَّة. ٣٠٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (٢) (عَنْ طَاوُسٍ) اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: لَا هِجْرَةَ) من مكَّة (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أي: الهجرة بسبب الجهاد في سبيل الله والهجرة (٤) بسبب النِّيَّة الخالصة لله -كطلب العلم، والفرار من الفتن- باقيان (٥) مدى الدَّهر (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الفاء (فَانْفِرُوا) بكسر الفاء الثَّانية، أي: إذا طُلِبَ منكم الخروج إلى الغزو فاخرجوا. وهذا الحديث قد مرَّ في أوَّل «كتاب الجهاد» [خ¦٢٧٨٣].

стр. 6171

٣٠٧٨ - ٣٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازيُّ المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مُلٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النُّون (عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ) بضمِّ الميم وبعد الجيم ألفٌ فشينٌ معجمةٌ مكسورةٌ فعينٌ مهملةٌ، السَّلميِّ أنَّه (قَالَ: جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ) بميمٍ مضمومةٍ فجيمٍ مخفَّفةٍ، آخره دالٌ مهملةٌ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) بعد الفتح (فَقَالَ: هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ) ﵊: (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ) زاد في «باب البيعة في الحرب ألَّا يفرُّوا» [خ¦٢٩٦٢] [خ¦٢٩٦٣] (١) من طريق عاصمٍ عن أبي عثمان و «الجهاد» أي: إذا احتيج إليه. ٣٠٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (وَابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، أي: قال كلٌّ منهما: (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ (يَقُولُ: ذَهَبْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما على التَّصغير، ابن قتادة اللَّيثيِّ قاصِّ مكَّة (إِلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ بِثَبِيرٍ) بفتح المثلَّثة وكسر الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة راءٌ، بالصَّرف لغير أبي ذرٍّ (٢)، وعدمه له (٣): جبلٌ عظيمٌ بالمزدلفة على يسار الذَّاهب منها إلى منًى

стр. 6172

(فَقَالَتْ لَنَا: انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ) من مكَّة (مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مذ» (فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ مَكَّةَ) لأنَّ المؤمنين كانوا يفرُّون بدينهم إلى الله وإلى (١) رسوله مخافة أن يُفتَنوا في دينهم، وأمَّا بعد فتحها فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربَّه حيث شاء «ولكن جهادٌ ونيَّةٌ»، كما مرَّ. (١٩٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اضْطُرَّ الرَّجُلُ إِلَى النَّظَرِ فِي شُعُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) بضمِّ طاء «اضْطُرَّ» كما في «اليونينيَّة»، وجواب «إذا» محذوفٌ تقديره: يجوز للضَّرورة (وَ) إذا اضطرَّ الرَّجل إلى النَّظر إلى (المُؤْمِنَاتِ إِذَا عَصَيْنَ اللهَ، وَ) إذا اضْطُرَّ أيضًا إلى (تَجْرِيدِهِنَّ) من الثِّياب. ٣٠٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشِّين المعجمة، آخره موحَّدةٌ مصروفٌ (الطَّائِفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، ابن بَشيرٍ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابن عبد الرَّحمن السَّلميُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون عين الأوَّل وتصغير (٢) الثَّاني، أبي حمزة السَّلميِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله السَّلميِّ (وَكَانَ) أي: أبو

стр. 6173

عبد الرَّحمن (عُثْمَانِيًّا) يُقدِّم عثمان بن عفَّان على عليِّ بن أبي طالبٍ في الفضل، كما هو (١) مذهب الأكثرين (فَقَالَ لاِبْنِ عَطِيَّةَ) حِبَّان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة (وَكَانَ) أي: ابن عطيَّة (عَلَوِيًّا) يُقدِّم عليًّا على عثمان في الفضل، كما هو مذهب قومٍ من أهل السُّنَّة بالكوفة (إنِّي لأَعْلَمُ مَا الَّذِي جَرَّأَ) بالجيم المفتوحة والرَّاء المشدَّدة والهمزة، أي: جَسَر (صَاحِبَكَ) عليًّا (عَلَى الدِّمَاءِ) وهذه العبارة فيها سوء أدب، وقد كان عليٌّ ﵁ على أعلى درجات الفضل (٢) والعلم، لا يقتل أحدًا إلَّا باستحقاقٍ (سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام ﵁ (فَقَالَ: ائْتُوا رَوْضَةَ كَذَا) هي روضة خاخٍ كما في «باب الجاسوس» [خ¦٣٠٠٧] (وَتَجِدُونَ بِهَا امْرَأَةً) اسمها: سارة، بالسِّين المهملة والرَّاء (أَعْطَاهَا حَاطِبٌ) بالحاء والطَّاء المهملتَين، ابن أبي بَلْتَعَة (كِتَابًا، فَأَتَيْنَا الرَّوْضَةَ) المذكورة (فَقُلْنَا) لها: هاتِ (الكِتَابَ) الَّذي أعطاه لك حاطبٌ (قَالَتْ: لَمْ يُعْطِنِي) حاطبٌ كتابًا (فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ) بلامٍ مفتوحةٍ للتَّأكيد وضمِّ الفوقيَّة وكسر الرَّاء والجيم وتشديد النُّون، أي: لتخرجنَّ الكتابَ (أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ) من ثيابك، و «أو» بمعنى: «إِلَّا» في الاستثناء، و «لأجرِّدنَّك»: نصبٌ بـ «أن» المقدَّرة، يعني: لتخرجِنَّ الكتابَ (٣) إلَّا أن تجرَّدي، كما في قوله: لأقتلنَّك أو تُسْلم، أي: إلَّا أن تسلم، وهذا مطابقٌ لما في التَّرجمة من (٤) قوله: «وتجريدهنَّ»، ولمَّا كانت هذه المرأة ذات عهدٍ كان حكمها حكم أهل الذِّمَّة (فَأَخْرَجَتْ مِنْ حُجْزَتِهَا) بضمِّ الحاء المهملة وإسكان الجيم وبالزَّاي، معقد إزارها، الكتابَ، وفي «باب الجاسوس» [خ¦٣٠٠٧] فأخرجته من عقاصها وهي شعورها المضفورة (٥)، وهذا مناسبٌ لقوله في

стр. 6174

التَّرجمة: إذا اضطُرَّ الرَّجل إلى النَّظر في شعور أهل الذِّمة؛ لأنَّه (١) من لازم رؤيتهم لإخراج الكتاب من عقاصها نظرهم إلى شعرها، ولا تنافي بين قوله هنا: «من (٢) حجزتها» وقوله الآخر (٣): «عقاصها» لاحتمال أن تكون أخرجته أوَّلًا من حجزتها، ثمَّ أخفته في عقاصها أو (٤) بالعكس، أو كانت عقيصتها طويلةً بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها، وغرزته في حُجْزتها. زاد في «باب الجاسوس» [خ¦٣٠٠٧] فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناسٍ من المشركين من أهل مكَّة، يخبرهم ببعض أمر النَّبيِّ ﷺ (فَأَرْسَلَ) ﵊ (إِلَى حَاطِبٍ) فلمَّا حضر قال له: «يا حاطب، ما هذا؟» (فَقَالَ): يا رسول الله (لَا تَعْجَلْ) أي: عليَّ (وَاللهِ مَا كَفَرْتُ) بعد إسلامي (وَلَا ازْدَدْتُ لِلإِسْلَامِ إِلَّا حُبًّا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا) كلمة «أَنْ» مصدريَّةٌ في محلِّ نصبِ مفعول: «أحببت» (فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: يا رسول الله (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ) بجزم «أضربْ» (فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ) قال ذلك لأنَّه والى كفَّار قريشٍ وباطَنَهم، وإنَّما فعل ذلك (٥) حاطبٌ متأوِّلًا في غير ضررٍ (٦)، وقد علم الله منه (٧) صدق نيَّته، فنجَّاه من ذلك (فَقَالَ) ﵊: (مَا) ولأبي الوقت وذرٍّ: «وما» (يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) فقال: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) أي: فقد غفرت ذنوبكم السَّالفة (٨)، وتأهَّلتم أن يُغفرَ لكم ذنوبٌ مستأنفةٌ إن وقعت منكم، ومعنى

стр. 6175

التَّرجِّي كما قاله النَّوويُّ راجعٌ إلى عمر ﵁ لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّقٌ عند النَّبيِّ ﷺ (فَهَذَا) أي: قوله: «اعملوا ما شئتم» (الَّذِي جَرَّأَهُ) أي: جَسَر عليًّا ﵁ على الدِّماء. وهذا الحديث قد مرَّ في «باب (١) الجاسوس» [خ¦٣٠٠٧] من غير هذه الطَّريق بدون قول أبي عبد الرَّحمن السَّلميِّ لابن عطيَّة. (١٩٦) (بابُ اسْتِقْبَالِ الغُزَاةِ) أي: عند رجوعهم من غزوهم. ٣٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ابن الأسود» وهو عبد الله بن محمَّد بن حميدٍ ابن أخت عبد الرَّحمن بن مهديٍّ الحافظ، وحميد جدُّ عبد الله يكنَّى أبا الأسود، فنُسِبَ (٢) تارةً إلى جدِّه وأخرى إلى جدِّ أبيه قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء مصغَّرًا (٣) (وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا، أبو الأسود البصريُّ صاحب الكرابيس، وهو (٤) جدُّ عبد الله ابن أبي الأسود، كلاهما (عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الهاء، الأزديِّ الأمويِّ البصريِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيكة، واسمه: زهير الأحول المكِّيِّ، أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله (لاِبْنِ جَعْفَرٍ) عبد الله (¬﵃: أَتَذْكُرُ إِذْ) أي: حين (تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ) أذكر ذلك (فَحَمَلَنَا) بفتح اللَّام، ﵊ أنا وابن عبَّاسٍ (وَتَرَكَكَ)

стр. 6176

وعند مسلمٍ وأحمد: أنَّ عبد الله بن جعفر قال ذلك لابن الزُّبير. قال ابن الملقِّن: والظَّاهر أنَّه انقلب على الرَّاوي، كما نبَّه عليه ابن الجوزيِّ في «جامع المسانيد». ٣٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زيادٍ (١) أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بالسِّين المهملة، و «يزيد» من الزِّيادة الكنديُّ (¬﵁: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى) بتشديد القاف المفتوحة (رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ) أي: لمَّا قدم من تبوك كما عند التِّرمذيِّ. وحديث الباب أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٢٦]، وأبو داود، والتِّرمذي في «الجهاد». (١٩٧) (بابُ مَا يَقُولُ) الغازي (إِذَا رَجَعَ مِنَ الغَزْوِ). ٣٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضمِّ الجيم مصغَّرًا، ابن أسماءٍ الضُّبَعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ) بالقاف والفاء واللَّام المفتوحات، أي: رجع من غزوه (٢) (كَبَّرَ ثَلَاثًا قَالَ: آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحن (٣) راجعون إلى الله (إِنْ شَاءَ اللهُ) نحن (تَائِبُونَ) إليه تعالى، نحن (عَابِدُونَ) نحن (حَامِدُونَ لِرَبِّنَا) نحن (سَاجِدُونَ) والجارُّ المجرور يتعلَّق (٤) بـ «حامدون»

стр. 6177

أو بـ «ساجدون» أو بهما، أو بالصِّفات الأربعة المتقدِّمة، أو بالخمسة على طريق التَّنازع، وقول ابن بطَّالٍ: «إنَّ المشيئة لا تتعلَّق بقوله: «آيبون» لوقوع الإياب، وإنَّما تتعلَّق بباقي الكلام الَّذي لم يقع (١) بعد، والنَّبيُّ ﷺ قد تقرَّر عنده أنَّه لا يزال تائبًا عابدًا ساجدًا، لكن هذا (٢) أدب الأنبياء ﵈، يظهرون الافتقار إلى الله تعالى مبالغةً في شكره وإن علموا حقيقة مقامهم الشَّريف عنده، وأنَّهم آمنون ممَّا يخافه غيرهم». تعقَّبه ابن المُنَيِّر فقال: الظَّاهر أنَّ المشيئة إنَّما علَّق عليها الإياب خاصَّةً. وقوله: «قد وقع فلا تعلُّق» وَهَمٌ، لأنَّ الإياب المقصود إنَّما هو الرُّجوع الموصل إلى نفس الوطن، وهو مستقبل بعد، فلا يصحُّ أن يعلِّق النَّبيُّ ﷺ بقيَّة الأفعال على المشيئة لأنَّه قد حمد الله تعالى ناجزًا، وعبَده دائمًا، والعمل النَّاجز لا ينبغي تعليقه على المشيئة (٣)، ولو صلَّى إنسانٌ الظُّهر فقال: صلَّيت إن شاء الله لكان غلطًا منه، لأنَّ الله قد أمره أن يصلِّي وصلَّى، فلا تشكيك في معلومٍ، وبعض الصُّوفيَّة لا يقول: حججت، ولكن يقول: وصلت إلى مكَّة، وهذا تنطُّعٌ أجمع السَّلف على خلافه (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعد به من إظهار دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا ﷺ على أعدائه (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الَّذين تحزَّبوا في غزوة الخندق لحربه ﵊، فاللَّام للعهد، أو كلُّ من تحزَّب من الكفَّار (٤) لحربه، فتكون جنسيَّةً، وفي قوله: (وَحْدَهُ) نفي السَّبب فناءً في المسبِّب. وهذا الحديث قد سبق في «باب التَّكبير إذا علا شرفًا» من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٩٩٥].

стр. 6178

٣٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمَين مفتوحتَين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرو المنقريُّ المقعد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدّثنا» (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) مولى الحضارمة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (١) ﷺ مَقْفَلَهُ) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء، أي: مرجعه (مِنْ عُسْفَانَ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتَين، موضع على مرحلتين من مكَّة (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي: ناقته (وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ فَصُرِعَا) أي: فوقعا (جَمِيعًا) قال الحافظ الدِّمياطيُّ: ذكر عُسْفان مع قصَّة صفيَّة وَهَمٌ، وإنَّما (٢) هو عند مقفله من خيبر لأنَّ غزوة «عُسْفان» إلى بني لَِحيان كانت في (٣) سنة ستٍّ، وغزوة خيبر كانت في سنة سبعٍ، وإرداف صفيَّة مع النَّبيِّ ﷺ ووقوعهما كان فيها (فَاقْتَحَمَ) بالفاء والقاف والحاء (٤) المهملة، أي: رمى نفسه (أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ، زاد في الطَّريق الآتي [خ¦٣٠٨٦] عن بعيره (٥) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ (٦)) بكسر الفاء وبالهمزة ممدودًا (قَالَ) ﵊ له: (عَلَيْكَ المَرْأَةَ) بالنَّصب، أي: الزم المرأةَ (فَقَلَبَ) أبو طلحة (ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهِ) حتَّى لا ينظر إلى صفيَّة (وَأَتَاهَا فَأَلْقَاهَا) أي: الخميصة الَّتي ألقاها على وجهه المسمَّاة بالثَّوب، ولأبي ذَرٍّ: «فألقاه»

стр. 6179

أي: الثَّوب (عَلَيْهَا) أي: على صفيَّة فسترها عن الأعين (وَأَصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا) بفتح الكاف (فَرَكِبَا، وَاكْتَنَفْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: أحطنا به (فَلَمَّا أَشْرَفْنَا) أي: اطَّلعنا (١) (عَلَى المَدِينَةِ قَالَ) ﵊: نحن (آيِبُونَ) أي: راجعون إلى الله، نحن (تَائِبُونَ) إليه، نحن (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا) نحن (حَامِدُونَ) وسقط من هذه الرِّواية قوله في السَّابقة «ساجدون» [خ¦٣٠٨٤] (فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ) شكرًا لله تعالى، وتعليمًا لأمَّته. ٣٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، ابن لاحقٍ الرَّقاشيُّ -بقافٍ ومعجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) مولى الحضارمة، ولأبي ذَرٍّ: «عن يحيى بن أبي إسحاق» (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: من غزوة خيبر (وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةُ) بنت حييٍّ (مُرْدِفَهَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «يُردفها» «بالتَّحتيَّة» بدل: «الميم»، (عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي: ناقته (فَلَمَّا كَانُوا) ولأبي ذَرٍّ: «كان» (بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «الدَّابَّة» بدل: «الناقة»، (فَصُرِعَ) بضمِّ الصَّاد المهملة، أي: وقع (النَّبِيُّ ﷺ وَالمَرْأَةَُ) بالرَّفع عطفًا على «النَّبيِّ»، ويجوز النَّصب، أي: مع المرأة (وَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ) بكسر همزة «إِنَّ» (قَالَ: أَحْسِبُ) أي: أظنُّ (قَالَ: اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ)

стр. 6180

أي: رمى بنفسه عنه (فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) سقط قوله «فأتى» إلى آخره لأبي ذَرٍّ (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ (١) اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟) حرف الجرِّ زائدٌ (قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ المَرْأَةَ) أي: الزمها وانظر في أمرها، ولغير أبي ذرٍّ: «بالمرأة» جارٌّ ومجرورٌ (فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَصَدَ قَصْدَهَا) أي: نحا نحوها (فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا) يسترها (٢) (فَقَامَتِ المَرْأَةُ) صفيَّة (فَشَدَّ لَهُمَا) أبو طلحة (عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا) النَّبيُّ ﷺ وصفيَّة (فَسَارُوا) هما ومن معهما (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ المَدِينَةِ) بفتح الظَّاء المعجمة وسكون الهاء، أي: بظاهرها (أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى المَدِينَةِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ) وسقط أيضًا قوله «ساجدون». وهذا الحديث من هذه (٣) الطَّريق ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ، ساقطٌ من رواية غيره. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذَرٍّ وابن عساكر. (١٩٨) (بابُ الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ) الغازي أو المسافر (مِنْ سَفَرٍ). ٣٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ) بكسر الدَّال وتخفيف المثلَّثة، السَّدوسيّ قاضي مكَّة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ؛ قَالَ لِي) ﵇: (ادْخُلِ المَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) للقدوم من السَّفر، وليستا (٤) تحيَّة المسجد. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في نحو عشرين موضعًا مطوَّلًا ومختصرًا.

стр. 6181

٣٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاكُ بن مخلدٍ النَّبيلُ البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (وَعَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنِ كَعْبٍ، عَنْ كَعْبٍ) جدِّ عبد الرِّحمن ووالد عبيد الله، وهو ابن مالكٍ (¬﵁¬) في حديثه الطَّويل في قصَّة تخلُّفه عن غزوة تبوك (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ضُحًى» بالضَّمِّ والقصر (دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) تبرُّكًا أوَّل ما يبدأ في الحضر، واستُنبِطَ منه: الابتداء بالمسجد قبل بيته، وجلوسه للنَّاس عند (١) قدومه ليسلِّموا عليه. وهذا الحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨/ ٥٩ - ٧٢٩]، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير». (١٩٩) (بابُ) مشروعيَّة عمل (الطَّعَامِ عِنْدَ القُدُومِ) أي: من السَّفر (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما (٢) وصله إسماعيل القاضي في «أحكامه» بمعناه (يُفْطِرُ) أي: إذا قدم من سفرٍ (٣) أيَّامًا (لِمَنْ يَغْشَاهُ) أي: لأجل من يغشاه للسَّلام عليه والتَّهنئة بالقدوم، لأنَّه كان لا يصوم في السَّفر لا فرضًا ولا نفلًا، ويكثر من صوم التَّطوُّع حضرًا، فإذا قدم من السَّفر صام، لكنَّه يفطر أوَّل قدومه لما ذُكِرَ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يصنع» بدل: «يفطر» ومعناه صحيحٌ، لكنَّ (٤) الأوَّل أصوب

стр. 6182

كما في «الفتح» وفي نسخةٍ: «قال ابن عمر» بدل: «وكان». ٣٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَامٍ البيكنديُّ السَّلميُّ مولاهم قال: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ -بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ فسينٍ مهملةٍ- أبو سفيان الكوفيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ) السَّدوسيُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ) من غزوة تبوك أو من (١) غزوة ذات الرِّقاع (نَحَرَ جَزُورًا) ناقةً أو جملًا (أَوْ بَقَرَةً) بالشَّكِّ من الرَّاوي (زَادَ مُعَاذٌ) هو ابن معاذٍ العنبريُّ، ممَّا (٢) هو موصولٌ عند مسلمٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَارِبٍ) السَّدوسيِّ أنَّه (٣) (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ يقول: (اشْتَرَى مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ بَعِيرًا بِوَقِيَّتَيْنِ) بواوٍ مفتوحةٍ من غير همزٍ، ولأبي ذَرٍّ: «بأُوقيَّتَين» «بهمزةٍ مضمومةٍ» بدل: «الواو وواوٍ ساكنةٍ»، (وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ) شَكٌّ من الرَّاوي، وفي روايةٍ عند المؤلِّف: «بأوقيَّة» [خ¦٢٠٩٧]، وفي أخرى: «أحسبه بأربع أواقٍ» [خ¦٢٧١٨]، وفي أخرى: «بعشرين دينارًا» [خ¦٢٧١٨]. وقال المؤلِّف: إنَّ رواية: «وقيَّة» أكثر، وجمع القاضي عياضٌ بين هذه الرِّوايات بأنَّ سبب الاختلاف الرِّواية (٤) بالمعنى، وأن المراد: أوقيَّة الذَّهب والأربع أواق (٥) بقدر ثمن أوقيَّة الذَّهب (فَلَمَّا قَدِمَ) ﵇ (صِرَارًا) بكسر الصَّاد المهملة وتخفيف الرَّاء

стр. 6183

الأولى، وَوَهَم من ضبطه بالضَّاد المعجمة بدل المهملة في أوَّله، موضعٌ يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا (١) آخر هذا الباب بيانه [خ¦٣٠٩٠] (أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ) وطُبِخَت (فَأَكَلُوا مِنْهَا) وهذا الطَّعام يقال له: النَّقيعة -بالنُّون والقاف- مشتَقٌّ -فيما (٢) قيل- من النَّقع وهو الغبار لأنَّ المسافر يأتي وعليه غبار السَّفر (فَلَمَّا قَدِمَ المَدِيْنَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ المَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ) فيه (رَكْعَتَيْنِ) بنصب «فأُصَلِّيَ» عطفًا على «آتيَ (٣) المسجدَ» (وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ البَعِيرِ) سقط لفظة «لي» عند أبي ذرٍّ. ٣٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) أنَّه (قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ) استُشكِلَ إيراد طريق أبي الوليد هذه من حيث عدم المطابقة للتَّرجمة، وأنَّ اللَّائق ذكر ذلك في الباب السَّابق. وأُجيبَ: بأنَّه أشار بذلك إلى أنَّ القدر الَّذي ذكره طرفٌ من الحديث، لأنَّ الحديث عند شعبة عن محاربٍ، فروى وكيعٌ طرفًا منه وهو ذبح البقرة عند قدومه المدينة. وروى أبو الوليد و (٤) سليمان بن حربٍ عنه طرفًا منه وهو أمره بصلاة ركعتين عند القدوم. وروى معاذٌ عنه جميعه، وفيه (٥) قصَّة البعير وذكر ثمنه (٦) لكن باختصارٍ، وقد تابع كلًّا من هؤلاء عن شعبة في سياقه جماعةٌ، قاله في «الفتح» (صِرَارٌ مَوْضِعٌ نَاحِيَةً (٧)) بالنَّصب، أي: في ناحيةٍ (بِالمَدِينَةِ) على ثلاثة أميالٍ منها من جهة الشَّرق، وهذا من قول المؤلِّف، وهو ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر. وهذا آخر «كتاب الجهاد».

стр. 6184

((٥٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ ابن حجرٍ: ثبتت البسملة للأكثر (١) (بابُ فَرْضِ الخُمُسِ) بضمِّ الخاء المُعْجَمة والميم، وكان ابتداء فرضه بآية: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإضافته لـ «الله» للتَّبرُّك بالابتداء باسمه تعالى، وفي نسخةٍ: «كتاب» بدل: «باب»، وفي نسخةٍ حذفُ ذلك والاقتصار على قوله (١): «فرض الخمس».

стр. 6185

٣٠٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جَبَلة الأزديُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵉ وفي نسخةٍ: «﵄» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عَلِيًّا) ﵁ (قَالَ: كَانَتْ) ولابن عساكر: «كان» (لِي شَارِفٌ) بالشِّين المُعجَمة آخره فاءٌ، مُسِنَّةٌ من النُّوق (مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ) أي: الَّذي حصل من سريَّة عبد الله بن جحش، وكانت في رجبٍ من السَّنة الثَّانية قبل بدرٍ بشهرين، وكان ابن جحشٍ قال لأصحابه: إنَّ لرسولِ الله ﷺ ممَّا غَنِمْنا الخُمُسَ -وذلك قبل أن يُفرَض (١) - فعَزَلَ له الخُمُس، وقَسَّمَ سائر الغنيمة بين أصحابه، فوقع رضا الله تعالى بذلك؛ كذا قرَّره ابن بطَّالٍ، وتبعه ابن الملقِّن محتجَّين بما نقلاه من اتِّفاق أهل السِّيَر: أنَّ الخمس لم يكن يوم بدرٍ، وعن إسماعيل القاضي في «غزوة بني قريظة» أنَّه قيل: إنَّه أوَّل يومٍ فُرِض فيه الخُمُس، وجاء صريحًا في غنائم حُنَينٍ، وهي آخر غنيمةٍ حضرها النَّبيُّ ﷺ ، ويعارض هذا قوله في «غزوة بدر» من «المغازي» [خ¦٤٠٠٣] من البخاريِّ: «وكان النَّبيُّ ﷺ أعطاني ممَّا أفاء الله عليه من الخُمُس يومئذٍ» إذ ظاهره أنَّ الفيءَ الَّذي أعطاه منه كان (٢) يوم بدر، وقد ثبت أنَّه وقع في الغنيمة الَّتي قبل بدرٍ

стр. 6186

ورضي الله بذلك، فكيف يثبته هناك وينفيه في (١) يوم بدرٍ، مع أنَّ سورة الأنفال الَّتي فيها التَّصريحُ بفرض الخُمُس نزل غالبها في قصَّة بدرٍ، وقد جزم الدَّاوديُّ الشَّارح بأنَّ آية الخُمُس نزلت يوم بدرٍ، وقال السُّبكيُّ: نزلت في بدرٍ وغنائمها، قال عليٌّ ﵁: (فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: أدخل بها (وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا) بفتح الصَّاد المُهمَلة وتشديد الواو، ولم يُسَمَّ (مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍَ) بفتح القافين (٢) وضمِّ النُّون وقد تُفتَح وتُكسَر، غير منصرفٍ ويجوز صرفه، قبيلةٌ من اليهود، قاله الكِرمانيُّ، وقال في «القاموس»: شِعْبٌ من اليهود كانوا بالمدينة (أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي (٣) فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ) بكسر الهمزة وذالٍ مُعجَمةٍ، حشيشةٍ طيِّبة الرَّائحة (أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ) بالنَّصب عطفًا على «أبيعه» أي: أستعين بثمنه (فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي) بضمِّ العين المُهمَلة، قال الجوهريُّ: العُرسُ -يعني: بضمِّ العين- طعامُ الوليمة، وأَعْرَسَ الرَّجل إذا بنى بأهله، وكذلك إذا غشيها، وفي «القاموس» نحوه، وبكسر العين: امرأة الرَّجل، والوليمة: طعام الزِّفاف، وحينئذٍ فينبغي كسر العين، أي: طعام وليمة المرأة، وإلَّا فيصير المعنى: طعام وليمة (٤) وليمتي، وإنَّما سُمِّي طعام (٥) الوليمة المعمول عند العرس عرسًا باسم سببه (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنَ الأَقْتَابِ) جمع قَتَبٍ، وهو معروفٌ (وَالغَرَائِرِ) بالغين المعجمة والرَّاء المُكرَّرة، جمع غرارةٍ: ما يُوضَع فيها الشَّيء من التِّبن وغيره (وَالحِبَالِ، وَشَارِفَايَ) مبتدأٌ خبرُه (مُنَاخَانِ) وللأربعة: «مُناختان» بزيادة فوقيَّةٍ بعد الخاء، فالتَّذكير باعتبار لفظ شارفٍ، والتَّأنيث باعتبار معناه، والمعنى: مُبرَكان (٦) (إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسمه (رَجَعْتُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فَرَجَعْتُ» (حِينَ (٧) جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ) أي: من الأقتاب وغيرها (فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ أُجِبَّ) بهمزةٍ مضمومةٍ وجيمٍ مكسورةٍ ومُوحَّدةٍ مُشدَّدةٍ، وفي

стр. 6187

«اليونينيَّة» مُصلَّحٌ: «قد أُجِتُبَّ» بضمِّ الهمزة وكسر (١) الجيم وضمِّ الفوقيَّة وتشديد المُوحَّدة، مُصحَّحٌ عليها علوًا وسفلًا فليُتأمَّل ويُحرَّر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «(٢) جُبَّت» بحذف الهمزة وضمِّ الجيم، أي: قُطِعت (أَسْنِمَتُهُمَا) بالرَّفع نائبٌ (٣) عن الفاعل (وَبُقِرَتْ) بضمِّ المُوحَّدة وكسر القاف، أي: شُقَّت (خَوَاصِرُهُمَا) بالرَّفع أيضًا كذلك (وَأُخِذَ) بضمِّ الهمزة (مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولم» (أَمْلِكْ عَيْنَيَّ) من البكاء (حِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «حيث» (رَأَيْتُ ذَلِكَ المَنْظَرَ مِنْهُمَا) بفتح الميم والظَّاء المُعجَمة، وسقط لفظ «منهما» في رواية ابن عساكر، وإنَّما بكى عليٌّ ﵁ خوفًا من تقصيره في حقِّ فاطمة ﵂، أو في تأخير الابتناء بها، لا لمجرَّد فوات النَّاقتين (فَقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا) الجَبَّ والبَقْرَ والأخذَ؟ (فَقَالُوا: فَعَلَ) أي: ذلك (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهْوَ فِي هَذَا البَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ) بفتح الشِّين المُعجَمة وسكون الرَّاء، جماعةٍ يجتمعون على شُرْب الخمر، اسم جمعٍ عند سيبويه، وجمع شاربٍ عند الأخفش (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَُ) بالرَّفع والنَّصب، ورجَّح ابن مالكٍ النَّصب، وعبَّر بصيغة المضارعة مبالغةً في استحضار صورة الحال، وإلَّا فكان الأصل أن يقول: حتَّى دخلت (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ) مِن فعلِ (٤) حمزة ﵁ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَ، مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ قَطُّ) أي: أفظع (عَدَا) بالعين والدَّال المُهمَلتين (حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ) بفتح الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة، تثنية ناقةٍ (فَأَجَبَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فجبَّ» (أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ) بفتح الشِّين، جماعةٌ يجتمعون لشُرب الخمر (فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى) به (ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ

стр. 6188

البَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ) في الدُّخول (فَأَذِنُوا لَهُمْ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء الثَّانية، أي: جعل (رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ) بشارِفَي عليٍّ (فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ) بفتح المُثلَّثة وكسر الميم آخره لامٌ (١)، أي: سكر حال كونه (مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ) بسبب ذلك (فَنَظَرَ حَمْزَةُ) ﵁ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ) بفتح الصَّاد والعين المُشدَّدة المهملتين، أي: رفعه (فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «ركبتيه» بالتَّثنية (ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ (٢) إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟) أي: كعبيدٍ له، يريد -والله أعلم- أنَّ عبد الله وأبا طالبٍ كانا (٣) كأنَّهما عبدان لعبد المطَّلب في الخضوع لحرمته، والجدُّ يُدعَى سيِّدًا، وأنَّه أقرب إليه منهما، فأراد الافتخار عليهم بذلك (فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ) أي: سكر (فَنَكَصَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ) -بالتَّثنية- رجوع (القَهْقَرَى) بأن مشى إلى خلفٍ ووجهه لحمزة؛ خشية أن يزداد عبثه في حال سكره فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع منه بمرأًى منه؛ ليدفعه إن وقع منه شيءٌ. (وَخَرَجْنَا مَعَهُ) ﷺ ، وكان ذلك قبل تحريم الخمر كما في رواية ابن جريجٍ عن ابن شهابٍ في «الشُّرب» [خ¦٢٣٧٥] ولذا لم يؤاخذ ﵇ حمزة بقوله، ومن تداوى بمُباحٍ، أو شرب لبنًا، أو أكل طعامًا فسكر فقذف غيره فهو كالمجنون والمُغمَى عليه والصَّبيِّ، يسقط عنهم حدُّ القذف وسائر الحدود غير إتلاف الأموال؛ لرفْع القلم عنهم، فمن سَكِرَ من حلالٍ فحكمه حكم هؤلاء، وحكى الطَّحاويُّ الإجماع على أنَّ من سَكِرَ من ذلك لا (٥) طلاقَ عليه، وهو مذهبنا أيضًا، حتَّى لو سَكِرَ مُكرَهًا عندنا فكذلك، وأمَّا ضمان إتلاف النَّاقتين فضمانهما لازمٌ لحمزة لو طالبه عليٌّ به؛ إذ العلماء متَّفقون على أنَّ جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين

стр. 6189

وغير المُكلَّفين، ويلزمهم (١) ضمانها في كلِّ حالٍ كالعقلاء، وعند ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عيَّاشٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أغْرَمَ حمزة ثمنَ النَّاقتين». ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أعطاني شارفًا من الخُمُس» وقد سبق في «كتاب الشرب» [خ¦٢٣٧٥]. ٣٠٩٢ - ٣٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ العامريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) -بسكون العين- ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ) الزَّهراء ﵍ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنتَ» (رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) ﵁ (بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مَا تَرَكَ) بدلٌ من قوله: «ميراثها» أو عطف بيانٍ، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ممَّا ترك»

стр. 6190

(رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ) وهو ما أُخِذ من الكفَّار على سبيل الغلبة بلا قتالٍ ولا إيجافٍ، أي: إسراع خيلٍ أو ركابٍ أو نحوهما من جزيةٍ، أو ما هربوا عنه لخوفٍ أو غيره، أو صُولِحوا عليه بلا قتالٍ، وسُمِّي فيئًا لرجوعه من الكفَّار إلى المسلمين، وأمَّا الغنيمة فهي ما أُخِذ من الكفَّار بقتالٍ أو إيجافٍ ولو بعد انهزامهم، وما أُخِذ من دارهم اختلاسًا أو سرقةً أو لُقطةً، ولم تحلَّ الغنيمةُ إلَّا لنا، وقد كانت في أوَّل الإسلام له ﷺ خاصَّة يصنع فيها ما يشاء، وعليه يُحمَلُ إعطاؤه ﷺ من لم يشهد بدرًا، ثمَّ نُسِخ بعد ذلك فخُمُسه كالفيء لآية: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وسُمِّيت بذلك لأنَّها فضلٌ وفائدةٌ محضةٌ (١)، والمشهور: تغاير الفيء والغنيمة، وقيل: يقع اسم كلٍّ منهما على الآخر إذا أُفرِد، فإن جُمِع بينهما افترقا، كالفقير والمسكين، وقيل: اسم الفيء يقع على الغنيمة دون العكس، وقد كان ﵇ يخمِّس الفيء خمسة أخماسٍ لآية: ﴿مَّا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] يقسم خُمُسَه على خمسة أسهمٍ، فالقسمة (٢) من خمسةٍ وعشرين، سهمٌ منها له ﵊ كان يُنفِق منه على مصالحه، وما فَضَلَ منه يصرفُه في السِّلاح وسائر المصالح، وأمَّا بعد وفاته ﵇ فَمصْرِفُ هذا السَّهم المصالحُ العامَّة، كسدِّ الثُّغور وعمارة الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمَّة، والسَّهم الثَّاني: لذوي القربى (٣) -بني هاشمٍ وبني المطَّلب- والثَّالث: لليتامى الفقراء، والرَّابع والخامس: للمساكين وابن السَّبيل، وأمَّا الأربعة الأخماس فهي للمرتزقة، وهم المُرصَدون للجهاد بتعيين الإمام، وكانت للنَّبيِّ ﷺ في حياته مضمومةً إلى خُمُس الخُمُس، فجملة ما كان له من الفيء (٤) أحدٌ وعشرون سهمًا، سهمٌ منها للمصالح كما مرَّ، والمراد: أنَّه كان يجوز له أن يأخذ ذلك لكنَّه لم يأخذه، وإنَّما كان يأخذ خُمُس الخُمُس كما مرَّ، وأمَّا الغنيمة فلخُمُسها حكم (٥) الفيء، فيُخمَّس خمسة أسهمٍ للآية، وأربعة أخماسها للغانمين، وقال الجمهور: مصرف الفيء كلِّه إلى رسول الله ﷺ يصرفه بحسب المصلحة لقول عمر الآتي [خ¦٣٠٩٤]: «فكانت هذه خالصةً

стр. 6191

لرسول الله ﷺ »، (فَقَالَ لَهَا) أي: لفاطمة ﵂ (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) وفي رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ في «الفرائض» [خ¦٦٧٢٦]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا نُورَثُ) -بالنُّون- وفي حديث الزُّبير عند النَّسائيِّ: «إنَّا -معاشر الأنبياء- لا نُورَث» (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو «ما تركنا»، والكلام جملتان: الأولى فعليَّة، والثَّانية اسميَّة، قال ابن حجرٍ في «فتح الباري»: ويؤيِّده وروده في بعض طرق «الصَّحيح»: «ما تركنا (١) فهو صدقةٌ» [خ¦٣٠٩٤] وحرَّفه الإماميَّة فقالوا: «لا يُورَث» بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل النُّون، و «صدقةً» نُصِب على الحال، و «ما تركنا» مفعولٌ لما لم يُسَمَّ فاعله، فجعلوا الكلام جملةً واحدةً، ويكون المعنى: أنَّ (٢) ما يُترَك صدقةً لا يُورَث، وهذا تحريفٌ يُخرِج الكلام عن نمط الاختصاص الَّذي دلَّ عليه قوله ﵇ في بعض الطُّرق: «نحن -معاشر الأنبياء- لا نُورَث» ويعود الكلام بما (٣) حرَّفوه إلى أمرٍ لا يختصُّ به الأنبياء؛ لأنَّ آحاد الأمَّة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقةً انقطع حقُّ الورثة عنها، فهذا من تحاملهم أو تجاهلهم، وقد أورده بعض أكابر الإماميَّة على القاضي شاذان صاحب القاضي أبي الطَّيِّب، فقال -أي: القاضي شاذان (٤)، وكان ضعيف العربيَّة قويًّا في علم الخلاف-: لا أعرف (٥) نصب «صدقة» من رفعها، ولا أحتاج إلى علمه، فإنَّه لا خفاء بي ولا (٦) بك أنَّ فاطمة وعليًّا من أفصح العرب، لا تبلغ أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كانت لهما حجَّةٌ فيما لحظته لأبدياها حينئذٍ لأبي بكرٍ، فسكت ولم يُحِرْ جوابًا. وإنَّما فعل الإماميَّة ذلك لِمَا يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم، لأنَّهم يقولون: بأنَّه (٧) ﷺ يُورَث كما يُورَث غيره من عموم المسلمين لعموم الآية الكريمة، وذهب النَّحَّاس إلى أنَّه يصحُّ النَّصب على الحال،

стр. 6192

وأنكره القاضي لتأييده مذهب الإماميَّة، لكن قدَّره ابن مالكٍ (١): ما تركناه متروكٌ صدقةً، فحُذِف الخبر وبقي الحال كالعوض منه، ونظيره قراءة بعضهم: (وَنَحْنُ عُصْبَةً) [يوسف: ٨]. (فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) وفي رواية مَعْمَرٍ [خ¦٦٧٢٦]: «فهَجَرَتْهُ فاطمةُ، فلم تكلِّمه حتَّى ماتت»، ووقع عند عمر بن شبَّة من وجهٍ آخر عن مَعْمَرٍ: «فلم تكلِّمه في ذلك المال» ولذا نقل التِّرمذيُّ عن بعض مشايخه: أنَّ معنى قول فاطمة لأبي بكرٍ وعمر: «لا أكلِّمكما» أي: في هذا الميراث، وتُعقِّب بأنَّ قرينة قوله: «غضبت» يدلُّ على أنَّها امتنعت من الكلام جملةً، وكذا صريح الهجر قاله في «الفتح» وقال الكِرمانيُّ: وأمَّا غضب فاطمة فهو أمرٌ حصل على مقتضى البشريَّة وسكن بعد ذلك، أو الحديث كان متأوَّلًا عندها بما فضل عن (٢) معاش الورثة وضروراتهم ونحوها، وأمَّا هجرانها فمعناه: انقباضها عن لقائه، لا الهجران المُحرَّم من ترك السَّلام ونحوه، ولفظ «مُهاجِرته» بصيغة اسم الفاعل لا المصدر. انتهى. ولعلَّ فاطمة ﵂ لمَّا خرجت غضبى من عند أبي بكرٍ تمادت في اشتغالها بشأنها ثمَّ بمرضها، والهجران المُحرَّم إنَّما هو أن يلتقيا فيُعرِض هذا وهذا (قَالَتْ) عائشة ﵂: (وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ) سهمه في (خَيْبَرَ) -بعدم الصَّرف- وهو الخُمُس (وَفَدَكٍ) بفتح الفاء والدَّال المُهمَلة بالصَّرف، ولأبي ذرٍّ: «وفَدَكَ» بعدمه، بلدٌ بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكانت له ﷺ خاصَّةً (وَصَدَقَتَِهُِ بِالمَدِينَةِ) بنصب «صدقته» (٣) عطفًا على المنصوب السَّابق، وبالجرِّ عطفًا على المجرور، أي: نخل بني النَّضير الَّتي في أيدي بني فاطمة،

стр. 6193

وكانت قريبةً من المدينة، ووصيَّة مُخَيريق يوم أُحُدٍ، وكانت سبع حوائط في بني النَّضير، وما أعطاه الأنصار من أرضهم، وحقُّه من الفيء من أموال بني النَّضير، وثلث أرض وادي القرى أخذه في الصُّلح حين صالح اليهود، وحصنان من حصون خيبر -الوطيح والسُّلالم- حين صالح اليهود، ونصف فَدَكٍ، وسهمه من خُمُس خيبر وما افتُتِح فيها عنوةً (فَأَبَى) أي: امتنع (أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ (١)، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا) بكسر همزة «إن تركت» (مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ) بفتح الهمزة وكسر الزَّاي وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة غينٌ مُعجَمةٌ، أي: أن أميل عن الحقِّ إلى غيره. قالت عائشة: (فَأَمَّا صَدَقَتُهُ) ﵊ (بِالمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) لينتفعا منها بقدر حقِّهما، لا على جهة التَّمليك (فَأَمَّا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأمَّا» (خَيْبَرُ) أي (٢): الَّذي يخصُّ النَّبيَّ ﷺ منها (وَفَدَكٌ فَأَمْسَكَهُمَا (٣) عُمَرُ) ولم يدفعهما (٤) لغيره (وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ) أي: الَّتي تنزل به (وَنَوَائِبِهِ) أي: الحوادث الَّتي تصيبه (وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ) بعده ﵊، فكان أبو بكرٍ ﵁ يقدِّم نفقات (٥) أمَّهات المؤمنين وغيرها ممَّا كان يصرفه ﵊ فيصرفه من مال خيبر وفَدَكٍ، وما فضل عن (٦) ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلمَّا كان عثمان تصرَّف في فَدَكٍ بحسب ما رأى، فأقطعها لمروان؛ لأنَّه تأوَّل أنَّ الَّذي يختصُّ به ﷺ يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض أقاربه (قَالَ) الزُّهريُّ حين حدَّث بهذا الحديث: (فَهُمَا) أي: الَّذي كان يخصُّه ﵊ من خيبرَ وفَدَكٍ (عَلَى ذَلِكَ) يتصرَّف فيهما مَن وُلِّي الأمر (إِلَى اليَوْمِ). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٤٠].

стр. 6194

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ مفسِّرًا لقوله في الحديث: «تعروه» بما في القرآن من قوله تعالى: ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ﴾ (﴿اعْتَرَاكَ﴾ [هود: ٥٤] افْتَعَلْتَ) بسكون اللَّام وفتح الفوقيَّة، أي: إنَّه من «باب الافتعال» وأصله (مِنْ: عَرَوْتُهُ فَأَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ: يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي) وهذا وقع في «المجاز» لأبي عبيدة، وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لابن عساكر، وزاد أبو ذرٍّ في رواية الحَمُّويي هنا ترجمةً فقال: «قصَّة فدكٍ» وهي زيادةٌ مستغنًى عنها بما سبق في الحديث المتقدِّم.

стр. 6195

٣٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء وكسر الواو القرشيُّ المدنيُّ الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسِّين المُهمَلة، و «الحَدَثَان» بالحاء والدَّال المُهمَلتين والمُثلَّثة المفتوحات وبعد الألف نونٌ، ابن عوف بن ربيعة النَّصري -بالنُّون- من بني نصر بن معاوية، اختُلِف في صحبته، قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة، ابن مطعمٍ (ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ) أي: الآتي ذكرُه (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَُ) بالنَّصب، أي: إلى أن أدخل، والرَّفع على أن تكون عاطفةً، ورجَّح ابن

стр. 6196

مالكٍ النَّصب (عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ: بَيْنَا) بغير ميمٍ، ولأبي ذرٍّ: «بينما» (أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ) بميمٍ ففوقيَّةٍ (١) فعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحاتٍ: اشتدَّ حرُّه وارتفع وطال، وجوابُ «بينما» قولُه: (إِذَا (٢) رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) يحتمل أن يكون الرَّسول يرفأ الحاجب (يَأْتِينِي، فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَُ) بالنَّصب والرَّفع (عَلَى عُمَرَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ) بكسر راء «رِمال» وقد تُضَمُّ: ما يُنسَج من سعف النَّخل ونحوه (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ: يَا مَالُِ) بكسر اللَّام على اللُّغة المشهورة، أي: يا مالكُ، على التَّرخيم، ويجوز الضَّمُّ على أنَّه صار اسمًا مستقلًّا، فيُعرَب إعراب المُنادَى المُفرَد (إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ) من بني نصر بن معاوية بن (٣) بكر بن هوازن، وكان قد أصابهم جدبٌ في بلادهم، فانتجعوا المدينة (وَقَدْ أَمَرْتُ لَهُمْ) والَّذي في الفرع وأصله: «فيهم» (بِرَضْخٍ) بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد آخره خاءٌ معجمتين (٤)، أي: بعطيَّةٍ قليلةٍ غير مُقدَّرةٍ (فَاقْبِضْهُ) بكسر الموحَّدة (فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي) أي: بأن يدفع الرَّضْخ لهم غيري، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» باللَّام بدل: «به» بالموحَّدة، ولعلَّه قال ذلك تحرُّجًا (٥) من قَبول الأمانة (قَالَ) عمر: (اقْبِضْهُ) ولأبي ذرٍّ: «فاقبضه» (أَيُّهَا المَرْءُ) لم يبيِّن هل قبضه أم لا؟ والظَّاهر أنَّه قبضه لعزم عمر عليه (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ، ولأبي ذرٍّ: «فبينما» (أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ فراءٍ ساكنةٍ ثمَّ فاءٍ فألفٍ، وقد تُهمَز (٦)، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي روايتنا من طريق أبي ذرٍّ، وكان يرفأ من موالي عمر أدرك الجاهليَّة، ولا تُعرَف له صحبةٌ (فَقَالَ: هَلْ لَكَ) رغبةٌ (فِي عُثْمَانَ) بن عفَّان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ) بن

стр. 6197

العوَّام (وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) زاد النَّسائيُّ وعمر بن شبَّة من طريق عمرو بن دينارٍ عن ابن شهابٍ على الأربعة: «طلحة بن عبيد الله» حال كونهم (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك؟ (قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟) زاد شُعَيب في روايته في «المغازي» [خ¦٤٠٣٣]: «يستأذنان»؟ (قَالَ) عمر ﵁: (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا) بفتح الهمزة وكسر الذَّال المُعجَمة (فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ) أي: لعمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) أي: عليٍّ (وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ) أي: يتنازعان ويتجادلان (فِيمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ¬) ممَّا لم يُوجِف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ (مِنْ (١) بَنِي النَّضِيرِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من مال بني النَّضير» (فَقَالَ الرَّهْطُ -عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ-: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (عُمَرُ: تَيْدَكُمْ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة ونصب الدَّال على وزن: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] وليس في الفرع غيرها، ونسبها عياضٌ للقابسيِّ وعُبدوسٍ، وقد حكى سيبويه عن بعض العرب: بَيِس فلانٌ، بفتح المُوحَّدة، قال عياضٌ: فالياء -يعني: التَّحتيَّة- مُسهَّلةٌ من همزةٍ، والتَّاء -يعني: الفوقيَّة- مُبدَلةٌ من واوٍ؛ لأنَّه في الأصل وأدةٌ. انتهى. فالنَّصب على المصدر، والتَّقدير: تيدوا تيدكم، ولأبي ذرٍّ: «تَئِدكم» بفتح المُثنَّاة وهمزةٍ مكسورةٍ، قال في «الفتح»: وفتح الدَّال، وضبطها غيره بالقلم بإسكانها، وآخر بالقلم أيضًا برفعها، وللأصيليِّ: «تِئَدُكم» بكسر أوَّله وضمِّ الدَّال مع الهمزة المفتوحة، وضبطها بعضهم بالقلم: بسكون الدَّال، وعند بعضهم: «تِيدكم» بكسر الفوقيَّة، كأنَّه مصدر «تاد» «يتيد» فتُرِك همزه، قال في «القاموس»: التَّيْدُ: الرِّفقُ، يُقال: تَيْدَكَ يا هذا، أي: اتَّئِدْ، وتَيْدَكَ زيدًا، أي: أَمْهِلْه؛ إمَّا مصدرٌ والكاف مجرورةٌ، أو اسم فعلٍ والكاف للخطاب، وقال ابن مالكٍ: لا يكون إلَّا اسم فعلٍ، ويُقال: تَيْدَ زيدٍ. انتهى. والمعنى هنا: اصبروا وأمهلوا وعلى رِسْلكم (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين، أي: أسألكم (بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بغير عَمَدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء تحت أقدامكم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ)

стр. 6198

معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو «ما» الموصولة، و «تركنا» صلته، والعائد محذوفٌ، أي: الَّذي تركناه صدقةٌ (يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ؟) وكذا غيره من الأنبياء، بدليل قوله في الرِّواية الأخرى: «إنَّا معاشر الأنبياء» فليس خاصًّا به ﵊، وأمَّا قول زكريَّا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] فالمراد: ميراث العلم والنُّبوَّة والحكمة. (قَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه: (قَدْ قَالَ) ﵊ (ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) ﵃ (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا اللهَ) بإسقاط حرف الجرِّ، وسقط لفظ الجلالة لأبي ذرٍّ (أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟) أي (١): «لا نُورَث، ما تركناه (٢) صدقةٌ» (قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ) وسقطت هذه الجملة من قوله «قالا» لأبي ذرٍّ (قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ اللهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ (٣) ﷺ فِي هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ هَذِهِ) أي: بني النَّضير وخيبر وفَدَك (خَالِصَةً (٤) لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره، فكان ينفق منها نفقته ونفقة أهله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، هذا مذهب الجمهور، وقال الشَّافعيُّ: يُقسَم الفيء خمسة أقسام كما مرَّ مُفصَّلًا [خ¦٣٠٩٣] وتأوَّل قولَ

стр. 6199

عمر هذا بأنَّه يريد الأخماس الأربعة (وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «ووالله» (مَا احْتَازَهَا) بحاءٍ مُهمَلةٍ ساكنةٍ وزايٍ مفتوحةٍ من الحيازة، وهي الجمع، يُقال: حاز الشَّيء واحتازه: جمعه وضمَّه إليه (١) (دُونَكُمْ) وللكشميهنيِّ: «ما اختارها» بالخاء المعجمة والرَّاء (وَلَا اسْتَأْثَرَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة وبعد الهمزة السَّاكنة مُثلَّثةٌ، أي: ما تفرَّد (بِهَا عَلَيْكُمْ قَدْ أَعْطَاكُمُوهُ) أي: الفيء، وللكشميهنيِّ: «أعطاكموها» أي: أموال الفيء (وَبَثَّهَا) بالمُوحَّدة المفتوحة والمُثلَّثة المُشدَّدة المفتوحة، أي: فرَّقها (فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ) بفتح الميم والعين المُهمَلة بينهما جيمٌ ساكنةٌ (مَالِ اللهِ) في السِّلاح والكراع ومصالح المسلمين، وهذا لا يعارضه حديث عائشة [خ¦٢٩١٦]: «أنَّه ﷺ تُوفِّي ودرعه مرهونةٌ على شعيرٍ» لأنَّه يُجمَع بينهما بأنَّه كان يدِّخر لأهله قوت سنتهم، ثمَّ في طول السَّنة يحتاج لمن يَطرُقُه إلى إخراج شيءٍ منه فيُخرِجه، فيحتاج إلى تعويض ما أخذ منها، فلذلك استدان (فَعَمِلَ) بكسر الميم (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) بحرف الجرِّ (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنشدكما اللهَ» بإسقاط الجارِّ (هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟) زاد في رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ في «الفرائض» [خ¦٦٧٢٨]: «قالا: نعم» (قَالَ عُمَرُ: ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ) بتشديد الرَّاء (رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ) زاد في (٢) «مسلمٍ» بعد قوله: «قال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسول الله ﷺ »: «فجئتما تطلبُ ميراثَك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكرٍ: قال رسول الله ﷺ : مَا نُوْرَثُ، مَا تَرَكْنَاه (٣) صَدَقَةٌ» (ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي) بكسر الهمزة (أَعْمَلُ) بفتح الميم (فِيهَا بِمَا عَمِلَ) بكسرها (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا (٤) عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا

стр. 6200

لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ) أي: ميراثك (مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) ﷺ (وَجَاءَنِي هَذَا -يُرِيدُ عَلِيًّا- يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) أي: ميراثها (مِنْ أَبِيهَا) ﵊ (فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاه (١) صَدَقَةٌ، فَلَمَّا بَدَا) أي: ظهر (لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ؛ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا) بفتح الواو وتخفيف اللَّام، أي: لتتصرَّفا فيها وتنتفعا منها بقدر حقِّكما كما تصرَّف رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر، لا على جهة التَّمليك، إذ هي صدقةٌ محرَّمة التَّمليك بعده ﷺ (فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) بحرف الجرِّ: (هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا (٢) بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه: (نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ) عمر (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ: هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ) أي: أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟! فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) بغير عَمَدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء (لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ) وعند أبي داود: «والله لا أقضي بغير ذلك حتَّى تقوم السَّاعة (٣)» (فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا (٤)) وقد استشكل الخطَّابيُّ هذه القصَّة (٥): بأنَّ عليًّا وعبَّاسًا إذا كانا قد أخذا هذه من عمر على شريطة أن يتصرَّفا فيها كما تصرَّف فيها رسول الله (٦) ﷺ والخليفتان بعده، وعلما أنَّه ﷺ قال: «لا نُوَرث، ما تركنا صدقةٌ» فإن كانا سمعاه من النَّبيِّ ﷺ فكيف يطلبانه من أبي بكرٍ؟ وإن كانا سمعاه من أبي بكرٍ أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد (٧) ذلك من عمر؟ وأجيب بأنَّهما اعتقدا أنَّ عمومَ قوله: «لا نورث» مخصوصٌ ببعض (٨) ما يخلفه دون
следующие страницы →