← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

الحَمُّويي والمُستملي: «ولا آخر» بالخاء المُعجَمة والرَّاء (اشْتَرَى غَنَمًا) أي: حوامل (أَوْ خَلِفَاتٍ) بفتح الخاء المُعجَمة وكسر اللَّام بعدها فاءٌ (١) مُخفَّفةٌ، جمع خَلِفةٍ، وهي الحامل من النُّوق، وقد تُطلَق على غير النُّوق (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا) بكسر الواو وبعد الدَّال هاءٌ، مصدر: وَلَدَ يَلِد وِلَادًا وولادةً، و «أو» في قوله: «غنمًا أو خَلِفاتٍ» للتَّنويع، ويكون قد حذف وصف الغنم بالحمل، لدلالة الثَّاني عليه، ويؤيِّد (٢) كونها للتَّنويع رواية أبي يَعلى عن محمَّد بن العلاء: «ولا رجل له غنمٌ أو بقرٌ أو خَلِفاتٌ» ويحتمل أن تكون للشَّكِّ، أي: هل قال: «غنمًا» بغير صفةٍ، أو «خلفاتٍ» أي: بصفة أنَّها حوامل؟ والمراد: ألَّا تتعلَّق قلوبهم بإنجاز ما تركوه مُعوِّقًا. (فَغَزَا) يوشع بمن تبعه من بني إسرائيل ممَّن لم يتَّصف بتلك الصِّفة (فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ) هي أَرِيْحا بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فحاءٍ مُهمَلةٍ مقصورًا (صَلَاةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ) وعند الحاكم من روايته عن كعبٍ: «وقت عصر يوم الجمعة، فكادت الشَّمس أن تغرب ويدخل اللَّيل»، وعند ابن إسحاق: «فتوجَّه ببني إسرائيل إلى أريحا فأحاط (٣) بها ستَّة أشهرٍ، فلمَّا كان السَّابع نفخوا في القرون، فسقط سور المدينة، فدخلوها وقتلوا الجبَّارين، وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقيَّةٌ، وكادت الشَّمس تغرب وتدخل ليلة السَّبت، فخاف يوشع ﵇ أن يعجزوا لأنَّه لا يحلُّ لهم قتالهم فيه» (فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ) أمرَ تسخيرٍ بالغروب (وَأَنَا مَأْمُورٌ) أمرَ تكليفٍ بالصَّلاة، أو القتال قبل غروبك، وهل مُخاطَبته للشَّمس حقيقةً وأنَّ الله تعالى خلق فيها تمييزًا وإدراكًا؟ يأتي ذلك -إن شاء الله تعالى- في «الفتن» [خ¦٣١٩٩] في سجودها تحت العرش واستئذانها من حيث تطلع (اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا) حتَّى نفرغ من قتالهم (فَحُبِسَتْ) بضمِّ الحاء وكسر المُوحَّدة، أي: رُدَّت على أدراجها، أو وقفت أو بطُؤت حركتها (حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «عليهم» (فَجَمَعَ) يوشع (الغَنَائِمَ) زاد في رواية سعيد بن المُسيَّب عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ وابن حبَّان: «وكانوا إذا غنموا غنيمةً بعث الله عليها النَّار فتأكلها» (فَجَاءَتْ - يَعْنِي: النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا) بفتح أوَّله وثالثه، أي: لم تَذُقْ

стр. 6232

طعمَها، وهو على طريق المبالغة؛ إذ كان الأصل أن يُقال: فلم تأكلها، وكان المجيء علامةً للقبول (١) وعدم الغلول (فَقَالَ) يوشع ﵇: (إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا) أي: سرقةً من الغنيمة (فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ) أي: فبايعوه (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ) بكسر الزَّاي (فَقَالَ) يوشع: (فِيكُمُ الغُلُولُ، فَلْيُبَايِعْنِي) بالتَّحتيَّة بعد اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «فلتبايعني» بالفوقيَّة (قَبِيلَتُكَ) أي: فبايَعْته (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ) وفي رواية ابن المُسيَّب: «رجلين» بالجزم (فَقَالَ) يوشع: (فِيكُمُ الغُلُولُ، فَجَاؤُوْا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ) ولابن عساكر: «البقرة» بالتَّعريف (مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا) قال ابن المُنيِّر: جعل الله علامة الغلول إلزاق يد الغالِّ، وأَلْهم ذلك يوشع فدعاهم للمبايعة حتَّى تقوم له العلامة المذكورة، وكذلك يوفِّق الله تعالى خواصَّ هذه الأمَّة من العلماء لمثل هذا الاستدلال. فقد رُوِي في الحكايات المُسنَدة عن الثِّقات: أنَّه كان بالمدينة محمَّةٌ يُغسَّل (٢) فيها النِّساء، وأنه جيء إليها بامرأةٍ، فبينما هي تُغسَّل (٣) إذ وقفت (٤) عليها امرأةٌ، فقالت: إنَّك زانيةٌ، وضربت يدها على عجيزة المرأة الميتة، فأُلزقت يدها، فحاولت وحاول النِّساء نزع يدها، فلم يمكن ذلك، فرُفِعت إلى والي المدينة، فاستشار الفقهاء، فقال قائلٌ بقطع (٥) يدها، وقال آخر: بقطع بضعةٍ من الميتة، لأنَّ حرمة الحيِّ آكدُ، فقال الوالي: لا أبرم أمرًا حتَّى أؤامر أبا عبد الله، فبعث إلى مالكٍ ﵀ فقال: لا يُقطَع (٦) من هذه ولا من هذه، ما أرى هذه (٧) إلا امرأةً تطلب حقَّها من الحدِّ، فحدُّوا هذه القاذفة، فضربها تسعةً وسبعين سوطًا ويدها ملتصقةٌ، فلمَّا ضربها تكملة الثَّمانين انحلَّت يدها، فإمَّا أن يكون مالكٌ ﵀ اطَّلع على هذا الحديث فاستعمله

стр. 6233

بنور التَّوفيق في مكانه، وإمَّا أن يكون وُفِّق فوافق، وقد كان إلزاق يد الغالِّ بيد يوشع تنبيهًا على أنَّها يدٌ عليها حقٌّ يطلب أن يتخلَّص (١) منه، أو دليلًا على أنَّها يدٌ ينبغي أن يُضرَب عليها ويُحبَس صاحبها حتَّى يؤدِّيَ الحقَّ إلى الإمام، وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة. واستُنبِط من هذا الحديث: أنَّ أحكام الأنبياء قد تكون بحسب الأمر (٢) الباطن (٣). (ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الغَنَائِمَ) خصوصيَّةً لنا، وكان ابتداء ذلك من غزوة بدرٍ (رَأَى) (ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) رحمةً بنا لشرف نبيِّنا ﵊، ولم تحلَّ (٤) لغيرنا لئلَّا يكون قتالهم لأجل الغنيمة، لقصورهم في الإخلاص، بخلاف هذه الأمَّة المحمَّديَّة فإنَّ الإخلاص فيهم غالبًا -جعلنا الله من المخلِصين بمنِّه وكرمه- وفي التَّعبير بـ «لنا» تعظيمٌ؛ حيث أدخل ﵊ نفسه الكريمة معنا، وفي قوله: «إنَّ الله رأى عجزنا وضعفنا» إشارةٌ إلى أنَّ الفضيلة عند الله تعالى هي إظهار العجز والضَّعف بين يديه تعالى. وهذا الحديث (٥) أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٥٧]، ومسلم في «المغازي». (٩) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ) لا لمن (٦) غاب عنها. ٣١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) هو ابن (٧) الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن

стр. 6234

مهديٍّ البصريُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ) أسلم أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ) الَّذين لم يُوجَدوا (١) بعدُ (مَا فَتَحْتُ (٢) قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا) أي: أرضها خاصَّةً (بَيْنَ أَهْلِهَا) الفاتحين لها، لأنَّ ذلك حقُّهم بطريق الأصالة، لكنَّه ﵁ رأى أنَّه إذا فعل ذلك لم يبقَ شيءٌ لمن يجيء بعدُ ممَّن يسدُّ من الإسلام مسدًّا، فاقتضى حسن نظره ﵁ أن يفعل في ذلك أمرًا يَسَعُ أوَّلهم وآخرهم، فوقفها وضرب عليها الخراج للغانمين ولمن يجيء بعدهم من المسلمين، ومنع بيعها وأنَّ الحكم في أرض العَنْوة أن تُقسَم (كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) أي: بين من شهدها، كما تُقسَم الغنائم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: الإمام بالخيار إن شاء خمَّسها وقسم أربعة أخماسها، وإن شاء تركها أرض خراجٍ، واحتجَّ لهم: بأنَّه ﷺ لم يكن قسم خيبر بكمالها، ولكنَّه قسم طائفةً منها على ما احتجَّ به عمر ﵁ في هذا الحديث، وترك طائفةً منها، فلم يقسمها على ما رُوِي عن ابن عبَّاسٍ وابن عمر وجابرٍ، والَّذي كان قسمه منها هو الشِّقُّ والنَّطاة، وترك سائرها. وعن سهل بن أبي حَثْمة (٣) -فيما رواه الطَّحاويُّ- قال: «قَسَمَ رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين» ففيه: أنَّه كان وَقَفَ نصفَها لنوائبه وحاجته، وقسم بقيَّتها بين من شهدها، وأنَّ الَّذي وقفه منها هو الَّذي كان دفعه إلى اليهود مزارعةً، على ما في حديث ابن عمر وجابرٍ. قال الطَّحاويُّ: فعلمنا من ذلك أنَّه قَسَم وله أن يَقْسِم، وترك (٤) وله أن يترك، فثبت بذلك أنَّ هذا حكم الأراضي (٥) المُفتَتحة، للإمام أن يقسمها إن رأى ذلك صلاحًا (٦) للمسلمين كما قَسَم ﵊ ما قَسَمَ من خيبر، وله تركها إن رأى ذلك صلاحًا للمسلمين، وقد فعل عمر ذلك في

стр. 6235

أرض السَّواد بإجماع الصَّحابة، فتركها للمسلمين (١) أرضَ خراجٍ، لينتفع بها من كان في عصره من المسلمين ومن بعدهم. وأجاب الشَّافعيُّ -فيما قاله ابن المنذر-: بأنَّ عمر استطاب أنفس الغانمين الَّذين فتحوا أرض السواد، وتُعقِّب بأنَّه مخالفٌ لتعليل (٢) عمر بقوله: «لولا آخر المسلمين» وأُجيب بأنَّ معناه: لولا آخر المسلمين ما استطيبتُ (٣) أنفس الغانمين. وروى الطَّحاويُّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أنَّ أباه لمَّا فتح أرض مصر جمع من كان معه (٤) من الصَّحابة واستشارهم في قسمة أرضها بين من شهدها، كما قسم بينهم غنائمها، وكما قسم رسول الله ﷺ خيبر بين من شهدها (٥)، أو يوقفها حتَّى يراجع عمر ﵁، فقال نفرٌ منهم -فيهم (٦) الزُّبير بن العوَّام-: والله ما ذاك إليك ولا إلى عمر، إنَّما هي أرضٌ فتحها الله علينا، وأَوْجَفْنا عليها خيلنا ورجالنا، وحَوَينا ما فيها، وقال نفرٌ منهم: لا نقسمها حتَّى نراجع أمير المؤمنين فيها، فاتَّفق رأيهم على (٧) أن يكتبوا إلى عمر في ذلك، فكتب إليهم عمر: بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد فقد وصل إليَّ ما كان من إجماعكم على أن تفيئوا (٨) عطايا المسلمين ومؤن من يغزو العدوَّ (٩) من أهل الكفر، وإني إن قسمتها عليكم لم يكن لمن بعدكم من المسلمين مادَّةٌ يغزون بها عدوَّكم (١٠)، ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله وأدفع عن المسلمين من مؤنهم (١١) وأجري على ضعفائهم وأهل الدِّيوان (١٢) منهم لقسمتها بينكم، فأوقِفوها فيئًا على من بقي من

стр. 6236

المسلمين حتَّى تنقرض آخِر (١) عصابةٍ تغزو من المؤمنين (٢)، والسَّلام عليكم». ولمَّا وضع عمر الخراج على أرض العراق طلبوا منه أن يقسمها بينهم واحتجُّوا عليه بقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] فأدخلهم معهم، ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ يريد: الأنصار، فأدخلهم معهم احتجَّ عليهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ فأدخل فيهم من يجيء من بعدهم. فإن قلت: لِمَ لا يكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ استئنافًا والخبر في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ٩ - ١٠] ويكون الفرق بين هؤلاء الَّذين لم يوجدوا (٣) بَعْدُ وبين الَّذين تبوَّؤُوا الدَّار وهم الأنصار، وكانوا يحضرون الوقائع، فيستحقُّون كالمهاجرين؟ وأمَّا هؤلاء فلا يوجد فيهم الاستحقاق، ولم تَدْعُ ضرورةٌ إلى العطف لإمكان الاستئناف؟ أُجيب بأنَّ الاستئناف هنا لا يصحُّ، لأنَّه حينئذٍ (٤) يكون خبرًا عن كلِّ من جاء بعد الصَّحابة أن يستغفر لهم، وقد وقع خلاف هذا من (٥) أكثر الرَّافضة (٦) وغيرهم من السَّابِّين غير المستغفرين، فلو كان خبرًا لزم الخُلْف، وهو باطلٌ، فإذا جعلنا ذلك معطوفًا أدخلنا الَّذين جاؤوا من بعدهم في الاستحقاق للغنيمة، وجعلنا قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ جملةً حاليَّةً -كالشَّرط- للاستحقاق؛ كأنَّه قال: يستحقُّون في حالة الاستغفار وبشرطه، ولهذا (٧) قال مالكٌ: لا حقَّ لمن سبَّ السَّلف في الفيء، وحينئذٍ فلا يلزم خُلْفٌ، والَّذي تقرَّر: أنَّ مذهب الحنفيَّة والحنابلة أنَّ الإمام مُخيَّرٌ فيما فُتِح عنوةً بين قسمة أرضه -كالمنقولات- ووقفها، وأنَّ (٨) مذهب الشَّافعيَّة قسمتها على من حضر الوقعة، وعن المالكيَّة: أنَّها تصير وقفًا بنفس الظُّهور، وقال الشَّافعيَّة في أرض الفيء: يقفها الإمام لتبقى الرَّقبة مُؤبَّدةً، وينتفع بغلَّتها المستحقُّ كلَّ عامٍ، بخلاف المنقول فإنَّه

стр. 6237

مُعرَّضٌ للهلاك، وبخلاف الغنيمة فإنَّها بعيدةٌ عن نظر الإمام واجتهاده، لتأكُّد حقِّ الغانمين، وأنَّ الإمام إن رأى قسمة أرض الفيء أو بيعها وقسمة ثمنها جاز، لكن لا يُقسَم سهم المصالح، بل يُوقَف وتُصرَف غلَّته في المصالح، أو يُباع ويُصرَف ثمنه إليها. (١٠) (بابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ) أي: مع قصد أن تكون كلمة الله هي العليا (هَلْ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ؟) ظاهر صنيع المؤلِّف: لا، واحتجَّ له ابن المُنيِّر بأنَّ قصد الغنيمة لا يكون منافيًا للأجر ولا منقصًا له إذا قصد معه إعلاء كلمة الله؛ لأنَّ السَّبب لا يستلزم الحصر، ولو كان قصد المغنم ينافي قصد أن تكون كلمة الله هي العليا؛ لَمَا كان الجواب من الشَّارع عامًّا حيث قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [خ¦٣١٢٦] ولكان (١) الجواب المطابق أن يُقال: من قاتل للمغنم فليس في سبيل الله. نعم الظَّاهر: أنَّه ينقص، لكنَّه -كما قال في «الفتح» -: إنَّه نقصٌ نسبيٌّ، فليس من قصد إعلاء كلمة الله محضًا في الأجر مثل من ضمَّ إلى هذا القصد قصدًا آخر من غنيمةٍ أو غيرها. وقال العينيُّ: ليس له أجرٌ فضلًا عن النُّقصان؛ لأنَّ المجاهد هو الَّذي يجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والظَّاهر: أنَّه أراد من قاتل للمغنم فقط من غير قصدٍ لإعلاء كلمة الله. ٣١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة المفتوحة والمُعجَمة المُشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقب محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن مُرَّة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ) هو لاحق بن ضُمَيرة (٢) الباهليُّ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ) أي: لأجل الغنيمة (وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ)

стр. 6238

بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، أي: لأجل أن يُذكَر بالشَّجاعة عند النَّاس (وَيُقَاتِلُ لِيُرَى) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، أي: لأجل أن يُرَى (مَكَانُهُ) بالرَّفع نائبٌ (١) عن الفاعل، أي: مرتبته في الشَّجاعة (مَنْ) ولابن عساكر: «فمن» (فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ) ﵊: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ) أي: كلمة (٢) توحيده (هِيَ العُلْيَا) بضمِّ العين (فَهْوَ) المقاتل (فِي سَبِيلِ اللهِ) وإن قَصَدَ مع ذلك الغنيمةَ كما سبق، أمَّا لو قصد الغنيمة فقط فليس في سبيل الله، فلا أجر له البتَّة على ما لا يخفى، قال ابن المُنيِّر: فكيف ترجم له بنقص الأجر؟ وجوابه: أنَّ مراده مع قصد الإعلاء كما ذكرته، [خ¦٥٧/ ١٠ - ٤٨٧٨] فتأمَّله (٣). (١١) (بابُ قِسْمَةِ الإِمَامِ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ) من هدايا أهل (٤) الحرب بين أصحابه، وقوله: «يقدَم» بفتح الدَّال (وَيَخْبَأُ) بفتح التَّحتيَّة والمُوحَّدة (لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ) في مجلس القسمة (أَوْ غَابَ عَنْهُ) في غير بلد القسمة. ٣١٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه: درهمٌ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) التَّيميِّ الأحول القاضي التَّابعيِّ

стр. 6239

(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وهذا مُرسَلٌ، لكن وقع في رواية الأصيليِّ -كما (١) في «الفتح» - «عن ابن أبي مليكة عن المسور» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ، والمعتمد الأوَّل (أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ) جمع قباءٍ (مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ) من زررت القميص إذا اتَّخذت له أزرارًا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مُزَرَّدَةٌ» بالدَّال المُهمَلة بدل الرَّاء الأخيرة من الزَّرد، وهو تداخل حلق الدُّروع بعضها في بعضٍ (فَقَسَمَهَا) ﵊ (فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (فَجَاءَ) أي: مخرمة (وَمَعَهُ ابْنُهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح الواو (فَقَامَ عَلَى البَابِ) النَّبويِّ (فَقَالَ) لابنه المسور: (ادْعُهُ لِي) أي: عرِّفه ﵊ أنِّي حضرت، وفي روايةٍ [خ¦٥٨٦٢]: «قال المسور: فأعظمتُ ذلك، فقال: يا بنيَّ، إنَّه (٢) ليس بجبَّارٍ» (فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ) أي: صوت مخرمة (فَأَخَذَ قَبَاءً، فَتَلَقَّاهُ بِهِ) أي: بذلك القباء (وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ) الذَّهب، ليريه محاسنه ليرضيه (فَقَالَ: يَا أَبَا المِسْوَرِ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، يَا أَبَا المِسْوَرِ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ) مرَّتين (وَكَانَ فِي خُلُقِهِ) أي: مخرمة (شِدَّةٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «شيءٌ» فلاطفه النَّبيُّ ﷺ بما فعله معه (٣)، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. (وَرَوَاهُ) أي: هذا (٤) الحديث، ولأبي ذرٍّ: «رواه» (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل، واسم أبيه إبراهيم الأسديُّ البصريُّ ممَّا وصله في «الأدب» [خ¦٦١٣٢] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، أي: مرسلًا مثل الرِّواية الأولى (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ) ممَّا وصله في «باب شهادة الأعمى» [خ¦٢٦٥٧]: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ (٥)) ولأبي ذرٍّ: «عن المسور بن مخرمة: قَدِمت» (عَلَى النَّبِيِّ (٦) ﷺ أَقْبِيَةٌ) والمِسْور وأبوه مخرمة صحابيَّان، فالحديث موصولٌ في هذا الطَّريق. (تَابَعَهُ) أي: تابع أيُّوبَ (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام على وصله (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عن المِسْور،

стр. 6240

وهذه المتابعة وصلها في «باب كيف يُقبَض المتاع» [خ¦٢٥٩٩] في «الهبة»، والحاصل: أنَّه اتَّفق اثنان عن أيُّوب على إرساله، ووصله ثالثٌ عن أيُّوب، ووافقه آخر عن شيخهم، واعتمد المؤلِّف الموصول لحفظ من وصله، فظهر أنَّ رواية الأَصيليِّ الموصولة في الرِّواية الأولى وهمٌ، كما مرَّ. وهذا الحديث قد سبق مرارًا [خ¦٢٦٥٧] [خ¦٥٨٠٠] [خ¦٦١٣٢]. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، وَمَا أَعْطَى) ﵊ (مِنْ ذَلِكَ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «من» (نَوَائِبِهِ؟). ٣١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) ابن أخت عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، واسم أبي الأسود حُمَيدٌ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان التَّيميِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ الرَّجُلُ) أي: من الأنصار (يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخَلَاتِ) أي: من عقارهم هديَّةً ليصرفها في نوائبه (حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ) أي: حصنًا كان لقريظة (وَ) أجلى (النَّضِيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ) نخلاتهم، وكانت النَّضير ممَّا أفاء الله على رسوله ﷺ ، ممَّا لم يُوجِف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، وانجلى عنها (١) أهلها بالرُّعب، فكانت خالصةً له ﵊، فحبس منها لنوائبه وما يعروه، وقَسَمَ أكثرها في المهاجرين خاصَّةً دون الأنصار، وأمرهم أن يُعيدوا إلى الأنصار ما كانوا واسَوهم به لمَّا قدموا عليهم المدينة ولا شيء لهم، فاستغنى الفريقان جميعًا، ثمَّ فُتِحت قريظة لمَّا نقضوا العهد، فحُوصِروا فنزلوا على حكم سعدٍ، وقسمها ﷺ في أصحابه، وأعطى من نصيبه في نوائبه، أي: في نفقات أهله ومن يطرأ عليه، ويجعل الباقي في السِّلاح والكراع عُدَّةً في سبيل الله. وهذا الحديث مُختصَرٌ من حديثٍ يأتي إن شاء الله تعالى بتمامه، مع بيان كيفيَّة قسمه (٢) ﵇

стр. 6241

المترجم بها في «المغازي» [خ¦٤٠٣٠] [خ¦٤٠٣٣] بعون الله وقوَّته. (١٣) (بابُ بَرَكَةِ الغَازِي فِي مَالِهِ) بالمُوحَّدة، وصحَّفه بعضهم بالمُثنَّاة الفوقيَّة، ويؤيِّده قوله: (حَيًّا وَمَيِّتًا) أي: في حال كونه حيًّا وميِّتًا، فكم من فقيرٍ أغناه الله ببركة غزوه (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَوُلَاةِ الأَمْرِ).

стр. 6242

٣١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه الحنظليُّ المروزيُّ (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيِّ: (أَحَدَّثَكُمْ) بهمزة الاستفهام، ولابن عساكر: «حدَّثكم» بإسقاطها (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ؟) لم يذكر جواب الاستفهام، لكن عند إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مُسنَده» بهذا الإسناد: «قال: نعم حدَّثني هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام (يَوْمَ) وقعة (الجَمَلِ) الَّتي كانت بين عائشة ومن معها وبين عليٍّ ومن معه ﵃، على باب البصرة سنة ستٍّ وثلاثين بعد مقتل (١) عثمان، وأُضيفت الوقعة إلى الجمل لكون عائشة كانت عليه حال الوقعة حتَّى عُقِر (دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى

стр. 6243

جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ) عند خصمه (أَوْ مَظْلُومٌ) عند نفسه لأنَّ كِلَا (١) الفريقين كان يتأوَّل أنَّه على الصَّواب، قاله ابن بطَّالٍ. وقال السَّفاقسيُّ: إمَّا صحابيٌّ يتأوَّل فهو (٢) مظلومٌ، وإمَّا غير صحابيٍّ قاتَلَ لأجل الدُّنيا فهو ظالمٌ، وقد كان الزُّبير وطلحة وغيرهما من كبار الصَّحابة خرجوا مع عائشة لطلب قَتَلَة عثمان وإقامة الحدِّ عليهم لا لقتال عليٍّ، لأنَّه لا خلاف أنَّ عليًا كان أحقَّ بالإمامة من جميع أهل زمانه، وكان قَتَلَة عثمان لجؤوا إلى عليٍّ، فرأى أنَّه لا يسلِّمهم للقتل حتَّى يُسكِّن حال (٣) الأمَّة، وتجري الأمور على ما أوجب الله، فكان ما قدَّر الله ممَّا جرى به القلم، ولذا قال الزُّبير لابنه لمَّا رأى شدَّة الأمر وأنَّهم لا ينفصلون إلَّا عن تقاتلٍ (٤): (وَإِنِّي لَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة، أي: لا أظنُّني (إِلَّا سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُومًا) لأنَّه لم ينوِ قتالًا ولا عَزَم عليه، أو لقوله ﷺ : «بشِّر (٥) قاتل ابن صفيَّة بالنَّار» (وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي) بفتح اللَّام للتَّأكيد (أَفَتَُرَى) بهمزة الاستفهام وضمِّ الفوقيَّة، أي: أفتظنُّ، وبفتحها، أي: أفتعتقد (يُبْقِي) بضمِّ أوله وكسر ثالثه، من الإبقاء (دَيْنُنَا) بالرَّفع على الفاعليَّة (مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟!) بالنَّصب على المفعوليَّة، وقال ذلك استكثارًا لِمَا عليه، وإشفاقًا من دينه (فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ) ولأبي ذرٍّ: «واقضِ» (دَيْنِي، وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ) من ماله مطلقًا (وَثُلُثِهِ) أي: وبثلث الثُّلث (لِبَنِيهِ؛ يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) ولأبي ذرٍّ: «يعني: بني (٦) عبد الله بن الزُّبير» خاصَّةً (يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ) كما ذكرته (فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ (٧) بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ) (٨) بضمَّاتٍ (٩) أي: ثلث ذلك الفضل الَّذي أوصيت به من الثُّلث (لِوَلَدِكَ) وسقط قوله «شيءٌ» لابن عساكر، ومقتضاه: أنَّ الفاضل بعد قضاء الدَّين يُصرَف ثُلُثُه لبني عبد الله، وفيه شيءٌ لأنَّه إنَّما أوصى لهم بثلث الثُّلث، ويُحمَل الكلام على أنَّ المراد: فإنْ فَضَلَ بعد الدَّين شيءٌ

стр. 6244

يُصرَف لجهة الوصيَّة الَّتي أوصيتها، فثلثه لولدك. وحكى الدِّمياطيُّ عن بعضهم: أنَّ «ثلثه» ليس اسمًا، وإنَّما هو فعل أمرٍ -بفتح المثُلَّثة وكسر اللَّام المُشدَّدة- لتصحَّ إضافته إلى ولده، أي: ليكون الثُّلث وصلةً إلى إيصال ثلث الثُّلث إلى أبناء عبد الله، قال الدِّمياطيُّ: فيه نظرٌ. (قَالَ هِشَامٌ) هو ابن عروة بالسَّند السَّابق: (وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ) بن الزُّبير (قَدْ وَازَى) بالزَّاي المُعجَمة، أي: ساوى (١) (بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ) أي: في السِّنِّ، وقال ابن بطَّالٍ: أي: ساوى بنو عبد الله في أنصبائهم من الوصيَّة بعض بني الزُّبير في أنصبائهم من ميراث أبيهم الزُّبير، وهذا أولى، وإلَّا لم يكن لذكر كثرة أولاد الزُّبير معنًى، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه في تلك الحالة لم يظهر مقدار الموروث ولا المُوصَى به، وأمَّا قوله: «لا يكون (٢) له معنًى» فليس كذلك لأنَّ المراد أنَّه خصَّ أولاد عبد الله دون غيرهم لكونهم كثروا (٣) وتأهَّلوا حتَّى ساوَوا أعمامهم في ذلك، فجعل لهم نصيبًا من المال ليتوفَّر على أبيهم حصَّته، وفيه: الوصيَّة للحفدة إذا كان لهم آباءٌ في الحياة يحجبونهم (خُبَيْبٌ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الموحَّدة مُصغَّرًا، مرفوعًا بدلًا (٤)، أو بيانًا (٥) من «بعض» في قوله: «وكان بعض» وقول الحافظ ابن حجرٍ: «ويجوز جرُّه على أنَّه بيانٌ للبعض» سهوٌ لأنَّ «بعض» في موضعين (٦)، أوَّلهما: مرفوعٌ، اسم «كان» والثَّاني: منصوبٌ على المفعوليَّة (وَعَبَّادٌ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة، هما ولدا عبد الله بن الزُّبير، ولم يكن له يومئذٍ سواهما، وهاشمٌ وثابتٌ (وَلَهُ) أي: للزُّبير لا لابنه (٧) عبد الله. ووهم الكِرمانيُّ (٨) (يَوْمَئِذٍ) أي: يوم وصيَّته (تِسْعَةُ بَنِينَ) عبد الله وعروة والمنذر أمُّهم أسماء بنت أبي بكرٍ، وعمرٌو (٩) وخالدٌ أمُّهما

стр. 6245

أمُّ خالدٍ بنت خالد بن سعيدٍ، ومصعبٌ وحمزة أمُّهما الرَّباب بنت أنيفٍ، وعبيدة (١) وجعفرٌ أمُّهما زينب بنت بِشْرٍ (وَتِسْعُ بَنَاتٍ) خديجة الكبرى وأمُّ الحسن وعائشة أمُّهن أسماء بنت أبي بكرٍ، وحفصة أمُّها زينب، وزينب أمُّها أمُّ كلثوم بنت عقبة، وحبيبة وسودة وهندٌ أمُّهنُّ أمُّ خالدٍ، ورملة أمُّها الرَّباب. (قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ) الزُّبير (يُوصِينِي بِدَيْنِهِ (٢)) أي: بقضائه (وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ (٣)، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ (٤) فِي شَيْءٍ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «إن عجزت عن شيءٍ منه» (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ) (قَالَ) عبد الله: (فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ) بفتح الرَّاء (مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَنْ مَوْلَاكَ؟) لعلَّه ظنَّ أن يكون أراد بعض (٥) عتقائه، فلما استفهمه (قَالَ: اللهُ. قَالَ) عبد الله: (فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ) بضمِّ الكاف وبالمُوحَّدة (مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ. فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ) غدرًا، فَتَكَ به عمرو بن جُرْمُوزٍ -بضمِّ الجيم والميم بينهما راءٌ ساكنةٌ وآخره زايٌ- وهو نائمٌ، وروى الحاكم من طرقٍ متعدِّدةٍ: أنَّ عليًّا ذَكَّرَ الزُّبيرَ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «لتقاتلنَّ عليًّا وأنت ظالمٌ له»، فرجع لذلك، وعند ابن أبي خيثمة في «تاريخه»: «أنَّه رجع قبل أن يقع القتال»، وعند يعقوب بن سفيان: أنَّ ابن جُرْمُوزٍ قتله بوادي السِّباع (¬﵁، وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِلَّا أَرَضِينَ) بفتح الرَّاء وكسر الضَّاد (مِنْهَا الغَابَةُ) بغينٍ مُعجَمةٍ ومُوحَّدةٍ مُخفَّفةٍ (٦)، أرضٌ عظيمةٌ من عوالي المدينة، اشتراها بسبعين ومئة ألفٍ (٧)، وبيعت في تَرِكَته بألفِ ألفٍ وستِّ مئة ألفٍ (وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالمَدِينَةِ) بسكون الشِّين (وَدَارَيْنِ بِالبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ): أي: عبد الله (وَإِنَّمَا) وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «قال» وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «وقال: إنَّما» (كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ

стр. 6246

الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا) أقبضه وديعةً (وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ) قرضٌ في ذمَّتي (فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ) فيُظَنُّ بي التَّقصير في حفظه، وهذا أوثق لربِّ المال وأبقى لمروءة الزُّبير ﵁ (وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ) بكسر الهمزة (وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ) بكسر الجيم وبالمُوحَّدة (١) (وَلَا شَيْئًا) ممَّا يكون سببًا لتحصيل المال، ولم تكن كثرة ماله من جهةٍ مقتضيةٍ لظنِّ سوءٍ بصاحبها (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃¬) فيكسب من الغنيمة، ولقد كان صاحب ذمَّةٍ وافرةٍ وعقاراتٍ كثيرةٍ. وروى الزُّبير بن بكَّارٍ بإسناده: «أنَّ الزُّبير كان له ألف مملوكٍ يؤدُّون إليه الخراج». وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى. (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بالإسناد السَّابق: (فَحَسَبْتُ) بفتح السِّين: من الحساب (مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفٍ) بالتَّثنية في الموضعين (قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ) بالحاء المهملة والزَّاي (عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) نُصِب على المفعوليَّة (فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) أي: في الدِّين (كَمْ عَلَى أَخِي) أي: الزُّبير (مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ) عبد الله (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (مِئَةُ أَلْفٍ) ولم يذكر الباقي لئلَّا يستعظم حكيمٌ ما استدان به (٢) الزُّبير، فيظنَّ به عدم الحزم، وبعبد الله عدم الوفاء بذلك، فينظر إليه بعين (٣) الاحتياج (فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللهِ، مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ (أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ) أي: تكفي (لِهَذِهِ) فلمَّا استعظم حكيمٌ أمر مئة ألفٍ احتاج عبد الله أن يذكر له الجميع (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَأَيْتَكَ) بفتح التَّاء (٤) أي: أخبرني (إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفٍ؟) ولم يكن كتمانه الزَّائد كذبًا (٥) لأنَّه أخبر (٦) ببعض ما عليه، وهو صادقٌ. نعم من يعتبر مفهوم العدد يرى أنَّه أخبر بغير الواقع. (قَالَ) حكيمٌ: (مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ) وفاءَ (هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي، قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِئَةِ أَلْفٍ) بالمُوحَّدة بعد السِّين المُهمَلة (فَبَاعَهَا) أي: قوَّمها، وعبَّر بالبيع اعتبارًا بالأوَّل (عَبْدُ اللهِ)

стр. 6247

ابنُه (بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِئَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا) أي: فليأتنا (بِالغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِئَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ) بن الزُّبير: (إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا) أي: الأربع مئة ألفٍ (لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ) له: (لَا) تترك دينك (قَالَ) عبد الله بن جعفرٍ: (فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ، فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «قال» (عَبْدُ اللهِ) بن الزُّبير له: (لَا) تؤخِّر (قَالَ: قَالَ) عبد الله بن جعفرٍ: (فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن الزُّبير له: (لَكَ مِنْ هَهُنَا إِلَى هَهُنَا، قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا) أي: من الغابة والدُّور، لا من الغابة وحدها (فَقَضَى دَيْنَهُ) أي: دَين أبيه (فَأَوْفَاهُ) جميعه، وكان ألفي (١) ألفٍ كما عند أبي نُعَيمٍ في «المُستخرَج» (وَبَقِيَ مِنْهَا) أي (٢): من الغابة بغير بيعٍ (أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ) عبد الله بن الزُّبير (عَلَى مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان دمشقَ (وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بفتح العين وسكون الميم، ابن عفَّان (وَالمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أخو عبد الله بن الزُّبير (وَابْنُ زَمَْعَةَ) بالزَّاي والميم والعين المفتوحات وتُسكَّن الميم، اسمه عبد الله أخو أمِّ المؤمنين سَودة (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الغَابَةُ؟) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، و «الغابةُ» رفعُ نائبٍ عن الفاعل، ولأبي ذرٍّ: «كم قَوَّمْتَ الغابةَ؟» مبنيًّا للفاعل، «الغابةَ» نُصِب على المفعوليَّة (قَالَ) عبد الله بن الزُّبير: (كُلُّ سَهْمٍ) أي: من أصل ستَّة عشر سهمًا (مِئَةَ أَلْفٍ) بنصب «مئةَ» على نزع (٣) الخافض (٤) أي: جاء كلُّ سهمٍ بمئة ألفٍ، وهذا يؤيِّد ما سبق أنَّه لم يبع الغابة وحدها؛ لأنَّه سبق أنَّ الدَّين كان ألفَي ألفٍ ومئتي ألفٍ، وأنَّه باع الغابة بألف (٥) ألفٍ وستِّ مئة ألفٍ، وأنَّه بقي منها أربعة أسهمٍ ونصفٌ بأربع مئةٍ وخمسين ألفًا، فيكون الحاصل من ثمنها إذ ذاك ألف ألفٍ ومئة ألفٍ وخمسين ألفًا خاصَّةً، فيتأخَّر (٦) من الدَّين ألفُ ألفٍ وخمسون ألفًا، فكأنَّه باع بها شيئًا من الدُّور، قاله في «الفتح». (قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (المُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِئَةِ أَلْفٍ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِئَةِ

стр. 6248

أَلْفٍ، وَقَالَ ابْنُ زَمَْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِئَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: أَخَذْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «قال: قد أخذته» (بِخَمْسِينَ وَمِئَةِ أَلْفٍ. قَالَ: وَبَاعَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فباع» (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّ مِئَةِ أَلْفٍ) فربح مئتي ألفٍ (فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) أي: دَين أبيه (قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا، قَالَ: لَا وَاللهِ، لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كَلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالمَوْسِمِ): ألا من كان له على الزُّبير دَينُ فليأتنا نَقْضِهِ (١) (فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ) ولم يأته أحدٌ (قَسَمَ بَيْنَهُمْ) قيل: وتخصيص الأربع سنين لأنَّ الغالب أنَّ المسافة الَّتي بين مكَّة وأقطار الأرض سنتان، فيصلُ (٢) إلى الأقطار (٣) ثمَّ يعود (٤) إليه، ولعلَّ الورثة أجازوا هذا التَّأخير، وإلَّا فمن طلب القسمة بعد وفاء الدَّين الَّذي وقع العلم به أُجيب إليها، فإذا ثبت بعد ذلك شيءٌ استُعيد منه (قَالَ: فَكَانَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكان» (لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ) مات عنهنَّ: أمُّ خالدٍ و (٥) الرَّباب وزينب المذكورات قبلُ، وعاتكة بنت زيدٍ، أخت سعيد بن زيدٍ أحد العشرة (وَرَفَعَ) عبد الله (الثُّلُثَ) المُوصَى به (فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِئَتَا أَلْفٍ) ولابن عساكر: «ومئتي ألفٍ» (فَجَمِيعُ مَالِهِ) المحتوي على الوصيَّة والميراث والدَّين (خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِئَتَا أَلْفٍ) وهذا -كما قالوا- من الغلط في الحساب. قال الدِّمياطيُّ -فيما حكاه في «الفتح» -: وإنَّما وقع الوهم في رواية أبي أسامة عند البخاريِّ في قوله في (٦) نصيب كلِّ زوجةٍ: «إنَّه ألفُ ألفٍ ومئتا ألفٍ» وإنَّ الصَّواب: أنَّه ألفُ ألفٍ سواء بغير كسرٍ، وإذا اختصَّ الوهم بهذه اللَّفظة وحدها خرج بقيَّة ما فيه على (٧) الصِّحَّة لأنَّه يقتضي أن يكون

стр. 6249

الثُّمن أربعة آلاف ألفٍ، فلعلَّ بعض رواته (١) لمَّا وقع له ذكر مئتا (٢) ألف عند الجملة ذكرها عند نصيب كلِّ زوجةٍ سهوًا، وهذا توجيهٌ حسنٌ، ويؤيِّده ما روى أبو نُعَيمٍ في «المعرفة» من طريق أبي معشرٍ عن هشامٍ عن أبيه قال: «وَرِثت كلُّ امرأةٍ للزُّبير رُبُع الثَّمن ألفَ ألفِ درهمٍ»، وقد وجَّهه الدِّمياطيُّ أيضًا بأحسن منه، فقال ما حاصله: إنَّ قوله: «فجميع مال الزُّبير خمسون ألفَ ألفٍ ومئتا ألفٍ» صحيحٌ، والمراد به: قيمة ما خلَّفه عند موته، وأنَّ الزَّائد على ذلك وهو تسعة آلاف ألفٍ وستُّ مئة ألفٍ بمقتضى ما تحصَّل من ضرب ألف ألفٍ ومئتي ألفٍ، وهو ربع الثُّمن في ثمانيةٍ مع ضمِّ الثُّلث كما تقدَّم. ثمَّ قُدِّر الدَّين حتَّى يرتفع من الجميع تسعةٌ وخمسون ألفَ ألفٍ وثمان مئة ألفٍ (٣)، حصل هذا الزَّائد من نماء العقار والأراضي في المدَّة الَّتي أخَّر فيها عبدُ الله بن الزُّبير قَسْمَ التَّرِكة استبراءً للدَّين كما مرَّ، وهذا التَّوجيه في غاية الحُسْن لعدم (٤) تكلُّفه وتبقيةِ (٥) الرِّواية (٦) الصَّحيحة على وجهها. والظَّاهر: أنَّ الغرض ذكر الكثرة الَّتي نشأت عن البركة في تَركِة الزُّبير، إذ خلَّف دَينًا كثيرًا ولم يخلِّف إلَّا العقار المذكور، ومع ذلك فبُورِك فيه حتَّى تحصَّل (٧) منه هذا المال العظيم. وقد جرت للعرب عادةٌ بإلغاء الكسر مرَّةً وجبرها (٨) أخرى، فهذا من ذاك، وقد وقع إلغاء الكسر في هذه القصَّة في عدَّة رواياتٍ بصفاتٍ مختلفاتٍ لا نطيل بذكرها. انتهى. مُلخَّصًا من «فتح الباري»، والله أعلم (٩). (١٤) هذا (١٠) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَعَثَ الإِمَامُ رَسُولًا فِي حَاجَةٍ، أَوْ أَمَرَهُ بِالمُقَامِ) بضمِّ الميم، أي:

стр. 6250

ببلده (هَلْ يُسْهَمُ لَهُ؟) أي: مع الغانمين. ٣١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهاء بوزن جَعْفرٍ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله الأعرج الطَّلحيُّ (١) التَّيميُّ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ) وقعة (بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كان» (تَحْتَهُ بِنْتُ) ولابن عساكر (٢): «ابنة» (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) رقيَّة (وَكَانَتْ مَرِيضَةً) فتكلَّف الغيبة لأجل تمريضها، وتُوفِّيت ورسول الله ﷺ ببدرٍ (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ) وأسهمه، وقال: «اللَّهمَّ إنَّ عثمان كان في حاجة رسولك» واحتجَّ أبو حنيفة بهذا على أنَّ من بعثه الإمام لحاجةٍ أنَّه (٣) يُسهم له، وقال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمد: لا يُسهَم من الغنيمة إلَّا لمن حضر الوقعة. وأجابوا عن هذا الحديث: بأنَّه خاصٌّ بعثمان، ويدلُّ له قوله ﵊: «إنَّ لك أجر رجلٍ ممَّن (٤) شهد بدرًا وسهمه» وهذا لا سبيل إلى (٥) أن يعمله غيره ﷺ . وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «المغازي» [خ¦٤٠٦٦] وفي «فضل عثمان» [خ¦٣٦٩٨]، والتِّرمذيُّ في «المناقب» (٦).

стр. 6251

(١٥) (بَابٌ) بالتَّنوين، ولابن عساكر: «قال أبو عبد الله» -أي: البخاريُّ- «بابٌ» بالتَّنوين أيضًا، وفي بعض الأصول وهو لأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين (١) كذلك، قال: (وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ) من الغنيمة (لِنَوَائِبِ المُسْلِمِينَ) الَّتي تحدث لهم (مَا سَأَلَ هَوَازِنُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) برفع «هوازن» على الفاعليَّة، ونصب «النَّبيَّ» على المفعوليَّة (بِرَضَاعِهِ) بفتح الرَّاء، أي: بسبب رضاعه (فِيهِمْ) لأنَّ حليمة السَّعديَّة مرضعته منهم، والمرادُ قبيلةُ هوازن، وأطلقها على بعضهم مجازًا (فَتَحَلَّلَ) ﵊ (مِنَ المُسْلِمِينَ) أي: استحلَّ من الغانمين ما كان خصَّهم (٢) ممَّا غنموه منهم، والواو في قوله: «ومن الدَّليل». قال في «فتح الباري»: عطفٌ على التَّرجمة الَّتي قبل ثمانية أبوابٍ، حيث قال: «الدَّليل على أنَّ الخمس لنوائب رسول الله ﷺ » [خ¦٥٧/ ٦ - ٤٨٦١] وقال هنا: «لنوائب المسلمين» وقال بعد بابٍ: «ومن الدَّليل على أنَّ الخمس للإمام» [خ¦٥٧/ ١٧ - ٤٨٩٨] والجمع بين هذه التَّراجم أنَّ الخُمُس لنوائب المسلمين، وإلى النَّبيِّ ﷺ مع تولِّي قسمته أن يأخذ منه ما يحتاج إليه بقدر كفايته، والحكم بعده كذلك يتولَّى الإمام ما كان يتولَّاه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا وجه لدعوى هذا العطف البعيد المتخلِّل بين المعطوف والمعطوف عليه أبوابٌ بأحاديثها، وليست هذه بواو العطف، بل مثل هذا يأتي كثيرًا بدون أن يكون معطوفًا على شيءٍ، وتُسمَّى هذه واو الاستفتاح، وهو المسموع من الأساتيذ (٣) الكبار. انتهى. (وَ) من الدَّليل أيضًا على أنَّ الخمس لنوائب المسلمين: (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعِدُ النَّاسَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنَ الفَيْءِ) وهو ما حصل (٤) بغير قتالٍ (وَالأَنْفَالِ مِنَ الخُمُسِ) جمع نَفَلٍ

стр. 6252

بتحريك الفاء أكثر من إسكانها، وهو أن يشترط الأمير زيادةً على سهم الغنيمة لمن يستعين به فيما (١) فيه نكايةٌ زائدةٌ في العدوِّ، أو توقُّع ظَفَرٍ، أو دفع سوءٍ ليقدم على طليعةٍ بشرط الحاجة إليه، وليس لقدره ضبطٌ، بل يجتهد فيه بقدر العمل، وهو من خمس الخمس، وكذا يكون النَّفل لمن صدر منه في الحرب أثرٌ محمودٌ كمُبارَزةٍ وحُسْن إقدامٍ، زيادةً على سهمه بحسب ما يليق بالحال (وَ) من الدَّليل أيضًا: (مَا أَعْطَى) ﵇ (الأَنْصَارَ، وَمَا أَعْطَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (٢) (تَمْرَ خَيْبَرَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم. ٣١٣١ - ٣١٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) اسم أبيه كثيرٌ، ونسبه لجدِّه (٣) «عُفَيرٍ» -بضمِّ العين، مُصغَّرًا- لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: وَزَعَمَ

стр. 6253

عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام، والواو في «وزعم» قال في «الفتح»: معطوفٌ (١) على قصَّة الحديبية، ولم أدرك وجهه (٢)، وفي «كتاب الأحكام» [خ¦٧١٧٦] [خ¦٧١٧٧] عن موسى بن عقبة، قال (٣) ابن شهابٍ: حدَّثني عروة بن الزُّبير: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) لم يصحَّ له سماعٌ من النَّبيِّ ﷺ ولا صحبة (وَمِسْوَرَ) ولأبي ذرٍّ: «والمسورَ» (بْنَ مَخْرَمَةَ) له ولأبيه صحبةٌ، لكنَّه إنَّما قدم وهو صغيرٌ مع أبيه بعد الفتح (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (٤) ﷺ قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) حال كونهم (مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) وعند الواقديِّ: «كان فيهم أبو بَرْقان السَّعديُّ فقال: يا رسول الله، إنْ في هذه الحظائر إلَّا أمَّهاتُك وخالاتُك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا منَّ الله عليك»، وفي شعر زهير بن صُرَدٍ ممَّا رويناه في «المعجم الصَّغير» للطَّبرانيِّ: اُمنن على نسوةٍ قد كنتَ تَرضَِعُها … إذ فوك تملؤه من مَحْضِها الدِّررُ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ) «أَحَبُّ» مبتدأٌ خبرُه قوله: (أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) أي: انتظرت (بِهِمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْتَظَرَهُمْ) ولغير الكُشْميهَنيِّ: «انتظر آخرهم» (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي، وتركه بالجِعرَانة (حِينَ قَفَلَ) أي: رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجِعرَانة، وقسم الغنائم بها، وكان توجَّه إلى الطَّائف فحاصرها (٥)، ثمَّ رجع عنها، فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبيَّن لهم أنَّه أخَّر القسم (٦) ليحضروا فأبطؤوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ) أي: ظهر لوفد هوازن (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) المال أو السَّبي (قَالُوا:

стр. 6254

فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ) وفد هوازن (هَؤُلَاءِ قَدْ جَاؤُوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ) بضمِّ أوَّله وفتح الطَّاء وتشديد التَّحتيَّة المكسورة، أي: يطيِّب نفسه بدفع السَّبي مجَّانًا من غير عوضٍ (فَلْيَفْعَلْ) جواب الشَّرط (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) بضمِّ حرف المضارعة من «أفاء» (فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ لَهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «قد (١) طيَّبنا ذلك لرسول الله ﷺ » أي: لأجله (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) أراد بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا) ذلك (فَأَذِنُوا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأذنوا» أي: له ﵊ أن يردَّ السَّبي إليهم. قال ابن شهاب: (فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ). وهذا الحديث قد مرَّ في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٧] [خ¦٢٣٠٨] و «العتق» [خ¦٢٥٣٩] [خ¦٢٥٤٠]. ٣١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ

стр. 6255

(قَالَ) أي: أيُّوب: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ الكُلَيْبِيُّ) بضمِّ الكاف مُصغَّرًا (وَأَنَا لِحَدِيثِ القَاسِمِ أَحْفَظُ) من حديث أبي قِلابة (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزَّاي وسكون الهاء وبعد الدَّال المُهمَلة المفتوحة ميمٌ، ابن مُضَرِّبٍ الأزديِّ الجرميِّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (فَأَتَى) بفتح الهمزة والفوقيَّة، بلفظ الماضي من الإتيان (ذِكْرُ دَجَاجَةٍ) بكسر الذَّال المعجمة وسكون الكاف، «دجاجةٍ» بالجرِّ والتَّنوين على الإضافة، وعزاه في «الفتح» لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، وللأصيليِّ: «فَأُتِيَ» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول «ذَكَرَ» -بفتحاتٍ- «دجاجةً» بالتَّنوين والنَّصب على المفعوليَّة، وكأنَّ الرَّاوي لم يستحضر (١) اللَّفظ كلَّه وحفظ منه لفظ (٢) «دجاجة» وفي «النُّذور» [خ¦٦٦٤٩]: «فأُتِي بطعامٍ فيه دجاجٌ»، وهو المراد (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة (٣) نسبةً إلى بطنٍ من بني بكر بن عبد مناة (٤) بن كنانة، ومعنى «تيم الله»: عبد الله (أَحْمَرُ) اللَّون (كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي) أي: من سبي الرُّوم (فَدَعَاهُ لِلطَّعَامِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) من النَّجاسة (فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذَّال المُعجَمة، أي: فكرهته (فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ) ولأبي ذرٍّ: «أن لا آكل» (فَقَالَ) أبو موسى: (هَلُمَّ فَلأُِحَدِّثْكُمْ) بجزم المُثلَّثة وكسر اللَّام، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فأحدِّثكم» بإسقاط اللَّام (عَنْ ذَلكَ (٥)) أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين: (إِنِّي أَتَيْتُ رسول الله ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) من الرِّجال: ما بين الثَّلاثة إلى العشرة (نَسْتَحْمِلُهُ) أي (٦): نطلب منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا على الإبل في غزوة تبوك (فَقَالَ) ﵊: (وَاللهِ

стр. 6256

لَا (١) أَحْمِلُكُمْ، وَمَا (٢) عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، وَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ همزة (٣) «أُتِيَ» مبنيًا للمفعول (بِنَهْبِ إِبِلٍ) غنيمةٍ (فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟) أي: فأتينا (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بالإضافة وفتح الذَّال المُعجَمة، ما بين الثِّنتين إلى التِّسعة، أو ما بين الثَّلاث إلى العشرة من الإبل (٤) (غُرِّ الذُّرَى) بضمِّ الغين المُعجَمة وتشديد الرَّاء، و «الذُّرَى» بضمِّ الذَّال المُعجَمة وفتح الرَّاء، أي: ذوي الأسنمة البيض من سمنهنَّ وكثرة شحومهنَّ (فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا (٥)؟! لَا يُبَارَكُ لَنَا) فيما أعطانا (فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) ﵊ (فَقُلْنَا): يا رسول الله (إِنَّا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَلَّا تَحْمِلَنَا) بفتح اللَّام (أَفَنَسِيتَ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (قَالَ) ﵊: (لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ) يحتمل أنَّه أراد إزالة المنَّة عليهم بإضافة النِّعمة إلى الله تعالى، ولو لم يكن له صنعٌ في ذلك لم يحسن إيراد قوله: (وَإِنِّي -وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمينٍ، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه. ولـ «مسلمٍ»: «على أمرٍ» (٦) بدل قوله: «على يمينٍ» (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي: من الخصلة المحلوف عليها (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) أي: منها (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة. ومناسبته للتَّرجمة من جهة أنَّهم سألوه فلم يجد (٧) ما يحملهم عليه، ثمَّ حضر (٨) من الغنائم فحملهم منها، وهو محمولٌ على أنَّه حملهم على ما يختصُّ بالخُمُس، وإذا كان له التَّصرُّف بالتَّنجيز من غير تعليقٍ فكذا له التَّصرُّف بتنجيز ما علَّق. وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥] و «النُّذور» [خ¦٦٦٤٩] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥١٧]

стр. 6257

و «الكفَّارات» [خ¦٦٧٢١] و «المغازي» [خ¦٤٣٨٥]، ومسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، والتِّرمذيُّ في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد» و «النُّذور». ٣١٣٤ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) سقط لغير أبي ذرٍّ «ابن عمر» (قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة أي: جهتها (فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرًا) وللأَصيليِّ: «كثيرةً» وزاد مسلمٌ: «وغنمًا» (فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سُهْمانهم» بضمِّ السِّين وسكون الهاء، جمع سهمٍ، أي: نصيب كلِّ واحدٍ (اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «اثنا عشر» على لغة من يجعل المُثنَّى بالألف مطلقًا (أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَنُفِّلُوا) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: أُعِطيَ كلّ واحدٍ منهم زيادةً على السَّهم المستحقِّ له (بَعِيرًا بَعِيرًا) وفي رواية ابن إسحاق عند (٢) أبي داود: أنَّ التَّنفيل كان من الأمير، والقسم من النَّبيِّ ﷺ ، وظاهر رواية اللَّيث عن نافعٍ عند مسلمٍ: أنَّ ذلك صدر من أمير الجيش، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان مقرِّرًا (٣) لذلك ومجيزًا له لأنَّه قال فيه: «ولم يغيِّره النَّبيُّ ﷺ » وتقريره بمنزلة فعله، واختُلِف: هل النَّفل يكون من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس؟ والأصحُّ عند أصحابنا: أنَّه من خمس الخمس، وحكاه النَّوويُّ عن مالكٍ وأبي حنيفة.

стр. 6258

٣١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ -ونسبه لجدِّه- قال: (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن (١) عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ) بضمِّ أوَّله وفتح النُّون وتشديد الفاء مكسورةً، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يَنْتَفل» بفتح أوَّله وسكون النُّون وفوقيَّةٍ مفتوحةٍ وتخفيف الفاء (بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قَِسْمِ) بفتح القاف بخطِّ الدِّمياطيِّ وبكسرها عن ابن مالكٍ وسكون المُهمَلة (عَامَّةِ الجَيْشِ) أي: من خمس خمس الغنيمة، وقد صحَّ في «التِّرمذيِّ» وغيره: «أنَّه ﷺ كان ينفل في البَدَاءة الرُّبع، وفي الرَّجعة الثُّلث» والبَدَاءة: السَّريَّة الَّتي يبعثها الإمام قبل دخوله دار الحرب مقدِّمةً له، والرَّجعة: الَّتي يأمرها بالرُّجوع بعد توجُّه الجيش لدارنا، ونقص في البداءة لأنَّهم مستريحون إذ لم يطل بهم (٢) السَّفر، ولأنَّ الكفَّار في غفلةٍ، ولأنَّ الإمام من ورائهم يستظهرون به، والرَّجعة بخلافها في كلِّ ذلك. وحديث الباب هذا أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد». ٣١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء (عَنْ) جدِّه

стр. 6259

(أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة (١)، مرفوعٌ على الفاعليَّة (وَنَحْنُ بِاليَمَنِ) الواو للحال (فَخَرَجْنَا) حال كوننا (مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ، أَنَا وَأَخَوَانِ لِي، أَنَا أَصْغَرُهُمْ، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ) اسمه عامر بن قيسٍ الأشعريُّ (وَالآخَرُ: أَبُو رُهْمٍ) بضمِّ الرَّاء وبعد الهاء السَّاكنة ميمٌ، اسمه مَجْدِيٌّ -بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدَّال المُهمَلة وتشديد التَّحتيَّة- أو مَجِيْلة، بفتح الميم وكسر الجيم وسكون التَّحتيَّة ثمَّ لامٍ ثمَّ هاءٍ (إِمَّا قَالَ: فِي بِضْعٍ) بكسر الموحَّدة (وَإِمَّا قَالَ: فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي) من الأشعريِّين (فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ) أصحمة (بِالحَبَشَةِ، وَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ) أي: بأرض الحبشة (فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنَا هَهُنَا) بفتح المُثلَّثة (وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا، مَعَنَا) بفتح العين (فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ ¬) بسكون القاف (حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا) أي: من غنيمتها (أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ) ﵊ (إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ) فإنَّه ﵊ (قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ) أي: مع من شهد الفتح، والاستثناء الأوَّل منقطعٌ والثَّاني متَّصلٌ، والإخراج فيه من الجملة الأولى. قال ابن المُنيِّر: وظاهر هذا الحديث عدم المطابقة لِمَا تُرجم به (٢)، فإنَّ الظَّاهر كونه ﵊ قسم لأصحاب السَّفينة من أصحاب (٣) الغنيمة مع الغانمين وإن كانوا غائبين تخصيصًا لهم (٤)، لا من الخُمُس؛ إذ لو كان منه لم تظهر الخصوصيَّة، والحديث ناطقٌ بها، ووجه المطابقة: أنَّه إذا جاز أن يجتهد الإمام في أربعة أخماس الغانمين فلأن يجوز اجتهاده في الخُمُس الَّذي لا يستحقُّه مُعيَّنٌ بطريق الأَولى. وقال السَّفاقسيُّ: يحتمل أن يكون أعطاهم برضا بقيَّة الجيش. انتهى. قال في «الفتح»: وبهذا جزم

стр. 6260

موسى بن عقبة في «مغازيه» وعند البيهقيِّ: «أنَّه ﷺ قبل أن يُسهم لهم كلَّم المسلمين فأشركوهم» وجزم أبو عُبَيدٍ في «كتاب الأموال»: بأنَّه أعطاهم من الخُمُس، وهو الموافق للتَّرجمة. وقال البيضاويُّ: إنَّما أسهم لهم لأنَّهم وردوا عليه قبل حيازة الغنيمة، قال الطِّيبيُّ: وهذا من (١) قول من قال: إنَّه أعطاهم من الخُمُس الَّذي هو حقُّه دون حقوق (٢) من شهد الوقعة لأنَّ قوله: «فأسهم» يقتضي القسمة من نفس الغنيمة. وما يُعطَى من الخمس ليس بسهمٍ، وأيضًا الاستثناء في قوله: «إلَّا أصحاب سفينتنا» يقتضي إثبات القسمة لهم، والقسمة لا تكون من الخُمُس، ولأنَّ سياق كلام أبي موسى واردٌ على الافتخار والمُباهاة، فيستدعي اختصاصهم بما ليس لأحدٍ غيرهم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا (٣) مُقطَّعًا في «الخُمُس» و «هجرة الحبشة» [خ¦٣٨٧٦] و «المغازي» [خ¦٤٢٣٠]، ومسلمٌ في «الفضائل».

стр. 6261

٣١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير -بالتَّصغير- التَّيميُّ المدنيُّ (سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ قَدْ جَاءَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «جاءنا» بالجمع، ولابن عساكر: «جاء» (مَالُ البَحْرَيْنِ) أي: من جهة الجزية (لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ) وسقط لأبي ذرٍّ «لقد»، وللحَمُّويي والمُستملي: «أُعطِيك (١)» بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء وحذف الفوقيَّة (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) ثلاثًا (فَلَمْ يَجِئْ) مال البحرين (حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ) (٢) من عند العلاء بن الحضرميِّ (أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (مُنَادِيًا) قيل: إنَّه بلالٌ (فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ) بكسر العين وتخفيف الدَّال المُهمَلة، أي: وعدٌ (فَلْيَأْتِنَا) نَفِ له به (فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لِي كَذَا وَكَذَا. فَحَثَا لِي) -بالمُهمَلة والمُثلَّثة- أبو بكرٍ ﵁ (ثَلَاثًا، وَجَعَلَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (يَحْثُو بِكَفَّيْهِ) بالتَّثنية (٣) (جَمِيعًا) هذا يقتضي أنَّ الحثْيَة ما يُؤخَذ باليدين جميعًا، والَّذي قاله أهل اللُّغة: إنَّ الحثية ما يملأ الكفَّ، والحفنة ما يملأ الكفَّين، لكن ذكر الهرويُّ: أنَّ الحثية والحفنة بمعنًى، وهذا الحديث شاهدٌ لذلك (ثُمَّ قَالَ لَنَا) أي: سفيان بالسَّند السَّابق: (هَكَذَا قَالَ لَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّدٌ (وَقَالَ) أي: سفيان أيضًا بالسَّند السَّابق (٤) (مَرَّةً: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَسَأَلْتُ) بحذف ضمير المفعول، ولأبي الوقت: «فسألته» (فَلَمْ يُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُهُ (٥) الثَّالِثَةَ فَقُلْتُ: سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، ثُمَّ سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، ثُمَّ سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي) ثلاثًا (فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي، وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ) بفتح أوَّله وسكون المُوحَّدة (عَنِّي) أي: من جهتي، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «عليَّ» (قَالَ) أي (٦): أبو بكرٍ ﵁: (قُلْتَ): بتاء المخاطبة لجابرٍ (تَبْخَلُ عَلَيَّ؟!) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عنِّي» (مَا مَنَعْتُكَ) أي: من العطاء (مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ) ومنعه هذا -لعلَّه- لئلَّا يحرص على الطَّلب، أو لئلَّا يزدحم النَّاس عليه، فلم يقصد المنع الكلِّيَّ.

стр. 6262

(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو) -بفتح العين- ابن دينارٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن الحُسَين بن عليٍّ (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (فَحَثَا لِي) أي: أبو بكرٍ ﵁ (حَثْيَةً) بفتح الحاء من: حثى يحثي، ويجوز حثوةً من: حثا يحثو، وهما لغتان (وَقَالَ: عُدَّهَا) أي: فعددتها (فَوَجَدْتُهَا خَمْسَ مِئَةٍ، قَالَ: فَخُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مثليها» بالتَّثنية. قال سفيان: (وَقَالَ -يَعْنِي: ابْنَ المُنْكَدِرِ-: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ البُخْلِ؟!) وهذا يشعر بأنَّه من كلام ابن المنكدر، لكن في «مُسنَد الحميديِّ» عن سفيان في هذا الحديث: «وقال ابن المنكدر في حديثه» ففيه اتِّصال ذلك إلى أبي بكرٍ، و «أدوأ» بالهمزة (١) على الصَّواب أي: أقبح، والمحدِّثون يروونه: «أَدْوَى» بغير همزٍ، وهو من «دَوَى» إذا كان به مرضٌ في جوفه، فيُحمَل على أنَّهم سهَّلوا الهمزة. وهذا الحديث قد سبق بعضه (٢) في «الهبة» [خ¦٢٥٩٨] وغيرها. ٣١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدوسيُّ، وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «ابن خالدٍ» قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ غَنِيمَةً بِالجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين، وهذه الغنيمة (٣) كانت غنيمة هوازن، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ) هو ذو الخويصرة التَّميميُّ: (اعْدِلْ، فَقَالَ لَهُ: شَقِيتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) بفتح الشِّين المُعجَمة

стр. 6263

والفوقيَّة، أي: ضللت أنت أيُّها التَّابع إذا كنتُ لا أعدل (١)؛ لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد في نبيِّك هذا القول لأنَّه لا يصدر عن مؤمنٍ، لكن لا يلائمه (٢) حينئذٍ قوله: «إن لم أعدل» إلَّا أن يُقدَّر له جوابٌ محذوفٌ، ولأبوي ذرٍّ والوقت (٣) وابن عساكر: «قال: لقد (٤) شَقِيتُ» بحذف فاء «فقال» ولفظ «له» وزيادة: «لقد» وضمِّ تاء «شقيت» ومعناه ظاهرٌ ولا محذورَ فيه، والشَّرط لا يستلزم الوقوع لأنَّه ليس ممَّن لا يعدل حتَّى يحصل له الشَّقاء، بل هو عادلٌ فلا يشقى، حاشاه الله ممَّا يكره. (١٦) (بابٌ مَا مَنَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الأُسَارَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَّسَ) لأنَّ (٥) له (٦) ﵊ (٧) التَّصرُّف في الغنيمة بما يراه مصلحةً. ٣١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٨) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جُبَير بن مطعمٍ القرشيِّ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ) أي: ابن نوفل

стр. 6264

ابن عبد منافٍ، مات كافرًا في صفر قبل بدرٍ بنحو سبعة أشهرٍ (حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى) بنونين مفتوحتين بينهما فوقيَّةٌ ساكنةٌ مقصورًا، جمع نَتِنٍ كزَمِنٍ وزَمْنى، أو جمع نتينٍ كجريحٍ وجرحى (لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) أي: أطلقتهم (١) لأجله بغير فداءٍ، مكافأةً له لمَّا كان أحسن السَّعي في نقض الصَّحيفة الَّتي كتبتها قريشٌ في ألَّا يبايعوا الهاشميَّة والمطَّلبيَّة ولا يناكحوهم، أو لأنَّه ﵊ لمَّا رجع من الطَّائف لمكَّة رجع في جواره، وفيه دليلٌ على أنَّ للإمام أن يمنَّ على الأسارى من غير فداءٍ، لكن قال أصحابنا الشَّافعيَّة: لو ترك السَّبي للمُطعِم كان يستطيب الغانمين كما فعل في سبي هوازن. قال ابن المُنيِّر: وهذا تأويلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الاستطابة عقدٌ من العقود الاختياريَّة، يحتمل أن يذعن صاحبها وألَّا يذعن، فكيف بتَّ الرَّسول ﵊ القول بأنَّه يعطيه إيَّاهم، والأمر موقوفٌ على اختيار من يحتمل ألَّا يختار، والبتُّ في موضع الشَّكِّ لا يليق بمنصب النُّبوَّة؟! والفرق بين هذا وبين سبي هوازن أنَّه ﵊ لم يعطِ هوازن ابتداءً، بل وقف أمرهم ووعدهم أن يكلِّم المسلمين ويستطيب نفوسهم، بخلاف حديث المطعم، فإنَّه جزم بأنَّه لو كان حيًّا وكلَّمه في السَّبي لأعطاهم إيَّاه، وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الَّذي يظهر أنَّ هذا كان باعتبار ما تقدَّم في أوَّل الأمر أنَّ الغنيمة كانت للنَّبيِّ ﷺ يتصرَّف فيها حيث شاء، وفرض الخُمُس إنَّما نزل بعد قسمة غنائم بدرٍ كما تقرَّر، فلا حجَّة إذًا في هذا الحديث. وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٢٤]، وأبو داود في «الجهاد». (١٧) هذا (٢) (بَابٌ) بالتَّنوين (وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِلإِمَامِ، وَأَنَّهُ يُعْطِي بَعْضَ قَرَابَتِهِ دُونَ بَعْضٍ: مَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي المُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمٍ) والمطَّلب وهاشمٌ ولدا عبد منافٍ (مِنْ خُمُسِ) غنيمة (خَيْبَرَ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَمْ يَعُمَّهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «لم يعْمُمْهم» بسكون العين

стр. 6265

وضمِّ الميم وزيادة ميمٍ (١) أخرى ساكنةٍ، أي: لم يعمَّ (٢) ﵊ قريشًا (بِذَلِكَ) القسم (وَلَمْ يَخُصَّ قَرِيبًا دُونَ مَنْ أَحْوَجُ إِلَيْهِ) أي: إلى القسم. قال ابن مالكٍ: فيه حذفُ العائد على الموصول، وهو قليلٌ. ومنه: قراءة يحيى بن يَعْمَر: (تمامًا على الَّذي أحسنُ) [الأنعام: ١٥٤] برفع النُّون، أي: الَّذي هو أحسنُ، وإذا طال الكلام فلا ضعف، ومنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي: وفي الأرض هو إلهٌ. انتهى. لكن في رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأصيليِّ: «من هو أحوج إليه» بذكر العائد فاستغنى عن ذكر ما سبق (وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَعْطَى) أبعد قرابةً ممَّن لم يُعطِ (لِمَا يَشْكُو إِلَيْهِ مِنَ الحَاجَةِ) تعليلٌ لعطيَّةٍ الأَبعدِ قرابةً (وَلِمَا مَسَّتْهُمْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «مسَّهم» بإسقاط الفوقيَّة (فِي جَنْبِهِ) أي: في جانبه ﵇ (مِنْ قَوْمِهِمْ) كفَّار قريشٍ (وَحُلَفَائِهِمْ) بحاءٍ مُهمَلةٍ، أي: حلفاء قومهم بسبب الإسلام، وهذا وصله عمر (٣) بن شبَّة في «أخبار المدينة» بنحوه. ٣١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالد بن عَقيلٍ -بالفتح- (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء المُشدَّدة، سعيدٌ (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) هو ابن نوفلٍ أنَّه (قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) وهو من بني عبد شمسٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد أبو داود والنَّسائيُّ من طريق يونس (٤) عن ابن

стр. 6266

شهابٍ: «فيما قَسَمَ من الخُمُس بين بني هاشمٍ وبني المطَّلب» (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ (١) بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ) أي: في الانتساب على عبد منافٍ؛ لأنَّ عبدَ شمسٍ ونوفلًا وهاشمًا (٢) والمطَّلب بَنُوه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) بالشِّين المُعجَمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سِيٌّ» بسينٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ وتشديد الياء التَّحتيَّة. قال الخطَّابيُّ: وهو أجود، ولم يبيِّن وجه الأجودِيَّة. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّهما سواءٌ، يُقال: هذا سِيُّ هذا: مثلُه ونظيرُه، وفي رواية أبي زيدٍ (٣) المروزيِّ فيما (٤) حكاه في «الفتح»: «أحدٌ» بغير واوٍ مع همزة الألف، فقيل: هما بمعنًى، وقيل: الأَحَد: الَّذي ينفرد بشيءٍ لم يشاركه فيه غيره، والواحد: أوَّل العدد، وقيل غير ذلك. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام بهذا الإسناد، ووصله في «المغازي» [خ¦٤٢٢٩]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَزَادَ) على روايته عن عُقَيلٍ: (قَالَ جُبَيْرٌ) هو ابن مطعمٍ: (وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ) ولابن عساكر: «لعبد شمسٍ» (وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ) وزاد أبو داود في رواية يونس بهذا الإسناد: «وكان أبو بكرٍ يَقْسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ ، غير أنَّه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ، وكان عمر يُعطيهم منه وعثمان بعده» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه الزِّيادة بيَّن الذُّهليُّ في «جمع حديث الزُّهريِّ» أنَّها مُدرَجةٌ من كلام الزُّهريِّ. (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ صاحب «المغازي» ممَّا وصله المؤلِّف في «التَّاريخ»: (عَبْدُ شَمْسٍ) ولأبي ذرٍّ: «وعبد شمسٍ» (وَهَاشِمٌ وَالمُطَّلِبُ إِخْوَةٌ لأُمٍّ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ) بن هلالٍ من بني سُلَيمٍ (وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لأَبِيهِمْ) واسم أمِّه واقدة -بالقاف- بنت عديٍّ، وفي هذا الحديث حجَّةٌ لإمامنا الشَّافعيِّ ﵀ أنَّ سهم ذوي القربى لبني هاشمٍ وبني

стр. 6267

المطَّلب دون بني عبد شمسٍ وبني (١) نوفلٍ وإن كان الأربعة أولاد عبد منافٍ؛ لاقتصاره ﷺ في القسمة على بني الأوَّلين مع سؤال بني الآخرين له كما مرَّ، ولأنَّهم لم يفارقوه في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ، حتَّى إنَّه لمَّا بُعِث بالرِّسالة نصروه وذبُّوا عنه؛ بخلاف بني الآخرين بل كانوا يؤذونه، والعبرة بالانتساب إلى الآباء؛ كما صرَّح به في «الرَّوضة»، أمَّا من ينتسب منهم إلى الأمَّهات فلا شيء له؛ لأنَّه ﷺ لم يعط الزُّبير وعثمان مع أنَّ أمَّ كلٍّ منهما هاشميَّةٌ (٢). لطيفةٌ: قال ابن جريرٍ (٣): كان هاشمٌ تَوْأَم أخيه عبد شمسٍ، وإنَّ هاشمًا خرج ورجله (٤) ملتصقةٌ برأس عبد شمسٍ، فما تخلَّص حتَّى سال بينهما دمٌ، فتفاءل النَّاس بذلك أن يكون بين أولادهما حروبٌ، فكانت وقعة بني العبَّاس مع بني أميَّة بن عبد شمسٍ سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ من الهجرة. (١٨) (بابٌ مَنْ لَمْ يُخَمِّسِ الأَسْلَابَ) بفتح الهمزة، جمع سَلَبٍ -بفتح اللَّام-: وهو ما على القتيل أو ما (٥) في معناه من ثياب، كرانٍ وسلاحٍ ومركوبٍ يُقاتِل عليه، أو ممسكًا عنانه وهو يقاتل راجلًا، وآلته كسَرْجٍ ولجامٍ ومقودٍ، وكذا لباس زينةٍ لأنَّه متَّصلٌ به، وتحت يده كمنطقةٍ وسوارٍ وهِميان وما فيه من نفقةٍ، لا (٦) حقيبةٍ مشدودةٍ على الفرس، فلا يأخذها، ولا ما فيها من دراهم وأمتعةٍ كسائر أمتعته المُخلَّفة في خيمته، وعن أحمد: لا تدخل الدَّابَّة، ومشهور مذهب الشَّافعيَّة: أنَّ السَّلَب لا يُخمَّس (وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ) سواءٌ قال الإمام ذلك أم لم يقله (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَِّسَ) بفتح الميم المُشدَّدة وكسرها، أي: السَّلب، ولابن عساكر: «من غير

стр. 6268

خُمُسٍ»؛ بضمِّ المُعجَمة والمُهمَلة (١). ولأبي ذرٍّ: «الخُمُس» مُعرَّفًا، وعن (٢) الحنفيَّة والمالكيَّة: لا يستحقُّه إلَّا إن شرطه له الإمام، وعن مالكٍ: يُخيَّر الإمام بين أن يعطيه السَّلب وبين أن يخمِّسه (وَحُكْمِ الإِمَامِ فِيهِ) أي: في السَّلب، عطفٌ على «من لم يخمِّس» وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: كيف يُتصوَّر قتل القتيل وهو تحصيل الحاصل؟ قلت: المراد من القتيل: المشارف للقتل نحو: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: الضَّالِّين (٣) الصَّائرين إلى التَّقوى، أو هو القتيل بهذا القتل المُستفاد من لفظ «قتل» لا بقتلٍ سابقٍ لئلَّا يلزم تحصيل الحاصل. ٣١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ) بكسر الجيم وضمِّ الشِّين المُعجَمة، بالفارسيَّة: المُورَّد (٤)، واسمه: يعقوب (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ) سقط لفظ «قال»

стр. 6269

لأبي ذرٍّ: (بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ) ولأبي ذرٍّ: «نظرت» (عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي) ولأبي ذرٍّ: «وعن (١) شمالي»، وجواب «بينا» قوله: (فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا) بالرَّفع فاعل «حديثةٍ» وهي (٢) جرُّ (٣) صفةٍ لغلامين، ويجوز الرَّفع، والغلامان: معاذ بن عمرٍو ومعاذ ابن عفراء كما في الحديث (تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ) بفتح الهمزة وسكون الضَّاد المُعجَمة (٤) وبعد اللَّام المفتوحة عينٌ مُهمَلةٌ، أي: أشدَّ وأقوى (مِنْهُمَا) أي: من الغلامين لأنَّ الكهلَ أصبرُ في الحروب، ولابن عساكر وأبي (٥) ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أصلحَ» بصادٍ وحاءٍ مُهمَلتين (فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا) أي: الغلامين (فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟) هو عمرو بن هشامٍ فرعون هذه الأمَّة (قُلْتُ: نَعَمْ. مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) بفتح السِّين المُهمَلة فيهما، أي: لا يفارق شخصي شخصَه (حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا) باللَّام لا بالزَّاي، أي: الأقرب أَجَلًا (فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ) بفتح الهمزة والشِّين المُعجَمة بينهما نونٌ ساكنةٌ آخرهُ مُوحَّدةٌ، أي: فلم ألبث (أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ) بالجيم، وفي «مسلمٍ»: «يزول» بالزَّاي بدلها، أي: يضطرب في المواضع، لا يستقرُّ على حالٍ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، للتَّنبيه والتَّحضيض (إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي) أي: عنه (فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا) أي: سبقاه مُسْرِعَين (فَضَرَبَاهُ) بهما (حتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ

стр. 6270

انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهُ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ) بقتله (فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ «قال»: (هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا (١)) أي: من الدَّم (قَالَا: لَا) لم نمسح (٢) (فَنَظَرَ) ﵊ (فِي السَّيْفَيْنِ) ليرى ما بلغ (٣) الدَّم من سيفيهما، ومقدار عمق دخولهما في جسد المقتول، ليحكم بالسَّلَب لمن كان أبلغ، ولو مسحاه لَمَا تبيَّن المراد من ذلك (٤) (فَقَالَ) ﵇: (كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ) أي: سَلَبُ أبي جهلٍ (لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ) بفتح العين وسكون الميم، و «الجَمُوح» بفتح الجيم وضمِّ الميم وبعد الواو حاءٌ مُهمَلةٌ، لأنَّه هو الَّذي أثخنه (وَكَانَا) أي: الغلامان (مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ) بفتح العين المُهمَلة وبعد الفاء السَّاكنة راءٌ ممدودًا، وهي أمُّه، واسم أبيه الحارث بن رفاعة (وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ) وإنَّما قال: «كلاكما قتله» وإن كان أحدهما هو الَّذي أثخنه تطييبًا لقلب الآخر، وقال المالكيَّة: إنَّما أعطاه لأحدهما لأنَّ الإمام مُخيَّرٌ في السَّلَب يفعل فيه ما يشاء، وقال الطَّحاويُّ: لو كان يجب للقاتل لكان السَّلَب مُستحَقًّا بالقتل، ولكان جعله بينهما لاشتراكهما في قتله، فلمَّا خصَّ به أحدهما دلَّ على أنَّه لا يُستحَقُّ بالقتل، وإنَّما يُستحَقُّ بتعيين الإمام. انتهى. وجوابه ما سبق. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٨٨] وكذا مسلمٌ، وزاد في رواية أبي ذرٍّ هنا: «قال محمَّدٌ» يعني: البخاريَّ: «سمع (٥) يوسفُ» أي: ابن الماجِشون «صالحًا، وسمع إبراهيمُ أباه» عبد الرَّحمن بن عوفٍ، ولعلَّه أشار بهذه الزِّيادة إلى الرَّدِّ على من قال: «إنَّ بين يوسف وصالحٍ رجلًا (٦) وهو عبد الواحد بن أبي عونٍ (٧)» فيكون الحديث منقطعًا.
следующие страницы →