← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

شهابٍ: «فيما قَسَمَ من الخُمُس بين بني هاشمٍ وبني المطَّلب» (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ (١) بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ) أي: في الانتساب على عبد منافٍ؛ لأنَّ عبدَ شمسٍ ونوفلًا وهاشمًا (٢) والمطَّلب بَنُوه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) بالشِّين المُعجَمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سِيٌّ» بسينٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ وتشديد الياء التَّحتيَّة. قال الخطَّابيُّ: وهو أجود، ولم يبيِّن وجه الأجودِيَّة. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّهما سواءٌ، يُقال: هذا سِيُّ هذا: مثلُه ونظيرُه، وفي رواية أبي زيدٍ (٣) المروزيِّ فيما (٤) حكاه في «الفتح»: «أحدٌ» بغير واوٍ مع همزة الألف، فقيل: هما بمعنًى، وقيل: الأَحَد: الَّذي ينفرد بشيءٍ لم يشاركه فيه غيره، والواحد: أوَّل العدد، وقيل غير ذلك. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام بهذا الإسناد، ووصله في «المغازي» [خ¦٤٢٢٩]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَزَادَ) على روايته عن عُقَيلٍ: (قَالَ جُبَيْرٌ) هو ابن مطعمٍ: (وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ) ولابن عساكر: «لعبد شمسٍ» (وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ) وزاد أبو داود في رواية يونس بهذا الإسناد: «وكان أبو بكرٍ يَقْسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ ، غير أنَّه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ ، وكان عمر يُعطيهم منه وعثمان بعده» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه الزِّيادة بيَّن الذُّهليُّ في «جمع حديث الزُّهريِّ» أنَّها مُدرَجةٌ من كلام الزُّهريِّ. (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ صاحب «المغازي» ممَّا وصله المؤلِّف في «التَّاريخ»: (عَبْدُ شَمْسٍ) ولأبي ذرٍّ: «وعبد شمسٍ» (وَهَاشِمٌ وَالمُطَّلِبُ إِخْوَةٌ لأُمٍّ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ) بن هلالٍ من بني سُلَيمٍ (وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لأَبِيهِمْ) واسم أمِّه واقدة -بالقاف- بنت عديٍّ، وفي هذا الحديث حجَّةٌ لإمامنا الشَّافعيِّ ﵀ أنَّ سهم ذوي القربى لبني هاشمٍ وبني

стр. 6267

المطَّلب دون بني عبد شمسٍ وبني (١) نوفلٍ وإن كان الأربعة أولاد عبد منافٍ؛ لاقتصاره ﷺ في القسمة على بني الأوَّلين مع سؤال بني الآخرين له كما مرَّ، ولأنَّهم لم يفارقوه في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ، حتَّى إنَّه لمَّا بُعِث بالرِّسالة نصروه وذبُّوا عنه؛ بخلاف بني الآخرين بل كانوا يؤذونه، والعبرة بالانتساب إلى الآباء؛ كما صرَّح به في «الرَّوضة»، أمَّا من ينتسب منهم إلى الأمَّهات فلا شيء له؛ لأنَّه ﷺ لم يعط الزُّبير وعثمان مع أنَّ أمَّ كلٍّ منهما هاشميَّةٌ (٢). لطيفةٌ: قال ابن جريرٍ (٣): كان هاشمٌ تَوْأَم أخيه عبد شمسٍ، وإنَّ هاشمًا خرج ورجله (٤) ملتصقةٌ برأس عبد شمسٍ، فما تخلَّص حتَّى سال بينهما دمٌ، فتفاءل النَّاس بذلك أن يكون بين أولادهما حروبٌ، فكانت وقعة بني العبَّاس مع بني أميَّة بن عبد شمسٍ سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ من الهجرة. (١٨) (بابٌ مَنْ لَمْ يُخَمِّسِ الأَسْلَابَ) بفتح الهمزة، جمع سَلَبٍ -بفتح اللَّام-: وهو ما على القتيل أو ما (٥) في معناه من ثياب، كرانٍ وسلاحٍ ومركوبٍ يُقاتِل عليه، أو ممسكًا عنانه وهو يقاتل راجلًا، وآلته كسَرْجٍ ولجامٍ ومقودٍ، وكذا لباس زينةٍ لأنَّه متَّصلٌ به، وتحت يده كمنطقةٍ وسوارٍ وهِميان وما فيه من نفقةٍ، لا (٦) حقيبةٍ مشدودةٍ على الفرس، فلا يأخذها، ولا ما فيها من دراهم وأمتعةٍ كسائر أمتعته المُخلَّفة في خيمته، وعن أحمد: لا تدخل الدَّابَّة، ومشهور مذهب الشَّافعيَّة: أنَّ السَّلَب لا يُخمَّس (وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ) سواءٌ قال الإمام ذلك أم لم يقله (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَِّسَ) بفتح الميم المُشدَّدة وكسرها، أي: السَّلب، ولابن عساكر: «من غير

стр. 6268

خُمُسٍ»؛ بضمِّ المُعجَمة والمُهمَلة (١). ولأبي ذرٍّ: «الخُمُس» مُعرَّفًا، وعن (٢) الحنفيَّة والمالكيَّة: لا يستحقُّه إلَّا إن شرطه له الإمام، وعن مالكٍ: يُخيَّر الإمام بين أن يعطيه السَّلب وبين أن يخمِّسه (وَحُكْمِ الإِمَامِ فِيهِ) أي: في السَّلب، عطفٌ على «من لم يخمِّس» وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: كيف يُتصوَّر قتل القتيل وهو تحصيل الحاصل؟ قلت: المراد من القتيل: المشارف للقتل نحو: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: الضَّالِّين (٣) الصَّائرين إلى التَّقوى، أو هو القتيل بهذا القتل المُستفاد من لفظ «قتل» لا بقتلٍ سابقٍ لئلَّا يلزم تحصيل الحاصل. ٣١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ) بكسر الجيم وضمِّ الشِّين المُعجَمة، بالفارسيَّة: المُورَّد (٤)، واسمه: يعقوب (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ) سقط لفظ «قال»

стр. 6269

لأبي ذرٍّ: (بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ) ولأبي ذرٍّ: «نظرت» (عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي) ولأبي ذرٍّ: «وعن (١) شمالي»، وجواب «بينا» قوله: (فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا) بالرَّفع فاعل «حديثةٍ» وهي (٢) جرُّ (٣) صفةٍ لغلامين، ويجوز الرَّفع، والغلامان: معاذ بن عمرٍو ومعاذ ابن عفراء كما في الحديث (تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ) بفتح الهمزة وسكون الضَّاد المُعجَمة (٤) وبعد اللَّام المفتوحة عينٌ مُهمَلةٌ، أي: أشدَّ وأقوى (مِنْهُمَا) أي: من الغلامين لأنَّ الكهلَ أصبرُ في الحروب، ولابن عساكر وأبي (٥) ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أصلحَ» بصادٍ وحاءٍ مُهمَلتين (فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا) أي: الغلامين (فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟) هو عمرو بن هشامٍ فرعون هذه الأمَّة (قُلْتُ: نَعَمْ. مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) بفتح السِّين المُهمَلة فيهما، أي: لا يفارق شخصي شخصَه (حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا) باللَّام لا بالزَّاي، أي: الأقرب أَجَلًا (فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ) بفتح الهمزة والشِّين المُعجَمة بينهما نونٌ ساكنةٌ آخرهُ مُوحَّدةٌ، أي: فلم ألبث (أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ) بالجيم، وفي «مسلمٍ»: «يزول» بالزَّاي بدلها، أي: يضطرب في المواضع، لا يستقرُّ على حالٍ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، للتَّنبيه والتَّحضيض (إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي) أي: عنه (فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا) أي: سبقاه مُسْرِعَين (فَضَرَبَاهُ) بهما (حتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ

стр. 6270

انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهُ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ) بقتله (فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ «قال»: (هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا (١)) أي: من الدَّم (قَالَا: لَا) لم نمسح (٢) (فَنَظَرَ) ﵊ (فِي السَّيْفَيْنِ) ليرى ما بلغ (٣) الدَّم من سيفيهما، ومقدار عمق دخولهما في جسد المقتول، ليحكم بالسَّلَب لمن كان أبلغ، ولو مسحاه لَمَا تبيَّن المراد من ذلك (٤) (فَقَالَ) ﵇: (كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ) أي: سَلَبُ أبي جهلٍ (لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ) بفتح العين وسكون الميم، و «الجَمُوح» بفتح الجيم وضمِّ الميم وبعد الواو حاءٌ مُهمَلةٌ، لأنَّه هو الَّذي أثخنه (وَكَانَا) أي: الغلامان (مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ) بفتح العين المُهمَلة وبعد الفاء السَّاكنة راءٌ ممدودًا، وهي أمُّه، واسم أبيه الحارث بن رفاعة (وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ) وإنَّما قال: «كلاكما قتله» وإن كان أحدهما هو الَّذي أثخنه تطييبًا لقلب الآخر، وقال المالكيَّة: إنَّما أعطاه لأحدهما لأنَّ الإمام مُخيَّرٌ في السَّلَب يفعل فيه ما يشاء، وقال الطَّحاويُّ: لو كان يجب للقاتل لكان السَّلَب مُستحَقًّا بالقتل، ولكان جعله بينهما لاشتراكهما في قتله، فلمَّا خصَّ به أحدهما دلَّ على أنَّه لا يُستحَقُّ بالقتل، وإنَّما يُستحَقُّ بتعيين الإمام. انتهى. وجوابه ما سبق. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٨٨] وكذا مسلمٌ، وزاد في رواية أبي ذرٍّ هنا: «قال محمَّدٌ» يعني: البخاريَّ: «سمع (٥) يوسفُ» أي: ابن الماجِشون «صالحًا، وسمع إبراهيمُ أباه» عبد الرَّحمن بن عوفٍ، ولعلَّه أشار بهذه الزِّيادة إلى الرَّدِّ على من قال: «إنَّ بين يوسف وصالحٍ رجلًا (٦) وهو عبد الواحد بن أبي عونٍ (٧)» فيكون الحديث منقطعًا.

стр. 6271

٣١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ) هو عمرو (١) بن كثير بن أفلح بالفاء والحاء المُهمَلة (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافعٍ (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ) بالحاء المُهمَلة والنُّون مصروفًا، وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاثة أميالٍ، وكان في السَّنة الثَّامنة (فَلَمَّا التَقَيْنَا) أي: مع العدوِّ (كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ) بالجيم، أي: تقدُّمٌ وتأخُّرٌ، وعبَّر بذلك احترازًا عن لفظ الهزيمة، وكانت هذه الجولة في بعض الجيش لا في رسول الله ﷺ ومن حوله (فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ عَلَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ) أي: ظهر عليه وأشرف على قتله، أو صرعه وجلس عليه، والرَّجلان لم يُسمَّيا (فَاسْتَدَرْتُ) من الاستدارة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فاستدبرت» من الاستدبار (حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) بفتح الحاء المُهمَلة وسكون المُوحَّدة، عرقٌ، أو عصبٌ عند موضع الرِّداء من العنق، أو ما بين العنق والمنكب (فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ) استعارةً عن أثره، أي: وجدت منه (٢) شدَّةً كشدَّة الموت (ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟) أي: منهزمين (قَالَ: أَمْرُ اللهِ) أي: قضاؤه، أو المراد: ما حال النَّاس بعد الانهزام؟ فقال: أمر الله غالبٌ والعاقبة للمتَّقين (ثُمَّ

стр. 6272

إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا) أي: ثمَّ إنَّ المسلمين رجعوا بعد الهزيمة، وعلى الثَّاني: رجعوا بعد انهزام المشركين (وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) قال أبو قتادة (١): (فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟) أي: بقتل ذاك الرَّجل (ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ) ولابن عساكر: «ثمَّ قال الثَّانية مثله: مَنْ» (قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) أوقع القتل على المقتول باعتبار مآله؛ كقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ): لم يُسمَّ كذا قال في «الفتح»، وقال في مقدِّمته: ذكر الواقديُّ أنَّ الَّذي شهد له بالسَّلَب هو أسود بن خزاعيٍّ الأسلميُّ، والَّذي أخذ السَّلَب وقع في روايةٍ أخرى عند المصنِّف [خ¦٤٣٢٢] أنَّه من قريشٍ، كذا رأيته فليُتأمَّل. فإنَّ سياق الحديث يقتضي أنَّهما واحدٌ (صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ) بقطع الهمزة وكسر الهاء (عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لَاهَا اللهِ) بوصل الهمزة وقطعها (٢)، وكلاهما مع إثبات ألف «ها» وحذفها كما في «القاموس» و «المغني» (٣) وغيرهما، فهي أربعةٌ: النُّطق بلامٍ بعدها التَّنبيه من غير ألفٍ ولا همزةٍ، والثَّاني: بألفٍ من غير همزٍ، والثَّالث: بثبوت الألف وقطع الجلالة، والرَّابع: بحذف الألف وثبوت همزة القطع، والمشهور في الرِّواية: الأوَّل والثَّالث، وفي هذا (٤) -كما قال ابن مالكٍ-: شاهدٌ على جواز الاستغناء عن واو القَسَم بحرف التَّنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلَّا مع «الله» أي: لم يُسمَع: «لاها الرَّحمن» وأمَّا لفظ الجلالة هنا؛ فجُرَّ لأنَّ «ها» التَّنبيه عوضٌ عن واو القَسَم. وقال ابن مالكٍ: ليست عوضًا عنها، وإن جُرَّ ما بعدها بمُقدَّرٍ لم يُلفَظ به، كما أنَّ نصب المضارع بعد الفاء ونحوه بمُقدَّرٍ، و «لا» للنَّفي، والمعنى: لا والله (إِذًا لَا يَعْمِدُ) بكسر الميم، أي: لا يقصد النَّبيُّ ﷺ (إِلَى أَسَدٍ) أي: إلى رجلٍ كأنَّه في الشَّجاعة أسدٌ (مِنْ أُسُدِ اللهِ) بضمِّ الهمزة والسِّين (يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ¬) أي: صدر قتاله عن رضا الله ورسوله، أي: بسببهما كقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] أو

стр. 6273

المعنى: يقاتل ذابًّا عن دين الله أعداءَ الله، ناصرًا لأوليائه (١)، أو يقاتل لنصر (٢) دين الله وشريعة رسوله، لتكون كلمة الله هي العليا (يُعْطِيكَ سَلَبَهُ) أي: سلب قتيله الَّذي قتله بغير طيب نفسه، وأضافه إليه باعتبار أنَّه ملكه، وقوله: «إذًا» بهمزةٍ مكسورةٍ فذالٍ مُعجَمةٍ مُنوَّنةٍ (٣)، حرف جوابٍ وجزاءٍ في جميع الرِّوايات في «الصَّحيحين» وغيرهما، لكن اتَّفق كثيرٌ ممَّن تكلَّم على الحديث إلى (٤) تخطئة جهابذة المحدِّثين، ونسبتهم إلى الغلط والتَّصحيف (٥)، وأنَّ الصَّواب: «لاها الله (٦) ذا» بغير همزةٍ ولا تنوينٍ للإشارة، فقال الخطَّابيُّ: المحدِّثون يروونه «إذًا»، وإنَّما هو في كلام العرب: «لاها الله ذا»، والهاء فيه بمنزلة الواو، والمعنى: لا والله يكون ذا، وقال المازنيُّ: الصَّواب: «لاها الله ذا» أي: ذا (٧) يميني وقَسَمي، وقال ابن الحاجب: حمل بعض النَّحويِّين إدخال «إذًا» في هذا المحلِّ على الغلط من الرُّواة؛ لأنَّ العرب لا تستعمل «ها الله» إلَّا مع «ذا» وإن سُلِّم استعماله بدون «ذا» فليس هذا موضع «إذًا» لأنَّه للجزاء، وهو هنا على نقيضه، ومعرفة هذا تتوقَّف على أن يُعلَم أنَّ مدخول (٨) «إذًا» جزاءٌ لشرطٍ مُقدَّرٍ، على ما نقله في «المُفصَّل» عن الزَّجَّاج، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الشَّرط المُقدَّر يصحُّ وقوعه سببًا لِمَا بعد «إذًا» إذ الشَّرط يجب أن يكون سببًا للجزاء، وإذا تقرَّر هذا فقوله: «لاها الله إذًا لا يعمدِ» جوابٌ لمن طلب السَّلَب بقوله: «فأرضه عنِّي» وليس بقاتلٍ، و «يعمد» وقع في الرِّواية مع «لا» فيكون تقدير (٩) الكلام: إنَّ أرضاه عنك لا يكون عامدًا إلى أسدٍ فيعطيك سلبه، ولا يصحُّ أن يكون إرضاءُ النَّبيِّ ﷺ القاتلَ عن الطالب سببًا؛ لعدم كونه عامدًا إلى أسدٍ ومعطيًا سلبه الطَّالب، وإذا لم يكن سببًا له بطل كون «لا يعمد» جزاءً للإرضاء، ومقتضى الجزائيَّة: ألَّا تُذكَر

стр. 6274

«لا» مع «يعمد» (١)، ويُقال: إذًا يعمد؛ ليصحَّ جوابًا لطالب السَّلَب، فيكون (٢) التَّقدير: إن يرضه عنك يكن عامدًا إلى أسدٍ ومعطيًا سلبه، فتحقُّق الجزائيَّة لصحَّة كون الإرضاء سببًا لكونه عامدًا إلى أسدٍ من أسد الله معطيًا سلب مقتوله غير القاتل، فقالوا: الظَّاهر: أنَّ الحديث «لاها الله ذا (٣) لا يعمد إلى أسدٍ من أسد الله» فصحَّفها بعض الرُّواة، ثمَّ نُقِلت الرِّواية (٤) المُصحَّفة كذلك. وأجاب أبو جعفرٍ الغرناطيُّ: بأنَّ «إذًا» جواب شرطٍ مُقدَّرٍ يدلُّ عليه قوله: «صدق فأرضه» فكأنَّ أبا بكرٍ قال: إذًا صدق في أنَّه صاحب السَّلب، إذًا لا يعمد إلى السَّلب فيعطيك حقَّه، فالجزاء على هذا صحيحٌ، لأنَّ صدقه سبب ألَّا يفعل ذلك، وقال الدَّار الحديثيُّ: لا يجب أن يلازم «ذا (٥)» «ها» القَسَم، كما لا يجب أن يلازم غيرها من حروفه، وتحقيق الجزائيَّة بـ «إذًا لا يعمد» صحيحٌ؛ إذ معناه: إذا صدق أسدٌ غيرك، لا يعمد النَّبيُّ ﷺ إلى إبطال حقِّه وإعطاء سلبه إيَّاك. وقال الطِّيبيُّ: هو كقولك لمن قال لك: افعل كذا، فقلت له: والله إذًا لا أفعل، فالتَّقدير: إذًا لا يعمد إلى أسدٍ … إلى آخره، قال: ويحتمل أن تكون «إذًا» زائدةً كما قال أبو البقاء. انتهى. نعم في رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «إذًا يَعْمِد» بإسقاط «لا» وحينئذٍ فلا إشكال كما لا يخفى، ويأتي الحديث إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٢١]. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ) أي (٦): أبو بكرٍ (فَأَعْطَاهُ) أي: أعطى النَّبيُّ ﷺ أبا قتادة الدِّرع، وكان الأصل أن يقول: أعطاني، لكنَّه عدل إلى الغيبة التفاتًا وتجريدًا، وإنَّما أعطاه؛ لعلمه أنَّه القاتل بطريقٍ من الطُّرق، فلا يُقال: أعطاه بإقرارِ من في يده السَّلب، لأنَّ (٧) المال

стр. 6275

منسوبٌ لجميع الجيش (١)، فلا اعتبار بإقراره، قال أبو قتادة: (فَبِعْتُ الدِّرْعَ) بكسر الدَّال وسكون الرَّاء، فاشتراه منه حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواقٍ (فَابْتَعْتُ) أي: اشتريت (بِهِ مَخْرِفًا) بفتح الميم وكسر الرَّاء، وبفتحها لأبي ذرٍّ مع إسقاط لفظ «به» أي: بستانًا لأنَّه يخترف (٢) منه الثَّمر (٣) أي: يجتني (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللَّام، قوم أبي قتادة وهم بطنٌ من الأنصار (فَإِنَّهُ (٤) لَأَوَّلُ (٥) مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فهمزةٍ مفتوحةٍ فمُثلَّثةٍ مُشدَّدةٍ فلامٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ، أي: تكلَّفت جمعه (فِي الإِسْلَامِ) واستدلَّ به على أنَّ السَّلَب لا يُخمَّس، فيعطى للقاتل أوَّلًا من الغنيمة، ثمَّ المؤن (٦) اللَّازمة، كأجرة الحمَّال والحارس، ثمَّ يُقسَم الباقي خمسة أسهمٍ متساويةٍ. (١٩) (بابٌ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ) وهم من أسلم ونيِّتُه ضعيفةٌ، أو كان يُتوقَّع بإعطائه إسلام نظرائه (وَغَيْرَهُمْ) ممَّن تظهر له المصلحة في إعطائه (مِنَ الخُمُسِ وَنَحْوِهِ) الخراج والفيء والجزية (رَوَاهُ) أي: ما ذُكِر (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريُّ المازنيُّ في حديثه الطَّويل المرويِّ موصولًا في «المغازي» [خ¦٤٣٣٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).

стр. 6276

٣١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بحاءٍ مُهمَلةٍ فزايٍ مُعجَمةٍ، وكان من المُؤلَّفة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) مرَّتين (ثُمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المُعجَمتين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خضرةٌ» بالتَّأنيث باعتبار الأنواع، أو تقديره: كالفاكهة الخَضِرة (١) (حُلْوٌ) بالتَّذكير، فشبَّه المال في الرَّغبة فيه بها، فإنَّ الأخضر مرغوبٌ فيه من حيث النَّظر، والحلو من حيث الذَّوق، فإذا (٢) اجتمعا زادا في الرَّغبة (فَمَنْ أَخَذَهُ) ممَّن (٣) يدفعه (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) منشرحًا بدفعه، فالسَّخاوة راجعةٌ إلى المعطي، أو ترجع إلى الآخذ، أي: من أخذه بغير حرصٍ وطمعٍ (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) بأن تعرَّض له (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي) به الجوع الكاذب (يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) ويُسمَّى بجوع الكَلَب، كلَّما ازداد أكلًا ازداد جوعًا (وَاليَدُ العُلْيَا) بضمِّ العين مقصورًا، المنفِقة (٤) أو المتعفِّفة (٥) (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) الآخذة (قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الزَّاي آخره همزةٌ (٦) أي: لا أنقص مال أحدٍ بالأخذ (٧) (بَعْدَكَ) (٨) بعد سؤالك أو غيرك (شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا) وإنَّما امتنع من الأخذ مطلقًا -وإن كان مباركًا- لسعة الصَّدر

стр. 6277

مع عدم الإشراف مبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجِبلَّة الإشرافُ والحرص، والنَّفس شرَّافةٌ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه (فَكَانَ) بالفاء، ولابن عساكر: «وكان» (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ العَطَاءَ فَيَأْبَى) أي: يمتنع (أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) ﵁ (دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «منه» (فَقَالَ) أي: عمر (يَا مَعْشَرَ (١) المُسْلِمِينَ إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ) وإنَّما فعل ذلك عمر ليبرِّئ ساحته بالإشهاد عليه (فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «شيئًا» (بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تُوُفِّي) ﵁. ٣١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) كذا رواه حمَّادٌ عن أيُّوب عن نافعٍ مُرسَلًا، لم يذكر ابن عمر، ويأتي في «المغازي» [خ¦٤٣٢٠]: أنَّ البخاريَّ نقل: أنَّ بعضهم رواه عن حمَّادٍ موصولًا (إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ) ولا منافاة بين ما في «كتاب الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٢]: أنَّه نذر ليلةً، لجواز اجتماع نذرهما (فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام، وفي رواية جرير بن حازمٍ عند مسلمٍ: أنَّ سؤاله لذلك وقع وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطَّائف (فَأَمَرَهُ) ﷺ (أَنْ يَفِي بِهِ) بالاعتكاف (قَالَ) أي: نافعٌ (وَأَصَابَ عُمَرُ) ﵁ (جَارِيَتَيْنِ) لم يُسمَّيا (مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ، فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ، قَالَ) أي: نافعٌ فيما أرسله: (فَمَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سَبْيِ حُنَيْنٍ) أي: أطلقهم (فَجَعَلُوا

стр. 6278

يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ، فَقَالَ عُمَرُ) لابنه: (يَا عَبْدَ اللهِ (١)، انْظُرْ مَا هَذَا؟) أي: فنظر وسأل عن سبب سعيهم في السِّكك (٢) (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (مَنَّ) أي: أطلق (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى السَّبْيِ) وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيليِّ: «قلت: ما هذا؟ قالوا: السَّبي أسلموا، فأرسلهم النَّبيُّ ﷺ » (قَالَ) (٣) عمر لابنه ﵄: (اذْهَبْ فَأَرْسِلِ الجَارِيَتَيْنِ) بهمزة قطعٍ في «فأرسل» ويُستفاد منه: العملُ بخبر الواحد (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ) بسكون العين كذا رواه أبو النُّعمان مُرسَلًا، ووصله مسلمٌ وابن خزيمة (وَلَوِ اعْتَمَرَ) ﵇ منها (لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللهِ) قال السَّفاقسيُّ: الَّذي ذكره جماعةٌ أنَّه اعتمر من الجِعرانة حين فرغ من حُنَينٍ والطَّائف، وليس في قول نافعٍ حجَّةٌ؛ لأنَّ ابن عمر لم يحدِّث بكلِّ شيءٍ علمه، ولا كلُّ ما علمه حدَّث به نافعًا، ولا كلُّ ما حدَّث به نافعًا حفظه نافعٌ. (وَزَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (مِنَ الخُمُسِ) أي: كانت الجاريتان من الخُمُس، وهذا موصولٌ لكن قال الدَّارقطنيُّ: حمَّادٌ أثبت من جريرٍ في أيُّوب (وَرَوَاهُ) أي: حديثَ الاعتكاف (مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، ابن راشد (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي) حديث (النَّذْرِ، وَلَمْ يَقُلْ) فيه: (يَوْمٍ) بالجرِّ والتَّنوين على الحكاية، ولأبي ذرٍّ: «يومَ» بالنَّصب على الظَّرفيَّة.

стр. 6279

٣١٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) بفتح العين وإسكان الميم، و «تَغْلِب» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ فغينٍ مُعجَمةٍ ساكنةٍ وبعد اللَّام المكسورة مُوحَّدةٌ غير منصرفٍ (¬﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَكَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ) قال الخليل: حقيقةُ العتابِ مخاطبةُ الإدلال ومُذاكَرة الموجدة (٢) (فَقَالَ) ﵇: (إِنِّي أُعْطِي قَوْمًا أَخَافُ ضَلَعَهُمْ) بفتح الضَّاد المُعجَمة واللَّام، أي: مرض قلوبهم وضعف يقينهم، كذا في الفرع، بالضَّاد السَّاقطة، وفي بعض الأصول: بالظَّاء المُعجَمة المُشَالَة، وهو الَّذي في «اليونينيَّة»، وكذا ذكره في «النِّهاية» في «باب الظَّاء مع اللَّام» وقال: أي: ميلهم عن الحقِّ وضعف إيمانهم، ثمَّ قال: وقيل: إنَّ المائل بالضَّاد (وَجَزَعَهُمْ) بالجيم والزَّاي (وَأَكِلُ) أي: أفوِّض (أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَيْرِ وَالغِنَى) بكسر الغين المُعجَمة مقصورًا، ضدَّ الفقر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والغَناء» بفتح الغين المُعجَمة (٣) ممدودًا، الكفاية (مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: الَّتي قالها في حقِّه وهي إدخاله في أهل الخير والغنى (حُمْرَ النَّعَمِ) بفتح النُّون، واحد الأنعام الرَّاعية، وأكثر ما يقع على الإبل، و «الحُمْر» بضمِّ الحاء المُهمَلة والميم السَّاكنة، والباء في «بكلمة» للبدليَّة. وهذا الحديث مرَّ في «كتاب الجمعة» [خ¦٩٢٣]. (زَادَ) ولغير أبي ذرٍّ: «وزاد» (أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل شيخ المؤلِّف، ممَّا سبق في أواخر «الجمعة» [خ¦٩٢٣] موصولًا عن محمَّد بن مَعْمَرٍ عن أبي عاصمٍ (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابن حازمٍ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة (بِمَالٍ أَوْ بِسَبْيٍ) بفتح السِّين المُهمَلة وسكون المُوحَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «بشيءٍ» بالشِّين المُعجَمة والتَّحتيَّة والهمزة، وهو أشمل (فَقَسَمَهُ، بِهَذَا) الَّذي ذكر (٤).

стр. 6280

٣١٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشًا أَتَأَلَّفُهُمْ) أي: أطلب إِلْفَهُمْ (لأَنَّهُمْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) أي: قريب عهدٍ بكفرٍ، قال في «المصابيح»: قيل: وصوابه: حديثو عهدٍ، وأجاب: بأنَّه يُقدَّر له موصوفٌ مُفرَدٌ لفظًا، دالٌّ على الجمع معنًى كفريقٍ ونحوه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «مناقب قريش» [خ¦٣٧٧٨] وفي «المغازي» [خ¦٤٣٣٤]. ٣١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (١)، ولأبي ذرٍّ: «عن الزُّهريِّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا (٢) مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقطت

стр. 6281

التَّصلية لأبي ذرٍّ (حِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «حيث» (أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) ﷺ ¬) وسقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ كالسَّابقة (مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ (٢)، فَطَفِقَ) بكسر الفاء الثَّانية، أي: أخذ (يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ المِئَةَ مِنَ الإِبِلِ) يتألَّفهم، وهم -فيما ذكره ابن إسحاق-: أبو سفيان وابنه معاوية، وحكيم بن حزامٍ، والحارث بن الحارث بن كلدة، والحارث بن هشامٍ، وسُهَيلٍ (٣) بن عمرٍو، وحُوَيطب بن عبد العزَّى، والعلاء بن حارثة الثَّقفيُّ، وعُيَيْنَةُ بن حصنٍ، وصفوان بن أميَّة، والأقرع بن حابسٍ، ومالك بن عوفٍ النَّصريُّ (فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقطت التَّصلية أيضًا لأبي ذرٍّ (يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَحُدِّثَ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبِر (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ) وعند ابن إسحاق: أنَّ الَّذي أَخْبَرَ النَّبيَّ ﷺ بمقالتهم سعدُ بن عبادة (فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ) جلدٍ تمَّ دباغه (وَلَمْ يَدْعُ) بسكون الدَّال (مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لهم: (مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ قَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ) أي: أصحاب الفهم منهم: (أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يا رسول الله (٤)) بسكون الهمزة، أي: أصحاب رأينا الَّذين مرجع (٥) أمورنا إليهم، وفي «اليونينيَّة»: «آرائنا» بهمزةٍ (٦) قبل الرَّاء ممدودًا (فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا) من ذلك (وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ) رُفِع بـ «حديثةٌ» أي: شبَّانٌ (٧) لم يدروا الصَّواب (فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الأَنْصَارَ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي أُعْطِي) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ: «لَأعطي»

стр. 6282

(رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين «حديثٌ» بغير إضافةٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حديثي عهدٍ» (بِكُفْرٍ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد المُثلَّثة، مضافٌ للاحقه، وفيه شاهدٌ لسيبويه على إجازة مثل: مررت برجلٍ حسنٍ وجهه، بإضافة «حسنٍ» إلى «وجهٍ»، وغيره يخالفه في ذلك، والمسألة مُقرَّرةٌ في كتب العربيَّة بأدلَّتها قاله في «المصابيح» (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ) ولأبي ذرٍّ: «وترجعوا» بحذف النُّون علامة للنَّصب (إِلَى رِحَالِكُمْ) جمع رحلٍ، ما يسكنه الشَّخص، أو ما يستصحبه من المتاع (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) وسقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (فَوَاللهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ) وهو رسول الله (١) ﷺ (خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ) من المال، و «ما» موصولٌ (٢) مبتدأٌ خبرُه «خيرٌ» (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ) ﵊ (لَهُمْ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً شَدِيدَةً) بضمِّ الهمزة وسكون المُثلَّثة، وبفتحهما (٣) لأبي ذرٍّ، وبالوجهين قيَّده الجَيَّانيُّ، وبفتحهما (٤) للأصيليِّ، أي: سترون بعدي استقلال الأمراء بالأموال وحرمانكم منها (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ) يوم القيامة (وَرَسُولَهُ (٥) ﷺ عَلَى الحَوْضِ) فتظفروا بالثَّواب الجزيل على الصَّبر (قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ) وسقطت التَّصلية أيضًا لأبي ذرٍّ. وهذا الحديث قد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «غزوة حُنَينٍ» [خ¦٤٣٣١] [خ¦٤٣٣٢] [خ¦٤٣٣٣] [خ¦٤٣٣٤] من أربعة أوجهٍ.

стр. 6283

٣١٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ) أباه (مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أبي (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) ﵁: (أَنَّهُ) قال (١): (بَيْنَا) بغير ميمٍ (هُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ) حال كونه (مُقْبِلًا) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مَقْفَلَه» بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء واللَّام، أي: زمان رجوعه (مِنْ) غزوة (حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللهِ) بكسر لام «علِقت» مُخفَّفةٌ، ونصب لام «رسولَ» (٢) على المفعوليَّة، ولابن عساكر: «برسول الله» (¬ ﷺ الأَعْرَابُ) حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ) أن يعطيهم من الغنيمة (حَتَّى اضْطَرُّوهُ) أي: ألجؤوه (إِلَى سَمُرَةٍ) شجرةٍ لها نَورٌ أصفر (فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) بكسر الطَّاء المُهمَلة، الشَّجرة على سبيل المجاز، أو الأعراب (فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ قال»: (أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ) بكسر العين المُهمَلة وبعد الضَّاد المُعجَمة ألفٌ فهاءٌ وقفًا ووصلًا، شجرٌ عظيمٌ له شوكٌ (نَعَمًا) بفتح النُّون والعين، إبلًا أو: والبقر (لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي) ولأبي ذرٍّ: «لا تجدونني» بنونين على الأصل (بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا). وهذا الحديث سبق في «باب الشَّجاعة في الحرب» [خ¦٢٨٢١]. ٣١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى (٣) بن عبد الله بن بُكَيرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 6284

مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء، نوعٌ من الثِّياب معروفٌ، والواو للحال، وفي رواية الأوزاعيِّ: «وعليه رداءٌ» (نَجْرَانِيٌّ) بفتح النُّون وسكون الجيم، نسبةً إلى نجران: بلدٌ (١) باليمن (غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) من أهل البادية، لم يُسَمَّ (فَجَذَبَهُ) بجيمٍ فذالٍ مُعجَمةٍ فمُوحَّدةٍ (جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: ناحية عاتقه الشَّريف؛ وهو ما بين المنكب والعنق (قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ) وفي رواية همَّامٍ: «حتَّى انشقَّ البُرد (٢)، وذهبت حاشيته في عنقه» (مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي) وفي رواية الأوزاعيِّ: «أعطني» (مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ) ﷺ (فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) وفيه: مزيدُ حِلْمه ﵊، وصبره على الأذى في النَّفس والمال، والتَّجاوز عمَّن يريد تألُّفه على الإسلام، وغير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٩] و «الأدب» [خ¦٦٠٨٨]. ٣١٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ) بمدِّ الهمزة؛ أي: خصَّ (النَّبِيُّ ﷺ أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ) بالزِّيادة (فَأَعْطَى) بيانٌ للقسمة المذكورة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أعطى» (الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) بالحاء المُهمَلة والمُوحَّدة والسِّين المُهمَلة، المجاشعيَّ، أحد المؤلَّفة قلوبهم (مِئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى

стр. 6285

عُيَيْنَةَ) بن حصنٍ الفزاريَّ (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مئةً (وَأَعْطَى أُنَاسًا) آخرين (مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ فَآثَرَهُمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وآثرهم» (يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ) على غيرهم (قَالَ رَجُلٌ) هو مُعتّب بن قُشَيرٍ المنافق -فيما ذكره الواقديُّ-: (وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ) ولأبي الوقت: «لقسمةٌ» (مَا عُدِلَ فِيهَا) بضمِّ العين وكسر الدَّال (وَمَا أُرِيدَ بِهَا) أي: بهذه القسمة (وَجْهُ اللهِ) بالرَّفع نائبٌ (١) عن الفاعل، قال ابن مسعودٍ: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ) ﵊: (فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ) ﷺ ؟ ولم يُنقَل أنَّه ﵊ عاقبه، فيحتمل -كما قاله المازريُّ- أنَّه لم يفهم منه الطَّعن في النُّبوَّة، وإنَّما نسبه لترك العدل في القسمة، فلعلَّه لم يعاقبه لأنَّه لم يثبت عليه ذلك (٢)، وإنَّما نقل عنه واحدٌ، وبشهادة واحدٍ لا يُراق الدَّم (رَحِمَ اللهُ مُوسَى) النَّبيَّ (قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أُوذيت (فَصَبَرَ). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٣٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة». ٣١٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المُعجَمة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي بَكْرٍ ﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: كُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ) أي: أعطاه (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي) متعلِّقٌ بـ «أنقل» (وَهو) ولأبي الوقت (٣): «وهي» أي (٤): الأرض الَّتي أقطعه (مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ) تثنية (٥) ثلثٍ (وَقَالَ أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المُعجَمة وسكون الميم، أنس بن عياضٍ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن

стр. 6286

الزُّبير: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ) وهذا التَّعليق المُرسَل لم يجد ابن حجرٍ ﵀ مَنْ وصله، وفائدة ذكره هنا: أنَّ أبا ضمرة خالف أبا أسامة في وصله فأرسله، وتعيين الأرض المذكورة، وأنَّها ممَّا أفاء الله على رسوله من أموال بني النَّضير. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» مُطوَّلًا [خ¦٥٢٢٤]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء». ٣١٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم الأولى، قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) (١) بضمِّ الفاء مُصغَّرًا، النُّميريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَجْلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) بالجيم، أي: أخرجهم (مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ) لقوله ﵊: «لا يبقينَّ دينان بجزيرة العرب» ولم يخرجهم الصِّدِّيق؛ لاشتغاله بقتال أهل الرِّدَّة، أو لم يبلغه الخبر (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ) ولابن عساكر: «على أرض خيبر» (أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ اليَهُودَ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا) بفتح أكثرها، قبل أن يسأله اليهود أن يصالحوه بأن ينزلوا عن الأرض (لِلْيَهُودِ وَلِلرَّسُولِ) ولأبي الوقت وابن (٢) عساكر: «لمَّا ظهر عليها لله وللرَّسول» (وَلِلْمُسْلِمِينَ) وهو محمولٌ على أنَّه بعد أن صالحهم كانت لله، فلم يبقَ لليهود فيها حقٌّ (فَسَأَلَ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا العَمَلَ) بفتح الياء وسكون الكاف وتخفيف الفاء من

стр. 6287

«يكفوا» (وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ) بالمُثلَّثة وفتح الميم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ) من التَّقرير، ولأبي ذرٍّ: «نترككم» (عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا، فَأُقِرُّوا) على ذلك (حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، قريةٍ على البحر من بلاد طيِّئ (وأَرِيحَا) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء وبالحاء (١) المُهمَلة مقصورًا، قريةٍ بالشَّام، ولأبي ذرٍّ: «أو أريحا» بزيادة الألف للشَّكِّ. وقد سبق الحديث في «كتاب المُزارَعة» [خ¦٢٣٣٨] ومطابقته لِمَا تُرجم به هنا من حيث إنَّه ذكر فيها جهاتٍ قد عُلِم من مكانٍ آخر أنَّها كانت جهات عطاءٍ، فبهذا الطَّريق تدخل تحت التَّرجمة، قاله ابن المُنيِّر رحمه الله تعالى. (٢٠) (بابٌ) حكم (مَا يُصِيبُ) المجاهد (مِنَ الطَّعَامِ فِي أَرْضِ الحَرْبِ). ٣١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ البصريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضمِّ الميم وفتح الغين المُعجَمة والفاء المُشدَّدة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ) لم يقف الحافظ ابن حجرٍ ﵀ على اسمه (بِجِرَابٍ) بكسر الجيم لا بفتحها، وما ألطف قول القائل: لا تكسر القَصعة ولا تفتح الجِرَاب، وحكى ابن التِّين اللُّغتين، وقال القزَّاز: بالفتح (٢): وعاءٌ من جلودٍ، وبالكسر: جراب الرَّكِيَّة وهو ما حولها من أعلاها إلى أسفلها (فِيهِ شَحْمٌ) بمُعجَمةٍ مفتوحةٍ فمُهمَلةٍ ساكنةٍ (فَنَزَوْتُ) بنونٍ فزايٍ مفتوحتين فواوٍ ساكنةٍ، أي: وَثَبْتُ مسرعًا

стр. 6288

(لآخُذَهُ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ﵊ لكونه اطَّلع على حرصي عليه، وتوقيرًا له، وإعراضًا عن خوارم المروءة، وموضع الاستدلال منه: كونه ﷺ لم يُنكر عليه، بل في «مسلمٍ» ما يدلُّ على رضاه ﵊ لأنَّ فيه: «أنَّه تبسَّم لمرآه» (١)، بل صرَّح في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ حيث قال ﵊ في آخره: «هو لك» وكأنَّه عرف شدَّة حاجته إليه، فسوَّغ له الاستئثار به، قاله في «الفتح». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢١٤] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥٠٨]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الذَّبائح». ٣١٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أنَّ ابن عمر» (¬﵄ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ) زاد أبو نُعَيمٍ من رواية يونس بن محمَّدٍ وأحمد بن إبراهيم عند الإسماعيليِّ، كلاهما عن حمَّاد بن زيدٍ: «والفواكه» وعند الإسماعيليِّ من طريق ابن المُبارَك عن حمَّاد بن زيدٍ (٢): «كنَّا نصيب العسل والسَّمن في المغازي» (فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ ، ولا (٣) نحمله للادِّخار. ٣١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ البصريُّ، قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشِّين المُعجَمة وسكون التَّحتيَّة بعدها مُوحَّدةٌ،

стр. 6289

سليمان بن أبي سليمان الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبدَ الله (¬﵄ يَقُولُ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ) جوعٌ شديدٌ (لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا) وفي رواية البراء وابن أبي أوفى في «المغازي» [خ¦٤٢٢١]: «فأصابوا حمرًا فطبخوها» (فَلَمَّا غَلَتِ القُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أبو طلحة: (أكْفِئُوا) بفتح الهمزة وسكون الكاف وكسر الفاء وبهمزةٍ، ولابن عساكر: «أن (١) أكفئوا» أي: أميلوا (القُدُورَ) لِيُراقَ ما فيها (فَلَا تَطْعَمُوا) بفتح أوَّله وثالثه، أي: فلا تذوقوا (مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئًا. قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن أبي أوفى: (فَقُلْنَا) أي: بعض الصَّحابة: (إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: عنها (لأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ) بضمِّ أوله وفتح ثالثه المُشدَّد، أي: لم يُؤخَذ منها الخُمُس (قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ) من الصَّحابة: (حَرَّمَهَا) ﵇ (البَتَّةَ) أي: قطعًا من البتِّ وهو القطع، والنَّصب على المصدريَّة، قال الشَّيبانيُّ: (وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَرَّمَهَا البَتَّةَ) وذكر (٢) الواقديُّ: أنَّ عدَّة الحُمر الَّتي ذبحوها كانت عشرين أو ثلاثين، كذا رواه بالشَّكِّ. وسيأتي ما وقع من اختلاف الصَّحابة في علَّة النَّهي عن لحم الحُمر -إن شاء الله تعالى- واستُفيد من هذه الأحاديث: إباحةُ أكل الغانمين -قبل اختيار التَّملُّك وقبل رجوعهم لعمران الإسلام- ما يوجد من القوت والأدم والفاكهة، ونحوها ممَّا يُعتاد أكله للآدميِّ عمومًا، كاللَّحم والشَّحم، والعلف للدَّوابِّ -شعيرًا وتبنًا- لِمَا ذُكِر، ولحديث أبي داود والحاكم -وقال: صحيحٌ على شرط البخاريِّ- عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «أصبنا مع رسول الله ﷺ بخيبر طعامًا، فكان كلُّ واحدٍ منَّا يأخذ منه قدر كفايته» والمعنى فيه: عِزَّته بدار الحرب غالبًا، لإحراز أهله له عنَّا، فجعله الشَّارع مباحًا، ولأنَّه قد يَفْسُد، وقد يتعذَّر نقله، وقد تزيد مؤونة نقله عليه، سواءٌ كان معه طعامٌ يكفيه أم لا، لعموم الأحاديث، ويتزوَّدون منه لقطع المسافة الَّتي بين أيديهم بقدر الحاجة ولو كانوا أغنياء عنه. نعم، لو أكل فوق حاجته لزم (٣) قيمته كما صرَّح به في «الرَّوضة» قال الزَّركشيُّ: وكذا ينبغي أن يُقال به في علف الدَّوابِّ، لا الفانيذ والسُّكَّر والأدوية الَّتي تندر

стр. 6290

الحاجة إليها، ولا انتفاع بمركوبٍ وملبوسٍ من الغنيمة، فلو خالف لزمته الأجرة، كما تلزمه القيمة إذا أتلف بعض الأعيان، فإن احتاج إلى ملبوسٍ لبردٍ أو حرٍّ ألبسه الإمام بالأجرة مدَّة حاجته، ثمَّ يردُّه إلى المغنم، أو حسبه عليه من سهمه، وله القتال بالسِّلاح بلا أجرةٍ للضَّرورة إليه، ويردُّه إلى المغنم بعد زوالها، فإن لم تكن ضرورةٌ لم يَجُزْ له (١) استعماله. والحديث الأخير أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٢٠]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد»، وابن ماجه في «الذَّبائح».

стр. 6291

((٥٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لأبي ذرٍّ (١) (بَابُ الجِزْيَةِ) بكسر الجيم وهي: مالٌ مأخوذٌ من أهل الذِّمَّة، لإسكاننا إيَّاهم في دارنا، أو لحقن دمائهم وذراريِّهم وأموالهم، أو لكفِّنا عن قتالهم (وَالمُوَادَعَةِ) والمراد بها: مُتارَكة أهل الحرب مدَّةً مُعيَّنَةً لمصلحةٍ (مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالحَرْبِ) لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ؛ لأنَّ الجزية مع أهل الذِّمَّة والمُوادَعة مع أهل الحرب (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾) كإيمان الموحِّدين (﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ﴾) يعني: الخمر والميسر (﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾) لا يتديَّنون بدين الإسلام (﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾) أي (١): إن لم يسلموا (﴿عَن يَدٍ﴾) أي: عن قهرٍ وغلبةٍ (﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]) قال البخاريُّ مفسِّرًا لقوله: ﴿صَاغِرُونَ﴾: (أَذِلاَّءُ) ولأبي ذرٍّ: «يعني: أذلَّاء» وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر: «والمَسْكَنَة مصدر المسكين» يُقال: فلانٌ «أسكنُ من فلانٍ، أي: أحوجُ منه» فهو من المَسْكَنة، «ولم يذهب -أي: البخاريُّ- إلى السُّكون» ووجه ذكره المسكنة (٢) هنا: أنَّه فسَّر الصَّغَار بالذِّلَّة، وجاء في وصف أهل الكتاب: ضُرِبت عليهم الذِّلَّة والمسكنة، فناسب ذكرها عند ذكر الذِّلَّة (٣)، وساق في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «إلى قوله:

стр. 6292

﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾» (وَمَا جَاءَ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) أهل الكتاب (وَالمَجُوسِ) الَّذين لهم شبهةُ كتابٍ (وَالعَجَمِ) وهذا (١) قول أبي حنيفة: تُؤخَذ الجزية من جميع الأعاجم، سواءٌ كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين. وعند الشَّافعيِّ وأحمد: لا تُؤخَذ إلَّا ممَّن له كتابٌ أو شبهةُ كتابٍ، فلا تُؤخَذ من عبدة الأوثان والشَّمس والقمر ومن في معناهم، ولا من المُرتَدِّ؛ لأنَّ الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلَّا (٢) أن يسلموا بقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٣) الآية السَّابقة، وتُؤخَذ أيضًا ممَّن زعم (٤) أنَّه متمسِّكٌ (٥) بصحف إبراهيم وزبور داود، ومَنْ (٦) أحدُ أبويه كتابيٌّ والآخر وثنيٌّ، وعن مالكٍ: تُقبَل من جميع الكفَّار إلَّا من ارتدَّ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مُهمَلةٌ، عبدِ الله (قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّأْمِ) أي: من (٧) أهل الكتاب (عَلَيْهِمْ) أي (٨): في الجزية (أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ اليَمَنِ) من أهل الكتاب (عَلَيْهِمْ) فيها (دِينَارٌ) واحدٌ؟ (قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اليَسَارِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة اليسار. وفيه: جواز التَّفاوت في الجزية، وأقلُّها عند الشَّافعيَّة والجمهور: دينارٌ في كلِّ حولٍ، ومن متوسِّط الحال ديناران، ومن الموسر أربعةٌ استحبابًا.

стр. 6293

٣١٥٦ - ٣١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرًا) هو ابن دينارٍ (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي الشَّعثاء البصريِّ (وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) بفتح العين، و «أَوْس» بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها سينٌ مُهمَلةٌ، الثَّقفيِّ المكِّيِّ (فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ) بفتح المُوحَّدة والجيم المُخفَّفة واللَّام بعدها هاءُ تأنيثٍ، ابن عَبَدَة -بالمهملتين بينهما مُوحَّدةٌ مفتوحاتٍ- التَّميميُّ (١) البصريُّ التَّابعيُّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا (سَنَةَ سَبْعِينَ) بالموحَّدة بعد السِّين (عَامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (بِأَهْلِ البَصْرَةِ) وحجَّ معه بَجَالَةُ كما عند أحمد، وكان مصعبُ أميرًا على البصرة من قِبَل أخيه عبد الله بن الزُّبير (عِنْدَ دَرَجِ زَمْزَمَ، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) بفتح الجيم وبعد الزَّاي السَّاكنة همزةٌ عند المحدِّثين، وقيَّده أهل النَّسب بكسر الزَّاي، بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ همزةٌ (عَمِّ الأَحْنَفِ) بن قيسٍ، وكان معدودًا في الصَّحابة (فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل (٢) موت عمر (بِسَنَةٍ) سنة اثنتين وعشرين: (فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ) بينهما زوجيَّةٌ (مِنَ المَجُوسِ) فإن قلت: السُّنَّة ألَّا يكشفوا عن بواطن أمورهم وعمَّا يستحلُّون به من مذاهبهم في الأنكحة وغيرها، أجاب الخطَّابيُّ: بأنَّ أمر عمر ﵁ بالتَّفرقة بين الزَّوجين المرادُ منه: أن يمنعوا من إظهاره للمسلمين والإشادة (٣) به في مجالسهم الَّتي يجتمعون فيها للملاك (٤)، كما يشترط على النَّصارى ألَّا يظهروا صليبهم ولا يفشوا عقائدهم (وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ) ﵁ (أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ). (حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ) بفتح الهاء والجيم بالصَّرف، ولأبي ذرٍّ: بعدمه، قال الجوهريُّ: اسم بلدٍ، مُذكَّرٌ مصروفٌ. وقال

стр. 6294

الزَّجَّاجيُّ: يُذكَّر ويُؤنَّث، وفي «التِّرمذيِّ»: فجاءنا كتاب عمر: «انظر (١) مجوسَ مَنْ قِبَلك فخذ منهم الجزية فإنَّ عبد الرَّحمن بن عوف أخبرني … فذكره» وفي «الموطَّأ» بإسنادٍ رواته ثقاتٌ إلَّا أنَّه منقطعٌ: عن جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه: أنَّ عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أشهد لَسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب». قال ابن عبد البرِّ: أي: في الجزية فقط، واستدلَّ بقوله: «سنَّة أهل الكتاب» (٢) على أنَّهم ليسوا أهل كتابٍ (٣). نعم روى الشَّافعيُّ وعبد الرَّزَّاق وغيرهما بإسنادٍ حسنٍ عن عليٍّ: «كان المجوس أهل كتابٍ يقرؤونه وعلمٍ يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته، فلمَّا أصبحَ، دعا أهل الطَّمع فأعطاهم وقال: إنَّ آدم كان يُنكِح أولادَه (٤) بناته، فأطاعوه، وقَتَل من خالفه، فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه، فلم يبقَ عندهم منه شيءٌ». وحديث الباب أخرجه أبو داود أيضًا في «الخراج»، والتِّرمذيُّ في «السُّنن» (٥)، وكذا النَّسائيُّ. ٣١٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ

стр. 6295

الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ) بفتح العين وسكون الميم (الأَنْصَارِيَّ) عدَّه ابن إسحاق وابن سعدٍ ممَّن شهد بدرًا من المهاجرين، وهو موافقٌ لقوله هنا: (وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) لأنَّه يُشعِر بكونه مكِّيًّا، ويحتمل أن يكون أصله من الأوس والخزرج، ثمَّ نزل مكَّة وحالف بعض (١) أهلها، فبهذا الاعتبار يكون أنصاريًّا مهاجريًّا (وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) هو عامر بن عبد الله بن الجرَّاح، أمين هذه الأمَّة (إِلَى البَحْرَيْنِ) البلد المشهور بالعراق (يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا) أي: بجزية أهلها، وكان أكثر أهلها إذ ذاك المجوس (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ) في سنة الوفود سنة تسعٍ من الهجرة (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ) الصَّحابيَّ المشهور (فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح (بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ) وكان فيما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن حُمَيد بن هلالٍ: «مئة ألفٍ، وهو أوَّل خَرَاجٍ قُدِمَ به عليه» (فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَتْ) من الموافاة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فوافقت» بالقاف بعد (٢) الفاء، من المُوافَقة (صَلَاةَ الصُّبْحِ) (٣) ولابن عساكر: «فوافت الصُّبح» (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمِ الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ، قَالُوا: أَجَلْ) أي: نعم (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَأَبْشِرُوا) بهمزة قطعٍ (وَأَمِّلُوا) بهمزةٍ مفتوحةٍ فميمٍ مكسورةٍ مُشدَّدةٍ من غير مدٍّ من التَّأميل. وقال الزَّركشيُّ: الأملُ: الرَّجاء، يُقال: أمَّلْتُه فهو مأمولٌ، قال الدَّمامينيُّ (٤): مقتضاه: أن تكون «وَاّْمُلُوا» بهمزةِ وصلٍ وميمٍ مضمومةٍ. انتهى. وضبطها الصَّغانيُّ بالوجهين (مَا يَسُرُّكُمْ) ففيه: البشرى من الإمام لأتباعه وتوسيع أملهم (فَوَاللهِ لَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) بنصب «الفقر»، مفعول «أخشى» (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، و «أن» مصدريَّةُ، أي: بسط (عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) وسقط لابن عساكر لفظة «كان» (فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا) ولغير الكُشْميهَنيِّ: «فتنافسوا كما

стр. 6296

تنافسوا (١)» بإسقاط الهاء فيهما، والَّذي في الفرع: بإسقاطها في الأولى فقط، وكذا في أصله (وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) فيه: أنَّ المُنافَسة في الدُّنيا قد تجرُّ إلى الهلاك في الدِّين (٢). ٣١٥٩ - ٣١٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ) بفتح الرَّاء وكسر القاف المُشدَّدتين، نسبةً إلى الرَّقَّة مدينةٌ بالقرب من الفرات، قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بسكون العين المهملة وفتح الفوقيَّة وكسر الميم -وليس هو المُعَمَّر

стр. 6297

بفتح المُهمَلة وتشديد الميم المفتوحة، ولا المَعْمَر (١) بن راشدٍ- قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، ابن جبير بن حَيَّة (الثَّقَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بسكون الكاف (المُزَنِيُّ) البصريُّ (وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة، وهو عمُّ سعيد بن عُبيد الله، كلاهما (عَنْ) والد زيادٍ (جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المُشدَّدة، ابن مسعودٍ الثَّقفيِّ أنَّه (قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح النُّون ممدودًا، و «الأمصار» بالميم، ولم أره بالنُّون في أصلٍ من الأصول، والمِصْرُ: المدينةُ العظيمة (يُقَاتِلُونَ المُشْرِكِينَ) فلمَّا كانوا (٢) بالقادسيَّة إذا هم (٣) في الجيش الَّذين أرسلهم يَزْدَجَرْد إلى قتال المسلمين، فوقع بينهم قتالٌ عظيمٌ لم يُعهَد مثله مُستهَلَّ المُحرَّم سنة أربع عشرة، وأبلى في ذلك اليوم جماعةٌ من الشُّجعان كطُلَيحة (٤) الأسديِّ وعمرو بن معد يكرب وضرار بن الخطَّاب، وأرسل الله تعالى في ذلك اليوم ريحًا شديدةً أرمت خيام الفُرْس من أماكنها، وهرب رستم مقدم الجيش وأدركه المسلمون وقتلوه، وانهزمت (٥) الفرس (٦)، وقتل المسلمون منهم خلقًا كثيرًا، ولم يزل المسلمون وراءهم إلى أن دخلوا مدينة الملك، وهي المدائن الَّتي فيها إيوان كسرى، وكان الهُرْمُزَان -وهو (٧) بضمِّ الهاء وسكون الرَّاء وضمِّ الميم وتخفيف الزَّاي، واسمه رستم- من جملة الهاربين، ووقعت بينه وبين المسلمين وقعةٌ، ثمَّ وقع الصُّلح بينه وبينهم، ثمَّ نقضه، فجمع أبو موسى الأشعريُّ ﵁ الجيش وحاصروه، فسأل الأمان إلى أن يُحمَل إلى عمر ﵁، فوجَّهه أبو موسى (٨) مع أنسٍ إليه (فَأَسْلَمَ

стр. 6298

الهُرْمُزَانُ) طائعًا وصار عمر يقرِّبه ويستشيره (فَقَالَ) له: (إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ) بتشديد ياء «مغازيَّ» أي: فارس وأصبهان وأذربيجان -كما عند ابن أبي شيبة- أي: بأيِّها نبدأ، لأنَّ الهرمزان كان أعلمَ بشأنها من غيره. (قَالَ) الهرمزان: (نَعَمْ، مَثَلُهَا) أي: الأرض الَّتي دلَّ عليها السِّياق (وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ المُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ) برفع «مَثَلُ» خبر المبتدأ الَّذي هو «مَثَلُها» وما بعده (١) عطفٌ عليه (وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلَانِ، فَإِنْ كُسِرَ) بضمِّ الكاف مبنيًّا للمفعول (أَحَدُ الجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ) بالرَّفع (٢) عطفًا (٣) على «الرِّجلان»، ولأبي ذرٍّ: «والرَّأسِ» بالجرِّ عطفًا على «بجناحٍ» (فَإِن كُسِرَ الجَنَاحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ) بضمِّ الشِّين المُعجَمة وبعد الدَّال المُهمَلة المكسورة خاءٌ مُعجَمةٌ، أي: كُسِرَ (الرَّأْسُ ذَهَبَتِ الرِّجْلَانِ وَالجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ) فإذا فات الرَّأس فات الكلُّ (فَالرَّأْسُ كَِسْرَى) بكسر الكاف وتُفتَح (وَالجَنَاحُ قَيْصَرُ) غير منصرفٍ، صاحب الرُّوم (وَالجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ) غير منصرفٍ، اسم الجبل المعروف من العجم، وتُعقِّب هذا بأنَّ كسرى لم يكن رأسًا للرُّوم. وأُجيب بأنَّ كسرى كان رأس الكلِّ؛ لأنَّه لم يكن في زمانه ملكٌ أكبر منه؛ لأنَّ سائر ملوك البلاد كانت تهادنه وتهاديه، ولم يقل في الحديث: «والرِّجلان» اكتفاءً بالسَّابق للعلم به، فرِجْلٌ قيصر الفرنج مثلًا لاتِّصالها به، وكسرى الهند مثلًا، قاله الكِرمانيُّ (فَمُرِ المُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا) بكسر الفاء (إِلَى كِسْرَى) فإنَّه الرَّأس، وبقطعها يبطل الجناحان. (وَقَالَ بَكْرٌ) هو ابن عبد الله المزنيُّ (وَزِيَادٌ) هو ابن جُبَيرٍ (جَمِيعًا، عَنْ جُبَيْرِ (٤) بْنِ حَيَّةَ قَالَ (٥): فَنَدَبَنَا) بفتح الدَّال والمُوحَّدة، أي: طلبنا ودعانا (عُمَرُ) ﵁ للغزو (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا

стр. 6299

النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ) بالميم المضمومة والقاف المفتوحة وبعد الرَّاء المُشدَّدة المكسورة نونٌ، المزنيَّ الصَّحابيَّ أميرًا (حَتَّى إِذَا) أي: سرنا حتَّى إذا (كُنَّا بِأَرْضِ العَدُوِّ) وهي نَُهاوَنْد، وكان قد خرج معهم -فيما رواه ابن أبي شيبة- الزُّبير وحذيفة وابن عمر والأشعث وعمرو بن معد يكرب (وَخَرَجَ) بالواو، وسقطت لأبي ذرٍّ وابن عساكر (عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى) بندارٌ كما عند الطَّبريِّ (١) من رواية مبارك بن فَضالة، وعند ابن أبي شيبة: «ذو الجناحين» (فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا) من أهل فارس وكرمان ومن غيرهما -كنهاوند وأصبهان- مئة ألفٍ وعشرة آلافٍ (فَقَامَ تُرْجُمَانٌ) بفتح أوَّله وضمِّه، لهم لم يُسَمَّ (فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ) بالجزم على الأمر (فَقَالَ المُغِيرَةُ) (٢) بن شعبة الصَّحابيُّ: (سَلْ عَمَّا) بألفٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «عمَّ» (شِئْتَ، قَالَ) أي: التُّرجمان، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فقال»: (مَا أَنْتُمْ؟) بصيغة من لا يعقل احتقارًا (قَالَ) أي: المغيرة: (نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ، كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الجِلْدَ) بفتح الميم في الفرع وأصله (٣) (وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ، وَنَلْبَسُ الوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالحَجَرَ، فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ) بفتح الرَّاء (-تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا، نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ) زاد في رواية ابن أبي شيبة: «في شرف منَّا، أوسطنا حسبًا وأصدقنا حديثًا» (فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا (٤) ﷺ أَنْ نَقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ) وهذا موضع التَّرجمة، وفيه دلالةٌ على جواز أخذها من المجوس، لأنَّهم كانوا مجوسًا. (وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا (٥) ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا) أي: في الجهاد

стр. 6300

(صَارَ إِلَى الجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا) أي: الجنَّة (قَطُّ. وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ) بالأسر. وفيه -كما قال الكِرمانيُّ- فصاحةُ المغيرة؛ من حيث إنَّ كلامه مبيِّنٌ لأحوالهم فيما يتعلَّق بدنياهم من المطعوم والملبوس، وبدينهم من العبادة، وبمعاملتهم مع الأعداء من طلب التَّوحيد أو الجزية (١)، ولمعادهم في الآخرة إلى كونهم في الجنَّة، وفي الدُّنيا إلى كونهم ملوكًا مُلَّاكًا للرِّقاب. (فَقَالَ النُّعْمَانُ) بن مُقَرِّنٍ للمغيرة بن شعبة لمَّا أنكر عليه تأخير القتال، وذلك أنَّ المغيرة كان قصده (٢) الاشتغال بالقتال أوَّل النَّهار بعد الفراغ من المكالمة مع التُّرجمان: (رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ) أي: أَحْضَرَكَ (مِثْلَهَا) مثل هذه الوقعة (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وانتظر بالقتال إلى الهبوب (فَلَمْ يُنَدِّمْكَ) على التَّأنِّي والصَّبر (وَلَمْ يُخْزِكَ) بالخاء المُعجَمة بغير نونٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولم يحزنك» بالحاء المُهمَلة والنُّون، والأوَّل أوجه لوفاق سابقه، فطلبك العجلة، لأنَّك لم تضبط (وَلَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وضبطت (كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ) بالقتال (حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ) جمع ريحٍ بالياء، وأصله: رَوْحٌ بالواو بدليل الجمع الَّذي غالب حاله أن يردَّ الشَّيء إلى أصله، فقُلِبت واوُ المُفرَد ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، وحكى ابن جنيٍّ في جمعه: أرياحٌ، قال الزَّركشيُّ لمَّا رآهم (٣) قالوا: رياحٌ. قال في «المصابيح»: إنَّ (٤) اعتماد (٥) صاحب هذا القول على «رياح» (٦) وهمٌ، لأنَّ موجب قلب الواو في «رياحٍ» ثابتٌ؛ لانكسار ما قبلها كحِياضٍ جمع حوضٍ، ورياضٍ جمع روضٍ، والمقتضي للقلب في «أرياحٍ» مفقودٌ، والمُعتمَد في هذا إنَّما هو السَّماع. انتهى. وفي «القاموس»:

стр. 6301

جمع الرِّيح أرواحٌ وأرياحٌ ورياحٌ ورِيَحٌ كعِنَبٍ، وجمع الجمع أراويح وأراييح. (وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ) بعد زوال الشَّمس كما عند ابن أبي شيبة، وزاد في رواية الطَّبريِّ: «ويطيب القتال» وعند ابن أبي شيبة: «وينزل النَّصر». وفيه: فضيلةُ القتال بعد الزَّوال، ويطابق التَّرجمة أيضًا في تأخير النُّعمان المقاتلة وانتظار هبوب الرِّياح، وهذه مُوَادعَةٌ في هذا الزَّمان مع الإمكان للمصلحة. (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَادَعَ) أي: صالح (الإِمَامُ مَلِكَ القَرْيَةِ) على ترك الحرب والأذى (هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ؟) أي: لبقيَّة أهل القرية. ٣١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ) أبو بِشْرٍ الدَّارميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالد بن (١) عجلان أبو بكرٍ البصريُّ صاحب الكرابيس (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين، ابن عمارة المازنيِّ (عَنْ عَبَّاسٍ) بالموحَّدة المُشدَّدة وآخره مُهمَلةٌ، ابن سهلٍ (السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن أو المنذر (السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَبُوكَ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) هو ابن العَلْماء كما في «مسلمٍ»، واسمه: يوحنَّا ابن رؤْبة، و «العَلْماء» اسم أمِّه، و «أَيْلَة» بهمزةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فلامٍ مفتوحةٍ آخره هاء تأنيثٍ، مدينةٌ على ساحل البحر آخر الحجاز وأوَّل الشَّام (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) هي دلدل (وَكَسَاهُ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكساه» بالفاء، أي: النَّبيُّ ﷺ كسا ملك أيلة (بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ) ﵊، وفي نسخةٍ: «لهم» (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدتهم. وعند ابن إسحاق: «لمَّا انتهى النَّبيُّ ﷺ إلى تبوك أتى يوحنَّا بن

стр. 6302

روبة صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية، وكتب له رسولُ الله (١) ﷺ كتابًا فهو عندهم: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذه أمنةٌ من الله ومحمَّدٍ النَّبيِّ رسول الله ليحنَّة بن رؤبة وأهل أيلة» فبهذه الطَّريق (٢) تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، كما قال (٣) في «الفتح»، وقد أجمع (٤) على أنَّ الإمام إذا صالح ملك القرية يدخل في ذلك الصُّلح بقيَّتهم. وهذا الحديث سبق في: «باب خرص التَّمر» (٥) من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٨١]، والله أعلم (٦). (٣) (باب الوَصَاة) بفتح الواو والصَّاد المُهمَلة وبعد الألف هاء تأنيثٍ، أي: الوصيَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «الوصايا» (بِأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الَّذين دخلوا في عهده وأمانه، قال البخاريُّ: (وَالذِّمَّةُ) هي (العَهْدُ، وَالإِلُّ) بهمزةٍ مكسورةٍ ولامٍ مُشدَّدةٍ هو: (القَرَابَةُ) وهذا تفسير الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. ٣١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، نَصْرٌ -بسكون الصَّاد المُهمَلة - الضُّبَعِيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ) تصغير جاريةٍ، و «قُدَامة» بضمِّ القاف وتخفيف المُهمَلة

стр. 6303

(التَّمِيمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁: قُلْنَا) له: (أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ) ﷺ (وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ) لأنَّ بسبب الذِّمَّة تحصل الجزية الَّتي هي مقسومةٌ على المسلمين، مصروفةٌ في مصالحهم من عيالٍ وغيرها، أو ما ينال في تردُّدهم لأمصار المسلمين. (٤) (باب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَيْنِ) أي: من مالها، لأنَّها كانت صلحًا (وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ البَحْرَيْنِ وَالجِزْيَةِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيْءُ) الحاصل من أموال الكفَّار من غير حربٍ (وَالجِزْيَةُ؟). ٣١٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية بن خديجٍ، أبو خيثمة الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ) أي: ليعيِّن لكلٍّ منهم حصَّةً على سبيل الإقطاع من الجزية والخراج (بِالبَحْرَيْنِ) البلد المشهور بالعراق، وليس المراد تمليكهم (١)، لأنَّ أرض الصُّلح لا تُقسَم ولا تُقطَع، فقد كان ﵊ صالح أهله وضرب عليهم الجزية (فَقَالُوا: لَا وَاللهِ حَتَّى تَكْتُبَ لإِخْوَانِنَا) المهاجرين (مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ) ﵊: (ذَاكَ لَهُمْ) أي: ذاك المال لقريشٍ (مَا شَاءَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ) وكان الأنصار (يَقُولُونَ لَهُ) ﵊ في شأنهم مصرِّين على ذلك حتَّى (قَالَ) ﵊ لهم: (فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي) أي: من الملوك (أَُثَْرَةً) بفتح الهمزة والمُثلَّثة، وبضمِّ الهمزة وسكون

стр. 6304

المُثلَّثة، أي: إيثارًا لأنفسهم عليكم بالدُّنيا، ولا يجعلون لكم في الأمر من نصيبٍ (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «عَلَى الحَوْضْ». ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة كونه ﵊ لمَّا أشار على الأنصار بما ذكر فلم (١) يقبلوا فتركه ﵊، نزَّل المؤلِّف ما بالقوَّة منزلةَ ما بالفعل، وهو في حقِّه ﵊ واضحٌ، لأنَّه لا يأمر إلَّا بما يجوز فعله، قاله في «الفتح». ٣١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن معمرٍ الهذليُّ الهرويُّ نزيل بغداد (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ) بفتح الرَّاء، العنبريُّ التَّميميُّ البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) التَّميميِّ المدنيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِي: لَوْ قَدْ جَاءَنَا (٢) مَالُ البَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) ثلاثًا (فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ) من عند العلاء بن الحضرميِّ (قَالَ (٣) أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِدَةٌ) بكسر العين وتخفيف الدَّال المُهمَلتين، أي: وعدٌ (فَلْيَأْتِنِي) أفِ له به (فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ (٤): إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ قَالَ لِي: لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ البَحْرَيْنِ لأَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) ثلاثًا (فَقَالَ) أبو بكرٍ (لِي: احْثُِهْ) بضمِّ المُثلَّثة وكسرها وبهاء السَّكت (فَحَثَوْتُ) بالواو (حَثْيَةً) بالياء وفتح الحاء، فأخذ الفعل من لغةٍ والمصدر من أخرى، وكذا فعلوا في تداخل اللُّغتين من كلمتين (فَقَالَ لِي)

стр. 6305

أبو بكرٍ: (عُدَّهَا. فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، فَأَعْطَانِي أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «فأعطاني خمس مئةٍ» أي (١): الأولى الَّتي حثاها «وأعطاني ألفًا وخمس مئةٍ» فالجملة ألفان. ٣١٦٥ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطَّاء المُهمَلة وسكون الهاء، الخراسانيُّ ممَّا (٢) وصله الحاكم في «مُستَدركه» وابن منده في «أماليه» وأبو نُعَيمٍ في «مُستخرَجه»: (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ) بعثه العلاء بن الحضرميِّ من الخراج، وكان مئة ألفٍ كما في «مُصنَّف ابن أبي شيبة» (فَقَالَ: انْثُرُوهُ) بالمُثلَّثة (فِي المَسْجِدِ، فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ) عمُّه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطِنِي) أي: من هذا المال (إِنِّي (٣) فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين المهملة وكسر القاف (٤)، ابن أبي طالبٍ يوم بدرٍ حين أُسِرا (قَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (خُذْ. فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ) أي: فحثا العبَّاس في ثوب (٥) نفسه (ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ) بضمِّ الياء وكسر القاف، أي: يرفعه ويحمله (فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ) العبَّاس له ﵊: (أْمُرْ) (٦) بهمزةٍ ساكنةٍ (٧) في أوَّله على الأصل (بَعْضَهُمْ) أي: الحاضرين (يَرْفَعُْهُ إِلَيَّ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف (قَالَ) ﵊: (لَا، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لَا) أرفعه (فَنَثَرَ) العبَّاس (مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فلم يستطع» (فَقَالَ: أْؤمُرْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فَمُرْ» بإسقاط الهمزة (بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ:
следующие страницы →