← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

(١٩) (بابُ المُصَالَحَةِ) مع المشركين (عَلَى) مدَّة (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَو وَقْتٍ مَعْلُومٍ). ٣١٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ) أبو (١) عبد الله الأزديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضمِّ الشِّين المعجمة (٢) وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، و «مَسْلَمة» بفتح الميم واللَّام، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) يوسفَ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو ابن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (البَرَاءُ) بن عازبٍ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ) وفي نسخةٍ: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ) في ذي القعدة يوم الحديبية (أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَلَّا يُقِيمَ بِهَا) إذا دخلها في العام المقبل (إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ) بأيَّامها، وهذا موضع التَّرجمة (وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ) بضمِّ الجيم واللَّام وتشديد المُوحَّدة، شِبْه الجراب من الأدم، يُوضَع فيه السَّيف مغمودًا (وَلَا يَدْعُومِنْهُمْ أَحَدًا) وفي «الصُّلح» [خ¦٢٦٩٩]: «وألَّا يخرج من أهلها بأحدٍ إن أراد أن يتَّبعه، وألَّا يمنع أحدًا من أصحابه (٣) أراد أن يقيم بها» (قَالَ: فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَتَبَ: هَذَا) إشارةٌ إلى

стр. 6337

ما في الذِّهن، مبتدأٌ خبرُه قولُه: (مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (١). فَقَالُوا: لَو عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نَمْنَعْكَ) عن البيت (وَلَبَايَعْنَاكَ) بالمُوحَّدة بعد اللَّام، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولتابعناك» (٢) بالفوقيَّة بدل المُوحَّدة وبعد الألف مُوحَّدةٌ أخرى بدل التَّحتيَّة (وَلَكِنِ اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ) ﵊: (أَنَا -وَاللهِ- مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَنَا -وَاللهِ- رَسُولُ اللهِ. قَالَ: وَكَانَ) ﵊ (لَا يَكْتُبُ. قَالَ: فَقَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُ رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَا أَمْحَاهُ أَبَدًا) لغةٌ في «أمحوه» بالواو (قَالَ) ﵊: (فَأَرِنِيهِ (٣)، قَالَ: فَأَرَاهُ إِيَّاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ) ﵊ مكَّة في العام المقبل (وَمَضَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ومضت» (الأَيَّامُ) الثَّلاثة الَّتي اشترطوا عليه ألَّا يقيم أكثر منها (أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: مُرْ صَاحِبَكَ) أي: النَّبيَّ ﷺ (فَلْيَرْتَحِلْ) فقد مضى الأَجَل (فَذَكَرَ ذَلِكَ (٤) لِرَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «ذلك عليٌّ ﵁ لرسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ ارْتَحَلَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فارتحل». وهذا الحديث قد مرَّ في «باب كيف يُكتَب الصُّلح» من «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٦٩٩]. (٢٠) (بابُ المُوَادَعَةِ) أي: المصالحة والمتاركة (مِنْ غَيْرِ) تعيين (وَقْتٍ. وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لأهل خيبر: (أُقِرُّكُمْ مَا) ولأبي ذرٍّ: «على ما» (أَقَرَّكُمُ اللهُ بِهِ) سقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر لفظة «به» وهذا طرفٌ من حديثِ ابن عمر، سبق موصولًا في: «باب إذا قال ربُّ الأرض: أقرُّك (٥) ما أقرَّك الله» [خ¦٢٣٣٨] وليس في أمر المهادنة حدٌّ معلومٌ، وإنَّما ذلك راجعٌ إلى رأي الإمام، والله أعلم (٦).

стр. 6338

(٢١) (بابُ) جواز (طَرْحِ جِيَفِ المُشْرِكِينَ فِي البِئْرِ، وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ) أي: لجيفهم (ثَمَنٌ) ذكر (١) ابن إسحاق في «مغازيه»: أنَّ المشركين سألوا النَّبيَّ ﷺ أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان قد (٢) اقتحم الخندق، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده» قال ابن هشامٍ: بلغنا عن الزُّهريِّ أنَّهم بذلوا فيه عشرة آلافٍ. ٣١٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «عبد الله بن عثمان» وهو اسم: عبدان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جبلة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الكوفيِّ الأوديِّ (٣) (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ سَاجِدٌ) أي: عند الكعبة (وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ المُشْرِكِينَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من المشركين» (إِذْ (٤) جَاءَ عُقْبَةُ) بحذف ضمير النَّصب، ولأبي ذرٍّ: «إذ جاءه عقبة» (بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ) بفتح السِّين المهملة وتخفيف اللَّام مقصورًا، وهي اللُّفافة الَّتي يكون فيها الولد في (٥) بطن النَّاقة، والجَزُور، بفتح الجيم وضمِّ الزَّاي بمعنى المفعول، أي: المنحور من الإبل (فَقَذَفَهُ) بالفاء قبل القاف، ولأبي ذرٍّ: «وقذفه» أي:

стр. 6339

طرحه (عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ) بنته ﵍، فَأَخَذَتْ) ذلك السَّلَى (مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ (١)) ولأبي ذرٍّ: «فقال: اللَّهمَّ» (عَلَيْكَ المَلأَ) نُصِب بنزع الخافض، أي: خُذِ الجماعةَ (مِنْ) كفَّار (قُرَيْشٍ) وأهلِكْهم، ثمَّ فصَّلَ ما أجملَ فقال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ -أَو أُبَيَّ (٢) بْنَ خَلَفٍ-) قال عبد الله: (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ) والمراد: أنَّه رأى أكثرهم، لأنَّ ابن أبي معيطٍ إنَّما حُمِل أسيرًا، وقتله النَّبيُّ ﷺ بعد انصرافه من بدرٍ على ثلاثة أميالٍ ممَّا يلي المدينة (فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ) تحقيرًا لهم، ولئلَّا يتأذَّى النَّاس برائحتهم (غَيْرَ أُمَيَّةَ) بن خلفٍ (أَوْ) غير (أُبَيٍّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ) براءٍ واحدةٍ بعدها واوٌ ساكنةٌ (تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي البِئْرِ). وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا أُلقِي على ظهر المصلِّي قذرٌ» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٤٠]. (٢٢) (بابُ إِثْمِ الغَادِرِ) الَّذي يواعد على أمرٍ ولا يفي به (لِلْبَرِّ وَالفَاجِرِ) أي: سواءٌ كان من بَرٍّ لفاجرٍ أو برٍّ، أو من فاجرٍ لبَرٍّ أو فاجرٍ. ٣١٨٦ - ٣١٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران (الأَعْمَشِ) الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ (وَعَنْ ثَابِتٍ) قال في «الفتح»: قائل ذلك هو شعبة، بيَّنه مسلمٌ في روايته من طريق عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن شعبة عن ثابتٍ (عَنْ أَنَسٍ) كلاهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) أي: عَلَمٌ (يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الرَّاويين (يُنْصَبُ) أي: اللِّواء

стр. 6340

(وَقَالَ الآخَرُ: يُرَى يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ) ولـ «مسلمٍ» من طريق غندرٍ عن شعبة: «يُقال: هذه غدرة فلان». ٣١٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي ذرٍّ: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ) زاد أبو ذرٍّ: «يوم القيامة» (لِغَدْرَتِهِ) باللَّام وفتح الغين المُعجَمة، أي: لأجل غدرته في الدُّنيا، أو بقدرها، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بغدرته» بالمُوحَّدة بدل اللَّام، أي: بسبب غدرته، والمراد: شهرته في القيامة بصفة الغدر، ليذمَّه أهل الموقف، وفيه: غلظ تحريم الغدر لا سيَّما من صاحب الولاية العامَّة لأنَّ غدره يتعدَّى ضرره، وقيل: المراد: نهيُ الرَّعيَّة عن الغدر بالإمام فلا تخرج عليه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦٧١١١]، ومسلمٌ في «المغازي». ٣١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو (١) ابن المعتمر السُّلَمِيِّ الكوفيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) ابن جبرٍ الإمام في التَّفسير (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: لَا هِجْرَةَ) من مكَّة إلى المدينة بعد الفتح، لأنَّ مكَّة صارت دار إسلامٍ (وَلَكِنْ) لكم

стр. 6341

طريقٌ في تحصيل الفضائل، وهو (جِهَادٌ) في سبيل الله (وَنِيَّةٌ) في كلِّ شيءٍ من الخير (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) بكسر الفاء، أي: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا (وَقَالَ) ﵊ (يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) ولم يحرِّمه النَّاس (فَهْو حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ) زاد أبو ذرٍّ (١) في رواية الكُشْميهَنيِّ: «إلى يوم القيامة» (وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ (٢) قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي) القتال فيه (إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهْو حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُْ) بالرَّفع، ويجوز الجزم، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ) غير المؤذي، والتَّعبير بالشَّوك يدلُّ على منع قطع سائر الأشجار بالطَّريق الأَولى (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) فإذا نفَّره أحدٌ (٣) عصى (وَلَا يَلْتَقِطُ) أحدٌ (لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أبدًا (٤) ولا يتملَّكها، فخالفت لُقَطَةَ (٥) سائرِ البلاد بهذا (وَلَا يُخْتَلَى) بضمِّ أوَّله وسكون المعجمة، أي: لا يُجَزُّ (خَلَاهُ) مقصورٌ، حشيشه الرَّطب (فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الإِذْخِرَ) النَّبت الزَّكيَّ الرَّائحة المعروف (فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ) حدَّادهم وصائغهم (وَلِبُيُوتِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وبيوتهم» أي: لسُقُف بيوتهم جيلًا بعد جيلٍ (٦) (قَالَ) ﵊: (إِلَّا الإِذْخِرَ) وهذا محمولٌ على أنَّه أُوحِي إليه ﷺ في الحال باستثناء الإذخر وتخصيصه من العموم، أو أُوحِي إليه قبل ذلك أنَّه إن طلب أحدٌ استثناء شيءٍ فاستثنِ، أو أنَّه اجتهد في الجميع، قاله النَّوويُّ. وهذا الحديث قد سبق في «العلم» [خ¦١١٢] و «الحجِّ» [خ¦١٥٨٧] وغيرهما. وهذا آخر «كتاب الجهاد» نجزت كتابته على يد مؤلِّفه في ثامن (٧) عشر جمادى الآخرة سنة تسعٍ وتسع مئةٍ، أعاننا (٨) الله تعالى على التَّكميل، وجعله خالصًا لوجهه الكريم (٩)، ونفع به

стр. 6342

جيلًا بعد جيلٍ بمنِّه وكرمه (١)، آمين (٢).

стр. 6343

((٥٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ (كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ) قال في «القاموس»: بَدَأَ به -كَمَنَعَ-: ابتدأ (١)، والشَّيءَ: فعلَه ابتداءً، كابتدأه وأبدأه، واللهُ الخلقَ: خَلَقَهم، و «الخلق» بمعنى: المخلوق، ورقم في «اليونينيَّة» رقم (٢) علامة أبي ذرٍّ عن المُستملي بثبوت: «كتاب بدء الخلق». وقال العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ-: وقع في رواية النَّسفيِّ «ذكر بدء الخلق» بدل: «كتاب بدء الخلق». (١) (مَا جَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «باب ما جاء» (فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾) أي: المخلوق (﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾) (٣) بعد الإهلاك ثانيًا للبعث (﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]) أي: الإعادة أسهل عليه من الأصل بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم، وإلَّا فهما عليه سواءٌ، لا تفاوُتَ عنده سبحانه بين الإبداء والإعادة، وتذكير ﴿هُوَ﴾ لـ ﴿أَهْوَنُ﴾ وسقط لغير أبي ذرٍّ (٤) «﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾» (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (الرَّبِيعُ) بفتح الرَّاء (بْنُ خُثَيْمٍ) بضمِّ الخاء المُعجَمة وفتح المُثلَّثة وسكون التَّحتيَّة، الثَّوريُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ ممَّا

стр. 6344

وصله الطَّبريُّ (١) من طريق منذرٍ الثَّوريِّ عنه (وَ) قال (الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله الطَّبريُّ أيضًا من طريق قتادة عنه: (كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ) بتشديد الياء (هَيْنٌ) بسكونها، ولأبي ذرٍّ: «وَهَيْنٌ» بالواو مع التَّخفيف أيضًا (وَهَيِّنٌ) بالتَّشديد، يريد: أنَّهما لغتان، كما جاء في ألفاظٍ أُخَر، وهي (مِثْلُ: لَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ، وَضَيْقٍ وَضَيِّقٍ) ثمَّ أشار المؤلِّف إلى قوله تعالى: (﴿أَفَعَيِينَا﴾ [ق: ١٥]) ﴿بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي: (أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ؟) أي: ما أَعْجَزَنا الخلقُ الأوَّل حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم حتَّى نعجز عن الإعادة، مِن: عَيِي بالأمر، إذا لم يهتدِ لوجه علمه، والهمزة فيه للإنكار، وعدل عن التَّكلُّم في قوله: ﴿أَنشَأَكُم﴾ إلى الغيبة، التفاتًا. قال الكِرمانيُّ: والظَّاهر: أنَّ لفظ حين أنشأناكم إشارةٌ إلى آيةٍ أخرى مستقلَّةٍ، وأنشأ خلقكم إلى تفسيره، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢] فنقله البخاريُّ (٢) بالمعنى، حيث (٣) قال: حين أنشأكم بدل: ﴿إِذْ أَنشَأَكُم﴾ أو هو محذوفٌ في اللَّفظ واستغنى بالمفسِّر عن المفسَّر (لُغُوبٌ: النَّصَبُ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: من تعبٍ ولا نَصَبٍ ولا إعياءٍ، وهو ردٌّ لِمَا زعمت اليهود من أنَّه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السَّبت، واستلقى على العرش، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقد أجمع علماء الإسلام قاطبةً على أنَّ الله تعالى خلق السَّموات والأرض وما بينهما في ستَّة أيَّامٍ كما دلَّ عليه القرآن. نعم اختلفوا في هذه الأيَّام: أهي كأيَّامنا هذه، أو كلُّ يومٍ كألف سنةٍ؟ على قولين، والجمهور: على أنَّها كأيَّامنا هذه. وعن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ والضَّحَّاك وكعبٍ (٤): أنَّ (٥) كلَّ يومٍ كألف سنةٍ ممَّا تعدُّون. رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ. وحكى ابن جريرٍ في أوَّل الأيَّام ثلاثة أقوالٍ: فرُوِي عن

стр. 6345

محمَّد بن إسحاق أنَّه قال: يقول أهل التَّوراة: ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله ﷺ : ابتدأ الله (١) الخلق يوم السَّبت، ويشهد له حديث أبي هريرة: «خلق الله التُّربة يوم السَّبت» والقول بأنَّه الأحد رواه ابن جريرٍ عن السُّدِّيِّ عن أبي (٢) مالكٍ وأبي صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ وعن مرَّة عن ابن مسعودٍ وعن جماعةٍ من الصَّحابة وهو نصُّ التَّوراة، ومال إليه طائفةٌ آخرون، وهو أشبه بلفظ الأحد، فبهذا (٣) كمل الخلق في ستَّة أيَّامٍ فكان آخرهنَّ الجمعة، فاتَّخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع (﴿أَطْوَارًا﴾) أشار إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤] أي: (طَوْرًا كَذَا، وَطَوْرًا كَذَا) مرَّتين، أي: خلقهم تاراتٍ؛ إذ خلقهم أوَّلًا عناصر، ثمَّ مُركَّباتٍ، ثمَّ أخلاطًا، ثمَّ نطفًا، ثمَّ علقًا، ثمَّ مضغًا، ثمَّ عظامًا ولحومًا، ثمَّ أنشأهم خلقًا آخر، فإنَّه يدلُّ على أنَّه يمكن أن يعيدهم تارةً أخرى، ويُقال: فلانٌ (عَدَا طَوْرَهُ أَيْ: قَدْرَهُ) أي: جاوزه، وسقط لابن عساكر لفظة «أي». ٣١٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) -بالمعجمة وتشديد الدَّال المُهمَلة الأولى- أبي صخرٍ المحاربيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الرَّاء بعدها زايٌ، المازنيِّ البصريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضمِّ أوَّله (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ) عِدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ سنةَ تسعٍ (مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ، أَبْشِرُوا) -بهمزة قطعٍ- بما يقتضي دخول الجنَّة، وذلك حيث عرَّفهم أصول العقائد الَّتي هي المبدأ والمعاد وما بينهما، ولمَّا لم

стр. 6346

يكن جلُّ اهتمامهم إلَّا بشأن الدُّنيا والاستعطاء (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (بَشَّرْتَنَا) وإنَّما جئنا للاستعطاء (فَأَعْطِنَا) من المال، قيل: من القائلين: الأقرعُ بن حابسٍ، كان فيه بعض أخلاق البادية، والفاء فصيحةٌ (فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) ﵇ أسفًا عليهم كيف آثروا الدُّنيا، أو لكونه لم يكن عنده ما يعطيهم فيتألَّفهم به (فَجَاءَهُ (١) أَهْلُ اليَمَنِ) وهم الأشعريُّون قوم أبي موسى (فَقَالَ) ﵊: (يَا أَهْلَ اليَمَنِ، اقْبَلُوا البُشْرَى إِذْ (٢) لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَبِلْنَا) ها (٣) (فَأَخَذَ) أي: شرع (٤) (النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ بَدْءَ الخَلْقِ) نصبٌ بنزع الخافض (وَالعَرْشِ. فَجَاءَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ) يعني: ابن الحُصَين (رَاحِلَتُكَ) بالرَّفع على الابتداء، ولابن عساكر وأبي الوقت: «إنَّ راحلتَك» (تَفَلَّتَتْ) بالفاء، أي: تشردَّت، قال عمران: (لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ) من مجلس رسول الله ﷺ حتَّى لم يفتني سماع كلامه. وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤٣٦٥] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩١] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٨]، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». ٣١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بضمِّ العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ النَّخعيُّ

стр. 6347

الكوفيُّ قاضي بغداد أوثق أصحاب الأعمش، قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ) المحاربيُّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم المازنيِّ (أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالبَابِ. فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ) ﵊ لهم: (اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ) أي: اقبلوا منِّي ما يقتضي أن تُبشَّروا بالجنَّة من التَّفقُّه في الدِّين (قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا) للتفقُّه (فَأَعْطِنَا -مَرَّتَيْنِ-) أي: من المال (ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) وهم الأشعريُّون، وسقط قوله «أهل» لأبي ذرٍّ (فَقَالَ) ﵊ لهم (١): (اقْبَلُوا البُشْرَى (٢) يَا أَهْلَ اليَمَنِ إِذْ لَمْ) ولأبي ذرٍّ: «إن لم» (يَقْبَلْهَا (٣) بَنُو تَمِيمٍ، قَالُوا): قد (٤) (قَبِلْنَا) ها (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ) بكاف الخطاب مرقومًا (٥) عليها علامة الكُشْميهَنيِّ، وفي «الفتح»: حذفها له، وإثباتها لغيره (نَسْأَلُكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لنسألك» (عَنْ هَذَا الأَمْرِ) كأنَّهم سألوه عن أحوال هذا العالَم (قَالَ) ﵊ مجيبًا لهم: (كَانَ اللهُ) في الأزل منفردًا متوحِّدًا (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) وهذا مذهب الأخفش، فإنَّه جوَّز (٦) دخول الواو في خبر «كان» وأخواتها، نحو: كان زيدٌ وأبوه قائمٌ، على جعل الجملة خبرًا مع الواو، أو (٧) «ولم يكن شيء غيره» حالٌ، أي: كان الله حال كونه لم يكن شيءٌ غيره، وأمَّا ما وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: «كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان» فقال ابن تيميَّة: هذه زيادةٌ ليست في شيءٍ من كتب الحديث (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ) استُشكِل: بأنَّ الجملة الأولى تدلُّ على عدم من سواه، والثَّانية: على وجود العرش والماء، فالثَّانية مناقضةٌ للأولى، وأُجيب بأنَّ الواو في «وكان» (٨) بمعنى: ثمَّ، فليس الثَّانية من تمام الأولى، بل مستقلَّةٌ بنفسها، و «كان» فيهما بحسب مدخولها، ففي الأولى بمعنى: الكون

стр. 6348

الأزليِّ، وفي الثَّانية بمعنى: الحدوث (١) بعد العدم. وعند الإمام أحمد عن أبي رَزِينٍ لقيط بن عامرٍ العقيليِّ أنَّه قال: يا رسول الله أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السَّموات والأرض؟ قال: «(٢) في عَمَاءٍ ما فوقه هواءٌ، ثمَّ خلق عرشه على الماء» ورواه عن يزيد بن هارون عن حمَّاد بن سلمة به ولفظه: «أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟» وباقيه سواءٌ، وأخرجه التِّرمذيُّ عن أحمد بن منيعٍ، وابن ماجه عن أبي بكر ابن أبي شيبة ومحمَّد بن الصَّبَّاح، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون. وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ. وفي كتاب «صفة العرش» للحافظ محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة: عن بعض السَّلف: أنَّ العرش مخلوقٌ من ياقوتةٍ حمراء، بُعدُ ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنةٍ، واتِّساعه خمسون ألف سنةٍ، وبُعدُ ما بين العرش إلى الأرض السَّابعة مسيرة خمسين ألف سنةٍ، وقد ذهب طائفةٌ من أهل الكلام إلى أنَّ العرش فَلَكٌ مستديرٌ من جميع جوانبه، محيطٌ بالعالم من كلِّ جهةٍ، وربَّما سمَّوه الفلك التَّاسع والفلك الأطلس. قال ابن كثيرٍ: وهذا ليس بجيِّدٍ، لأنَّه قد ثبت في الشَّرع: «أنَّ له قوائم تحمله الملائكة» والفلك لا يكون له قوائم ولا يُحمَل، وأيضًا فإنَّ العرش في اللُّغة: عبارةٌ عن السَّرير الَّذي للمَلِك، وليس هو فلك، والقرآن إنَّما نزل بلغة العرب، فهو سريرٌ ذو قوائم، تحمله الملائكة، وكالقبَّة على العالم، وهو سقف المخلوقات. انتهى. وأشار بقوله: «وكان عرشه على الماء» إلى أنَّهما كانا مبدأ (٣) العالم، لكونهما خُلِقا قبل كلِّ شيءٍ. وفي حديث أبي رَزينٍ العقيليِّ مرفوعًا عند الإمام أحمد وصحَّحه التِّرمذيُّ: «إنَّ الماء خُلِق قبل العرش» وعن ابن عبَّاسٍ: «كان الماء على متن الرِّيح». وعند الإمام أحمد وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم وصحَّحه من حديث أبي هريرة: «قلت:

стр. 6349

يا رسول الله إنِّي إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني، أنبئني عن (١) كلِّ شيءٍ. قال: كلُّ شيءٍ خُلِق من الماء» وهذا يدلُّ على أنَّ الماء أصلٌ لجميع المخلوقات ومادَّتها، وأنَّ جميع المخلوقات خُلِقت منه. وروى ابن جريرٍ وغيره عن ابن عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ الله كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلمَّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسُمِّي سماءً (٢)، ثمَّ أَيْبَسَ الماء فجعله أرضًا واحدةً، ثمَّ فتقها فجعلها سبع أرضين، ثمَّ استوى إلى السَّماء وهي دخانٌ، فكان ذلك الدُّخان من نَفَس الماء حين تنفَّس، ثمَّ جعلها سماءً واحدةً، ثمَّ فتقها فجعلها سبع سمواتٍ» وقال الله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء﴾ [النور: ٤٥] وقول من قال: «إنَّ المرادَ بالماء النُّطفة الَّتي يُخلَق منها الحيوانات» بعيدٌ لوجهين. أحدهما: أنَّ النُّطفة لا تُسمَّى ماءً مطلقًا بل مُقيَّدًا كقوله: ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]. والثَّاني: أنَّ (٣) من الحيوانات ما يتولَّد من غير نطفةٍ، كدود الخلِّ والفاكهة، فليس كلُّ حيوانٍ مخلوقًا من نطفةٍ، فدلَّ القرآن على أنَّ كلَّ ما يدبُّ وكلَّ ما فيه حياةٌ من الماء، ولا ينافي هذا قوله: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وقوله ﵊: «خُلِقت الملائكة من نورٍ» فقد دلَّ ما سبق: أنَّ أصل النُّور والنَّار الماء، ولا يُستنكَر خلق النَّار من الماء، فإنَّ الله تعالى جَمَعَ بقدرته بين الماء والنَّار في الشَّجر الأخضر، وذكر الطَّبائعيُّون: أنَّ الماء بانحداره يصير بخارًا، والبخار ينقلب هواءً، والهواء ينقلب نارًا (وَكَتَبَ) أي: قدَّر (فِي) محلِّ (الذِّكْرِ) وهو اللَّوح المحفوظ (كُلَّ شَيْءٍ) من الكائنات (وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَنَادَى مُنَادٍ) لم يُسَمَّ: (ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الحُصَيْنِ، فَانْطَلَقْتُ) خلفها (فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ) رفعٌ على الفاعليَّة، وهو بالمُهمَلة، الَّذي تراه نصف النَّهار كأنَّه ماءٌ، والمعنى: فإذا هي يحول بيني وبين رؤيتها السَّراب (فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى (أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا) ولم

стр. 6350

أقم، لأنَّه قام قبل أن يكمل رسول الله ﷺ حديثه، فتأسَّف على ما فاته من ذلك. ٣١٩٢ - (وَرَوَى) ولابن عساكر: «ورواه» (عِيسَى) هو ابن موسى البخاريُّ -بالموحَّدة والخاء المُعجَمة- التَّيميُّ المُلقَّب بغُنْجارٍ -بغينٍ مُعجَمةٍ مضمومةٍ فنونٍ ساكنةٍ فجيمٍ وبعد الألف راءٌ- لاحمرار خدَّيه، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو ستٍّ وثمانين ومئةٍ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الموضع (عَنْ رَقَبَةَ) بفتح الرَّاء والقاف والمُوحَّدة، ابن مصقلة -بالصَّاد المُهمَلة والقاف- العبديِّ الكوفيِّ، كذا للأكثر، وسقط منه رجلٌ بين عيسى ورقبة، وهو أبو حمزة محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريُّ كما جزم به أبو مسعودٍ، وقال الطَّرقيُّ (١): سقط أبو حمزة من كتاب الفَِرَبْريّ، وثبت في رواية حمَّاد بن شاكرٍ، ولا يُعرَف لعيسى عن رقبة نفسه شيءٌ، وقد وصله الطَّبرانيُّ من طريق عيسى أيضًا (٢) عن أبي حمزة عن رقبة (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ (٣) بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ يَقُولُ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا) يعني: على المنبر (فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ) قال الطِّيبيُّ: «حتَّى» غاية «أخبرنا» أي: أخبرنا مبتدئًا من بدء الخلق حتَّى انتهى إلى دخول أهل الجنَّةِ الجنَّة (٤)، ووضع الماضي موضع المضارع للتَّحقيق (٥) المستفاد من قول الصَّادق الأمين، ودلَّ ذلك على أنَّه أخبر بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتُدئِت إلى

стр. 6351

أن تفنى إلى أن تُبعَث، وهذا من خوارق العادات، ففيه: تيسير القول الكثير في الزَّمن القليل. وفي حديث أبي زيدٍ الأنصاريِّ عند أحمد ومسلمٍ قال: «صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصُّبح وصعد المنبر، فخطبنا حتَّى (١) حضرت الظُّهر، ثمَّ نزل فصلَّى بنا الظُّهر، ثمَّ صعد المنبر فخطبنا، ثمَّ العصر كذلك حتَّى غابت الشَّمس، فحدَّثنا بما كان وما هو كائنٌ» فبيَّن (٢) في هذا المقام المذكور زمانًا ومكانًا في حديث عمر ﵁، وأنَّه كان على المنبر من أوَّل النَّهار إلى أن غابت الشَّمس. (حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ (٣)، وَنَسِيَهُ) ولأبي ذرٍّ: «أو نسيه» (مَنْ نَسِيَهُ). ٣١٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة، واسمُ أبي (٤) شيبة: إبراهيمُ بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي أَحْمَدَ) محمَّد بن عبد الله الزُّبيريِّ الأزديِّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُوْلَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (٥) (¬ ﷺ : أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة: أظنُّه (يَقُولُ (٦) اللهُ (٧)) (٨): (شَتَمَنِي) (٩) بلفظ الماضي، ولابن عساكر: بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ بدل قوله: «أُراه … » إلى آخره: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَشْتِمُنِي» (ابْنُ آدَمَ) بلفظ المضارع المفتوح الأوَّل وكسر التَّاء، والشَّتم: الوصف بما يقتضي النَّقص

стр. 6352

(وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أن يكذِّبني (أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا) لاستلزامه الإمكان المستدعي (١) للحدوث، وذلك غاية النَّقص في حقِّ الباري -تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- (وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي) وهذا قول منكري البعث من عبَّاد الأوثان، وهو موضع التَّرجمة، وهو من الأحاديث الإلهيَّات. ٣١٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ) أي: خلقه كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أو أوجد جنسه. وقال ابن عرفة: قضاء الشَّيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه (كَتَبَ) أي: أَمَرَ القلم أن يكتب (فِي كِتَابِهِ، فَهْو عِنْدَهُ) أي: فَعِلْمُ ذلك عنده (فَوْقَ العَرْشِ) مكنونًا عن سائر الخلائق (٣)، مرفوعًا عن حيِّز الإدراك، ولا تعلُّق لهذا بما يقع في النُّفوس من تصوُّر المكانيَّة -تعالى الله عن صفات المُحدَثات- فإنَّه المباين عن جميع خلقه، المتسلِّط على كلِّ شيءٍ بقهره وقدرته: (إِنَّ رَحْمَتِي) -بكسر الهمزة- حكايةً لمضمون الكتاب (٤)، وتُفتَح (٥) بدلًا من «كتب» (غَلَبَتْ) وفي رواية شُعَيبٍ عن أبي الزِّناد في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٢]: «سبقت» (٦)

стр. 6353

(غَضَبِي) والمراد من الغضب لازمُه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأنَّ السَّبق والغلبة باعتبار التَّعلُّق، أي: تعلُّق الرَّحمة غالبٌ سابقٌ على تعلُّق الغضب، لأنَّ الرَّحمة مقتضى ذاته المُقدَّسة، وأمَّا الغضب فإنَّه متوقِّفٌ على سابقة عملٍ من العبد الحادث. وقال التُّورِبشتيُّ: وفي سبق الرَّحمة بيانُ أنَّ قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وإنَّما (١) تنالهم من غير استحقاق، وأنَّ الغضب لا ينالهم إلَّا باستحقاقٍ (٢)، ألا ترى أنَّ الرَّحمة تشمل الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا من غير (٣) أن يصدر منه شيءٌ من الطَّاعة (٤)، ولا يلحقه الغضب إلَّا بعد أن يصدر عنه من المخالفات ما يستحقُّ ذلك. وقال في «المصابيح»: الغضب إرادة العقاب، والرَّحمة إرادة الثَّواب، والصِّفات لا تُوصَف بالغلبة، ولا يسبق بعضها بعضًا، لكن جاء هذا على الاستعارة، ولا يمتنع أن تُجعَل الرَّحمة والغضب من صفات الفعل لا الذَّات، فالرَّحمة هي الثَّواب والإحسان، والغضب هو الانتقام (٥) والعقاب، فتكون الغلبة على بابها، أي: إنَّ رحمتي أكثر من غضبي، فتأمَّله. وقال الطِّيبيُّ: وهو على (٦) وزان قوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: أوجب وعدًا أن يرحمهم قطعًا، بخلاف ما يترتَّب عليه مقتضى الغضب (٧) والعقاب، فإنَّ الله تعالى كريمٌ يتجاوز (٨) بفضله، وأنشد (٩): وإنِّي إذا أوعدْتُه أو وعدْتُهُ … لَمُخلِفُ إيعادي ومنجِزُ مَوعدي (١٠) وفي هذا الحديث: تقدُّم خلق العرش على القلم الَّذي كتب المقادير، وهو مذهب الجمهور،

стр. 6354

ويؤيِّده قول أهل اليمن في الحديث السَّابق لرسول الله ﷺ [خ¦٣١٩١]: «جئنا نسألك عن هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء» وقد روى الطَّبرانيُّ في صفة اللَّوح من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا (١): «إنَّ الله خلق لوحًا محفوظًا من دُرَّةٍ بيضاء، صفحاتها من ياقوتةٍ حمراء (٢)، قلمه نورٌ، وكتابته نورٌ، لله في كلِّ يومٍ ستُّون وثلاث مئة لحظةٍ، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعزُّ ويذلُّ، ويفعل ما يشاء (٣)» وعند ابن إسحاق عن ابن عبَّاسٍ أيضًا قال: «في صدر اللَّوح المحفوظ لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمَّدٌ عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدَّق بوعده واتَّبع رسله أدخله الجنَّة» قال: «واللَّوح لوحٌ من درَّةٍ بيضاء، طوله ما بين السَّماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافَّتاه الدُّرُّ والياقوت، ودفَّتاه ياقوتةٌ حمراء، وقلمه نورٌ، وأعلاه (٤) معقودٌ بالعرش، وأصله في حَجْر مَلَكٍ». وقال أنس بن مالكٍ وغيره من السَّلف: اللَّوح المحفوظ في جبهة إسرافيل. وقال مقاتلٌ: هو عن يمين العرش. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ (٥) في «النُّعوت». (٢) (باب مَا جَاءَ فِي) وصف (سَبْعِ أَرَضِينَ) بفتح الرَّاء (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على

стр. 6355

السَّابق، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «سبحانه» بدل قوله «تعالى»: (﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾) (١) في العدد، وفيه دلالةٌ على أنَّ بعضها فوق بعضٍ كالسَّموات، وعن بعض المتكلِّمين: أنَّ المثليَّة في العدد خاصَّة، وأنَّ السَّبع متجاورةٌ. وقال ابن كثيرٍ: ومن حمل ذلك على سبع أقاليم فقد أبعد النُّجعة وخالف القرآن، واختُلِف هل أهل هذه الأرضين يشاهدون السَّماء ويستمدُّون الضَّوء منها؟ فقيل: يشاهدونها من كلِّ جانبٍ من أرضهم ويستمدُّون الضَّوء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطةً، وقيل: لا، وإنَّما خلق الله تعالى لهم ضياءً يشاهدونه، وهذا قول من جعل الأرض كرةً (﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾) بالوحي من السَّماء السَّابعة إلى الأرض السُّفلى (﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]) علَّةٌ لـ ﴿خَلَقَ﴾ أو لـ ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ وهو يدلُّ على كمال قدرته وعلمه. وقال ابن جريرٍ: حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ ومحمَّد بن مُثنَّى قالا: حدَّثنا محمَّد بن جعفرٍ: حدَّثنا شعبة عن عمرو (٢) ابن (٣) مرَّة عن أبي الضُّحى عن ابن عبَّاسٍ في هذه الآية قال: «في كلِّ أرضٍ مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق» هكذا أخرجه مختصرًا وإسناده صحيحٌ. وأخرجه الحاكم والبيهقيُّ من طريق عطاء بن السَّائب عن أبي الضُّحى مُطوَّلًا، وأوَّله: «أي: سبع أرضين، في كلِّ أرضٍ آدم كآدمكم، ونوحٌ كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى (٤) ونبيٌّ كنبيِّكم» قال البيهقيُّ: إسناده صحيحٌ إلَّا أنَّه شاذٌّ بمرَّة، لا أعلم لأبي الضُّحى عليه متابعًا. انتهى. ففيه: أنَّه لا يلزم من صحَّة الإسناد صحَّة المتن كما هو معروفٌ عند أهل هذا الشَّأن، فقد يصحُّ الإسناد ويكون في المتن شذوذٌ أو علَّةٌ تقدح في صحَّته، ومثل هذا لا يثبت بالحديث الضَّعيف، وقال في «البداية»: وهذا محمولٌ إن صحَّ نقله على أنَّ ابن عبَّاسٍ ﵄ أخذه عن (٥) الإسرائيليَّات. انتهى. وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون المعنى: ثمَّ من يُقتدَى به مُسمًّى بهذه الأسماء، وهم رسل الرُّسل الَّذين يبلِّغون الجنَّ عن أنبياء الله، ويُسمَّى (٦) كلٌّ منهم باسم النَّبيِّ

стр. 6356

الَّذي يبلِّغ عنه. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا شُرَيحٌ: حدَّثنا الحكم (١) بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ مرَّت سحابةٌ فقال: «أتدرون ما هذه؟» قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «العنان وروايا الأرض … » الحديثَ. وفيه: ثمَّ قال: «أتدرون ما هذه تحتَكُم؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «أرضٌ، أتدرون ما تحتها؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أرضٌ أخرى» قال (٢): «أتدرون كم بينهما؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «مسيرة خمس مئة عامٍ، حتَّى عدَّ سبع أرضين» ورواه التِّرمذيُّ عن عبد بن حُمَيدٍ، وغير واحدٍ عن يونس بن محمَّدٍ المؤدِّب، عن شيبان بن عبد الرَّحمن، عن قتادة، قال: حدَّث (٣) الحسن عن أبي هريرة وذكره إلَّا أنَّه ذكر: «أنَّ بُعد ما بين كلِّ أرضٍ خمس مئة عامٍ» ثمَّ قال: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه. ويُروَى عن أيُّوب ويونس بن عُبَيدٍ وعليِّ بن زيدٍ أنَّهم قالوا: لم يسمع الحسن من (٤) أبي هريرة، ورواه ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» من حديث أبي جعفرٍ الرَّازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة، فذكر مثل لفظ التِّرمذيِّ. ورواه ابن جريرٍ في «تفسيره» عن بشر (٥) بن (٦) يزيد (٧) عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة مُرسَلًا، ولعلَّه

стр. 6357

أشبه. ورواه البزَّار والبيهقيُّ من حديث أبي ذرٍّ الغفاريِّ عن النَّبيِّ ﷺ بنحوه. قال في «البداية»: ولا يصحُّ إسناده. انتهى. وحكى صاحب «مناهج الفكر» عن أصحاب الآثار ممَّا نقله (١) عن أهل الكتاب: أنَّ الله تعالى لمَّا أراد أن يخلق المكانين (٢) خلق جوهرةً ذكروا من طولها وعرضها ما لا تعجز القدرة عن إيجاده، ولا يسع الموحِّد إلَّا التَّمسُّك بعُرى اعتقاده، ثمَّ نظر إليها نظر هيبةٍ فانماعت، وعلا عليها من شدَّة الخوف زبدٌ ودخانٌ، فخلق من الزَّبد الأرض، ومن الدُّخان السَّماء، ثمَّ فتقها سبعًا بعد أن كانت رتقًا، وفسَّروا بهذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] واختلف أهل الآثار والقدماء في اللَّون المرئيِّ (٣) للسَّماء، هل (٤) هو أصليٌّ أو عرضيٌّ (٥)؟ فذهب الآثاريُّون إلى أنَّه أصليٌّ لحديث: «ما أظلَّت الخضراء ولا (٦) أقلَّت الغبراء» وزعم رواة الأخبار: أنَّ الأرض على ماءٍ، والماء على صخرةٍ، والصَّخرة على سنام ثورٍ، والثَّور على كمكمٍ، والكمكم على ظهر حوتٍ، والحوت على الرِّيح، والرِّيح على حجاب ظلمةٍ، والظُّلمة على الثَّرى، وإلى الثَّرى انتهى علم الخلائق. وحكى ابن عبد البرِّ في «كتاب القصد والأَمم إلى معرفة أنساب (٧) الأُمَم»: أنَّ مقدار المعمور من الأرض مئةٌ وعشرون سنةً؛ تسعون ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسُّودان، وثمانيةٌ للرُّوم، وثلاثةٌ للعرب، وسبعةٌ لسائر الأمم. انتهى.

стр. 6358

وقد خلق الله الأرض قبل السَّماء كما قال (١) تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ (٢) أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]. ثمَّ قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ أي: تتمَّة أربعة أيَّامٍ؛ كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرٍ (٣)، وإلى الكوفة في خمس عشرة ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ أي: قصد نحوها ﴿وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٠ - ١٢] وأمَّا قوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فأُجيب عنه بأنَّ الدَّحيَ غير الخلق، وهذا بَعْدَ خلق السَّماء. وبقيَّة مباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير حم السَّجدة» بعون الله وقوَّته [خ¦٤٧٧٩]. وعند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التُّربة يوم السَّبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشَّجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثُّلاثاء، وخلق النُّور يوم الأربعاء، وبثَّ الدَّوابَّ فيها يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى اللَّيل» وهكذا رواه مسلمٌ، لكن اختُلِف فيه على ابن جريجٍ، وقد تُكلِّم فيه؛ فقال البخاريُّ في «تاريخه»: وقال

стр. 6359

بعضهم عن كعب الأحبار: وهو أصحُّ، يعني: أنَّه (١) ممَّا سمعه أبو هريرة وتلقَّاه عن كعبٍ، فوهم بعض الرُّواة فجعله مرفوعًا. وفي متنه غرابةٌ شديدةٌ؛ فمن ذلك أنَّه ليس فيه ذكر خلق (٢) السَّموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيَّامٍ، وهذا خلاف القرآن؛ لأنَّ الأرض خُلِقت في أربعة أيَّامٍ، ثمَّ خُلِقت السَّموات في يومين، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: «﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾»: «الآيةَ» فحذف بقيَّتها. (﴿وَالسَّقْفِ﴾) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق بواو القَسَم (٣)؛ وهو قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ (﴿الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥]) صفة ﴿وَالسَّقْفِ﴾ هو (السَّمَاءُ) وهذا تفسير (٤) مجاهدٍ؛ كما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ وابن أبي حاتمٍ وغيرهما من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنهما، واختاره ابن جريرٍ، واستدلَّ (٥) سفيان بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقال الرَّبيع بن أنسٍ: هو العرش؛ يعني: أنَّه سقفٌ لجميع المخلوقات. (﴿سَمْكَهَا﴾) بفتح السِّين المهملة وسكون الميم، أراد به قوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات: ٢٨] أي: (بِنَاءَهَا) بالمدِّ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ كما أخرجه ابن أبي حاتمٍ، وزاد في رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «كان فيها حيوانٌ». (﴿الْحُبُكِ﴾) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «والحُبُكُ» يريد: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧] أي: (اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) قاله ابن عبَّاسٍ (٦) كما أخرجه ابن أبي حاتمٍ. وقال الحسن: حُبِكت بالنُّجوم، وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا -كما نقله ابن (٧) كثيرٍ-: من حسنها أنَّها مرتفعةٌ شفَّافةٌ صفيقةٌ، شديدة البناء، متَّسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مُكلَّلةٌ بالنُّجوم الثَّوابت والسَّيَّارات، مُوشَّحةٌ بالشَّمس والقمر والكواكب الزَّاهرات.

стр. 6360

وعند الطَّبريِّ (١): عن عبد الله بن عمرٍو: أنَّ المراد بالسَّماء هنا: السَّابعة. (﴿وَأَذِنَتْ﴾) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ … ﴾ [الانشقاق: ١ - ٢]. قال ابن عبَّاسٍ من طريق الضَّحَّاك: أي: (سَمِعَتْ وَ) من طريق سعيد بن جُبيرٍ عنه: (أَطَاعَتْ) رواهما ابن أبي حاتمٍ (﴿وَأَلْقَتْ﴾ [الانشقاق: ٤]) أي: (أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ المَوْتَى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ عَنْهُمْ) قاله مجاهدٌ وغيره (﴿طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦]) قال مجاهدٌ فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ: (دَحَاهَا) أي: بسطها (السَّاهِرَةُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]» قال عكرمة فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ: (وَجْهُ الأَرْضِ) وقال مجاهدٌ: كانوا بأسفلها فأُخرِجوا إلى أعلاها. وقال ابن عبَّاسٍ: الأرض كلُّها (كَانَ فِيهَا الحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ) وقيل: المراد: أرض القيامة، وعن سهلٍ بن سعد السَّاعديِّ: أرضٌ بيضاء عفراء. وقال الرَّبيع بن أنسٍ: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ (٢)﴾ [إبراهيم: ٤٨]. فهي لا تُعَدُّ من هذه الأرض، وهي أرضٌ لم يُعمَل عليها خطيئةٌ، ولم يُهرَق عليها دمٌ. ٣١٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، اسم أمِّ (٣) إسماعيل بن إبراهيم (عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ) الهُنَائيِّ -بضمِّ الهاء وتخفيف النُّون ممدودًا- أنَّه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، الطَّائيُّ مولاهم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ) بن خالدٍ التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، واسمه: عبد الله أو إسماعيل (وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ) بهمزةٍ مضمومةٍ، ولابن عساكر: «وبين ناسٍ» بحذفها، ولم يقف الحافظ ابن

стр. 6361

حجرٍ على أسمائهم، لكن في «مسلمٍ»: «وكان بينه وبين قومه» (خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ) بلامٍ قبل الكاف، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بإسقاطها (فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ) فلا تغصب منها شيئًا (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ) بكسر القاف، أي: قدر شبرٍ، أي: من الأرض (طُوِّقَهُ) بضمِّ الطَّاء المهملة وكسر الواو المُشدَّدة وبالقاف (مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) بفتح الرَّاء، أي: يوم القيامة، ففيه: التَّنصيص على أنَّ الأرضين سبعٌ، وهو المراد بالتَّرجمة. وهذا الحديث قد سبق في «باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض» من «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٥٣]. ٣١٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المُعجَمة، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) صاحب المغازي (عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا) قلَّ أو كَثُرَ (مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ) أي: بالآخذ غصبًا تلك (١) الأرض المغصوبة (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ) فتصير له كالطَّوق (٢) في عنقه بعد أن يطوِّله الله تعالى، أو أنَّ هذه الصِّفات تتنوَّع لصاحب هذه الجناية على حسب قوَّة هذه المفسدة وضعفها، فيُعذَّب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا. ٣١٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال:

стр. 6362

(حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن (١) الحارث الثَّقفيِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الزَّمَانُ) قال التُّوربشتيُّ: اسمٌ لقليل الوقت وكثيره، وأراد به ههنا السَّنة (قَدِ اسْتَدَارَهُ) أي: الله، ولأبي الوقت: «استدار» بحذف الضَّمير، يعني: عاد إلى زمنه المخصوص (كَهَيْئَتِهِ) الهيئة: صورة الشَّيء وشكله وحالته، والكاف صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: استدار استدارةً مثل حالته، والَّذي في «اليونينيَّة»: «قال (٢): الزَّمان قد استدار كهيئته» (يَوْمَ خَلَقَ) الله (السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ: «كهيئة» بحذف الضَّمير «يوم خَلَقَ اللهُ» بذكر الفاعل -لا إله إلا هو- ولابن عساكر: «والأرضين» بالجمع (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) جملةٌ مُستأنَفةٌ مبيِّنةٌ للجملة الأولى، وأراد: أنَّ الزَّمان في انقسامه إلى الأعوام والأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الَّذي ابتدأ منه، وذلك أنَّ العرب كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، حتَّى رفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مُجرَّد العدد، وهو النَّسيء المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ أي: تأخير حرمة الشَّهر إلى آخَرَ ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. لأنَّه تحريم ما أحلَّ الله وتحليل ما حرَّمه، فهو كفرٌ آخَرُ ضمُّوه إلى كفرهم. قيل: أوَّل من أحدث ذلك جنادة بن عوفٍ الكنانيُّ، كان يقوم على جملٍ (٣) في الموسم (٤) فينادي: إنَّ آلهتكم قد أحلَّت لكم المُحرَّم فأحِلُّوه، ثمَّ ينادي في القابل: إنَّ آلهتكم قد حرَّمت عليكم المحرَّم (٥) فحرِّموه، يفعل ذلك كلَّ سنةٍ بعد سنةٍ، فينتقل المُحرَّم من شهرٍ إلى شهرٍ حتَّى جعلوه في جميع شهور السَّنة، فلمَّا كانت تلك السَّنة عاد إلى زمنه المخصوص به قبل، ودارت السَّنة كهيئتها (٦) الأولى، فاقتضى الدَّور أن يكون الحجُّ في

стр. 6363

ذي الحجَّة كما شرعه الله تعالى، وقول الزَّمخشريِّ: وقد وافقت حجَّة الوداع ذا الحجَّة، وكانت حجَّة أبي بكرٍ قبلها في ذي القعدة قاله مجاهدٌ (١) وفيه نظرٌ؛ إذ كيف تصحُّ حجَّة (٢) أبي بكرٍ وقد وقعت في ذي القعدة، وأنَّى (٣) هذا وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ … ﴾ الاية [التوبة: ٣]، وإنَّما نُودِي (٤) بذلك في حجَّة أبي بكرٍ، فلو لم تكن في ذي الحجَّة لَمَا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾، قاله ابن كثيرٍ. ونقل الحافظ ابن حجرٍ: أنَّ يوسف بن عبد الملك زعم في كتابه «تفضيل الأزمنة»: أنَّ هذه المقالة صدرت من النَّبيِّ ﷺ في شهر مارس (٥)، وهو «آدار بالرُّوميَّة» (٦)، وهو «برمهات» (٧) بالقبطيَّة. (مِنْهَا) أي: من السَّنة (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ) ولابن عساكر: «ثلاثٌ» بحذف التَّاء، لأنَّ الشَّهر الَّذي هو واحدُ الأشهرِ بمعنى اللَّيالي، فاعتُبِر لذلك تأنيثه (٨) (مُتَوَالِيَاتٌ) هي (ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) عطفٌ على ثلاثٍ، لا على «والمُحرَّم» وأضافه إلى «مضرٍ» لأنَّها كانت تحافظ على تحريمه أشدَّ من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحلُّه أحدٌ من العرب (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) ذكره تأكيدًا وإزاحة للرَّيب الحادث فيه من النَّسيء، وقيل: الأشبه أنَّه تأسيسٌ، وذلك أنَّهم -كما مرَّ- كانوا يؤخِّرون الشَّهر من موضعه إلى شهرٍ آخر، فينتقل عن وقته الحقيقيِّ، فقال ﷺ : «رجبُ مُضَرَ الَّذي بين جُمَادَى وشعبان، لا رجب الَّذي هو عندكم وقد أنسأتموه» قيل: والحكمة في جعل المُحرَّم أوَّل السنَّة: ليحصل

стр. 6364

الابتداء بشهرٍ حرامٍ، ويُختَم (١) بشهرٍ حرامٍ، ويتوسَّط (٢) بشهرٍ حرامٍ -وهو رجب- وأمَّا توالي شهرين (٣) في الآخر، فلإرادة تعضيد (٤) الختام، والأعمال بخواتيمها. وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة فقال العينيُّ: تتأتَّى بالتَّعسُّف، لأنَّ الأحاديث المذكورة فيها التَّصريح بسبع أرضين، وهنا المذكور لفظ الأرض فقط، ولكنَّ المراد منه سبع أرضين أيضًا. انتهى (٥). ولا تعسُّف فقد سبق في هذا الحديث هنا أنَّ رواية ابن عساكر: «والأرضين» بالجمع، قال الحافظ ابن كثيرٍ: ومراد البخاريِّ بذكر هذا الحديث هنا: تقرير معنى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد، كما أنَّ عدَّة الشُّهور الآن اثنا عشر شهرًا؛ مطابقةً لعدَّة الشُّهور عند الله في كتابه الأوَّل، فهذه مطابقةٌ في الزَّمان، كما أنَّ تلك مطابقةٌ في المكان. فائدة: السَّنة مشتملةٌ على ثلاث مئةٍ وأربعةٍ وخَمْسين يومًا وخمس يومٍ (٦) وسدس يوم، كذا (٧) ذكره صاحب «المُهذَّب» من الشَّافعيَّة في «الطَّلاق» قالوا: لأنَّ شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسعٌ وعشرون، إلَّا ذا الحجَّة فإنَّه تسعٌ وعشرون يومًا وخُمُس يومٍ وسُدُس يومٍ (٨)، واستشكله

стр. 6365

بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخُمُس والسُّدُس؟! وصحَّح بعضهم: أنَّ السَّنَة الهلاليَّة ثلاثُ مئةٍ وخمسةٌ وخمسون يومًا، وبه جزم ابن دحية في «كتاب التَّنوير» وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر الَّتي ذكرها الله تعالى في كتابه، وسُمِّي العام عامًا؛ لأنَّ الشَّمس عامت فيه حتَّى قطعت جملة الفلك؛ لأنَّها تقطع الفلك (١) كلَّه في السَّنة مرَّةً، وتقطع في كلِّ شهرٍ برجًا من البروج الاثني عشر. قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام: بأنَّ العام من أوَّل المُحرَّم إلى آخر ذي الحجَّة، والسَّنة من كلِّ يومٍ إلى مثله من (٢) القابلة. نقله ابن الخبَّاز في «شرح اللُّمع» له. وهذا الحديث يأتي بأتمَّ من هذا في «حجَّة الوداع» آخر «المغازي» [خ¦٤٤٠٦] إن شاء الله تعالى وبالله المستعان. ٣١٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، واسمه في الأصل عبد الله الهبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بضمِّ النُّون وفتح الفاء، العدويِّ، أحد العشرة المُبشَّرة ﵃ (أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الواو مقصورًا (٣)، بنت أبي أوسٍ (٤) -بالسِّين المُهمَلة- (فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا) وكان أرضًا (إِلَى مَرْوَانَ) بن الحكم، وكان يومئذٍ متولِّي المدينة (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا

стр. 6366

أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا؟! أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المُشدَّدة مبنيًّا للمفعول، أي: يصير كالطَّوق في عنقه (يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) فيعظم قدر عنقه حتَّى يسع ذلك، كما جاء في غِلَظ جلد الكافر وعِظَم ضرسه، وقد ترك سعيدٌ الحقَّ لأروى ودعا عليها، فقال: اللَّهمَّ إن كانت كاذبةً فأعمِ بصرها، واجعل قبرها في دارها، فتقبَّل الله دعوته فعَمِيت، ومرَّت على بئرٍ في الدَّار فوقعت فيها فكانت قبرها (قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن بن عبد الله: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (قَالَ: قَالَ لِي (١) سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي هذا التَّعليق بيانُ لقاء عروة سعيدًا، والتَّصريح بسماعه منه الحديث المذكور، ففي هذه الأحاديث إثبات سبع أرضين، والمراد: أنَّ كلَّ واحدةٍ فوق الأخرى، وفي حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: «إنَّ بين كلِّ أرضٍ والَّتي تليها خمس مئة عامٍ». (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي) ما جاء في (النُّجُومِ). (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ: (﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا (٢) زِينَةً لِلسَّمَاءِ) تضيء باللَّيل إضاءة السُّرُج (وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) الضَّمير في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ يعود على جنس المصابيح لا على عينها، لأنَّه لا يرمي بالكواكب الَّتي في السَّماء بل بشهبٍ (٣) من دونها، وقد تكون مُستمدَّةً منها (وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا) كما قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] (فَمَنْ تَأَوَّلَ (٤) بِغَيْرِ ذَلِكَ) وللحَمُّويي

стр. 6367

والمُستملي: «فمن تأوَّل فيها بغير ذلك» أي: مَنْ عَلِم أحكامَ ما تدلُّ عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها، وأنَّ ذلك يدلُّ على حوادث أرضيَّةٍ فقد (أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ) لأنَّ أكثر ذلك حدسٌ وظنونٌ كاذبةٌ ودعاوى باطلةٌ، قال بعضهم: والكواكب الثَّوابت كثيرةٌ لا تدخل تحت الإحصاء، ولا يمكن الوقوف على كمِّيَّتها بالاستقصاء، فلذا اقتصر القدماء منها على ألف كوكبٍ واثنين وعشرين كوكبًا، عرفوا أمكنتها بالرَّصد، فصرفوها في شوؤن نفوسهم وأعراضها، وحسموا بالعلم بها أمرًا منها، جمعوا ما تشتَّت منها في صورٍ تخيَّلوها فيها، وقطعوا عليها أسماءً اصطلحوا عليها؛ ليقف الباحث عنها على حقيقتها عند النَّظر إليها، وهي ثمانيةٌ وأربعون صورةً، منها: في النِّصف الشَّماليِّ من الكرة إحدى وعشرون صورةً، ومنها: في وسطها اثنتا عشرة صورةً، وهي البروج، وعليها ممرُّ الشَّمس والقمر والكواكب السَّريعة السَّير، ومنها: في النِّصف الجنوبيِّ خمس عشرة صورةً، وهذه الصُّور تنتظم من مئةٍ وسبعة عشر كوكبًا، وما بقي من الكواكب المعدودة المرصودة -وهي مئةٌ وثمانية عشر كوكبًا- فإنَّها لم تنتظم مع شيءٍ من الصُّور، فأضافوا إلى كلِّ صورةٍ ما كان قريبًا منها وسمَّوه خارج الصُّورة، وذكروا أنَّ منها ما هو في النَّظم مثل الأرض مئة مرَّةٍ وسبع مرَّاتٍ … إلى غير ذلك ممَّا يمكن في القدرة، لكن لم يَرِدْ به نصٌّ عن الشَّارع فيما علمناه، ولأبي العلاء المعرِّي: والنَّجم تستصْغِرُ الأبصارُ رؤيتَه … والذَّنبْ للطَّرف لا للنَّجْم في الصِّغَرِ (١) وقد جرى المؤلِّف على عادته في ذكر (٢) تفسير آياتٍ استطرادًا للفائدة، فقال: (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَشِيمًا﴾ [الكهف: ٤٥]) أي: (مُتَغَيِّرًا) كما ذكره إسماعيل بن أبي زيادٍ في «تفسيره»، وقال أبو عبيدة: ﴿هَشِيمًا﴾ أي: يابسًا متفتِّتًا (وَالأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ) أي: ولا يأكله النَّاس (وَالأَنَامُ: الخَلْقُ) أخرجه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي

стр. 6368

طلحة عن ابن عبَّاسٍ وسقطت الواو من «والأنام» لغير أبي ذرٍّ (﴿بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (حَاجِبٌ) بالمُوحَّدة في آخره، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «حاجزٌ» بالزَّاي بدل المُوحَّدة (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبر (١)، فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ في قوله تعالى: (﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٦]) أي: (مُلْتَفَّةً) أي: بعضها على بعضٍ (وَالغُلْبُ: المُلْتَفَّةُ) يريد: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] قاله مجاهدٌ أيضًا (﴿فِرَاشاً﴾) في قوله تعالى: ﴿الَّذِي (٢) جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [البقرة: ٢٢] كما قال قتادة فيما وصله الطَّبريُّ: (مِهَادًا، كَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]) أي: موضع قرارٍ، أو هو بمعنى: المهاد. (﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]) من قوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ (٣) لَا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾ قال السُّدِّيُّ فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ: (قَلِيلًا).

стр. 6369

(٤) (باب) تفسير (صِفَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في تفسيره من طريق ابن أبي نجيحٍ عنه: (كَحُسْبَانِ الرَّحَى) أي: يجريان على حسب الحركة الرَّحويَّة ووضعها (وَقَالَ غَيْرُهُ): ممَّا (١) وصله عبد بن حُمَيدٍ من طريق أبي (٢) مالك الغفاري: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾: (بِحِسَابٍ (٣) وَمَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا) أي: لا يجاوزان (٤) المنازل (حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ الحِسَابِ) بالتَّعريف لأبوي ذرٍّ والوقت (مِثْلُ: شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ) وهذا قول أبي عبيدة في «المجاز» والمعنى: يجريان متعاقِبَين بحسابٍ معلومٍ مُقدَّرٍ في بروجهما ومنازلهما، وتتَّسق بذلك (٥) أمور الكائنات السُّفليَّة، وتختلف الفصول والأوقات، وتُعلَم السُّنون والحساب (﴿ضُحَاهَا﴾) في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] قال مجاهدٌ فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ: (ضَوْؤُهَا) أي: إذا أشرقت. (﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾) يريد: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] قال مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ في تفسيره: (لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا (٦)) أي: لا يصحُّ لهما (ذَلِكَ) وقال عكرمة: لكلٍّ منهما سلطانٌ، فلا ينبغي للشَّمس أن تطلع باللَّيل ولا يستقيم، لوقوع التَّدبير على المُعاقَبة، وما ألطف قول (٧) ابن الجوزيِّ وقد وصف منافع أثر (٨) الشَّمس في العالم، على سبيل التَّذكير (٩) والتَّعريف بصنع الله الحكيم اللَّطيف، حيث قال: تبرز الشَّمس بالنَّهار في حلَّة الشُّعاع لانتفاع البصر، فإذا ذهب النَّهار نشرت رداءها المعصفر، ونزلت عن الأشهب

стр. 6370

فركبت الأصفر، فهي تستتر (١) باللَّيل، لسكون الخلق، وتظهر بالنَّهار لمعايشهم، فتارةً تبعد ليرطب الجوُّ، وينعقد الغيم، ويبرد الهواء ويبرز النَّبات، وتارةً تقرب ليجفَّ الحبُّ، وينضج الثَّمر. وقوله تعالى: (﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] قال مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَانِ) أي: سريعان، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حثيثين» بالنَّصب بالياء، أي (٢): فلا تسبق آيةُ اللَّيل آيةَ النَّهار، وهما النَّيِّران (﴿نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧]) أي: (نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ) قال ابن كثيرٍ: والمعنى في هذا: أنَّه لا فترة بين اللَّيل والنَّهار، بل كلٌّ منهما يعقب الآخر بلا مهلةٍ (٣) ولا تراخٍ، لأنَّهما مُسخَّران دائبين يتطالبان طلبًا حثيثًا، وقال في «الانتصاف»: يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أنَّ النَّهار تابعٌ للَّيل (٤)؛ إذ جعل الشَّمس الَّتي هي آية النَّهار غير مدركةٍ للقمر الَّذي هو آية اللَّيل، فنفى الإدراك الَّذي يمكن أن يقع، وهو يستدعي تقدُّم القمر وتبعيَّة الشَّمس، فإنَّه لا يُقال: أدرك السَّابقُ اللَّاحقَ، لكن يُقال: أدرك اللَّاحقُ السَّابق، فالليل إذًا متبوعٌ والنَّهار تابعٌ. فإن قيل: فالآية مصرِّحةٌ بأنَّ اللَّيل لا يسبق النَّهار. فجوابه: أنَّه مشترك الإلزام؛ إذ الأقسام المحتملة ثلاثةٌ: إمَّا تبعيَّة النَّهار للَّيل (٥) كمذهب الفقهاء، أو عكسه وهو منقولٌ عن طائفةٍ من النُّحاة، أو اجتماعهما (٦) فهذا القسم الثَّالث منفيٌّ بالاتِّفاق، فلم يبقَ إلَّا تبعيَّة النَّهار للَّيل (٧) وعكسه، والسُّؤال واردٌ (٨) عليهما لا سيَّما من قال: إنَّ النَّهار سابقُ اللَّيلِ يلزم من طريق البلاغة أن يقول: ولا اللَّيل يدرك النَّهار، فإنَّ المتأخِّر إذا نُفِي إدراكه كان أبلغ من نفي

стр. 6371

سبقيَّته مع أنَّه ناءٍ عن قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ نأيًا ظاهرًا، فالتَّحقيق: أنَّ المنفيَّ السَّبقيَّةُ الموجبةُ لتراخي النَّهار عن اللَّيل، وتخلُّل زمنٍ (١) آخر بينهما، فيثبت التَّعاقب، وحينئذٍ يكون القول بسبق (٢) اللَّيل مخالفًا لصدر الآية. فإنَّ بين عدم الإدراك الدَّالِّ على التَّأخُّر والتَّبعيَّة وبين السَّبق بونًا بعيدًا، ولوكان تابعًا متأخِّرًا لكان حريًّا أن يُوصَف بعدم الإدراك، ولا يبلغ به عدم السَّبق، فتقدُّم اللَّيل على النَّهار مطابقٌ لصدر الآية صريحًا، ولعجزها بتأويلٍ حسنٍ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي المُستملي: «ينسلخ: يَخرُج» بلفظ المضارع فيهما، و «يخرج» بالتَّحتيَّة المفتوحة وضمِّ الرَّاء (وَنُجْرِي) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من اللَّيل والنَّهار في فلكٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ويَجرِي كلٌّ منهما» بفتح أوَّل «يَجري» وكسر رائه، و «كلٌّ» بالرَّفع مُنوَّنًا (وَاهِيَةٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] قال الفرَّاء: (وَهْيُهَا) بسكون الهاء (تَشَقُّقُهَا) وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى﴾ (﴿أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]) أي: (مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا، فَهْيَ) أي: الملائكة (عَلَى حَافَتَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ: «فهو» أي: المَلَك، ولابن عساكر: «فهم»، جمعٌ باعتبار الجنس، وللكشميهنيِّ: «على (٣) حافتيها» أي: السَّماء، وعن سعيد بن جُبَيرٍ: على حافَّات الدُّنيا (كَقَوْلِكَ: عَلَى أَرْجَاءِ البِئْرِ) والأرجاء (٤): جمع «رجًا» بالقصر، وقوله تعالى: (﴿وَأَغْطَشَ﴾ [النازعات: ٢٩]) ﴿لَيْلَهَا﴾ (وَ) قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ (﴿جَنَّ﴾) ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: (أَظْلَمَ) فيهما، ونُقِل تفسير الأوَّل به عن قتادة فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ، والثَّاني (٥) عن أبي عبيدة. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ (﴿كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] تُكَوَّرُ) بفتح الواو المُشدَّدة (حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْؤُهَا) وأخرج الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ: ﴿كُوِّرَتْ﴾ أي: أظلمت. وعن مجاهدٍ: اضمحلَّت. والتَّكوير في الأصل: الجمعُ، وحينئذٍ

стр. 6372

فالمراد: أنَّها تُلَفَّ ويُرمَى بها فيذهب ضوؤها، قاله ابن كثيرٍ في «تفسيره» (﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]) ولابن عساكر: «يُقال: وسق» أي: (جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ) وزاد قتادة: ونجمٍ، وقال عكرمة: ما ساق من ظلمةٍ (﴿اتَّسَقَ﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٨] أي: (اسْتَوَى) وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاء﴾ (﴿بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]) أي: (مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ) وهي اثنا عشر، وقيل: هي قصورٌ في السَّماء للحرس، وقيل: هي الكواكب العظام. (﴿الْحَرُورُ﴾) ولأبي ذرٍّ: «فالحرور» بالفاء، يريد: قوله تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ (١) [فاطر: ٢١] وفسَّره بأنَّه يكون (بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) قاله أبو عبيدة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الحَرُورُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وقال ابن عبَّاسٍ ورُؤْبَة» -بضمِّ الرَّاء وسكون الهمزة وفتح الموحَّدة- ابن العجَّاج: الحَرُور (بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ) وتفسير رؤبة ذكره أبو عبيدة عنه في «المجاز» (يُقَالُ: يُولِجُ) أي: (يُكَوِّرُ) بالرَّاء، أي: يلفُّ النَّهار في اللَّيل (﴿وَلِيجَةً﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] وفسَّره بقوله: (كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَيْءٍ) هو قول أبي عبيدة، وزاد بعد قوله: «في (٢) شيءٍ»: ليس منه فهو وليجةٌ، والمعنى: لا تتَّخذوا وليًّا ليس من المسلمين. ٣١٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد -من الزِّيادة- ابن شريك بن طارقٍ التَّيميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندَُب بن جنادة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: تَدْرِي) بحذف همزة الاستفهام، والغرض منه: إعلامه بذلك، ولأبي ذرٍّ: «أتدري» (أَيْنَ تَذْهَبُ؟) زاد في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٤]: «هذه» (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى

стр. 6373

تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ) منقادةً لله تعالى انقيادَ السَّاجد من المُكلَّفين، أو تشبيهًا لها بالسَّاجد (١) عند غروبها. قال ابن الجوزيِّ: ربَّما أشكل هذا الحديث على بعض النَّاس من حيث إنَّا نراها تغيب في الأرض، وفي القرآن العظيم: أنَّها تغيب ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأةٍ، أي: طينٍ، فأين هي من العرش؟ والجواب: أنَّ الأَرَضين السَّبع في ضرب المثال كقُطْب رحًى، والعرش لعظم (٢) ذاته بمثابة الرَّحى، فأينما سجدت الشَّمس سجدت تحت العرش، وذلك مستقرُّها. وقال ابن العربيِّ: أنكر قومٌ سجودها، وهو صحيحٌ ممكنٌ لا يحيله العقل، وتأوَّله قومٌ على التَّسخير الدَّائم، ولا مانع أن تخرج عن مجراها (٣) فتسجد، ثمَّ ترجع. انتهى. وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه إن أراد بالخروج الوقوف فواضحٌ، وإلَّا فلا دليل على الخروج. قال ابن كثيرٍ: وقد حكى ابن حزمٍ وابن المناديِّ (٤) وغير واحدٍ من العلماء الإجماعَ على أنَّ السَّموات كريَّةٌ (٥) مستديرةٌ، واستدلَّ لذلك بقوله (٦): ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] قال الحسن (٧): يدورون. وقال ابن عبَّاسٍ: في فلكةٍ مثل فلكة المغزل، ولا تعارض بين هذا وبين الحديث، وليس فيه أنَّ الشمس تصعد

стр. 6374

إلى (١) فوق السَّموات حتَّى تسجد تحت العرش، بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرَّةٌ في فلكها الَّذي هي فيه، وهو الرَّابع فيما قاله غير واحدٍ من علماء التَّسيير، وليس في الشَّرع ما ينفيه، بل في الحسِّ -وهو الكسوفات- ما يدلُّ عليه ويقتضيه. فإذا ذهبت فيه حتَّى تتوسَّطه، وهو وقت نصف اللَّيل مثلًا في اعتدال الزَّمان فإنَّها تكون (٢) أبعد ما تكون تحت العرش، لأنَّها تغيب من جهة وجه العالم، وهذا محلُّ سجودها كما يناسبها، كما أنَّها أقرب ما تكون (٣) من العرش وقت الزَّوال من جهتنا، فإذا كانت في محلِّ سجودها (فَتَسْتَأْذِنَ) -عطفٌ على المنصوب السَّابق بـ «حتَّى» - في الطُّلوع من المشرق على عادتها (فَيُؤْذَنَ لَهَا) فتبدو من جهة المشرق، وهي مع ذلك كارهةٌ لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم، وهو يدلُّ على أنَّها تعقل كسجودها (وَيُوشِكُ) بكسر المعجمة، أي (٤): يقرب (٥) (أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا) أي: لا يُؤذَن لها أن تسجد (وَتَسْتَأْذِنَ) في المسير (٦) إلى مطلعها (فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فيُقال» (لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ (٧)) أي: قوله: «فإنَّها (٨) تذهب … » إلى آخره، (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]) لحدٍّ (٩) مُعيَّنٍ ينتهي إليه دورها، فشُبِّه بمستقرِّ

стр. 6375

المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السَّماء، فإنَّ حركتها فيه يوجد فيها إبطاءٌ يُظَنُّ أنَّ لها هناك وقفةً، وقال ابن عبَّاسٍ: لا تبلغ مستقرَّها حتَّى ترجع إلى منازلها، وقيل: إلى انتهاء أمرها عند خراب العالم، وقيل: لحَدٍّ لها (١) من مسيرها كلَّ يومٍ في مرأى عيوننا، وهو المغرب، وقيل: منتهى أمرها لكلِّ يومٍ من المشارق والمغارب، فإنَّ لها في دورها ثلاث مئةٍ وستِّين مشرقًا ومغربًا، تطلع (٢) كلَّ يومٍ من مطلعٍ، وتغرب من مغربٍ، ثمَّ لا تعود إليهما إلى العام القابل (﴿ذَلِكَ﴾) الجري على هذا التَّقدير والحساب الدَّقيق الَّذي يكلُّ الفَطِنُ عن إحصائه (٣) (﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾) الغالب بقدرته على كلِّ مقدورٍ (﴿الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]) المحيط علمه بكلِّ معلومٍ، وظاهر هذا: أنَّها تجري في (٤) كلِّ يومٍ وليلةٍ بنفسها، كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] أي: يدورون، وهو مغايرٌ لقول أصحاب الهيئة: إنَّ الشَّمس مُرصَّعةٌ في الفَلَك؛ إذ مقتضاه أنَّ الَّذي يسير هو الفلك، وهذا منهم على طريق الحدس والتَّخمين، فلا عبرة به. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٢] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الحروب»، والتِّرمذيُّ في «الفتن» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». ٣٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا
следующие страницы →