← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

سبقيَّته مع أنَّه ناءٍ عن قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ نأيًا ظاهرًا، فالتَّحقيق: أنَّ المنفيَّ السَّبقيَّةُ الموجبةُ لتراخي النَّهار عن اللَّيل، وتخلُّل زمنٍ (١) آخر بينهما، فيثبت التَّعاقب، وحينئذٍ يكون القول بسبق (٢) اللَّيل مخالفًا لصدر الآية. فإنَّ بين عدم الإدراك الدَّالِّ على التَّأخُّر والتَّبعيَّة وبين السَّبق بونًا بعيدًا، ولوكان تابعًا متأخِّرًا لكان حريًّا أن يُوصَف بعدم الإدراك، ولا يبلغ به عدم السَّبق، فتقدُّم اللَّيل على النَّهار مطابقٌ لصدر الآية صريحًا، ولعجزها بتأويلٍ حسنٍ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي المُستملي: «ينسلخ: يَخرُج» بلفظ المضارع فيهما، و «يخرج» بالتَّحتيَّة المفتوحة وضمِّ الرَّاء (وَنُجْرِي) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من اللَّيل والنَّهار في فلكٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ويَجرِي كلٌّ منهما» بفتح أوَّل «يَجري» وكسر رائه، و «كلٌّ» بالرَّفع مُنوَّنًا (وَاهِيَةٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] قال الفرَّاء: (وَهْيُهَا) بسكون الهاء (تَشَقُّقُهَا) وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى﴾ (﴿أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]) أي: (مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا، فَهْيَ) أي: الملائكة (عَلَى حَافَتَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ: «فهو» أي: المَلَك، ولابن عساكر: «فهم»، جمعٌ باعتبار الجنس، وللكشميهنيِّ: «على (٣) حافتيها» أي: السَّماء، وعن سعيد بن جُبَيرٍ: على حافَّات الدُّنيا (كَقَوْلِكَ: عَلَى أَرْجَاءِ البِئْرِ) والأرجاء (٤): جمع «رجًا» بالقصر، وقوله تعالى: (﴿وَأَغْطَشَ﴾ [النازعات: ٢٩]) ﴿لَيْلَهَا﴾ (وَ) قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ (﴿جَنَّ﴾) ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: (أَظْلَمَ) فيهما، ونُقِل تفسير الأوَّل به عن قتادة فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ، والثَّاني (٥) عن أبي عبيدة. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ (﴿كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] تُكَوَّرُ) بفتح الواو المُشدَّدة (حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْؤُهَا) وأخرج الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ: ﴿كُوِّرَتْ﴾ أي: أظلمت. وعن مجاهدٍ: اضمحلَّت. والتَّكوير في الأصل: الجمعُ، وحينئذٍ

стр. 6372

فالمراد: أنَّها تُلَفَّ ويُرمَى بها فيذهب ضوؤها، قاله ابن كثيرٍ في «تفسيره» (﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]) ولابن عساكر: «يُقال: وسق» أي: (جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ) وزاد قتادة: ونجمٍ، وقال عكرمة: ما ساق من ظلمةٍ (﴿اتَّسَقَ﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٨] أي: (اسْتَوَى) وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاء﴾ (﴿بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]) أي: (مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ) وهي اثنا عشر، وقيل: هي قصورٌ في السَّماء للحرس، وقيل: هي الكواكب العظام. (﴿الْحَرُورُ﴾) ولأبي ذرٍّ: «فالحرور» بالفاء، يريد: قوله تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ (١) [فاطر: ٢١] وفسَّره بأنَّه يكون (بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) قاله أبو عبيدة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الحَرُورُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وقال ابن عبَّاسٍ ورُؤْبَة» -بضمِّ الرَّاء وسكون الهمزة وفتح الموحَّدة- ابن العجَّاج: الحَرُور (بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ) وتفسير رؤبة ذكره أبو عبيدة عنه في «المجاز» (يُقَالُ: يُولِجُ) أي: (يُكَوِّرُ) بالرَّاء، أي: يلفُّ النَّهار في اللَّيل (﴿وَلِيجَةً﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] وفسَّره بقوله: (كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَيْءٍ) هو قول أبي عبيدة، وزاد بعد قوله: «في (٢) شيءٍ»: ليس منه فهو وليجةٌ، والمعنى: لا تتَّخذوا وليًّا ليس من المسلمين. ٣١٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد -من الزِّيادة- ابن شريك بن طارقٍ التَّيميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندَُب بن جنادة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: تَدْرِي) بحذف همزة الاستفهام، والغرض منه: إعلامه بذلك، ولأبي ذرٍّ: «أتدري» (أَيْنَ تَذْهَبُ؟) زاد في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٤]: «هذه» (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى

стр. 6373

تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ) منقادةً لله تعالى انقيادَ السَّاجد من المُكلَّفين، أو تشبيهًا لها بالسَّاجد (١) عند غروبها. قال ابن الجوزيِّ: ربَّما أشكل هذا الحديث على بعض النَّاس من حيث إنَّا نراها تغيب في الأرض، وفي القرآن العظيم: أنَّها تغيب ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأةٍ، أي: طينٍ، فأين هي من العرش؟ والجواب: أنَّ الأَرَضين السَّبع في ضرب المثال كقُطْب رحًى، والعرش لعظم (٢) ذاته بمثابة الرَّحى، فأينما سجدت الشَّمس سجدت تحت العرش، وذلك مستقرُّها. وقال ابن العربيِّ: أنكر قومٌ سجودها، وهو صحيحٌ ممكنٌ لا يحيله العقل، وتأوَّله قومٌ على التَّسخير الدَّائم، ولا مانع أن تخرج عن مجراها (٣) فتسجد، ثمَّ ترجع. انتهى. وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه إن أراد بالخروج الوقوف فواضحٌ، وإلَّا فلا دليل على الخروج. قال ابن كثيرٍ: وقد حكى ابن حزمٍ وابن المناديِّ (٤) وغير واحدٍ من العلماء الإجماعَ على أنَّ السَّموات كريَّةٌ (٥) مستديرةٌ، واستدلَّ لذلك بقوله (٦): ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] قال الحسن (٧): يدورون. وقال ابن عبَّاسٍ: في فلكةٍ مثل فلكة المغزل، ولا تعارض بين هذا وبين الحديث، وليس فيه أنَّ الشمس تصعد

стр. 6374

إلى (١) فوق السَّموات حتَّى تسجد تحت العرش، بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرَّةٌ في فلكها الَّذي هي فيه، وهو الرَّابع فيما قاله غير واحدٍ من علماء التَّسيير، وليس في الشَّرع ما ينفيه، بل في الحسِّ -وهو الكسوفات- ما يدلُّ عليه ويقتضيه. فإذا ذهبت فيه حتَّى تتوسَّطه، وهو وقت نصف اللَّيل مثلًا في اعتدال الزَّمان فإنَّها تكون (٢) أبعد ما تكون تحت العرش، لأنَّها تغيب من جهة وجه العالم، وهذا محلُّ سجودها كما يناسبها، كما أنَّها أقرب ما تكون (٣) من العرش وقت الزَّوال من جهتنا، فإذا كانت في محلِّ سجودها (فَتَسْتَأْذِنَ) -عطفٌ على المنصوب السَّابق بـ «حتَّى» - في الطُّلوع من المشرق على عادتها (فَيُؤْذَنَ لَهَا) فتبدو من جهة المشرق، وهي مع ذلك كارهةٌ لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم، وهو يدلُّ على أنَّها تعقل كسجودها (وَيُوشِكُ) بكسر المعجمة، أي (٤): يقرب (٥) (أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا) أي: لا يُؤذَن لها أن تسجد (وَتَسْتَأْذِنَ) في المسير (٦) إلى مطلعها (فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فيُقال» (لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ (٧)) أي: قوله: «فإنَّها (٨) تذهب … » إلى آخره، (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]) لحدٍّ (٩) مُعيَّنٍ ينتهي إليه دورها، فشُبِّه بمستقرِّ

стр. 6375

المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السَّماء، فإنَّ حركتها فيه يوجد فيها إبطاءٌ يُظَنُّ أنَّ لها هناك وقفةً، وقال ابن عبَّاسٍ: لا تبلغ مستقرَّها حتَّى ترجع إلى منازلها، وقيل: إلى انتهاء أمرها عند خراب العالم، وقيل: لحَدٍّ لها (١) من مسيرها كلَّ يومٍ في مرأى عيوننا، وهو المغرب، وقيل: منتهى أمرها لكلِّ يومٍ من المشارق والمغارب، فإنَّ لها في دورها ثلاث مئةٍ وستِّين مشرقًا ومغربًا، تطلع (٢) كلَّ يومٍ من مطلعٍ، وتغرب من مغربٍ، ثمَّ لا تعود إليهما إلى العام القابل (﴿ذَلِكَ﴾) الجري على هذا التَّقدير والحساب الدَّقيق الَّذي يكلُّ الفَطِنُ عن إحصائه (٣) (﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾) الغالب بقدرته على كلِّ مقدورٍ (﴿الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]) المحيط علمه بكلِّ معلومٍ، وظاهر هذا: أنَّها تجري في (٤) كلِّ يومٍ وليلةٍ بنفسها، كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] أي: يدورون، وهو مغايرٌ لقول أصحاب الهيئة: إنَّ الشَّمس مُرصَّعةٌ في الفَلَك؛ إذ مقتضاه أنَّ الَّذي يسير هو الفلك، وهذا منهم على طريق الحدس والتَّخمين، فلا عبرة به. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٢] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الحروب»، والتِّرمذيُّ في «الفتن» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». ٣٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 6376

عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُخْتَارِ) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن فيروز (الدَّانَاجُ) بدالٍ مُهمَلةٍ وبعد الألف نونٌ مُخفَّفَةٌ فألفٌ فجيمٌ، مُعرَّبُ «داناه» ومعناه بالفارسيَّة: العالمُ، وهو (١) تابعيٌّ صغيرٌ بصريٌّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ) بتشديد الواو المفتوحة، مطويَّان ذاهبا الضَّوء. وزاد البزَّار وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» والإسماعيليُّ في «مُستخرَجه»: «في النَّار» (يَوْمَ القِيَامَةِ) لأنَّهما عُبِدا من دون الله (٣)، وليس المراد من تكويرهما فيها تعذيبهما بذلك، لكنَّه زيادة تبكيتٍ لمن كان يعبدهما في الدُّنيا، ليعلموا أنَّ عبادتهم لهما كانت باطلًا (٤). ٣٢٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) -بفتح العين- ابن الحارث (٥) المصريُّ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَُخْسِفَانِ) بفتح أوَّله على أنَّه لازمٌ وسكون الخاء المعجمة وكسر السِّين المهملة، ويجوز ضمُّ أوَّله على أنَّه متعدِّ، أي: لا يُذْهِبُ اللهُ نورَهما (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من العظماء (وَلَا

стр. 6377

لِحَيَاتِهِ) لم يقل أحدٌ: إنَّ الكسوف لحياة أحدٍ، فَذِكْرُ ذلك إنَّما هو تتميمٌ (١) للتَّقسيم، أو لدفع توهُّم من يقول: لا (٢) يلزم من نفي كونه سببًا للفقد ألَّا يكون سببًا للإيجاد، فعمَّ ﵊ النَّفيَ (٣)، لدفع هذا التَّوهُّم، وهذا القول صدر منه ﷺ لمَّا مات ابنه إبراهيم وقال الناس: إنَّما كُسِفت لموته، إبطالًا لِمَا كان أهل الجاهليَّة يعتقدونه من تأثيرهما (وَلَكِنَّهُمَا) أي: خسوفهما (آيَتَانِ) ولأبي ذرٍّ: «آيةٌ» بالإفراد (مِنْ آيَاتِ اللهِ) الدَّالَّة على وحدانيَّته وعظيم قدرته (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بالتَّثنية، أي: كسوف كلِّ واحدٍ منهما على انفراده، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا رأيتموه» أي: الكسوف (فَصَلُّوا) أي: صلاة الكسوف. وحكمة الكسوف: أنَّ الله تعالى لمَّا أجرى في سابق علمه أنَّ الكواكب تُعبَد من دونه -وخاصَّةً النَّيِّرين- قضى عليهما بالخسوف والكسوف، وجعلهما لها (٤) بمنزلة الحتوف، وصيَّر ذلك دلالةً على أنَّهما مع (٥) إشراق نورهما وما يظهر من حسن آثارهما مأموران مقهوران، في مصالح العباد مُسيَّران، وفي يوم القيامة مُكوَّران (٦)، فعَبَدة الشَّمس زعمت أنَّها مَلَكٌ من الملائكة له نفسٌ وعقلٌ، ومنها: نور الكواكب وضياء العالم، وهي مَلَك الفلك. فلذا يستحقُّ (٧) التَّعظيم والسُّجود. ومن سنَّتهم إذا نظروا إلى الشَّمس قد أشرقت سجدوا لها، وقالوا: ما أحسنك من نورٍ لا تقدر الأبصار أن تمتدَّ بالنَّظر إليك، فلكِ المجد والتَّسبيح، وإيَّاك نطلب وإليك نسعى لندرك السُّكنى بقربك … إلى غير ذلك ممَّا نُقِل عنهم من الخرافات. فسبحان من حجبهم عن رؤية الحقائق، وحاد بهم عن متون الطَّرائق، فجهلوا أنَّ صفات المخلوق تباين صفات الخالق، وأنَّ العبادة لا يستحقُّها إلَّا من هو للحَبِّ والنَّوى فالق.

стр. 6378

وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة، فمن حيث إنَّ الكسوف والخسوف العارضين (١) لهما من صفاتهما، وقد مرَّ هذا الحديث في «أبواب كسوف الشَّمس» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦١٠٤٢]. ٣٢٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله المدنيُّ -وسقط «ابن أبي أُوَيسٍ» لأبي ذرٍّ- قال (٢): (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المُهمَلة المُخفَّفة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يوم مات ابنه إبراهيم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) علامتان يخوِّف الله (٣) بهما عباده (لَا يَخْسِفَانِ) بالخاء المعجمة مع فتح أوَّله (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) لأنَّهما خلقان مُسخَّران، ليس لهما سلطانٌ في غيرهما، ولا قدرة لهما على الدَّفع عن أنفسهما (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) الخسوف (فَاذْكُرُوا اللهَ) وفي حديث أبي بكرة عند المؤلِّف في «باب الصَّلاة في كسوف الشَّمس» [خ¦١٠٤٠]: «فصلُّوا وادعوا حتَّى يُكشَف ما بكم». ٣٢٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ -بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف مُصغَّرًا- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن

стр. 6379

خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأَيْلِيِّ، بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء المعجمة والسِّين والفاء (قَامَ) في المسجد لا الصَّحراء، لخوف الفوات بالانجلاء (فَكَبَّرَ) تكبيرة الإحرام بعد أن صفَّ النَّاس وراءه (وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) نحوًا من سورة البقرة (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آيةٍ من البقرة (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَامَ كَمَا هُوَ) لم يسجد (فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (وَهيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى) نحوًا من سورة آل عمران (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهيَ) أي: هذه الرَّكعة (أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى) مسبِّحًا فيه قدر ثمانين آيةً، وفي الفرع تضبيبٌ على قوله «وهي» وبأعلاه رَقْمُ أبي ذرٍّ وابن عساكر مُصحَّحًا عليهما (١) (ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آيةٍ (ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة من غير ياءٍ بعد الخاء (مِثْلَ ذَلِكَ) الَّذي فعله في الرَّكعة الأولى، لكنَّ القراءة في أوَّلها كالنِّساء، وفي ثانيها كالمائدة (ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وفتح الجيم وتشديد اللَّام، أي: صفت (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ) في الخطبة (فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ: إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ) بفتح أوَّله (٢) وكسر ثالثه (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا (٣)) بالتَّثنية، أي: كسوف الشَّمس والقمر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «رأيتموها» بالإفراد، أي: الكسفة (فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: التجِئوا وتوجَّهوا (إِلَى الصَّلَاةِ) المعهودة السَّابق فعلها منه ﵊. ٣٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ (٤) الزَّمِن قال:

стр. 6380

(حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ الأحمسيِّ البجليِّ مولاهم الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ، واسمه: عوفٌ الأحمسيُّ البجليُّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريِّ (¬﵁¬) قال في «الفتح»: ووقع في بعض النُّسخ: «عن ابن مسعودٍ» بالمُوحَّدة والنُّون، وهو تصحيفٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ) بكافٍ مفتوحةٍ وكسر السِّين مع فتح أوَّله (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) سقط قوله «ولا لحياته» من رواية أبي ذرٍّ (وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «رأيتموها» بالإفراد، أي: الكسفة (فَصَلُّوا) ركعتين في كلِّ ركعةٍ ركوعان، أو ركعتين كسنَّة الظُّهر. (٥) (باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ (٢) الرِّيَاحَ نُشْرًا﴾) جمع نشورٍ (٣)، بمعنى: ناشرٍ (﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]): قدَّام رحمته، يعني (٤): المطر، فإنَّ الصَّبا تثير السَّحاب، والشَّمال تجمعه، والجنوب تذرّه، والدَّبُور تفرِّقه. (﴿قَاصِفا﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩] قال أبو عبيدة: هي الَّتي (تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ) تأتي عليه. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ (﴿لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]) قال أبو عبيدة: (مَلَاقِحَ) واحدتها: (مُلْقِحَةً) ثمَّ حُذِفت منه الزَّوائد، وأنكره غيره وقال: هو بعيدٌ جدًّا، لأنَّ حذف الزَّوائد في مثل هذا بابُه الشِّعر. قال: ولكنَّه لواقح (٥)، جمع لاقحةٍ ولاقحٍ، بلا خلافٍ على النَّسب، أي: ذات

стр. 6381

اللِّقاح، وقال ابن السِّكِّيت: اللَّواقح: الحوامل. وقوله تعالى: (﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]) قال أبو عبيدة: (رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) وقوله تعالى: (﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]) قال أبو عبيدة: (بَرْدٌ) شديدٌ. وقوله: (﴿نُشْرًا﴾) أي: (مُتَفَرِّقَةً). ٣٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجِّاج بن الورد، أبو بسطام الواسطيُّ ثمَّ البصريُّ (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيبة (١) -مُصغَّرًا- الكنديِّ الكوفيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة- المخزوميِّ مولاهم المكِّيِّ، الإمام في التَّفسير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نُصِرْتُ) (٢) أي: يوم الأحزاب، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين حاصروا المدينة (بِالصَّبَا) -بفتح الصَّاد مقصورًا-: الرِّيح الَّتي تجيء من ظهرك إذا استقبلت القبلة (وَأُهْلِكَتْ) بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام (عَادٌ) قوم هودٍ (بِالدَّبُورِ) -بفتح الدَّال- الَّتي تجيء من قِبَل وجهك إذا استقبلت القبلة، وقد قيل: إنَّ الرِّيح تنقسم (٣) إلى قسمين: رحمةٍ وعذابٍ، ثمَّ إنَّ كلَّ قسمٍ ينقسم أربعة أقسامٍ، ولكلِّ قسمٍ اسمٌ، فأسماء (٤) أقسام الرَّحمة: المُبشِّرات والنَّشر والمُرسَلات والرَّخاء. وأسماء (٥) قسم العذاب: العاصف والقاصف وهما في البحر، والعقيم والصَّرصر وهما في البرِّ، وقد جاء القرآن بكلِّ هذه الأسماء. وقد روى البيهقيُّ في «سننه الكبرى» مرفوعًا: «الرِّيح من روح الله تعالى، تأتي

стр. 6382

بالرَّحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبُّوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا به (١) من شرِّها»، وقد نزَّل الأطبَّاء كلَّ ريحٍ على طبيعةٍ من الطَّبائع الأربع: فطبع الصَّبا: الحرارة واليبس، ويسمِّيها أهل مصر الرِّيح الشَّرقيَّة، لأنَّ مَهَبَّها (٢) من المشرق (٣)، وتُسمَّى قبولًا، لاستقبالها وجه الكعبة، وطبع الدَّبور: البرد والرُّطوبة، ويُسمِّيها أهل مصر الغربيَّة، لأنَّ مهبَّها من المغرب، وهي تأتي من دبر الكعبة، وطبع الشَّمال: البرد واليبس، وتُسمَّى البحريَّة؛ لأنَّها يُسار بها في البحر على كلِّ حالٍ وقلَّما تهبُّ ليلًا، وطبع الجنوب: الحرارة والرُّطوبة، وتُسمَّى القبليَّة والنَّعامى، لأنَّ مهبَّها من قِبل القطب، وهي عن يمين مستقبل المشرق، ويسمِّيها أهل مصر المريسيَّة، وهي من عيوب مصر المعدودة، فإنَّها إذا هبَّت عليهم سبع ليالٍ، استعدُّوا للأكفان، وقد جعل الله تعالى بلطيف قدرته الهواء عنصرًا لأبداننا وأرواحنا، فيصل إلى أبداننا بالتَّنفُّس (٤)، فينمي الرُّوح الحيوانيَّ ويزيد في النَّفسانيِّ، فما دام معتدلًا صافيًا لا يخالطه جوهرٌ غريبٌ فهو يحفظ الصِّحَّة ويقوِّيها، وينعش النَّفس ويُحْيِيها، ومن خاصِّيَّته (٥): أنَّ الله تعالى جعله واسطةً بين الحواسِّ ومحسوساتها، فلا ترى العين شيئًا ما (٦) لم يكن بينه وبينها هواءٌ، وكذلك لا تسمع الأذن ولا يصدق الذَّوق، ولو أنَّ الإنسان فقد الهواء ساعةً لَمَات. وقال كعب الأحبار: لو أنَّ الله تعالى حبس الهواء عن النَّاس، لأنتن ما بين السَّماء والأرض، ولقد أحسن بعض الشُّعراء حيث قال: إذا خلا الجوُّ من هواءٍ … فعيشهم غمَّةٌ وبوس فهو حياةٌ لكلِّ حيٍّ … كأنَّ أنفاسه نفوس وقد سبقت زيادةٌ لهذا في «باب قول النَّبيِّ ﷺ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا» [خ¦١٠٣٥].

стр. 6383

٣٢٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقدٍ الحنظليُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ (١) ﷺ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً (٢) فِي السَّمَاءِ) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة لامٌ مفتوحةٌ، أي: سحابةً يخال فيها المطر (أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) خوفًا أن يحصل من تلك السَّحابة ما فيه ضررٌ بالنَّاس (فَإِذَا أَمْطَرَتِ (٣) السَّمَاءُ (٤) سُرِّيَ (٥)) بضمِّ السِّين (٦) مبنيًّا للمجهول (٧) أي: كُشِفَ (عَنْهُ) الخوف وأزيل (فَعَرَّفَتْهُ) بتشديد الرَّاء وسكون الفوقيَّة، من التَّعريف، أي: عَرَّفتِ النَّبيَّ ﷺ (عَائِشَةُ ذَلِكَ) الَّذي عرض له (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا) ولأبي ذرٍّ: «وما» (أَدْرِي، لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ) هم عادٌ: (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾) سحابًا عرض في أفق السَّماء (﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) متوجِّهٌ إليهم (الآيَةَ). وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وكذا النَّسائيُّ. (٦) (بابُ ذِكْرِ المَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) الملائكة: جمع مَلْأَكٍ على الأصل، كالشَّمائل

стр. 6384

جمع شَمْأَلٍ، والتَّاء لتأنيث الجمع، وتُرِكت الهمزة في المفرد للاستثقال، وهو مقلوب «مألك» من الألوكة؛ وهي الرِّسالة، لأنَّهم وسائط بين الله وبين النَّاس، فهم رسل الله، أو كالرُّسل إليهم، واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتِّفاقهم على أنَّهم ذواتٌ موجودةٌ قائمةٌ بأنفسها؛ فذهب أكثر المسلمين إلى أنَّها (١) أجسامٌ لطيفةٌ قادرة على التَّشكُّل بأشكالٍ مختلفةٍ، مستدلِّين بأنَّ الرُّسل كانوا يرونهم كذلك، وقالت طائفةٌ من النَّصارى: هي النُّفوس الفاضلة البشريَّة المفارقة للأبدان، وزعم الحكماء: أنَّها (٢) جواهر مُجرَّدةٌ مخالفةٌ للنُّفوس النَّاطقة في الحقيقة، منقسمةٌ إلى قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحقِّ والتَّنزُّه عن الاشتغال بغيره، كما وصفهم في مُحكَم التَّنزيل فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وهم العلِّيُّون (٣) والملائكة المُقرَّبون. وقسم تدبِّر (٤) الأمر من السَّماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهيُّ، ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وهم ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] فمنهم سماويَّة ومنهم أرضيَّة، فهم بالنِّسبة إلى ما هيَّأهم الله له أقسامٌ: فمنهم: حملة العرش، ومنهم: كروبيُّون الَّذين هم حول العرش، وهم أشراف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المُقرَّبون، ومنهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقد ذكر الله تعالى أنَّهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب، ومنهم: سكَّان السَّموات السَّبع يعمرونها عبادةً (٥) لا يفترون، فمنهم: الرَّاكع دائمًا، والقائم دائمًا، والسَّاجد دائمًا، ومنهم: الَّذين يتعاقبون زمرةً بعد زمرةٍ إلى البيت المعمور كلَّ يومٍ سبعون ألفًا لا يعودون إليه، ومنهم: المُوكَّلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها، وتهيئة الضِّيافة لساكنيها (٦) من ملابس ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك ممَّا لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، ومنهم: المُوكَّلون بالنَّار،

стр. 6385

وهم (١) الزَّبانية، ومُقدَّموهم تسعة عشر، وخازنها مالكٌ وهو مُقدَّمٌ على جميع الخزنة، ومنهم: المُوكَّلون بحفظ بني آدم، فإذا جاء قدر الله خلَّوا عنه، ومنهم: المُوكَّلون بحفظ أعمال العباد، لا يفارقون الإنسان إلَّا عند الجنابة (٢) والغائط والغسل (٣). وقد روى الطَّبرانيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵇: على أيِّ شيء أنت؟ قال: على الرِّيح والجنود، قال: وعلى أيِّ شيءٍ ميكائيل؟ قال: على النَّبات والقطر». وفي حديث أنسٍ عند (٤) الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إنَّ ميكائيل ما ضحك منذ خُلِقت النَّار» وورد: أنَّ له أعوًانًا يفعلون ما يأمرهم به، فيصرفون الرِّياح والسَّحاب كما يشاء الله تعالى. وروينا: أنَّه ما من قطرةٍ تنزل من السَّماء إلَّا ومعها ملكٌ يقرُّها في الأرض، واتُّفِق على عصمة الرُّسل منهم، كعصمة رسل البشر، وأنَّهم معهم كهم مع أممهم في التَّبليغ وغيره، واختُلِف في غير الرُّسل منهم، فذهب بعضهم إلى القول بعدم عصمتهم، لقصة هاروت وماروت، وما رُوِي عنهما من شرب الخمر والزِّنى والقتل ممَّا (٥) رواه أحمد مرفوعًا وصحَّحه ابن حبَّان، ومفهوم آية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى﴾ الاية [البقرة: ٣٤]. إذ مفهومها (٦) أنَّ إبليس كان منهم، وإلَّا لم يتناوله أمرهم، ولم يصحَّ استثناؤه منهم، قال في «الأنوار»: ولا يَرِدُ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] لجواز أن يُقال: كان من الجنِّ فعلًا ومن الملائكة نوعًا، ولأنَّ ابن عبَّاسٍ روى: أنَّ من الملائكة ضربًا يتوالدون يُقال لهم: الجنُّ ومنهم إبليس (٧)، وحاصله: أنَّ من الملائكة من ليس بمعصومٍ وإن كان الغالب فيهم العصمة، كما أنَّ من الإنس معصومين وإن كان الغالب فيهم عدمها، ولعلَّ ضربًا من الملائكة لا يخالف الشَّياطين بالذَّات،

стр. 6386

وإنَّما يخالفهم بالعوارض والصِّفات، كالبررة والفسقة من الإنس والجنِّ، والَّذي عليه المحقِّقون: عصمة الملائكة مطلقًا. وأجابوا: بأنَّ إبليس كان جنِّيًّا نشأ بين أظهر الملائكة، وكان مغمورًا بالألوف منهم فغلبوا عليه، أو أنَّ الجنَّ كانوا مأمورين مع الملائكة، لكن استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم، فإنَّه إذا عُلِم أنَّ الأكابر مأمورون بالتَّذلُّل لأحدٍ والتَّوسُّل به، عُلِم أنَّ الأصاغر أيضًا مأمورون به. وأمَّا قصَّة هاروت وماروت، فرواها الإمام أحمد وابن حبَّان. ولفظ أحمد: حدَّثنا يحيى بن أبي بكيرٍ: حدثنا زهير بن محمَّدٍ، عن موسى بن جُبَيرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ آدم لمَّا أُهبِط إلى الأرض؛ قالت الملائكة: أي ربِّ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا … ﴾ الاية [البقرة: ٣٠]. قالوا: ربَّنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلمُّوا ملكين من الملائكة حتَّى نُهبِطهما إلى الأرض، ومُثِّلت لهما الزُّهرة امرأةً من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتَّى تَكَلَّما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله أبدًا، فذهبت عنهما، ثمَّ رجعت بصبيٍّ تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتَّى تقتلا هذا الصَّبيَّ، فقالا: والله لا نقتله أبدًا. فذهبت، ثمَّ رجعت بقدح خمرٍ، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتَّى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصَّبيَّ، فلمَّا أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليَّ إلَّا قد فعلتماه حين سكرتما، فخُيِّرا بين عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدُّنيا» وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، ورجاله كلُّهم من رجال «الصَّحيحين» إلَّا موسى بن جُبَيرٍ هذا، وهو الأنصاريُّ السُّلَمِيُّ الحذَّاء. وذكره ابن حبَّان في كتاب «الجرح والتَّعديل» ولم يَحْكِ (١) فيه شيئًا، فهو مستور الحال، وقد تفرَّد به عن نافعٍ مولى ابن عمر عن ابن عمر (٢) عن النَّبيِّ ﷺ . ورُوِي له متابعٌ من وجهٍ آخر عند ابن مردويه عن نافعٍ عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ (٣)، لكن رواه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» عن الثَّوريِّ عن موسى بن عقبة عن سالمٍ عن ابن عمر عن كعبٍ قال: «ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون به (٤) من الذُّنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت … » الحديث، ورواه ابن جريرٍ من

стр. 6387

طريقين عن عبد الرَّزَّاق به (١) عن كعب الأحبار، قال الحافظ ابن كثيرٍ: فهذا أصحُّ وأثبت إلى عبد الله بن عمر، وسالمٌ أثبت في أبيه من مولاه نافعٍ، فدار الحديث ورجع إلى (٢) نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، وقيل: إنَّهما كانا قبيلتين (٣) من الجنِّ قاله ابن حزمٍ، وهذا غريبٌ وبعيدٌ عن اللَّفظ. وعند ابن الجوزيِّ في «زاد المسير»: أنَّهما هَمَّا بالمعصية ولم يفعلاها، ومنهم من قرأ: «الملِكَين» بكسر اللَّام وقال (٤): إنَّهما علجان من أهل فارسٍ قاله الضَّحَّاك. وروى الحاكم في «مُستدرَكه» -وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه-: عن ابن عبَّاسٍ، وابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: «لمَّا وقع النَّاس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي … » الحديث، وفيه: قال: «وفي ذلك الزَّمان امرأةٌ حسنها في النِّساء كحسن الزُّهرة في سائر الكواكب» وهذا اللَّفظ أحسن ما ورد في شأن الزُّهرة. (وَقَالَ أَنَسٌ) فيما وصله المؤلِّف في «الهجرة» [خ¦٣٩١١]: (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام (لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ) رُوِي: أنَّه إنَّما كان عدوًّا لهم، لأنَّه كان (٥) يُطلِع الرَّسول ﵊ على أسرارهم، وأنَّه صاحب كلِّ خسفٍ وعذابٍ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبرانيُّ: (﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]) أي: (المَلَائِكَةُ).

стр. 6388

٣٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الهاء وسكون المهملة وفتح المُوحَّدة، القيسيُّ البصريُّ

стр. 6389

-ويُقال له: هَدَّابٌ- قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذيُّ، بفتح العين المهملة (١) وسكون الواو وبالذَّال المعجمة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة. (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) أي: ابن خيَّاطٍ العصفريُّ مذاكرةً، ولفظ المتن: «الخليفة» وفي نسخةٍ: «ح»؛ لتحويل السَّند «وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ»: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بزايٍ مضمومةٍ فراءٍ مفتوحةٍ مُصغَّرًا، العيشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة، واسمه مهران اليشكريُّ (وَهِشَامٌ) هو الدَّستَُوائيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا عِنْدَ البَيْتِ) الحرام (بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ) هو محمولٌ على ابتداء الحال، ثمَّ استمرَّ يقظان في القصَّة كلِّها، وأمَّا ما وقع في رواية شريكٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٧] في آخر الحديث: «فلمَّا استيقظ» فإن قلنا بالتَّعدُّد فلا إشكال، وإلَّا حُمِل على أنَّ المراد بـ «استيقظت»: أنَّه أفاق ممَّا كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت، ورجع إلى العالم الدُّنيويِّ، وقال عبد الحقِّ في «الجمع بين الصَّحيحين»: رواية شريكٍ -أنَّه كان نائمًا- زيادةٌ مجهولةٌ (٢)، ثمَّ قال: وشريكٌ ليس بالحافظ (وَذَكَرَ) ﷺ (يَعْنِي: رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) وهذا مختصرٌ أوضحته رواية مسلمٍ من طريق سعيدٍ عن قتادة بلفظ: «إذ سمعتُ قائلًا يقول: أحد الثَّلاثة بين الرَّجلين، فأتيت فانطلقوا بي» وقد ثبت أنَّ المراد بالرَّجلين: حمزة وجعفرٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان نائمًا بينهما. وقال الكِرمانيُّ: «ثلاثة رجالٍ (٣) وهم الملائكة تصوَّروا بصورة الإنسان» فليُنظَر، وسقط لغير الأَصيليِّ وأبي الوقت قوله «يعني: رجلًا» (فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول،

стр. 6390

والطَّست، بفتح الطَّاء وسكون السِّين المهملتين مُؤنَّثٌ (مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بضمِّ الميم وكسر اللَّام فهمزةٍ مبنيًّا للمفعول في الماضي، كذا في الفرع وضَبْطِ (١) الدِّمياطيِّ، والتَّذكير باعتبار الإناء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَلْآن» بفتح الميم وسكون اللَّام وزيادة نونٍ بعد الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مَلْأَى» بفتح الميم وسكون اللَّام وفتح (٢) الهمزة، ولعلَّه من باب التَّمثيل، أو مُثِّلت له المعاني كما مُثِّلت له أرواح الأنبياء الدَّارجة بالصُّور الَّتي كانوا عليها (فَشَقَّ) المَلَك، وفي الفرع بضمِّ الشِّين للمفعول (مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ) بفتح الميم وتخفيف الرَّاء بعدها ألفٌ فقافٌ مُشدَّدةٌ، وأصله: «مراقق» بقافين فأُدغِمت الأولى في الثَّانية، وهو ما سَفُل من البطن ورقَّ من جلده (ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ) المُقدَّس، بضمِّ الغين مبنيًّا للمفعول (بِمَاءِ زَمْزَمَ) الَّذي هو أفضل المياه على ما اختير. وهذا الشَّقُّ غير الَّذي وقع له في زمن حليمة السَّعديَّة (ثُمَّ مُلِئَ) القلب (حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ) لم يقل: «بيضاء» نظرًا إلى المعنى (٣) أي: بمركوبٍ أبيض (دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ) هو (البُرَاقُِ) ويجوز جرُّه بدلًا (٤) من دابَّةٍ، واشتقاقه من البرق لسرعة مشيه، وكان الأنبياء يركبونه (فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا (٥) السَّمَاءَ الدُّنْيَا) لم يذكر مجيئه لبيت المقدس كما في التَّنزيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] وليس صعوده إلى السَّماء كان على البراق، بل نُصِب له المعراج فرقي فيه (٦) كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ولعلَّ الرَّاوي اختصر (٧)، أو وقع تعدُّد المعراج (قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) ولأبي ذرٍّ: «فلمَّا جئت إلى السَّماء الدُّنيا قال جبريل

стр. 6391

لخازن السَّماء: افتح. قال: من هذا؟» (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قيل»: (جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ) ولأبي الوقت: «قال»: (مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به إلى السَّموات؟ (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ) أي: لقي رحبًا وسعةً (وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ) قال المظهريُّ: المخصوص بالمدح محذوفٌ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ تقديره: جاء فَنِعْمَ المجيءُ مجيئُه. وقال في «التَّوضيح»: فيه شاهدٌ على جواز الاستغناء بالصِّلة عن الموصول في «نِعْمَ» إذ التَّقدير: نِعْمَ المجيءُ الَّذي جاءه (فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ. فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ) وللأصيليِّ: «ومن» (مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لغير أبي ذرٍّ (قِيلَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى) ابني الخالة (فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ. فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ (١): جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال»: (وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَيْتُ يُوسُفَ) ولأبي ذرٍّ: «فأتيت على يوسف» (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عليه» (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ. فَأَتَيْنَا (٢) السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ (٣): مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لغير أبي ذرٍّ (قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيلَ (٤): نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ) ولأبي ذرٍّ: «ونِعْمَ» (المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا (٥) مِنْ) ولابن عساكر وأبي الوقت: «مرحبًا بك من» (أَخٍ وَنَبِيٍّ) خاطبه بلفظ الأخوَّة وإن كان المناسب لفظ النُّبوَّة، تلطفًّا وتأدُّبًا، والأنبياء إخوةٌ (فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الخَامِسَةَ، قِيلَ: مَنْ

стр. 6392

هَذَا؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قيل»: (جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟) بالواو (قِيلَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عليه» (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيْلَ) وفي نسخةٍ: «قال»: (مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ (١) مَرْحَبًا بِهِ) سقط «قال: نعم، قيل» (وَلَنِعْمَ) ولأبي ذرٍّ: «نِعْمَ» (المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَسَلَّمْتُ (٢)، فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فسلَّمت عليه، فقال»: (مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ. فَلَمَّا جَاوَزْتُ) بحذف الضَّمير المنصوب (بَكَى) شفقةً على قومه حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمَّة بمتابعة نبيِّهم، ولم يبلغ سوادهم مبلغ (٣) سوادهم (فَقِيلَ: مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، هَذَا الغُلَامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي) أشار إلى تعظيم شأن (٤) نبيِّنا ومنَّة الله تعالى عليه حيث أتحفه بتحف الكرامات، وخصوص (٥) الزُّلفى والهبات، من غير طول عمر أفناه مجتهدًا في الطَّاعات، والعرب تسمِّي الرَّجل المستجمع السِّنَّ غلامًا ما دامت فيه بقيَّةٌ من القوَّة، فالمراد: استقصار مدَّته مع استكثار فضائله واستتمام سواد أمَّته (فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ (٦): مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ (٧)؟ مَرْحَبًا بِهِ) سقط هنا أيضًا «قال: نعم، قيل»: (وَنِعْمَ) بغير لامٍ، ولأبي ذرٍّ: «وَلَنِعْمَ» (المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَسَلَّمْتُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «عليه» (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ) سقط لفظ «بك» من بعض النُّسخ، كذا وقع هنا أنَّه رأى إبراهيم في السَّابعة. وفي أوَّل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٤٩]: في السَّادسة، فإن قيل بتعدُّد الإسراء فلا إشكال، وإلَّا فيحتمل أن يكون رآه في السَّادسة ثمَّ ارتقى هو أيضًا إلى السَّابعة (فَرُفِعَ) بضمِّ الرَّاء، أي (٨): كُشِف (لِيَ) وقرب منِّي (٩)

стр. 6393

(البَيْتُ المَعْمُورُ) المُسمَّى بالضُّرَاح -بضمِّ الضَّاد المُعجَمة وتخفيف الراء آخره حاءٌ مُهمَلةٌ- حيال الكعبة، وعمارته بكثرة من يغشاه من الملائكة (فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ) أي: عنه (فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَُ مَا عَلَيْهِمْ) بنصب «آخر» على الظَّرفيَّة، أو بالرَّفع بتقدير: ذلك آخرُ ما عليهم من دخوله (وَرُفِعَتْ لِي (١) سِدْرَةُ المُنْتَهَى) أي: كُشِف لي عنها، وقربت منِّي السِّدرة الَّتي ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله (فَإِذَا نَبِقُهَا) بفتح النُّون وكسر المُوحَّدة (كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ) بكسر القاف جمع قُلَّةٍ، و «هَجَر» بفتحاتٍ لا ينصرف. وفي الفرع صرفُه (وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الفُيُولِ) بضمِّ الفاء، جمع فيلٍ: الحيوان المشهور، أي: في الشَّكل لا في المقدار (فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ) عنها (فَقَالَ: أَمَّا البَاطِنَانِ فَفِي الجَنَّةِ) نقل النَّوويُّ عن مقاتلٍ: أنَّ الباطنين: السَّلسبيل والكوثر (وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالفُرَاتُ) يخرجان من أصلها، ثمَّ يسيران حيث شاء (٢) الله، ثمَّ يخرجان من الأرض ويجريان فيها (ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً. فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى. فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً. قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ) قال التُّورِبشتيُّ: أي: مارستهم ولقيت الشِّدَّة فيما أردتُ منهم (٣) من الطَّاعة، والمُعالَجة مثل: المُزاوَلة والمُحاوَلة (وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) ذلك، ولم يقل: إنَّك وأمَّتك لا تطيقون، لأنَّ العجز مقصورٌ على الأمَّة لا يتعدَّاهم إلى النَّبيِّ ﷺ ، فهو لِمَا رزقه الله من الكمال يطيق أكثر من ذلك، وكيف لا؟ وقد جُعِلت قرَّة عينه في الصَّلاة (فَارْجِعْ إِلَى

стр. 6394

رَبِّكَ) أي: إلى الموضع الَّذي ناجيت فيه ربَّك (فَسَلْهُ) أي: التَّخفيف (فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ) أي: التَّخفيف (فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ) أي: صلاة (ثُمَّ) قال موسى (مِثْلَهُ) أي: ما تقدَّم من المراجعة وسؤال التخفيف (ثُمَّ) جعلها الله تعالى (ثَلَاثِينَ) صلاةً (ثُمَّ) قال موسى أيضًا (مِثْلَهُ، فَجَعَلَـ) هَا الله تعالى (عِشْرِينَ) صلاةً (ثُمَّ) قال موسى (مِثْلَهُ، فَجَعَلَـ) هَا الله تعالى (عَشْرًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا) (خَمْسًا. فَقَالَ: مِثْلَهُ، قُلْتُ: سَلَّمْتُ) بتشديد اللَّام، من التَّسليم، أي: سلَّمت فلم أراجعه تعالى، لأنِّي استحييت منه جلَّ وعلا. وزاد في غير رواية أبي ذرٍّ هنا (١): «بخيرٍ» (فَنُودِيَ) من قِبَل الله تعالى: (إِنِّي) بكسر الهمزة (قَدْ أَمْضَيْتُ) أي (٢): أنفذت (فَرِيضَتِي) بخمس صلواتٍ (وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) من خمسين إلى خمسٍ (وَأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرًا) ثواب كلِّ صلاةٍ عشرًا، وفيه: دليلٌ على جواز النَّسخ قبل الوقوع، وأنكره أبو جعفرٍ النَّحَّاس لأنَّ ذلك من البَدَاء، وهو محالٌ على الله تعالى، ولأنَّ النَّسخ وإن جاز قبل العمل عند من يراه فلا يجوز قبل وصوله إلى المخاطبين، فهو شفاعةٌ شفعها ﵊، لا نسخٌ (٣). وأُجيب بأنَّ النَّسخ إنَّما وقع فيما وجب على الرَّسول (٤) من التَّبليغ، وبأنَّ الشَّفاعة لا تنفي النَّسخ فقد تكون سببًا له، أو أنَّ (٥) هذا كان خبرًا لا تعبُّدًا فلا يدخله النَّسخ، ومعناه: أنَّه تعالى أخبر رسوله ﵊ أنَّ على أمَّته خمسين صلاةً في اللَّوح المحفوظ، ولذا قال في الحديث في روايةٍ: «هي خمسٌ وهي (٦) خمسون، والحسنة بعشر أمثالها» فتأوَّله ﵇ على أنَّها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربَّه حتَّى بيَّن له أنَّها في الثَّواب (٧) لا بالعمل (٨).

стр. 6395

(وَقَالَ هَمَّامٌ) بالإسناد السَّابق -بتشديد الميم الأولى- ابن يحيى العوذيُّ (١): (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي البَيْتِ المَعْمُورِ) يريد: أنَّ سعيد بن أبي عَروبة وهشامًا الدَّستَُوائيَّ أدرجا قصَّة البيت المعمور في قصَّة الإسراء، والصَّواب: رواية همَّامٍ هذه، حيث فَصَلها من قصَّة الإسراء، لكن قال يحيى بن معينٍ: لم يصحَّ للحسن سماعٌ من أبي هريرة. ٣٢٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ (٢) بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ابن سليمان البُورَانيُّ -بضمِّ الموحَّدة وسكون الواو وفتح الرَّاء- البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بالحاء المهملة السَّاكنة وفتح الواو آخره صادٌ مُهمَلةٌ، سلَّامٌ -بتشديد اللَّام- ابن سُلَيمٍ الحنفيُّ مولى بني حنيفة الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) أبي سليمان الهَمْدانيِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ اللهِ:) يعني: ابن مسعودٍ ﵁ (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَهْو الصَّادِقُ) في قوله (المَصْدُوقُ-) فيما وعده به ربُّه تعالى. قال في «شرح المشكاة»: الأَولى أن تُجعَل الجملة اعتراضيَّةً لا حاليَّةً لتعمَّ الأحوال كلَّها، وأن يكون من عادته ودأبه ذلك، فما أحسن موقعها (قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ) بضمِّ الياء وسكون الجيم وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (فِي بَطْنِ أُمِّهِ (٣) أَرْبَعِينَ يَوْمًا) أي: يُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ بعد الانتشار؛ ليتخمَّر فيها حتَّى يتهيَّأ للخلق، وفي قوله: «خلقُه» تعبيرٌ بالمصدر عن الجثَّة، وحُمِل على أنَّه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا ضَرْبُ الأمير، أي: مضروبُه. وقال الخطَّابيُّ: رُوِي عن ابن مسعودٍ في تفسيره: «أنَّ النُّطفة إذا

стр. 6396

وقعت في الرَّحم فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت في بشرة المرأة تحت كلِّ ظفرٍ وشعرٍ، ثمَّ تمكث أربعين ليلةً، ثمَّ تنزل دمًا في الرَّحم، فذلك جمعُها». وهذا رواه ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» وقد رجَّح الطِّيبيُّ هذا التَّفسير فقال: والصَّحابة أعلم النَّاس بتفسير ما سمعوه، وأحقُّهم بتأويله، وأولاهم بالصِّدق فيما يتحدَّثون به، وأكثرهم احتياطًا للتَّوقِّي عن خلافه، فليس لمن بعدهم أن يردَّ عليهم. قال في «الفتح»: وقد وقع في حديث مالك بن الحُوَيرث رفعه ما ظاهره يخالف ذلك، ولفظه: «إذا أراد الله خلق عبدٍ جامع الرَّجلُ المرأةَ، طار ماؤه في كلِّ عِرْقٍ وعضوٍ منها، فإذا كان يوم السَّابع جمعه الله ثمَّ أحضره كلّ عرقٍ له دون آدم في أيِّ صورةٍ ما شاء ركَّبك» (ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً) دمًا غليظًا جامدًا (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) قطعة لحمٍ قدر ما يُمضَغ (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان. واختُلِف في أوَّل ما يتشكَّل من الجنين، فقيل: قلبه لأنَّه الأساس ومعدن الحركة (١) الغريزيَّة، وقيل: الدِّماغ لأنَّه مجمع الحواسِّ ومنه تنبعث، وقيل: الكبد لأنَّ فيه النُّموَّ والاغتذاء الَّذي هو قوام البدن، ورجَّحه بعضهم بأنَّه مقتضى النِّظام الطَّبيعيِّ، لأنَّ النُّموَّ هو المطلوب أوَّلًا، ولا حاجة له حينئذٍ إلى حسٍّ ولا حركةٍ إراديَّةٍ، وإنَّما يكون له قوَّة الحسِّ والإرادة عند تعلُّق النَّفس به، بتقديم الكبد ثمَّ القلب ثمَّ الدِّماغ (ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا) إليه في الطَّور الرَّابع، حين يتكامل بنيانه وتتشكَّل أعضاؤه (فَيُؤْمَرُ) مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «ويُؤمَر» (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) يكتبها كما قال (وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ) غذاءه، حلالًا أو حرامًا، قليلًا أو كثيرًا، أو كلَّ ما ساقه الله تعالى إليه لينتفع به، كالعلم وغيره (وَأَجَلَهُ) طويلًا أو قصيرًا (وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ) حسب ما اقتضته حكمته وسبقت كلمته، ورفعُ (٢) «شقيٌّ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، وتاليه عطفٌ عليه، وكان حقّ الكلام أن يقول: يكتب سعادته وشقاوته، فعدل عن ذلك حكايةً لصورة ما يكتب، لأنَّه يكتب: شقيٌّ أو سعيدٌ، والظَّاهر: أنَّ الكتابة هي الكتابة المعهودة في صحيفته (٣)، وقد جاء ذلك مُصرَّحًا به في روايةٍ لمسلمٍ في حديث حُذَيفة بن أَسِيدٍ (٤): «ثمَّ تُطوَى الصَّحيفة، فلا يزاد فيها ولا يُنقَص»، ووقع في حديث أبي ذرٍّ عنه (٥): «فيقضي الله ما هو قاضٍ،

стр. 6397

فيكتب ما هو لاقٍ بين عينيه» (ثُمَّ) بعد كتابة الملك هذه الأربعة (يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ) بعد تمام صورته، ثمَّ إنَّ حكمة تحوُّل الإنسان في بطن أمِّه حالةً بعد حالةٍ مع أنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلقه في أقلَّ من لمحةٍ: أنَّ في التَّحويل فوائد: منها: أنَّه لو خلقه دفعةً واحدةً لشقَّ على الأمِّ، فجعله أوَّلًا نطفةً، لتعتاد بها (١) مدَّةً، ثمَّ علقةً كذلك، وهَلُمَّ جرًّا، ومنها: إظهار قدرته تعالى، حيث قلبه من تلك الأطوار إلى كونه إنسانًا حَسَنَ الصُّورة متحلِّيًا بالعقل، ومنها: التَّنبيه والإرشاد (٢) على كمال قدرته على الحشر والنَّشر، لأنَّ من قدر على خلق الإنسان من ماءٍ مَهينٍ، ثمَّ من علقةٍ، ثمَّ من مضغةٍ، قادرٌ على إعادته وحشره للحساب والجزاء، قاله المُظَهَّرِيُّ. (فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونَُ) نُصِب بـ «حتَّى»، و «ما» نافيةٌ غير مانعةٍ لها من العمل، أو رُفِع، وهو (٣) الَّذي في الفرع (٤) على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ. وفي «كتاب القدر» [خ¦٦٥٩٤] من طريق أبي الوليد الطَّيالسيِّ عن شعبة عن الأعمش: «وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون» (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ) أي: ما يبقى (٥) بينه وبين أن يصل إلى الجنَّة إلَّا كمن بقي بينه وبين موضعٍ من الأرض ذراعٌ، فهو تمثيلٌ بقرب حاله من الموت، وضابط ذلك بالغرغرة (٦) الَّتي جُعِلت علامةً لعدم قبول التَّوبة (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ) الَّذي كتبه الملَك وهو في بطن أمِّه، والفاء للتَّعقيب الدَّالِّ على (٧) حصول السَّبق بغير مهلةٍ (فَيَعْمَلُ) عند ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يعمل» (بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) أي: فيدخلها (وَيَعْمَلُ) أي: بعمل أهل النَّار (حَتَّى

стр. 6398

مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) أي: فيدخلها، وفيه: أنَّ مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٦٥٩٤] و «القدر» [خ¦٧٤٥٤]، ومسلمٌ في «القدر»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته. ٣٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام -البيكنديُّ- كما ضبطه ابن ماكولا وغيره. قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمة، ابن يزيد الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ (١): عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَابَعَهُ أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل شيخ المؤلِّف ممَّا ساقه المؤلِّف (٢) في «الأدب» [خ¦٦٠٤٠] عن عمرو بن عليٍّ عنه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَحَبَّ اللهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ) نُصِب على المفعوليَّة: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مُهمَلةٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مكسورةٍ وأخرى ساكنةٍ على الفكِّ (فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ. فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ) بتشديد المُوحَّدة (فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي) أهل (الأَرْضِ) ممَّن يعرفه من المسلمين، وزاد رَوْح بن عُبادة عن ابن جريجٍ عند الإسماعيليِّ: «وإذا أبغض (٣) عبدًا نادى جبريل ﵇: إنِّي أبغض فلانًا فأبغضه، قال (٤): فيبغضه جبريل. ثمَّ ينادي في أهل

стр. 6399

السَّماء: إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضونه. ثمَّ يُوضَع له البغض في الأرض». وفيه: أنَّ محبوبَ القلوب محبوبُ الله، ومبغوضها مبغوض الله. ومتن الحديث الَّذي ساقه المؤلِّف بلفظ الرِّواية الثَّانية المُعلَّقة، وفيه مباحث تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «كتاب الأدب» [خ¦٦٠٤٠]. ٣٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قيل: هو ابن يحيى الذُّهليُّ، وقال أبو ذرٍّ الهرويُّ: «هو البخاريُّ» ورجَّحه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّ أبا نُعَيمٍ والإسماعيليَّ لم يجداه من غير رواية البخاريِّ، ولو كان عند غير البخاريِّ لَمَا ضاق عليهما مخرجه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ عدم وجدانهما للحديث لا يستلزم أن يكون محمَّدٌ هنا هو البخاريّ، وهذا ظاهرٌ لا يخفى، ولم تجر عادة البخاريِّ بأن يذكر اسمه قبل ذكر (١) شيخه، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن محمَّد بن الحكم قال: (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) عُبيد الله، واسم أبي جعفرٍ: يسارٌ القرشيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبو (٢) الأسود (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط لأبي ذرٍّ قوله «زوج النَّبيِّ (٣) … » إلى آخره، (أَنَّهَا) قالت (سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ) بفتح العين المهملة والنُّون المُخفَّفة (وَهْو السَّحَابُ) زنةً ومعنًى، وهو تفسير الرَّاوي لـ «العنان» أدرجه في الحديث، فالسَّحاب مجازٌ عن السَّماء، كما أنَّ السَّماء (٤) مجازٌ عن السَّحاب، كما (٥) في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] في وجهٍ (فَتَذْكُرُ) الملائكة (الأَمْرَ) الَّذي (قُضِيَ فِي السَّمَاءِ) وأصل ذلك:

стр. 6400

أنَّ الملائكة تسمع في السَّماء ما قضى الله تعالى في كلِّ يومٍ من الحوادث، فيحدِّث بعضهم بعضًا (فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ) أي: تختلسه منهم، والقاف مُخفَّفةٌ (فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الكُهَّانِ) بضمِّ الكاف وتشديد الهاء، جمع كاهنٍ، من يخبر بالمُغيَّبات المُستقبَلة (فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا) أي: مع الكلمة المسموعة من الشَّياطين (مِئَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون المعجمة، وفي «اليونينيَّة»: بكسرها (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ). ٣٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليربوعيُّ -ونسبه إلى جدِّه، واسم أبيه: عبدُ الله- قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) -بسكون العين- ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (١) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (٢) (وَالأَغَرِّ) بفتح الهمزة و (٣) الغين المعجمة آخره راءٌ مُشدَّدةٌ، سلمان الجهنيِّ مولاهم المدنيِّ، وللكُشميهنيِّ: «والأعرج» أي: عبد الرَّحمن بن هُرمز بدل «الأغرِّ»، قال في «الفتح»: والأغرُّ أرجح، لأنَّه مشهورٌ من روايته. نعم أخرجه النَّسائيُّ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ عن الأعرج وحده (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلَائِكَةُ) ولأبي ذرٍّ: «ملائكةٌ» (يَكْتُبُونَ) الدَّاخل (الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ) الفاء لترتيب النُّزول من الأعلى إلى الأدنى، وللتُّعاقب الَّذي ينتهي به (٤) إلى أعدادٍ كثيرةٍ (فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ) على المنبر (طَوَوُا الصُّحُفَ) الَّتي كتبوا فيها المبادرين إلى الجمعة (وَجَاؤُوْا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: الخطبة. وهذا الحديث قد مرّ في «كتاب الجمعة» [خ¦٩٢٩] بأتمَّ من هذا.

стр. 6401

٣٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (١) (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) أنَّه (قَالَ: مَرَّ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ المدنيِّ (وَحَسَّانُ) بن ثابتٍ الأنصاريُّ، والواو للحال (يُنْشِدُ) -بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه- الشِّعر (٢) في المسجد، فأنكر عليه عمر (فَقَالَ) حسَّان: (كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ) أي: في المسجد (وَفِيهِ مَنْ هو خَيْرٌ مِنْكَ) يعني: رسول الله ﷺ (ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (يَقُولُ): يا حسَّان (أَجِبْ عَنِّي) أي: قل جواب هجاء المشركين عن جهتي (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟) جبريل، وإضافة الرُّوح إلى القدس؛ وهو الطُّهر، كقولهم: حاتم الجود. وهذا موضع التَّرجمة. وإنَّما دعا له بذلك، لأنَّ عند أخذه في الطَّعن والهجو في المشركين وأنسابهم مظنَّة الفحش من الكلام وبذاذة (٣) اللِّسان، وقد يؤدِّي ذلك إلى أن يتكلَّم عليه (٤)، فيحتاج إلى التَّأييد من الله بأن يقدِّسه من ذلك بروح القدس؛ وهو جبريل (قَالَ) أبو هريرة: (نَعَمْ) سمعته ﷺ يقول ذلك. وسياق البخاريِّ لهذا الحديث -كما نبَّه

стр. 6402

عليه الإسماعيليُّ- يقتضي أنَّه مُرسَل سعيد بن المُسيَّب، فإنَّه لم يحضر مراجعة عمر ﵁ وحسَّان، لكن عند الإسماعيليِّ -من رواية عبد الجبَّار بن العلاء عن سفيان- ما يقتضي أنَّ أبا هريرة حدَّث سعيدًا بذلك بعد وقوعه. وهذا الحديث قد سبق في «باب الشِّعر في المسجد» [خ¦٤٥٣] من أوائل «الصَّلاة». ٣٢١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الكوفيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ) بن ثابتٍ ﵁: (أُهْجُهُمْ) بضمِّ الهمزة والجيم، أمرٌ من هجا يهجو هجوًا، وهو نقيض المدح، وفي الفرع: «اهجهم» بهمزة وصل (١) (أَو هَاجِهِمْ) من المهاجاة، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: جازِهم (٢) بهجوهم (وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) بالتَّأييد والمعونة. وفيه (٣): جواز هجو الكفَّار وأذاهم ما لم يكن لهم أمانٌ؛ لأنَّ الله تعالى قد أمر بالجهاد فيهم والإغلاظ عليهم؛ لأنَّ في الإغلاظ بيانًا لبغضهم والانتصار منهم بهجاء (٤) المسلمين، ولا يجوز ابتداءً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. تنبيهٌ: قوله: «قال النَّبيُّ ﷺ لحسَّان» يفهم أنَّه من مُسنَد البراء بن عازبٍ، وعند التِّرمذيِّ أنَّه من رواية البراء عن حسَّان، كما أفاده في «الفتح».

стр. 6403

٣٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن حازمٍ الأزديُّ البصريُّ. (ح) للتَّحويل. (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) (١) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازمٍ (قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ هِلَالٍ) أي: ابن هُبَيرة العدويَّ البصريَّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى غُبَارٍ سَاطِعٍ فِي سِكَّةِ بَنِي غَنْمٍ) بكسر سين «سِكَّة» وفتح الغين المعجمة وسكون النُّون من (٢) «غَنْم» أي: زقاق بني غَنْمٍ (٣). قال الحافظ ابن حجرٍ: بطنٌ من الخزرج، وهم من ولد غنم بن مالك بن النَّجَّار، منهم: أبو أيُّوب الأنصاريُّ وآخرون. (زَادَ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ في روايته فيما وصله في «المغازي» [خ¦٤١١٨] عنه: (مَوْكِبَُِ جِبْرِيلَ) ﵇ برفع «موكبُ» في الفرع على أنَّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: هذا موكبُ جبريل، ويجوز نصبه بتقدير (٤): انظر موكبَ، وجرُّه بدلًا (٥) من لفظ «غبار»، والموكب نوعٌ من السَّير وجماعة (٦) الفرسان، أو جماعة ركَّابٍ يسيرون برفقٍ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١١٨]. ٣٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء وفتح الواو، ابن أبي المَغْراء الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامِ بْنِ

стр. 6404

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ) المخزوميَّ ﵁ (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) يحتمل أن يكون الحارث أخبر عائشة بذلك فيكون مُرسَلًا، أو حضرت هي ذلك فيكون من مُسنَدها، لكن قد أخرج ابن منده الحديث من طريق عبد الله بن الحارث عن هشامٍ عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشامٍ قال: سألت: (كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟) أي: حامله، فإسناد الإتيان إلى الوحي مجازٌ، أو صفة الوحي نفسه، فإسناد الإتيان حقيقةٌ (قَالَ) ﷺ : (كُلُّ ذَاكَ) بغير لامٍ (يَأْتِي المَلَكُ) جبريل ﵇، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يأتيني الملك» (أَحْيَانًا) أي: أوقاتًا (فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ) أي: مشابهًا صوت الجلجل الَّذي يُعلَّق برؤوس الدَّوابِّ (فَيَفْصِمُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وكسر الصَّاد المُهمَلة من باب ضرب يضرب، أي: يُقْلِع (١) (عَنِّي) ما يغشاني (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فهمت وحفظت (مَا قَالَ) الملك (وَهْو أَشَدُّهُ عَلَيَّ، وَيَتَمَثَّلُ) أي: يتصوَّر (لِي المَلَكُ) جبريل (أَحْيَانًا رَجُلًا) كدِحْيَة أو غيره؛ تأنيسًا، والقدر الزَّائد من خلقته لا يفنى، بل يخفى على الرَّائي فقط (فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ) أي: الَّذي يقوله، وقد مرَّ هذا الحديث أوَّل الكتاب [خ¦٢]. ٣٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) أي: درهمين أو دينارين (فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ) الملائكة: (أَيْ فُلُ) بضمِّ الفاء واللَّام وتُفتَح، حُذِفت منه (٢) الألف والنُّون لغير (٣) ترخيمٍ، أي: يا (٤) فلان (هَلُمَّ) أي: اقرب وتعال، وهو اسم فعلٍ لا يتصرَّف عند أهل الحجاز، وفعلٌ يُؤنَّث ويُجمَع عند

стр. 6405

تميمٍ، وأصله عند البصريِّين: ها لمَّ، من لمَّ إذا قصد، حُذِفت الألف لتقدير السُّكون في اللَّام، فإنَّها الأصل، وعند الكوفيِّين: هل أمَّ، فحُذِفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللَّام (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى) بفتح الفوقيَّة والواو، لا هلاكَ ولا ضياعَ ولا بأسَ (عَلَيْهِ) أن يدخل بابًا ويترك آخر (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ ¬): أي: لأبي بكرٍ (أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ). وهذا الحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٤١]. ٣٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قاضي اليمن قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ) بفتح ياء «يقرأ» من الثُّلاثيِّ (فَقَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «ورحمت الله» (١) بالتَّاء المجرورة (تَرَى مَا لَا أَرَى. تُرِيدُ: النَّبِيَّ ﷺ ¬) وفيه: أنَّ الرُّؤية حالةٌ يخلقها الله تعالى في الحيِّ، ولا يلزم من حصول المرئيِّ واجتماع سائر الشَّرائط الرُّؤية كما لا يلزم من عدمها عدمها، قاله في «الكواكب» وإنَّما لم يواجهها جبريل كما واجه مريمَ، احترامًا لمقام سيِّدنا رسول الله ﷺ . وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٤٩] و «الرِّقاق» [خ¦٦٢٠١]، وفي «فضل

стр. 6406

عائشة» [خ¦٣٧٦٨]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء». ٣٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بضمِّ العين وفتح الذَّال المعجمة وتشديد الرَّاء. (ح) لتحويل السَّند: (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» بواو العطف والجمع (يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أعين أبو زكريَّا البيكنديُّ -وسقط لأبي ذرٍّ «ابن جعفرٍ» - قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) واللَّفظ له (عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ أَبِيهِ) ذرِّ بن عبد الله الهَمْدانيِّ -بسكون الميم- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ) ﵇: (أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟) بتخفيف اللَّام، للعرض أو التَّحضيض أو التَّمنِّي (قَالَ: فَنَزَلَتْ) آية: (﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾) والتَّنزُّل: النُّزول على (١) مهلٍ، لأنَّه مطاوع «نزل»، وقد يُطلَق بمعنى: النُّزول مطلقًا، كما يُطلَق «نزَّل» بمعنى: «أنزل» والمعنى: وما نتنزَّل وقتًا غَبَّ وقتٍ إلَّا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الاية [مريم: ٦٤]) وهو (٢) ما نحن فيه من الأماكن والأحايين، لا ننتقل من مكانٍ إلى مكانٍ أو لا نتنزَّل (٣) في زمانٍ دون زمانٍ إلا بأمره ومشيئته.

стр. 6407

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧٣١] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٥] و «بدء الخلق»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وكذا النَّسائيُّ. ٣٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ) ﵇ القرآن (عَلَى حَرْفٍ) أي: لغةٍ أو وجهٍ من الإعراب (فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ) أطلب منه أن يطلب من الله الزِّيادة على الحرف توسعةً وتخفيفًا، ويسأل جبريل ربَّه تعالى ويزيده (حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) وليس المراد أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجهٍ، والاختلاف اختلاف تنوُّعٍ وتغايرٍ، لا تضادٍّ وتناقضٍ؛ إذ هو مُحالٌ في القرآن، وذلك يرجع إلى سبعةٍ، وذلك إمَّا في الحركات من غير تغيُّرٍ (١) في المعنى والصُّورة، نحو: البَُخَْل، ويحسَِب بوجهين، أو بتغيُّرٍ في المعنى فقط نحو: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وإمَّا في الحروف بتغيُّرٍ في المعنى لا الصُّورة، نحو: ﴿تَبْلُو ا﴾ و ﴿تَتْلُوا﴾ [يونس: ٦١] أو عكس ذلك، نحو: ﴿السرَاطَ﴾ و ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] أو بتغيرهما، نحو: ﴿يَأْتَلِ﴾ و ﴿يَتَأَلَّ﴾ [النور: ٢٢] وإمَّا في (٢) التَّقديم والتَّأخير، نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ و ﴿وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] أو في الزِّيادة والنُّقصان، نحو: ﴿وَأوَصَّى﴾ و ﴿وَصَّى﴾ [البقرة: ١٣٢] وإمَّا نحو: الاختلاف في الإظهار والإدغام وغيرهما ممَّا يُسمَّى بالأصول، فليس من الاختلاف الَّذي يتنوَّع فيه اللَّفظ أو المعنى، لأنَّ هذه الصِّفات المتنوِّعة في أدائه لا تُخرِجه عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرِض فيكون من الأوَّل. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

стр. 6408

٣٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (١) (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ) بنصب «أجودَ»، خبر «كان» (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) برفع «أجودُ» اسم «كان» وخبرها محذوفٌ وجوبًا، نحو قولك: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، و «ما» مصدريَّةٌ، أي: أجود أكوان (٢) الرَّسول، و «في رمضان» سدَّ مسدَّ الخبر، أي: حاصلًا فيه (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) ﵇؛ إذ في ملاقاته زيادةُ ترقٍّ (وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ) نصب مفعول ثانٍ لـ «يدارسه» على حدِّ: جاذبته الثَّوب (فَلَرَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فإنَّ رسول الله» (¬ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) يحتمل أنَّه أراد بها الَّتي أُرسِلت بالبشرى بين يدي رحمة الله، وذلك لعموم نفعها، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] وأحد الوجوه في الآية: أنَّه أراد بها الرِّياح المُرسَلات للإحسان، وانتصاب ﴿عُرْفًا﴾ بالمفعول، فلهذا المعنى (٣) في المرسلة شبَّه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الرِّيح القطر (٤) في البلاد، وشتَّان ما بين الأثرين، فإنَّ أحدهما يحيي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها، وقد كان ﵊ يبذل المعروف قبل أن

стр. 6409

يُسأَل، وإذا أحسن عاد، وإن وجد جاد، وإن لم يَجِد وعد ولم يُخْلِفِ الميعاد، ويظهر منه آثار ذلك في رمضان أكثر ممَّا يظهر منه في غيره، قاله التُّورِبشتيُّ. (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ) بن المبارك أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (بِهَذَا الإِسْنَادِ) موصولًا عن محمَّد بن مقاتلٍ، فابن المبارك يرويه عن يونس الأيليِّ ومَعْمَرٍ (نَحْوَهُ) أي: معناه (وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٨] (وَفَاطِمَةُ) الزَّهراء ممَّا وصله في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٢٤] (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرْآنَ) أي: في كلِّ سنةٍ مرَّةً، وأنَّه عارضه في العام الَّذي قُبِض فيه مرَّتين … الحديث. ورُوِي: أنَّ قراءة زيدٍ هي القراءة الَّتي قرأها رسول الله ﷺ على جبريل ﵇ مرَّتين في العام الَّذي قُبِض فيه. ٣٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ (١)) هو ابن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخَّرَ العَصْرَ شَيْئًا) صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: أخَّر تأخيرًا يسيرًا، أي: أخَّر صلاة العصر حتَّى عبر شيءٌ من وقته (فَقَالَ لَهُ) أي: لعمر (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام: (أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ) بتخفيف «أَمَا» حرف استفتاحٍ بمنزلة «أَلَا»، وتكون بمعنى «حقًّا» ذكره سيبويه، ولا تشاركها «ألا» في ذلك، وفي «اليونينيَّة»: «أَإِمَّا» بتشديد الميم وبفتح الهمزة وكسرها (قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح همزة «أمام» (٢) أي: قدَّامه (فَقَالَ عُمَرُ) بن عبد العزيز: (اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ) أي: تأمَّل ما تقول وتذكَّر (قَالَ) أي: عروة: (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ) بفتح الموحَّدة وكسر الشِّين المُعجَمة (يَقُولُ: سَمِعْتُ)

стр. 6410

أبي (أَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) كأنَّ عروة يقول: كيف لا أعلم ما أقول؟! وأنا صحبت وسمعت ممَّن صحب وسمع صاحب رسول الله ﷺ ، وسمع منه هذا (يَقُولُ: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) قال ذلك أبو مسعودٍ أو الرَّسول ﷺ حال كونه (يَحْسُبُ) بضمِّ السِّين (بِأَصَابِعِهِ) أي: يعقدها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «قال: فحسب بأصابعه» (خَمْسَ صَلَوَاتٍ) وهذا يدلُّ على مزيد إتقانه وضبطه لأحوال النَّبيِّ ﷺ . ومرَّ هذا الحديث أوَّل «المواقيت» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٢١]. ٣٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد الشِّين المعجَمة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّدٌ القسمليُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) الأسديِّ (١)، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن أبي ثابتٍ» (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ: «قال رسول الله» (¬ ﷺ : قَالَ لِي جِبْرِيلُ) ﵇: (مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) أي: عاقبتُه دخولُها وإن كان له ذنوبٌ جمَّةٌ، أو ترك من الأركان شيئًا لكنَّ أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنَّة، وإن شاء عذَّبه بقدر ذنوبه، ثمَّ أدخله الجنَّة برحمته (أَو لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ) دخولًا تخليديًّا (قَالَ) أي (٢): أبو ذرٍّ: (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟) قال ابن مالكٍ: حرف الاستفهام مُقدَّرٌ لا بدَّ من تقديره: أي: أو إن زنى أو إن (٣) سرق؟ (قَالَ) ﷺ : (وَإِنْ) بحذف فعل الشَّرط والاكتفاء بحرفه (٤)، وإنَّما ذكر من الكبائر هذين النَّوعين ولم يقتصر على أحدهما؛ لأنَّ الذَّنب إمَّا حقُّ الله وهو الزِّنا، أو حقُّ العباد وهو أخذ مالهم بغير حقٍّ.
следующие страницы →