← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

أي: في (١) مقدارهما؛ إذ لا بُكرة ثمَّة ولا عشيَّة؛ إذ لا طلوع ولا غروب (لَا يَسْقَمُونَ) إذ هي دار صحَّةٍ لا سُقْمٍ (وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْصُقُونَ) لكمالهم، فليس لهم فضلةٌ تُستقذَر (آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ) في «الطَّبرانيِّ» بإسنادٍ قويٍّ من حديث أنسٍ مرفوعًا: «إنَّ أدنى أهل الجنَّة لَمن يقوم على رأسه عشرةُ آلاف خادمٍ، بيدِ كلِّ واحدٍ منهم (٢) صحفتان، واحدةٌ من ذهبٍ، والأخرى من فضَّةٍ». (وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ) وفي الأولى (٣) [خ¦٣٢٤٥]: «من الذَّهب والفضَّة» (وَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأَُلُْوَّةُ) بفتح الهمزة وضمِّ اللَّام -وبضمٍّ فسكونٍ- وتشديد الواو، ولأبي ذرٍّ: «وَوقودُ» بزيادة واو العطف (قَالَ أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ: (يَعْنِي) بالألوَّة: (العُودَ) الَّذي يتبخَّر به (وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطَّبريُّ: (الإِبْكَارُ) بكسر الهمزة (أَوَّلُ الفَجْرِ، وَالعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أَنْ تُرَاهُ) ولأبي ذرٍّ: «إلى أن أُراه» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (تَغْرُبَ) الشَّمس. ٣٢٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بضمِّ الميم وفتح القاف والدَّال المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّمَيريُّ، بالنُّون المضمومة مُصغَّرًا (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ الأعرج المدنيِّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي) الجنَّة (سَبْعُونَ أَلْفًا -أَو سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ-) زاد في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٤٣] من طريق سعيد بن أبي مريم عن أبي غسَّان عن أبي حازمٍ: «شكَّ في أحدهما». ولـ «مسلمٍ» من طريق عبد العزيز بن محمَّدٍ عن أبي حازمٍ: «لا يدري أبو حازمٍ أيَّهما» (٤)، وفي حديث ابن عبَّاسٍ في

стр. 6442

«الرِّقاق» [خ¦٦٥٤١] وصفهم بأنَّهم: «كانوا لا يكتوون ولا يَسْتَرْقون ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون» وفي حديث أبي أمامة عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «وعدني ربِّي أن يدخل من أمَّتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عقاب، مع كلِّ ألفٍ سبعون ألفًا، وثلاثُ حثياتٍ من حثيات ربِّي » والمراد بالمعيَّة في قوله: «مع كلِّ ألفٍ سبعون ألفًا» مجرَّد دخولهم الجنَّة بغير حسابٍ وإن دخلوها (١) في الزُّمرة الثَّانية أو الَّتي بعدها. وفي حديث جابرٍ عند الحاكم والبيهقيِّ في «البعث» مرفوعًا: «من زادت حسناته على سيِّئاته فذلك الَّذي يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، ومن استوت حسناته وسيِّئاته فذاك الَّذي يُحاسَب حسابًا يسيرًا، ومن أوبق نفسه فهو الَّذي يُشفَع فيه بعد أن يُعذَّب» وفي التَّقييد بقوله: «أمَّتي» إخراج غير الأمَّة المحمَّديَّة من العدد المذكور. فإن قلت: هذا معارضٌ بحديث أبي برزة الأسلميِّ مرفوعًا عند مسلمٍ (٢): «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتَّى يُسأَل عن أربعٍ: عن عمره فيمَ أفناه، وعن جسده فيمَ أبلاه، وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟» إذ هو عامٌّ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي. أُجيب بأنَّه مخصوصٌ بمن يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وبمن (٣) يدخل النَّار من أوَّل وهلةٍ، وزاد في رواية أبي (٤) غسَّان [خ¦٦٥٤٣]: «متماسكين آخذٌ (٥) بعضهم ببعضٍ» (لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ) الجنَّة (حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ) بأن يدخلوا صفًا واحدًا (٦) دفعةً واحدةً (وَجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) ليس فيه نفي دخول أحدٍ من هذه الأمَّة المحمَّديَّة على الصِّفة المذكورة من الشَّبه بالقمر، والجملة حاليَّةٌ بدون الواو.

стр. 6443

٣٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدِّب البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قال: أُهْدِيَ) بضمِّ الهمزة (لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ) برفع «جبَّة» نائبٌ (١) عن الفاعل، والسُّندس: ما رقَّ من الدِّيباج، وهو ما ثخن وغلظ من ثياب الحرير، وكان الَّذي أهداها أكيدر دومة (وَكَانَ) ﵊ (يَنْهَى عَنِ) استعمال (الحَرِيرِ، فَعَجِبَ (٢) النَّاسُ مِنْهَا) أي: من الجبَّة، زاد في «اللِّباس» [خ¦٥٨٣٦]: فقال: «أتعجبون من هذا؟» قلنا: نعم (فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) الثَّوب. ٣٢٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) ابن عيينة أنَّه قال (٣): (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلُوا) يعني: الصَّحابة (يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهِ وَلِينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا) قال الخطَّابيُّ: إنَّما ضرب المثل بالمناديل لأنَّها ليست من عِلْيَة (٤) الثِّياب، بل تُبتذَل في أنواعٍ من المرافق، فيُمسَح بها الأيدي، ويُنفَض بها الغبار عن البدن،

стр. 6444

ويُغطَّى بها ما يُهدَى في الأطباق، وتُتَّخذ لفافًا للثِّياب … فصار سبيلها سبيل الخادم، وسبيل سائر الثِّياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها هكذا (١) فما ظنُّك بعليَّتها؟! ٣٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ الأعرج (٢) (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَوْضِعُ سَوْطٍ (٣) فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) لأنَّ نعيم الجنَّة دائمٌ لا انقضاء له، مع ما اشتمل عليه من البهجة الَّتي يعجز الوصف عنها، وخُصَّ السَّوط بالذِّكر، قال التُّورِبشتيُّ: لأنَّ من شأن الرَّاكب إذا أراد النُّزول في منزلٍ أن يُلقِي سوطه قبل أن ينزل، مُعلِمًا بذلك المكان الَّذي يريده لئلَّا يسبقه إليه أحدٌ. ٣٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عَبْدِ المُؤْمِنِ) بفتح الرَّاء وبعد الواو السَّاكنة حاءٌ مُهمَلةٌ، البصريُّ المقرئ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بتقديم الزَّاي مُصغَّرًا، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً) هي طوبى كما عند أحمد والطَّبرانيِّ وابن حبَّان من حديث عتبة بن عبدٍ السُّلَمِيِّ (يَسِيرُ الرَّاكِبُ) الجواد المُضمَر السَّريع (فِي ظِلِّهَا) أي: ناحيتها (مِئَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا) وليس في الجنَّة شمسٌ ولا أذًى.

стр. 6445

٣٢٥٢ - ٣٢٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) العوقيُّ -بفتح الواو وبعدها قافٌ- قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الخزاعيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) العامريُّ المدنيُّ، وقد يُنسَب إلى جدِّه أسامة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً) اسمها طوبى، يُذكَر أنَّه (١) ليس في الجنَّة دارٌ إلَّا فيها غصنٌ من أغصانها (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا) ناحيتها (مِئَةَ سَنَةٍ) زاد في الأولى [خ¦٣٢٥١]: «لا يقطعها» (وَاقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]) وعند ابن جريرٍ عن (٢) أبي هريرة قال: «إنَّ (٣) في الجنَّة لشجرةً يسير الرَّاكب في ظلِّها مئة سنةٍ، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾» فبلغ ذلك كعبًا فقال: «صدق، والَّذي أنزل التَّوراة على موسى والفرقان على محمَّدٍ؛ لو أنَّ رجلًا ركب حِقَّةً أو جذعةً ثمَّ دار بأصل تلك الشَّجرة ما بلغها حتَّى يسقط هرمًا، إنَّ الله غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإنَّ أفنانها (٤) لمن وراء سور (٥) الجنَّة، وما في الجنَّة نهرٌ إلَّا وهو يخرج من أصل تلك الشَّجرة» وفي حديث ابن عبَّاسٍ موقوفًا (٦) عند ابن (٧) أبي حاتمٍ: «فيشتهي بعضهم ويذكر لَهْوَ الدُّنيا، فيرسل الله ريحًا من الجنَّة فتحرِّك تلك الشَّجرة بكلِّ لهوٍ في الدُّنيا» قال ابن كثيرٍ: أثرٌ غريبٌ وإسناده جيِّدٌ قويٌّ (٨).

стр. 6446

(وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ) أي: قدره (فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) في الدُّنيا من متاعها (أَو تَغْرُبُ) عليه. ٣٢٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن إسحاق الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) فُلَيح بن سليمان (عَنْ هِلَالٍ) هو ابن هلالٍ العامريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ زُمْرَةٍ) جماعةٍ (تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) في الحسن والإضاءة (وَالَّذِينَ) يدخلونها (عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً) بضمِّ الدَّال وتشديد الرَّاء والتَّحتيَّة مضيءٍ متلألئٍ كالزُّهَرة في صفائه وزهرته (١)، منسوبٌ إلى الدُّرِّ، أو «فِعِّيلٌ» كمِرِّيقٍ (٢)، من الدَّرء -بالهمزة- فإنَّه يدفع الظَّلام بضوئه (قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَحَاسُدَ) لطهارة قلوبهم عن الأخلاق الذَّميمة (لِكُلِّ امْرِئٍ) زاد في السَّابقة [خ¦٣٢٤٦]: «منهم» (زَوْجَتَانِ مِنَ الحُورِ العِينِ) سبق قريبًا من طريق همَّام بن منبِّهٍ عن أبي هريرة بلفظ [خ¦٣٢٤٥]: «ولكلِّ واحد منهم زوجتان» ولم يقل فيه: «من الحور العين» وفُسِّر: بأنَّهما من نساء الدُّنيا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنَّة: «وإنَّ له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجةً سوى أزواجه من الدُّنيا» فليُنظَر ما في ذلك، وعن (٣) عبد الله بن أَبي (٤) أوفى مرفوعًا: «إنَّ

стр. 6447

الرَّجل من أهل الجنَّة ليُزوَّج خمس مئة حوراء، وأربعة آلاف بِكْرٍ، وثمانية آلاف ثيِّبٍ، يعانق كلَّ واحدةٍ منهنَّ مقدار عمره (١) في الدُّنيا» رواه البيهقيُّ، وفي إسناده راوٍ لم يُسَمَّ (يُرَى مُخُّ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «يَرى» أي: المرء مخَّ (سُوقِهِنَّ) أي: ما في داخل العظم (مِنْ وَرَاءِ العَظْمِ وَاللَّحْمِ) من الصَّفاء. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا من طريق محمَّد بن كعبٍ القُرَظيِّ عن رجلٍ من الأنصار عند أبي يَعلى والبيهقيِّ: «وإنَّه لينظر إلى مخِّ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السِّلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآةٌ وكبدها له مرآةٌ … » الحديث. ٣٢٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) السُّلَمِيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ (٢) عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) في باب «ما قيل في أولاد المسلمين» [خ¦١٣٨٢] من طريق أبي الوليد هشام بن عبد الملك: حدَّثنا شعبة عن عديِّ بن ثابتٍ أنَّه سمع البراء (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ) أي: ابن النَّبيِّ ﷺ (قَالَ) ﵊: (إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ) وعند الإسماعيليِّ: مرضعًا ترضعه في الجنَّة، ولم يقل: مرضعةً بالهاء، لأنَّ المراد الَّتي من شأنها الإرضاع أعمُّ من أن تكون في حالة الإرضاع.

стр. 6448

٣٢٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) القرشيُّ الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام (١)، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أنسٍ» (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَيُونَ) بفتح التَّحتيَّة والفوقيَّة فهمزةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ مضمومةٍ، بوزن «يتفاعلون» (أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَيُونَ) بفتح التَّحتيَّة والفوقيَّة والهمزة بعدها تحتيَّةٌ مضمومةٌ، ولأبي ذرٍّ: «تتراءَون» بفوقيَّتين من غير تحتيَّةٍ بعد الهمزة (الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ) بضمِّ الدَّال والتَّحتيَّة بغير همزٍ، الشَّديد الإضاءة (الغَابِرَ) بالموحَّدة بعد الألف، أي: الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر، وإنَّما يستنير في ذلك الوقت الكوكب الشَّديد الإضاءة، وفي «الموطَّأ»: الغائر -بالتَّحتيَّة بدل الموحَّدة- يريد: انحطاطه من الجانب الغربيِّ. قال التُّورِبشتيُّ: وهي (٢) تصحيفٌ، وفي «التِّرمذيِّ»: الغارب، بتقديم الرَّاء على الموحَّدة (فِي الأُفُقِ) أي: طرف السَّماء (مِنَ المَشْرِقِ أَو المَغْرِبِ) قال في «شرح المشكاة»: فإن قلت: ما فائدة تقييد الكوكب بالدُّرِّيِّ ثمَّ بالغابر في الأفق؟ وأجاب: بأنَّه للإيذان بأنَّه من باب التَّمثيل الَّذي وجهُه مُنتزَعٌ من عدَّة أمورٍ مُتوهَّمةٍ في المشبَّه، شبَّه رؤية الرَّائي في الجنَّة صاحبَ الغرفة برؤية الرَّائي الكوكب المستضيء الباقي في جانب المشرق أو المغرب (٣) في الاستضاءة مع البُعد، فلو اقتُصِر على الغائر (٤) لم يصحَّ، لأنَّ الإشراق يفوت عند الغور (٥)، اللَّهمَّ إلَّا أن (٦)

стр. 6449

يُقدَّر: المستشرف على الغور، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا (١) بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: شارفن بلوغ أجلهنَّ، لكن لا يصحُّ هذا المعنى في الجانب الشَّرقيِّ. نعم على التَّقدير؛ كقولهم: متقلِّدًا سيفًا ورُمحًا و: علفته (٢) تبنًا وماءً باردًا .................... أي: طالعًا في الأفق من المشرق وغابرًا (٣) في المغرب (لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ) الغرف المذكورة (مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام (لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ) ﷺ : (بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم، ولكن قد يتفضَّل الله تعالى على غيرهم بالوصول إلى تلك المنازل، ولأبي ذرٍّ فيما حكاه السَّفاقسيُّ: «بل» الَّتي للإضراب، قال القرطبيُّ (٤): والسِّياق يقتضي أن يكون الجواب بالإضراب. وإيجاب الثَّاني: أي: بل هم (رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ) حقَّ إيمانه (وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ) حقَّ تصديقهم، وكلُّ أهل الجنَّة مؤمنون مصدِّقون، لكن امتاز هؤلاء بالصِّفة المذكورة. وفي حديث أبي سعيدٍ عند التِّرمذيِّ: «وإنَّ أبا بكرٍ وعمر منهم (٥) وأَنْعَما» وعنده أيضًا عن عليٍّ مرفوعًا: «إنَّ في الجنَّة غرفًا يُرَى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» فقال أعرابيٌّ: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أَلَانَ الكلامَ، وأدام الصِّيام، وصلَّى باللَّيل والنَّاس نيام». وقال الكِرمانيُّ: بلى، أي: يبلغها المؤمنون (٦) المصدِّقون، فإن قلت: فحينئذٍ لا يبقى في

стр. 6450

غير الغرف أحدٌ، لأنَّ أهل الجنَّة كلَّهم مؤمنون مصدِّقون، المصدِّقون بجميع الرُّسل ليس إلَّا أمَّة محمَّدٍ ﷺ ، فيبقى مؤمنو سائر الأمم فيها. انتهى. فالغرف (١) لهذه الأمَّة؛ إذ تصديق جميع الرُّسل إنَّما يتحقَّق لها بخلاف غيرهم من الأمم، وإن كان فيهم (٢) من صدَّق بمن سيجيء من بعده من الرُّسل فهو بطريق التَّوقُّع، قاله في «الفتح». وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «صفة الجنَّة». (٩) (باب صِفَةِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا (٣) وصله في «الصِّيام» [خ¦١٨٩٧]: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) أي: من أيِّ شيءٍ كان صنفين أو متشابهين، كبعيرين أو درهمين (دُعِيَ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ) وفي «الصَّوم» [خ¦١٨٩٧]: «نُودِي من أبواب الجنَّة: يا عبد الله هذا خيرٌ». (فِيهِ) أي: في هذا الباب (عُبَادَةُ) بن الصَّامت (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال: «من شهد أن لا إله إلا الله … » الحديث، وفيه: «أدخله الله من أبواب الجنَّة الثَّمانية أيَُِّها شاء» [خ¦٣٤٣٥]. ٣٢٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجُمحيُّ مولاهم المصريُّ (٤)، وهو سعيد بن الحكم ابن محمَّد بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وتشديد الرَّاء المكسورة آخره فاءٌ، أبو غسَّان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ

стр. 6451

ابْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ (١): فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ) مجازاةً لهم، لِمَا كان يصيبهم من العطش في صيامهم، وفي «الصِّيام» [خ¦١٨٩٧]: ذكر باب الصَّلاة وباب الجهاد وباب الصَّدقة، وفي «نوادر الأصول»: باب الرَّحمة، وهو باب التَّوبة. قال: وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البرِّ: باب الزَّكاة، باب الحجِّ، باب العمرة. وعند عياضٍ: باب الكاظمين الغيظ، باب الرَّاضين، الباب الأيمن الَّذي يدخل منه من لا حساب عليه. وعند الآجريِّ مرفوعًا من حديث أبي هريرة: «باب الضُّحى»، وفي «الفردوس» مرفوعًا من حديث ابن عبَّاسٍ: «باب الفرح، لا يدخل منه إلَّا مُفرِّح الصِّبيان» وعند التِّرمذيِّ: «باب الذِّكر» وعند ابن بطَّالٍ: «باب الصَّابرين» وفي حديث عتبة بن غزوان عند مسلمٍ: «أنَّ المصراعين من مصاريع (٢) الجنَّة بينهما مسيرة أربعين سنةً» ولأبي ذرِّ: تقديم هذا الحديث المُسنَد على المُعلَّقين، والله أعلم (٣).

стр. 6452

(١٠) (بابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) الآن (﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥]) في قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (يُقَالُ: غَسَقَتْ) بفتح السِّين (عَيْنُهُ) إذا سال ماؤها، وقال الجوهريُّ: إذا أظلمت، وقيل: البارد الَّذي يَحْرِق ببرده، وقيل: المُنتن (وَيَغْسِقُ الجُرْحُ) بكسر السِّين إذا سال منه ماءٌ أصفر، ولعلَّ المراد في الآية: ما يسيل من صديد أهل النَّار المشتمل على شدَّة البرودة وشدَّة النَّتن (وَكَأَنَّ الغَسَاقَ وَالغَسْقَ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «والغسيق» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد السِّين المكسورة (وَاحِدٌ) في كون المراد بهما الظُّلمة (غِسْلِينَ) في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] هو (١) (كُلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُو غِسْلِينَ، «فِعْلِينَ» مِنَ الغَسْلِ) بفتح الغين (مِنَ الجُرْحِ) بضمِّ الجيم (وَالدَّبَرِ) بفتح الدَّال المهملة والموحَّدة، ما يصيب الإبل من الجراحات. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) فيما (٢) وصله ابن أبي حاتمٍ: (﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: حَطَبُ بِالحَبَشِيَّةِ) وتكلَّمت بها العرب فصارت عربيَّةً، ولم يقل ابن أبي حاتمٍ: بالحبشيَّة (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير

стр. 6453

عكرمة: (﴿حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] الرِّيحُ العَاصِفُ) الشَّديد (وَالحَاصِبُ: مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ) لأنَّ الحصبَ الرَّمي (وَمِنْهُ: حَصَبُ جَهَنَّمَ، يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ، هُمْ) أي: أهل النَّار (حَصَبُهَا) بفتح الحاء والصَّاد (وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ) أي: (ذَهَبَ، وَالحَصَبُ) بفتحتين (مُشْتَقٌّ مِنِ الحَصْبَاءِ) ولغير أبي ذرٍّ: «من حصباء الحجارة وهي الحصى» (صَدِيدٌ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: بالجرِّ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] هو (قَيْحٌ وَدَمٌ) قاله (١) أبو عبيدة (﴿خَبَتْ﴾) في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] أي: (طَفِئَتْ) بفتح الطَّاء وكسر الفاء وبعدها همزةٌ (﴿تُورُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] أي: (تَسْتَخْرِجُونَ) يُقال: (أَوْرَيْتُ) أي: (أَوْقَدْتُ) قاله أبو عبيدة (﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]. أي: (لِلْمُسَافِرِينَ) رواه الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ (وَالقِيُّ) بكسر القاف وتشديد التَّحتيَّة (القَفْرُ) الَّذي لا نبات فيها (٢) ولا ماء (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما ذكره الطَّبريُّ: (صِرَاطُ الجَحِيمِ) أي: (سَوَاءُ الجَحِيمِ وَوَسَطُ الجَحِيمِ). (﴿لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ) بالسِّين المهملة. ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ويُحرَّك» (بِالحَمِيمِ) وكلُّ شيءٍ خلطته بغيره فهو مشوبٌ (﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] صَوْتٌ شَدِيدٌ، وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ) فالأوَّل للأوَّل، والثَّاني للثَّاني؛ كذا فسَّره (٣) ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ، وعنه: الزَّفير في الحلق، والشَّهيق في الصَّدر، وعنه: هو صوتٌ كصوت

стр. 6454

الحمار، أوَّله زفيرٌ، وآخره شهيقٌ (﴿وِرْدًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ (١) الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي: (عِطَاشًا) قاله ابن عبَّاسٍ أيضًا (﴿غَيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: (خُسْرَانًا) وعن ابن مسعودٍ عند الطَّبريِّ (٢): «وادٍ في جهنَّم يُقذَف فيه الَّذين يتَّبعون الشَّهوات» وعند البيهقيِّ عنه (٣): «نهرٌ في جهنَّم، بعيد القعر، خبيث الطَّعم» (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ: (﴿يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ) ولأبي ذرٍّ: «لهم» باللَّام بدل الموحَّدة، والأوَّل أوجه. (﴿وَنُحَاسٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] هو (الصُّفْرُ) يُذَاب، ثمَّ (يُصَبُّ عَلَى رُؤُوْسِهِمْ) أخرجه عبد بن حُمَيدٍ عن مجاهدٍ أيضًا (يُقَالُ: ﴿ذُوقُوا﴾) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ (٤)﴾ [السجدة: ٢٠] أي: (بَاشِرُوا) العذاب (وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ) فهو من المجاز (مَارِجٌ) في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: (خَالِصٍ مِنَ النَّارِ) يُقال: (مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو) بالعين المهملة (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: تركهم يظلم بعضهم بعضًا (﴿مَّرِيجٍ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] أي: (مُلْتَبِسٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «منتشرٌ» قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ (مَرِجَ) بفتح الميم وكسر الرَّاء (أَمْرُ (٥) النَّاسِ) أي: (اخْتَلَطَ، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]) قال أبو عبيدة: هو كقولك: (مَرَجْتَ دَابَّتَكَ) أي: (تَرَكْتَهَا).

стр. 6455

٣٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا (١) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُهَاجِرٍ) بالتَّنوين (أَبِي الحَسَنِ) التَّيميِّ (٢) مولاهم الكوفيِّ الصَّائغ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الهَمْدانيَّ الكوفيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) جندب بن جنادة (¬﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ) ﵊ لبلالٍ المؤذِّن: (أَبْرِدْ) أي: بالظُّهر، لأنَّها الصَّلاة الَّتي يشتدُّ الحرُّ غالبًا في أوَّل وقتها، ولا فرق بين السَّفر والحضر، لِمَا لا يخفى (ثُمَّ قَالَ: أَبْرِدْ حَتَّى فَاءَ الفَيْءُ؛ يَعْنِي: لِلتُّلُولِ) أي (٣): مال الظِّلُّ تحت التُّلول (ثُمَّ قَالَ: أَبْرِدُوا (٤) بِالصَّلَاةِ) الَّتي يشتدُّ الحرُّ غالبًا (٥) في أوَّل وقتها، بقطع الهمزة والجمع (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) أي: من سعة تنفُّسها حقيقةً. وهذا الحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٣٥]. ٣٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (٦) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالحٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) أي: أخِّروها حتَّى تذهب شدَّة الحرِّ (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ

стр. 6456

جَهَنَّمَ) والفيح -كما قال اللَّيث (١) - سطوع الحرِّ (٢)، يُقال: فاحت القدر تفيح فيحًا، إذا غَلَت، وأصله: السَّعة، ومنه: أرضٌ فيحاء، أي: واسعةٌ. وقال المزِّيُّ: «من» هنا لبيان الجنس -أي: من جنس فيح جهنَّم- لا للتَّبعيض، وذلك نحو ما رُوِي عن عائشة بسندٍ جيِّدٍ ثابتٍ (٣): «من أراد أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه» أي: يسمع مثل خرير الكوثر (٤). انتهى. وكأنَّه يحاول بذلك حمل الحديث على التَّشبيه لا على الحقيقة، وهو القول الثَّاني، ولقائلٍ أن يقول: «من» محتملةٌ للجنس وللتَّبعيض على كلٍّ من القولين، أي: من جنس الفيح حقيقةً أو (٥) تشبيهًا، أو بعض الفيح حقيقةً أو تشبيهًا. ٣٢٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٦) ﷺ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا) حقيقةً بلسان المقال بحياةٍ يخلقها الله تعالى فيها، أو مجازًا بلسان الحال عن غليانها وأكلها (٧) بعضها بعضًا (فَقَالَتْ): يا (رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا) ربُّها (بِنَفَسَيْنِ) حمله البيضاويُّ على المجاز، وغيره على الحقيقة، وهو في الأصل ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء

стр. 6457

(نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ) بجرِّ «نفسٍ» (١) على البدليَّة (فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي) ولأبي ذرٍّ: «من» (الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) من ذلك التَّنفُّس، والَّذي خلق المَلَك من الثَّلج والنَّار قادرٌ على إخراج الزَّمهرير من النَّار. ٣٢٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي نسخةٍ (٢): «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك (هُو العَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف -وسقط ذلك لغير أبي ذرٍّ- قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن يحيى البصريُّ (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة وبالرَّاء المفتوحة، نصر بن عمران (الضُّبَعِيِّ) -بضمِّ الضَّاد المعجمة وفتح الموحَّدة- أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَتْنِي الحُمَّى، فَقَالَ: ابْرُدْهَا) بوصل الهمزة وسكون الموحَّدة وضمِّ الرَّاء، من الثُّلاثيِّ، من: برَّد الماء حرارة جوفي (٣)، أي: أطفأها. زاد في «اليونينيَّة»: قطع الهمزة وكسر الرَّاء (عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الحُمَّى) ولأبي ذرٍّ: «هي الحُمَّى» (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) من حرارتها حقيقةً، أُرسِلت إلى الدُّنيا نذيرًا للجاحدين، وبشيرًا للمُقرَّبين أنَّها كفَّارةٌ لذنوبهم، أو حرُّ الحُمَّى شبيهٌ بحرِّ جهنَّم (فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ) فكما أنَّ النَّار تُزال بالماء، كذلك حرارة الحُمَّى، وقوله: «فابردوها» بصيغة الجمع مع وصل الهمزة، وهو الصَّحيح المشهور في الرِّواية، وفي الفرع وأصله: قطعها مفتوحةً أيضًا مع كسر الرَّاء، وحكاه عياضٌ، لكن قال الجوهريُّ: هي لغةٌ رديئةٌ

стр. 6458

(أَوْ قَالَ: بِمَاءِ زَمْزَمَ، شَكَّ هَمَّامٌ) هو ابن يحيى البصريُّ، وفي رواية عفَّان عن همَّامٍ عند أحمد: «فأبرِدوها بماء زمزم» ولم يشكَّ، وهو يردُّ على من قال: إنَّ ذكر ماء زمزم ليس قيدًا لشكِّ راويه، وبه جزم ابن حبَّان فقال (١): إنَّ شدَّة الحُمَّى تُبْرَد بماء زمزم دون غيره من المياه. وتُعقِّب -على تقدير: أن لا شكَّ في ذكر ماء زمزم- بأنَّ الخطاب لأهل مكَّة خاصَّةً، لتيسير ماء زمزم عندهم. ٣٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاسٍ» بالمُوحَّدة والسِّين المهملة، أبو عثمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروقٍ الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح عين «عباية» وكسر راء «رِفاعة» أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة آخره جيمٌ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ) بفتح الفاء وسكون الواو أي: من شدَّة حرِّها، وفورة (٢) الحرِّ: شدَّته (فَابْرُدُوهَا) بوصل الهمزة وضمِّ الرَّاء على المشهور، وبقطعها وكسر الرَّاء (عَنْكُمْ بِالمَاءِ) زاد أبو هريرة -عند ابن ماجه-: «البارد». ٣٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهم أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أَنَّهُ (قَالَ: الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا) بالوصل والقطع، كما مرَّ [خ¦٣٢٦٢] (بِالمَاءِ).

стр. 6459

٣٢٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ) وليس في هذه الأحاديث كيفيَّة التَّبريد المذكور، وأولى ما يُحمَل عليه ما فعلته أسماء بنت أبي بكرٍ -كما في «مسلمٍ» -: «أنَّها كانت تُؤتَى بالمرأة الموعوكة فتصبُّ الماء في جيبها»، وفي غيره: «أنَّها كانت ترشُّ على بدن المحموم شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه»، فالصَّحابيُّ ولا سيَّما أسماءَ الَّتي هي ممَّن كان يلازم بيت النَّبيِّ ﷺ أعلم بالمراد من غيرها، والأطبَّاء يسلِّمون أنَّ الحُمَّى الصَّفراويَّة يُدبَّر صاحبها بسقي الماء البارد (١) الشَّديد البرودة، ويسقونه الثَّلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، ويحتمل أن يكون ذلك لبعض الحُمَّيات دون بعضٍ. قال في «الفتح»: وهذا أوجه، فإنَّ خطابه ﷺ قد يكون عامًّا، وهو الأكثر، وقد يكون خاصًّا، فيحتمل أن يكون هذا

стр. 6460

مخصوصًا بأهل الحجاز وما والاهم؛ إذ كانت أكثر الحُمَّيات الَّتي تعرض لهم من العرضيَّة الحادثة عن شدَّة الحرارة (١)، وهذه ينفعها (٢) الماء شربًا واغتسالًا. وبقية مباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٢٣] بعون الله تعالى. ٣٢٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ (٣)) إمام دار الهجرة ﵀ (عَنْ (٤) أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: نَارُكُمْ) هذه الَّتي توقدونها في جميع الدُّنيا (جُزْءٌ) واحدٌ (مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) لم أعرف القائل (إِنْ كَانَتْ) هذه النَّار (لَكَافِيَةً) في إحراق الكفَّار وتعذيب الفجَّار، فهلَّا اكتفى بها؟ (قَالَ) ﵊ مجيبًا له: إنَّها (فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ) بضمِّ الفاء وتشديد الضَّاد المعجمة، أي: على نيران الدُّنيا (بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ (٥) جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا) أعاد ﵇ حكاية تفضيل نار جهنَّم ليتميَّز عذاب الله من عذاب الخلق. وقال حجَّة الإسلام: نار الدُّنيا لا تناسب نار جهنَّم، ولكن لمَّا كان أشدُّ عذابٍ في (٦) الدُّنيا عذاب هذه النَّار، عُرِف عذاب (٧) جهنَّم بها، وهيهات لو وجد أهل الجحيم مثل هذه النَّار لخاضوها هربًا ممَّا هم فيه، وفي رواية أحمد: «جزءٌ من مئة جزءٍ» والحكم للزَّائد. وعند ابن ماجه من

стр. 6461

حديث أنسٍ مرفوعًا: «وإنَّها -يعني: نار الدُّنيا- لتدعو الله ألَّا يعيدها فيها». ٣٢٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) -بفتح العين- ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ عَطَاءً) هو ابن أبي (١) رباحٍ (يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يَعلى بن أميَّة التَّميميِّ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]) (٢) هو اسم خازن النَّار. وسبق هذا الحديث في «ذكر الملائكة» [خ¦٣٢٣٠]. ٣٢٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ (٣) الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (٤) (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ) بن زيد بن الحارث: (لَو أَتَيْتَ فُلَانًا) هو عثمان بن عفَّان ﵁ (فَكَلَّمْتَهُ) فيما وقع من الفتنة بين النَّاس والسَّعي في إطفاء نائرتها (٥)، وجواب «لو» محذوفٌ، أو هي (٦) للتَّمنِّي (قَالَ) أسامة: (إِنَّكُمْ

стр. 6462

لَتَُرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة وبضمِّها أيضًا، أي: لتظنُّون (أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ) يعني: عثمان (إِلَّا أُسْمِعُكُمْ) بضمِّ الهمزة، أي: إلَّا (١) بحضوركم وأنتم تسمعون (إِنِّي أُكُلِّمُهُ (٢) فِي السِّرِّ) طلبًا للمصلحة (دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا) من أبواب الفتن بتهييجها بالمجاهرة بالإنكار، لما في المجاهرة به (٣) من التَّشنيع المؤدِّي إلى افتراق الكلمة وتشتيت (٤) الجماعة (لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ: أَنْ كَانَ) بفتح الهمزة، أي: لأن كان (عَلَيَّ أَمِيرًا: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ) بضمِّ الياء وفتح الجيم (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ) جمع قِتبٍ -بكسر القاف-: الأمعاء، والاندلاق -بالدَّال المهملة والقاف-: الخروج بسرعةٍ، أي: تنصبُّ أمعاؤه من جوفه وتخرج من دبره (فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ) له: (أَيْ فُلَانُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا فلان» (مَا شَأْنُكَ) الَّذي أنت فيه؟! (أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا (٥) بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟) استفهامٌ استخباريٌّ، ولأبي ذرٍّ: «وتنهانا عن المنكر؟» (قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ رَوَاهُ) أي: الحديث (غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان فيما وصله البخاريُّ في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٩٨]. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في آخر الكتاب.

стр. 6463

(١١) (بابُ صِفَةِ إِبْلِيسَ) وهو شخصٌ روحانيٌّ خُلِق من نار السَّموم، وهو أبو الجنِّ والشَّياطين كلِّهم، وهل كان من الملائكة أم لا؟ وآية البقرة -وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى (١)﴾ [البقرة: ٣٤]- تدلُّ على أنَّه منهم، وإلَّا لم يتناوله أمرهم ولم يصحَّ استثناؤه منهم، ولا يَرِدُ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] لجواز أن يُقال: إنَّه كان من الجنِّ فعلًا ومن الملائكة نوعًا، ولأنَّ ابن عبَّاسٍ ﵄ روى: «أنَّ من الملائكة ضربًا يتوالدون يُقال لهم: الجنُّ، ومنهم: إبليس» ولمن زعم أنَّه لم يكن من الملائكة أن يقول: إنَّه كان جنِّيًّا نشأ بين أظهر الملائكة، وكان مغمورًا بالألوف منهم فغُلبوا عليه، ولعلَّ ضربًا من الملائكة لا يخالف الشَّياطين بالذَّات، وإنَّما يخالفهم بالعوارض والصِّفات؛ كالبَرَرَة والفَسَقَة من الإنس والجنِّ يشملهما، وكان إبليس من هذا الصِّنف. وعن مقاتلٍ: لا من الملائكة ولا من الجنِّ، بل خُلِق منفردًا من النَّار، ولحسنه كان يُقال له: طاوس الملائكة، ثمَّ مسخه الله تعالى، وكان اسمه عزازيل، ثمَّ إبليس بَعْدُ، وهذا يؤيِّد قول القائل: بأنَّ «إبليس» عربيٌّ، لكن قال ابن الأنباريِّ: لوكان عربيًّا لصُرِف، كإكليلٍ (وَ) في بيان

стр. 6464

(جُنُودِهِ) الَّتي يبثُّها في الأرض لإضلال بني آدم، وفي «مسلمٍ» من حديث جابرٍ مرفوعًا: «عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون النَّاس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنةً». (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ في قوله تعالى: (﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ [الصافات: ٨]) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَيُقْذَفُونَ﴾» (١) أي: (يُرْمَوْنَ) وفي قوله تعالى: (﴿دُحُورًا﴾ [الصافات: ٩]) أي: (مَطْرُودِينَ) وفي قوله تعالى: (﴿وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]) أي: (دَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: (﴿مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]) أي: (مَطْرُودًا) وفي قوله تعالى: ﴿شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] (يُقَالُ: ﴿مَّرِيدًا﴾) أي: (مُتَمَرِّدًا) وفي قوله تعالى: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٩] يُقال: (بَتَّكَهُ) أي: (قَطَّعَهُ) وفي (٢) قوله تعالى: (﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤]) أي: (اسْتَخِفَّ، ﴿بِخَيْلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] الفُرْسَانُ، وَالرَّجْلُ) في قوله تعالى: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] (الرَّجَّالَةُ) بتشديد الرَّاء والجيم المفتوحتين (وَاحِدُهَا: رَاجِلٌ مِثْلُ: صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ) قاله أبو عبيدة، وفي قوله تعالى: (﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]) أي: (لأَسْتَأْصِلَنَّ) من الاستئصال. وفي قوله تعالى: (﴿قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]) أي: (شَيْطَانٌ) قاله مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ.

стр. 6465

٣٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازي الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ السِّين وكسر الحاء المهملتين مبنيًّا للمفعول، لمَّا رجع من الحديبية. (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله عيسى بن حمَّادٍ في نسخته (١) رواية أبي بكر بن أبي داود عنه: (كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ: أَنَّهُ سَمِعَهُ) أي: الحديث (وَوَعَاهُ) أي: حفظه (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول (إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ) من أمور الدُّنيا. وفي رواية ابن عيينة عند المؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٥]: «حتَّى كان يرى أنَّه يأتي النِّساء» (وَمَا يَفْعَلُهُ) وفي «جامع مَعْمَرٍ» عن الزُّهريِّ: «أنَّه ﵇ لبث كذلك سنةً» (حَتَّى كَانَ ذَاتَُ يَوْمٍ) بنصب «ذات» (٢)، ويجوز رفعها، وقد قيل: إنَّها مقحمةٌ، وقيل: بل هي من إضافة الشَّيء إلى نفسه على رأي من يجيزه (دَعَا وَدَعَا) مرَّتين. ولـ «مسلمٍ» من رواية ابن نُمَيرٍ: «فدعا، ثمَّ دعا، ثمَّ دعا» (٣)

стр. 6466

بالتَّكرير (١) ثلاثًا، وهو المعهود من عادته (ثُمَّ قَالَ) لعائشة: (أَشَعَرْتِ) أي: أَعَلِمْتِ (أَنَّ اللهَ) (أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي) وللحُميديِّ: «أفتاني في أمرٍ استفتيته فيه» أي: أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدُّعاء استفتاءً، لأنَّ الدَّاعي طالبٌ والمجيب مُسْتَفتًى، أو المعنى: أجابني عمَّا سألته عنه، لأنَّ دعاءه كان (٢) أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه، لِمَا اشتبه عليه من الأمر (أَتَانِي رَجُلَانِ) وعند الطَّبرانيِّ (٣) من طريق مُرجَّى بن رجاءٍ عن هشامٍ: «أتاني ملكان» وعند ابن سعدٍ في روايةٍ منقطعةٍ: «أنَّهما جبريل وميكائيل» (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا) هو جبريل، كما جزم به الدِّمياطيُّ في «السِّيرة» (عِنْدَ رَأْسِي، وَ) قعد (الآخَرُ) وهو ميكائيل (عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وهو ميكائيل (لِلآخَرِ) وهو جبريل: (مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) فيه إشعارٌ بوقوع ذلك في المنام؛ إذ لوكان يقظةً؛ لخاطباه وسألاه، وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيليِّ: «فانتبه من نومه ذات يومٍ»، لكن في حديث ابن عبَّاسٍ بسندٍ ضعيفٍ عند (٤) ابن سعدٍ: «فهبط عليه ملكان وهو بين النَّائم واليقظان» (قَالَ) أي: جبريل لميكائيل: (مَطْبُوبٌ) بفتح الميم وسكون الطَّاء المهملة (٥) ومُوحَّدتين بينهما واوٌ، مسحورٌ، كنَّوا (٦) عن السِّحر بالطِّبِّ، كما كنَّوا عن اللَّديغ بالسَّليم تفاؤلًا (قَالَ) أي: ميكائيل لجبريل: (وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ) جبريل لميكائيل: طبَّهُ (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ) بفتح اللَّام وكسر الموحَّدة، و «الأَعْصَم» بهمزةٍ مفتوحةٍ فعينٍ ساكنةٍ فصادٍ مفتوحةٍ مهملتين فميمٍ، اليهوديُّ (قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُِشُْطٍ) بضمِّ الميم وإسكان الشِّين، وقد يُكسَر أوَّله مع إسكان ثانيه، وقد يُضَمُّ ثانيه مع ضمِّ أوَّله فقط، واحد الأمشاط: الآلة الَّتي يُمشَّط بها الشَّعر (٧)، وفي حديث عَمْرة (٨) عن عائشة: أنَّه مشطه ﷺ

стр. 6467

(وَمُشَاقَةٍ) بالقاف: ما يُستخرَج من الكتَّان (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بضمِّ الجيم وتشديد الفاء والإضافة وتنوين «طلعةٍ» (ذَكَرٍ) بالتَّنوين أيضًا، صفةٌ لـ «جفٍّ» وهو وعاء الطَّلع وغشاؤه إذا جفَّ (قَالَ) ميكائيل لجبريل: (فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ) جبريل: هو (١) (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) -بذالٍ مُعجَمةٍ مفتوحةٍ وراءٍ ساكنةٍ- بالمدينة (٢) في بستان بني زُرَيقٍ -بتقديم الزَّاي المضمومة على الرَّاء- من اليهود. وقال البكريُّ والأصمعيُّ: بئر (٣) أَرْوَان، بهمزةٍ بدل المعجمة، وغَلَّط القائل بالأوَّل، وكلاهما صحيحٌ، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٦] بعون الله تعالى. (فَخَرَجَ إِلَيْهَا) إلى البئر المذكورة (النَّبِيُّ ﷺ ¬) زاد في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٦]: «في أناسٍ من أصحابه» ويأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر تسمية من سُمِّي منهم (ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا) الَّتي إلى جانبها (كَأَنَّهَا) أي: النَّخيل، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كأنَّه» أي: النَّخل (٤) (رُؤُوْسُ الشَّيَاطِينِ) كذا وقع هنا، والتَّشبيه إنَّما هو لـ «رؤوس النَّخل» وفي «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٣]: «وكأنَّ رؤوس نخلها رؤوس (٥) الشَّياطين» أي: في قبح المنظر، قالت عائشة: (فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ) ﵇: (لَا) لم أستخرجه (أَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم (أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ) استخراجه (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) كتذكُّر السِّحر

стр. 6468

وتعلُّمه، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة (ثُمَّ دُفِنَتِ البِئْرُ) بضمِّ الدَّال وكسر الفاء، مبنيًّا للمفعول. وفي «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٥] من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريجٍ عن آل عروة (١) عن عروة: فأتى النَّبيُّ ﷺ البئر حتَّى استخرجه، ثمَّ قال: «فاستُخرِج» قال (٢): فقلتُ: ألا تنشَّرتَ (٣)؟ فقال: «أَما واللهِ قد شفاني، وأكره أن أثير على أحدٍ من الناس شرًّا» فأثبت استخراج السِّحر، وجعل سؤال عائشة عن النُّشرة، وزيادته مقبولةٌ، لأنَّه أثبت من بقيَّة من روى هذا الحديث، لا سيِّما وقد كرَّر استخراج السِّحر مرَّتين في روايته كما ترى، فبَعُد (٤) من الوهم، وزاد ذكر النُّشرة وجعل جوابه ﷺ عنها، وفي رواية عمرة عن عائشة: «أنَّه وجد (٥) في الطَّلعة تمثالًا من شمعٍ -تمثال النَّبيِّ ﷺ وإذا فيه إبرٌ مغروزةٌ، وإذا وترٌ فيه إحدى عشرة عقدةً، فنزل جبريل بالمُعوِّذتين، فكلَّما قرأ آيةً انحلَّت عقدةٌ، وكلَّما نزع إبرةً وجد لها ألمًا، ثمَّ يجد بعدها راحةً» ومطابقة الحديث لِمَا تُرجم به (٦) من جهة أنَّ السِّحر إنَّما يتمُّ باستعانة الشَّياطين على ذلك. وأخرجه في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٣] أيضًا وكذا النَّسائيُّ.

стр. 6469

٣٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) اقتصر أبو ذرٍّ (١) على قوله: «إسماعيل» وأسقط ما بعده (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أُوَيسٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) التَّيميِّ مولاهم المدنيِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) إبليس أو أحد أعوانه (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) مُؤخَّره (إِذَا هُو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى (٢) كُلِّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا) أي: في مكان القافية قائلًا: باقٍ (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ) قال في «المُغْرِب»: يُقال: ضرب الشَّبكة على الطَّائر (٣): ألقاها عليه، و «عليك» إمَّا خبرٌ لقوله: «ليلٌ» أي: ليلٌ طويلٌ عليك، أو إغراءٌ، أي: عليك بالنَّوم أمامك ليلٌ، فالكلام جملتان، والثَّانية مستأنفةٌ كالتَّعليل للأولى، وقيل: «يضرب»: يحجب الحسَّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظ (فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) واحدةٌ من الثَّلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) ثانيةٌ (فَإِنْ صَلَّى) فرضًا أو نفلًا (انْحَلَّتْ عُقَدُهُ) الثَّلاثة (كُلُّهَا) فلو نام متمكِّنًا ثمَّ انتبه فصلَّى ولم يذكر ولم يتوضَّأ انحلَّت الثَّلاثة، لأنَّ الصَّلاة مستلزمةٌ للوضوء والذِّكر (فَأَصْبَحَ) لِمَا وفِّق له من وظائف الطَّاعة الَّتي تُسرع به (٤) إلى مقام الزُّلفى، وترقِّيه إلى السَّعادة العظمى (نَشِيطًا) قد خلص من نفث (٥) الشَّيطان في عُقَد (٦) نفسه الأمَّارة (طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا) بأن ترك الثَّلاثة المذكورة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ) لبقاء أثر تثبيط الشَّيطان وظفره به.

стр. 6470

وهذا الحديث (١) سبق في «التَّهجُّد» [خ¦١١٤٢]. ٣٢٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو ابن محمَّد بن أبي شيبة -واسمُ أبي شيبة: إبراهيمُ بن عثمان بن عيسى العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكرٍ- قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الرَّازي (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (٢) (قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليلةً» (حَتَّى أَصْبَحَ) وقد أخرج سعيد بن منصورٍ هذا الحديث، وفيه: أنَّ ابن مسعودٍ قال: وايْمُ الله لقد بال في أذن صاحبكم ليلةً (٣)، يعني: نفسه، فيحتمل أن يُفسَّر به المبهم هنا (قَالَ) ﵊: (ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ) حقيقةً أو مجازًا (فِي أُذُنَيْهِ) بالتَّثنية (أَوقَالَ: فِي أُذُنِهِ) بالإفراد، فإن قلت: لِمَ خصَّ الأُذنَ، والعينُ أنسب بالنَّوم؟ أجاب الطِّيبيُّ: بأنَّه إشارةٌ إلى ثقل النَّوم، لأنَّ المسامع (٤) موارد الانتباه بالأصوات، وخصَّ البول من بين

стр. 6471

الأخبثين، لأنَّه مع خباثته أسهل مدخلًا في تجاويف الخروق والعروق ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. وهذا الحديث مرَّ في «التَّهجُّد» [خ¦١١٤٤] أيضًا. ٣٢٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين، رافع الغطفانيِّ الأشجعيِّ مولاهم الكوفيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) هو ابن أبي مسلمٍ الهاشميِّ مولاهم المدنيِّ مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَمَا) بتخفيف الميم (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) زوجته، وهو كنايةٌ عن الجماع، ولأبي داود: «لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله» وعند الإسماعيليِّ من رَوْاية روح بن القاسم عن منصورٍ: «لو أنَّ أحدكم إذا جامع امرأته ذكر الله» (وَقَالَ) بالواو: (بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) أي (١): أبعد منَّا (الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) من الولد (فَرُزِقَا وَلَدًا) ذكرًا أو أنثى (لَمْ يَضُرَُّهُ الشَّيْطَانُ) -بضمِّ الرَّاء المُشدَّدة وفتحها- في بدنه أو دينه، واستُبعِد لانتفاء العصمة. وأُجيب بأنَّ اختصاص من اختصَّ بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز، أو لم يفتنه بالكفر، أو لم يشارك أباه (٢) في جماع أمِّه، كما رُوِي عن مجاهدٍ: أنَّ الَّذي يجامع ولا يُسمِّي يلتفُّ الشَّيطان على إحليله فيجامع معه، وروى الطَُّرطوشيُّ في «باب

стр. 6472

تحريم الفواحش» و «باب من أيِّ شيءٍ يكون المخنَّث؟» بسنده إلى ابن عبَّاسٍ، قال: «المخنَّثون (١) أولاد الجنِّ، قيل لابن عبَّاسٍ: كيف ذاك (٢)؟ قال: إنَّ الله ورسوله ﷺ نهيا أن يأتي الرَّجل امرأته وهي حائضٌ، فإذا أتاها سبقه إليها الشَّيطان، فحملت، فجاءت بالمخنَّث». وحديث الباب هذا سبق في «الطَّهارة» [خ¦١٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في هذا الباب [خ¦٣٢٨٣] وفي «النِّكاح» [خ¦٥١٦٥] بعون الله تعالى. ٣٢٧٢ - ٣٢٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَامٍ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي: طرفها الأعلى من قرصها (فَدَعُوا الصَّلَاةَ) أي: الَّتي لا سبب لها (حَتَّى تَبْرُزَ) أي: تظهر (وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ) الَّتي لا سبب لها (حَتَّى تَغِيبَ). (وَلَا تَحَيَّنُوا) بفتح الفوقيَّة والحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة، وأصله: لا تتحيَّنوا بتاءين حُذِفت إحداهما تخفيفًا، أي: لا تقصدوا (بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَو الشَّيْطَانِ) جانبي رأسه. قال الحافظ ابن حجرٍ -كالكِرمانيِّ-: يُقال: إنَّه ينتصب في محاذاة مطلع الشَّمس، حتَّى إذا طلعت كانت بين جانبي رأسه لتقع السَّجدة له إذا سجد عَبَدَةُ الشَّمس لها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «الشَّياطين» بالجمع بدل «الشَّيطان»

стр. 6473

المفرَد المُعرَّف (١). قال عبدة بن سليمان: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشَامٌ) بالتَّنكير أو بالتَّعريف. والحديث مضى في «باب الصَّلاة بعد الفجر» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٨٢]. ٣٢٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرٍو (٢) المنقريُّ المقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عُبَيدٍ العبديُّ البصريُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصرٍ البصريِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) ولأبي ذرٍّ: «عن أبي سعيدٍ» (٣) الخدريِّ، وضُبِّب في الفرع على «أبي هريرة» أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ) آدميٌّ أو غيره (وَهُو يُصَلِّي فَلْيَمْنَعْهُ) من المرور ما استطاع ندبًا بالإجماع (فَإِنْ أَبَى) إلَّا أن يمرَّ (فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ) قيل: المراد بالمقاتلة قوَّة المنع من غير أن ينتهي إلى الأعمال المنافية (٤) للصَّلاة، أي: يردُّه بأسهل ما يمكن به الرَّدُّ إلى أن ينتهي إلى المقاتلة، حتَّى لو أتلفَ منه شيئًا في ذلك لا ضمان عليه، وقيل: المراد: المقاتلة ابتداءً، لكن لا ينتهي إلى المقاتلة بالسِّلاح ولا بما يؤدِّي إلى الهلاك إجماعًا، لأنَّه مخالفٌ لقاعدة الإقبال على الصَّلاة والاشتغال بها والسُّكون إليها، وكان محلُّ الإجماع في ذلك في الابتداء، وإلَّا فإذا انتهى الأمر إليه جاز، ولا قَوَد، وفي الدِّية خلافٌ (فَإِنَّمَا هُو شَيْطَانٌ) أي: معه شيطانٌ، أو هو شيطان الإنس، أو إنَّما حمله على ذلك الشَّيطان، أو إنَّما فَعَلَ فِعْلَ الشَّيطان، أو المراد: قرين الإنسان، فيكون شيطانه هو الحامل له على ذلك.

стр. 6474

وهذا الحديث سبق في «باب يردُّ المصلِّي من مرَّ بين يديه» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٠٩]. ٣٢٧٥ - (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بالمُثلَّثة بعد التَّحتيَّة السَّاكنة، مؤذِّن البصرة -فيما وصله الإسماعيليُّ والنَّسائيُّ-: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بفتح العين المهملة وبعد الواو السَّاكنة فاءٌ، الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) ابن أبي عمرة الأنصاريِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَنِي) بتشديد الكاف، ولأبي ذرٍّ: «وكَلني» بتخفيفها (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ) الفطر من (رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو) بالحاء المهملة والمثلَّثة، يأخذ بكفَّيه (مِنَ الطَّعَامِ) أي: التَّمر (فَأَخَذْتُهُ) يعني: الآتي (فَقُلْتُ) له: (لأَرْفَعَنَّكَ) أي: لأذهبنَّ بك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ … ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ بتمامه كما سبق في «الوكالة» [خ¦٢٣١١]، (فَقَالَ) أي: الآتي بعد إتيانه ثلاث مرَّاتٍ وأخذه من الطَّعام، وقوله: «إنَّه لا يعود» في كلِّ مرَّة: «دعني أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بها. قلت: ما هنَّ (١)؟ قال»: (إِذَا أَوَيْتَ) أي: أتيت (إِلَى فِرَاشِكَ) للنَّوم وأخذت مضجعك (فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ) زاد في «الوكالة» [خ¦٢٣١١]: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتَّى تختم الآية، فإنَّك (لَنْ يَزَالَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ) ولأبي ذرٍّ: «عليك من الله حافظٌ» (وَلَا يَقْرُبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ) بضمِّ الرَّاء والباء الموحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ولا يقرَبك» بفتح الرَّاء (٢) (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأبي هريرة لمَّا ذكر له مقالته: (صَدَقَكَ) -بتخفيف الدَّال- فيما ذكره من فضل (٣) آية الكرسيِّ (وَهْو كَذُوبٌ، ذَاكَ (٤) شَيْطَانٌ) من الشَّياطين.

стр. 6475

٣٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -ونسبه لجدِّه لشهرته به (١)، واسم أبيه عبدُ الله- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن خالدٍ، الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بنُ الزُبَيْرِ) وسقط «ابن الزُّبير» لغير أبي ذرٍّ (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ) يوسوس في صدره (فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟) بالتَّكرار مرَّتين (حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ) أي: إذا بلغ قوله: «من خلق ربَّك؟» (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ) من وسوسته، بأن يقول: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، قال (٢) تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (وَلْيَنْتَهِ) عن (٣) الاسترسال معه في ذلك، وليبادر إلى قطعه بالإعراض عنه فإنَّه تندفع الوسوسة عنه، لأنَّ الأمر الطَّارئ بغير أصلٍ يُدفَع بغير نظرٍ في دليلٍ؛ إذ لا أصل له يُنظَر فيه. قال الخطَّابيُّ: لو أذن ﷺ في محاجَّته لكان الجواب سهلًا على كلِّ موحِّدٍ، ولكان الجواب مأخوذًا من فحوى كلامه، فإنَّ أوَّل كلامه يناقض آخره، لأنَّ جميع المخلوقات -من مَلَكٍ وإنسٍ وجنٍّ وحيوانٍ وجمادٍ- داخلٌ تحت اسم الخلق، ولو فتح هذا الباب الَّذي ذكره للزم منه أن يُقال: ومن خلق ذلك الشَّيء؟ ويمتدُّ القول في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بما لا يتناهى فاسدٌ، فسقط السُّؤال من أصله. وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الإيمان»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٣٢٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد الزُّهريِّ

стр. 6476

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ (١): أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي (٢) عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) في «الصِّيام» [خ¦١٨٩٩] من رواية غير (٣) أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شهر رمضان» (فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ) حقيقةً علامة للملائكة على دخول رمضان وتعظيم حرمته، أو كنايةٌ عن تنزُّل الرَّحمة، ولأبي ذرٍّ: «أبواب السَّماء» ولا تضادَّ في ذلك، لأنَّ أبواب السَّماء يُصعَد منها إلى الجنَّة (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) حقيقةً أو كنايةً عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات (وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) مسترقو السَّمع حقيقةً، لأنَّ رمضان كان وقتًا لنزول (٤) القرآن إلى سماء الدُّنيا، وكانت الحراسة قد وقعت بالشُّهب، كما قال الله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] فزيدوا التَّسلسل في رمضان مبالغةً في الحفظ، وقيل غير ذلك كما في «كتاب الصَّوم» [خ¦١٨٩٩]. ٣٢٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال (٥): (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ) فيه اختصارٌ (٦) ذكره في «العلم» [خ¦١٢٢] بلفظ: «قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفًا البِكَاليَّ

стр. 6477

يزعم أنَّ موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنَّما هو موسى آخر، فقال: كذب عدوُّ الله» (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ) فيه اختصارٌ أيضًا، ولفظه: «قال: قام موسى النَّبيُّ ﷺ خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه أنَّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: ربِّ، وكيف به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مكتلٍ، فإذا فقدته فهو ثَمَّ، فانطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نونٍ، وحملا حوتًا في مكتلٍ، حتَّى كانا عند الصَّخرة وضعا رؤوسهما وناما، فانسلَّ الحوت من المكتل فاتَّخذ سبيله في البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا، فانطلقا بقيَّة ليلتهما ويومهما، فلمَّا أصبح قال موسى لفتاه»: (آتِنَا غَدَاءَنَا) بفتح الغين المعجمة والدَّال المهملة، أي: الطَّعام الَّذي يُؤكَل أوَّل النَّهار (قَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرت (١) ما دهاني (إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ) أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما (٢) رأيت (وَمَا أَنْسَانِيهِ) أي: وما أنساني ذكره (إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) نسبه للشَّيطان هضمًا لنفسه (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ) (بِهِ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «الَّذي أمره الله» وأسقط (٣) هنا قوله «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا»، وغرضه من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] كما لا يخفى.

стр. 6478

٣٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ مولاهم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: هَا (١)) بالقصر من غير همزٍ، حرف تنبيهٍ (إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا) مرَّتين (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) نسب الطُّلوع لقرن الشَّيطان مع أنَّ الطُّلوع للشَّمس، لكونه مقارنًا لطلوعها (٢)، ومراده ﵊: أنَّ منشأ الفتنة من جهة المشرق، وهذا من أعلام نبوَّته ﵊، فقد وقع ذلك كما أخبر. ٣٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) أبو زكريَّا البخاريُّ البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) هو من شيوخ المؤلِّف، رُوِيَ عنه هنا (٣) بالواسطة، قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع وضُبِّب عليها بالفرع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا اسْتَجْنَحَ (٤) اللَّيْلُ) بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فجيمٍ ساكنةٍ فنونٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مهملةٍ، أي: أقبل ظلامه حين تغيب الشَّمس، وسقط لفظ «اللَّيل» لغير أبي ذرٍّ (أَو كَانَ جُِنْحُ اللَّيْلِ)

стр. 6479

بضمِّ الجيم وكسرها وسكون النُّون، وفي «اليونينيَّة»: ضمُّ الجيم وفتحها (١)، أي: طائفةٌ منه، و «كان» تامَّةٌ، أي: حصل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أو قال (٢): جنح اللَّيل» (فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ) أي: ضمُّوهم وامنعوهم من الانتشار ذلك الوقت (فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ) لأنَّ حركتهم في اللَّيل أمكن منها لهم في النَّهار، لأنَّ الظَّلام أجمع للقوى الشَّيطانيَّة، وعند انتشارهم يتعلَّقون بما يمكنهم التَّعلُّق به، فلذا خيف على الصِّبيان من إيذائهم (فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ) أي: فإذا (٣) ذهب بعض الظُّلمة لامتدادها (فَحُلُّوهُمْ) بالحاء المهملة المضمومة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فخَلُّوهم» بالخاء المعجمة المفتوحة وضمِّها (٤) في «اليونينيَّة» (وَأَغْلِقْ بَابَكَ) بقطع الهمزة والإفراد خطابٌ لمفردٍ (٥)، والمراد به كلُّ واحدٍ (٦)، فهو عامٌّ بحسب المعنى (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَأَطْفِئْ) بالهمز (٧) (مِصْبَاحَكَ) بقطع الهمزة، أمرٌ من الإطفاء خوفًا من الفويسقة أن تجرَّ الفتيلة فتحرق البيت. وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن عبَّاسٍ: «جاءت فأرةٌ فأخذت تجرُّ الفتيلة، فجاءت بها وألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخُمْرة الَّتي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها موضع درهم»، والمصباح عامٌّ يشمل السِّراج وغيره. نعم القنديل المعلَّق إن أُمِنَ منها فلا بأس؛ لانتفاء العلَّة (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَأَوْكِ سِقَاءَكَ) بكسر المهملة والمدِّ، أي: اشدد فم قربتك بخيطٍ أو غيره (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَخَمِّرْ) بالخاء المعجمة المفتوحة والميم المشدَّدة المكسورة والرَّاء، غطِّ (إِنَاءَكَ) صيانةً من الشَّيطان، لأنَّه لا يكشف غطاءً، ولا يحلُّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يؤذي صبيًّا، وفي تغطية الإناء أيضًا أمنٌ من الحشرات وغيرها، ومن الوباء الَّذي ينزل في ليلةٍ من السَّنة؛ إذ ورد: أنَّه «لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو شيءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلَّا نزل

стр. 6480

فيه»، وعن اللَّيث: والأعاجم (١) يتَّقون ذلك في كانون الأوَّل (٢). (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَلَو تَعْرُِضُ) بضمِّ الرَّاء وتُكسَر (عَلَيْهِ) على الإناء (شَيْئًا) عودًا أو نحوه، تجعله عليه عرضًا -بخلاف الطُّول- إن لم تقدر على ما تغطِّيه به، والأمر في كلِّها للإرشاد. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦٢٣]، وكذا مسلمٌ وأبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٣٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، المروزيُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن غيلان» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَلِيِّ) زين العابدين (٣) (بْنِ حُسَيْنٍ) يعني: ابن عليِّ بن أبي طالبٍ (عَنْ صَفِيَّةَ بْنَةِ حُيَيٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بنت (٤) حييٍّ» (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتَكِفًا) في مسجده (فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَانْقَلَبْتُ) أي (٥): فرجعت (فَقَامَ) ﷺ (مَعِي لِيَقْلِبَنِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون القاف (وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قيل: هما أُسيد بن حُضَيرٍ وعبَّاد بن بِشْرٍ (فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا) في المشي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لهما شفقةً ورأفةً بهما: (عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الرَّاء، على هينتكما، فما هنا شيءٌ تكرهانه (إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ
следующие страницы →