← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ (١): أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي (٢) عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) في «الصِّيام» [خ¦١٨٩٩] من رواية غير (٣) أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شهر رمضان» (فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ) حقيقةً علامة للملائكة على دخول رمضان وتعظيم حرمته، أو كنايةٌ عن تنزُّل الرَّحمة، ولأبي ذرٍّ: «أبواب السَّماء» ولا تضادَّ في ذلك، لأنَّ أبواب السَّماء يُصعَد منها إلى الجنَّة (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) حقيقةً أو كنايةً عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات (وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) مسترقو السَّمع حقيقةً، لأنَّ رمضان كان وقتًا لنزول (٤) القرآن إلى سماء الدُّنيا، وكانت الحراسة قد وقعت بالشُّهب، كما قال الله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] فزيدوا التَّسلسل في رمضان مبالغةً في الحفظ، وقيل غير ذلك كما في «كتاب الصَّوم» [خ¦١٨٩٩]. ٣٢٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال (٥): (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ) فيه اختصارٌ (٦) ذكره في «العلم» [خ¦١٢٢] بلفظ: «قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفًا البِكَاليَّ

стр. 6477

يزعم أنَّ موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنَّما هو موسى آخر، فقال: كذب عدوُّ الله» (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ) فيه اختصارٌ أيضًا، ولفظه: «قال: قام موسى النَّبيُّ ﷺ خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه أنَّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: ربِّ، وكيف به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مكتلٍ، فإذا فقدته فهو ثَمَّ، فانطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نونٍ، وحملا حوتًا في مكتلٍ، حتَّى كانا عند الصَّخرة وضعا رؤوسهما وناما، فانسلَّ الحوت من المكتل فاتَّخذ سبيله في البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا، فانطلقا بقيَّة ليلتهما ويومهما، فلمَّا أصبح قال موسى لفتاه»: (آتِنَا غَدَاءَنَا) بفتح الغين المعجمة والدَّال المهملة، أي: الطَّعام الَّذي يُؤكَل أوَّل النَّهار (قَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرت (١) ما دهاني (إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ) أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما (٢) رأيت (وَمَا أَنْسَانِيهِ) أي: وما أنساني ذكره (إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) نسبه للشَّيطان هضمًا لنفسه (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ) (بِهِ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «الَّذي أمره الله» وأسقط (٣) هنا قوله «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا»، وغرضه من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] كما لا يخفى.

стр. 6478

٣٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ مولاهم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: هَا (١)) بالقصر من غير همزٍ، حرف تنبيهٍ (إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا) مرَّتين (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) نسب الطُّلوع لقرن الشَّيطان مع أنَّ الطُّلوع للشَّمس، لكونه مقارنًا لطلوعها (٢)، ومراده ﵊: أنَّ منشأ الفتنة من جهة المشرق، وهذا من أعلام نبوَّته ﵊، فقد وقع ذلك كما أخبر. ٣٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) أبو زكريَّا البخاريُّ البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) هو من شيوخ المؤلِّف، رُوِيَ عنه هنا (٣) بالواسطة، قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع وضُبِّب عليها بالفرع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا اسْتَجْنَحَ (٤) اللَّيْلُ) بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فجيمٍ ساكنةٍ فنونٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مهملةٍ، أي: أقبل ظلامه حين تغيب الشَّمس، وسقط لفظ «اللَّيل» لغير أبي ذرٍّ (أَو كَانَ جُِنْحُ اللَّيْلِ)

стр. 6479

بضمِّ الجيم وكسرها وسكون النُّون، وفي «اليونينيَّة»: ضمُّ الجيم وفتحها (١)، أي: طائفةٌ منه، و «كان» تامَّةٌ، أي: حصل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أو قال (٢): جنح اللَّيل» (فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ) أي: ضمُّوهم وامنعوهم من الانتشار ذلك الوقت (فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ) لأنَّ حركتهم في اللَّيل أمكن منها لهم في النَّهار، لأنَّ الظَّلام أجمع للقوى الشَّيطانيَّة، وعند انتشارهم يتعلَّقون بما يمكنهم التَّعلُّق به، فلذا خيف على الصِّبيان من إيذائهم (فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ) أي: فإذا (٣) ذهب بعض الظُّلمة لامتدادها (فَحُلُّوهُمْ) بالحاء المهملة المضمومة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فخَلُّوهم» بالخاء المعجمة المفتوحة وضمِّها (٤) في «اليونينيَّة» (وَأَغْلِقْ بَابَكَ) بقطع الهمزة والإفراد خطابٌ لمفردٍ (٥)، والمراد به كلُّ واحدٍ (٦)، فهو عامٌّ بحسب المعنى (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَأَطْفِئْ) بالهمز (٧) (مِصْبَاحَكَ) بقطع الهمزة، أمرٌ من الإطفاء خوفًا من الفويسقة أن تجرَّ الفتيلة فتحرق البيت. وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن عبَّاسٍ: «جاءت فأرةٌ فأخذت تجرُّ الفتيلة، فجاءت بها وألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخُمْرة الَّتي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها موضع درهم»، والمصباح عامٌّ يشمل السِّراج وغيره. نعم القنديل المعلَّق إن أُمِنَ منها فلا بأس؛ لانتفاء العلَّة (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَأَوْكِ سِقَاءَكَ) بكسر المهملة والمدِّ، أي: اشدد فم قربتك بخيطٍ أو غيره (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَخَمِّرْ) بالخاء المعجمة المفتوحة والميم المشدَّدة المكسورة والرَّاء، غطِّ (إِنَاءَكَ) صيانةً من الشَّيطان، لأنَّه لا يكشف غطاءً، ولا يحلُّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يؤذي صبيًّا، وفي تغطية الإناء أيضًا أمنٌ من الحشرات وغيرها، ومن الوباء الَّذي ينزل في ليلةٍ من السَّنة؛ إذ ورد: أنَّه «لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو شيءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلَّا نزل

стр. 6480

فيه»، وعن اللَّيث: والأعاجم (١) يتَّقون ذلك في كانون الأوَّل (٢). (وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه (وَلَو تَعْرُِضُ) بضمِّ الرَّاء وتُكسَر (عَلَيْهِ) على الإناء (شَيْئًا) عودًا أو نحوه، تجعله عليه عرضًا -بخلاف الطُّول- إن لم تقدر على ما تغطِّيه به، والأمر في كلِّها للإرشاد. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦٢٣]، وكذا مسلمٌ وأبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٣٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، المروزيُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن غيلان» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عَلِيِّ) زين العابدين (٣) (بْنِ حُسَيْنٍ) يعني: ابن عليِّ بن أبي طالبٍ (عَنْ صَفِيَّةَ بْنَةِ حُيَيٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بنت (٤) حييٍّ» (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتَكِفًا) في مسجده (فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَانْقَلَبْتُ) أي (٥): فرجعت (فَقَامَ) ﷺ (مَعِي لِيَقْلِبَنِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون القاف (وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قيل: هما أُسيد بن حُضَيرٍ وعبَّاد بن بِشْرٍ (فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا) في المشي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لهما شفقةً ورأفةً بهما: (عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الرَّاء، على هينتكما، فما هنا شيءٌ تكرهانه (إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ

стр. 6481

حُيَيٍّ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ! يَا رَسُولَ اللهِ) أي: تنزَّه الله عن (١) أن يكون رسوله متَّهمًا بما لا ينبغي (قَالَ) ﵇: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) حقيقةً، لِمَا خلق الله فيه من القوَّة والاقتدار على ذلك. وقال القاضي عبد الجبَّار فيما نقله صاحب «آكام المرجان»: إذا صحَّ ما دللنا عليه من رقَّة أجسامهم وأنَّها (٢) كالهواء لم (٣) يمتنع دخولهم في أبداننا، كما يدخل الرِّيح والنَّفس المتردِّد -الَّذي هو الرُّوح- في أبداننا، ولا يؤدِّي ذلك إلى اجتماع الجواهر في حيِّزٍ واحدٍ، لأنَّها لا تجتمع إلَّا على طريق المجاورة لا على سبيل الحلول، وإنَّما تدخل في أجسامنا كما يدخل الجسم الرَّقيق في الظُّروف. وقال ابن عقيلٍ: إن قال قائلٌ: كيف الوسوسة من إبليس وكيف وصوله إلى القلب؟ قل (٤): هو كلامٌ -على ما قيل- تميل إليه النُّفوس (٥) والطَّبع، وقد قيل: يدخل في جسد ابن آدم، لأنَّه جسمٌ لطيفٌ، وهو أنَّه يحدِّث النَّفس بالأفكار الرَّديئة. قال الله تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] فإن قالوا: هذا لا يصحُّ، لأنَّ القسمين باطلان، أمَّا حديثه فلو كان موجودًا لسُمِع بالآذان، وأمَّا دخوله في (٦) الأجسام فالأجسام لا تتداخل، ولأنَّه نارٌ فكان يجب أن يحرق الإنسان. قل (٧): أمَّا حديثه فيجوز أن يكون شيئًا تميل إليه النَّفس، كالسِّحر الَّذي يُتوِّقُ (٨) النَّفسَ إلى المسحور وإن لم يكن صوتًا، وأمَّا قوله: لو أنَّه دخل فيه لتداخلت الأجسام ولاحترق الإنسان، فغلطٌ، لأنَّه ليس بنارٍ محرقةٍ وإنَّما أصل خلقتهم من نارٍ، والجسم اللَّطيف يجوز أن يدخل إلى مخاريق الجسم الكثيف، كالرُّوح عندكم والهواء الدَّاخل في جميع الأجسام، والجنُّ جسمٌ لطيفٌ، وقيل: المراد بإجرائه مجرى الدَّم:

стр. 6482

المجاز عن كثرة وسوسته (١)، فكأنَّه لا يفارقه، كما أنَّ دمه لا يفارقه، وذكر أنَّه يلقي وسوسته في مسامٍّ لطيفةٍ من البدن بحيث يصل إلى القلب. وعن ابن عبَّاسٍ فيما (٢) رواه عبد الله بن أبي داود السِّجستانيُّ (٣)، قال: «مثل الشَّيطان كمثل ابن عرسٍ، واضعٌ فمه على فم القلب فيوسوس إليه، فإذا ذكر الله خنس». وعن عروة بن رُوَيمٍ: أنَّ عيسى ابن مريم دعا ربَّه أن يريه موضع الشَّيطان من ابن آدم، فإذا برأسه مثل الحيَّة واضعٌ رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر الله خنس برأسه (٤)، وإذا تُرِك (٥) منَّاه وحدَّثه. وعن عمر بن عبد العزيز -فيما حكاه السُّهيليُّ-: أنَّ رجلًا سأل ربَّه أن يريه موضع الشَّيطان، فرأى جسدًا يُرَى داخله من خارجه، والشَّيطان في صورة ضفدعٍ، عند نغض (٦) كتفه (٧)، حذاء قلبه، له خرطومٌ كخرطوم البعوضة، وقد أدخله إلى قلبه يوسوس، فإذا ذكر اللهَ العبدُ خنس، وعن أنسٍ (٨) مرفوعًا: «إنَّ الشَّيطان واضعٌ خطمه على قلب ابن آدم، فإن (٩) ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه» رواه ابن أبي الدُّنيا. (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا، أَو قَالَ: شَيْئًا) فتهلكان، فإنَّ ظنَّ (١٠) السُّوء بالأنبياء كفرٌ، أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنِّه وكرمه. وهذا الحديث تقدَّم في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٥].

стр. 6483

٣٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) -بالحاء المهملة والزَّاي- محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ المروزيِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الكوفيِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) بضمِّ السِّين مُصغَّرًا، و «صُرَد» (١) بضمِّ الصَّاد المهملة وبعد الرَّاء المفتوحة دالٌ مهملةٌ، الخزاعيِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلَانِ) قال الحافظ بن حجرٍ: لم أعرف اسمهما (٢) (يَسْتَبَّانِ) يتشاتمان (فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ) من شدَّة الغضب، والودج: عرقٌ في المذبح من الحلق، وعبَّر بالجمع على حدِّ قوله: أزجُّ الحواجب (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ) من الغضب (لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) لم يقل: الرَّجيم (ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ) لأنَّ الغضب من نزغات الشَّيطان (فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) في «سنن أبي داود»: أنَّ الَّذي قال له ذلك معاذ بن جبلٍ (فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ؟) ظنَّ أنَّه لا يستعيذ من الشَّيطان إلَّا من به جنونٌ، ولم يعلم أنَّ الغضب نوعٌ من مسِّ الشَّيطان، ولذا يخرج به عن (٣) صورته ويزيِّن له إفساد ماله، كتقطيع ثوبه وكسر آنيته. وعند أبي داود من حديث عطيَّة السَّعديِّ رفعه (٤): «إنَّ الغضب من الشَّيطان» وقال النَّوويُّ: هذا كلام من لم يفقه في دين الله، ولم يتهذَّب بأنوار الشَّريعة

стр. 6484

المطهَّرة، ولعلَّه كان من المنافقين أو (١) من جفاة الأعراب. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٣٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، رافعٍ الأشجعيِّ مولاهم الكوفيِّ التَّابعيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ مُصغَّرًا، مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) زوجته، وهو كنايةٌ عن الجماع (قَالَ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ) بإفراد «جنِّبني»، وفي طريق موسى بن إسماعيل عن همَّامٍ عن منصورٍ السَّابقة قريبًا في هذا الباب [خ¦٣٢٧١] وطريق عليِّ بن المدينيِّ عن جريرٍ عن منصورٍ في «باب التَّسمية على كلِّ حالٍ وعند الوقاع» من «الطَّهارة» [خ¦١٤١] قال: «بسم الله، اللَّهمَّ جنِّبنا الشَّيطان»، لكنَّه بواوٍ قبل «قال» في هذا الباب (وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي) بالإفراد أيضًا، والمراد: الولد وإن كان اللَّفظ أعمَّ (فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ) في «الطَّهارة» [خ¦١٤١]: «فقُضِي بينهما ولدٌ» (لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ، وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ (٢)) قال القاضي عياضٌ: لم يحمله أحدٌ على العموم في جميع الضَّرر (٣) والإغواء والوسوسة (قَالَ) شعبة بن الحجَّاج: (وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد (عَنْ (٤) كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ) وفائدة ذكر هذا الإعلام بأنَّ لشعبة فيه شيخين.

стр. 6485

٣٢٨٤ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف الموحَّدة وبعد الألف مُوحَّدةٌ أخرى، ابن سوارٍ الفزاريُّ المروزيُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (٣)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) -بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة- الجمحيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ) أي: بعد أن فرغ من الصَّلاة: (إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ) يحتمل أن يكون قطعها بمروره بين يديه، وإليه ذهب الإمام أحمد في روايةٍ عنه، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حكم بقطع الصَّلاة من مرور الكلب الأسود، فقيل: ما بال الأحمر من الأبيض من الأسود؟ فقال (٤): الكلب الأسود شيطان الكلاب، والجنُّ يتصوَّرون بصورته، ويحتمل أن يكون قطعها بأن يصدر من العفريت أفعالٌ يحتاج إلى دفعها بأفعالٍ تكون منافيةً للصَّلاة فيقطعها بتلك الأفعال. وفي «باب الأسير أو الغريم يُربَط في المسجد» [خ¦٤٦١] من «كتاب الصَّلاة» من طريق رَوْحٍ ومحمَّد بن جعفرٍ عن شعبة عن محمَّد بن زيادٍ: «إنَّ عفريتًا من الجنِّ تفلَّت عليَّ البارحة -أو كلمةً نحوها- ليقطع عليَّ (٥) الصَّلاة» (فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَذَكَرَهُ) أي: الحديث بتمامه وهو: «فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد حتَّى تصبحوا وتنظروا إليه، فذكرت (٦) قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي (٧) مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]» وفيه إشارةٌ إلى أنَّه ﷺ كان يقدر على ذلك إلَّا أنَّه تركه رعايةً لسليمان.

стр. 6486

٣٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ -بالقاف- أبو عبد الله الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أبو عمرٍو عبد الرَّحمن بن عمرٍو (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ) زاد في «باب إذا لم يدرِ كم صلَّى ثلاثًا أو أربعًا» [خ¦١٢٣١]: «حتَّى لا يسمع الأذان» (فَإِذَا قُضِيَ) الأذان (أَقْبَلَ) الشَّيطان (فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا) بالمثلَّثة، أي (٢): أُقيم (أَدْبَرَ) الشَّيطان (فَإِذَا قُضِيَ) التَّثويب (أَقْبَلَ) الشَّيطان (حَتَّى يَخْطِرَ) بكسر الطَّاء المهملة. قال في «الأساس»: خطر الرَّجل برُمحه إذا مشى به بين الصَّفَّين، وهو يخطر في مشيه: يهتزُّ. قال الحماسيُّ: ذكرتك والخَطِّيُّ يخطر بيننا والمعنى هنا: أنَّ الشَّيطان يدخل ويحجز (بَيْنَ الإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ) بوسوسته (فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى لَا يَدْرِي) ذلك المصلِّي من الوسوسة (أَثَلَاثًا) بالهمزة (٣) (صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا) بإسقاط الهمزة (صَلَّى أَو أَرْبَعًا) بالواو، و (٤) السَّابقة: بالميم (سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) قبل السَّلام بعد أن يأخذ بالأقلِّ، فيأتي بركعةٍ يتمُّ بها، ومبحث ذلك سبق في بابه.

стр. 6487

٣٢٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) (١) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ) بضمِّ العين (فِي جَنْبَيْهِ) بالتَّثنية في الفرع وأصله، ونسبها (٢) في «فتح الباري» لأبي ذرٍّ والجرجانيِّ، قال: وللأكثر: «جنبه» بالإفراد (بِإِصْبَعِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «بإصبعيه» بالتَّثنية في الفرع (حِينَ يُولَدُ) زاد في «آل عمران» من طريق الزُّهريِّ عن ابن المسيَّب عن أبي هريرة: «فيستهلُّ صارخًا من مسِّ الشَّيطان إيَّاه» [خ¦٤٥٤٨] (غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ) أي (٣): الجلدة الَّتي يكون فيها الجنين، وهي المشيمة، وفي «آل عمران»: «إلَّا مريم وابنها» [خ¦٤٥٤٨] فقيل: يحتمل اقتصاره هنا على عيسى دون ذكر أمِّه، أنَّه بالنِّسبة إلى الطَّعن في الجنب، وذاك (٤) بالنِّسبة إلى المسِّ. قال في «الفتح»: والَّذي يظهر أنَّ بعض الرُّواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، والزِّيادة من الحافظ مقبولةٌ، وزاد أيضًا في «آل عمران» وغيرها [خ¦٤٥٤٨]: ثمَّ يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وفيه: أنَّهما حُفِظا ببركة دعاء حنَّة أمِّ مريم، ولم يكن لمريم ذريَّةٌ غير عيسى. ٣٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنِ المُغِيرَةِ) بن مِقْسمٍ الضَّبِّيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: قَدِمْتُ الشَّأْمَ، قَالُوا: أَبُو

стр. 6488

الدَّرْدَاءِ) اسمه: عُويمر بن مالكٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وفي نسخةٍ بهامش الفرع: «فقلت: من ههنا؟ قالوا: أبو الدَّرداء» (قَالَ) أي: أبو الدُّرداء (١) بعد مجيئه: (أَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ؟) قيل: بقوله ﵊ [خ¦٤٤٧]: «ويح عمَّار، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النَّار» أو بقوله ﵊ المرويِّ في «التِّرمذيِّ» من حديث عائشة: «ما خُيِّر عمَّارٌ بين أمرين إلَّا اختار أرشدهما» فكونه يختار الأرشد يقتضي أنَّه أُجير من الشَّيطان الَّذي من شأنه أن يأمر بالغيِّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُغِيرَةَ) ابن مِقْسمٍ، إلى آخره (وَقَالَ: الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ يَعْنِي: عَمَّارًا) هو ابن ياسرٍ، وكان من السَّابقين الأوَّلين إلى الإسلام. ٣٢٨٨ - (قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام ممَّا وصله أبو نُعَيمٍ في «المستخرَج» من طريق أبي حاتمٍ الرَّازي عن أبي صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث (٢) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) -من الزِّيادة- السَّكسكيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (أَخْبَرَهُ عُرْوَةُ) ولأبي ذرٍّ: «أخبره عن عروة» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ) ولأبي ذرٍّ: «تَحَدَّث» بإسقاط إحدى التَّاءين تخفيفًا (فِي العَنَانِ) بفتح العين المهملة، متعلِّقٌ بـ «تتحدَّث» (وَالعَنَانُ: الغَمَامُ) جملة اعتراضٍ بين المتعلِّق

стр. 6489

والمتعلَّق (بِالأَمْرِ) حال كونه (يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَسْمَعُ) بغير تاءٍ بعد السِّين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فتستمع» (الشَّيَاطِينُ الكَلِمَةَ) من الملائكة (فَتَقُرُّهَا) بفتح الفوقيَّة وضمِّ القاف والرَّاء المشدَّدة (فِي أُذُنِ الكَاهِنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في آذان» بالجمع «الكاهن» (كَمَا تُقَرُّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف (القَارُورَةُ) أي: كما تطبق القارورة برأس الوعاء الَّذي يفرغ فيها، أو (١) يلقيها في آذان (٢) الكاهن كما يستقرُّ الشَّيء في قراره، أو يكون لِمَا يلقيه حسٌّ كحسِّ القارورة عند تحريكها على (٣) اليد أو على الصَّفا (فَيَزِيدُونَ مَعَهَا) أي: مع الكلمة (مِئَةَ كَذِْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون الذَّال، وفي الفرع: بكسرها مع كشطٍ فوق الذَّال، وكذا في «اليونينيَّة» بالكسر أيضًا، وزاد في «ذكر الملائكة» [خ¦٣٢١٠]: «من عند أنفسهم» وذُكِر الحديث موصولًا من غير هذا الوجه. ٣٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) اسم جدِّه: عاصم بن صُهَيبٍ (٤) الواسطيُّ مولى قُرَيبة بنت محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: التَّثَاؤُبُ) بالمثلَّثة بعد الفوقيَّة وبالهمزة (٥)، وهو التَّنفُّس الَّذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المحتقنة (٦) في عضلات الفكِّ (مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه ينشأ من الامتلاء وثقل النَّفس وكدورة الحواسِّ، ويورِّث الغفلة والكسل وسوء الفهم، وذلك كلُّه بواسطة الشَّيطان. لأنَّه هو

стр. 6490

الَّذي يزيِّن للنَّفس شهواتها فلذا أُضيف إليه (فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) قال في «الفتح»: أي: يأخذ في أسباب ردِّه، وليس المراد أنَّه يملك ردَّه، لأنَّ الَّذي وقع لا يُرَدُّ حقيقةً، وقيل: المعنى: إذا أراد أن يتثاءب، وقال الكِرمانيُّ: أي: ليكظم وليضع يده على الفم، لئلَّا يبلغ الشَّيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه (١) (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا) مقصورٌ من غير همزٍ: حكايةُ صوتِ (٢) المتثائب (ضَحِكَ الشَّيْطَانُ) فرحًا بذلك. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاريُّ في «التَّاريخ» من مُرسَل يزيد بن الأصمِّ: ما تثاءب النَّبيُّ ﷺ قطُّ، وعند الخطَّابيِّ من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان: «ما تثاءب نبيٌّ قطُّ». ٣٢٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) أبو السُّكَين الطَّائيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ هِشَامٌ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ) يريد: المسلمين (أُخْرَاكُمْ) أي: احذروا (٣) الَّذين من ورائكم متأخِّرين عنكم، أو اقتلوهم، ومراده -عليه اللَّعنة- تغليطهم ليقاتل المسلمون بعضهم بعضًا (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ) قاصدين لقتال أخراهم، ظانِّين أنَّهم من المشركين (فَاجْتَلَدَتْ) -بالجيم- فاقتتلت (هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُو بِأَبِيهِ اليَمَانِ) بتخفيف الميم من غير ياءٍ بعد النُّون؛ يقتله المسلمون يظنُّونه من المشركين (فَقَالَ:

стр. 6491

أَيْ عِبَادَ اللهِ) هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) لا تقتلوه، وسقط لفظ الجلالة، أي: من «عباد الله» لغير أبي ذرٍّ كما في الفرع وأصله (فَوَاللهِ مَا احْتَجَزُوا) بالحاء السَّاكنة والفوقيَّة والجيم المفتوحتين والزَّاي المضمومة، ما انفصلوا عنه (حَتَّى قَتَلُوهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) عذرهم لكونهم قتلوه وهم يظنُّونه من الكافرين (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ) دعاءٌ واستغفارٌ لقاتل أبيه (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) ، وعند ابن (١) إسحاق: فقال حذيفة: قتلتم أبي؟ قالوا: والله ما عرفناه، وصَدَقوا. فقال حذيفة: يغفر الله لكم، فأراد رسول الله ﷺ أن يَدِيَهُ فتصدَّق حذيفة بدمه (٢) على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٦٥] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٠]. ٣٢٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر الموحَّدة، ابن سليمان أبو عليٍّ الكوفيُّ (٣) البورانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سَلَّام بن سُلَيمٍ (٤) الكوفيُّ (عَنْ أَشْعَثَ) بشينٍ معجمةٍ فعينٍ مهملةٍ فمُثلَّثةٍ (عَنْ أَبِيهِ) سُلَيم -بضمِّ السِّين وفتح اللَّام- أبي الشَّعثاء المحاربيِّ الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ التِفَاتِ الرَّجُلِ) برأسه يمينًا أو شمالًا (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: هُو اخْتِلَاسٌ) اختطافٌ

стр. 6492

بسرعةٍ (يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ) لأنَّ الالتفات لمَّا كان فيه ذهاب الخشوع استُعير لذهابه اختلاس الشَّيطان، تصويرًا لقبح ذلك بالمختلس، لأنَّ المصلِّي مستغرقٌ في مناجاة مولاه وهو مقبلٌ عليه، والشَّيطان مراصدٌ له منتظرٌ لفوات ذلك، فإذا التفت المصلِّي اغتنم الشَّيطان الفرصة فيختلسها منه. وقد مرّ هذا الحديث في «باب الالتفات» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٥١]. ٣٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ) عبد القدُّوس بن الحجَّاج الخولانيُّ الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). قال البخاريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المعروف بابن ابنة (١) شرحبيل الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) -بالمثلَّثة- قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (٢) (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) صرَّح بتحديث ابن أبي قتادة ليحيى (عَنْ

стр. 6493

أَبِيهِ) أبي قتادة أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ) «الصَّالحةُ» صفةٌ موضِّحةٌ لـ «الرُّؤيا» لأنَّ غير الصَّالحة تُسمَّى بالحُلُم، أو مخصِّصةٌ، والصَّلاح إمَّا باعتبار صورتها، أو باعتبار تعبيرها (وَالحُلُمُ) بضمِّ الحاء المهملة واللَّام، وهو الرُّؤيا الغير الصَّالحة (مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه هو الَّذي يُريها للإنسان (١) ليحزنه ويسيء ظنَّه بربِّه (فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ) بفتح الحاء واللَّام (حُلْمًا) بضمِّ الحاء المهملة (٢) وسكون اللَّام (يَخَافُهُ) في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «حلمًا» (فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) طردًا للشَّيطان (وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا) أي: الرُّؤيا السَّيِّئة (فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّعبير» [خ¦٦٩٨٦]، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٣٢٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة وبفتح الميم (٣) وتشديد التَّحتيَّة (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشيِّ المخزوميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ (٤)، وَهُو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «كان» أي: القول المذكور (لَهُ عَدْلَ) بفتح العين، أي (٥): مثل ثواب إعتاق (عَشْرِ رِقَابٍ) بسكون الشِّين، وفي «اليونينيَّة»: بفتحها (وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ

стр. 6494

لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ) بكسر الحاء المهملة، أي (١): حصنًا (يَوْمَهُ) نُصِب على الظَّرفيَّة (ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال القاضي عياضٌ: ذكر هذا العدد من المئة دليلٌ على أنَّها غايةٌ للثَّواب المذكور، وأمَّا قوله: «إلَّا أحدٌ عمل أكثر من ذلك» فيحتمل أن يُراد الزِّيادة على هذا (٢) العدد، فيكون لقائله من (٣) الفضل بحسابه، لئلَّا يظنُّ أنَّها من الحدود الَّتي نُهي عن اعتدائها، وأنَّه لا فضل في الزِّيادة عليها، كما في ركعات السُّنن المحدودة (٤) وأعداد الطَّهارة، ويحتمل أن يُراد بالزِّيادة من غير هذا الجنس من الذِّكر وغيره، أي: إلَّا أن يزيد أحدٌ عملًا آخر من الأعمال الصَّالحة، وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أنَّ الأجر يحصل لمن قال هذا التَّهليل في اليوم، متواليًا أو متفرِّقًا (٥)، في مجلسٍ أو مجالس، في أوَّل النَّهار أو في آخره، لكنَّ الأفضل أن يأتي به متواليًا في أوَّل النَّهار، ليكون له حرزًا في جميع نهاره، وكذلك في أوَّل اللَّيل ليكون له حرزًا في جميع ليله. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٤٠٣]، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «ثواب التَّسبيح».

стр. 6495

٣٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) العدويُّ أبو عمرٍو المدنيُّ (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزُّهريَّ أبا القاسم المدنيَّ نزيل الكوفة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهَيبٍ (١)، أحد العشرة ﵃ (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) ﵁ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هنَّ من أزواجه (٢) (يُكَلِّمْنَهُ) ﵊ (وَيَسْتَكْثِرْنَهُ) من النَّفقة، حال كونهنَّ (عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٦٨٣]: «على صوته» ولعلَّه كان قبل تحريم رفع الصَّوت على صوته (٣)، أو كان ذلك من طبعهنَّ (فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) في الدُّخول (قُمْنَ) حال كونهنَّ (يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ) أي: يتسارعن إليه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في الحجاب» (فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أن يدخل، فدخل (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ) يريد: لازم الضَّحك، وهو السُّرور (قَالَ) ﷺ : (عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي) بالمثنَّاة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «اللَّائي» بالهمزة بدل الفوقيَّة (كُنَّ عِنْدِي) يتكلَّمن (فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ) هيبةً منك (قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ) بفتح الهاء من الهيبة (ثُمَّ قَالَ) عمر ﵁ لهنَّ: (أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟!) بفتح الهاء فيهما كالسَّابقة (قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) «أفظُّ» و «أغلظ» بالمعجمتين بصيغة «أفعل» التَّفضيل، من الفظاظة والغلظة، وهو يقتضي الشَّركة في أصل الفعل، ويعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فإنَّه يقتضي أنَّه لم يكن فظًّا ولا غليظًا. وفي حديث صفته (٤) في التَّوراة ممَّا أخرجه البيهقيُّ وغيره عن كعب الأحبار (٥): «ليس

стр. 6496

بفظٍّ ولا غليظٍ» (١) وأجاب الزُّركشيُّ: بأنَّ «أفعل» التَّفضيل قد يجيء لا (٢) للمشاركة في أصل الفعل؛ كقولهم: العسل أحلى من الخلِّ، قال في «المصابيح»: وهو كلامٌ إقناعيٌّ لا تحرير فيه، وتحريره: أنَّ لـ «أفعل» حالاتٍ (٣): إحداها -وهي الأصليَّة-: أن يدلَّ على ثلاثة أمورٍ: أحدها: اتِّصافُ من هو له بالحدث الَّذي اشتُقَّ منه، وبهذا المعنى كان وصفًا، والثَّاني: مشاركة مصحوبه له في تلك الصِّفة، والثَّالث: تمييز موصوفه على مصحوبه فيها، وبكلٍّ من هذين المعنيين فارق غيره من الصِّفات. الحالة الثَّانية: أن يبقى على معانيه الثَّلاثة، ولكن يُخلَع منه قيد المعنى الثَّاني ويخلفه قيدٌ (٤) آخر، وذلك أنَّ المعنى الثَّاني -وهو الاشتراك- كان مُقيَّدًا بتلك الصِّفة الَّتي هي المعنى الأوَّل، فيصير مقيَّدًا بالزِّيادة الَّتي هي المعنى الثَّالث. ألا ترى أنَّ المعنى في قولهم: «العسل أحلى من الخلِّ» أنَّ (٥) للعسل حلاوةً، وأنَّ تلك الحلاوة ذات زيادةٍ، وأنَّ زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخلِّ؟ قاله ابن هشامٍ في «حاشية التَّسهيل» وهو بديعٌ (٦) جدًّا. الحالة الثَّالثة: أن يُخلَع منه المعنى الثَّاني وهو المشاركة، وقيد المعنى الثَّالث وهو كون الزِّيادة على مصاحبه (٧)، فيكون للدَّلالة على الاتِّصاف بالحدث وعلى زيادةٍ مطلقةٍ لا مقيَّدةٍ، وذلك نحو قولك: يوسف أحسن إخوته. انتهى (٨). وحاصله: أنَّ الأفظَّ هنا بمعنى: فظٍّ. قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ للتَّصريح بالتَّرجيح المقتضي لحمل «أفعل» على بابه، والجواب: أنَّ الَّذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفةً

стр. 6497

لازمةً فلا يستلزم ما في الحديث، بل مجرَّد وجود (١) الصِّفة له في بعض الأحوال، وهو عند إنكار المنكر مثلًا، فقد أمره (٢) الله تعالى بالإغلاظ على الكافرين والمنافقين في قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فالنَّفي بالنِّسبة إلى المؤمنين، والأمر بالنِّسبة إلى الكافرين والمنافقين، أو النَّفي محمولٌ على طبعه الكريم الَّذي جُبِل عليه، والأمر محمولٌ على المعالجة، وكان عمر مبالِغًا في الزَّجر عن المكروهات مطلقًا، وفي طلب المندوبات كلِّها، فلذا قالت (٣) النسوة له ذلك (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا) بفاءٍ مفتوحةٍ فجيمٍ مُشدَّدةٍ، طريقًا واسعًا (إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) قال النَّوويُّ: هذا الحديث محمولٌ على ظاهره، وأنَّ الشَّيطان يهرب إذا رآه. وقال القاضي عياضٌ: يحتمل أن يكون على سبيل ضرب المَثَل، وأنَّ عمر فارق سبيل الشَّيطان وسلك طريق السَّداد، فخالف كلَّ ما يحبُّه الشَّيطان، وسقط لأبي ذرٍّ «والَّذي نفسي بيده». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضل عمر» [خ¦٣٦٨٣]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب» و «اليوم واللَّيلة». ٣٢٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، ابن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبير بن العوَّام القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) -بالحاء المهملة والزَّاي- عبد العزيز، واسم أبي حازمٍ: سلمة بن دينارٍ (عَنْ يَزِيدَ) بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) ابن الحارث التَّيميِّ القرشيِّ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله بن عثمان التَّيميِّ القرشيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي (٤): أظنُّه (أَحَدُكُمْ- مِنْ مَنَامِهِ) سقط لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ

стр. 6498

«أراه أحدكم» (فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا) بأن يُخرِج ما في أنفه من أذًى بنفسه بعد الاستنشاق، لِمَا فيه من تنقية مجرى النَّفس الَّذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه تصحُّ مجاري الحروف (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ) حقيقةً، لأنَّ الأنف أحد المنافذ الَّتي يتوصَّل منها إلى القلب، لاسيَّما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلقٌ سواه وسوى الأُذنين، وقد جاء في التَّثاؤب الأمرُ بكظمه من أجل دخول الشَّيطان حينئذٍ في الفم، ويحتمل أن يكون على الاستعارة، فإنَّه ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذرٌ يوافق الشَّيطان، قاله القاضي عياضٌ. وقال التُّورِبشتيُّ والبيضاويُّ: الخيشوم هو أقصى الأنف المتَّصل بالبطن المقدَّم من الدِّماغ، الَّذي هو موضع الحسِّ المشترك ومستقرُّ الخيال، فإذا نام تجتمع فيه الأخلاط وييبس عليه المخاط، ويَكِلُّ الحسُّ، ويتشوَّش الفكر، فيرى أضغاث أحلامٍ، فإذا قام من نومه وترك الخيشوم بحاله استمرَّ الكسل والكلال، واستعصى عليه النَّظر الصَّحيح، وعسر الخضوع والقيام على حقوق الصَّلاة وأدائها. ثمَّ قال التُّورِبشتيُّ: ما ذُكِر هو من طريق الاحتمال، وحقُّ الأدب دون الكلمات النَّبويَّة -الَّتي هي مخازن الأسرار (١) الرُّبوبيَّة ومعادن الحكم الإلهيَّة- ألَّا يتكلَّم في هذا الحديث وأخواته بشيءٍ، فإنَّ (٢) الله تعالى خصَّ رسوله (٣) ﷺ بغرائب المعاني، وكاشفه عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم، ويَكِلُّ عن إدراكه بصر العقل. انتهى. وظاهر الحديث يقتضي أن يحصل هذا لكلِّ نائمٍ، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن لم يحترز من الشَّيطان بشيءٍ من الذِّكر، كما في حديث آية الكرسيِّ [خ¦٢٣١١]: «ولا يقرَبك شيطانٌ» وسقط للمُستملي قوله «يبيت» (٤). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

стр. 6499

(١٢) (بابُ ذِكْرِ) وجود (الجِنِّ وَ) ذكر (ثَوَابِهِمْ) على الطَّاعات (وَ) ذكر (عِقَابِهِمْ) على المعاصي، وقد دلَّت على وجودهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، مع إجماع (١) كافَّة العلماء في عصر الصَّحابة والتَّابعين عليه، وتواتر نقله (٢) عن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- تواترًا ظاهرًا يعلمه الخاصُّ والعامُّ، فلا عبرة بإنكار الفلاسفة والباطنيَّة وغيرهم ذلك، وفي «المبتدأ» لإسحاق بن بشرٍ القرشيِّ: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «خلق الله تعالى الجنَّ قبل آدم بألفي سنةٍ» وفي «ربيع الأبرار» للزَّمخشريِّ: عن أبي هريرة (٣) مرفوعًا: «إنَّ الله خلق الخلق أربعة أصنافٍ: الملائكة والشَّياطين والجنَّ والإنس، ثمَّ جعل هؤلاء الأربعة (٤) عشرة أجزاءٍ فتسعةٌ منهم الملائكة وجزءٌ واحدٌ الشَّياطين والجنُّ والإنس، ثمَّ جعل هؤلاء الثَّلاثةَ عشرةَ أجزاءٍ فتسعةٌ منهم الشَّياطين (٥) وواحدٌ (٦) الجنُّ والإنس، ثمَّ جعل الجنَّ والإنس عشرة أجزاءٍ فتسعةٌ منهم الجنُّ وواحدٌ منهم الإنس» قال صاحب «آكام المرجان»: فعلى هذا تكون نسبة الإنس من الخلق كنسبة الواحد من الألف، ونسبة الجنِّ من الخلق كنسبة التِّسعة من الألف، ونسبة الشَّياطين من الخلق كنسبة التِّسعين من الألف، ونسبة الملائكة من الخلق

стр. 6500

كنسبة التِّسع مئةٍ من الألف، وقد ثبت في القرآن والسُّنَّة: أنَّ أصل الجنِّ النَّار، كما أنَّ أصل الإنس الطِّين. فإن قلت: إذا ثبت أنَّهم من النَّار، فكيف تحرقهم الشُّهب عند استراقهم السَّمع، والنَّار لا تحرق النَّار؟ أجيب بأنَّه ليس المراد أنَّ الجنِّيَّ نارٌ حقيقةً وإن كان أصله منها، كما أنَّ الآدميَّ ليس طينًا وإن كان أصله منه، وفي حديث عروض الشَّيطان (١) له في صلاته: أنَّه خنقه (٢) حتَّى وجد برد ريقه على يده، ولو كانت ذاته نارًا محرقةً لَمَا كان له ريقٌ باردٌ، بل ولا ريقَ أصلًا. وقد اختُلِف في صفتهم: فقال أبو يَعلى بن الفرَّاء: هم أجسامٌ مُؤلَّفةٌ وأشخاصٌ مُركَّبةٌ، يجوز أن تكون رقيقةً، وأن تكون كثيفةً؛ إذ لا يمكن معرفتها على التَّعيين إلَّا بالمشاهدة، أو بإخبار الله تعالى أو رسوله ﷺ ، وكلٌّ مفقودٌ، وقول المعتزلة: «إنَّما هم أجسامٌ رقيقةٌ ولرقَّتهم لا نراهم» مردودٌ، فإنَّ الرِّقَّة ليست بمانعةٍ (٣) عن الرُّؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها، وقد روى (٤) إسحاق في «المبتدأ» عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: لمَّا خلق الله سوميا أبا الجنِّ -وهو الَّذي خُلِقَ من مارجٍ من نارٍ- قال ﵎: تَمَنَّ، قال: أتمنَّى أن نَرى ولا نُرَى، وأن نغيب في الثَّرى، وأن يصير كهلُنا شابًّا، قال: فأُعطِي ذلك، فهم يَرون ولا يُرَون، وإذا ماتوا، غُيِّبوا في الثَّرى، ولا يموت كهلهم (٥) حتَّى يعود شابًّا، يعني: مثل الصَّبيِّ، ثمَّ يُرَدُّ إلى أرذل العمر. انتهى. فخلق الله تعالى في عيون الجنِّ إدراكًا يرون به الإنس ولا يرونهم (٦). لأنَّه تعالى لم يخلق لهم ذلك الإدراك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] وهو يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيصٍ. قال ابن عساكر في كتاب «الزَّهادة في طلب الشَّهادة» فيما نقله

стр. 6501

عنه في «الآكام» (١): وممَّن تُرَدُّ شهادته ولا تسلم له عدالته من يزعم أنَّه يرى الجنَّ عيانًا، ويدَّعي أنَّ له منهم إخوانًا، ثمَّ روى بسنده إلى حرملة (٢) قال: سمعت الشَّافعيَّ يقول: من زعم أنَّه يرى الجنَّ، أبطلنا شهادته، لقوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] وعن الرَّبيع: سمعت الشَّافعيَّ ﵁ يقول: من زعم من أهل العدالة أنَّه يرى الجنَّ أبطلنا (٣) شهادته، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ … الآية، إلَّا أن يكون نبيًّا. قال في «الفتح»: وهذا محمولٌ على من يدَّعي رؤيتهم على صورهم الَّتي خُلِقوا عليها، وأمَّا من زعم أنَّه يراهم بعد أن يتطوَّروا (٤) على صورة شيءٍ من الحيوان فلا، وقد تواترت الأخبار بتطوُّرهم في صورٍ شتَّى فيتصوَّرون في صورة (٥) بني آدم، كما أتى الشَّيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جُشْعمٍ (٦) لمَّا أرادوا الخروج إلى بدرٍ، ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي صورة شيخٍ نجديٍّ لمَّا اجتمعوا بدار النَّدوة. وفي صورة الحيَّات. ففي «التِّرمذيِّ» عن أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إنَّ بالمدينة نفرًا من الجنِّ، فإذا رأيتم من هذه الهوامِّ شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإذا (٧) بدا لكم فاقتلوه» وفي صورة الكلاب. واختُلِف في ذلك، فقيل: هو تخييلٌ فقط، ولا قدرة لهم على تغيير خلقتهم والانتقال في الصُّور، وإنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله كلماتٍ وضربًا من ضروب الأفعال إذا تكلَّموا بها وفعلوها نقلهم الله تعالى من صورةٍ إلى صورةٍ، فيُقال: إنَّهم قادرون على التَّصوير والتَّخييل على معنى أنَّهم قادرون على قولٍ إذا قالوه نقلهم الله من صورةٍ إلى أخرى، وأمَّا تصوير أنفسهم فذلك محالٌ، لأنَّ انتقال

стр. 6502

الصُّورة إلى (١) أخرى إنَّما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، وإذا نُقِضت بطلت (٢) الحياة واستحال وقوع الفعل بالجملة، وكذا القول في تشكُّل الملائكة، وقد ذكر ابن أبي الدُّنيا في «مكائد الشَّيطان» (٣) وابن أبي شيبة -قال ابن حجرٍ: بإسنادٍ صحيحٍ-: إنَّ الغيلان ذُكِروا عند عمر فقال: إنَّ أحدًا لا يستطيع أن يتغيَّر عن صورته الَّتي خلقه الله تعالى عليها، ولكن لهم سَحَرةٌ كسَحَرتكم، فإذا رأيتم ذلك فآذنوا. وفي حديث عبد الله بن عُبَيد بن عُمَيرٍ قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن الغيلان. قال: «هم سَحَرة الجنِّ» ورواه إبراهيم بن هراسة عن جرير بن حازم بن عبد الله بن عُبَيدٍ، عن جابرٍ وصله. وروى الطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ عن أبي ثعلبة الخشنيِّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الجنُّ ثلاثة أصنافٍ: صنفٌ لهم أجنحةٌ يطيرون في الهواء، وصنفٌ حيَّاتٌ، وصنفٌ يحلُّون ويظعنون» ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وفي حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «خلق الله الجنَّ ثلاثة أصنافٍ: صنفٌ حيَّاتٌ وعقارب وخشاش الأرض، وصنفٌ كالرِّيح في الهواء، وصنفٌ كبني آدم عليهم الحساب والعقاب. وخلق الله بني آدم أصنافًا: صنفٌ منهم (٤) كالبهائم. قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وصنفٌ

стр. 6503

أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشَّياطين، وصنفٌ في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه» قال (١) ابن حبَّان: رواه يزيد بن سفيان الرُّهاويُّ، عن أبي المنيب، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن أبي الدَّرداء ويزيد بن سفيان ضعَّفه يحيى وأحمد وابن المدينيِّ. واختُلِف في الجنِّ هل يأكلون ويشربون؟ والصَّحيح الَّذي عليه الجمهور: أنَّهم يأكلون ويشربون، ويدلُّ لذلك الأحاديث الصَّحيحة والعمومات الصَّريحة. منها: حديث أميَّة بن مَخْشِيٍّ عند أبي داود: كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجلٌ يأكل، ولم يسمِّ حتَّى إذا (٢) لم يبق من طعامه إلَّا لقمةٌ، فلمَّا رفعها إلى فِيْهِ، قال: بسم الله أوَّله وآخره، فضحك رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال: «ما زال الشَّيطان يأكل معه، فلمَّا ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه» وفي «الصَّحيحين» (٣) أنَّ الجنَّ سألوه ﷺ الزَّاد فقال: «كلُّ عظمٍ ذُكِر اسم الله عليه يقع في يد أحدهم (٤) أوفر ما يكون (٥) لحمًا، وكلُّ بعرٍ علفٌ لدوابِّهم»، وفي «البخاريِّ»: أنَّ الرَّوث والعظم طعام الجنِّ (٦) [خ¦٣٨٦٠] وفي أبي داود: «كلُّ عظمٍ لم يُذكَر اسم الله عليه» فالأوَّل: محمولٌ على الجنِّ المؤمنين، والثَّاني: في حقِّ الشَّياطين. وفي هذا ردٌّ على من زعم أنَّ الجنَّ لا تأكل ولا تشرب، وتأوَّل قوله ﷺ : «إنَّ الشَّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» على المجاز، أي: أكلٌ يحبُّه الشَّيطان ويدعو إليه ويزيِّنه. قال ابن عبد البرِّ: وهذا ليس بشيءٍ، ولا معنى لحمل شيءٍ من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجهٍ مّا، وأمَّا قول بعضهم: أكل الجنِّ صحيحٌ، ولكنَّه تشمُّمٌ واسترواحٌ، لا مضغٌ و (٧) بلعٌ،

стр. 6504

وإنَّما المضغ والبلع لذوي الجثث، فلا دليل عليه، وكونهم أجسادًا رقيقةً لا يمنع أن يكونوا ممَّن يأكل ويشرب، وبالجملة فالقائلون: إنَّ الجنَّ لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطلٌ، لمصادمتهم الأحاديث الصَّحيحة، وإن أرادوا صنفًا منهم فمحتملٌ، لكنَّ العمومات تقتضي أنَّ الكلَّ يأكلون ويشربون. وقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يدلّ على أنه يتأتّى من الجنّ الطمث وهو الافتضاض، وهو الجماع الَّذي يكون معه تدمية من الفرج، أو المسيس من المجامعة، وكذا قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] فإنه يدلّ على أنهم يتناكحون لأجل الذرية، ورقَّتهم لا تمنع من توالدهم إذا كان ما يلدونه رقيقًا، ألا ترى أنّا قد نرى من الحيوان ما لا يتبين للطافته إلا بالتأملّ، ولا يمنع ذلك من التوالد، وغالب ما توجد الجنّ في مواضع النجاسات كالحمّامات والحشوش والمزابل، وكثير من أهل الضلالات والبدع -المُظْهِرين للزهد والعبادة على غير الوجه الشرعيّ- يأوون إلى مواضع الشياطين المنهيِّ عن الصلاة فيها، يقع لهم فيها بعض مكاشفات، لأن الشياطين تنزل عليهم فيها، وتخاطبهم ببعض الأمر كما تُخاطب الكهّان، وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلِّم عابديها. واختلف: هل هم مكلّفون؟ فذهب الحشويّة إلى أنهم مضطرّون إلى أفعالهم وليسوا مكلّفين، والَّذي عليه الجمهور: أنهم مكلّفون مخاطبون مثابون على الطاعات معاقبون على المعاصي (لِقَوْلِهِ) : (﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾) في موضع رفع صفة لرسل (﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾) وسقط لأبي ذرٍّ «إلى قوله: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾» وقال: «الآية» ويحتمل أن تكون ﴿يَقُصُّونَ﴾ صفة ثانية (١) لـ ﴿رُسُلٌ﴾، وأن تكون في موضع نصب على الحال وصاحبها ﴿رُسُلٌ﴾ وإن كان نكرة؛ لتخصيصه بالوصف أو الضمير المستتر في منكم، وزعم الفرَّاء: أن في الآية حذف مضاف، أي: ألم يأتكم رسل من أحدكم، يعني: من جنس الإنس، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يخرجان من الملح، فالتَّقدير: يخرج (٢)

стр. 6505

من أحدهما، وإنَّما يحتاج (١) إلى ذلك، لأنَّ الرُّسل عنده مختصَّةٌ بالإنس، يعني: أنَّه يعتقد أنَّ الله تعالى ما أرسل للجنِّ رسولًا منهم، بل إنَّما أرسل إليهم الإنس، ولم يرسل من الجنِّ إلَّا بواسطة رسالة الإنس، لقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضافٍ، وإن قلنا: إنَّ رسل الجنِّ من الإنس، لأنَّه يُطلق عليهم رسلٌ مجازًا لكونهم رسلًا بواسطة رسالة الإنس، والإجماع على أنَّ نبيِّنا ﷺ مبعوثٌ إلى الثَّقلين -الجنِّ والإنس-، وتمسَّك قومٌ -منهم الضَّحَّاك- وقالوا: بُعِث إلى كلٍّ من الثَّقلين رسلٌ منهم، وإنَّ الله تعالى أرسل إلى الجنِّ رسولًا منهم، اسمه: يوسف. قال ابن جريرٍ: وأمَّا الَّذين قالوا بقول الضَّحَّاك، فإنهم قالوا: إنَّ الله تعالى أخبر أنَّ من الجنِّ رسلًا أُرسِلوا إليهم، ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجنِّ بمعنى: أنَّهم رسل الإنس، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى (٢): أنَّهم رسل الجنِّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلُّ على أنَّ الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنَّهم رسل الله تعالى؛ لأنَّ ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره. قال في «الآكام»: ويدلُّ لِمَا قاله الضَّحَّاك حديثُ ابن عبَّاسٍ عند الحاكم قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: سبع أرضين، في كلِّ أرضٍ نبيٌّ كنبيِّكم، وآدم كآدمكم، ونوحٌ كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى (٣). قال الذَّهبيُّ: إسناده حسنٌ، وله شاهدٌ عند الحاكم أيضًا عن ابن عبَّاسٍ، قال في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كلِّ أرضٍ نحو إبراهيم ﷺ . قال الذَّهبيُّ: حديثٌ على شرط الشَّيخين، رجاله أئمَّةٌ (٤)، وإذا تقرَّر

стр. 6506

أنَّهم مُكلَّفون، فهم مُكلَّفون بالتَّوحيد وأركان الإسلام، وأمَّا ما عداه من الفروع، فاختُلِف فيها لِمَا ثبت من النَّهي عن الرَّوث والعظم، وأنَّهما زاد الجنِّ. واختُلِف هل يُثابون على الطَّاعات؟ فروى ابن أبي الدُّنيا عن ليث بن أبي سُلَيمٍ قال: ثواب الجنِّ أن يُجاروا من النَّار، ثمَّ يُقال لهم: كونوا ترابًا. ورُوِي عن أبي حنيفة نحوه، وذهب الجمهور -وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة-: أنَّهم يُثابون على الطَّاعة. وعن مالكٍ: أنَّه استدلَّ على (١) أنَّ عليهم العقاب ولهم الثَّواب (٢) بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثمَّ قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] والخطاب للإنس والجنِّ، فإذا ثبت أنَّ فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربِّه ثبت المطلوب، وهل يدخلون الجَنَّة كالإنس؟ والجمهور: على أنَّهم يدخلونها ولا يأكلون فيها ولا يشربون، بل يُلهَمون التَّسبيح والتَّقديس. وحكاه الكمال الدَّميريُّ عن مجاهدٍ واستغربه. وقال الحارث المحاسبيُّ: نراهم فيها ولا يرونا عكس ما في الدُّنيا، وقيل: لا يدخلونها بل يكونون (٣) في ربضها، وهذا مأثورٌ عن مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقيل: إنَّهم على الأعراف، وتوقَّف بعضهم عن الجواب في هذا. (﴿بَخْسًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (٤)﴾ [الجن: ١٣] أي (٥): (نَقْصًا) قاله يحيى الفرَّاء. والمراد: النَّقص في الجزاء، وفي الآية دليلٌ على ثبوت أنَّهم مُكلَّفون (قَالَ) ولأبي الوقت: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾)

стр. 6507

(﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قَالَ (١)): هم (كُفَّارُ قُرَيْشٍ) قالوا: (المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «وأمَّهاتهنَّ» والأولى أوجه (بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ) بفتحاتٍ، أي: ساداتهم (قَالَ اللهُ) : (﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾) أي: قائلي هذا القول، وهم الكفَّار (﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]) أي: (سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ) وسُمِّي الملائكة جِنَّةً (٢)، لاجتنانهم عن الأبصار. (﴿جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥]) في سورة يس، أي: (عِنْدَ الحِسَابِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مُحضَرٌ» بالإفراد، والصَّواب الأوَّل، وهو لفظ القرآن. ٣٢٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ) أي: لعبد الله: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَ) تحبُّ (البَادِيَةَ) الصَّحراء الَّتي لا عمارة فيها لأجل إصلاح الغنم بالرَّعي، وهو في الغالب يكون فيها (فَإِذَا كُنْتَ فِي) أي (٣): بين (غَنَمِكَ) في غير باديةٍ أو فيها (أَو) في (بَادِيَتِكَ) من غير غنمٍ أو معها، أو (٤) هو شكٌّ من الرَّاوي (فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ) أي: أَعْلَمْتَ بوقتها (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) بالأذان (فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ) أي: غايته (جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ) من حيوانٍ أو جمادٍ بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا (إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) ليشتهر بالفضل وعلوِّ الدَّرجة (٥) (قَالَ أَبُوسَعِيدٍ) الخدريُّ: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).

стр. 6508

وسبق هذا الحديث في «باب رفع الصَّوت بالنِّداء» من «كتاب الأذان» [خ¦٦٠٩]، والمراد منه هنا قوله (١): «فإنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنٌّ إلَّا شهد له» إذ إنَّه يدلُّ على أنَّ الجنَّ يُحشَرون يوم القيامة. (١٣) (باب قَوْلِهِ وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ: (﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾) دون العشرة، والجمع أنفارٌ (﴿مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إِلَى قَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢]) أي: حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه (﴿مَصْرِفًا﴾) أي: (مَعْدِلًا) قاله أبو عبيدة، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] (﴿صَرَفْنَا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] قال المؤلِّف: (أَيْ: وَجَّهْنَا) وكان ذلك حين انصرف ﷺ راجعًا من الطَّائف إلى مكَّة حين يئس من ثقيفٍ. وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الجنَّ كانوا سبعةً من جنِّ نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلًا إلى قومهم. وعن مجاهدٍ فيما ذكره ابن أبي حاتمٍ: كانوا ثلاثةً من حرَّان وأربعةً من نصيبين، وسمَّى منهم ابن دريدٍ وغيره: شاصر وماصر، ومُنشَّى وماشى، والأحقب، وعند ابن إسحاق: حسَّا ومسَّا وأنين (٢) والأخصم، وعند ابن سلامٍ: عمرو بن جابرٍ، وذكر ابن أبي الدُّنيا: زوبعة، ومنهم سرق (٣)، وقيل: إنَّهم كانوا اثني عشر ألفًا. (١٤) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ﴾) نشر وفرَّق (﴿فِيهَا﴾) في الأرض (﴿مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [لقمان: ١٠])

стр. 6509

ما دبَّ من الحيوان (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (الثُّعْبَانُ) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] (الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا) وقُيِّد بالذِّكر، لأنَّ لفظ الحيَّة شاملٌ للذَّكر والأنثى. قال المؤلِّف: (يُقَالُ: الحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الجَانُّ) بتشديد النُّون، الحيَّة البيضاء (وَالأَفَاعِي) جمع أفعى، وهي الأنثى من الحيَّات، والذَّكر منها أُفعُوانٌ، بضمِّ الهمزة والعين (وَالأَسَاوِدُ) جمع أسود، قال أبو عبيدة: حيَّةٌ فيها سوادٌ، وهي أخبث الحيَّات. وزعموا أنَّ الحيَّة تعيش ألف سنةٍ، وهي في كلِّ سنةٍ تسلخ جلدها. ومن غريب أمرها: أنَّها إذا لم تجد طعامًا عاشت بالنَّسيم، وتقتات به الزَّمن الطَّويل، وإذا كَبِرتْ صغر جرمها، ولا تَرِدُ الماء ولا تريده، إلَّا أنَّها لا تملك نفسها عن الشَّراب إذا شمَّته، لِمَا في طبعها من الشَّوق إليه، فهي إذا وجدته شربت منه حتَّى تسكر، وربما كان السُّكر سبب هلاكها، وتهرب من الرَّجل العريان، وتفرح بالنَّار وتطلبها طلبًا شديدًا، وتحبُّ اللَّبن حبًّا شديدًا (﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أي: (فِي مُلْكِهِ) بضمِّ الميم في غير «اليونينيَّة» (١)، والَّذي في «اليونينيَّة»: كسرها (وَسُلْطَانِهِ) قاله أبو عبيدة. (يُقَالُ: ﴿صَافَّاتٍ﴾) أي: (بُسُطٌ) بضمِّ الموحَّدة والمهملة مرفوعٌ مُنوَّنٌ (أَجْنِحَتَهُنَّ) بنصب التَّاء (﴿وَيَقْبِضْنَ﴾) أي: (يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ) قاله أبو عبيدة أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩].

стр. 6510

٣٢٩٧ - ٣٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) بضمِّ الطَّاء المهملة وسكون الفاء، تثنية طفيةٍ، وهو الَّذي على ظهره خطَّان أبيضان (وَالأَبْتَرَ) الَّذي لا ذَنَب له أو قصيره (١)، أو الأفعى الَّتي قدر شبرٍ أو أكثر قليلًا (فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ) أي: يمحوان نوره (وَيَسْتَسْقِطَانِ) بسينين مهملتين ساكنتين بينهما فوقيَّةٌ مفتوحةٌ، وضُبِّب عليها في الفرع، وفي نسخةٍ به: «ويُسْقِطان» (الحَبَلَ) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة، أي: الولد إذا نظرت إليهما الحامل. ومن الحيَّات نوعٌ إذا وقع نظره على إنسانٍ مات من ساعته، وآخر إذا سَمِعَ صوتَه مات، وإنَّما أمر بقتل ذي الطُّفيتين والأبتر، لأنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بهما، قاله الدَّاوديُّ، وهو مُتعقَّبٌ بما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦٣٣١١]. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄: (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا أُطَارِدُ) أي: أتبع وأطلب (حَيَّةً لأَقْتُلَهَا) أي: لأن أقتلها (فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ:) بضمِّ اللَّام وتخفيف الموحَّدة. قال الكِرمانيُّ: اسمه رِفاعة على الأصحِّ -بكسر الرَّاء وبالفاء- ابن عبد المنذر الأوسيُّ النَّقيب. وقال الحافظ ابن حجرٍ: صحابيٌّ مشهورٌ اسمه بَشِيرٌ، بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة، وقيل: مُصغَّرٌ، وقيل: بتحتيَّةٍ ومُهمَلةٍ مُصغَّرًا، وشذَّ من قال: اسمه مروان (لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ) له: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الحَيَّاتِ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ البُيُوتِ) أي: اللَّاتي توجدن في البيوت، لأنَّ الجنِّيَّ يتمثَّل بها، وخصَّصه مالكٌ ببيوت المدينة، وفي «مسلمٍ»: «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيَّامٍ، فإذا (٢) بدا لكم بعد ذلك

стр. 6511

فاقتلوه، فإنَّما هو شيطانٌ». قال الزُّهريُّ: (وَهْيَ العَوَامِرُ) أي: سكَّانها من الجنِّ، سُمِّين لطول لبثهنَّ فيها من العمر، وهو طول البقاء. ٣٢٩٩ - (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ، أي: عن الزُّهريِّ: (فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَو زَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ) أخو عمر، على الشَّكِّ في اسم الَّذي لقي عبد الله بن عمر. (وَتَابَعَهُ) أي: تابع مَعْمَرًا (يُونُسُ) بن يزيد فيما وصله مسلمٌ (وَابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا (١) وصله أحمد (وَإِسْحَاقُ) بن يحيى (الكَلْبِيُّ) فيما ذكره في نسخته (وَالزُّبَيْدِيُّ) -بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة- محمَّد بن الوليد الحمصيُّ (٢) فيما وصله مسلمٌ (وَقَالَ صَالِحٌ) هو ابن كيسان ممَّا وصله مسلمٌ وأبو عَوانة (وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ) محمَّدٌ البصريُّ ممَّا ذكره في نسخته (٣) من طريق أبي أحمد بن عديٍّ موصولةً (وَابْنُ مُجَمِّعٍ) بميمٍ مضمومةٍ فجيمٍ مفتوحةٍ فميمٍ مُشدَّدةٍ مكسورةٍ إبراهيم بن إسماعيل الأنصاريُّ المدنيُّ، ممَّا وصله البغويُّ وابن السَّكن في «كتاب الصَّحابة» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَآنِي) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فرآني» (أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ) كلاهما من غير شكٍّ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ. (١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ) اسم جنسٍ يشمل الذُّكور والإناث (يَتْبَعُ) بسكون الفوقيَّة (بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ) بفتح الشِّين المعجمة والعين المهملة، أعلاها. ٣٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم

стр. 6512

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُوشِكُ) بكسر المعجمة، يَقْرُب (أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ) ولأبي ذرٍّ: «المسلم» بدل «الرَّجل» (غَنَمٌ) رفع اسم «كان» مُؤخَّرًا، نكرةٌ موصوفةٌ، ونصب «خير» خبرها مُقدَّمًا. وفي «اليونينيَّة» في نسخةٍ: «غنمًا» نصب خبرها، و «خيرُ» رفع اسمها، ويجوز رفعها على الابتداء والخبر، ويُقدَّر في «يكون» ضمير الشَّأن (يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ) رؤوسها (وَمَوَاقِعَ القَطْرِ) بطون الأودية والصَّحاري، أي: يتبع بها مواقع العشب والكلأ في شِعَاف (١) الجبال حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته لا لقصدٍ دنيويٍّ، والباء للمصاحبة أو للسَّببيَّة. وهذا الحديث سبق في «باب من الدِّين الفرار من الفتن» [خ¦١٩]. ٣٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ) يُنصَب (٢) «نحوَ» لأنَّه ظرفٌ، وهو مستقرٌّ في محلِّ رفع خبر المبتدأ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «قِبَل المشرق» أي: أكثر الكفرة من جهة المشرق، وأعظم أسباب الكفر منشؤه منه، ومنه يخرج الدَّجَّال. قال في «الفتح»: وفي ذلك إشارةٌ إلى شدَّة كفر المجوس، لأنَّ مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنِّسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوَّة والتَّكبُّر والتَّجبُّر، حتَّى مزَّق مَلِكُهم كتابَ النَّبيِّ ﷺ إليه، واستمرَّت الفتن من قِبَل المشرق (وَالفَخْرُ) بالخاء المعجمة؛ كإعجاب النَّفس (وَالخُيَلَاءُ)

стр. 6513

بضمِّ الخاء المعجمة وفتح التَّحتيَّة ممدودًا (١)، الكِبْر واحتقار الغير (فِي أَهْلِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالفَدَّادِينَ) بفتح الفاء والدَّال المشدَّدة المهملة -وحُكِي تخفيفها- وبعد الألف أخرى مُخفَّفةٌ مكسورةٌ. قال في «القاموس»: الفدَّاد: مالك المئين من الإبل إلى الألف، والمتكبِّر، والجمع: الفدَّادون، وهم أيضًا: الجمَّالون والرُّعيان والبقَّارون والحمَّارون والفلَّاحون وأصحاب الوبر (٢)، والَّذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، والمكْثِرون من الإبل، وقال الخطَّابيُّ: إن رويتَه بتشديد الدَّال فهو جمع فدَّادٍ، وهو الشَّديد الصَّوت، وذلك من دأب أصحاب الإبل، وإن رويتَه بتخفيفها فهو جمع الفدَّان (٣)، وهو آلة الحرث البقر، وعلى هذا فالمراد: أصحاب الفدادين، فهو على حذف مضافٍ، وإنَّما ذمَّ ذلك لأنَّه يشغل عن أمر الدِّين ويلهي عن الآخرة، وذلك يفضي إلى قساوة القلب، وقال القرطبيُّ: ليس في رواية الحديث إلَّا التَّشديد، وهو الصَّحيح على ما قاله الأصمعيُّ وغيره، وقال ابن فارسٍ: في الحديث: «الجفاء والقسوة في الفدادين» [خ¦٣٤٩٨] أي: أصحاب الحروث والمواشي (أَهْلِ الوَبَرِ) بفتح الواو والموحَّدة، بيانٌ للفدَّادين. أي: ليسوا من أهل الحضر. بل من أهل البدو، وقال في «القاموس»: المَدَر -مُحرَّكةً-: المدن والحضر. (وَالسَّكِينَةُ) بفتح السِّين وتخفيف الكاف، وفي «القاموس»: بكسرها -مُشدَّدةً-: الطَّمأنينة. وقال ابن خالويه: السَّكينة: مصدر سكن سكينةً، وليس في المصادر له شبيهٌ إلَّا قولهم: عليه ضريبةٌ، أي: خراجٌ معلومٌ (فِي أَهْلِ الغَنَمِ) لأنَّهم في الغالب دون أهل الإبل في التَّوسُّع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء. وفي حديث أمِّ هانئٍ المرويِّ في «ابن ماجه»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «اتَّخذي الغنم فإنَّ فيها بركةً».

стр. 6514

٣٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ الأحمسيِّ، مولاهم البجليِّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ البجليِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ) الأنصاريِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ: الإِيمَانُ يَمَانٍ) مبتدأٌ وخبرٌ، وأصله: يمنيٌّ بياء النِّسبة، فحذفوا الياء للتَّخفيف وعوَّضوا الألف بدلها، أي: الإيمان منسوبٌ إلى أهل اليمن، وحمله ابن الصَّلاح على ظاهره وحقيقته، لإذعانهم إلى الإيمان من غير كبير (٢) مشقَّةٍ على المسلمين، بخلاف غيرهم، ومن اتَّصف بشيءٍ وقوي إيمانه به نُسِب ذلك الشَّيء إليه، إشعارًا بكمال حاله فيه، فكذا حال أهل اليمن حينئذٍ، وحال الوافدين منهم في حياته وفي أعقابه، كأُوَيسٍ القرنيِّ وأبي مسلمٍ الخَولانيِّ وشبههما ممَّن سَلِمَ قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم بذلك إشعارًا بكمال إيمانهم، من غير أن يكون في ذلك نفيٌ له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﵊: «الإيمان في أهل الحجاز» ثمَّ المراد بذلك: الموجودون منهم حينئذٍ، لا كلُّ أهل اليمن في كلِّ زمانٍ، فإنَّ اللَّفظ لا يقتضيه. وصرفه بعضهم عن ظاهره، من حيث إنَّ مبدأ الإيمان من مكَّة، ثمَّ من المدينة حرسهما الله تعالى وردَّني إليهما ردًّا جميلًا. وحكى أبو عُبَيدٍ في ذلك أقوالًا، فقيل: مكَّة لأنَّها من تهامة، وتهامة (٣) من أرض اليمن، وقيل: مكَّة والمدينة، فإنَّه يُرْوَى في (٤) الحديث أنَّه ﷺ قاله (٥) وهو بتبوكَ، ومكَّة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، وأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكَّة والمدينة، فقال: «الإيمان يمانٍ» فنسبهما إلى اليمن (٦)؛ لكونهما حينئذٍ من ناحية اليمن، وقيل: المراد الأنصار، لأنَّهم (٧) يمانيُّون في الأصل،

стр. 6515

فنُسِب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره، وعُورِض: بأنَّ في بعض طرقه عند مسلمٍ: «أتاكم أهل اليمن» [خ¦٤٣٨٨] والأنصار من جملة المخاطَبين بذلك، فهم إذًا غيرهم، وفي قوله في حديث الباب: «أشار بيده نحو اليمن» إشارةٌ إلى أنَّ المراد به أهلها حينئذٍ، لا الَّذين كان أصلهم منها (هَهُنَا، أَلَا) بالتَّخفيف (إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ) أي: المصوِّتين (عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ) عند سوقهم لها (حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ) -بالتَّثنية- جانبا رأسه، لأنَّه ينتصب في محاذاة مطلع الشَّمس، حتَّى إذا طلعت كانت بين قرني (١) رأسه، أي: جانبيه، فتقع السَّجدة له حين يسجد عبدة الشَّمس (فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) متعلِّقٌ بـ «الفدَّادين». وقال الكِرمانيُّ: بدلٌ منه. وقال النَّوويُّ: أي: القسوة في ربيعة ومضر الفدَّادين، والمراد: اختصاص المشرق بمزيدٍ من تسلُّط الشَّيطان ومن الكفر، كما (٢) في الحديث الآخر [خ¦٣٣٠١]: «رأس الكفر نحو المشرق» وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدَّجَّال من المشرق، وهو فيما بينهما منشأ الفتن العظيمة، ومثار الكَفَرة التُّرْك العاتية الشَّديدة البأس. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٣] و «المناقب» [خ¦٣٤٩٨] و «المغازي» [خ¦٤٣٨٧]، ومسلمٌ في «الإيمان». ٣٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ الإمام (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيلِ بن حَسَنَة القرشيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ (٣) النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ) بكسر الدَّال المهملة وفتح التَّحتيَّة، جمع ديكٍ، ويُجمَع ديكٌ (٤) في القلَّة: على أدياكٍ، وفي الكثرة: على ديوكٍ ودِيَكةٍ (فَاسْأَلُوا اللهَ
следующие страницы →