← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

ثمَّ نفخ الله فيه (١) من روحه، فكان أوَّلَ ما جرى فيه الرُّوح بصرُه وخياشيمُه، فعطس فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربُّك … » الحديث. وفي حديث أبي موسى ممَّا أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «إنَّ الله خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض» ففي هذا أنَّ الله تعالى لمَّا أراد إبراز آدم من العدم إلى الوجود قلبه في ستَّة أطوارٍ: طور التُّراب، وطور الطِّين اللَّازب، وطور الحمأ، وطور الصَّلصال، وطور التَّسوية، وهو جعل الخزفة الَّتي هي الصَّلصال عظمًا ولحمًا ودمًا، ثمَّ نفخ فيه الرُّوح، وقد خلق الله تعالى الإنسان على أربعة أضربٍ: إنسانٍ من غير أبٍ ولا أمٍّ، وهو آدم، وإنسانٍ من أبٍ لا غير، وهو حوَّاء، وإنسانٍ من أمٍّ لا غير، وهو عيسى، وإنسانٍ من أبٍ وأمٍّ، وهو الَّذي ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧] يعني: من صلب الأب وترائب الأمِّ، وهذا الضَّرب يتمُّ بعد ستَّة أطوارٍ أيضًا: النُّطفة، ثمَّ العلقة، ثمَّ المضغة، ثمَّ العظام، ثمَّ كسوة العظام لحمًا، ثمَّ نفخ الرُّوح فيه، وقد شرَّف الله تعالى هذا الإنسان على سائر المخلوقات، فهو صفوة العالم وخلاصته وثمرته، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ولا ريب أنَّ من خُلِقتْ لأجله وبسببه (٢) جميع المخلوقات -علويُّها وسفليُّها- خليقٌ بأن يرفلَ في ثياب الفخر على من عداه، وتمتدَّ إلى اقتطاف زهرات النُّجوم يداه، وقد خلقه الله تعالى واسطةً بين شريفٍ -وهو الملائكة- ووضيعٍ -وهو الحيوان- ولذلك كان فيه قوى العالمين، وأهلًا لسكنى الدَّارين، فهو كالحيوان في الشَّهوة (٣)، وكالملائكة في العلم والعقل والعبادة، وخصَّه برتبة النُّبوَّة، واقتضت الحكمة أن تكون شجرة النُّبوَّة صنفًا مفردًا ونوعًا واقعًا بين الإنسان والملك، ومشاركًا لكلِّ واحدٍ منهما على وجهٍ، فإنَّه كالملائكة في الاطِّلاع على ملكوت السَّموات والأرض، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب، وإذا طهر الإنسان من نجاسته النَّفسيَّة وقاذوراته البدنيَّة (٤) وجُعِل في جوار الله كان حينئذٍ أفضل من الملائكة، قال (٥) تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] وفي الحديث: «الملائكة

стр. 6547

خدم (١) أهل الجنَّة». قال ابن كثيرٍ: واختُلِف هل وُلِد لآدم في الجنَّة؟ فقيل: لا، وقيل: وُلِد له فيها قابيل وأخته. قال: وذكروا: أنَّه كان يُولَد له في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، وفي «تاريخ ابن جريرٍ»: أنَّ حوَّاء ولدت لآدم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، وقيل: مئةً وعشرين بطنًا، في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، أوَّلهم قابيل وأخته أقليما (٢)، وآخرهم عبد المغيث وأخته أمُّ (٣) المغيث، وقيل: إنَّه لم يمت حتَّى رأى (٤) من ذرِّيَّته من ولده وولد ولده أربع مئة ألف نسمةٍ، فالله أعلم. وذكر السُّدِّيُّ عن ابن عبَّاسٍ وغيره: أنَّه كان يزوِّج ذكر كلِّ بطنٍ بأنثى الآخر، وأنَّ هابيل أراد أن يتزوَّج أخت قابيل فأبى، فأمرهما آدم أن يقرِّبا قربانًا، فنزلت نارٌ فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنَّك حتَّى لا تتزوَّج أختي، فقال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وضربه فقتله، وكانت مدَّة حياة آدم ألف سنةٍ، وعن عطاءٍ الخراسانيِّ فيما (٥) رواه ابن جريرٍ: أنَّه لمَّا مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيَّامٍ. ٣٣٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ مولاهم، البلخيُّ الكوفيُّ (٦) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ) بضمِّ العين، ابن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ بن عمرو بن جريرٍ

стр. 6548

البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ) أي: جماعةٍ (يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) في الحُسْن والإضاءة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وفي «باب ما جاء في صفة الجنَّة» [خ¦٣٢٤٦] من طريق الأعرج عن أبي هريرة: «ثمَّ الَّذين على إثرهم» (عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ) بضمِّ الدَّال وتشديد الرَّاء والتَّحتيَّة من غير همزٍ (فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفِلُونَ) بكسر الفاء، وفي «باب (١) ما جاء في صفة (٢) الجنَّة» [خ¦٣٢٤٦] «ولا يبصقون» بالصَّاد (وَلَا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ) أي: عرقهم كالمسك في طيب ريحه (وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ) بفتح الهمزة وضمِّ اللَّام وتشديد الواو، وهي: (الأَنْجُوجُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ وبعد الجيم المضمومة واوٌ ساكنةٌ فجيمٌ أخرى، ولأبي ذرٍّ: «الأَلَنْجُوج» بلامٍ مفتوحة بين الهمزة والنُّون، وهو (عُودُ الطِّيبِ) الَّذي يُبخَّر (٣) به. فإن قلت: أيُّ حاجةٍ في الجنَّة إلى الامتشاط (٤) ولا تتلبَّد (٥) شعورهم ولا تتَّسخ؟ وأيُّ حاجةٍ إلى البخور (٦) وريحهم أطيب من المسك؟ أجيب بأنَّ نعيم أهل الجنَّة وكسوتهم ليس عن دفع ألمٍ اعتراهم، فليس أكلهم عن جوعٍ، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيُّبهم عن نتنٍ، وإنَّما هي لذَّاتٌ متواليةٌ، ونِعَمٌ متتابعةٌ (وَأَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ) وهم (عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) بفتح الخاء وسكون اللَّام (عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ) في الطُّول (سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ) في العلوِّ والارتفاع. وهذا موضع التَّرجمة. وسبق هذا الحديث في «باب ما جاء في صفة الجنَّة» [خ¦٣٢٤٦].

стр. 6549

٣٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله المخزوميِّ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) سهلةَ والدة أنس بن مالكٍ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) قالت ذلك اعتذارًا عن تصريحها بما تنقبض عنه النُّفوس البشريَّة، لا سيَّما بحضرته ﷺ ، أي: إِنَّ الله تعالى بيَّن لنا أنَّ الحقَّ ليس ممَّا يُستحيَا (١) منه، وسؤالها هذا كان من الحقِّ (فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ الغَسْلُ) بفتح الغين في الفرع كأصله (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) وفي «باب إذا احتلمت المرأة» من «كتاب الغسل» [خ¦٢٨٢]: «إذا هي احتلمت» (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ بعد استيقاظها من النَّوم (فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: تَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟!) بغير همزٍ ولا واوٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَبِمَا (٢)) بألفٍ بعد الميم مع دخول الجارِّ، وهو قليلٌ (يُشْبِهُ الوَلَدُ) أمَّه؟ وقال البيضاويُّ: هذا استدلالٌ على أنَّ لها منيًّا كما للرَّجل منيٌّ، والولد مخلوقٌ منهما، إذ لو لم يكن لها ماءٌ وكان الولد من مائه المجرَّد لم يكن يشبهها (٣)، لأنَّ الشَّبه بسبب ما بينهما من المشاركة في المزاج الأصليِّ المعيَّن المعدِّ لقبول التَّشكُّلات والكيفيَّات المعيَّنة من مبدعه ﵎، فإن غلب ماء الرَّجل ماء المرأة وسبق نزع الولد إلى جانبه، ولعلَّه يكون ذكرًا، وإن كان بالعكس نزع الولد إلى جانبها، ولعلَّه يكون أنثى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فبما يشبه الولد؟». وسبق الحديث في «الطَّهارة» [خ¦٢٨٢].

стр. 6550

٣٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) -بتخفيف اللَّام- السُّلَمِيُّ مولاهم البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) -بفتح الفاء والزَّاي- مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الكوفيُّ، نزيل مكَّة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ) -بتخفيف اللَّام- الإسرائيليَّ و «عبدَ الله» نصبٌ بقوله: (مَقْدَمُ) وهو رفعٌ على الفاعليَّة، مصدرٌ ميميٌّ بمعنى: القدوم (رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ المَدِينَةَ) نصبٌ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ) من المسائل (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: أَوَّلُ) ولأبي ذرٍّ (١): «قال: ما أوَّل» (أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟) أي: علاماتها (٢) (وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ) فيها؟ (وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ؟) أي: يشبه أباه (وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ؟) يشبههم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَبَّرَنِي) بتشديد الموحَّدة (بِهِنَّ) بالمسائل المذكورة (آنِفًا جِبْرِيلُ) ﵇ (قَالَ (٣)) أنسٌ: (فَقَالَ

стр. 6551

عَبْدُ اللهِ) بن سلامٍ: (ذَاكَ) يعني: جبريل (عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مجيبًا له: (أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ (١)) وهي القطعة (٢) المنفردة المتعلِّقة بالكبد، وهي أطيبها، وهي في غاية اللَّذَّة، وقيل: هي أهنأ طعامٍ وأمرؤه، وقيل: إنَّ الحوت هو الَّذي عليه الأرض، والإشارة بذلك إلى نفاد الدُّنيا (وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ المَرْأَةَ) أي: جامعها (فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا) ضُبِّب على قوله: «ماؤها» في الفرع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «اسْتَبقت» بهمزة وصلٍ وتسكين السِّين (٣) المهملة وفوقيَّةٍ مفتوحةٍ وبعد القاف تاء تأنيثٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سَبقت» بفتح السِّين وإسقاط الألف والفوقيَّة (كَانَ الشَّبَهُ لَهَا) وفي حديث عائشة عند مسلمٍ: «إذا علا ماءُ الرَّجل ماءَ المرأة أشبه أعمامه، وإذا (٤) علا ماءُ المرأة ماءَ (٥) الرجل أشبه أخواله» والمراد بالعلوِّ هنا: السَّبق، لأنَّ كلَّ من سبق فقد علا شأنه، فهو علوٌّ معنويٌّ، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي -إن شاء الله تعالى- بعونه وكرمه قبيل «كتاب المغازي» [خ¦٣٩٣٨] (قَالَ) ابن سلامٍ: (أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُْتٌ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الهاء وتُضَمُّ، جمع بهيتٍ، كقضيبٍ وقُضُبٍ، وهو الَّذي تبهت العقول له بما يفتريه (٦) من الكذب، أي: كذَّابون مُمَارون لا يرجعون إلى الحقِّ (إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ) عنِّي (بَهَتُونِي) كذبوا عليَّ (عِنْدَكَ، فَجَاءَتِ اليَهُودُ) (٧) إلى رسول الله ﷺ (وَدَخَلَ عَبْدُ اللهِ) بن سلامٍ (البَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬)

стр. 6552

لليهود: (أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْيَرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا) «أفعل» التَّفضيل (١)، من الخير (٢)، وفيه استعمال «أفعل» التَّفضيل بلفظ الأخير، ولغير أبي ذرٍّ: «أخبرُنا، وابن أخيرنا» بالموحَّدة في الأولى من الخبرة، وبالتَّحتيَّة في الثَّانية (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَفَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ) تسلموا؟ (قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ) من البيت (إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَوَقَعُوا فِيهِ). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «وأمَّا الشَّبه» لأنَّ التَّرجمة في خلق آدم وذرِّيَّته. ٣٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) فيه حذفٌ، قيل: لعلَّه رُوِي قبل هذا عن محمَّد بن رافعٍ عن عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عن همَّامٍ عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : «لولا بنو إسرائيل لم يخبُث الطَّعام ولم يَخْنِزِ اللَّحمُ، ولولا حوَّاء لم تخن أنثى زوجها الدَّهر» ثمَّ رواه عن بشر بن محمَّدٍ عن عبد الله عن مَعْمَرٍ عن همَّامٍ عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ قال: «نحوه» أي: نحو الحديث المذكور، ثمَّ فسَّر ذلك بقوله: (يَعْنِي: لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ) بخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ فنونٍ مفتوحةٍ فزايٍ، لم يُنتن، وأصل ذلك فيما رُوِي عن قتادة: أنَّ بني إسرائيل ادَّخروا لحم السَّلوى،

стр. 6553

وكانوا نُهوا عن ذلك (١)، فعُوقِبوا بذلك، فاستمرَّ نتن اللَّحم من ذلك الوقت (وَلَوْلَا حَوَّاءُ) بالهمز (٢) ممدودًا (٣) (لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا) حيث زيَّنت لزوجها آدم ﵇ الأكل من الشَّجرة، فسرى في أولادها مثل ذلك، فلا تكاد امرأةٌ تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو القول. ٣٣٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف مُصغَّرًا، محمَّد بن العلاء (وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ) بالحاء المهملة المكسورة والزَّاي، التِّرمذيُّ العابد (قَالَا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين مُصغَّرًا، ابن الوليد الجُعْفيُّ (عَنْ زَائِدَةَ) بن قُدامة الثَّقفيِّ (عَنْ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، ابن عمَّارٍ (الأَشْجَعِيِّ) بالشِّين المعجمة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمان (٤) الأشجعيِّ الغطفانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اسْتَوْصُوا) قال البيضاويُّ: الاستيصاء قبول الوصيَّة، والمعنى: أوصيكم (بِالنِّسَاءِ) خيرًا، وقال الطِّيبيُّ: الأظهر أنَّ السِّين للطَّلب مبالغةً، أي: اطلبوا الوصيَّة من أنفسكم في حقهنَّ بخيرٍ، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩] قال في «الكشَّاف»: السِّين للمبالغة، أي: يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسِّين في «استعجب» ويجوز أن يكون من الخطاب العامِّ، أي: يستوصي بعضكم من بعض في حقِّ النِّساء (فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَْعٍ) أي: أعوج، بكسر الضَّاد المعجمة وفتح اللَّام وتُسكَّن، واحد الأضلاع، استُعير (٥) للعوج

стр. 6554

صورةً أو معنًى، أي (١): فلا يتهيَّأ الانتفاع بها إلَّا بمُداراتها والصَّبر على اعوجاجها، وقيل: أراد به أنَّ أوَّل النِّساء حوَّاء أُخرِجت من ضلع آدم الأيسر، وقيل: من القُصَيْرَى كما تخرج النَّخلة من النَّواة، وجُعِل مكانها لحمٌ، وهذا مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ فيما رواه إسحاق (٢) في «المبتدأ» بلفظ: «إنَّ حوَّاء خُلِقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائمٌ» وكأنَّ المعنى: أنَّ النِّساء خُلِقن من أصلٍ خُلِق من شيءٍ مُعْوَجٍّ، وقوله: «أعوج» هو «أفعل» التَّفضيل، فاستعماله في العيوب شاذٌّ، وإنَّما يمتنع عند الالتباس بالصِّفة، فإذا تميَّز عنه بالقرينة جاز (وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ) ذكره تأكيدًا لمعنى الكسر، أو إشارةً إلى أنَّها خُلِقت من أعوج أجزاء الضِّلع، مبالغةً في إثبات هذه الصِّفة لهنَّ، أو ضُرِب مثلًا لأعلى المرأة، لأنَّ أعلاها رأسها وفيه لسانها، وهو الَّذي يحصل منه الأذى. والأصل: التَّعبير بـ «أعلاها» لأنَّ الضِّلع مُؤنَّثةٌ، وإنَّما أعاد الضَّمير مُذكَّرًا على تأويله بالعضو، وقول (٣) الزَّركشيِّ: -تأنيثه غير حقيقيٍّ، فلذا جاز (٤) التَّذكير- تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا غلطٌ؛ لأنَّ معاملة المُؤنَّث غير الحقيقيِّ معاملة المُذكَّر إنَّما هو بالنِّسبة إلى ظاهره إذا أُسنِد إليه، مثل: طلع (٥) الشَّمس، وأمَّا مضمره فحكمه حكم المؤنَّث الحقيقيِّ في وجوب التَّأنيث، تقول: الشَّمس طلعت (٦)، وهي طالعةٌ، ولا تقول:

стр. 6555

طلع، و (١) هو طالعٌ. نعم قد يُؤوَّل في بعض المواضع بالمذكَّر فينزَّل (٢) منزلته، مثل: فلا مزنةٌ وَدَقَتْ ودقَها … ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها فأوَّلَ الأرضَ بالمكان فذكّر، وكذا ما نحن فيه. (فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ) أي: وإن لم تُقِمْه (لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ) فلا يقبل الإقامة، وهذا ضربُ مَثَلٍ لِمَا في أخلاق النِّساء من الاعوجاج، فإن أُريد منهنَّ الاستقامة ربَّما أفضى ذلك إلى الطَّلاق. وفي «مسلمٍ» من حديث أبي هريرة: «إن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» (فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ) أيُّها (٣) الرِّجال. وفي الحديث: النَّدب إلى المداراة لاستمالة النُّفوس وتألُّف (٤) القلوب، وفيه سياسة النِّساء بأخذ العفو عنهنَّ، والصَّبر على عوجهنَّ، فإنَّ من رام تقويمهنَّ فاته الانتفاع بهنَّ، مع أنَّه لا غنى للإنسان عن امرأةٍ يسكن إليها ويستعين بها على معاشه. وفي «صحيح ابن حبَّان» مرفوعًا من حديث أبي هريرة: «إنَّ المرأة خُلِقت من ضلعٍ أعوج (٥)، فإن أقمتها كسرتها، فدارِها تَعِشْ بها». وحديث الباب أخرجه أيضًا في «النِّكاح وعِشْرة النِّساء» [خ¦٥١٨٦]، ومسلمٌ في «النِّكاح».

стр. 6556

٣٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجهنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، قال: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْو الصَّادِقُ) في قوله (المَصْدُوقُ) فيما وعده به الله : (إِنَّ أَحَدَكُمْ) بكسر همزة «إنَّ» في الفرع كأصله على معنى «حدَّثنا فقال: إنَّ أحدكم» أو «إنَّ» وما بعدها محكيَّان بـ «حدَّثنا» على ما عُرِف من مذهبهم في جواز الحكاية بما فيه من معنى القول لا حروفه، وقول أبي البقاء: -لا يجوز إلَّا الفتح لأنَّ قبله «حدَّثنا» - منقوضٌ بما ذُكِر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وإنَّ خلق أحدكم» (يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه مبنيًّا للمفعول، أي: يُضَمُّ (فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) بلياليها بعد الانتشار، وزاد أبو عوانة: «نطفةً»، فبيَّن أنَّ الَّذي يُجمَع هو النُّطفة وهو المنيُّ، وذلك أنَّ ماء الرَّجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد الله تعالى أن يخلق من ذلك الجنين هيَّأ أسباب ذلك، لأنَّ في رحم المرأة قوَّتين، قوَّة انبساطٍ عند ورود منيِّ الرَّجل حتَّى ينتشر في جسد (١) المرأة، وقوَّة انقباضٍ بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسًا، ومع كون المنيِّ ثقيلًا بطبعه. وفي منيِّ الرَّجل قوَّة الفعل، وفي منيِّ المرأة قوَّة الانفعال، فعند الامتزاج يصير منيُّ الرَّجل كالأنفحة للَّبن، وفي «النَّهاية»: يجوز أن يريد بالجمع مكث النُّطفة في الرَّحم لتتخمَّر فيه حتَّى تتهيَّأ للتَّصوير (ثُمَّ يَكُونُ) أي: يصير (عَلَقَةً) دمًا غليظًا جامدًا (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان، والمعنى: أنَّها تصير بتلك (٢) الصِّفة مدَّة الأربعين (ثُمَّ يَكُونُ) يصير (مُضْغَةً) قطعة لحمٍ، سُمِّيت بذلك، لأنَّها بقدر ما يمضغه الماضغ (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان (ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ) في الطَّور الرَّابع حين يتكامل بنيانه وتتشكَّل أعضاؤه (مَلَكًا) وهو المُوكَّل بالرَّحم، أي: يأمره (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) يكتبها من القضايا المقدَّرة في الأزل (فَيَكْتُبُ) الملك الكتابة المعهودة في صحيفته (٣) أو بين عينيه (عَمَلَهُ) هل هو صالحٌ أو فاسدٌ؟ (وَأَجَلَهُ) أهو طويلٌ أو قصيرٌ؟ (وَرِزْقَهُ) أهو حلالٌ أو حرامٌ؟ قليلٌ أو كثيرٌ؟ والثَّلاثة نصبٌ بـ «يكتب» ولأبي ذرٍّ: «فيُكتَب» بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة (٤) مبنيًّا للمفعول «عملُه وأجلُه

стр. 6557

ورزقُه» برفع الثَّلاثة على النِّيابة عن (١) الفاعل (وَ) هو (شَقِيٌّ) باعتبار ما يُختَم له (أَوْ سَعِيدٌ) باعتبار ما يُختَم له. كما دلَّ عليه بقيَّة (٢) الحديث، والمراد: أنَّ الملك يكتب إحدى الكلمتين. كأن يكتب مثلًا: عمل هذا الجنين صالحٌ، وأجله ثمانون سنةً، ورزقه حلالٌ، وهو سعيدٌ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وحديث ابن مسعودٍ بجميع طرقه يدلُّ على أنَّ الجنين يتقلَّب في مئةٍ وعشرين يومًا في ثلاثة أطوارٍ، كلُّ طورٍ منها في أربعين (ثُمَّ) بعد تمامها (يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) من المعاصي، والباء زائدةٌ، والأصل: يعمل عمل أهل النَّار، لأنَّ قوله: «عمل» إمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أو مفعولٌ به، وكلاهما مستغنٍ عن الحرف، فزيادة الباء للتَّأكيد، أو ضمَّن (٣) «يعمل» معنى (٤): «يتلبَّس» في عمله بعمل أهل النَّار (حَتَّى مَا يَكُونَُ) رفعٌ على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، ويجوز النَّصب بـ «حتَّى»، و «ما» نافيةٌ غير مانعةٍ لها من العمل (بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أي: (٥) النَّار (إِلَّا ذِرَاعٌ) تمثيلٌ بقرب حالة الموت، وضابط ذلك الحسِّيِّ: الغرغرةُ الَّتي جُعِلت علامةً لعدم قبول التَّوبة (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ) الَّذي كتبه الملك عليه وهو في بطن أمِّه عقب ذلك من غير مهلةٍ (٦) (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) عند ذلك (فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ) وموضع «عليه» نُصِبَ على الحال، أي: يسبق المكتوب واقعًا عليه. والمراد بسبق الكتاب: سبق ما تضمَّنه على حذف مضافٍ، أو المراد: المكتوب، والمعنى: أنَّه يتعارض عمله في اقتضاء الشَّقاوة والمكتوب في اقتضاء السَّعادة، فيتحقَّق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسَّبق، لأنَّ السَّابق يحصل مراده دون المسبوق (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) من الطَّاعات (حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ) وفي الحديث: أنَّ الأعمال حَسَنها وسيِّئها أماراتٌ وليست بموجباتٍ، وأنَّ مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء إلى غير ذلك ممَّا يتعلَّق بالأصول والفروع

стр. 6558

ممَّا يأتي (١) إن شاء الله تعالى الإلمام بشيءٍ منه في «القدر» [خ¦٦٥٩٤] بعون الله تعالى. ٣٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه (٢) درهمٌ، الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (ابْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) أبي معاذٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ وَكَّلَ) بتشديد الكاف (فِي الرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ) عند وقوع النُّطفة التماسًا لإتمام الخلقة: (يَا رَبِّ) -بحذف ياء المتكلِّم-، هذه (نُطْفَةٌ) أي: منيٌّ (يَا رَبِّ) هذه (عَلَقَةٌ) قطعةٌ من دمٍ جامدةٍ (يَا رَبِّ) هذه (مُضْغَةٌ) قطعة لحمٍ مقدار ما يُمضَغ، وفائدة ذلك: أنَّه يستفهم هل يتكوَّن (٣) منها أم لا؟ (فَإِذَا أَرَادَ) (أَنْ يَخْلُقَهَا قَالَ) الملك: (يَا رَبِّ أَذَكَرٌ) هو (يَا رَبِّ) (٤) أم (٥) هو (٦) (أُنْثَى؟ يَا رَبِّ) هو (شَقِيٌّ) عاصٍ لك (أَمْ سَعِيدٌ) مطيعٌ لك؟ (فَمَا الرِّزْقُ) الَّذي يعيش به؟ (فَمَا الأَجَلُ؟) أي: مدَّة حياته إلى وقت موته (فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فِي بَطْنِ أُمِّهِ) ظرفٌ لـ «يكتب». وهذا الحديث سبق في «الحيض» [خ¦٣١٨].

стр. 6559

٣٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) الدَّارميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيْمِيُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيبٍ (الجَوْنِيِّ) بفتح الجيم وبعد الواو السَّاكنة نونٌ (عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ) (يَقُولُ) يوم القيامة (لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) قيل: هو أبو طالب: (لَو أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ (٢) مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟) بالفاء، من الافتداء وهو خلاص نفسه ممَّا وقع فيه بدفع ما يملكه (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) الله تعالى: (فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُو أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) حين أخذت الميثاق (أَلَّا تُشْرِكَ بِي، فَأَبَيْتَ) إذ أخرجتك إلى الدُّنيا (إِلَّا الشِّرْكَ). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «صفة الجنَّة والنَّار» [خ¦٦٥٥٧] أواخر (٣) «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٨]، ومسلمٌ في «التَّوبة». ٣٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ) -بضمِّ الفوقيَّة الأولى وفتح الثَّانية مبنيًّا للمفعول- من بني آدم (ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل حيث قتل أخاه هابيل (كِفْلٌ) بكسر الكاف وإسكان الفاء، نصيبٌ

стр. 6560

(مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ) على وجه الأرض من بني آدم. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ القاتل قابيل وَلَدُ آدم من صلبه، فهو داخلٌ في لفظ الذُّرِّيَّة في التَّرجمة. والحديث أخرجه أيضًا (١) في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٧] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٢١]، ومسلمٌ في «الحدود»، والتِّرمذيُّ في «العلم»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الدِّيات». (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه: (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ) ومناسبته لسابقه من حيث إنَّ بني آدم مُركَّبةٌ من الأجساد والأرواح. ٣٣٣٦ - (قَالَ) أي: المؤلِّف فيما وصله في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالحٍ: (قَالَ (٢) اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الأَرْوَاحُ) الَّتي يقوم بها الجسد وتكون بها الحياة (جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ) أي: جموعٌ مجمعةٌ، وأنواعٌ مختلفةٌ (فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا) توافق في الصِّفات وتناسب في الأخلاق (ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا) لم يوافق ولم يناسب (اخْتَلَفَ) والمراد: الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدُّمها الأجساد. أي: أنَّها خُلِقت أوَّل خلقتها على قسمين من ائتلافٍ واختلافٍ، إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابلها: ما جعله الله عليها من السَّعادة والشَّقاوة والأخلاق في مبدأ الخَلْق، فإذا تلاقت الأجساد الَّتي فيها الأرواح في الدُّنيا ائتلفت

стр. 6561

على حسب ما خُلِقت عليه، ولذا ترى الخيِّر يحبُّ الأخيار ويميل إليهم، والشِّرِّير يحبُّ الأشرار ويميل إليهم. وقال الطِّيبيُّ: الفاء في «فما تعارف» للتَّعقيب، أتبعت المجمل بالتَّفصيل، فدلَّ قوله: «ما تعارف» على تقدُّم اختلاطٍ في الأزل، ثمَّ تفرُّقٍ بعد ذلك في أزمنةٍ متطاولةٍ، ثمَّ ائتلافٍ بعد التَّعارف، كمن فقد أنيسه وإلفه ثمَّ اتَّصل به، وهذا التَّعارف إلهاماتٌ يقذفها الله تعالى في قلوب العباد من غير إشعارٍ منهم بالسَّابقة. وفي حديث ابن مسعودٍ عند العسكريِّ مرفوعًا: «الأرواح جنودٌ مُجنَّدةٌ، تلتقي فتشامُّ كما تشامُّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فلو أنَّ رجلًا مؤمنًا جاء إلى مجلسٍ فيه مئة منافقٍ وليس فيهم (١) إلَّا مؤمنٌ واحدٌ لجاء حتَّى يجلس إليه، ولو أنَّ منافقًا جاء إلى مجلسٍ فيه مئة مؤمنٍ وليس فيه إلَّا منافقٌ واحدٌ لجاء حتَّى يجلس إليه» وللدَّيلميِّ بلا سندٍ عن معاذ بن جبلٍ مرفوعًا: «لو أنَّ رجلًا مؤمنًا دخل مدينةً فيها ألف منافقٍ ومؤمنٌ واحدٌ لشمَّ روحُه روحَ ذلك المؤمن وعكسه» ولأبي نُعَيمٍ في «الحلية» في ترجمة أُويسٍ: أنَّه لمَّا اجتمع به هَرِمُ بن حيَّان العبديُّ ولم يكن لقيه، وخاطبه أُوَيسٌ باسمه، قال له هرمٌ: من أين عرفت اسمي واسم أبي، فوالله ما رأيتك ولا رأيتني؟ قال: عرفت روحي روحَك حيث (٢) كلَّمت (٣) نفسي نفسَك، وإنَّ المؤمنين يتعارفون بروح الله وإن نأت بهم الدَّار. وقال بعضهم: أقرب القرب مودَّة القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد البُعْد تنافر التَّداني. ولبعضهم: إنَّ القلوب لأجنادٌ مُجنَّدةٌ … قول الرَّسول فمن ذا فيه يختلفُ فما تعارف منها فهو مؤتلفٌ … وما تناكر منها فهو مختلفُ ولآخر: بيني وبينك في المحبَّة نسبةٌ … مستورةٌ في سرِّ هذا العالم نحنُ الَّذين تحاببتْ أرواحُنا … من قَبْلِ خلقِ اللهِ طينةَ آدمِ وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ من حديث أبي هريرة في «الأدب».

стр. 6562

(وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ البصريُّ ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (بِهَذَا) الحديث السَّابق، وليس يحيى بن أيُّوب من شرط المؤلِّف، فلذا (١) أخرج له في الاستشهاد وأورده (٢) من الطَّريقين بلا إسنادٍ (٣)، فصار أقوى ممَّا لو ساقه بإسناده، قاله الإسماعيليُّ. قال ابن حجرٍ: ويشهد للمتن (٤) حديث أبي هريرة عند مسلمٍ. (٣) (باب قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَقَدْ﴾) جواب قسمٍ محذوفٍ تقديره: والله لقد (﴿أَرْسَلْنَا﴾) أي بعثنا (٥) (﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]) وهو ابن خمسين سنةً. وقال مقاتلٌ: ابن مئة سنةٍ. وعند ابن جريرٍ: ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً. وقال (٦) ابن عبَّاسٍ: سُمِّي نوحًا. لكثرة نوحه على نفسه، واختُلِف

стр. 6563

في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربَّه في شأن ابنه كنعان، وهو نوح بن لامَِك بن مَتَّوشَلَخ بن أخْنُوخ، وهو إدريس، وهو أوَّل نبيٍّ بعثه الله بعد إدريس، وقال القرطبيُّ: أوَّل نبيٍّ بعثه الله بعد آدم بتحريم البنات والعمَّات والخالات، وكان مولده -فيما ذكره ابن جريرٍ- بعد وفاة آدم بمئةٍ وستَّةٍ وعشرين عامًا، ومات وعمره ألف سنةٍ وأربع مئة سنةٍ، ودُفِن بالمسجد الحرام، وقيل غير ذلك. وعن أبي أمامة ﵁: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أنبيٌّ كان آدم؟ قال: «نعم» قال: فكم كان بينه وبين نوحٍ؟ قال: «عشرة قرونٍ» رواه ابن حبَّان وصحَّحه. قال ابن كثيرٍ: وهو على شرط مسلمٍ، ولم يخرجوه. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما رواه (١) ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿بَادِئَ اُلرَّأىِ﴾ [هود: ٢٧]) أي: (مَا ظَهَرَ لَنَا) من (٢) غير رويَّةٍ وتأمُّلٍ، بل من أوَّل وهلةٍ (﴿أَقْلِعِي﴾) قال ابن عبَّاسٍ، أي (٣): (أَمْسِكِي) ومنه: أقلعت الحُمَّى، وهذا مجازٌ، لأنَّها مواتٌ، وقيل: جعل فيها ما تُمَيَّز به، والَّذي قال: إنَّه مجازٌ قال: لو فُتّش كلام العرب والعجم، ما وُجِدَ فيه مثل هذه الآية، على حسن

стр. 6564

نظمها، وبلاغة وصفها، واشتمال المعاني فيها (﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة: أي: (نَبَعَ المَاءُ) فيه وارتفع، كالقدر يفور، والتَّنُّور أشرف موضعٍ في الأرض وأعلاه، أو «التَّنُّور» الَّذي يُخبَز فيه، ابتدأ منه النُّبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها أو في الهند، قيل: وكان من حجارةٍ، كانت حوَّاء تخبز فيه فصار إلى نوحٍ (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن جريرٍ: «التَّنُّور» (وَجْهُ الأَرْضِ) وهو قول الزُّهريِّ أيضًا. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (الجُودِيُّ) في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] هو (جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ) المعروفة بابن عمر في الشَّرق (١) فيما بين دجلة والفرات، وزاد ابن أبي حاتمٍ: (٢) تشامخت الجبال يوم الغرق وتواضع هو لله تعالى فلم يغرق، وأُرسِيت عليه سفينة نوحٍ، ورُوِي: أنَّه ركب السَّفينة عاشر رجبٍ، ونزل عاشر المحرَّم، فصام ذلك اليوم وصار سُنَّةً، وذكر ابن جريرٍ وغيره: أنَّ الطُّوفان كان في (٣) ثالث عشر شهر (٤) آب في شدَّة الحرِّ و (٥) القيظ. وقد (٦) رُوِي: أنَّ نوحًا لمَّا يئس من صلاح قومه دعا عليهم دعوةً غضب الله عليهم،

стр. 6565

فلبَّى دعوته وأجاب طلبته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] وأمره أن يغرس شجرًا ليعمل منه السَّفينة فغرسه، وانتظره مئة سنةٍ، ثمَّ نجره في مئة سنةٍ (١) أخرى، وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعًا، وعرضها خمسين ذراعًا. وقال قتادة: كان (٢) طولها ثلاث مئة ذراعٍ في عرض خمسين. وقال الحسن البصريُّ: ستُّ مئةٍ في عرض ثلاث مئةٍ. وعن ابن عبَّاسٍ: ألفٌ ومئتا ذراعٍ في عرض ستِّ مئةٍ. وكانت ثلاث طبقاتٍ، كلُّ واحدةٍ عشرة أذرعٍ، فالسُّفلى للدَّوابِّ والوحوش، والوسطى للنَّاس، والعليا للطُّيور، وكان لها غطاءٌ من فوقها مطبقٌ عليها، وفُتِحت (٣) أبواب السَّماء بماءٍ منهمرٍ، وفُجِّرت الأرض عيونًا، وأمره الله (٤) تعالى أن يحمل في السَّفينة من كلٍّ زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما له روحٌ من المأكولات وغيرها، لبقاء نسلها، ومن آمن و (٥) أهل بيته إلَّا من كان كافرًا، وارتفع الماء على أعلى جبلٍ في الأرض خمسة عشر ذراعًا، وقيل: ثمانين ذراعًا، وعمَّ الأرض كلَّها طولها وعرضها، ولم يبقَ على وجه الأرض أحدٌ (٦)، واستجاب الله تعالى دعوته، حيث قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فلم يبقَ منهم عينٌ تطرف، وهذا -كما قاله (٧) الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ- يردُّ على من زعم من المفسِّرين وغيرهم: أنَّ عوج بن عنقٍ -ويُقال: ابن عناقٍ- كان موجودًا من قبل نوحٍ وإلى زمان موسى، ويقولون: كان كافرًا متمرِّدًا جبَّارًا عنيدًا، ويقولون: «عنق» أمُّه بنت آدم من زنًى وإنَّه كان يأخذ لطوله (٨) السَّمك (٩) من قرار البحر ويشويه في عين الشَّمس، وإنَّه كان يقول لنوحٍ وهو في السَّفينة: ما هذه القصعة الَّتي بك؟! ويستهزئ به، ويذكرون أنَّ طوله كان ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ

стр. 6566

وثلاثًا (١) وثلاثين وثلث ذراعٍ، إلى غير ذلك من الهذيانات الَّتي لولا أنَّها مُسطَّرةٌ في كثيرٍ من كتب التَّفاسير وغيرها من التَّواريخ وغيرها من أيَّام النَّاس، لَمَا تعرَّضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها، ثمَّ إنَّها مخالفةٌ للمعقول والمنقول. أمَّا المعقول (٢) فكيف يسوغ أنَّ الله يهلك ولد نوحٍ لكفره وأبوه نبيُّ الأمَّة وزعيم أهل الإيمان، ولا يهلك عوج بن عنقٍ وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا، ولا يرحم منهم أحدًا ويترك هذا الجبَّار العنيد، الفاجر الشَّديد، الكافر الشَّيطان (٣) المَريد؟! على ما ذكروا. وأمَّا المنقول فقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] وقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ثمَّ هذا الطُّول الَّذي ذكروا (٤) مخالفٌ لما في «الصَّحيحين» [خ¦٣٣٢٦] عن رسول الله ﷺ : «أنَّ الله تعالى خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» فهذا نصُّ الصَّادق المصدوق المعصوم (٥) الَّذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] إنَّه لم يزل ينقص حتَّى الآن، أي: لم يزل النَّاس في نقصانٍ في (٦) طولهم من آدم إلى يوم إخباره بذلك، وهلمَّ جرًّا إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أنَّه لم يوجد من ذرِّيَّة آدم من كان أطول منه، وكيف يُترَك ويُصار إلى قول (٧) الكَذَبة الكَفَرة من أهل الكتاب الَّذين بدَّلوا كتب الله المنزَّلة، وحرَّفوها وأوَّلوها (٨) ووضعوها على غير مواضعها، عليهم لعائنُ الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وما أظنُّ هذا الخبر عن عوج بن عنقٍ (٩) إلَّا اختلاقًا من بعض زنادقتهم وكفَّارهم الَّذين كانوا أعداء الأنبياء، والله أعلم. انتهى (١٠).

стр. 6567

(﴿دَأْبِ﴾) في قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] قال مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ: هو (مِثْلُ حَالِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «﴿دَأْبِ﴾: حال» فأسقط لفظ «مثل». (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) أي: خبره مع قومه (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم﴾) عَظُم وشقَّ عليكم (﴿مَّقَامِي﴾) أي: إقامتي بينكم مدَّةً مديدةً -ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا- أو قيامي على الدَّعوة (﴿وَتَذْكِيرِي﴾) إيَّاكم (﴿بِآيَاتِ اللّهِ﴾) بحُجَجه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١]) أي: المنقادين لحكمه، وهذه الآية ثبتت في الفرع، وعليها رقم أبي ذرٍّ وابن عساكر. (٣ م) (بابُ قَوْلِ اللهِ (١) تَعَالَى) سقط هذا (٢) لأبي ذرٍّ وابن عساكر (﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ﴾) أي: بأن أنذر، أي: بالإنذار، أو بأن قلنا له: أنذر (﴿قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾﴾ [نوح: ١]): عذاب الآخرة، أو الطُّوفان (إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (٣)) وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَنْ أَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلِيمٌ﴾». ٣٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان العتكيُّ مولاهم المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (قَالَ سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ (٤)، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُو أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ) بتشديد الجيم بوزن «فعَّالٍ» من أبنية المبالغة، الكثير (٥) الكذب، وهو من الدَّجل، وهو الخلط والتَّلبيس والتَّمويه

стр. 6568

(فَقَالَ: إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ) أخوِّفكموه، والجملة مُؤكَّدةٌ بـ «إنَّ» واللَّام وكونها اسميَّةً (وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَهُ (١) قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ) خصَّه بعد التَّعميم، لأنَّه أوَّل نبيٍّ أنذر قومه، وأوَّل مشرِّعٍ من الرُّسل، أو أبو (٢) البشر الثَّاني، وذرِّيَّته هم الباقون في الدُّنيا لا غيرهم (وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ) سقط لفظ «لكم» لابن عساكر (قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ) مبالغةً في التَّحذير: (تَعْلَمُونَ أَنَّهُ) أي: الدَّجال (أَعْوَرُ) عين اليمنى أو اليسرى (وَأَنَّ اللهَ) (لَيْسَ بِأَعْوَرَ) تعالى الله عن كلِّ نقصٍ، وجلَّ عن (٣) أن يُشبَّه بالمحدَثات. ٣٣٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشِّين المعجمة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بالتَّخفيف (أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ: إِنَّهُ) أي: الدَّجال (أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ) إذا ظهر (بِمِثَالِ الجَنَّةِ وَ) مثال (النَّارِ) ولابن عساكر: «معه تِمثال» بمُثنَّاةٍ مكسورةٍ بدل الموحَّدة، أي: صورة الجنَّة والنَّار، يبتلي الله تعالى به عباده بما أقدره عليه من مقدوراته، كإحياء الميت الَّذي يقتله، وأمره السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثمَّ يعجزه الله تعالى فلا يقدر على قتل ذلك الرَّجل ولا غيره، فيقتله عيسى ﵇ (فَالَّتِي يَقُولُ: إِنَّهَا الجَنَّةُ، هِيَ النَّارُ) وبالعكس (وَإِنِّي) بالواو، ولابن عساكر (٤): «فإنِّي» (أُنْذِرُكُمْ) أخوِّفكم منه (كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ) وكذا غيره من الأنبياء -كما مرَّ- وذلك لأنَّ فتنته عظيمةٌ جدًّا، تدهش العقول، وتحيِّر الألباب، مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث

стр. 6569

بحيث (١) يتأمَّل الضُّعفاء دلائل الحدوث والنَّقص فيصدِّقون بصدقه في هذه الحالة، فلذا حذَّرت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قومهم من فتنته (٢) ونبَّهوا عليه. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن». ٣٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ) يوم القيامة (فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى) له: (هَلْ بَلَّغْتَ) رسالَتي إلى قومك؟ (فَيَقُولُ: نَعَمْ) بلَّغتها (أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ) (لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ) تعالى (لِنوح: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ) أنَّك بلَّغتهم؟ (فَيَقُولُ): يشهد لي (مُحَمَّدٌ) رسول الله (٣) (¬ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ (٤)) له (أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ) أمَّته (وَهْو قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالوَسَطُ): هو (العَدْلُ) وهذا من نفس الحديث، لا مُدرَجٌ فيه. وهذا الحديث سيأتي (٥) ذكره في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٧].

стр. 6570

٣٣٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (١): «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصرٍ السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، الطَّنافسيُّ الأحدب الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بالحاء المهملة وتشديد الياء التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان التَّيميُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ بن عمرٍو البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (٢) ﷺ فِي دَِعْوَةٍ) بفتح الدَّال وكسرها في «اليونينيَّة»: طعام مدعوٍّ إليه ضيافةً (فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول، قال السَّفاقسيُّ: الصَّواب: رُفِعت، لأنَّ الذِّراع مُؤنَّثةٌ. قال في «المصابيح»: وهذا خبطٌ، لأنَّ هذا إسنادٌ إلى ظاهرٍ غير الحقيقيِّ، فيجوز التَّأنيث وعدمه، بل أقول: لوكان التَّأنيث هنا حقيقيًّا، لم يجب اقتران الفعل بعلامة التَّأنيث، لوجود الفاصل (٣) كقولك: قام في الدَّار هندٌ (وَكَانَتْ) أي: الذِّراع (تُعْجِبُهُ) لأنَّها أعجل نضجًا، وأخفُّ على المعدة، وأسرع هضمًا، مع لذَّتها وحلاوة مذاقها، ولذا سُمَّ فيها (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) بسينٍ مهملةٍ فيهما، أخذ لحمها (٤) من العظم بأطراف أسنانه، ولأبي ذرٍّ

стр. 6571

والأَصيليِّ (١): «فنهش منها نهشةً» بالشِّين المعجمة فيهما، أخذه بأضراسه (وَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ القَوْمِ) وضُبِّب على «القوم» في الفرع كأصله، وفي الهامش مُصحَّحًا عليه: «سيِّد النَّاس» (يَوْمَ القِيَامَةِ) خصَّه بالذِّكر، لارتفاع سؤدده وتسليم الجميع له فيه (٢)، وإذا كان سيِّدهم في يوم القيامة ففي الدُّنيا أَولى، وقوله: «لا تخيِّروا بين الأنبياء» أي: تخييرًا يؤدِّي إلى تنقيصٍ، أو لا تخيِّروا في ذات النُّبوَّة والرِّسالة؛ إذ الأنبياء فيهما على حدٍّ واحدٍ، والتَّفاضل بأمورٍ أُخَر، أو خصَّه، لأنَّ القصَّة قصَّة يوم القيامة (هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ) وللكُشميهنيِّ: «بمَ»، وللحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ» بالمثلَّثة بدل الموحَّدة وتشديد الميم (يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ؟) أرضٍ مستويةٍ واسعةٍ (فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ) أي: يحيط بهم بصر النَّاظر، بحيث لا يخفى عليه منهم شيءٌ، لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) -بضمِّ الياء- من الإسماع (وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ) فيبلغهم من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ) لبعضٍ: (أَلَا تَرَوْنَ إِلَى (٣) مَا أَنْتُمْ (٤) فِيهِ) من الغمِّ والكرب (إِلَى مَا بَلَغَكُمْ؟) بدلٌ من قوله: «إلى ما أنتم فيه» (أَلَا) بالتَّخفيف كالسَّابقة للعرض أو التَّحضيض (تَنْظُرُونَ إِلَى (٥) مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟) حتَّى يريحكم من مكانكم هذا (فَيَقُولُ بَعْضُ (٦) النَّاسِ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ) له: (يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُ البَشَرِ) كُتِب بغير واوٍ بعد الموحَّدة من «أبو» (٧)، ولأبي ذرٍّ: «أبو البشر» بإثبات الواو (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) الإضافة إليه تعالى إضافة تعظيم للمضاف وتشريفٍ (وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ) زاد في رواية همَّامٍ في «التَّوحيد» (٨) [خ¦٧٤٤٠]: «وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ» وضع «شيءٍ» موضع «أشياء» أي: المسمَّيات، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أي:

стр. 6572

أسماء المسمَّيات، أراد التَّقصِّي واحدًا فواحدًا (١) حتَّى يستغرق المسمَّيات كلَّها (أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا) -بفتح الغين- من الكرب والعرق؟ (فَيَقُولُ) آدم ﵇: (رَبِّي غَضِبَ) اليوم (غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) والمراد من الغضب لازمُه، وهو إرادة إيصال الشَّرِّ إلى المغضوب عليه. وقال النَّوويُّ: المراد: ما يظهره تعالى من انتقامه فيمن عصاه، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال الَّتي لم تكن ولا يكون مثلها، ولا ريب أنَّه لم يتقدَّم قبل ذلك اليوم مثله، ولا يكون بعده مثله (وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ) أي: عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فعصيت (٢)» بحذف الضَّمير (نَفْسِي نَفْسِي) مرَّتين، أي: نفسي هي الَّتي تستحقُّ أن يشفع لها، لأنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين فالمراد بعض لوازمه، أو قوله: «نفسي» مبتدأٌ والخبر محذوفٌ، وعند سعيد بن منصورٍ من رواية ثابتٍ: «إنِّي أخطأت وأنا في الفردوس، فإنْ يغفر لي اليوم فحسبي» (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ) بيانٌ لقوله: «اذهبوا إلى غيري» (فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ) له: (يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) استشكلت الأوَّليَّة هنا: بأنَّ آدم نبيٌّ مُرسَلٌ، وكذا شيثٌ وإدريس، وهم قبل نوح، وأُجيب بأنَّ الأوَّليَّة مُقيَّدةٌ بقوله: «إلى أهل الأرض» لأنَّ آدم ومن بعده لم يُرسَلوا إلى أهل الأرض، واستُشكِل بقوله في حديث جابرٍ [خ¦٣٣٥]: «أُعِطيت خمسًا». وفيه: «وكان النَّبيُّ (٣) يُبعَث إلى قومه خاصَّةً وبُعثِت إلى النَّاس كافَّةً» وأُجيب بأنَّ بعثة نوحٍ إلى أهل الأرض باعتبار الواقع، لصدق أنَّهم قومه، بخلاف عموم بعثة (٤) نبيِّنا ﷺ لقومه ولغير قومه، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيدٌ لذلك في محالِّه بعون الله وقوَّته (وَسَمَّاكَ اللهُ) في سورة الإسراء (عَبْدًا شَكُورًا) تحمد الله تعالى على مجامع حالاته (أَمَا) بتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ألا» (تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟) بفتح الغين (أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) حتَّى يريحنا من مكاننا؟ (فَيَقُولُ) نوحٌ ﵇: (رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي) مرَّتين (ائْتُوا النَّبِيَّ) محمَّدًا ﷺ ، المعروف: أنَّ نوحًا يدلُّهم على إبراهيم، وإبراهيم على موسى،

стр. 6573

وموسى على عيسى، وعيسى على النَّبيِّ محمَّدٍ (١) (¬ ﷺ ¬) قال نبيُّنا ﷺ : (فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ) زاد أحمد في «مُسنَده»: «قدر جمعةٍ» (فَيُقَالُ (٢): يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) أي: تُقبَل شفاعتك (وَسَلْ تُعْطَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) -مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ لشيءٍ- الأحدب: (لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ) أي: باقي الحديث، لأنَّه مُطوَّلٌ معلومٌ من رواية غيره. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧١٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» و «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة» مُختصرًا، وفي «التَّفسير» مُطوَّلًا، وابن ماجه في «الأطعمة». ٣٣٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ) الجهضميُّ الأزديُّ البصريُّ -وسقط لأبي ذرٍّ «ابن نصرٍ» - قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ) محمَّد بن عبد الله بن الزُّبير بن عُمَر (٣) بن درهمٍ الزُّبيريُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]) بالإدغام والدَّال المهملة (مِثْلَ قِرَاءَةِ العَامَّةِ) لا بفكِّ الإدغام ولا بالمعجمة، كما قُرِئ في الشَّواذِّ، وأصله: «مذتكرٌ» بذالٍ معجمةٍ «مفتعل» من الذِّكر، فاجتمع حرفان متقاربان في المخرج والأوَّل ساكنٌ، وألفينا الثَّاني مهموسًا، فأبدلناه بمجهورٍ يقاربه في المخرج -وهو الدَّال المهملة- ثمَّ قُلِبت الذَّال دالًا وأُدغِمت في الدَّال المهملة. فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب من قوله في الآية الثَّانية: ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾ [يونس: ٧١] والآية في شأن سفينة نوح، والضَّمير في قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ [القمر: ١٥] يُعتبَر بها؛ إذ شاع خبرها واستمرَّ، أو تُركِت حتَّى نظر إليها أوائل هذه الأمَّة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٨٦٩] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٥]، ومسلمٌ

стр. 6574

في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الحروف» (١)، والتِّرمذيُّ في «القراءات»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾) هو إلياس بن ياسين، سبط هارون أخي موسى، بُعِث بعده. وقال عبد الله بن مسعودٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: هو إدريس، وفي «مصحفه»: (وإنَّ إدريس لمن المرسلين)، وسقط الباب لأبي ذرٍّ (٢) (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾) ألا تخافون الله في عبادتكم غيره (﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾) أي: أتعبدون صنمًا، أو تطلبون الخير منه (﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ. وَاللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾) المستحقُّ للعبادة وحده لا شريك له (﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾) للعذاب يوم الحساب (﴿إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾) من قومه، أي: الموحِّدين (٣) منهم (٤)، وهو مستثنًى من الواو في: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وهو استثناءٌ متَّصلٌ، وفيه دلالةٌ على أنَّ في قومه من لم يكذِّبه، فلذلك استُثنوا، ولا يجوز أن يكون مستثنًى من المحضرين

стр. 6575

لفساد المعنى، لأنَّه يلزم حينئذٍ أن يكونوا مندرجين فيمن كذَّب، لكنَّهم لم يُحضَروا لكونهم عباد الله المخلصين، وهو بيِّن الفساد، ولا يُقال: هو مستثنًى منه استثناءً منقطعًا، لأنَّه يصير المعنى: لكنَّ عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يُحضَروا، ولا حاجة إلى هذا (١) بوجهٍ؛ إذ به يفسد نظم الكلام (﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣ - ١٢٩]) أي: ثناءً جميلًا. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن جريرٍ: (يُذْكَرُ بِخَيْرٍ) أي: في الآخرين، ولأبي ذرٍّ: بعد قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ «إلى قوله (٢): ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾»، وإسقاط: «﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ إلى آخر قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾» (﴿سَلَامٌ عَلَى إلِْ يَاسِينَ﴾) بفتح الهمزة ومدِّها وكسر اللَّام وفصلها من الياء، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ ويعقوب، أضافوا ﴿إَلِ﴾ الَّذي هو بمعنى: «أهل» إلى ﴿يَاسِينَ﴾ كآل إبراهيم، فهي على هذه القراءة كلمتان، فيكون ياسين أبا إلياس، وقراءة الباقين: بكسر الهمزة وسكون اللَّام ووصلها بالياء كلمةً واحدةً، جمعٌ لـ «إلياس» وجُمِع باعتبار أصحابه، كالمهلَّبين (٣) في المهلَّب (٤) (﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾) أي: إنَّما خصصناه بأن يُذكَر بخيرٍ لأجل كونه محسنًا، ثمَّ علَّل كونه محسنًا بقوله: (﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠ - ١٣٢]). (يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله بصيغة التَّمريض (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ وابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ (وَابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن (٥) جريرٍ (٦) في تفسيره بإسنادٍ ضعيفٍ: (أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ) فيكون له اسمان، وفي مصحف ابن مسعودٍ: (وإن إدريس لمن المرسلين)، وسبق أنَّ «إلياس» من ولد هارون أخي موسى ﵈، فعلى هذا فليس إدريس جدًّا لنوحٍ، لأنَّه من بني إسرائيل، والصَّحيح: أنَّ إلياس غير إدريس، لأنَّ الله تعالى ذكره في سورة

стр. 6576

الأنعام، حيث قال: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] فدلَّ على أنَّ إلياس من ذرِّيَّة نوحٍ، وإدريس جدُّ أبي نوحٍ، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. (٥) (بابُ ذُِكْرِ إِدْرِيسَ ﵇ بكسر ذال «ذكر» وضمِّها في «اليونينيَّة»، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ (وَهُوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ) لأنَّه نوح بن لامَِك بن مَتُّوشَلَخ بن أَخْنُوخ (١) وهو إدريس (وَيُقَالُ: جَدُّ نُوحٍ ﵉ مجازًا، لأنَّ جدَّ الأب جدٌّ، وقوله «وهو جدُّ … » إلى آخره ثابتٌ لابن عساكر؟ وكان إدريس ﵇ أوَّل نبيٍّ (٢) أُعطِي النُّبوَّة بعد آدم وشيث ﵉، وأوَّل من خطَّ بالقلم، وأدرك من حياة آدم ثلاث مئة سنةٍ وثمان سنين. وقال ابن كثيرٍ: وقد قالت طائفةٌ: إنَّه المشار إليه في (٣) حديث معاوية بن الحكم السُّلَمِيِّ لمَّا سأل النَّبيّ ﷺ عن الخطِّ بالرَّمل فقال: «إنَّه كان نبيٌّ يخطُّ بالرَّمل، فمن وافق خطَّه فذاك» (٤). وزعم كثيرٌ من المفسِّرين: أنَّه أوَّل من تكلَّم في ذلك، ويسمُّونه: هرمس الهرامسة، ويكذبون عليه في أشياء كثيرةٍ كما كذبوا على غيره من الأنبياء (وَقَوْلِ اللهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة: (﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]): السَّماء السَّادسة، أو الرَّابعة، أو الجنَّة، أو شرف النُّبوَّة والزُّلفى، وعن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: أنَّه رُفِع إلى السَّماء ولم يمتْ كما رُفِع عيسى. قال في «البداية والنِّهاية»: إن أراد أنَّه لم يمت إلى الآن ففيه نظرٌ، وإن أراد أنَّه رُفِع حيًّا إلى السَّماء، ثمَّ قُبِض فلا ينافي ما ذكره كعبٌ: أنَّه قُبِض في السَّماء الرَّابعة. وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّه قُبِض في السَّادسة،

стр. 6577

وصحَّح ابن كثيرٍ: أنَّه قُبِض في الرَّابعة (١).

стр. 6578

٣٣٤٢ - (قَالَ عَبْدَانُ): هو لقب (١) عبد الله بن عثمان بن جَبَلَة المروزيُّ، وهذا التَّعليق وصله الجَوزقيُّ من طريق محمَّد بن اللَّيث عن عبدان، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا عبدان» ولابن عساكر: «حدَّثنا» بغير واوٍ، قال (٢): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ. (ح) لتَّحويل الإسناد (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «عن الزُّهريِّ، قال أنسُ بن مالكٍ (٣): وحدَّثنا» ولأبي ذرٍّ: «وأخبرنا» (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ قال (٤): (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وبعد الموحَّدة المفتوحة سينٌ مُهمَلةٌ، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد، وهو عمُّ عنبسة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: قال أنسٌ: كَانَ (٥)) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال أنس بن مالكٍ: كان» (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة (¬﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء (٦) مبنيًّا للمفعول، أي: فُتِح (سَقْفُ بَيْتِي) ولأبي ذرٍّ: «عن سقف بيتي» (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ من الموضع الَّذي فتحه من السَّقف مبالغةً في المفاجأة (٧) (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ، أي: شقَّ (صَدْرِي) في روايةٍ للمصنِّف [خ¦٣٢٠٧]: «إلى مَرَاقِّ البطن» (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) لأنَّه أفضل المياه، أو يقوِّي القلب (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بسينٍ مهملةٍ مُؤنَّثةٍ (مِنْ ذَهَبٍ)

стр. 6579

وكان ذلك قبل تحريم الذَّهب (مُمْتَلِئٍ) صفةٌ لـ «طستٍ»، وذُكِّر على معنى «الإناء» (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بنصبهما على التَّمييز، تمثيلٌ لينكشف بالمحسوس ما هو معقولٌ، وتمثيل المعاني جائزٌ، كما أنَّ سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنَّها ظلَّةٌ، ولابن عساكر: «الحكمة والإيمان» (فَأَفْرَغَهَا) أي: الطَّست، والمراد: ما فيها (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) وختم عليه حتَّى لا يجد العدوُّ إليه سبيلًا (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) جبريلُ (فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) الدُّنيا: (افْتَحْ) بابها (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الَّذي قال: افتح؟ (قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ) ولم يقل: أنا، لأنَّ قائلها يقع في العناء، وسقط لفظ «هذا» لأبي ذرٍّ (قَالَ: مَعَكَ) ولابن عساكر: «قال: ما معك» (أَحَدٌ؟ قَالَ): نعم (مَعِيَ مُحَمَّدٌ) ﷺ (قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ) ليُعرَج به؟ (قَالَ: نَعَمْ) أُرسِل إليه (فَافْتَحْ. فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ) زاد أبو ذرٍّ: «الدُّنيا» وهي صفةٌ لـ «السَّماء» والظَّاهر: أنَّه كان معهما غيرهما من الملائكة (إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) أشخاصٌ (وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ) أشخاصٌ أيضًا (فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ) أي: جهة (يَمِينِهِ ضَحِكَ) سرورًا (وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى) حزنًا (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) أي: أصبت رحبًا لا ضيقًا أيُّها النَّبيُّ التَّامُّ في نبوَّته، والابن البارُّ في بنوَّته (قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ) الَّتي (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ (١) شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النُّون والسِّين المهملة (٢)، أي: أرواحهم (فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ) والجنَّة فوق السَّماء السَّابعة

стр. 6580

في (١) جهة يمينه (وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ) والنَّار في سجِّين (٢) الأرض السَّابعة في جهة شماله، فيُكشَف له عنهما (٣) حتَّى ينظر إليهم (فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ) بابها (فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ) بابها (قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (فَذَكَرَ) أبو ذرٍّ: (أَنَّهُ) ﷺ (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ إِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ) عليهم الصلاة والسلام (وَلَمْ يُثْبِتْ) أبو ذرٍّ (لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: لم يعيِّن لكلِّ نبيٍّ سماءً (غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ (٤) ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّه قد وجد» (آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَقَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) ولم يقل: والابن الصَّالح (٥)، لأنَّه لم يكن من آبائه (فَقُلْتُ) لجبريل: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ) وهذا موضع التَّرجمة. وفي حديث مالك بن صعصعة عند الشَّيخين [خ¦٣٢٠٧]: أنَّ إدريس في السَّماء الرَّابعة، ولا ريب أنَّه موضعٌ عليٌّ وإن كان غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ) أي (٦): لجبريل، ولأبي ذرٍّ: «فقلت» بالفاء قبل القاف، وله أيضًا: «فقال» أي: النَّبيُّ ﷺ ، وهو من الالتفات: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ) لجبريل: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ): هذا (عِيسَى) وليست «ثمَّ» هنا على بابها في التَّرتيب، فقد اتَّفقت الرِّوايات على أنَّ المرور بعيسى كان قبل المرور بموسى (ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟) يا جبريل: (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ) ﷺ ، وقالوا: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح. ولم يقولوا: بالنَّبيِّ الصَّادق مثلًا، لأنَّ لفظ «الصَّالح» عامٌّ لجميع الخصال الحميدة، فأرادوا وصفه بما يعمُّ كلَّ الفضائل. (قَالَ) أي: ابن شهابٍ: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) -بالحاء المهملة المفتوحة وسكون

стр. 6581

الزَّاي- أبو بكر بن محمَّد بن عمرو (١) بن حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَيَّةَ الأَنْصَارِيَّ) بتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وأبا حبَّة» بالموحَّدة بدل التَّحتيَّة، وهو الصَّواب، ورواية ابن حزمٍ عن أبي حيَّة (٢) منقطعةٌ، لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد (٣) ابن حزمٍ بمدَّةٍ، كما مرَّ ذلك مع زيادةٍ في أوَّل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] (كَانَا) أي (٤): ابن عبَّاسٍ وأبو حيَّة (يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى (٥)) بضمِّ العين وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ عَرَجَ بي جبريلُ حتَّى» (ظَهَرْتُ) أي: علوتُ (لِمُسْتَوًى) بفتح الواو، أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يستوي عليه، وهو المصعد. وقال التُّوْرِبِشْتيُّ: اللَّام للعلَّة، أي: علوت لاستعلاء مستوًى، أو لرؤيته، أو لمطالعته، ويحتمل أن يكون متعلِّقًا بالمصدر، أي: ظهرت ظهور المستوى، ويحتمل أن يكون بمعنى «إلى»، يُقال: أوحى لها، أي: إليها، والمعنى: أنِّي قمت مقامًا بلغت فيه مِنْ رِفعة المحلِّ إلى حيث اطَّلعت على الكوائن، وظهر لي ما يُراد من أمر الله تعالى وتدبيره في خلقه، وهذا والله هو المنتهى الَّذي لا تقدُّم لأحدٍ عليه، وللحَمُّويي والمُستملي: «بمستوًى» بالموحَّدة بدل اللَّام (أَسْمَعُ) فيه (صَرِيفَ الأَقْلَامِ) أي: تصويتها (٦) حالة (٧) كتابة الملائكة ما (٨) يقضيه الله تعالى (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذرٍّ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَفَرَضَ اللهُ عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة، أي: وعلى أمَّتي

стр. 6582

(خَمْسِينَ صَلَاةً) في كلِّ يومٍ وليلةٍ (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ فميمٍ مضمومةٍ فراءٍ مُشدَّدةٍ (فَقَالَ) لي (مُوسَى: مَا الَّذِي فَرَضَ) أي: ربُّك (عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ) له: (فَرَضَ) ربِّي (عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً) في كلِّ يومٍ وليلةٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فُرِض» -بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول- في الموضعين «خمسون صلاةً» بالرَّفع، نائبٌ (١) عن الفاعل (قَالَ) موسى: (فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) وسقط لفظ «ذلك» لأبي ذرٍّ (فَرَجَعْتُ) من عند موسى (فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا) أي: جزءًا منها. وفي رواية ثابتٍ: أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا، وحَمْل باقي الرِّوايات عليها متعيِّنٌ على ما لا يخفى (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ) سقط لابن عساكر لفظ «فأخبرته» (فَقَالَ) موسى ﵇: (رَاجِعْ رَبَّكَ) ولابن عساكر: «فقال ذلك» أي: «راجع ربَّك» (٢)، ففعلت، أي: فرجعت (٣) فراجعت ربِّي فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته بذلك فقال: راجع ربَّك (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهْيَ خَمْسُونَ) بحسب الثَّواب، ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ) يحتمل أن يُراد: أنِّي ساويت بين الخمس والخمسين في الثَّواب، وهذا القول غير مُبدَّلٍ (٤)، أو جعلت الخمسين خمسًا ولا تبديل فيه، وإنَّما وقعت المراجعة للعلم بأنَّ ذلك غير واجبٍ قطعًا، لأنَّ ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التَّخفيف، أو فرض خمسين. ثمَّ نسخها بخمسٍ (٥) رحمةً لهذه الأمَّة المحمَّديَّة. واستُشكِل: بأنَّه نسخٌ قبل البلاغ. وأُجيب بأنَّه نسخٌ بعده (٦) بالنِّسبة إلى النَّبيِّ ﷺ (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ (٧) رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي) أن أراجعه بعد قوله تعالى: «لا يبدَّل القول لديَّ» (ثُمَّ

стр. 6583

انْطَلَقَ (١)) جبريل (حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ المُنْتَهَى) وفي نسخةٍ: «إلى السِّدرة المنتهى» ولابن عساكر: «حتَّى أتى بي سدرة المنتهى» ولأبي ذرٍّ: «بي (٢) السِّدرة المنتهى» وهي في أعلى السَّموات، وسُمِّيت بالمنتهى لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها (٣) أحدٌ إلَّا نبيُّنا ﷺ (٤) (فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ) هو كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] فالإبهام للتَّفخيم والتَّهويل وإن كان معلومًا (ثُمَّ أُدْخِلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ أُدخِلت الجنَّة» (فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ) بفتح الجيم والنُّون بعدها ألفٌ فمُوحَّدةٌ مكسورةٌ فذالٌ معجمةٌ جمع جُنْبُذةٍ، وهي القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ) رائحةً (٥). واستُنبِط من هذا الحديث فوائد كثيرةٌ، يأتي إن شاء الله تعالى في «سورة هودٍ» الإلمام بشيءٍ منها في بابه بعون الله تعالى، وقد مرَّ الحديث أوَّل «الصَّلاة» [خ¦٣٤٩]. (٦) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة هود: (﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ [هود: ٥٠]) عطفٌ على قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] كقولك: ضرب زيدٌ عمرًا وبكرٌ خالدًا، وليس (٦) من باب ما فُصِل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجارِّ والمجرور، نحو: ضربت زيدًا وفي السُّوق عمرًا، فيجيء الخلاف المشهور، وقيل: بل هو على إضمار فعلٍ، أي: وأرسلنا هودًا، وهذا أوفق لطول الفصل، و ﴿هُودًا﴾ بدلٌ، أو عطف بيانٍ لأخيهم، وكان هودٌ أخاهم في النَّسب لا في الدِّين، لأنَّه كان

стр. 6584

من قبيلة عادٍ، وهم (١) قبيلةٌ من العرب بناحية اليمن، كما يُقال للرَّجل: يا أخا تميمٍ، والمراد: رجلٌ منهم، وهو هود بن تارخ (٢) بن أرفخشذ (٣) بن سام بن نوحٍ (﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ﴾ [هود: ٥٠]) أي: وحِّدوه، وسقط قوله: «﴿قَالَ (٤) يَا قَوْمِ (٥)﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (وَقَوْلِهِ) بالجر عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]) جمع حِقْفٍ، وهو رملٌ مستطيلٌ مرتفعٌ فيه انحناءٌ، من احقوقف الشَّيء إذا اعوَّج، وكان قوم هودٍ يسكنون (٦) بين رمال مشرفةٍ على البحر بالشِّحر من اليمن (٧)، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضِّخام، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٧] وهي عادٌ الأولى، وأمَّا عادٌ الثَّانية فمتأخِّرةٌ، وأمَّا عادٌ (٨) الأولى فمنهم (٩) عادٌ ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨] أي: مثل قبيلته، وقيل: مثل العمد، ومن زعم أنَّ إرم مدينةٌ تدور في الأرض فقد أبعد النُّجعة، وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يُعوَّل عليه (إِلَى قَوْلِهِ) تَعَالَى: (﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥]) تخويفٌ لكفَّار مكَّة، أي: ما سبق من قصَّتهم حكمنا فيمن كذَّب رسلنا وخالف أمرنا. (فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله المؤلِّف في: «باب ما جاء (١٠)

стр. 6585

في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان: ٤٨]» [خ¦٣٢٠٦] (وَ) عن (سُلَيْمَانَ) بن يسارٍ فيما وصله أيضًا في «سورة الأحقاف» [خ¦٤٨٢٨] كلاهما (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ الأولى: «كان إذا رأى مَخِيلةً أقبل وأدبر، وفي آخره: ولا أدري لعلَّه كما قال (١) قومٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤] الآيةَ». و (٢) الثَّانية: «قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا حتَّى أرى منه لَهَوَاتِه، إنَّما كان يتبسَّم، قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِف في وجهه … » الحديث. (٦ م) (وَقَوْلِ اللهِ بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «باب قول الله »: (﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾) عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وأمَّا عادٌ (﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شَدِيدَةٍ) أي: شديدة الصَّوت في الهبوب، لها صرصرةٌ، وقيل: باردةٌ (﴿عَاتِيَةٍ﴾: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) في تفسيره: (عَتَتْ عَلَى الخُزَّانِ) وما خرج منها إلَّا مقدار الخاتم، وعند ابن أبي حاتمٍ عن عليٍّ ﵁ قال: «لم ينزل الله شيئًا من الرِّيح إلَّا بوزنٍ على يد ملكٍ إلَّا يوم عادٍ، فإنَّه أذن لها دون الخُزَّان فعتت على (٣) الخُزَّان»، أو المراد: عتت على عادٍ فلم يقدروا على ردِّها عنهم بقوٍَّة ولا حيلةٍ (﴿سَخَّرَهَا﴾) سلَّطها (﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾) قيل: كان أوَّلها الجمعة، وقيل: من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر، وقال وهبٌ: العرب تسمِّيها أيَّام العجوز، لإتيانها في عجز الشِّتاء، وهي ذات بردٍ ورياحٍ شديدةٍ (﴿حُسُومًا﴾) أي: (مُتَتَابِعَةً) دائمةً، ليس لها فتورٌ ولا انقطاعٌ، من حسمتُ الدَّابَّة إذا تابعتُ بين كيِّها، أو نحساتٌ (٤) حسمت كلَّ خيرٍ واستأصلته، أو قاطعاتٌ قطعت دابرهم (﴿فَتَرَى الْقَوْمَ﴾) إن كنت حاضرهم (﴿فِيهَا﴾)
следующие страницы →