← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

الزَّاي- أبو بكر بن محمَّد بن عمرو (١) بن حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَيَّةَ الأَنْصَارِيَّ) بتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وأبا حبَّة» بالموحَّدة بدل التَّحتيَّة، وهو الصَّواب، ورواية ابن حزمٍ عن أبي حيَّة (٢) منقطعةٌ، لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد (٣) ابن حزمٍ بمدَّةٍ، كما مرَّ ذلك مع زيادةٍ في أوَّل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] (كَانَا) أي (٤): ابن عبَّاسٍ وأبو حيَّة (يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى (٥)) بضمِّ العين وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ عَرَجَ بي جبريلُ حتَّى» (ظَهَرْتُ) أي: علوتُ (لِمُسْتَوًى) بفتح الواو، أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يستوي عليه، وهو المصعد. وقال التُّوْرِبِشْتيُّ: اللَّام للعلَّة، أي: علوت لاستعلاء مستوًى، أو لرؤيته، أو لمطالعته، ويحتمل أن يكون متعلِّقًا بالمصدر، أي: ظهرت ظهور المستوى، ويحتمل أن يكون بمعنى «إلى»، يُقال: أوحى لها، أي: إليها، والمعنى: أنِّي قمت مقامًا بلغت فيه مِنْ رِفعة المحلِّ إلى حيث اطَّلعت على الكوائن، وظهر لي ما يُراد من أمر الله تعالى وتدبيره في خلقه، وهذا والله هو المنتهى الَّذي لا تقدُّم لأحدٍ عليه، وللحَمُّويي والمُستملي: «بمستوًى» بالموحَّدة بدل اللَّام (أَسْمَعُ) فيه (صَرِيفَ الأَقْلَامِ) أي: تصويتها (٦) حالة (٧) كتابة الملائكة ما (٨) يقضيه الله تعالى (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذرٍّ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَفَرَضَ اللهُ عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة، أي: وعلى أمَّتي

стр. 6582

(خَمْسِينَ صَلَاةً) في كلِّ يومٍ وليلةٍ (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ فميمٍ مضمومةٍ فراءٍ مُشدَّدةٍ (فَقَالَ) لي (مُوسَى: مَا الَّذِي فَرَضَ) أي: ربُّك (عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ) له: (فَرَضَ) ربِّي (عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً) في كلِّ يومٍ وليلةٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فُرِض» -بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول- في الموضعين «خمسون صلاةً» بالرَّفع، نائبٌ (١) عن الفاعل (قَالَ) موسى: (فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) وسقط لفظ «ذلك» لأبي ذرٍّ (فَرَجَعْتُ) من عند موسى (فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا) أي: جزءًا منها. وفي رواية ثابتٍ: أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا، وحَمْل باقي الرِّوايات عليها متعيِّنٌ على ما لا يخفى (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ) سقط لابن عساكر لفظ «فأخبرته» (فَقَالَ) موسى ﵇: (رَاجِعْ رَبَّكَ) ولابن عساكر: «فقال ذلك» أي: «راجع ربَّك» (٢)، ففعلت، أي: فرجعت (٣) فراجعت ربِّي فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته بذلك فقال: راجع ربَّك (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهْيَ خَمْسُونَ) بحسب الثَّواب، ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ) يحتمل أن يُراد: أنِّي ساويت بين الخمس والخمسين في الثَّواب، وهذا القول غير مُبدَّلٍ (٤)، أو جعلت الخمسين خمسًا ولا تبديل فيه، وإنَّما وقعت المراجعة للعلم بأنَّ ذلك غير واجبٍ قطعًا، لأنَّ ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التَّخفيف، أو فرض خمسين. ثمَّ نسخها بخمسٍ (٥) رحمةً لهذه الأمَّة المحمَّديَّة. واستُشكِل: بأنَّه نسخٌ قبل البلاغ. وأُجيب بأنَّه نسخٌ بعده (٦) بالنِّسبة إلى النَّبيِّ ﷺ (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ (٧) رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي) أن أراجعه بعد قوله تعالى: «لا يبدَّل القول لديَّ» (ثُمَّ

стр. 6583

انْطَلَقَ (١)) جبريل (حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ المُنْتَهَى) وفي نسخةٍ: «إلى السِّدرة المنتهى» ولابن عساكر: «حتَّى أتى بي سدرة المنتهى» ولأبي ذرٍّ: «بي (٢) السِّدرة المنتهى» وهي في أعلى السَّموات، وسُمِّيت بالمنتهى لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها (٣) أحدٌ إلَّا نبيُّنا ﷺ (٤) (فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ) هو كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] فالإبهام للتَّفخيم والتَّهويل وإن كان معلومًا (ثُمَّ أُدْخِلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ أُدخِلت الجنَّة» (فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ) بفتح الجيم والنُّون بعدها ألفٌ فمُوحَّدةٌ مكسورةٌ فذالٌ معجمةٌ جمع جُنْبُذةٍ، وهي القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ) رائحةً (٥). واستُنبِط من هذا الحديث فوائد كثيرةٌ، يأتي إن شاء الله تعالى في «سورة هودٍ» الإلمام بشيءٍ منها في بابه بعون الله تعالى، وقد مرَّ الحديث أوَّل «الصَّلاة» [خ¦٣٤٩]. (٦) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة هود: (﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ [هود: ٥٠]) عطفٌ على قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] كقولك: ضرب زيدٌ عمرًا وبكرٌ خالدًا، وليس (٦) من باب ما فُصِل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجارِّ والمجرور، نحو: ضربت زيدًا وفي السُّوق عمرًا، فيجيء الخلاف المشهور، وقيل: بل هو على إضمار فعلٍ، أي: وأرسلنا هودًا، وهذا أوفق لطول الفصل، و ﴿هُودًا﴾ بدلٌ، أو عطف بيانٍ لأخيهم، وكان هودٌ أخاهم في النَّسب لا في الدِّين، لأنَّه كان

стр. 6584

من قبيلة عادٍ، وهم (١) قبيلةٌ من العرب بناحية اليمن، كما يُقال للرَّجل: يا أخا تميمٍ، والمراد: رجلٌ منهم، وهو هود بن تارخ (٢) بن أرفخشذ (٣) بن سام بن نوحٍ (﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ﴾ [هود: ٥٠]) أي: وحِّدوه، وسقط قوله: «﴿قَالَ (٤) يَا قَوْمِ (٥)﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (وَقَوْلِهِ) بالجر عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]) جمع حِقْفٍ، وهو رملٌ مستطيلٌ مرتفعٌ فيه انحناءٌ، من احقوقف الشَّيء إذا اعوَّج، وكان قوم هودٍ يسكنون (٦) بين رمال مشرفةٍ على البحر بالشِّحر من اليمن (٧)، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضِّخام، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٧] وهي عادٌ الأولى، وأمَّا عادٌ الثَّانية فمتأخِّرةٌ، وأمَّا عادٌ (٨) الأولى فمنهم (٩) عادٌ ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨] أي: مثل قبيلته، وقيل: مثل العمد، ومن زعم أنَّ إرم مدينةٌ تدور في الأرض فقد أبعد النُّجعة، وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يُعوَّل عليه (إِلَى قَوْلِهِ) تَعَالَى: (﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥]) تخويفٌ لكفَّار مكَّة، أي: ما سبق من قصَّتهم حكمنا فيمن كذَّب رسلنا وخالف أمرنا. (فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله المؤلِّف في: «باب ما جاء (١٠)

стр. 6585

في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان: ٤٨]» [خ¦٣٢٠٦] (وَ) عن (سُلَيْمَانَ) بن يسارٍ فيما وصله أيضًا في «سورة الأحقاف» [خ¦٤٨٢٨] كلاهما (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ الأولى: «كان إذا رأى مَخِيلةً أقبل وأدبر، وفي آخره: ولا أدري لعلَّه كما قال (١) قومٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤] الآيةَ». و (٢) الثَّانية: «قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا حتَّى أرى منه لَهَوَاتِه، إنَّما كان يتبسَّم، قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِف في وجهه … » الحديث. (٦ م) (وَقَوْلِ اللهِ بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «باب قول الله »: (﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾) عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وأمَّا عادٌ (﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شَدِيدَةٍ) أي: شديدة الصَّوت في الهبوب، لها صرصرةٌ، وقيل: باردةٌ (﴿عَاتِيَةٍ﴾: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) في تفسيره: (عَتَتْ عَلَى الخُزَّانِ) وما خرج منها إلَّا مقدار الخاتم، وعند ابن أبي حاتمٍ عن عليٍّ ﵁ قال: «لم ينزل الله شيئًا من الرِّيح إلَّا بوزنٍ على يد ملكٍ إلَّا يوم عادٍ، فإنَّه أذن لها دون الخُزَّان فعتت على (٣) الخُزَّان»، أو المراد: عتت على عادٍ فلم يقدروا على ردِّها عنهم بقوٍَّة ولا حيلةٍ (﴿سَخَّرَهَا﴾) سلَّطها (﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾) قيل: كان أوَّلها الجمعة، وقيل: من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر، وقال وهبٌ: العرب تسمِّيها أيَّام العجوز، لإتيانها في عجز الشِّتاء، وهي ذات بردٍ ورياحٍ شديدةٍ (﴿حُسُومًا﴾) أي: (مُتَتَابِعَةً) دائمةً، ليس لها فتورٌ ولا انقطاعٌ، من حسمتُ الدَّابَّة إذا تابعتُ بين كيِّها، أو نحساتٌ (٤) حسمت كلَّ خيرٍ واستأصلته، أو قاطعاتٌ قطعت دابرهم (﴿فَتَرَى الْقَوْمَ﴾) إن كنت حاضرهم (﴿فِيهَا﴾)

стр. 6586

أي (١): في تلك الأيَّام واللَّيالي، أو في مهابِّها (٢) (﴿صَرْعَى﴾): موتى، جمع صريعٍ (﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾) أي: (أُصُولُهَا) وخاويةٍ، أي: متآكلةٍ أجوافها، شبَّههم بجذوع نخلٍ خاليةِ الأجواف ليس لها رؤوسٌ، وقيل: إنَّ الرِّيح أخرجت ما في بطونهم، وكانت تحمل الرَّجل فترفعه في الهواء، ثمَّ تلقيه فتشدخ رأسه فيصير جثَّةً بلا رأسٍ (﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨]) أي: من (بَقِيَّةٍ) أو من نفسٍ باقيةٍ، قيل: إنَّهم لمَّا أصبحوا موتى في اليوم الثَّامن -كما وصفهم الله تعالى- حملتهم الرِّيح فألقتهم في البحر، فلم يبقَ منهم أحدٌ. ٣٣٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد -بكسر الموحَّدة والرَّاء وسكون النُّون- ابن النُّعمان النَّاجي السَّامي -بالسِّين المهملة- القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) -بفتحتين- ابن عُتَيبة، بضمِّ العين مُصغَّرًا (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نُصِرْتُ) يوم الأحزاب (بِالصَّبَا) بفتح الصَّاد المهملة والموحَّدة مقصورًا، أرسلها الله تعالى على الأحزاب لمَّا حاصروا المدينة، فسفَّت التُّراب في وجوههم وقلعت (٣) خيامهم، فانهزموا من غير قتالٍ، وعن عكرمة: «قالت الجنوب للشَّمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله ﷺ ، فقالت الشَّمال: إنَّ الحرَّة لا تسري باللَّيل، فكانت الرِّيح الَّتي أُرسِلت عليهم (٤) الصَّبا» رواه ابن جريرٍ (وَأُهْلِكَتْ عَادٌ) قوم هودٍ ﵊ (بِالدَّبُورِ) -بفتح الدَّال- الرِّيح الَّتي تجيء من قِبَل وجهك إذا استقبلت القبلة، فهي تأتي من دبرها. وروى ابن أبي حاتمٍ عن مجاهدٍ عن ابن عمر ﵄

стр. 6587

قال: قال رسول الله ﷺ : «ما فتح الله على عادٍ من الرِّيح الَّتي أُهلِكوا فيها إلَّا مثل موضع الخاتم، فمرَّت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السَّماء والأرض، فلمَّا رأى أهل الحاضرة من عادٍ الرِّيح وما فيها، قالوا: هذا عارضٌ ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة فهلكوا (١) جميعًا»، ورُوِي: أنَّ هودًا ﵇ لمَّا أحسَّ بالرِّيح خطَّ على نفسه وعلى المؤمنين خطًّا إلى جنب عينٍ تنبع، كانت الرِّيح الَّتي تصيبهم ريحًا طيِّبةً هادئةً، والرِّيح الَّتي تصيب قوم عادٍ ترفعهم من الأرض، وتطير بهم إلى السَّماء وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنَّما ظهر في تلك الرِّيح من هذا الوجه. ٣٣٤٤ - (قَالَ) أي: المؤلِّف، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال» (وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ، ووصله المؤلِّف في «تفسير براءة» [خ¦٤٦٦٧] فقال: حدَّثنا محمَّد بن كثيرٍ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروقٍ الثَّوريِّ الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) -بضمِّ النُّون وسكون العين المهملة- عبد الرَّحمن البجليِّ الكوفيِّ العابد (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخدريِّ الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁¬) أي: من اليمن -كما عند النَّسائيِّ- (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ) بضمِّ الذَّال مُصغَّرًا، وأنَّثها على معنى القطعة من الذَّهب، أو باعتبار الطَّائفة،

стр. 6588

ورُجِّح لأنَّها كانت تِبْرًا (فَقَسَمَهَا) رسول الله ﷺ (بَيْنَ الأَرْبَعَةِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بين أربعةٍ» ولـ «مسلمٍ»: «بين أربعة نفرٍ» (الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ) بالحاء المهملة والموحَّدة المكسورة والسِّين المهملة (الحَنْظَلِيِّ) بالحاء المهملة والظَّاء المعجمة المفتوحتين بينهما نونٌ ساكنةٌ، نسبةً إلى حنظلة بن مالك بن زيد (١) مناة (ثُمَّ المُجَاشِعِيِّ) نسبةً إلى مجاشع بن دارم، أحد المؤلَّفة قلوبهم (وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ) بالفاء والزَّاي المخفَّفة وبعد الألف راءٌ، نسبةً إلى فزارة (وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ) وكان في الجاهليَّة يُدعَى بزيد الخيل -باللَّام- فسمَّاه النَّبيُّ (٢) ﷺ : زيد الخير -بالرَّاء- (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) بفتح النُّون وسكون الموحَّدة (وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ) (٣) -بضمِّ العين المهملة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مثلَّثةٌ- ابن عوفٍ الأحوص بن حفص بن كلاب بن ربيعة (العَامِرِيِّ) نسبةً إلى عامر بن صعصعة بن معاوية (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ) -بكسر الكاف وتخفيف اللَّام- ابن ربيعة (فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ) سقط «والأنصار» من رواية مسلمٍ (قَالُوا: يُعْطِي) رسولُ الله (٤) ﵊ (صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ) أي: رؤساءهم، الواحد: صِنديدٌ -بكسر الصَّاد- (وَيَدَعُنَا) أي: يتركنا (قَالَ) ﷺ : (إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) بالإعطاء ليثبتوا على الإسلام، رغبةً فيما يصل إليهم من المال (فَأَقْبَلَ رَجُلٌ) من بني تميمٍ يُقال له: ذو الخُويصرة، واسمه حُرْقُوص بن زُهَيرٍ (غَائِرُ العَيْنَيْنِ) أي: داخلهما، يُقال: غارت عيناه إذا دخلتا، وهو ضدُّ: الجاحظ (مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ) بالشِّين المعجمة والفاء، غليظهما (نَاتِئُ الجَبِينِ) بالهمز في رواية أبي ذرٍّ، مرتفعه، قال النَّوويُّ: الجبين جانب الجبهة، ولكلِّ إنسانٍ جبينان يكتنفان الجبهة (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بفتح الكاف وبالثَّاء المثلَّثة المشدَّدة، كثيرٌ شعرها (مَحْلُوقٌ) رأسه، مخالفٌ لِمَا كانوا عليه من تربية شعر الرَّأس وفَرْقِه (فَقَالَ (٥): اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ يُطِعِ اللهَ) مجزومٌ حُرِّك بالكسر لالتقاء

стр. 6589

السَّاكنين (١)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٢): «من يطيعُ الله» بإثبات التَّحتيَّة بعد الطَّاء والرَّفع مصحَّحٌ (٣) عليه في الفرع كأصله (إِذَا عَصَيْتُ؟) أي: إذا عصيته، فحذف ضمير النَّصب (أَيَأْمَنُنِي اللهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «ولا» الواو بدل الفاء: «تأمنونني» بنونين (فَسَأَلَهُ) ﵊ (رَجُلٌ قَتْلَهُ -أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ-) وجاء: أنَّه عمر بن الخطَّاب، ولا تنافيَ بينهما لاحتمال أن يكونا سألا معًا (فَمَنَعَهُ) ﷺ من قتله، تأليفًا لغيره (فَلَمَّا وَلَّى) الرَّجل (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ) بضادين معجمتين مكسورتين، بينهما همزةٌ ساكنةٌ (٤) آخره همزةٌ ثانيةٌ، أي: من نسل (هَذَا) وعقبه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من صِئْصِئ» بصادين مهملتين، وهما بمعنًى (-أَو فِي عَقِبِ هَذَا- قَوْمٌ يَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حنجرةٍ، وهي رأس الغلصمة، والغلصمة منتهى الحلقوم، والحلقوم مجرى الطَّعام والشَّراب، أي: لا يُرفَع في الأعمال الصَّالحة (يَمْرُقُونَ) يخرجون (مِنَ الدِّينِ) الطَّاعة (مُرُوقَ السَّهْمِ) خروجه إذا نفذ من الجهة الأخرى (مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الرَّاء وكسر الميم وتشديد التَّحتيَّة، الصَّيد المرميِّ، وهذا نعت الخوارج الَّذين لا يدينون للأئمَّة ويخرجون عليهم (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ) بفتح الدَّال، يتركون (أَهْلَ الأَوْثَانِ) بالمثلَّثة، جمع وثنٍ: كلُّ ما له جثَّةٌ متَّخذٌ (٥) من نحو الحجارة والخشب، كصورة الآدميِّ يُعبَد. والصَّنم: الصُّورة بدون جثَّةٍ، أو لا فرق بينهما (لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ) أي: الموصوفين بما ذُكِر (لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أي: لأستأصلنَّهم بحيث لا أُبقي منهم أحدًا، كاستئصال عادٍ، وليس المراد أنَّه يقتلهم بالآلة الَّتي قُتِلت بها عادٌ بعينها، فالتَّشبيه لا عموم له. وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى، وقد أورد صاحب «الكواكب» سؤالًا، وهو: فإن قيل: أليس قال: «لئن أنا أدركتهم لأقتلنَّهم؟» فكيف لم يدعْ خالدًا أن يقتله وقد أدركه؟ وأجاب: بأنَّه إنَّما أراد به إدراك

стр. 6590

زمان خروجهم إذا كثروا واعترضوا النَّاس بالسَّيف، ولم تكن هذه المعاني مجتمعةً إذ ذاك فيوجد الشَّرط الَّذي علَّق به الحكم، وإنَّما أنذر ﷺ أن سيكون ذلك الزَّمان المستقبل، وقد كان كما قال ﷺ ، فأوَّل ما نجم هو في أيَّام عليٍّ ﵁. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٧] مختصرًا، وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٢] بتمامه، وفي «المغازي» [خ¦٤٣٥١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة» و «التَّفسير» و «المحاربة». ٣٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) أبو الهيثم المقرئ الكاهليُّ الكوفيُّ -المتوفَّى سنة بضع عشرة ومئتين- قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس أبو يوسف الكوفيُّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ -بفتح المهملة وكسر الموحَّدة- (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ يَقْرَأُ) قوله تعالى: (﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]) بالدَّال المهملة المشدَّدة، أي: فهل من معتبرٍ بما في هذا القرآن الَّذي يسَّر الله تعالى حفظه ومعناه. وقال مطر الورَّاق -فيما علَّقه المؤلِّف بصيغة الجزم (٢) [خ¦٩٧/ ٥٤ - ١١١٢٤]-: «﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ هل (٣) من طالب علمٍ فيُعان عليه». وسبق هذا الحديث في: «باب قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١]» [خ¦٣٣٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٨٦٩].

стр. 6591

(٧) (بابُ قِصَّةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) قال في «الأنوار»: قبيلتان من ولد يافث بن نوحٍ ﵇، وقيل: يأجوج من التُّرك ومأجوجٌ من الجبل، وعن قتادة -فيما ذكره محيي السُّنَّة: - أنَّ يأجوج ومأجوج اثنتان وعشرون قبيلةً، بنى ذو القرنين السَّدَّ على إحدى وعشرين قبيلةً، وبقيت واحدةٌ فهم (١) التُّرك، سُمُّوا بالتُّرك، لأنَّهم تُرِكوا خارج (٢) السَّدِّ (٣). وعن حذيفة مرفوعًا: «إنَّ يأجوج أمَّةٌ ومأجوج أمَّةٌ، كلُّ أمةٍ أربع مئة ألف أمَّةٍ (٤)، لا يموت الرَّجل منهم حتَّى ينظر إلى ألف ذكرٍ من صلبه، كلُّهم (٥) قد حمل السِّلاح». قال: وهم ثلاثة أصنافٍ: صنفٌ منهم مثل الأَرْز، شجر بالشَّام طوله عشرون ومئة ذراعٍ في السَّماء، وصنفٌ منهم طوله وعرضه سواءٌ عشرون ومئة ذراعٍ وهؤلاء لا يقوم لهم جبلٌ ولا حديدٌ، وصنفٌ منهم يفترش (٦) إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرُّون بفيلٍ ولا وحشٍ ولا خنزيرٍ إلَّا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مُقَدِّمَتُهم بالشَّام وساقتُهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبريَّة، وعن عليٍّ ﵁: «منهم من طوله شبرٌ، ومنهم

стр. 6592

المفرط في الطُّول» وفي «كتاب الأمم» لابن عبد البرِّ: أنَّ مقدار الرُّبع العامر من الدُّنيا مئةٌ وعشرون سنةً، وأنَّ تسعين منها ليأجوج ومأجوج، وهم أربعون أمَّةً مختلفون في الخَلْق (١) والقدود، في كلِّ أمَّةٍ ملكٌ ولغةٌ، ومنهم من لا يتكلَّم إلَّا همهمةً. وذكر الباجي عن عبد الرَّحمن بن ثابتٍ: أنَّ الأرض خمس مئة عامٍ، منها ثلاث مئة بحور، ومئة وتسعون ليأجوج ومأجوج، وسبعٌ للحبشة، وثلاثٌ لسائر النَّاس، كذا رأيته، والعهدة فيه على ناقله (٢)، وقد قال الحافظ ابن كثيرٍ: ذكر ابن جريرٍ هنا عن وهب بن منبِّهٍ أثرًا فيه ذكر ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، فيه طولٌ وغرابةٌ ونكارةٌ في أشكالهم وصفاتهم وطولهم (٣) وقصر بعضهم وآذانهم، وكذا روى ابن أبي حاتمٍ في ذلك أحاديث (٤) لا تصحُّ أسانيدها، وقد قال كعبٌ -فيما ذكره محيي السُّنَّة-: إنَّ آدم ﵇ احتلم ذات يومٍ، فامتزجت نطفته بالتُّراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم يتَّصلون بنا من جهة الأب دون الأمِّ، وحكاه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ». قال ابن كثيرٍ: وهذا القول غريبٌ جدًّا، ثمَّ لا دليل عليه لا من عقلٍ ولا من نقلٍ، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لِمَا عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾) وفي مصحف ابن مسعودٍ: (قال الَّذين من دونهم يا ذا القرنين (٥)) (﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤])

стр. 6593

أي: في أرضنا (١) بالقتل والتَّخريب وإتلاف الزَّرع (٢)، وسقط قوله: «قصَّة … » إلى آخره. (وَقَوْلِ اللهِ) ولابن عساكر: «باب قول الله» (تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾) -يا محمَّد- كفَّار مكَّة (﴿عَن﴾) خبر (﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾) روى ابن جريرٍ والأمويُّ في «مغازيه» بسندٍ ضعيفٍ من حديث عقبة بن عامرٍ ﵁: أنَّه كان شابًّا من الرُّوم، وأنَّه بنى الإسكندريَّة، وأنَّه علا به مَلَكٌ في السَّماء، وذهب به إلى السَّدِّ، ورأى أقوامًا مثل وجوه الكلاب. قال ابن كثيرٍ: وهو خبرٌ إسرائيليٌّ، وفيه من النَّكارة أنَّه (٣) من الرُّوم، وإنَّما الَّذي كان من الرُّوم إسكندر (٤) الثَّاني، وأمَّا إسكندر (٥) الأوَّل، فقد طاف بالبيت مع الخليلِ صلوات الله عليه وسلامه أوَّل ما بناه، وآمن به واتَّبعه كما ذكره الأزرقيُّ (٦) وكان وزيره الخضر، وأمَّا الثَّاني، فهو الإسكندر (٧) اليونانيُّ، وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وكان قبل المسيح بنحو (٨) ثلاث مئة سنةٍ، وسُمِّي ذا القرنين، لأنَّه مَلَك المشرق والمغرب، أو لأنَّه (٩) طاف قرني الدُّنيا شرقِها وغربِها، أو لأنَّه انقرض (١٠) في أيَّامه قرنان من النَّاس، أو لأنَّه كان (١١) له قرنان، أي: ضفيرتان، أو كان لتاجه قرنان، أو لأنَّه كان في رأسه شبه القرنين، أو لُقِّب بذلك لشجاعته، كما يُقال: الكبش للشُّجاع، كأنَّه ينطح أقرانه (١٢). وعن عليٍّ: أنَّه كان عبدًا ناصحًا لله (١٣) فناصحه، دعا قومه

стр. 6594

إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله (١)، فسمَّوه: ذا القرنين، واختُلِف في نبوَّته مع الاتِّفاق على إيمانه وصلاحه (﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ﴾) أي: من أخباره (﴿ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾) أي: مكنَّا له أمره في التَّصرُّف فيها كيف شاء، فحُذِف المفعول (﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾) طَلَبَه وتوجَّه إليه (﴿سَبَبًا﴾) وصلةً توصله إليه من العلم والقدرة، وقال عبد الرَّحمن بن زيدٍ: أي: تعليم الألسنة، كان لا يغزو قومًا إلَّا كلَّمهم بلسانهم، وقيل: علمًا بالطُّرق والمسالك، فسخَّرنا (٢) له أقطار الأرض كما سخَّرنا (٣) الرِّيح لسليمان ﵇، وقول كعب الأحبار مستدلًّا بهذه الآية: -إنَّ ذا القرنين كان يربط خيله (٤) بالثُّريَّا- أنكره عليه معاوية بن أبي سفيان، وهو إنكارٌ صحيحٌ (٥) لا سبيل للبشر إلى شيءٍ من (٦) ذلك، ولا إلى الرُّقيِّ في أسباب السَّموات، قاله ابن كثيرٍ (﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٣ - ٨٥]) أي: (طريقًا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿آتُونِي﴾) بسكون الهمزة، وهي قراءة أبي بكرٍ عن عاصم (﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] وَاحِدُهَا: زُبْرَةٌ) بضمِّ الزَّاي وسكون الموحَّدة (وَهْيَ القِطَعُ) بكسر القاف وفتح الطَّاء، ويُقال: كلُّ قطعةٍ زنة قنطارٍ بالدِّمشقيِّ أو تزيد عليه (٧)، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾: «إلى قوله (٨): ﴿سَبَبًا﴾ طريقًا، إلى قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ واحدها (٩) زبرةٌ» ولابن عساكر بعد قوله: «﴿ذِكْرًا﴾ إلى قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾» (﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾) بفتح الصَّاد والدَّال، ولغير أبي ذرٍّ (١٠): «﴿اُلصُّدُفَيْنِ﴾» بضمِّهما، وهي قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وابن عامرٍ، وهي لغة قريشٍ، ولأبي بكرٍ: ضمُّ الصَّاد وإسكان الدَّال.

стр. 6595

(يُقَالُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال: أي: بين (الجَبَلَيْنِ) وقيل (١): الصَّدفان: ناحيتا الجبلين، وقال أبو عبيدة: الصَّدف: كلُّ بناءٍ عظيمٍ مرتفعٍ (وَ ﴿اُلسُّدَّيُنِ﴾) بضمِّ السِّين، ولأبي ذرٍّ: «﴿السَّدَّيْنِ﴾» بفتحها، وهي قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وحفصٍ، لغتان (الجَبَلَيْنِ) سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، وهما جبلا أرمينية وأذربيجان، وقيل: جبلان بأواخر الشِّمال في منقطع أرض التُّرك منيفان (٢)، من ورائهما يأجوج ومأجوج، والمعنى: أنَّه وضع بعضه على بعضٍ من الأساس، حتَّى حاذى به (٣) رؤوس الجبلين طولًا وعرضًا (﴿خَرْجًا﴾) أي: (أَجْرًا) عظيمًا نخرجه من أموالنا (﴿قَالَ﴾) للعَمَلَة: (﴿انفُخُوا﴾) في الأكوار والحديد (﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾) أي: المنفوخ فيه (﴿نَارًا﴾) كالنَّار بالإحماء (﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾) أي: (أَصْبُبْ عَلَيْهِ (٤) رَصَاصًا) بفتح الرَّاء وتُكسَر، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «أصبَّ» بمُوحَّدةٍ مُشدَّدةٍ، ولأبي ذرٍّ: «أصُبَّ (٥) عليه قطرًا» (وَيُقَالُ: الحَدِيدُ) أي: المذاب (٦) (وَيُقَالُ: الصُّفْرُ) بالضَّمِّ، رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق الضَّحَّاك، وهو (٧) النُّحاس (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ إلى عكرمة عنه: (النُّحَاسُ) ورواه من طريق السُّدِّيِّ أيضًا قال: القطر: النُّحاس، وبناه

стр. 6596

لهم بالحديد والنُّحاس، و (١) من طريق وهب بن منبِّهٍ قال: شَرَّفه بزبر الحديد والنُّحاس المذاب، وجعل خلاله عرقًا من نحاسٍ أصفر، فصار كأنَّه بُرْدٌ مُحبَّرٌ من صفرة النُّحاس وحمرته وسواد (٢) الحديد، وحكى الحافظ (٣) ابن كثيرٍ: أنَّ الخليفة الواثق بعث في دولته بعض أمرائه في جيشٍ، لينظروا إلى السَّدِّ وينعتوه له إذا رجعوا، فرأوا بناءه من الحديد والنُّحاس، ورأوا فيه بابًا عظيمًا عليه أقفالٌ عظيمةٌ، وبقيَّة اللَّبِنِ والعمل (٤) في برجٍ هناك، وذكروا أنَّ عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنَّه عالٍ منيفٌ شاهقٌ. (﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾) بحذف التَّاء، حذرًا من تلاقي متقاربين (﴿أَن يَظْهَرُوهُ﴾) أي: أن (يَعْلُوهُ) بالصُّعود لارتفاعه وانملاسه، و ﴿اسْطَاعُوا﴾ جمعٌ مفرده: (اسْتَطَاعَ) بالتَّاء قبل الطَّاء، ولأبي ذرٍّ: «اسطاع» بحذفها، أصله: («اسْتَفْعَلَ» مِنْ أَطَعْتُ لَهُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وفتح الطَّاء، ولأَبَوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من طُعْتُ» بإسقاط الهمزة وضمِّ الطَّاء وسكون العين. قال العينيُّ: لأنَّه من «فعَل يفعُل» كنصر ينصر، ولكنَّه أجوفٌ واويٌّ لأنَّه من الطَّوع، يُقال: طاع له وطُعت له، كقال له وقُلت له (٥)، ولمَّا نُقِل «طاع» إلى «باب الاستفعال» صار «استطاع» (٦) على وزن «استفعل» ثمَّ حُذِفت التَّاء للتَّخفيف بعد نقل حركتها إلى الهمزة فصار: «أَسْطاع» بفتح الهمزة وسكون السِّين، وأشار إلى هذه بقوله: (فَلِذَلِكَ فُتِحَ أَسْطَاعَ) أي: فلأجل حذف التَّاء ونقل حركتها إلى الهمزة قيل: أسْطاعَ (يَسْطِيعُ) بفتح الهمزة في الماضي وفتح الياء في المستقبل (وَ) لكن (قَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة فيهما وفتح حرف المضارعة في الثَّاني (٧)، في الفرع

стр. 6597

وغيره ممَّا رأيته من (١) الأصول، وقال العينيُّ -كابن حجرٍ كالكِرمانيِّ-: بضمِّه، فمن فتح فمن الثُّلاثيِّ، ومن ضمَّ فمن الرُّباعيِّ (﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾) لثخنه وصلابته. وظاهر هذا: أنَّهم لم يتمكَّنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدَّته، ولا يعارضه حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ المرويِّ عند أحمد: «إنَّ يأجوج ومأجوج ليحفرون السَّدَّ (٢) كلَّ يومٍ، حتَّى إذا كادوا يرون شعاع الشَّمس، قال الَّذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدًا (٣)، فيعودون إليه فيجدونه كأشدِّ (٤) ما كان، حتَّى إذا بلغت مدَّتهم وأراد الله أن يبعثهم على النَّاس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الَّذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه (٥) غدًا إن شاء الله، ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على النَّاس … » الحديث. ورواه ابن ماجه والتِّرمذيُّ وقال: غريبٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه. قال ابن كثيرٍ: وإسناده جيِّدٌ قويٌّ، ولكنَّ متنه في رفعه نكارةٌ لمخالفته الآية. ورواه كعبٌ بنحوه، ولعلَّ أبا هريرة تلقَّاه منه، فإنَّه كثيرًا ما كان يجالسه، فحدَّث به أبو هريرة، فتوهَّم بعض الرُّواة أنَّه مرفوعٌ فرفعه. (﴿قَالَ هَذَا﴾) السَّدُّ والإقدار (﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾) على عباده (﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي﴾) وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج (﴿جَعَلَهُ﴾) أي: السَّدَّ (﴿دَكَّاء﴾) أي: (أَلْزَقَهُ بِالأَرْضِ) بالزَّاي (وَ) كذلك يُقال: (نَاقَةٌ دَكَّاءُ) بالمدِّ، أي: (لَا سَنَامَ لَهَا) مستوية الظَّهر (وَالدَّكْدَاكُ مِنَ الأَرْضِ مِثْلُهُ) أي: الملزق المستوي بها (حَتَّى صَلُبَ مِنَ الأَرْضِ وَتَلَبَّدَ) ولم يرتفع، وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر «من الأرض» (﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾) أي: كائنًا لا محالة، وهذا آخر (٦) حكاية قول (٧) ذي القرنين (﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾) أي: بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون من وراء السَّدِّ (﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٦ - ٩٩])

стр. 6598

مزدحمين في البلاد، أو يموج بعض الخلق (١) في بعضٍ فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنُّهم حيارى (﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾) ولابن عساكر: «باب حتَّى إذا فُتِحت» (﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾) قال في «الكشَّاف»: «حتَّى» متعلِّقةٌ بـ ﴿حَرَامٌ﴾ -يعني: في قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ٩٥]- وهي غايةٌ له لأنَّ امتناع رجوعهم لا يزول حتَّى تقوم السَّاعة (٢)، وهي «حتَّى» الَّتي يُحكَى بعدها الكلام، والكلام المحكيُّ هو الجملة من الشَّرط والجزاء، أعني: «إذا» وما في حيِّزها، وقال الحَوْفيُّ: هي غايةٌ، والعامل فيها: ما دلَّ عليه المعنى من تأسُّفهم على ما فرَّطوا فيه من الطَّاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال ابن عطيَّة: «حتَّى» متعلِّقةٌ بقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾ [الأنبياء: ٩٣] ويحتمل على بعض التَّأويلات المتقدِّمة أن تتعلَّق بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ ويحتمل أن تكون حرف ابتداءٍ، وهو الأظهر بسبب «إذا» لأنَّها تقتضي جوابًا هو المقصود ذكره، قال أبو حيَّان: وكون «حتَّى» متعلِّقةً بـ ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾ فيه بعدٌ من حيث كثرة الفصل، لكنَّه من حيث المعنى جيِّدٌ، وهو أنَّهم لا يزالون مختلفين على دين الحقِّ إلى قرب مجيء السَّاعة، فإذا جاءت السَّاعة انقطع ذلك كلُّه، وتلخَّص في تعلُّق «حتَّى» أوجهٌ، أحدها: أنَّها متعلِّقةٌ بـ ﴿حَرَامٌ﴾ الثَّاني: أنَّها متعلِّقةٌ بمحذوفٍ دلَّ عليه المعنى، وهو قول الحوفيِّ. الثَّالث: أنَّها متعلِّقةٌ بـ ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾ الرَّابع: أنَّها متعلِّقةٌ بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ وتلخَّص في «حتَّى» وجهان، أحدهما: أنَّها حرف ابتداءٍ، وهو قول الزَّمخشريِّ وابن عطيَّة فيما اختاره، والثَّاني: أنَّها حرف جرٍّ بمعنى «إلى» وفي جواب «إذا» أوجهٌ، أحدها: أنَّه محذوفٌ، فقدَّره أبو إسحاق: قالوا: يا ويلنا، وقدَّره غيره: فحينئذٍ يُبعَثون. وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ [الأنبياء: ٩٧] عطفٌ على هذا المُقدَّر. والثَّاني: أنَّ جوابها الفاء في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ قاله الحَوْفيُّ والزَّمخشريُّ وابن عطيَّة. وقوله: ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ هو على حذف مضافٍ، أي: سدُّ يأجوج ومأجوج (﴿وَهُم﴾) يعني: يأجوج ومأجوج، أو النَّاسَ كلَّهم (﴿مِّن كُلِّ حَدَبٍ﴾) نشزٍ من الأرض، سُمِّي به القبر لظهوره على وجه الأرض (﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]) يسرعون (قَالَ قَتَادَةُ) فيما ذكره عبد الرَّحمن في تفسيره: (﴿حَدَبٍ﴾) أي: (أَكَمَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «حُدُبٌ: أكمةٌ» برفعهما (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (رَجُلٌ)

стр. 6599

صحابيٌّ لم يُسَمَّ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : رَأَيْتُ السَّدَّ) بفتح السِّين. ولأبي ذرٍّ: بضمِّها (١) (مِثْلَ البُرْدِ المُحَبَّرِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة والموحَّدة المشدَّدة، طريقةٌ حمراء وطريقةٌ سوداء (قَالَ) ﵊: قد (رَأَيْتَهُ) وصله ابن أبي عمر. ٣٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) -بضمِّ العين- ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) المخزوميِّ، ربيبة النَّبيِّ ﷺ (حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب زوج النَّبيِّ ﷺ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) زوج النَّبيِّ ﷺ (¬﵅: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا) الضَّمير لزينب، حال كونه (فَزِعًا) بكسر الزَّاي، خائفًا (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) قيل (٢): خصَّ العرب بالذِّكر، إشارةً إلى ما وقع من قتل عثمان منهم، أو أراد: ما يقع (٣) من مفسدة يأجوج ومأجوج، أو من التُّرك من المفاسد العظيمة في بلاد الإسلام (فُتِحَ اليَوْمَ) نصبٌ على الظَّرفيَّة (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) أي: من سدِّهما (مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ) -بتشديد اللَّام وبالقاف- ﷺ (بِإِصْبَعِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بإصبعيه» (الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) وللمؤلِّف في «الفتن» [خ¦٧٠٥٩] من طريق سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ: «وعقد سفيان تسعين أو مئةً»، ولـ «مسلمٍ» من حديث أبي هريرة من طريق

стр. 6600

وهيبٍ (١): «وعقد وهيبٌ (٢) بيده تسعين» فاختُلِف في العاقد. وأجاب ابن العربيِّ: بأنَّ العقد مُدرَجٌ (٣)، ليس من قوله ﷺ ، وإنَّما الرُّواة عبَّروا عن الإشارة في قوله: «مثل هذه» بذلك (قَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت» (زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ) بكسر اللَّام في «اليونينيَّة» (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ) بفتح الخاء المعجمة والموحَّدة (٤) وبالمثلَّثة، الفسوق والفجور، أو الزِّنى خاصَّةً، أو أولاده. قال في «الكواكب»: والظَّاهر: أنَّه المعاصي مطلقًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٥٩]، وأخرجه مسلمٌ أيضًا، واتَّفقا على إخراجه من طريق الزُّهريِّ، لكن رواه مسلمٌ عن زينب بنت أبي سلمة (٥) عن حبيبة بنت أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان عن أمِّها أمِّ حبيبة، والبخاريُّ أسقط «حبيبة» وفي الإسناد على هذا من الغرائب نادرةٌ عزيزة الوقوع، من ذلك: رواية الزُّهريِّ عن عروة، وهما تابعيَّان، واجتماع أربع نسوةٍ في سنده، كلُّهنَّ يروي بعضهنَّ عن بعضٍ، ثمَّ كلٌّ منهنَّ صحابيَّةٌ، ثمَّ (٦) ثنتان (٧) ربيبتان وثنتان زوجتان ﵅. ٣٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالد بن عجلان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، ولابن عساكر: «عن ابن طاوسٍ» (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (٨) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: فَتَحَ اللهُ مِنْ

стр. 6601

رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا (١)، وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ) والمراد بالتَّمثيل: التَّقريب، لا حقيقة التَّحديد، وقد سبق [خ¦ ٦٠/ ٧ - ٥١٤٨] أنَّهم يحفرون (٢) كلَّ يومٍ حتَّى لا يبقى بينهم وبين أن يخرقوه إلَّا يسيرٌ، فيقولون غدًا نأتي فنفرغ منه، فيأتون إليه (٣) فيجدونه عاد كهيئته (٤)، فإذا جاء الوقت (٥) قالوا عند المساء: غدًا إن شاء الله تعالى، فإذا أتوا (٦) نقبوه وخرجوا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦٧١٣٦]، وكذا مسلمٌ. ٣٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه (٧) لجدِّه -واسم أبيه: إبراهيم المروزيُّ، وقيل: البخاريُّ- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) زاد في «سورة الحجِّ» [خ¦٤٧٤١]:

стр. 6602

«يوم القيامة»: (يَا آدَمُ، فَيَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «قال»: (لَبَّيْكَ) أي: إجابةً لك بعد إجابةٍ، ولزومًا لطاعتك، فهو من المصادر المثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكرير (١) بلا حصرٍ، ومثله: (وَسَعْدَيْكَ) أي: أسعدني إسعادًا (٢) بعد إسعادٍ (وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ) الله تعالى له: (أَخْرِجْ) -بفتح الهمزة وكسر الرَّاء- من النَّاس (بَعْثَ النَّارِ) أي: مبعوثها، وهم أهلها (قَالَ): يا ربِّ (وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) أي: وما مقدار (٣) مبعوث (٤) النَّار؟ (قَالَ) تعالى: (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) نصبٌ، قال العينيُّ: على التَّمييز، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ (٥) (فَعِنْدَهُ) أي: عند قوله تعالى لآدم: «أخرج بعث النَّار» (يَشِيبُ الصَّغِيرُ) من شدَّة الهول لو تُصوِّر وجوده، لأنَّ الهمَّ يضعف القويَّ ويسرع بالشَّيب، أو هو محمولٌ على الحقيقة، لأنَّ كلَّ أحدٍ يُبعَث على ما مات عليه، فيُبعَث الطِّفل طفلًا، فإذا وقع ذلك يشيب الطِّفل من شدَّة الهول (﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾) لو فُرِض وجودها (٦)، أو أنَّ من ماتت حاملًا بُعثِت حاملًا، فتضع حملها من الفزع (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾) من الخوف (﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾) من الشَّراب، أو المعنى: كأنَّهم سُكارى من شدَّة الأمر الَّذي أدهش عقولهم، وما هم بسُكارى على الحقيقة، كذا قرَّروه (٧)، قال في «فتوح الغيب»: وهو مُؤذِنٌ (٨) بأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ بيانٌ لإرادة معنى السُّكر من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ فإمَّا (٩) أن يراد به

стр. 6603

التَّشبيه، كما تقول (١): وترى النَّاس كالسُّكارى، شُبِّهوا بالسُّكارى بسبب ما غشيهم من الخوف فبقوا مسلوبي العقول كالسَّكران، أو أن يُراد الاستعارة، كأنَّه قيل: ترى النَّاس خائفين، فوضع موضعه: «سُكارى» ولذا بيَّن بقوله: «من الخوف»، وصرَّح: «وما هم بسكُارى من الشَّراب»، ومن علامات المجاز صحَّة سلبه، كما إذا قلت للبليد: «حمارٌ» يصحُّ نفيه، وكذا هنا نفي السُّكر الحقيقيِّ بقوله: «وما هم بسكارى» مُؤكَّدًا بالباء؛ لأنَّ هذا السُّكر أمرٌ لم يُعهَد مثله (٢) (﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]) تعليلٌ لإثبات السُّكر المجازيِّ لمَّا نفى عنهم السُّكرَ الحقيقيَّ، وهل هذا الخوف لكلِّ أحدٍ أو لأهل النَّار خاصَّةً؟ قال قومٌ: الفزع الأكبر وغيره يختصُّ بأهل النَّار، أمَّا أهل الجنَّة فيُحشَرون آمنين، قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقال آخرون: الخوف عامٌّ، والله يفعل ما يشاء (قَالُوا) أي: من حضر من الصَّحابة: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟) ولأبي الوقت: «ذاك» بألفٍ بدل (٣) اللَّام (قَالَ) ﷺ : (أَبْشِرُوا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ) بالرَّفع مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وفي «إنَّ» يُقدَّر ضمير الشَّأن محذوفًا، أي: فإنَّه منكم رجلٌ، ولأبي ذرٍّ: «رجلًا» بالنَّصب، وهو ظاهرٌ (وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «ألفًا» بالنَّصب، كما مرَّ في «رجلٌ» و «رجلًا». وفي «سورة الحجِّ» [خ¦٤٧٤١]: «من يأجوج ومأجوج تسعَ مئةٍ وتسعة وتسعين، ومنكم واحدٌ … » الحديث، والحكم للزَّائد. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا) أي: أمَّته المؤمنون به (رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا) سرورًا بهذه البشارة العظيمة (فَقَالَ) ﵊: (أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا) سرورًا لذلك (فَقَالَ) ﵊ (أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ) ولا يعارض هذا ما في «التِّرمذيِّ» -وحسَّنه- عن بُرَيدة مرفوعًا: «أهل الجنَّة عشرون ومئة صفٍّ،

стр. 6604

ثمانون منها من هذه الأمَّة، وأربعون منها من سائر الأمم»؛ لأنَّه ليس في حديث الباب الجزم بأنَّهم نصف أهل الجنَّة فقط، وإنَّما هو رجاءٌ رجاه لأمَّته، ثمَّ أعلمه الله تعالى بعد ذلك أنَّ أمَّته ثلثا أهل الجنَّة (فَكَبَّرْنَا) سرورًا بما أنعم به الله تعالى، وتكريرًا لإعطاء «رُبُعًا» ثم «نصفًا» لأنَّه أوقع في النَّفس وأبلغ في الإكرام، مع الحمل لهم على تجديد الشُّكر (فَقَالَ) ﵊: (مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ) في المحشر (إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ) بفتح العين (فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ) سقط لابن عساكر لفظ «جلد» (أَو كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ) و «أو» للتَّنويع، أو شكٌّ من الرَّاوي. وهذا في المحشر -كما مرَّ- وأمَّا في الجنَّة، فهم نصف النَّاس هناك، أو ثلثاهم كما مرَّ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فإنَّ منكم رجلٌ، ومن يأجوج ومأجوج ألفٌ» إذ فيه الإشارة إلى كثرتهم، وأنَّ هذه الأمَّة بالنِّسبة إليهم نحو عُشْر عُشْر العشر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧٤١] وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٠] بعون الله تعالى وقوَّته (١). (٨) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]) الخليل مشتقٌّ من الخَلَّة -بالفتح- وهي الحاجة، سُمِّيت خلَّةً، للاختلال الَّذي يلحق الإنسان فيها، وسُمِّي إبراهيم خليلًا (٢)، لأنَّه لم يجعل فقره وفاقته إلَّا إلى الله تعالى في كلِّ حالٍ، وهذا الفقر أشرف غنًى، بل أشرف فضيلةٍ يكتسبها الإنسان، ولهذا ورد: «اللَّهمَّ أغنني بالافتقار إليك، ولا

стр. 6605

تفقرني بالاستغناء عنك»، وقيل: من الخُلَّة -بالضَّمِّ- وهي المودَّة الخالصة، أو من التَّخلُّل. قال ثعلبٌ: لأنَّ مودَّته تتخلَّل القلب (١)، وأنشد يقول (٢): قد تخلَّلتِ مسلك الرُّوح منِّي … وبذا (٣) سُمِّي الخليل خليلا وقال الزَّجَّاج: معنى الخليل: الَّذي ليس في محبَّته خللٌ، وسُمِّي إبراهيم خليل الله، لأنَّه أحبَّه محبَّةً كاملةً ليس فيها نقصٌ ولا خللٌ. وقال القرطبيُّ: الخليل «فعيلٌ» بمعنى: «فاعلٍ» كالعليم بمعنى: عالمٍ، وقيل: هو بمعنى: «المفعول» كالحبيب بمعنى: المحبوب، وقيل: الخليل هو الَّذي يوافقك في خِلَالك. قال ﵇: «تخلَّقوا بأخلاق الله»، فلمَّا بلغ إبراهيم في هذا الباب (٤) مبلغًا لم يبلغه أحدٌ ممَّن تقدَّمه؛ لا جَرَمَ خصَّه الله تعالى بهذا الاسم، وقال الإمام فخر الدِّين: إنَّما سُمِّي خليلًا لأنَّ محبَّة الله تخلَّلت في جميع قواه، فصار بحيث لا يرى إلَّا الله، ولا يتحرَّك إلَّا لله، ولا يسكن إلَّا لله، ولا يمشي إلَّا لله، ولا يسمع إلَّا بالله، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانيَّة، وتخلَّل فيها وغاص في جواهرها، ووغل في ماهيَّتها. وقال في «الكشَّاف»: هو مجازٌ عن اصطفائه واختصاصه بكرامةٍ تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل المخالُّ، وهو الَّذي يخاللك (٥)، أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، من

стр. 6606

الخَلِّ وهو الطَّريق في الرَّمل. انتهى. قال في «فتوح الغيب»: قوله: «تشبه كرامة الخليل» بعد قوله: «مجازٌ عن اصطفائه» إيذانٌ بأنَّ المجاز من باب الاستعارة التَّمثيليَّة، واختُلِف في السَّبب الَّذي من أجله اتَّخذ الله إبراهيم خليلًا، فقيل -ممَّا (١) ذكره ابن جريرٍ وغيره-: «إنَّه أصاب النَّاس أزمةٌ، وكانت الميرة تأتيه من خليلٍ له بمصر، فأرسل إبراهيم غلمانه إليه (٢) ليمتاروا له منه، فقال خليله: لوكان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت، ولكن (٣) يريدها للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب النَّاس من الأزمة والشِّدَّة، فرجعوا بغير شيءٍ، فاجتازوا ببطحاء ليِّنةٍ فقالوا: لو أنَّا حملنا من هذه البطحاء؛ ليرى النَّاس أنَّا قد جئنا بميرةٍ، فإنَّا نستحي أن نمرَّ بهم وإبلنا فارغةٌ، فملؤوا تلك الغرائر، ثمَّ أتوا إبراهيم، فلمَّا أعلموه ساءه ذلك، فغلبته عيناه فنام، وكانت امرأته سارة نائمةً، فاستيقظت وقد ارتفع النَّهار، فقالت: سبحان الله، ما جاءنا (٤) الغلمان؟ قالوا: بلى. فقامت إلى الغرائر فأخرجت منها أحسن حُوَّارَى، فاختبزت (٥) وأطعمت، واستيقظ إبراهيم فاشتمَّ رائحة الخبز فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت: من خليلك المصريِّ، فقال: بل من عند خليلي الله، فسمَّاه الله تعالى خليلًا» وعلى هذا فإطلاق اسم الخلَّة على الله تعالى على سبيل المشاكلة، لأنَّ جوابه ﵇: «بل من عند خليلي الله» في مقابلة قولها: مِنْ (٦) خليلك المصريِّ. وقيل: لمَّا أراه الله ملكوت السَّموات والأرض، وحاجَّ (٧) قومه في الله ودعاهم إلى توحيده، ومنعهم من عبادة النُّجوم والشَّمس والقمر والأوثان، وبذل نفسه للإلقاء في النِّيران، وولده للقربان، وماله للضِّيفان، اتَّخذه الله خليلًا. وقيل غير ذلك. وإبراهيم هو ابن آزر، واسمه: تارَح -بفوقيَّةٍ وراءٍ مفتوحةٍ آخره حاءٌ مُهمَلةٌ- ابن ناحُور -بنونٍ ومهملةٍ مضمومةٍ-

стр. 6607

ابن شارُوخ -بمعجمةٍ وراءٍ مضمومةٍ آخره خاءٌ مُعجَمةٌ- ابن راغو -بغينٍ معجمةٍ- ابن فالَخ -بفاء ولامٍ مفتوحةٍ بعدها خاءٌ معجمةٌ- ابن عيبر (١)، ويُقال (٢): عابرٍ -وهو بمُهمَلةٍ ومُوحَّدةٍ (٣) - ابن شالخ -بمعجمتين- ابن أرفخشذ بن سام بن نوحٍ. قال في «الفتح»: لا يختلف جمهور أهل النَّسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلَّا في النُّطق ببعض هذه الأسماء. نعم ساق ابن حبَّان في أوَّل «تاريخه» خلاف ذلك، وهو شاذٌّ. انتهى. وقال الثَّعلبيُّ: كان بين مولد إبراهيم ﵇ وبين الطَّوفان ألف سنةٍ ومئتا سنةٍ وثلاثٌ وستُّون سنةً، وذلك بعد خلق آدم ﵇ بثلاثة آلاف سنةٍ وثلاث مئةٍ وسبعٍ وثلاثين سنةً. وقال ابن هشامٍ: لم يكن بين نوحٍ وإبراهيم ﵉ إلَّا هودٌ وصالحٌ، وكان بين إبراهيم وهودٍ ستُّ مئة سنةٍ وثلاثون سنةً، وبين نوحٍ وإبراهيم ألف سنةٍ ومئةٌ وثلاثٌ وأربعون سنةً. (وَقَوْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق بالإضافة: (﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾) جامعًا للخصال المحمودة (٤). قال ابن هانئٍ: ليس على الله (٥) بمُستنكَرٍ … أن يجمع العَالَمَ في واحد أي: أنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يجمع في واحدٍ ما في النَّاس (٦) من معاني الفضل والكمال فيه (٧)، وقيل: «فعلةٌ» تدلُّ (٨) على المبالغة. وقال مجاهدٌ: كان مؤمنًا وحده، والنَّاس كلُّهم كانوا (٩) كفَّارًا، فلذا كان وحده أمَّةً (﴿قَانِتًا لِلّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]): مطيعًا له (١٠) وثبتت لفظة «لله» لأبي ذرٍّ. (وَقَوْلِهِ) بالجرِّ أيضًا على العطف: (﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ:

стр. 6608

«قال» (أَبُو مَيْسَرَةَ) -ضدُّ الميمنة- عمرو بن شرحبيل الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، فيما وصله وكيعٌ في «تفسيره»: الأوَّاه: (الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ) ورواه ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن مسعودٍ بإسنادٍ حسنٍ قال: «الأوَّاه: الرَّحيم» ولم يقل: بلسان الحبشة. ومن طريق عبد الله بن شدَّادٍ -أحد كبار التَّابعين- قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: «الخاشع المتضرِّع في الدُّعاء»، ومن طريق ابن عبَّاسٍ ﵄ (١) قال (٢): «الأوَّاه: الموقن» ومن طريق مجاهدٍ: «المنيب» ومن طريق الشَّعبيِّ ﵀: «المسبِّح» ومن طريق كعب الأحبار قال: «كان إذا ذكر النَّار قال: أوَّاه من عذاب الله» وقال في «اللُّباب»: الأوَّاه: الكثير التَّأوُّه، وهو من يقول: أوَّاه، وقيل: من يقول: أوَّه، وهو أنسب لأنَّ «أوَّه» بمعنى: أتوجَّع، فالأوَّاه «فعَّالٌ» مثال مبالغةٍ من ذلك، وقياس فعله أن يكون ثلاثيًا، لأنَّ أمثلة المبالغة إنَّما تطَّرد في الثُّلاثيِّ، وإنَّما وصف الله تعالى خليله بهذين الوصفين بعد قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ (٣)﴾ … الآية [التوبة: ١١٤] لأنَّه تعالى وصفه بشدَّة الرِّقَّة والشَّفقة والخوف، ومن كان كذلك فإنَّه تعظم رقَّته على أبيه، ثمَّ إنَّه مع هذه الصِّفات تبرَّأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لمَّا ظهر له إصراره على الكفر. ٣٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) -بالمثلَّثة- العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ولابن عساكر: «أُراه» -بضمِّ الهمزة- أي: أظنُّه «عن ابن عبَّاسٍ» (¬﵄،

стр. 6609

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ) عند الخروج من القبور حال كونكم (حُفَاةً) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف الفاء، جمع حافٍ، أي: بلا خفٍّ ولا نعلٍ (عُرَاةً) أي: لا ثياب عليهم جميعهم، أو بعضهم يُحشَر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، لحديث أبي (١) سعيدٍ عند أبي داود وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «إنَّ الميت يُبعَث في ثيابه الَّتي يموت فيها» (غُرْلًا) بضمِّ الغين المعجمة وإسكان الرَّاء، أي (٢): غير مختونين، والغرلة: ما يقطعه الخاتن وهي القلفة (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) أي: نوجده بعينه بعد إعدامه مرَّةً أخرى، أو نعيد تركيب أجزائه بعد تفريقها (٣) من غير إعدامٍ، والأوَّل أوجه لأنَّه تعالى شبَّه الإعادة بالابتداء، والابتداء ليس عبارةً عن تركيب الأجزاء المتفرِّقة، بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أن تكون الإعادة كذلك (﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) الإعادة والبعث. وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ نُصِبَ على المصدر المُؤكِّد لمضمون الجملة المتقدِّمة، فناصبه مضمَرٌ، أي: وَعَدْنا ذلك وعدًا، قال ابن عبد البرِّ: يُحشَر الآدميُّ عاريًا، ولكلٍّ من الأعضاء ما كان له يوم وُلِد، فمن قُطِع منه شيءٌ يُرَدُّ إليه حتَّى الأقلف، وقال أبو الوفاء بن عَقِيلٍ: حشفة الأقلف موقَّاةٌ بالقلفة فتكون أرقَّ، فلمَّا أزالوا تلك القطعة (٤) في الدُّنيا أعادها الله تعالى، ليذيقها من حلاوة فضله. وفي «شرح المشكاة»: فإن قلت: سياق الآية في إثبات الحشر والنَّشر، لأنَّ المعنى: نُوجِدكم عن (٥) العدم كما أوجدناكم أوَّلًا عن العدم، فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور، أي (٦):

стр. 6610

من كونهم غرلًا؟ وأجاب: بأنَّ سياق الآية وعبارتها دلَّ (١) على إثبات الحشر، وإشارتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب الإدماج. (وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى) من الأنبياء (يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) بعد حشر النَّاس كلِّهم عراةً، أو بعضهم كاسيًا، أو بعد خروجهم من قبورهم بأثوابهم الَّتي ماتوا فيها، ثمَّ تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيُحشَرون عراةً، ثمَّ يكون أوَّل من يُكسَى من الجنَّة (٢) إبراهيم ﵇، وزاد البيهقيُّ مرفوعًا من حديث ابن عبَّاسٍ: «وأوَّل من يُكسَى من الجنَّة إبراهيم، يُكسَى حلَّةً من الجنَّة، ويُؤتَى بكرسيٍّ فيُطرَح عن يمين العرش، ثمَّ يُؤتَى بي فأُكسَى حلَّةً من الجنَّة لا يقوم لها البشر». قيل: والحكمة في كون الخليل أوَّل من يُكسَى؛ لكونه (٣) جُرِّد حين أُلقِي في النَّار، ولا يلزم من تخصيص إبراهيم بأوَّليَّة الكسوة هناك أفضليَّته على نبيِّنا محمَّدٍ (٤) ﷺ ، لأنَّ حلَّة نبيِّنا أعلى وأكمل، فتَجْبُر بنفاستها ما فات من الأوَّليَّة، وكم (٥) لنبيِّنا ﷺ من فضائل مختصَّةٍ به، لم يُسبَق إليها ولم يُشارَك فيها، ولولم يكن له سوى خصوصيَّة الشَّفاعة العظمى، لكفى (٦) (وَإِنَّ أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وإنَّ ناسًا» (مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) وهي جهة النَّار (فَأَقُولُ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي) أي: هؤلاء أصحابي، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أُصَيحابي، أُصَيحابي» -مُصغرين- إشارةً إلى قلَّة عددهم، والتَّكرير للتَّأكيد (فَيُقَالُ (٧): إِنَّهُمْ لَمْ) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لن» (يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بالكفر (مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ) قيل: المراد بهم: قومٌ من جفاة الأعراب ممَّن لا نصرة له في الدِّين ممَّن ارتدَّ بعد موته ﷺ ، ولا يقدح ذلك في الصَّحابة المشهورين، فإنَّ أصحابه -وإن شاع استعماله عرفًا فيمن لَازمَه من المهاجرين والأنصار- شاع استعماله في كلِّ من تبعه، أو أدرك

стр. 6611

حضرته ووفد عليه ولو مرَّةً، أو المراد بالارتداد: إساءة السِّيرة والرُّجوع عمَّا كانوا عليه من الإخلاص وصدق النِّيَّة (فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ابن مريم: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾) أي: رقيبًا عليهم أمنعهم من الارتداد، أو مشاهدًا لأحوالهم من كفرٍ وإيمانٍ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]) ولأبي ذرٍّ: «﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾». وهذا الحديث أخرجه (١) في «التَّفسير» [خ¦٤٦٢٥] و «الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٦] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٧]، ومسلمٌ في «صفة القيامة» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «التَّفسير». ٣٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أُوَيسٍ الأصبحيُّ، ابن أخت الإمام مالكٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» كلاهما بالإفراد (أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ) أبو بكرٍ الأعشى بن أبي أُوَيسٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ) بن أبي سعيدٍ (٢) (المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ) سوادٌ كالدُّخان (وَغَبَرَةٌ) غبارٌ، وتقديم الظَّرف للاختصاص (فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي؟) مجزومٌ على النَّهي بحذف حرف العلَّة (فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَوْمَ لَا أَعْصِيكَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تُخْزِيَنِي) أي: لا تهينني ولا (٣) تذلَّني (يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ) خزي (أَبِي) آزر (الأَبْعَدِ؟) من رحمة الله، وعبَّر بـ «أفعل» التَّفضيل؛ لأنَّ (٤) الفاسق بعيدٌ، والكافر أبعد منه (فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ) أي: وإنَّ أباك كافرٌ، فهي

стр. 6612

حرامٌ عليه (ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ) انظر (١) (مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُو بِذِيخٍ) بذالٍ وخاءٍ معجمتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ذَكَرُ ضَبُعٍ كثير الشَّعر، والأنثى: ذيخةٌ، والجمع ذُيُوخٌ وأَذْياخٌ وذِيَخَةٌ (مُلْتَطِخٍ) بالرَّجيع أو بالدَّم، صفةٌ لـ «ذيخٍ»، وعند الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة: «فيمسخ الله أباه ضبعًا» (فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ) بضمِّ الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول (فَيُلْقَى فِي النَّارِ) وعند ابن المنذر: «فإذا رآه كذلك تبرَّأ منه، قال: لست أبي … » الحديث. وكان (٢) قبلُ حملته الرَّأفة على الشَّفاعة له، فظهر له في هذه الصُّورة (٣) المستبشعة (٤) ليتبرَّأ منه، والحكمة في كونه مُسِخ ضبعًا دون غيره من الحيوان: أنَّ الضَّبع أحمق الحيوان، ومن حمقه أنَّه يغفل عمَّا يجب التَّيقُّظ له، فلمَّا لم يقبل آزر النَّصيحة من أشفقِ النَّاس عليه وقبل خديعة الشَّيطان أشبَهَ الضَّبع الموصوف بالحمق، قاله الكمال الدَّميريُ. وفي هذا الحديث: دليلٌ على أنَّ شرف الولد لا ينفع الوالد إذا لم يكن مسلمًا. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف (٥) أيضًا في «تفسير سورة الشُّعراء» [خ¦٤٧٦٩]. ٣٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل (٦) مصر، وهو من أفراده (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) -بفتح العين- ابن الحارث المصريُّ (أَنَّ بُكَيْرًا) -بضمِّ الموحَّدة مُصغَّرًا- ابن عبد الله بن الأشجِّ (حَدَّثَهُ،

стр. 6613

عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف آخره مُوحَّدة مُصغَّرًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ) العتيق (وَجَدَ) ولأبي ذرٍّ: «فوجد» (فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ) الخليل (وَصُورَةَ مَرْيَمَ) أمِّ عيسى عليهما الصلاة والسلام (فَقَالَ) رسول الله (١) (¬ ﷺ : أَمَا لَهُمْ (٢)) بتخفيف الميم، «لهم» باللَّام قبل الهاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أمَّا» بتشديد الميم، ولا تشديد في الفرع كأصله «هم» بحذف اللَّام، أي: قريشٌ (فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ) وقسيم «أمَّا» قوله: (هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ) بيده الأزلام (يَسْتَقْسِمُ؟) بها وهوكان معصومًا من ذلك. وقد مرَّ هذا الحديث في «الحجِّ» في «باب من كبَّر في نواحي الكعبة» [خ¦١٦٠١]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الزِّينة». ٣٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) التَّميميُّ الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديِّ، مولاهم، أبي عروة البصريِّ، نزيل اليمن (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختِيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ) الَّتي صوَّرها المشركون (فِي البَيْتِ) الحرام (لَمْ يَدْخُلْ) إلى (٣): البيت (حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ) بضمِّ الميم، مبنيًّا للمفعول، أُزيلت، (وَرَأَى) صورة (إِبْرَاهِيمَ وَ) صورة (إِسْمَاعِيلَ ﵉ بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ) أي: القِدَاح، واحدها: زلَمٌ، و «زَُلمٌ» (٤) بفتح الزَّاي وضمِّها، وإنَّما سُمِّيت القداح بالأزلام لأنَّها زُلِّمت، أي: سُوِّيت، يُقال: قِدْحٌ مُزَلَّمٌ وزليمٌ، إذا حُرِّر

стр. 6614

وأُجيد قدره (١) وصفته (٢) (فَقَالَ) ﷺ : (قَاتَلَهُمُ اللهُ) أي: لعنهم الله (وَاللهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا) بكسر الهمزة وتخفيف النُّون، نافيةٌ، أي: ما استقسما (بِالأَزْلَامِ قَطُّ) وكان أحدهم إذا أراد سفرًا أو تجارةً أو نكاحًا أو أمرًا ضرب بالقداح المكتوب على بعضها: أمرني ربِّي، وعلى بعضها: نهاني ربِّي، و (٣) بعضها: غُفْلٌ خالٍ عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على العمل، وإن خرج النَّهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرَّةً أخرى، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «كتاب الحجِّ» في «باب من كبَّر في نواحي الكعبة» [خ¦١٦٠١]. ٣٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) -بضمِّ العين مُصغَّرًا- ابن عمر بن حفص (٤) بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبُريُّ (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) لم يُسَمَّ السَّائل (مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ) عند الله تعالى؟ (قَالَ) ﵊: (أَتْقَاهُمْ) أشدُّهم (٥) تقوى (فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ) يعقوب (ابْنِ نَبِيِّ اللهِ) إسحاق (ابْنِ خَلِيلِ اللهِ) إبراهيم أشرفهم، والجواب الأوَّل من جهة الشَّرف بالأعمال الصَّالحة، والثَّاني من جهة الشَّرف بالنَّسب (٦) الصَّالح، وسقط «ابن نبيِّ الله» الأخيرة في رواية أبي ذرٍّ (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ) ﵊: (فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ) أي: أصولهم الَّت

стр. 6615

ي يُنسَبون إليها ويتفاخرون بها (تَسْأَلُونَ؟) ولأبي ذرٍّ: «تسألونني» بنونين فتحتيَّةٍ، ولابن عساكر: «تسألوني» بإسقاط النُّون، وإنَّما جُعِلت معادن لِمَا فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلةٌ لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلةٍ لها (خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ) جملةٌ مبيَّنةٌ بُعْد التَّفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها (١) من العلم والحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] شبَّههم بالمعادن في كونها أوعيةً للجواهر النَّفيسة المعنيُّ بها في الإنسان، كونه أوعية العلوم والحكمة (٢)، فالتَّفاوت في الجاهليَّة بحسب الأنساب وشرف الآباء وكرم الأصل، وفي الإسلام بحسب العلم والحكمة، فالشَّرف الأوَّل موروثٌ، والثَّاني مُكتَسبٌ، قاله الطِّيبيُّ، و «خيارهم»: يحتمل أن يكون جمع خيرٍ، وأن يكون «أفعل» التَّفضيل، تقول في الواحد: خيرٌ وأخير (إِذَا فَقُهُوا) بضمِّ القاف، من فَقُه يفقه إذا صار فقيهًا، كـ «ظَرُف»، ولأبي ذرٍّ: «إذا فقِهوا» بكسرها من (٣) يفقَه -بالفتح- بمعنى: فهم، فهو متعدٍّ، والمضموم القاف لازمٌ. قال أبو البقاء: وهو الجيِّد هنا، ثمَّ القسمة -كما في «الفتح» - رباعيَّةٌ، فإنَّ الأفضل مَنْ جمع بين الشَّرف في الجاهليَّة والشَّرف في الإسلام، ثمَّ أرفعهم مرتبةً من أضاف إلى ذلك التَّفقُّه في الدِّين، ويقابل (٤) ذلك من كان مشروفًا في الجاهليَّة واستمرَّ مشروفًا في الإسلام، فهذا أدنى المراتب. والثَّالث: من شَرُف في الإسلام وفَقُه ولم يكن شريفًا في الجاهليَّة، ودونه من كان كذلك لكنَّه لم يتفقَّه، والرَّابع: من كان شريفًا في الجاهليَّة ثمَّ صار مشروفًا في الإسلام، فهذا دون الَّذي

стр. 6616

قبله. انتهى. فالإيمان يرفع التَّفاوت المُعتَبر في الجاهليَّة، فإذا تحلَّى الرَّجل بالعلم والحكمة استجلب النَّسب الأصليَّ، فيجتمع شرف النَّسب مع شرف الحسب، ومفهومه: أنَّ الوضيع المسلم المتحلِّي بالعلم أرفع منزلةً من الشَّريف المسلم العاطل، وما أحسن ما قال الأحنف: كلُّ عزٍّ إن (١) لم يُوطَّد بعلمٍ … فإلى ذلٍّ ذات يومٍ يصير (٢) وقال آخر (٣): وما الشَّرفُ الموروثُ لا دَرَّ درُّه (٤) … لمحتسَبٍ إلَّا بآخر مكتسَب وقول (٥) الآخر: إنَّ السَّريَّ إذا سرى فبنفسه … وابنُ السَّريِّ إذا سرى أسراهما (قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة فيما وصله المؤلِّف في «قصَّة يوسف» [خ¦٣٣٨٣] (وَمُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طَرخان فيما وصله في «قصَّة يعقوب» [خ¦٣٣٧٤] كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ السَّابق (عَنْ سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فأسقطا: أبا سعيدٍ كيسان، فخالفا يحيى بن سعيدٍ القطَّان حيث قال: حدَّثنا عبيد الله قال: حدَّثني سعيد بن أبي سعيدٍ، عن (٦) أبيه، عن أبي هريرة. ٣٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ) -بالهمزة وتشديد الميم الثَّانية مفتوحةً بصيغة اسم المفعول- ابن

стр. 6617

هشامٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ) بن جندبٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتَانِي اللَّيْلَةَ) في منامي (آتِيَانِ) جبريل وميكائيل (فَأَتَيْنَا) أي: فذهبا بي حتَّى أتينا (عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) في السَّماء (وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (¬ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ. وهذا الحديث سبق بتمامه في أواخر (١) «الجنائز» [خ¦١٣٨٦]. ٣٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الموحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة، و «عَمرو» بفتح العين، أبو محمَّدٍ البخاريُّ العابد قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بنونٍ مفتوحةٍ فضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ فراءٍ، ابن شُمَيلٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ الإمام في التَّفسير (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ) فقالوا: (بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ) كتابةً حقيقةً (كَافِرٌ، أَوْ) هذه الحروف المقطَّعة: (كَ فَ رَ) بفتحاتٍ مُفرَّقةٍ (٢)، تظهر لكلِّ مؤمنٍ كاتبًا أو غير كاتبٍ (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (لَمْ أَسْمَعْهُ) ﷺ ، زاد في باب (٣) «الجَعْد» من «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٩١٣]: «قال ذلك» (وَلَكِنَّهُ قَالَ) ﷺ : (أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ) يريد: رسولَ الله ﷺ ، فإنَّه كان أشبه النَّاس بإبراهيم (وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، مجتمع الجسم، وليس المراد جعودة شعره؛ إذ في بعض الرِّوايات: أنَّه رجَِل الشَّعَر (آدَمُ) من الأدمة وهي السُّمرة (عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ) بالخاء المعجمة، مزمومٍ (بِخُلْبَةٍ) بخاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ فلامٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ، ليفةٍ، ولأبي ذرٍّ: «الخلبة: اللِّيفة» (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) حقيقةً كليلة الإسراء، أو في المنام، ورؤيا الأنبياء وحيٌ (انْحَدَرَ) وفي «الحجِّ» [خ¦١٥٥٥]:

стр. 6618

«إذ انحدر» (١) (فِي الوَادِي) أي: وادي الأزرق، وزاد في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٥]: «يلبِّي». ٣٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ مولاهم، البَغْلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ (٢) وَهْو ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) جملةٌ حاليَّةٌ (بِالقَدُّومِ) بفتح القاف وتشديد الدَّال في الفرع وأصله (٣)، وقال الحافظ ابن حجرٍ: رويناه بالتَّشديد عن الأَصيليِّ والقابسيِّ، ووقع في رواية غيرهما بالتَّخفيف. قال النَّوويُّ: لم تختلف الرُّواة على (٤) مسلمٍ في التَّخفيف، وأنكر يعقوب بن شبَّة التَّشديد أصلًا، واختُلِف في المراد به، فقيل: هو اسم قريةٍ بالشَّام، أو ثنيَّةٍ بالسَّراة، وقيل: آلة النَّجَّار، وهي بالتَّخفيف، وأمَّا اسم الموضع ففيه الوجهان. قال في «القاموس»: والقَدُوم -يعني: بالتَّخفيف- آلةٌ يُنحَت بها مُؤنَّثةٌ، الجمع: قدائم وقُدُوم (٥)، وقريةٌ بحلب، وموضعٌ بنعمان (٦)، وجبلٌ بالمدينة، وثنيَّةٌ بالسَّراة، وموضعٌ اختتن به (٧) إبراهيم ﵊، وقد تُشدَّد

стр. 6619

دالُه (١)، وثنيَّةٌ في جبلٍ ببلاد دَوسٍ، وحصنٌ باليمن. انتهى. فمن رواه بالتَّشديد أراد الموضع، ومن رواه بالتَّخفيف، فيحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التَّخفيف وإرادة الآلة. وقد روى أبو يَعلى من طريق عليِّ بن رباحٍ قال: أُمِر إبراهيم بالختان فاختتن بقدومٍ، فاشتدَّ عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته (٢). فقال: يا ربِّ كرهت أن أؤخِّر أمرك. وعن مالكٍ والأوزاعيِّ -فيما قاله عياضٌ-: أنَّه اختتن وهو ابن مئةٍ وعشرين سنةً، وأنَّه عاش بعد ذلك ثمانين سنةً إلَّا أنَّ مالكًا ومن تبعه وقفوه على أبي هريرة. وحكى الجاروديُّ (٣): أنَّه اختتن وهو ابن سبعين سنةً (٤)، وما في «الصَّحيح» أصحُّ. وهذا الحديث (٥) أخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٩٨]، ومسلمٌ في «أحاديث الأنبياء». وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٦) شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (وَقَالَ: بِالقَدُومِ -مُخَفَّفَةً-) وعليه الأكثر (٧)، والمراد به: الآلة -كما سبق- وثبت لفظ «وقال» لأبي ذرٍّ (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا على التَّخفيف (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الله الثَّقفيُّ فيما وصله مُسدَّدٌ في «مُسنَده» (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله (وَتَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا أو عبد الرَّحمن بن إسحاق (عَجْلَانُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة القرشيُّ، والد محمَّد بن عجلان في التَّخفيف أيضًا، فيما وصله الإمام أحمد عن يحيى القطَّان عن محمَّد بن عجلان عن أبيه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين (٨)، فيما وصله أبو يَعلى (٩) في «مُسنَده» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرة، ووقع في رواية أَبَوَي ذرٍّ

стр. 6620

والوقت: «تابعه عبد الرَّحمن بن إسحاق، عن أبي الزِّناد، وتابعه عجلان، عن أبي هريرة، ورواه محمَّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة: حدَّثنا أبو اليمان» فذكر الحديث السَّابق مُؤخَّرًا عن متابعة عبد الرَّحمن ومتابعة عجلان ورواية محمَّد بن عمرٍو، وحينئذٍ فتكون المتابعتان لقتيبة بن سعيدٍ، على أنَّ عُمُرَ إبراهيم حين اختتن كان (١) ثمانين سنةً، وكذا رواية محمَّد بن عمرٍو، لأنَّه وقع التَّصريح في المتابعتين والرِّواية عند من وصلها بذلك، أمَّا على تقديم حديث أبي اليمان عليها، فالمتابعتان والرِّواية لحديثه في التَّخفيف -كما مرَّ-، فافهم. ٣٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة بينهما لامٌ مكسورةٌ آخره دالٌ مهملةٌ، وهو سعيد بن عيسى بن تَلِيدٍ (الرُّعَيْنِيُّ) المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم، و «حازمٍ» بالحاء المهملة والزَّاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (إِلَّا ثَلَاثًا) أي: «إلَّا
следующие страницы →