← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

قبله. انتهى. فالإيمان يرفع التَّفاوت المُعتَبر في الجاهليَّة، فإذا تحلَّى الرَّجل بالعلم والحكمة استجلب النَّسب الأصليَّ، فيجتمع شرف النَّسب مع شرف الحسب، ومفهومه: أنَّ الوضيع المسلم المتحلِّي بالعلم أرفع منزلةً من الشَّريف المسلم العاطل، وما أحسن ما قال الأحنف: كلُّ عزٍّ إن (١) لم يُوطَّد بعلمٍ … فإلى ذلٍّ ذات يومٍ يصير (٢) وقال آخر (٣): وما الشَّرفُ الموروثُ لا دَرَّ درُّه (٤) … لمحتسَبٍ إلَّا بآخر مكتسَب وقول (٥) الآخر: إنَّ السَّريَّ إذا سرى فبنفسه … وابنُ السَّريِّ إذا سرى أسراهما (قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة فيما وصله المؤلِّف في «قصَّة يوسف» [خ¦٣٣٨٣] (وَمُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طَرخان فيما وصله في «قصَّة يعقوب» [خ¦٣٣٧٤] كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ السَّابق (عَنْ سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فأسقطا: أبا سعيدٍ كيسان، فخالفا يحيى بن سعيدٍ القطَّان حيث قال: حدَّثنا عبيد الله قال: حدَّثني سعيد بن أبي سعيدٍ، عن (٦) أبيه، عن أبي هريرة. ٣٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ) -بالهمزة وتشديد الميم الثَّانية مفتوحةً بصيغة اسم المفعول- ابن

стр. 6617

هشامٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ) بن جندبٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتَانِي اللَّيْلَةَ) في منامي (آتِيَانِ) جبريل وميكائيل (فَأَتَيْنَا) أي: فذهبا بي حتَّى أتينا (عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) في السَّماء (وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (¬ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ. وهذا الحديث سبق بتمامه في أواخر (١) «الجنائز» [خ¦١٣٨٦]. ٣٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الموحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة، و «عَمرو» بفتح العين، أبو محمَّدٍ البخاريُّ العابد قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بنونٍ مفتوحةٍ فضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ فراءٍ، ابن شُمَيلٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ الإمام في التَّفسير (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ) فقالوا: (بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ) كتابةً حقيقةً (كَافِرٌ، أَوْ) هذه الحروف المقطَّعة: (كَ فَ رَ) بفتحاتٍ مُفرَّقةٍ (٢)، تظهر لكلِّ مؤمنٍ كاتبًا أو غير كاتبٍ (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (لَمْ أَسْمَعْهُ) ﷺ ، زاد في باب (٣) «الجَعْد» من «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٩١٣]: «قال ذلك» (وَلَكِنَّهُ قَالَ) ﷺ : (أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ) يريد: رسولَ الله ﷺ ، فإنَّه كان أشبه النَّاس بإبراهيم (وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، مجتمع الجسم، وليس المراد جعودة شعره؛ إذ في بعض الرِّوايات: أنَّه رجَِل الشَّعَر (آدَمُ) من الأدمة وهي السُّمرة (عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ) بالخاء المعجمة، مزمومٍ (بِخُلْبَةٍ) بخاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ فلامٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ، ليفةٍ، ولأبي ذرٍّ: «الخلبة: اللِّيفة» (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) حقيقةً كليلة الإسراء، أو في المنام، ورؤيا الأنبياء وحيٌ (انْحَدَرَ) وفي «الحجِّ» [خ¦١٥٥٥]:

стр. 6618

«إذ انحدر» (١) (فِي الوَادِي) أي: وادي الأزرق، وزاد في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٥]: «يلبِّي». ٣٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ مولاهم، البَغْلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ (٢) وَهْو ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) جملةٌ حاليَّةٌ (بِالقَدُّومِ) بفتح القاف وتشديد الدَّال في الفرع وأصله (٣)، وقال الحافظ ابن حجرٍ: رويناه بالتَّشديد عن الأَصيليِّ والقابسيِّ، ووقع في رواية غيرهما بالتَّخفيف. قال النَّوويُّ: لم تختلف الرُّواة على (٤) مسلمٍ في التَّخفيف، وأنكر يعقوب بن شبَّة التَّشديد أصلًا، واختُلِف في المراد به، فقيل: هو اسم قريةٍ بالشَّام، أو ثنيَّةٍ بالسَّراة، وقيل: آلة النَّجَّار، وهي بالتَّخفيف، وأمَّا اسم الموضع ففيه الوجهان. قال في «القاموس»: والقَدُوم -يعني: بالتَّخفيف- آلةٌ يُنحَت بها مُؤنَّثةٌ، الجمع: قدائم وقُدُوم (٥)، وقريةٌ بحلب، وموضعٌ بنعمان (٦)، وجبلٌ بالمدينة، وثنيَّةٌ بالسَّراة، وموضعٌ اختتن به (٧) إبراهيم ﵊، وقد تُشدَّد

стр. 6619

دالُه (١)، وثنيَّةٌ في جبلٍ ببلاد دَوسٍ، وحصنٌ باليمن. انتهى. فمن رواه بالتَّشديد أراد الموضع، ومن رواه بالتَّخفيف، فيحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التَّخفيف وإرادة الآلة. وقد روى أبو يَعلى من طريق عليِّ بن رباحٍ قال: أُمِر إبراهيم بالختان فاختتن بقدومٍ، فاشتدَّ عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته (٢). فقال: يا ربِّ كرهت أن أؤخِّر أمرك. وعن مالكٍ والأوزاعيِّ -فيما قاله عياضٌ-: أنَّه اختتن وهو ابن مئةٍ وعشرين سنةً، وأنَّه عاش بعد ذلك ثمانين سنةً إلَّا أنَّ مالكًا ومن تبعه وقفوه على أبي هريرة. وحكى الجاروديُّ (٣): أنَّه اختتن وهو ابن سبعين سنةً (٤)، وما في «الصَّحيح» أصحُّ. وهذا الحديث (٥) أخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٩٨]، ومسلمٌ في «أحاديث الأنبياء». وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٦) شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (وَقَالَ: بِالقَدُومِ -مُخَفَّفَةً-) وعليه الأكثر (٧)، والمراد به: الآلة -كما سبق- وثبت لفظ «وقال» لأبي ذرٍّ (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا على التَّخفيف (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الله الثَّقفيُّ فيما وصله مُسدَّدٌ في «مُسنَده» (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله (وَتَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا أو عبد الرَّحمن بن إسحاق (عَجْلَانُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة القرشيُّ، والد محمَّد بن عجلان في التَّخفيف أيضًا، فيما وصله الإمام أحمد عن يحيى القطَّان عن محمَّد بن عجلان عن أبيه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين (٨)، فيما وصله أبو يَعلى (٩) في «مُسنَده» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرة، ووقع في رواية أَبَوَي ذرٍّ

стр. 6620

والوقت: «تابعه عبد الرَّحمن بن إسحاق، عن أبي الزِّناد، وتابعه عجلان، عن أبي هريرة، ورواه محمَّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة: حدَّثنا أبو اليمان» فذكر الحديث السَّابق مُؤخَّرًا عن متابعة عبد الرَّحمن ومتابعة عجلان ورواية محمَّد بن عمرٍو، وحينئذٍ فتكون المتابعتان لقتيبة بن سعيدٍ، على أنَّ عُمُرَ إبراهيم حين اختتن كان (١) ثمانين سنةً، وكذا رواية محمَّد بن عمرٍو، لأنَّه وقع التَّصريح في المتابعتين والرِّواية عند من وصلها بذلك، أمَّا على تقديم حديث أبي اليمان عليها، فالمتابعتان والرِّواية لحديثه في التَّخفيف -كما مرَّ-، فافهم. ٣٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة بينهما لامٌ مكسورةٌ آخره دالٌ مهملةٌ، وهو سعيد بن عيسى بن تَلِيدٍ (الرُّعَيْنِيُّ) المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم، و «حازمٍ» بالحاء المهملة والزَّاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (إِلَّا ثَلَاثًا) أي: «إلَّا

стр. 6621

ثلاث كَذَبَاتٍ» كما في الطَّريق الثَّانية [خ¦٣٣٥٨]. ٣٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) ضدُّ المبغوض، البُنانيُّ -بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّون- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسم جدِّه درهمٌ الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ) الصَّلاة و (السَّلَامُ) لم يصرِّح برفعه في رواية حمَّاد بن زيدٍ هذه إلى رسول الله ﷺ على المعتمد الموافق لرواية النَّسفيِّ وكريمة، كما رواه عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ، والأصل (١) رفعه، كما في رواية جرير بن حازمٍ السَّابقة [خ¦٣٣٥٧]، ورواية هشام بن حسَّان عند النَّسائيِّ والبزَّار وابن حبَّان. ورواه البخاريُّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة في «البيوع» [خ¦٢٢١٧] وفي «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٤]، عن سليمان بن حربٍ، عن حمَّاد بن زيدٍ، فصرَّح برفعه أيضًا في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، ولفظه: «قال: قال رسول الله ﷺ : لم يكذب إبراهيم» (إِلَّا ثَلَاثَ كَذْبَاتٍ) بسكون الذَّال عند (٢) ابن الحطيئة عن أبي ذرٍّ كما في «اليونينيَّة»، وقال في «المصابيح»: بفتح الذَّال، وفي «فتح الباري» عن أبي البقاء: إنَّه الجيِّد لأنَّه جمع كذْبةٍ -بسكون الذَّال- وهو اسمٌ لا صفةٌ، تقول: كذب كذبةً، كما تقول: ركع ركعةً، ولو كان صفةً لسُكِّن في الجمع، وليس هذا من الكذب الحقيقيِّ الَّذي يُذَمُّ فاعله -حاشا وكلَّا- وإنَّما أُطلِق عليه الكذب تجوُّزًا، وهو من باب (٣) المعاريض المحتملة للأمرين لمقصدٍ شرعيٍّ دينيٍّ كما جاء في الحديث المرويِّ عند البخاريِّ في «الأدب المفرد» من طريق قتادة عن مطرِّف بن عبد الله عن عمران بن الحُصَين: «إنَّ في معاريض الكلام مندوحةً عن الكذب»، ورواه أيضًا البيهقيُّ في «الشُّعب» والطَّبرانيُّ في «الكبير» ورجاله ثقاتٌ، وهو عند ابن السُّنِّيِّ من طريق الفضل بن سهلٍ مرفوعًا. قال البيهقيُّ ﵀: والموقوف هو الصَّحيح، ورُوِي أيضًا من حديث عليٍّ مرفوعًا وسنده ضعيفٌ جدًّا. وعند ابن أبي حاتمٍ، عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ

стр. 6622

في (١) كلمات إبراهيم الثَّلاث الَّتي قال: «ما منها كلمةٌ إلَّا ماحلَ بها عن دين الله» أي: جادل ودافع، وفي حديث ابن عبَّاسٍ (٢) عند أحمد: «والله إن جادل بهنَّ إلَّا عن دين الله تعالى»، وقال ابن عقيلٍ: دلالة العقل تَصْرِفُ ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أنَّ (٣) العقل قطع بأنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون موثوقًا به ليُعلَم صدقُ ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنَّما أطلق عليه ذلك (٤) لكونه بصورة الكذب عند السَّامع، وعلى كلِّ تقديرٍ فلم يصدر من إبراهيم ﵊ إطلاق الكذب على ذلك، أي: حيث يقول في حديث الشَّفاعة: «وإنِّي كنت كذبت ثلاث كذباتٍ» إلَّا في حال شدَّة الخوف لعلوِّ مقامه، وإلَّا فالكذب في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمُّل أخفِّ الضَّررين دفعًا لأعظمهما، وقد اتَّفق الفقهاء فيما لو طلب ظالمٌ وديعةً عند إنسانٍ ليأخذها غصبًا وجب على المُودَع عنده أن يكذب بمثل أنَّه لا يعلم موضعها، بل يحلف على ذلك، ولمَّا كان ما صدر من الخليل ﵇ مفهوم ظاهره خلاف باطنه، أشفق أن يُؤاخَذ به، لعلوِّ حاله، فإنَّ الَّذي كان (٥) يليق بمرتبته (٦) في النُّبوَّة والخلَّة أن يصدع بالحقِّ ويصرِّح بالأمر كيفما كان، ولكنَّه رُخِّصَ له فقبل الرُّخصة، ولذا يقول عندما يُسأَل في الشَّفاعة: إنَّما كنت خليلًا من وراء (٧) وراء، ويُستفاد

стр. 6623

منه: أنَّ الخلَّة لم تكن بكمالها إلَّا لمن صحَّ له في ذلك اليوم المقام المحمود، وأمَّا قول الإمام فخر الدِّين: -لا ينبغي أن يُنقَل هذا الحديث، لأنَّ فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم، وقول بعضهم له: فكيف يكذب الرَّاوي العدل؟ وجواب الإمام له: بأنَّه (١) لمَّا وقع التَّعارض بين نسبة الكذب إلى الرَّاوي وبين (٢) نسبة الكذب إلى الخليل، كان من المعلوم بالضَّرورة أنَّ نسبته إلى الرَّاوي أَولى- فليس بشيءٍ؛ إذ الحديث صحيحٌ ثابتٌ، وليس فيه نسبة محض الكذب إلى الخليل، وكيف السَّبيل إلى تخطئة الرَّاوي مع قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وعن سارة أختي؛ إذ ظاهر هذه الثَّلاثة -بلا ريبٍ- غير مرادٍ (ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ) أي: من الثَّلاث (فِي ذَاتِ اللهِ) لأجله محضًا من غير حظٍّ لنفسه؛ بخلاف الثَّالثة -وهي قصَّة سارة- فإنَّها تضمَّنت حظًّا ونفعًا له. فالأولى: (قَوْلُهُ) تعالى حاكيًا عنه لمَّا طلبه قومه ليخرج معهم إلى معيدهم (٣)، وكان أحبَّ أن يخلو بآلهتهم ليكسرها: (﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]) مريض القلب بسبب إطباقكم (٤) على الكفر والشِّرك، أو سقيمٌ بالنَّسبة إلى ما يُستَقبل، يعني: (٥) مرض الموت، واسم الفاعل يُستعمَل بمعنى المستقبل كثيرًا، أو خارج المزاج (٦) عن الاعتدال خروجًا قلَّ من يخلو منه، وقال سفيان: سقيمٌ، أي: طعينٌ، وكانوا يفرُّون من المطعون، وعن ابن عبَّاسٍ في رواية العوفيِّ: قالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج، فقال: إنِّي مطعونٌ، فتركوه مخافة الطَّاعون. فإنَّه كان غالب (٧) أسقامهم الطَّاعون، وكانوا يخافون العدوى، وأمَّا حكاية (٨) قول بعضهم: -إنَّه كان

стр. 6624

تأتيه الحمَّى في ذلك الوقت- فبعيدٌ، لأنَّه لوكان كذلك لم يكن كذبًا، لا تصريحًا ولا تلويحًا (١). (وَ) الثَّانية: (قَولُهُ) لمَّا كسر آلهتهم كسرًا وقطعًا إلَّا كبيرًا لهم فاستبقاه، وكانت -فيما قيل- اثنين وسبعين صنمًا، بعضها من ذهبٍ وبعضها من فضَّةٍ وبعضها من حديدٍ وبعضها من رصاصٍ وحجرٍ وخشبٍ، وكان الكبير من الذَّهب مُرصَّعًا بالجواهر، وفي عينيه (٢) ياقوتتان تتَّقدان، وجعل الفأس في عنقه لعلَّهم إليه يرجعون فيسألونه: ما بال هؤلاء مُكسَّرين وأنت صحيحٌ والفأس في عنقك؟ إذ من شأن المعبود أن يُرجَع إليه، أو المراد: أنَّهم يرجعون إلى إبراهيم لتفرُّده واشتهاره بعداوة آلهتهم فيحاججهم (٣)، أو يرجعون إلى توحيد الله عند تحقُّقهم عجز آلهتهم، فلمَّا رجعوا من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم مُكسَّرةً وقالوا (٤) لإبراهيم: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] قال: (﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]) وهذا الإضراب عن جملةٍ محذوفةٍ، أي: لم أفعله، إنَّما الفاعل حقيقةً هو (٥) الله، وإسناد الفعل إلى كبيرهم من أبلغ التَّعاريض (٦)، وذلك أنَّهم لمَّا طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه قلبَ الأمر عليهم، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ لأنَّه ﵇ (٧) غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفَّةً، وكان غيظه من كبيرها أشدَّ لِمَا رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه، لأنَّه هو السَّبب في استهانته لها، والفعل كما يُسنَد إلى مباشره يُسنَد إلى الحامل عليه، أو أنَّ إبراهيم ﵇ قصد تقرير الفعل لنفسه على أسلوبٍ تعريضيٍّ، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصَّنم، وهذا كما لو قال لك من لا يحسن الخطَّ فيما كتبته: أنت (٨) كتبت

стр. 6625

هذا؟ فقلتَ له: بل كتبتَه أنتَ، قاصدًا بذلك تقريره لك (١) مع الاستهزاء، لا نفيه عنك وإثباته له، ذكرهما الزَّمخشريُّ، وتعقَّب الأوَّل منهما صاحب «الفرائد» (٢): بأنَّه إنَّما يستقيم إذا كان الفعل دائرًا بين إبراهيم وبين الصَّنم الكبير؛ لاحتمال أن يكون كسرها غير إبراهيم، والثَّاني منهما: بأنَّه (٣) ضعيفٌ لأنَّ غيظه من عبادة غير الله يستوي (٤) فيه الكبير والصَّغير. والجواب: أنَّه دلَّ تقديم الفاعل المعنويِّ في قوله: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ﴾ على أنَّ الكلام ليس في الفعل لأنَّه معلومٌ، بل في الفاعل كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ودلَّ قولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ وقولهم: ﴿قَالُوا (٥) فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] على أنَّهم لم يشكُّوا أنَّ الفاعل هو، فإذًا لا يكون قصدهم في قوله (٦): ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ إلَّا بأن يقرَّ بأنَّه هو، فلمَّا ردَّ بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ تعريضًا دار الأمر بين الفاعلين، أو المعنى على التَّقديم والتَّأخير، أي: بل فعله كبيرهم، إن كانوا ينطقون فاسألوهم، فجعل النُّطق شرطًا للفعل، إن قدروا على النُّطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم، وفي ضمنه: أنا فعلت ذلك. (وقَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (هُوَ) أي: إبراهيم (ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ) بنت هاران ملك حرَّان زوجته

стр. 6626

معه، وزاد مسلمٌ: «وكانت من أحسن النَّاس» وجواب «بينا» قوله: (إِذْ أَتَى) أي: مرَّ (عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ) اسمه صادوق (١) -فيما ذكره ابن قتيبة- وهو ملك الأردن، أو سنان (٢) أو سفيان (٣) بن علوان فيما ذكره الطَّبريُّ، أو عمرو بن امرئِ القيس بن سبأ، وكان على مصر، ذكره السُّهيليُّ (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَهُنَا رَجُلًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «هذا رجلٌ» (مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ) الجبَّار (إِلَيْهِ) أي (٤): إلى الخليل (فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ) المرأة؟ (قَالَ) الخليل: هي (أُخْتِي) أي: في الإسلام، ولعلَّه أراد بذلك دفع أحد الضَّررين بارتكاب أخفِّهما، لأنَّ اغتصاب الملك إيَّاها واقعٌ لا محالة، لكن إن علم أنَّ لها زوجًا حملته الغيرة على قتله، أو حبسه وإضراره؛ بخلاف ما إذا علم أنَّ لها أخًا فإنَّ الغيرة حينئذٍ تكون من قِبل الأخ خاصَّةً، لا من قِبَل الملك، فلا يبالي به، وقيل: خاف أنَّه إن علم أنَّها زوجته ألزمه بطلاقها (فَأَتَى) الخليل (سَارَةَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ) الَّتي وقع بها ذلك (مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ (٥)) بفتح الرَّاء عند ابن الحطيئة عن أبي ذرٍّ، وتخصيص الأرض بالأرض (٦) الَّتي وقع بها ذلك دافعٌ لاعتراض من قال: إنَّ لوطًا كان مؤمنًا معه، قال (٧) تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] (وَإِنَّ هَذَا) الجبَّار (سَأَلَنِي) عنك (فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي) في الإيمان (فَلَا تُكَذِّبِينِي) بقولك: هو زوجي (فَأَرْسَلَ) الجبَّار (إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، ذَهَبَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وذهب» (يَتَنَاوَلُهَا) ولأبي ذرٍّ: «تناولها»، بإسقاط التَّحتيَّة، بلفظ الماضي (بِيَدِهِ، فَأُخِذَ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: اختنق حتَّى ركض برجله كأنَّه مصروعٌ. وعند مسلمٍ: «أنَّه لمَّا أرسل إليها قام إبراهيم يصلِّي»

стр. 6627

وفي رواية الأعرج في «البيوع» في «باب شراء المملوك من الحربيِّ وهبته وعتقه» [خ¦٢٢١٧]: «فأُرسِل بها إليه فقام إليها (١)، فقامت تتوضَّأ وتصلِّي فقالت: اللَّهمَّ إن كنتُ آمنت بك وبرسولك (٢) وأحصنت فرجي إلَّا على زوجي فلا تسلِّط عليَّ الكافر، فغطَّ حتَّى ركض برجله» وفي «مسلمٍ»: «لمَّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده، فقُبِضت يده قبضةً شديدةً» (فَقَالَ) لها: (ادْعِي اللهَ لِي) وعند مسلمٍ: «ادعي الله أن يُطلِق يدي» (وَلَا أَضُرُّكِ) ولأبي ذرٍّ: «ولا أضرَّك» بفتح الرَّاء (فَدَعَتِ اللهَ، فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ) ولأبي ذرٍّ: «ثانيةً» بغير ألفٍ و (٣) لامٍ (فَأُخِذَ) بضمِّ الهمزة (مِثْلَهَا) أي: الأولى (أَو أَشَدَّ) منها (فَقَالَ) لها: (ادْعِي اللهَ لِي) أن يخلِّصني (وَلَا أَضُرَُّكِ) بفتح الرَّاء وضمِّها كالسَّابقة (فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ) بفتح الحاء المهملة والجيم جمع حاجبٍ، ولـ «مسلمٍ»: «ودعا الَّذي جاء بها» قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على اسمه (فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «إنَّكَ لم تأتني بإنسانٍ، إنَّما أتيتني» (بِشَيْطَانٍ) أي: متمرِّدٍ من الجنِّ، وهو مناسبٌ لِمَا وقع له من الصَّرع. زاد الأعرج [خ¦٢٢١٧]: «أرجعوها إلى إبراهيم» (فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) أي: وهبها لها لتخدمها لأنَّه أعظمها أن تخدم نفسها، وكان أبو هاجر من ملوك القبط (فَأَتَتْهُ) أي: أتت

стр. 6628

سارة إبراهيم (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا؟) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء (١) التَّحتيَّة مقصورٌ من غير همزٍ، أي: ما حالك وما (٢) شأنك؟! ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مهيم» بالميم بدل الألف، ولابن السَّكن (٣): «مَهْيَن» بالنُّون، وكلُّها بمعنًى (قَالَتْ) سارة: (رَدَّ اللهُ كَيْدَ الكَافِرِ -أَو الفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ) هو مَثَلٌ تقوله العرب لمن رام أمرًا باطلًا فلم يصل إليه (وَأَخْدَمَ هَاجَرَ) وفي حديث مسلمٍ عن أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشَّفاعة الطَّويل: فقال في قصَّة إبراهيم وذكر كذباته، ثمَّ ساقه من طريقٍ أخرى من هذا الوجه، وقال في آخره، وزاد في قصَّة إبراهيم (٤)، وذكر قوله (٥) في «الكوكب»: هذا ربِّي، وقوله لآلهتهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] قال القرطبيُّ -فيما قرأته في «تفسيره» -: فعلى هذا تكون الكذبات أربعةً، إلَّا أنَّ النَّبيَّ ﷺ نفى تلك بقوله: لم يكذب إبراهيم إلَّا ثلاث كذباتٍ: إنِّي سقيمٌ، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدةٌ في شأن سارة. ولم يعدَّ عليه قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] كذبةً، وهي داخلةٌ فيه، لأنَّه -والله أعلم- كان حين قوله ذلك في حال الطُّفوليَّة، وليست حالة تكليفٍ. انتهى. وهذا الَّذي قاله القرطبيُّ نقله عنه في «فتح الباري» وأقرَّه، وقد اتَّفق أكثر المحقِّقين على فساده، محتجِّين بأنَّه لا يجوز أن يكون لله رسولٌ يأتي عليه وقتٌ من الأوقات إلَّا وهو موحِّدٌ عابدٌ (٦)، وبه عارفٌ (٧)، ومن كلِّ معبودٍ سواه بريءٌ، وكيف يتوهَّم هذا على من عصمه وطهَّره وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوت السَّموات والأرض، أفتراه أراه الملكوت ليوقن، فلمَّا أيقن رأى كوكبًا، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ معتقدًا؟! فهذا لا يكون أبدًا، وأيضًا فالقول

стр. 6629

بربوبيَّة الجماد (١) كفرٌ بالإجماع، وهو لا يجوز على الأنبياء بالإجماع (٢)، أو قاله بعد بلوغه على سبيل الوضع، فإنَّ المستدلَّ على فساد قولٍ يحكيه على ما يقول الخصم، ثمَّ يكرُّ عليه بالإفساد، كما يقول الواحد منَّا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول: الجسم قديمٌ، فإن كان كذلك فلِمَ نشاهده مُركَّبًا متغيِّرًا؟! فقوله: «الجسم قديمٌ» إعادةٌ لكلام الخصم حتَّى يلزم المحال عليه، فكذا هنا قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ حكايةً لقول الخصم، ثمَّ ذكر عقبه ما يدلُّ على فساده، وهو قوله: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ويؤيِّد هذا أنَّه تعالى مدحه في آخر (٣) الآية على هذه المناظرة بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] ولذا لم تعدَّ هذه مع تلك الثَّلاث المذكورة. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالسَّند السَّابق يخاطب العرب: (تِلْكَ) يعني: هاجر (أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) لكثرة ملازمتهم الفلوات الَّتي بها مواقع المطر لرعي دوابِّهم، وقال الخطَّابيُّ: وقيل: إنَّما أراد زمزم، أنبعها الله لهاجر فعاشوا بها، فصاروا كأنَّهم أولادها. وذكر ابن حبَّان في «صحيحه»: أنَّ كلَّ من كان من ولد هاجر يُقال له: ولد ماء السَّماء، لأنَّ إسماعيل ولد هاجر، وقد رُبِّي بماء زمزم، وهي ماء السَّماء الَّذي أكرم الله به إسماعيل حين ولدته هاجر، فأولادها أولاد ماء السَّماء، وقيل: ماء السَّماء هو عامرٌ جدُّ الأوس والخزرج، سُمِّي بذلك لأنَّه كان إذا قحط النَّاس أقام لهم ماله مقام المطر. وهذا الحديث قد سبق في «البيع» [خ¦٢٢١٧] وأخرجه في «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٤] أيضًا، ومسلمٌ في «الفضائل». ٣٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (أَوِ)

стр. 6630

حدَّثنا (ابْنُ سَلَامٍ) محمَّدٌ (عَنْهُ) أي: عن عُبَيد الله بن موسى، وكلاهما من مشايخه، والظَّاهر: أنَّ المؤلِّف شكَّ في سماعه للحديث الآتي من (١) عبيد الله بن موسى، ثمَّ تحقَّق أنَّه سمعه (٢) من ابن سَلَامٍ عن عُبَيد الله، فساقه هكذا، قال عبيد الله: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة مُصغَّرًا، ابن شيبة (٣) بن عثمان الحَجَبِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ) غُزَيَّة أو غُزَيلة العامريَّة، ويُقال: الأنصاريَّة (¬﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ) بفتح الواو والزاي (وَقَالَ) ولأبي ذرِّ: «قال»: (كَانَ يَنْفُخُ) النَّار (عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ حين أُلقِي فيها، وكلُّ دابَّةٍ في الأرض كانت تطفئها عنه. وفي حديث عائشة: «لمَّا أُحرِق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه»، ذكره الكمال الدَّميريُّ، وفي «الطَّبرانيِّ» عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة»، وفي إسناده عمر (٤) بن قيسٍ المكِّيُّ وهو ضعيفٌ، وسقط قوله: «﵇» لأبي ذرٍّ. ٣٣٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن الأسود (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) معطوفٌ على الصِّلة فلا محلَّ لها، أو الواو للحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: آمنوا غير مُلبِسين إيمانهم بظلم،

стр. 6631

وهو كقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟) حملوه على العموم لأنَّ قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ نكرةٌ في سياق النَّفي، فبيَّن لهم الشَّارع ﷺ أنَّ الظَّاهر غير مرادٍ، بل هو من العامِّ الَّذي أُريد به الخاصُّ حيث (قَالَ) ﵊: (لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ) بل المراد: (﴿لَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: (بِشِرْكٍ) أي: لم ينافقوا (أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ) أنعم أو مشكم: (﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) لأنَّ التَّسوية بين من يستحقُّ العبادة وبين (١) من لا يستحقُّها ظلمٌ عظيمٌ، لأنَّه وضع العبادة في غير موضعها، وسقط قوله: «﴿يَا بُنَيَّ﴾» لأبي ذرٍّ. فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الحديث لِمَا ترجم به؟ فالجواب أنَّ قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ من كلام إبراهيمِ؛ جوابًا عن السُّؤال في قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] أو من كلام قومه وأنَّهم أجابوه بما هو حجَّةٌ عليهم، وحينئذٍ فالموصول خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الَّذين آمنوا، فظهرت المناسبة بين الحديث والتَّرجمة، ويكفي أدنى إشارةٍ، كما هي عادة المؤلِّف ﵀ في دقائق التَّراجم، وفي حديث عليٍّ عند الحاكم: أنَّه قرأ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ وقال: نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه، ليس في هذه الأمَّة. وحديث الباب سبق (٢) في «الإيمان» في «باب ظلمٌ دون ظلم» [خ¦٣٢] وأخرجه أيضًا (٣) في «التَّفسير» [خ¦٤٦٢٩]. (٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ذكر (٤) ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه (﴿يَزِفُّونَ﴾) في قوله

стр. 6632

تعالى في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ (١)﴾ [الصافات: ٩٤] أي: إلى إبراهيم، لمَّا بلغهم خبر كسر أصنامهم ورجعوا من عيدهم حال كونهم يزفُّون، وهو (النَّسْلَانُ) فيما وصله الطَّبريُّ عن مجاهدٍ بلفظ: الوزيف: النَّسْلان -وهو بفتح النُّون وسكون السِّين المهملة وبعد اللَّام ألفٌ ونونٌ-، وعن مجاهدٍ وغيره، أي: يسرعون (فِي المَشْيِ) ووقع في فرع «اليونينيَّة» علامة سقوط الباب لأبي ذرٍّ (٢)، وثبوت «﴿يَزِفُّونَ﴾: النَّسلان في المشي» للحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ، وثبوت كلٍّ لابن عساكر (٣)، وقال ابن حجرٍ: سقط ذلك من رواية النَّسفيِّ، وثبت في رواية المُستملي: «باب» بغير ترجمةٍ، وَوَهِمَ من وقع عنده: «باب ﴿يَزِفُّونَ﴾: النَّسلان» (٤)، فإنَّه كلامٌ لا معنى له، والَّذي يظهر: ترجيح ما وقع عند المُستملي، لأنَّ باب بغير ترجمةٍ كالفصل من السَّابق، وتعلُّقه بما قبله (٥) واضحٌ. ٣٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ) السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء (٦) المهملة وتشديد التَّحتيَّة، يحيى بن سعيدٍ

стр. 6633

التَّيميِّ -تيم الرِّباب- الكوفيِّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (يَوْمًا بِلَحْمٍ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ) في «باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾» [خ¦٣٣٤٠] قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في دَعوةٍ، فرُفِع إليه الذِّراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسةً وقال: أنا سيِّد النَّاس يوم القيامة، هل تدرون بم يجمع الله الأوَّلين والآخرين؟» (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أرضٍ مستويةٍ واسعةٍ (فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) بضمِّ الياء من الإسماع (وَيُنْفِذُهُمُ البَصَرُ) بضمِّ الياء والذَّال المعجمة في الفرع، وبعضهم -فيما حكاه الكِرمانيُّ- فتح الياء، والمعنى: أنَّه يحيط بهم بصر النَّاظر لا يخفى عليه منهم شيءٌ، لاستواء الأرض، وذكر أبو حاتمٍ: أنَّه إنَّما هو بالدَّال المهملة، وأنَّ المحدِّثين يروونه بالمعجمة، والمعنى: يبلغ أوَّلهم وآخرهم حتَّى يراهم كلَّهم ويستوعبهم (وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ -فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ-) إلى أن قال: (فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ) له (١): (أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنَ (٢) الأَرْضِ) هذا موضع التَّرجمة، وزاد إسحاق بن رَاهُوْيَه، ومن طريقه (٣) الحاكم في «المستدرك» من وجهٍ آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة: «قد سمع بخلَّتك أهل السَّموات والأرض» (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «ويقول» أي (٤): لست هُنَاكُم (فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ) بفتح الذَّال المعجَمة الَّتي هي من باب المعاريض، وليست من الكذب الحقيقيِّ المذموم (٥)، بل كانت في ذات الله تعالى، وإنَّما أشفق منها (٦) في هذا المحلِّ لعلوِّ مقامه -كما مرَّ قريبًا فراجعه-: (نَفْسِي نَفْسِي) مرَّتين، وزاد أبو ذرٍّ ثالثةً (اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى … ) الحديث إلى آخره، وسبق في «باب

стр. 6634

قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]» [خ¦٣٣٤٠] قريبًا (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا هريرة على رواية هذا الحديث (أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٤٧١٢]. ٣٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ) الرُّبَاطيُّ -بضمِّ الرَّاء وتخفيف الموحَّدة- المروزيُّ الأشقر قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم (عَنْ أَبِيهِ) جرير بن حازم بن زيدٍ الأزديُّ البصريِّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (١)، عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن جُبيرٍ الأزديِّ، الفقيه الورع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ) هاجر (لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ) -بكسر الجيم- لمَّا عطش إسماعيل وجاء جبريل ﵇ فبحث بعقبه (٢) حتى ظهر (٣) الماء، فجعلت تُحوِّضُه وتغرف من (٤) الماء في سقائها (لَكَانَ زَمْزَمُ) بغير تاء تأنيثٍ بعد النُّون (عَيْنًا مَعِينًا) بفتح الميم، أي: سائلًا على وجه الأرض، والقياس أن يقول: معينةً، فالتَّذكير حملًا على اللَّفظ، ووزنه: «مفعلٌ» من عانه إذا رآه بعينه، وأصله: معيونٌ، فبقي كـ «مبيعٍ»، أو «فعيلٌ» من أمعنت في الشَّيء إذا بالغت فيه، قال ابن الجوزيِّ: ظهور زمزم نعمةٌ من الله محضةٌ من غير عمل عاملٍ، فلمَّا خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر، فقصرت على (٥) ذلك.

стр. 6635

٣٣٦٣ - (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (الأَنْصَارِيُّ) محمَّد بن عبد الله بن مثنَّى بن عبد الله بن أنسٍ ممَّا وصله أبو نُعَيْمٍ في «مُستخرَجه»: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز: (أَمَّا) ولأبي ذرٍّ: «قال: أمَّا» (كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ) -بالمثلَّثة فيهما- السَّهميُّ (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (قَالَ: إِنِّي) إنَّ واسمها (وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ) عطفٌ على المنصوب، ابن جُبَير بن مطعمٍ القرشيُّ (جُلُوسٌ) أي: جالسان (مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) زاد الأزرقيُّ من طريق مسلم بن خالدٍ الزَِّنجيِّ والفاكهيُّ من طريق محمَّد بن جُعْشُم، كلاهما عن ابن جريجٍ عن كثير بن كثيرٍ: «بأعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جُبَيرٍ: سلوني قبل ألَّا تروني، فسأله القوم فأكثروا، فكان ممَّا سُئِل عنه أن (١) قال له رجلٌ: أحقٌّ ما سمعنا في المقام -مقام إبراهيم- أنَّ إبراهيم حين (٢) جاء من الشَّام حلف لامرأته ألَّا ينزل بمكَّة حتَّى يرجع، فقرَّبت إليه امرأة إسماعيل المقام فوضع رجله عليه حتَّى لا ينزل؟» (فَقَالَ) سعيد بن جُبَيرٍ: (مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ (٣)) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «ولكنَّه قال»: (أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ) هاجر ﵈ مكَّة (وَهْيَ تُرْضِعُهُ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الضَّاد المعجمة، والواو للحال (٤) (مَعَهَا شَنَّةٌ) بفتح المعجمة وتشديد النُّون، قربةٌ يابسةٌ (لَمْ يَرْفَعْهُ) أي: الحديث (ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ) وسقط قوله: «ثمَّ جاء بها … » إلى آخره لأبي ذرٍّ وابن عساكر.

стр. 6636

٣٣٦٤ - قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ) بفتح السِّين وكسر التاء (١) الفوقيَّة (وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ) بتشديد الطَّاء وكسر اللَّام (بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ) بفتح الواو وتخفيف الدال (-يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- عَنْ سَعِيدِ

стр. 6637

بْنِ جُبَيْرٍ) سقط «ابن جُبيرٍ» لأبي ذرِّ، أنَّه (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ) بكسر الميم وفتح الطَّاء بينهما نونٌ ساكنةٌ، ما تشدُّه المرأة على وَسَطها عند الشُّغل لئلَّا تعثر في ذيلها (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، من جهة (أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا) وذلك أنَّ سارة وهبتها للخليل ﵇، فحملت منه بإسماعيل، فلمَّا وضعته غارت، فحلفت لتقطعنَّ منها ثلاثة أعضاءٍ، فاتَّخذت هاجر منطقًا، فشدَّت به وسطها وهربت، وجرَّت ذيلها (لِتُعَفِّيَ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح العين المهملة وتشديد الفاء المكسورة، لتُخفيَ (أَثَرَهَا) وتمحوه (عَلَى سَارَةَ) وقال الكِرمانيُّ: معناه: أنَّها تزيَّت بزيِّ الخدم إشعارًا بأنَّها خادمتها، لتستميل خاطرها وتصلح ما فسد، يُقال: عفى على ما كان منه إذا أصلح بعد الفساد. انتهى (١). وقيل: إنَّ الخليل شفع فيها وقال: حلِّلي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها، فكانت أوَّل من فعل ذلك، وعند الإسماعيليِّ من رواية ابن عُلَيَّة: أوَّل ما اتَّخذت (٢) العرب جرَّ الذُّيول عن أمِّ إسماعيل (ثُمَّ جَاءَ بِهَا) بهاجر (إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ) على البراق (وَهْيَ تُرْضِعُهُ) الواو للحال (حَتَّى وَضَعَهُمَا) ولأبي ذر عن الكُشْميهَنيّ: «فوضعهما» (عِنْدَ) موضع (البَيْتِ) الحرام قبل أن يبنيه (عِنْدَ دَوْحَةٍ) بدالٍ وحاءٍ مفتوحتين مهملتين (٣) بينهما واوٌ ساكنةٌ، شجرةٍ عظيمةٍ (فَوْقَ زَمْزَمَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فوق الزَّمزم» (فِي أَعْلَى) مكان (المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ) ولا بناءٌ (وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا) -بكسر الجيم- من جلدٍ (فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ) بكسر السِّين، قربةً صغيرةً (ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ) بفتح القاف والفاء المشدَّدة، ولَّى راجعًا حال كونه (مُنْطَلِقًا) إلى أهله بالشَّام، وترك إسماعيل وأمَّه عند موضع البيت (فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ) له: (يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا) ولأبي ذرٍّ: «في هذا» (الوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ) بكسر الهمزة، ضدُّ الجنِّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أنيسٌ» (وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا. وَجَعَلَ) إبراهيم (لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟) بمدِّ همزة «الله»، وسقط لأبي ذرٍّ «الَّذي» (قَالَ) إبراهيم: (نَعَمْ) وفي رواية عمر بن شبَّة في «كتاب

стр. 6638

مكَّة» من طريق عطاء بن السَّائب عن سعيد بن جُبَيرٍ: «أنَّها نادته ثلاثًا، فأجابها في الثَّالثة، فقالت له: من أمرك بهذا؟ قال: الله» (قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا) وفي رواية ابن جُريجٍ: «فقالت: حسبي» (ثُمَّ رَجَعَتْ) إلى موضع الكعبة (فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ (١)) -بالمثلَّثة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة- بأعلى مكَّة؛ حيث دخل النَّبيُّ ﷺ مكَّة (حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ) أي: موضعه (ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ (٢) الكَلِمَاتِ) ولأبي ذرٍّ: «بهؤلاء الدَّعوات» (وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «﴿رَّبَّنَا﴾» وهو الموافق للتَّنزيل (﴿إِنِّي أَسْكَنتُ﴾) ذرِّيَّةً (﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾) فالجارَّ صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، أو ﴿مِن﴾ مزيدةٌ عند الأخفش، والمراد بالذُّرِّيَّة: إسماعيل ومن وُلِد منه؛ فإنَّ إسكانه متضمِّنٌ لإسكانهم (﴿بِوَادٍ﴾) أي: في وادٍ وهو مكَّة (٣) (﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾) قال في «الكشَّاف»: لا يكون فيه شيءٌ من زرعٍ قطُّ، كقوله: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاجٌ، ما فيه إلَّا الاستقامة لا غير. انتهى. قال الطِّيبيُّ: هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية، لأنَّ نفي الزَّرع يستلزم كون الوادي غير صالحٍ للزَّرع، ولأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي (﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾) الَّذي يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره، أو حرَّمْتَ (٤) التَّعرض له والتَّهاون به، أو لم يزل مُعظَّمًا يهابه كلُّ جبَّارٍ، أو حَرُمَ من الطُّوفان، أي: مُنِعَ منه، كما سُمِّي عتيقًا لأنَّه أُعتِق من الطُّوفان، أو لأنَّه موضع البيت حُرِّم يوم خَلْقِ السَّموات والأرض، وحُفَّ بسبعةٍ (٥) من الملائكة (حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]) أي: تلك النِّعمة. قال في «الكشَّاف»: فأجاب الله تعالى دعوة خليله فحرَّمه (٦) فجعله ﴿حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] رزقًا من لدنه، ثمَّ فضَّله في وجود أصناف الثِّمار (٧) فيه على كلِّ ريفٍ، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا، وفي أيِّ بلدٍ من بلاد الشَّرق والغرب ترى الأعجوبة الَّتي يريكها الله تعالى بوادٍ غير ذي زرعٍ، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الرَّبيعيَّة والصَّيفيَّة والخريفيَّة في يومٍ واحدٍ،

стр. 6639

وليس ذلك من آياته بعجب، أعادنا الله إلى حرمه بمنِّه وكرمه، ووفَّقنا لشكر نعمه، وثبت قوله: «﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾» في رواية أبي ذَرٍّ. (وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ (١)) بكسر الفاء، أي: فرغ (مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا) إسماعيل -بكسر الطَّاء فيهما- وزاد الفاكهيُّ من حديث أبي جهمٍ: «فانقطع لبنها، وكان إسماعيل حينئذٍ ابن سنتين» (وَجَعَلَتْ) هاجر (تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى) يتقلَّب ظهرًا لبطنٍ (-أَو قَالَ (٢): يَتَلَبَّطُ-) بالموحَّدة المشدَّدة بعد اللَّام آخره طاءٌ مهملةٌ، أي: يتمرَّغ ويضرب بنفسه على الأرض، من لُبِط به، إذا صُرِع. وقال الدَّاوديُّ: يحرِّك لسانه وشفتيه كأنَّه يموت، وللكُشميهنيِّ: «يتلمَّظ» بميمٍ وظاءٍ معجمةٍ بدل الموحَّدة والمهملة (فَانْطَلَقَتْ) هاجر حال كون انطلاقها (كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ) في هذه الحالة الصَّعبة (فَوَجَدَتِ الصَّفَا) بالقصر (أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ (٣)، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ) حال كونها (تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا) بفتح الموحَّدة من «هبطت». وعند الفاكهيِّ من حديث أبي جهمٍ أيضًا (٤): «تستغيث ربَّها وتدعوه» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا) بفتح الطَّاء والرَّاء، و «دِرْعها» بكسر الدَّال وسكون الرَّاء، أي: قميصها، لئلَّا تعثر في ذيله (ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ) أي: الَّذي أصابه الجَهْد؛ وهو الأمر المُشِقُّ (٥) (حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فنظرت» بالفاء بدل الواو (هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ). (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ) بسكون العين وجرِّ «النَّاسِ» ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فلذلك سعى النَّاس» (بَيْنَهُمَا) بين الصَّفا والمروة (فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ) بفتح الصَّاد وكسر الهاء مُنوَّنةً في الفرع، وفي بعض

стр. 6640

الأصول: بسكونها، أي: اسكتي (تُرِيدَ: نَفْسَهَا) لتسمع (١) ما فيه فرجٌ لها (ثُمَّ تَسَمَّعَتْ) أي: تكلَّفت السَّماع واجتهدت فيه (فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ) بفتح التَّاء (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ) أي: فأغثني، فجزاء الشَّرط محذوفٌ. و «غِوَاثٌ» بكسر الغين المعجمة وفتح الواو مُخَفَّفة وبعد الألف مُثلَّثةٌ، كذا في الفرع وأصله، وفيه لأبي ذرٍّ: «غُواثٌ» بضمِّ الغين. وقال الحافظ ابن حجرٍ: «غَوَاثٌ» بفتحها (٢) للأكثر، وقال في «المصابيح»: وبذلك قيَّده ابن الخشَّاب وغيره من أئمَّة اللُّغة. وقال في «الصِّحاح»: غوَّث الرَّجل، إذا (٣) قال: واغوثاه، والاسم: الغَوثُ والغُواث والغَواث (٤). قال الفرَّاء: يُقال: أجاب الله دعاءه وغُواثه وغَواثه (٥)، قال: ولم يأت في الأصوات (٦) شيءٌ بالفتح غيره، وإنَّما يأتي بالضَّمِّ، مثل: البكاء والدُّعاء، وبالكسر، مثل: النِّداء والصِّياح، قال الشَّاعر: بعثتُك مائرًا فلبثتَ حَوْلًا … متى يأتي غُواثُك مَنْ تُغيثُ وقال في «القاموس»: والاسم (٧): الغَوث والغُواث بالضَّمِّ، وفتحه شاذٌّ، واستغاثني فأغثته إغاثةً ومغوثةً، والاسم: الغِياث بالكسر (فَإِذَا هِيَ بِالمَلَكِ) جبريل (عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ) بالمثلَّثة (بِعَقِبِهِ) أي: حفر بمُؤخَّر رجله، قال السُّهيليُّ: في تفجيره إيَّاها بالعقب دون أن يفجِّرها باليد أو غيرها إشارةٌ إلى أنَّها لعقب إسماعيل وراثةً، وهو محمَّدٌ وأمَّته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] أي: في أمَّة محمَّدٍ ﷺ (أَو قَالَ: بِجَنَاحِهِ) شكٌّ من الرَّاوي (حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ) هاجر (تُحَوِّضُهُ) بالحاء المهملة المفتوحة والواو المشدَّدة المكسورة وبالضَّاد المعجمة، أي: تصيِّره كالحوض لئلَّا يذهب الماء (وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا) هو حكاية فعلها، وهو من إطلاق القول على الفعل (وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهْو يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ) أي: ينبع، كقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠].

стр. 6641

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَو تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوقَالَ: لَو لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ-) شكٌّ من الرَّاوي (لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا) بفتح الميم، جاريًا على وجه الأرض، لأنَّها لمَّا داخلها كسب هاجر قصرت على ذلك (قَالَ: فَشَرِبَتْ) هاجر (وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ) أي: جبريل: (لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون التَّحتيَّة، الهلاك، وعبَّر بالجمع على القول بأنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو هما وذرِّيَّة إسماعيل، أو أعمُّ. وفي حديث أبي جهمٍ: «لا تخافي أن ينفد الماء» وعند الفاكهيِّ من رواية عليِّ بن الوازع عن أيُّوب: «لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأً، فإنَّها عينٌ يشرب منها (١) ضيفان الله» (فَإِنَّ هَهُنَا بَيْتَ اللهِ) بنصب «بيت» (٢) اسم «إنَّ»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هذا بيت الله» (يَبْنِي هَذَا الغُلَامُ وَأَبُوهُ) بحذف ضمير المفعول، وعند الإسماعيليِّ (٣): «يبنيه» بإثباته (وَإِنَّ اللهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ) بضمِّ التَّحتيَّة الأولى وكسر الثَّانية مُشدَّدةً بينهما معجمةٌ مفتوحةٌ (وَكَانَ البَيْتُ) الحرام (مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ) بالرَّاء وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثمَّ تحتيَّةٌ، ما ارتفع من الأرض. وعند ابن إسحاق: أنَّه كان مدرةً حمراء (تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ) هاجر (كَذَلِكَ) تشرب وترضع ولدها، ولعلَّها كانت تغتذي بماء زمزم فيكفيها عن الطَّعام والشَّراب (حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ) بضمِّ الرَّاء، جماعةٌ مختلطون (مِنْ جُرْهُمَ) بضمِّ الجيم والهاء بينهما راءٌ ساكنةٌ، غير منصرفٍ حيٍّ من اليمن، وكانت جُرْهُمَ يومئذٍ قريبًا من مكَّة (أَو أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ) حال كونهم (مُقْبِلِينَ) متوجِّهين (مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ) بفتح الكاف ممدودًا. قال في «الفتح»: وهو في جميع الرِّوايات كذلك، وهو أعلى مكَّة. نعم في رواية ابن عساكر -كما في «اليونينيَّة» -: «كُدَى (٤)» بضمِّ الكاف والقصر من غير تنوين (٥)، ولعلَّ الحافظ ابن حجرٍ لم يقف عليها (فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا) بالعين المهملة والفاء، وهو الَّذي يتردَّد على الماء ويحوم حوله ولا يمضي عنه

стр. 6642

(فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا) بلامٍ مفتوحةٍ للتَّأكيد (بِهَذَا الوَادِي) ظرفٌ مستقرٌّ لا لغوٌ (وَمَا فِيهِ مَاءٌ) الواو للحال (فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا) بجيمٍ مفتوحةٍ وراءٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ، رسولًا واحدًا، لينظر هل هناك ماءٌ أم لا؟ (أَوْ جَرِيَّيْنِ) رسولين اثنين، وسُمِّي الرَّسول جَرِيًّا، لأنَّه يجري مجرى مرسله، أو يجري مسرعًا في حاجته، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَإِذَا هُمْ) الجَرِيُّ أو الجَرِيَّان ومن تبعهما (بِالمَاءِ، فَرَجَعُوا) إلى جُرْهُمَ (فَأَخْبَرُوهُمْ بِالمَاءِ، فَأَقْبَلُوا) إلى جهة الماء (قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ) كائنةٌ (عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا) لها: (أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قالت»: (نَعَمْ) أذنتُ لكم في النُّزول (وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ. فقَالُوا (١): نَعَمْ) لا حقَّ لنا فيه. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَلْفَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون اللَّام وفتح الفاء، أي: وجد (ذَلِكَ) الحيُّ الجرهميُّ (أُمَّ إِسْمَاعِيلَ) بنصب «أمٍّ» مفعول «ألفى (٢)» كما قرَّره في «الكواكب». وقال في العمدة: فاعلُ «فألفى» قولُه: «ذلك»، و «أمَّ إسماعيل» مفعوله، و «ذلك» إشارةٌ إلى استئذان جُرْهُمَ، والمعنى: فأتى (٣) استئذان جُرْهُمَ بالنُّزول أمَّ إسماعيل (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تُحِبُّ الأُنْسَ) بضمِّ الهمزة، ضدُّ الوحشة، ويجوز كسرها، وهو الَّذي في الفرع كأصله، أي: تحبُّ جنسها (فَنَزَلُوا) عندها (وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ) بمكَّة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلَامُ) إسماعيل بين وِلدان جُرْهُمَ (وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ) ظاهره يعارض (٤) حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ في «مُستدرَك الحاكم»: «أوَّل من نطق بالعربيَّة إسماعيل» وأُجيبَ بأنَّ المعنى: أوَّل من تكلَّم بالعربيَّة من ولد إبراهيم إسماعيلُ، وروى الزُّبير بن بكَّارٍ في «النَّسب» من حديث عليٍّ بإسناد حسنٍ: «أوَّل من فتق الله لسانه بالعربيَّة المبينة إسماعيل» قال في «الفتح»: وبهذا القيد يُجمَع بين الخبرين، فتكون أوَّليته في ذلك بحسب الزِّيادة في البيان، لا الأوَّلية المطلقة، فيكون بعد تعلُّمه أصل العربيَّة من جُرْهُمَ ألهمه الله العربيَّة الفصيحة

стр. 6643

المبينة فنطق بها، قال: ويشهد لهذا ما حكى ابن هشامٍ عن الشَّرْقيِّ بن قطاميٍّ: أنَّ عربيَّة إسماعيل كانت أفصح من عربيَّة يعرب بن قحطان وبقايا حِمْير وجُرْهُم (وَأَنْفَسَهُمْ) بفتح الفاء والسِّين، عطفٌ على «تعلَّم» أي: رغَّبهم فيه وفي مصاهرته. يُقال: أنفسني فلانٌ في كذا، أي: رغَّبني فيه، وقال في «المصابيح»: أي (١): صار نفيسًا فيهم رفيعًا يُتنافَس في الوصول إليه، ويرغبون فيه وفي مصاهرته (٢). وقوله في «الفتح»: «وأنفسَهم، بفتح الفاء بلفظ «أفعل» التَّفضيل، من النَّفاسة»، تعقَّبه في «العمدة» فقال: إنَّه غلطٌ، وليس هو إلَّا فعلًا ماضيًا من الإنفاس، والفاعل فيه «إسماعيل» (وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ) الحلم (زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ) اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة فيما قاله ابن إسحاق، أو هي الجداء بنت سعدٍ فيما قاله السُّهيليُّ والمسعوديُّ، أو حيي (٣) بنت أسعد (٤) بن عملق فيما قاله عمر بن شبَّة (وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) قيل: ولها من العمر تسعون سنةً، ودفنها بالحِجْر (فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ) بكسر الرَّاء، أي: يتفقَّد حال ما تركه هناك، واستدلَّ بعضهم بهذا على أنَّ الذَّبيح إسحاق، محتجًّا بأنَّ إبراهيم ترك إسماعيل رضيعًا وعاد إليه وقد تزوَّج، لأنَّ الذَّبح كان في الصغر في حياة أمِّه قبل تزوُّجه، فلو كان إسماعيل الذَّبيح، لذكره بين زمان الرِّضاع والتَّزويج. وأُجيب بأنَّه ليس في الحديث نفي (٥) مجيئه بين الزَّمانين، وفي حديث أبي جهمٍ: «أنَّ إبراهيم كان يزور هاجر كلَّ شهرٍ على البراق، يغدو غدوة فيأتي مكَّة، ثمَّ يرجع فيقيل في منزله بالشَّام (٦)» (فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا) أي: يطلب لنا الرِّزق (ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ

стр. 6644

عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ) له (١): (نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ) إبراهيم ﵇ لها: (فإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ) إسماعيل (فَاقْرَئِي) بفتح الرَّاء ﵇ ولأبي ذَرٍّ: «اقرئي» بحذف الفاء (وَقُولِي لَهُ: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ) بفتح العين المهملة والفوقيَّة والموحَّدة، كنايةً عن المرأة (فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا) بفتح الهمزة الممدودة والنُّون، وفي روايةٍ «فلمَّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه» (فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية عطاء بن السَّائب عند عمر بن شبَّة: «كالمستخفَّة بشأنه» (فَسَأَلَنَا عَنْكَ) بفتح اللَّام (فَأَخْبَرْتُهُ) أنَّك خرجت تبتغي لنا (وَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا (٢) فِي جَهْدٍ) بفتح الجيم (وَشِدَّةٍ، قَالَ) إسماعيل: (فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ) لك: (غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ) بكسر الكاف (أَبِي) إبراهيم (وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ) بفتح الحاء المهملة (فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ) أي: من جُرْهُمَ (أُخْرَى) اسمها سامة (٣) بنت مهلهل فيما قاله المسعوديُّ تبعًا للواقديِّ، أو بَشَامةُ -بموحَّدةٍ فمُعجَمةٍ مخفَّفةٍ- بنت مهلهل بن سعد بن عوفٍ، أو عاتكة، وعن ابن إسحاق فيما حكاه ابن سعدٍ: رعلة بنت مضاض بن عمرٍو الجرهميَّة، وقيل غير ذلك (فَلَبِثَ) بكسر الموحَّدة (عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ) أي: لم يجد إسماعيل (فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا) الرِّزق (قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ) بفتح المهملة (وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ) خيرًا بما هو أهله (فَقَالَ) لها: (مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: المَاءُ) وزاد في حديث أبي الجهم: «اللَّبن» (قَالَ) إبراهيم: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ) حنطةٌ أو نحوها (وَلَوكَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا) أي: اللَّحم والماء (لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا) بالخاء المعجمة، وللكُشميهنيِّ -كما في «الفتح» -: «لا يخلوان» بالتَّثنية، وقال ابن القُوطيَّةِ (٤): خلوت بالشَّيء واختليت به (٥)، إذا لم أخلط به غيره،

стр. 6645

ويُقال: خلَّى الرَّجل اللَّبن، إذا شرب غيره. وقال الكِرمانيُّ: أي (١): لا يعتمدهما (أَحَدٌ) ويداوم عليهما (بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ) لِمَا ينشأ عنهما من انحراف المزاج، إلَّا في مكَّة فإنَّهما يوافقانه، وهذا من جملة بركاتها وأثر دعاء الخليل ﵇. وفي حديث أبي جهمٍ: «ليس أحدٌ يخلو على اللَّحم والماء بغير مكَّة إلَّا اشتكى بطنه» وزاد في حديثه: «فقالت له: انزل -رحمك الله- فاطعم واشرب. قال: إنِّي لا أستطيع النُّزول. قالت: فإنِّي أراك شعثًا، أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئتِ، فجاءته بالمقام وهو يومئذٍ أبيض مثل المهاة، وكان (٢) في بيت إسماعيل ملقًى، فوضع قدمه اليمنى وقدَّم إليها شقَّ رأسه وهو على دابَّته، فغسلت شقَّ رأسه الأيمن، فلمَّا فرغ حوَّلت له المقام حتَّى وضع قَدَمه اليسرى وقدَّم إليها برأسه، فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الَّذي في المقام من ذلك ظاهرٌ فيه موضع العقب والإصبع» (قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ) ثمَّ مضى إبراهيم (فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ) خيرًا (فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا (٣) فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ) وسَعَةٍ (قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. هُو يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ) زاد أبو جهمٍ في حديثه: «فإنَّها صلاح المنزل» (قَالَ) إسماعيل لها: (ذَاكِ أَبِي) بكسر الكاف (وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ) زاد أبو جهمٍ: «ولقد كنت عليَّ كريمةً، ولقد ازددت عليَّ كرامةً، فولدت لإسماعيل عشرة ذكورٍ» (ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ) إبراهيم (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ) إليهم (بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون الموحَّدة وكسر الرَّاء من غير همزٍ (نَبْلًا لَهُ) بفتح النُّون وسكون الموحَّدة، أي: سهمًا قبل أن يُركَّب فيه (٤) نصله وريشه، وهو السَّهم العربيُّ (تَحْتَ دَوْحَةٍ) بفتح الدَّال والحاء المهملتين بينهما واوٌ ساكنةٌ، شجرةٍ، وهي الَّتي نزل (٥) إسماعيل وأمُّه تحتها أوَّل ما قدما مكَّة -كما مرَّ- (قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ) إسماعيل (قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَ (٦) كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ

стр. 6646

وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ (١)) من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك. وفي رواية مَعْمَرٍ «قال: سمعت رجلًا يقول: بكيا حتَّى أجابهما الطَّير» (ثُمَّ قَالَ) إبراهيم ﵇: (يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ) (أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ) إسماعيل: (فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ) به (رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي) عليه؟ (قَالَ: وَأُعِينُكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فأعينك» (قَالَ) إبراهيم: (فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَهُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ) بفتح الهمزة والكاف والميم، إلى رابيةٍ (مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا) إبراهيم وإسماعيل، ولأبي ذرٍّ: «رفع» بالإفراد، أي: إبراهيم (القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ) جمع قاعدةٍ وهي الأساس، صفةٌ غالبةٌ من القعود بمعنى: الثَّبات، ورفعُها: البناءُ عليها، فإنَّه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع (فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ) زاد أبو جهمٍ: «وجعل طوله في السَّماء تسعة أذرعٍ، وعرضه في الأرض -يعني: دوره- ثلاثين ذراعًا»، كان ذلك بذراعهم (جَاءَ) أي: إسماعيل (بِهَذَا الحَجَرِ) حجر المقام (فَوَضَعَهُ لَهُ) للخليل (فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْو يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾) لدعائنا (﴿الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]) ببنائنا (٢) (قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾) وقد قيل: ليس في العالم بناءٌ أشرف من الكعبة لأنَّ الآمر بعمارته ربُّ العالمين، والمبلِّغ والمهندس جبريل الأمين، والباني هو الخليل، والتَّلميذ المعين إسماعيل.

стр. 6647

٣٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، العقديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميُّ المكِّيُّ (عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة فيهما، ابن المطَّلب بن أبي وداعة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ) الخليل (وَبَيْنَ أَهْلِهِ) سارة، وسقط «وبين» لابن عساكر (مَا كَانَ)

стр. 6648

من جنس الخصومة، لمَّا داخل سارة من الغيرة بسبب ولادة هاجر إسماعيل (خَرَجَ) إبراهيم (بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ) إلى مكَّة (وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ) بفتح الشِّين المعجمة والنُّون المشدَّدة، قربةٌ يابسةٌ (فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) هاجر (تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ لَبَنُهَا) بفتح الياء وكسر الدَّال المهملة (عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَضَعَهَا) هي وإسماعيل (تَحْتَ دَوْحَةٍ) شجرةٍ، زاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٣٦٤]: «فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكَّة يومئذٍ أحدٌ وليس بها ماءٌ» (ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ) بتشديد الفوقيَّة (أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) ومعها إسماعيل (حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءً) بفتح الكاف والدَّال المهملة ممدودًا: أعلى مكَّة، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «كُدًى» بضمِّ الكاف وتنوين الدَّال مفتوحةً، من غير همزٍ، والَّذي في «اليونينيَّة»: «كُدى» من غير تنوينٍ (نَادَتْهُ) هاجر (مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللهِ) (قَالَتْ: رَضِيتُ بِاللهِ. قَالَ: فَرَجَعَتْ) إلى موضعها الأوَّل (فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا) (١) إسماعيل (حَتَّى لَمَّا فَنِيَ المَاءُ) وانقطع لبنها (قَالَتْ: لَو ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا) أي: أشعر به، أو أراه (قَالَ: فَذَهَبَتْ) ولأبي ذرٍّ: إسقاط لفظ «قال» (فَصَعِدَتِ الصَّفَا) بكسر العين (فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ، هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا؟ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا) فهبطت من الصَّفا (فَلَمَّا بَلَغَتِ الوَادِيَ سَعَتْ) سعي الإنسان المجهود حتَّى جاوزت الوادي (وَأَتَتِ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «أتت» (المَرْوَةَ) فقامت عليها ونظرت هل تحسُّ أحدًا؟ فلم تحسَّ أحدًا (فَفَعَلَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «وفعلت» (ذَلِكَ أَشْوَاطًا) سبعةً (ثُمَّ قَالَتْ: لَو ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ -تَعْنِي: الصَّبِيَّ-) إسماعيل (فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ) إليه (فَإِذَا هُو عَلَى حَالِهِ، كَأَنَّهُ يَنْشَغُ) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ فشينٍ مفتوحةٍ فغينٍ معجمتين، يشهق من صدره (لِلْمَوْتِ) من شدَّة ما يَرِدُ عليه

стр. 6649

(فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر القاف وتشديد الرَّاء، و «نفسُها» رفعٌ على الفاعليَّة، أي: لم تتركها نفسها مستقرَّةً فتشاهده في حال الموت (فَقَالَتْ: لَو ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ، فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَو ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ؟) تعني: ولدها (فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإِذَا جِبْرِيلُ) عند موضع زمزم، وفي حديث عليٍّ عند الطَّبريِّ بإسنادٍ حسنٍ: «فناداها جبريل، فقال: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أمُّ ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكَّلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكَّلكما إلى كافٍ» (قَالَ: فَقَالَ بِعَقِبِهِ) أشار بها (هَكَذَا، وَغَمَزَ) بغينٍ وزايٍ معجمتين (عَقِبَهُ عَلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَانْبَثَقَ) بهمزة وصلٍ فنونٍ ساكنةٍ فموحَّدةٍ فمثلَّثةٍ مفتوحتين فقافٍ، فانخرق (المَاءُ) وتفجَّر (فَدَهَشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) بفتح الدَّال والهاء، ولأبي ذرٍّ: «فدهِشت» بكسر الهاء (فَجَعَلَتْ تَحْفِرُ) بكسر الفاء آخره راءٌ، وللكُشميهنيِّ: «تحفن» بنونٍ بدل الرَّاء، أي: تملأ كفَّيها من الماء، والأوَّل أوجه، ففي رواية عطاء بن السَّائب عند عمر (١) بن شبَّة: «فجعلت تفحص الأرض بيديها» (قَالَ: فَقَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : لَو تَرَكَتْهُ كَانَ المَاءُ ظَاهِرًا) على وجه الأرض (قَالَ: فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ (٢) المَاءِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا) بفتح الياء وكسر الدَّال (قَالَ: فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الوَادِي، فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ) عائفٍ (كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ، وَقَالُوا: مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلَّا عَلَى مَاءٍ) ولم يُعهَد هنا ماءٌ (فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ) هو ومن معه من أتباعه (فَإِذَا هُمْ بِالمَاءِ) ولأبي ذرٍّ: «فنظروا فإذا هم» بواو الجمع وميمه، ولأبي ذرٍّ أيضًا: «فنظر (٣) فإذا هو» بالإفراد فيهما (فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ) بوجود الماء (فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ، أَو نَسْكُنَ مَعَكِ؟) شكٌّ من (٤) الرَّاوي، وزاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٣٦٤]: «فقالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم. فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتَّى إذا كان بها أهل أبياتٍ منهم، وشبَّ الغلام وتعلَّم العربيَّة منهم

стр. 6650

وأَنْفَسَهم وأعجبهم حين شبَّ» (فَبَلَغَ ابْنُهَا) الفاء فصيحةٌ، أي: فأذنت فكان كذا فبلغ -كما مرَّ- (فَنَكَحَ فِيهِمُ امْرَأَةً) تُسمَّى عمارة بنت سعدٍ، أو غيرها -كما مرَّ قريبًا- (قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا) ظهر (لإِبْرَاهِيمَ) التَّوجُّه إليهما (فَقَالَ لأَهْلِهِ) سارة: (إِنِّي مُطَّلِعٌ) بضمِّ الميم وتشديد الطَّاء (تَرِكَتِي) أي: ما تركته بمكَّة -وهو إسماعيل وأمُّه- وعند الفاكهيِّ من وجهٍ آخر، عن ابن جريجٍ، عن رجلٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ سارة داخلتها غَيْرةٌ، فقال لها إبراهيم: لا أنزل حتَّى أرجع إليك» (قَالَ: فَجَاءَ) بعدما تزوَّج إسماعيل فلم يَجِدْهُ (فَسَلَّمَ فَقَالَ) لامرأته: (أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ) وفي رواية ابن جريجٍ: «وكان عيش إسماعيل الصَّيد، يخرج فيتصيَّد» وزاد المؤلِّف في الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٣٦٤]: «ثمَّ سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيقٍ وشدَّةٍ، فشكت إليه» (قَالَ) إبراهيم: (قُولِي لَهُ) لإسماعيل: (إِذَا جَاءَ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بيتك» بدل «بابك» (فَلَمَّا جَاءَ) إسماعيل (أَخْبَرَتْهُ) بذلك (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَنْتِ ذَاكِ) المراد بالعتبة، أمرني بطلاقك (فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ) زاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٣٦٤]: «فطلَّقها وتزوَّج منهم أخرى» (قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ) التَّوجُّه إلى إسماعيل بمكَّة (فَقَالَ لأَهْلِهِ) زوجته: (إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي، قَالَ: فَجَاءَ) منزل إسماعيل (فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلَا) بالتَّخفيف (تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ) لها: (وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ) له: (طَعَامُنَا اللَّحْمُ، وَشَرَابُنَا المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : بَرَكَةٌ) أي: في طعام مكَّة وشرابها بركةٌ، ففيه حذفٌ (بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِما وَسَلَّم) بضمِّير التَّثنية، أي: نبيِّنا وإبراهيم، وثبتت التَّصلية لأبي ذَرٍّ (قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ) التَّوجُّه لمكَّة (فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي، فَجَاءَ) لمكَّة (فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ) بفتح النُّون وسكون الموحَّدة، سهامًا عربيَّةً بغير نصلٍ ولا ريشٍ (فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا) ههنا (قَالَ) إسماعيل: (أَطِعْ رَبَّكَ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ. قَالَ) إسماعيل: (إِذَنْ أَفْعَلَ) نُصِب (أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قَالَ: حَتَّى ارْتَفَعَ البِنَاءُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ) إبراهيم ﵇ (عَلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «عن» (نَقْلِ الحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ المَقَامِ فَجَعَلَ) إسماعيل (يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ،

стр. 6651

وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾) وفي حديث عثمان: «ونزل عليه الرُّكن والمقام، فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه له إسماعيل، فلمَّا بلغ الموضع الَّذي فيه الرُّكن، وضعه يومئذٍ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت، فلمَّا فرغ إبراهيم من بناء الكعبة جاءه جبريل فأراه المناسك كلَّها، ثمَّ قام إبراهيم على المقام فقال: يا أيُّها النَّاس أجيبوا ربَّكم، فوقف إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف، وحجَّه إبراهيم وسارة من بيت المقدس، ثمَّ رجع إبراهيم إلى الشَّام، فمات بالشَّام». زاد في نسخة الصَّغانيِّ هنا: لفظ «باب»، وسقط لغيره. ٣٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريك ابن طارقٍ التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟) بفتح اللَّام غير منصرفٍ، ولأبي ذرٍّ: «أوَّلُ (١)» بضمِّها ضمة بناءٍ لقطعها عن الإضافة؛ كما بُنِيت «قبلُ» و «بعدُ» قال أبو البقاء: وهو الوجه، والتَّقدير: أوَّل كلِّ شيءٍ، ويجوز النَّصب منصرفًا، أي (٢): أيُّ مسجدٍ وُضِعَ أوَّلًا للصَّلاة؟ (قَالَ) ﵊: (المَسْجِدُ الحَرَامُ، قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ) يا رسول الله (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّنوين مُشدَّدًا، أي: ثمَّ أيُّ مسجدٍ وُضِع بعد المسجد الحرام؟ (قَالَ) ﵊ (المَسْجِدُ الأَقْصَى) مسجد بيت المقدس بُنِي بعده، وسُمِّي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، أو لأنَّه لم يكن وراءه مسجدٌ، أو لبعده عن الأقذار والخبائث (٣) (قُلْتُ): يا رسول الله (كَمْ كَانَ (٤) بَيْنَهُمَا؟) أي: كم بين بناءي (٥) المسجدين؟

стр. 6652

(قَالَ) ﵊: بينهما (أَرْبَعُونَ سَنَةً) استُشكِل: بأنَّ الخليل بنى الكعبة وسليمان بنى الأقصى، وبينهما أكثر من أربعين سنةً. وأُجيب بأنَّه لا دلالة في الحديث على أنَّ الخليل وسليمان ابتدأا وضعهما لهما، بل إنَّما جدَّدا ما كان أسَّسه غيرهما، فليس إبراهيم أوَّل من بنى الكعبة، ولا سليمان أوَّل من بنى الأقصى، وبناء آدم للكعبة مشهورٌ، فجائزٌ أن يكون لمَّا فرغ آدم من بناء الكعبة وانتشر ولده في الأرض بنى بعضهم المسجد الأقصى، وفي «كتاب التِّيجان» لابن هشامٍ: أنَّ آدم لمَّا بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير (١) إلى بيت المقدس وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه (ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ) أي: بعد إدراك وقتها (فَصَلِّهْ) بهاء السَّكت، وللكشميهنيِّ: «فصلِّ» (فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ) أي: في فعل الصَّلاة إذا حضر وقتها، زاد من وجهٍ آخر عن الأعمش [خ¦٣٤٢٥]: «والأرض لك مسجدٌ». وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا فيه (٢) [خ¦٣٤٢٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير»، وابن ماجه في «الصَّلاة». ٣٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، واسمه ميسرة (مَوْلَى المُطَّلِبِ) بن عبد الله بن حنطبٍ القرشيِّ المخزوميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَلَعَ) ظهر (لَهُ أُحُدٌ) بضمِّ الهمزة والحاء المهملة، جبلٌ معروفٌ بالمدينة (فَقَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً أو مجازًا، أو هو من باب الإضمار، أي: يحبُّنا أهله (وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ) إسناد التَّحريم إليه لأنَّه مبلِّغه، وإلَّا فهو (٣) حرامٌ بحرمة الله يوم خلق السَّموات والأرض؛ كما ثبت في

стр. 6653

حديثٍ آخر (١) عند المؤلِّف [خ¦١٨٣٤] (وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بتخفيف الموحَّدة، تثنية لابةٍ، وهي الحَرَّة؛ الأرض ذات الحجارة السُّود. وهذا الحديث مرَّ في «كتاب الجهاد» في «باب فضل الخدمة في الغزو» [خ¦٢٨٨٩]. (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور، وثبتت الواو لأبي ذَرٍّ (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريُّ فيما وصله في «البيوع» في «باب بركة صاع النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٢١٢٩] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). هذا آخر المجلَّدة الأولى من «اليونينيَّة» كما رأيته بهامش (٢) الفرع بخطِّ الشَّيخ شمس (٣) الدِّين المزِّيِّ الحريريِّ. ٣٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَنَّ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ) هو عبد الله

стр. 6654

بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃ (١) زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لها: (أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ) قريشًا (بَنَوُا الكَعْبَةَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لمَّا بنوا الكعبة» (اقْتَصَرُوا عَنْ (٢) قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) جمع قاعدةٍ وهي الأساس (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) قريشٍ -بكسر الحاء وسكون الدَّال المهملتين وفتح المثلَّثة- مبتدأٌ خبره محذوفٌ وجوبًا، أي: موجودٌ، أي: قرب عهدهم (بِالكُفْرِ) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٥٨٣]: «لفعلت» (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) التَّرديد للتَّقرير لا للشَّكِّ والتَّضعيف (مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة: ما أظنُّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لغير الحَمُّويي والمُستملي لفظ: «أنَّ» (تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ) بكسر المهملة وسكون الجيم (إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) ما نقص منه، وهو الرُّكن الَّذي كان في الأصل (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇، فالموجود الآن في جهة الحجر بعض الجدار الَّذي بنته قريشٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيسٍ في روايته لهذا الحديث: (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ (٣) بْنِ أَبِي بَكْرٍ) فبيَّن أنَّ ابن أبيِ بكرٍ المذكور في الرِّواية السَّابقة هو عبد الله، وقد أورد المؤلِّف حديث إسماعيل هذا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٤] وقوله «وقال: إسماعيل … » إلى آخره ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ. ٣٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام الأعظم، وسقط «ابن أنسٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي (عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين كالسَّابق،

стр. 6655

و «سُلَيم» بضمِّ السِّين مصغَّرًا (الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء بعدها قافٌ مكسورةٌ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيُّ ﵁: أَنَّهُمْ) أي: الصَّحابة ﵃ (قَالُوا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «أنَّه» أي: أبا حُميدٍ السَّاعديَّ «قال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) صلاةً تليق به (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ) نسله أولاد بنته فاطمة ﵂ صلاةً تليق بهم (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ (١) إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وعند ابن ماجه: «كما باركت على آل إبراهيم في العالمين» ولفظ «الآلُ» مقحَمٌ، والمعنى: كما سبقت منك الصَّلاة على إبراهيم نسألك الصَّلاة على سيِّدنا (٢) محمَّدٍ بطريق الأَولى، وبهذا التَّقرير (٣) يندفع الإيراد المشهور، وهو أنَّ مِن شَرْطِ التَّشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى، والحاصل من الجواب: أنَّ التَّشبيه هنا ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل، بل من باب (٤) التَّهييج ونحوه، والمراد بالبركة النُّموُّ والزِّيادة من الخير والكرامة، أو التَّطهير من العيوب والتَّزكية، أو المراد: ثبات ذلك ودوامه واستمراره، من قولهم: بركت الإبل، أي (٥): ثبتت على الأرض، وبه جزم أبو اليُمْنِ ابنُ عساكر فيما حكاه شيخنا، فقال: «وبارك» أي: فأثبت وأَدِمْ لهم ما أعطيتهم من الشَّرف والكرامة. قال شيخنا: ولم يصرِّح أحدٌ بوجوب قوله: «وبارك على محمَّدٍ» فيما عثرنا عليه، غير أنَّ ابن حزمٍ ذكر ما يُفهِم وجوبها في الجملة، فقال: على المرء أن يُبارك عليه ولو مرَّةً في العمر، وأن يقولها بلفظ خبر أبي (٦) مسعودٍ أو أبي (٧) حُمَيدٍ أو كعبٍ. وظاهر
следующие страницы →