وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾) وفي حديث عثمان: «ونزل عليه الرُّكن والمقام، فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه له إسماعيل، فلمَّا بلغ الموضع الَّذي فيه الرُّكن، وضعه يومئذٍ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت، فلمَّا فرغ إبراهيم من بناء الكعبة جاءه جبريل فأراه المناسك كلَّها، ثمَّ قام إبراهيم على المقام فقال: يا أيُّها النَّاس أجيبوا ربَّكم، فوقف إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف، وحجَّه إبراهيم وسارة من بيت المقدس، ثمَّ رجع إبراهيم إلى الشَّام، فمات بالشَّام». زاد في نسخة الصَّغانيِّ هنا: لفظ «باب»، وسقط لغيره.
٣٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريك ابن طارقٍ التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟) بفتح اللَّام غير منصرفٍ، ولأبي ذرٍّ: «أوَّلُ (١)» بضمِّها ضمة بناءٍ لقطعها عن الإضافة؛ كما بُنِيت «قبلُ» و «بعدُ» قال أبو البقاء: وهو الوجه، والتَّقدير: أوَّل كلِّ شيءٍ، ويجوز النَّصب منصرفًا، أي (٢): أيُّ مسجدٍ وُضِعَ أوَّلًا للصَّلاة؟ (قَالَ) ﵊: (المَسْجِدُ الحَرَامُ، قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ) يا رسول الله (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّنوين مُشدَّدًا، أي: ثمَّ أيُّ مسجدٍ وُضِع بعد المسجد الحرام؟ (قَالَ) ﵊ (المَسْجِدُ الأَقْصَى) مسجد بيت المقدس بُنِي بعده، وسُمِّي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، أو لأنَّه لم يكن وراءه مسجدٌ، أو لبعده عن الأقذار والخبائث (٣) (قُلْتُ): يا رسول الله (كَمْ كَانَ (٤) بَيْنَهُمَا؟) أي: كم بين بناءي (٥) المسجدين؟
стр. 6652
(قَالَ) ﵊: بينهما (أَرْبَعُونَ سَنَةً) استُشكِل: بأنَّ الخليل بنى الكعبة وسليمان بنى الأقصى، وبينهما أكثر من أربعين سنةً. وأُجيب بأنَّه لا دلالة في الحديث على أنَّ الخليل وسليمان ابتدأا وضعهما لهما، بل إنَّما جدَّدا ما كان أسَّسه غيرهما، فليس إبراهيم أوَّل من بنى الكعبة، ولا سليمان أوَّل من بنى الأقصى، وبناء آدم للكعبة مشهورٌ، فجائزٌ أن يكون لمَّا فرغ آدم من بناء الكعبة وانتشر ولده في الأرض بنى بعضهم المسجد الأقصى، وفي «كتاب التِّيجان» لابن هشامٍ: أنَّ آدم لمَّا بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير (١) إلى بيت المقدس وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه (ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ) أي: بعد إدراك وقتها (فَصَلِّهْ) بهاء السَّكت، وللكشميهنيِّ: «فصلِّ» (فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ) أي: في فعل الصَّلاة إذا حضر وقتها، زاد من وجهٍ آخر عن الأعمش [خ¦٣٤٢٥]: «والأرض لك مسجدٌ».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا فيه (٢) [خ¦٣٤٢٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير»، وابن ماجه في «الصَّلاة».
٣٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، واسمه ميسرة (مَوْلَى المُطَّلِبِ) بن عبد الله بن حنطبٍ القرشيِّ المخزوميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَلَعَ) ظهر (لَهُ أُحُدٌ) بضمِّ الهمزة والحاء المهملة، جبلٌ معروفٌ بالمدينة (فَقَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً أو مجازًا، أو هو من باب الإضمار، أي: يحبُّنا أهله (وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ) إسناد التَّحريم إليه لأنَّه مبلِّغه، وإلَّا فهو (٣) حرامٌ بحرمة الله يوم خلق السَّموات والأرض؛ كما ثبت في
стр. 6653
حديثٍ آخر (١) عند المؤلِّف [خ¦١٨٣٤] (وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بتخفيف الموحَّدة، تثنية لابةٍ، وهي الحَرَّة؛ الأرض ذات الحجارة السُّود.
وهذا الحديث مرَّ في «كتاب الجهاد» في «باب فضل الخدمة في الغزو» [خ¦٢٨٨٩].
(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور، وثبتت الواو لأبي ذَرٍّ (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريُّ فيما وصله في «البيوع» في «باب بركة صاع النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٢١٢٩] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
هذا آخر المجلَّدة الأولى من «اليونينيَّة» كما رأيته بهامش (٢) الفرع بخطِّ الشَّيخ شمس (٣) الدِّين المزِّيِّ الحريريِّ.
٣٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَنَّ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ) هو عبد الله
стр. 6654
بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃ (١) زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لها: (أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ) قريشًا (بَنَوُا الكَعْبَةَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لمَّا بنوا الكعبة» (اقْتَصَرُوا عَنْ (٢) قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) جمع قاعدةٍ وهي الأساس (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) قريشٍ -بكسر الحاء وسكون الدَّال المهملتين وفتح المثلَّثة- مبتدأٌ خبره محذوفٌ وجوبًا، أي: موجودٌ، أي: قرب عهدهم (بِالكُفْرِ) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٥٨٣]: «لفعلت» (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) التَّرديد للتَّقرير لا للشَّكِّ والتَّضعيف (مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة: ما أظنُّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لغير الحَمُّويي والمُستملي لفظ: «أنَّ» (تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ) بكسر المهملة وسكون الجيم (إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) ما نقص منه، وهو الرُّكن الَّذي كان في الأصل (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇، فالموجود الآن في جهة الحجر بعض الجدار الَّذي بنته قريشٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيسٍ في روايته لهذا الحديث: (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ (٣) بْنِ أَبِي بَكْرٍ) فبيَّن أنَّ ابن أبيِ بكرٍ المذكور في الرِّواية السَّابقة هو عبد الله، وقد أورد المؤلِّف حديث إسماعيل هذا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٤] وقوله «وقال: إسماعيل … » إلى آخره ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ.
٣٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام الأعظم، وسقط «ابن أنسٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي (عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين كالسَّابق،
стр. 6655
و «سُلَيم» بضمِّ السِّين مصغَّرًا (الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء بعدها قافٌ مكسورةٌ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيُّ ﵁: أَنَّهُمْ) أي: الصَّحابة ﵃ (قَالُوا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «أنَّه» أي: أبا حُميدٍ السَّاعديَّ «قال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) صلاةً تليق به (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ) نسله أولاد بنته فاطمة ﵂ صلاةً تليق بهم (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ (١) إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وعند ابن ماجه: «كما باركت على آل إبراهيم في العالمين» ولفظ «الآلُ» مقحَمٌ، والمعنى: كما سبقت منك الصَّلاة على إبراهيم نسألك الصَّلاة على سيِّدنا (٢) محمَّدٍ بطريق الأَولى، وبهذا التَّقرير (٣) يندفع الإيراد المشهور، وهو أنَّ مِن شَرْطِ التَّشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى، والحاصل من الجواب: أنَّ التَّشبيه هنا ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل، بل من باب (٤) التَّهييج ونحوه، والمراد بالبركة النُّموُّ والزِّيادة من الخير والكرامة، أو التَّطهير من العيوب والتَّزكية، أو المراد: ثبات ذلك ودوامه واستمراره، من قولهم: بركت الإبل، أي (٥): ثبتت على الأرض، وبه جزم أبو اليُمْنِ ابنُ عساكر فيما حكاه شيخنا، فقال: «وبارك» أي: فأثبت وأَدِمْ لهم ما أعطيتهم من الشَّرف والكرامة. قال شيخنا: ولم يصرِّح أحدٌ بوجوب قوله: «وبارك على محمَّدٍ» فيما عثرنا عليه، غير أنَّ ابن حزمٍ ذكر ما يُفهِم وجوبها في الجملة، فقال: على المرء أن يُبارك عليه ولو مرَّةً في العمر، وأن يقولها بلفظ خبر أبي (٦) مسعودٍ أو أبي (٧) حُمَيدٍ أو كعبٍ. وظاهر
стр. 6656
كلام صاحب «المغني» من الحنابلة: وجوبها في الصَّلاة، فإنَّه قال: وصفة الصَّلاة كما ذكرها الخِرَقِيُّ، والخِرَقِيُّ إنَّما ذكر ما اشتمل عليه حديث كعبٍ، ثمَّ قال: وإلى هنا انتهى الوجوب. والظَّاهر: أنَّ أحدًا من الفقهاء لا يوافق على ذلك، قاله المجد الشِّيرازيُّ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٦٠]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
٣٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) أبو محمَّدٍ الدَّارميُّ مولاهم البصريُّ (وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المِنْقَرِيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ) بالفاء المفتوحة والرَّاء السَّاكنة بعدها واوٌ (مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الهَمْدَانِيُّ) بفتح الهاء وسكون الميم وبالدَّال المهملة، ونقل الكِرمانيُّ عن الغسَّانيِّ أنَّه قال: يُروَى عن أحمد: أنَّ اسم أبي فروة: عروةُ لا مسلمٌ. انتهى. وفي «تقريب التَّهذيب»: عروة بن الحارث الكوفيُّ أبو فروة الأكبر، ومسلم بن سالمٍ النَّهديُّ أبو فروة الأصغر الكوفيُّ، ويُقال له: الجهنيُّ، لنزوله فيهم، فهما اثنان، لكنَّ الموافق للهَمْدَانيِّ عروة، فليتأمَّل (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسَى) بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أنَّه (سَمِعَ) جدَّه (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى) -بفتح اللَّامين- الأنصاريَّ المدنيَّ ثمَّ الكوفيَّ (قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) بضمِّ العين وفتح الرَّاء
стр. 6657
المهملتين بينهما جيمٌ ساكنةٌ، البَلَويُّ (١) حليف الأنصار، وعند الطَّبريِّ (٢): «وهو يطوف بالبيت» (فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي) بضمِّ الهمزة (لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقُلْتُ) له: (بَلى، فَأَهْدِهَا لِي) بقطع الهمزة (فَقَالَ: سَأَلْنَا) بسكون اللَّام (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ) أي: كيف لفظ الصَّلاة (عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيتِ؟) بنصب «أهلَ» على الاختصاص (فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ) زاد الكُشْميهَنيُّ: «عليكم» يعني: في التَّشهُّد، وهو قول المصلِّي: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، والمعنى: علَّمنا الله كيفيَّة السَّلام عليك على لسانك وبواسطة بيانك (قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ) أي: يا الله (صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) والأمر للوجوب (اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ) ولغير أبي ذَرٍّ: «وعلى آل إبراهيم» (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) والمرجَّح (٣): أنَّ المراد بـ «آل محمَّدٍ» هنا: من حَرُمت عليهم (٤) الصَّدقة، وقيل: أهل بيته، وقيل: أزواجه وذرِّيَّته، لأنَّ أكثر طرق الحديث جاء بلفظ: «آل محمَّدٍ» وفي حديث أبي حُميدٍ السَّابق موضعه [خ¦٣٣٦٩]: «وأزواجه وذرِّيَّته» فدلَّ على أنَّ المراد بالآل: الأزواجُ والذُّرِّيَّةُ. وتُعقِّب: بأنَّه ثبت الجمع بين الثَّلاثة كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود، فلعلَّ بعض الرُّواة حفظ ما لم يحفظ غيره، والمراد بالآل في التَّشهُّد الأزواج ومن حَرُمت عليهم الصَّدقة، وتدخل فيهم الذُّرِّيَّة، فبذلك يُجمَع بين الأحاديث. وقد أطلق ﷺ على أزواجه آل محمَّدٍ، كما في حديث عائشة [خ¦٥٤٢٣]: «ما شبع آل محمَّدٍ من خبزٍ مأدومٍ ثلاثة أيَّامٍ» وقيل: «الآل» ذرِّيَّة فاطمة خاصَّةً، حكاه النَّوويُّ في «المجموع»، وقيل: جميع قريشٍ، حكاه ابن الرِّفعة في «الكفاية»، وقيل: جميع أمَّة الإجابة، ورجَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وقيَّده القاضي حُسَينٌ بالأتقياء منهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٥٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
стр. 6658
٣٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (١) لجدِّه، واسم أبيه: محمَّدٌ، واسم أبي شيبة: إبراهيم بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الرَّازي (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون، ابن عمروٍ الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ) ابني فاطمة، و «يعوِّذ» بالذَّال المعجمة (وَيَقُولُ) لهما: (إِنَّ أَبَاكُمَا) جدَّكما الأعلى إبراهيم ﵇ (كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا) بالكلمات الآتية -إن شاء الله تعالى- ولأبي الوقت وابن عساكر: «بهما» بلفظ التَّثنية (إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) ابنيه، وهي (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ) كلامه على الإطلاق، أو المعوِّذتين، أو القرآن (التَّامَّةْ) صفةٌ لازمةٌ، أي: الكاملة، أو النَّافعة، أو الشَّافية، أو المباركة (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ) إنسيٍّ وجنِّيٍّ (وَهَامَّةْ) بتشديد الميم واحدة الهوامِّ ذوات السُّموم (وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةْ) بالتَّشديد أيضًا الَّتي تصيب بسوءٍ. وقال الخطَّابيُّ: كلُّ آفةٍ تلمُّ بالإنسان من جنونٍ وخبلٍ ونحوه كذا بالتَّاء في الثَّلاثة وبالهاء السَّاكنة.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الطِّبِّ»، والنَّسائيُّ في «التَّعوذ» وفي «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الطِّبِّ».
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في (قوله وملحق في «اليونينيَّة» بعد بابٍ بين الأسطر: «قوله »: (﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾) أي: وأخبر عبادي (﴿عَن ضَيْفِ إِ بْراَهِيمَ﴾) أي: أضيافه جبريل وميكائيل وإسرافيل ودَرْدَائيل (٢) (﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ … ﴾ [الحجر: ٥١ - ٥٢] الآيَةَ) وكانوا دخلوا مشاةً في صورة رجالٍ مُرْدٍ
стр. 6659
حِسَانٍ، فلمَّا رآهم سُرَّ بهم، فخرج إلى أهله فجاء بعجلٍ سمينٍ مشويٍّ، فقرَّبه إليهم، فأمسكوا أيديهم، فقال: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ. قَالُواْ (لَا تَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥٢ - ٥٣]) أي: (لَا تَخَفْ) وإنَّما خاف منهم لأنَّهم دخلوا بغير وقتٍ وبغير إذنٍ، أو لأنَّهم امتنعوا من الأكل. فإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفًا مع امتناعهم من الأكل؟ أُجيب بأنَّه لمَّا ظنَّ إبراهيم أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة جاز تسميتهم بذلك، وقيل: إنَّ من دخل دار إنسانٍ والتجأ إليه سُمِّي ضيفًا وإن لم يأكل (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى … ﴾ (١) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) قال القرطبيُّ: الاستفهام بـ «كيف» إنَّما هو سؤالٌ عن حال شيءٍ موجودٍ متقرِّر الوجود عند السَّائل والمسؤول، نحو قولك: كيف عِلْمُ زيدٍ؟ وكيف نَسْجُ الثَّوب؟ ونحو هذا، فـ «كيف» في هذه الآية إنَّما هي استفهامٌ عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرِّرٌ. انتهى. وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾»، وثبت له سابقه في فرع «اليونينيَّة» وفيها. وقال الحافظ ابن حجرٍ بعد قوله: «باب قوله (٢): ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِ بْراَهِيمَ﴾ … الآية، لا توجل: لا تخف» كذا اقتصر في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة، وبذلك جزم الإسماعيليُّ وقال: ساق الآيتين بلا حديثٍ، ثمَّ قال الحافظ بعد قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] كذا وقع هذا الكلام لأبي ذَرٍّ متَّصلًا بالباب، ووقع في رواية كريمة بدل قوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وحكى الإسماعيليُّ: أنَّه وقع عنده: «باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ … » إلى آخره. وسقط كلُّ ذلك للنَّسفيِّ، وصار حديث أبي هريرة تكملة الباب الَّذي قبله، فكملت به الأحاديث عشرين حديثًا، وهو متَّجهٌ. انتهى.
٣٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ
стр. 6660
(قَالَ (١): أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) على سبيل التَّواضع: (نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «نحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم» (إِذْ قَالَ) لمَّا رأى جيفةَ حمارٍ مطروحة على شطِّ البحر، فإذا مدَّ البحر أكل دوابُّ البحر منها، وإذا جزر البحر جاءت السِّباع فأكلت، وإذا ذهبت السِّباع (٢) جاءت الطُّيور فأكلت وطارت: (﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾) أي: كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السِّباع والطُّيور ودوابِّ البحر، أو لمَّا ناظر نمروذ (٣) حين قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقال الملعون: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ وأَطْلَقَ محبوسًا وقتل رجلًا. فقال إبراهيم ﵇: إنَّ إحياء الله تعالى بردِّ الرُّوح إلى بدنها. فقال نمروذ: فهل عاينته؟ فلم يقدر أن يقول: نعم، وانتقل إلى تقريرٍ آخر، فقال له نمروذ -لعنه الله (٤) -: قل لربِّك حتَّى يحيي وإلَّا قتلتك، فسأل الله تعالى ذلك، وقيل: إنَّ الله تعالى لمَّا أوحى إليه: أنِّي متَّخذٌ بشرًا خليلًا، فاستعظم إبراهيم ﵇ ذلك فقال: إلهي ما علامة ذلك؟ قال: إنَّه يحيي الموتى بدعائه، فلمَّا عظم مقام إبراهيم في العبوديَّة، خطر بباله أنَّه الخليل، فسأل إحياء الموتى (٥) (﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾) بأنِّي قادرٌ على جمع الأجزاء المتفرِّقة، أو على الإحياء (٦) بإعادة التَّركيب والرُّوح إلى الجسد (﴿قَالَ بَلَى﴾) آمنت (﴿وَلَكِن﴾) سألت (﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) ليحصل الفرق بين المعلوم بالبرهان والمعلوم عيانًا، أو ليطمئنَّ قلبي بقوَّة حجَّتي، وإذا قيل (٧) لي (٨): أنت عاينت؟ أقول: نعم. أو ليطمئنَّ قلبي بأنِّي خليلٌ لك، فظهر أنَّ سؤال إبراهيم لم يكن شكًّا، بل من قبيل (٩)
стр. 6661
زيادة العلم بالعيان، فإنَّ العيان يفيد من المعرفة والطَّمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وعن الشَّافعيِّ في معنى الحديث: الشَّكُّ يستحيل في حقِّ إبراهيم ﵇، ولو كان الشَّكُّ متطرِّقًا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكنتُ الأحقَّ به من إبراهيم، وقد علمتم أنَّ إبراهيم لم يشكَّ، فإذا لم أشكَّ أنا ولم أَرْتَب في القدرة على الإحياء فإبراهيم أَولى بذلك، وقال الزَّركشيُّ: وذكر صاحب «الأمثال السَّائرة»: أنَّ «أفعل» تأتي في اللُّغة لنفي المعنى عن الشَّيئين، نحو: الشَّيطان خيرٌ من زيدٍ، أي: لا خير فيهما، وكقوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] أي: لا خير في الفريقين، وعلى هذا فمعنى قوله: «نحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم» لا شكَّ عندنا جميعًا، قال: وهو أحسن ما يتخرَّج عليه هذا الحديث. انتهى. وكذا نقله في «الفتح»، لكن عن بعض علماء العربيَّة، قال في «المصابيح»: وهذا غير معروفٍ عند المحقِّقين.
(وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) اسمٌ أعجميٌّ، وصُرِف مع العجمة والعلميَّة، لسكون وسطه (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي) في الشَّدائد (إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) إلى الله تعالى. وقال مجاهدٌ: إلى العشيرة، ولعلَّه يريد: لو أراد لأوى إليها، ولكنَّه أوى إلى الله تعالى، وقال أبو هريرة: ما بعث الله نبيًّا إلَّا في مَنَعَةٍ من عشيرته (وَلَو لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) بضع سنين -ما بين الثَّلاث إلى التِّسع- (لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) لأسرعت الإجابة في الخروج من السِّجن، ولَمَا قدَّمتُ طلب البراءة. قال محيي السُّنَّة: وصف ﷺ يوسف بالأناة والصَّبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه (١) رسول الملك فِعْلَ المذنب حين يُعفَى عنه مع طول لبثه في السِّجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجَّة في حبسهم إيَّاه ظلمًا، فقال ﷺ على سبيل التَّواضع، لا أنَّه ﵊ كان في الأمر منه مبادرةٌ وعجلةٌ لو كان مكان يوسف، والتَّواضع لا يصغِّر كبيرًا ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حقٍّ حقًّا، لكنَّه يوجب لصاحبه فضلًا، ويكسبه إجلالًا وقدرًا. انتهى. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٣٧]، ومسلمٌ في «الإيمان» وفي «الفضائل»، وابن ماجه في «الفتن».
стр. 6662
(١٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ (١) تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾) في القرآن (﴿إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]) قال ابن جريج: لم يَعِدْ ربَّه عِدَة إلَّا أنجزها. قال ابن كثيرٍ: يعني: ما التزم عبادةً قطُّ بنذرٍ إلَّا قام بها ووفَّاها حقَّها. وعند ابن جريرٍ عن سهل بن عقيلٍ: أنَّ إسماعيل وعد رجلًا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرَّجل، فظلَّ به إسماعيل وبات حتَّى جاء الرَّجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إنِّي نسيتُ. قال: لم أكن لأبرح حتَّى تأتيني، فلذلك كان صادق الوعد. وقال سفيان الثَّوريُّ: بلغني أنَّه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتَّى جاءه. وقال ابن شَوْذَب: بلغني أنَّه اتَّخذ ذلك الموضع مسكنًا، وناهيك أنَّه وَعَدَ الصَّبرَ على الذَّبح، حيث قال ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فوفى به.
٣٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ مولاهم البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وكسر الفوقيَّة، ابن إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ عَلَى نَفَرٍ) عدَّةٍ من رجالٍ، من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ (مِنْ أَسْلَمَ) القبيلة المعروفة حال كونهم (يَنْتَضِلُونَ) بالضَّاد المعجمة، يترامون على سبيل المسابقة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ) يا بني إسماعيل بن إبراهيم الخليل (فَإِنَّ أَبَاكُمْ) إسماعيل، وأطلق عليه أبًا مجازًا، لأنَّه جدُّهم الأبعد (كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ) يعني: ابن
стр. 6663
الأدرع، كما في حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان في «صحيحه»، واسمه محجنٌ كما في «الطَّبرانيِّ»، ولأبي ذرٍّ: «ارموا وأنا مع بني فلانٍ» وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «مع ابن فلانٍ» (قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ) عن الرَّمي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (ارْمُوا وَأَنَا) بالواو (مَعَكُمْ كُلِّكُمْ) بجرِّ اللَّام، تأكيدًا للضَّمير المجرور.
وهذا الحديث سبق في «باب التَّحريض على الرَّمي» من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٨٩٩].
(١٣) (باب قِصَّةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉ ولأبي ذَرٍّ: «قصَّةُ إسحاق بن إبراهيم النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ» بإسقاط الباب، ورفع «قصَّةُ» ولم يقل: «وسلَّم» (فِيهِ) أي: في الباب (ابْنُ عُمَرَ (١) وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وكأنَّه يشير بحديث الأوَّل إلى (٢) الآتي -إن شاء الله تعالى- في «قصَّة يوسف» [خ¦٣٣٩٠]، وبالثَّاني إلى الحديث المذكور في الباب اللَّاحق [خ¦٣٣٧٤]، كذا قرَّره في «الفتح»، ثمَّ قال: وأغرب ابن التِّين فقال: لم يقف البخاريُّ على سنده فأرسله، وهو كلام من لم يفهم مقاصد البخاريِّ، ونحوه قول الكِرمانيِّ: قوله فيه، أي: في الباب، حديثٌ من رواية ابن عمر في «قصَّة إسحاق بن إبراهيم ﵉»، فأشار البخاريُّ إليه إجمالًا، ولم يذكره بعينه، لأنَّه لم يكن على شرطه. انتهى. قال: وليس الأمر كذلك لِمَا بيَّنته، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذه مناقشةٌ باردةٌ؛ لأنَّ كلَّ من له أدنى فهمٍ يفهم أنَّ ما قاله ابن التِّين والكِرمانيُّ هو الكلام الواقع في محلِّه، وكلامهما (٣) أوجه من كلامه المشتمل على التَّردُّد في قوله: «كأنَّه يشير … » إلى آخره، فلينظر المتأمِّل الحاذق في حديث ابن عمر الَّذي في «قصَّة يوسف» [خ¦٣٣٩٠] هل يجد لِمَا ذكره من الإشارة إليه وجهًا قريبًا أو
стр. 6664
بعيدًا؟ وأجاب الحافظ ابن حجرٍ في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّه لمَّا أورد (١) في آخر «قصَّة يوسف» حديث ابن عمر: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» وكان معناه أنَّ من جملة قصَّته: أنَّه من (٢) أنبياء الله، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ سوَّى (٣) بينه وبيِّن من ذُكِر من آبائه في صفة «الكريم»، فأشار إلى ذلك في قصَّة والده (٤) للتَّسوية المذكورة. وأمَّا حديث أبي هريرة الَّذي في الباب الَّذي يليه [خ¦٣٣٧٤] فإنَّه يشتمل على ما تضمَّنه حديث ابن عمر، مع بيان سبب الحديث وغير ذلك من الزِّيادة فيه، وإنَّما قال في حقِّ ابن التِّين: إنَّ كلامه يقتضي أنَّه ما فهم مقصد البخاريِّ، لأنَّه ادَّعى وجود حديثٍ يتعلَّق بقصَّة إسحاق بن إبراهيم وجده البخاريُّ ولم يقف على سنده فذكره مُرسَلًا، وليست (٥) هذه طريقة البخاريِّ أنَّه يعتمد على حديثٍ لم يقف على إسناده، وأمَّا الكِرمانيُّ فقوله أقرب من قول ابن التِّين، لأنَّه يقتضي إثبات وجود الحديث بسنده ومتنه، لكنَّه ليس على شرط البخاريِّ فلذلك علَّقه، ولكنَّه لم يطَّرد ذلك من صنيعه، لأنَّه لا يقتصر في التَّعليق على ما لم يكن بشرطه، بل تارةً يكون بشرطه ويكون قد ذكره في مكانٍ آخر، وتارةً لا يوجد إلَّا معلَّقًا وإن كان بشرطه، وتارةً لا يكون على شرطه. انتهى.
(١٤) هذا (٦) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾) ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة، والمنقطعة تَقدَّر بـ «بل» وهمزة الاستفهام، وبعضهم يقدِّرها بـ «بل» وحدها، ومعنى الإضراب: انتقالٌ من شيءٍ إلى شيءٍ لا إبطال له، ومعنى الاستفهام: الإنكار والتَّوبيخ، فيؤول معناه إلى النَّفي. أي: بل أكنتم شهداء، يعني: لم تكونوا حاضرين إذ حضر يعقوبَ الموتُ وقال لبنيه ما قال، فَلِمَ تدَّعون اليهوديَّة عليه، أو متَّصلةٌ بمحذوفٍ تقديره: أكنتم غائبين أم
стр. 6665
كنتم شهداء؟ وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: ما شهدتم (١) ذلك، وإنَّما عَلِمْتُموه من الوحي، وقوله: ﴿إِذْ حَضَرَ﴾ منصوبٌ بـ ﴿شُهَدَاء﴾ على أنَّه ظرفٌ لا مفعولٌ به، أي: شهداء وقت حضور الموت إيَّاه، وحضور الموت كنايةٌ عن (٢) حضور أسبابه ومقدِّماته (﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٣] الآية) إذ، بدلٌ من الأولى، أو ظرفٌ لـ ﴿حَضَرَ﴾ قال عطاءٌ: إنَّ الله لم يقبض نبيًّا حتَّى يخيِّره بين الموت والحياة، فلمَّا خَيَّر يعقوب قال: أنظرني حتَّى أسأل ولدي وأوصيهم، ففعل ذلك به، وجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي، فما تعبدون من بعدي؟ ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ والعرب تجعل العمَّ أبًا، كما تسمِّي الخالة أمًّا، قال القفَّال: وقيل: إنَّه قدَّم ذكر إسماعيل على إسحاق، لأنَّ إسماعيل كان أسنَّ من إسحاق. وقوله: «﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ … » إلى آخره ثابتٌ لأبي ذرٍّ ساقطٌ لغيره، وقالوا بعد قوله: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾: «إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾» أي: مذعنون مخلصون.
٣٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه أنَّه (سَمِعَ المُعْتَمِرَ) بن سليمان بن طَرْخَان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) -بضمِّ العين مُصغَّرًا- ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ) عند الله؟ (قَالَ) ﵊: (أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ) أي: أشدُّهم لله تقوى (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ) يعقوب (ابْنِ نَبِيِّ اللهِ) إسحاق (ابْنِ خَلِيلِ اللهِ) إبراهيم، والمراد: أنَّهم أكرم النَّاس أصلًا لأنَّهم سلسلةً النُّبوَّة (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ) ولأبي ذَرٍّ: «أفعن» (مَعَادِنِ العَرَبِ) أي: أصولها الَّتي ينسبون إليها (تَسْأَلُونِي؟) ولأبي ذر: «تسألونني» بنونين فتحتيَّةٍ (قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي
стр. 6666
الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ) بالكاف فيهما (فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا) بضمِّ القاف، ولأبي ذرٍّ: «فقِهوا» بكسرها، وفيه: فضل الفقه وأنَّه يرفع صاحبه على من نسبه أعلى منه.
وهذا الحديث سبق في «باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾» [خ¦٣٣٥٣].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه قوله تعالى في سورة النمل: (﴿وَلُوطًا﴾) نُصِب عطفًا على ﴿صَالِحًا﴾ أي: وأرسلنا لوطًا، أو عطفًا على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: وأنجينا لوطًا، أو بـ «اذكر» مُضمَرةً (﴿إِذْ قَالَ﴾) بدلٌ على ﴿اذْكُرُ﴾ وظرفٌ على ﴿أَرْسَلْنَا﴾. قال الطِّيبيُّ: ولا يجوز أن يكون بدلًا؛ إذ لا يستقيم: أرسلنا وقت قوله (﴿لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾) الفعلة القبيحة، والاستفهام إنكاريٌّ (﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾) جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل ﴿لَتَأْتُونَ﴾ أو من ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ والعائد محذوفٌ، أي: وأنتم تبصرونها، لستم عميًا عنها جاهلين بها، واقتراف القبائح من العالِم بقُبْحها أقبحُ، وقيل: يرى بعضكم بعضًا، وكانوا لا يستترون عتوًّا منهم (﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾) مفعولٌ من أجله وبيانٌ لإتيانهم الفاحشة (﴿مِّن دُونِ النِّسَاء﴾) اللَّاتي خُلِقن لذلك (﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾) عاقبة المعصية، أو موضع قضاء الشَّهوة. وقول الزَّمخشريِّ: -فإن قلت: فُسِّرت ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بالعلم، وبعده: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فكيف يكونون علماء جهلاء؟ فالجواب: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك- تعقَّبه الطِّيبيُّ فقال: هذا الجواب غير مرضيٍّ تأباه كلمة الاضراب، بل إنَّه تعالى لمَّا أنكر عليهم فعلهم على الإجمال وسمَّاه فاحشةً، وقيَّده بالحال المقرِّرة لجهة الإشكال تتميمًا للإنكار بقوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أراد مزيد ذلك التَّوبيخ والإنكار، فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة متَّصلًا، وصرَّح بذكر ﴿الرِّجَالَ﴾ مُحلًّى بلام الجنس مشيرًا به إلى أنَّ الرُّجوليَّة منافيةٌ لهذه (١) الحالة،
стр. 6667
وقيَّده بالشَّهوة الَّتي هي أخسُّ أحوال البهيمة. وقد تقرَّر عند ذوي البصائر: أنَّ إتيان النِّساء لمجرَّد الشَّهوة مسترذل، فكيف بالرِّجال؟ وضمَّ إليه من دون النِّساء، وآذن بأنَّ ذلك ظلمٌ فاحشٌ ووضعٌ للشَّيء في غير موضعه، ثمَّ أضرب عن الكلِّ بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: كيف يُقال لمن يرتكب هذه الشَّنعاء: وأنتم تعلمون؟ فأَولى حرفَ الإضراب ضمير «أنتم» (١)، وجعلهم قومًا جاهلين، والتفت في ﴿تَجْهَلُونَ﴾ موبِّخًا معيِّرًا. انتهى. ولما بيَّن تعالى جهلهم، بيَّن أنَّهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جوابًا، فقال: (﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾) خبرٌ مقدَّمٌ (﴿إِلَّا أَن قَالُوا﴾) في موضع الاسم (﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾) أي: يتنزَّهون عن أفعالنا الَّتي هي إتيان أدبار الرِّجال، قالوه تهكُّمًا واستهزاءً (﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾) قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا (﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾) من الباقين في العذاب (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾) وهو الحجارة (﴿فَسَاء﴾) فبئس (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٨]) أي: مطرهم، فالمخصوص بالذَّمِّ محذوفٌ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إلى آخر: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾»، وقال بعد قوله: «﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾».
٣٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (٢) بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ إِنْ كَانَ) أي: إنَّه كان (لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) إلى الله تعالى.
وسبق هذا الحديث في «باب قوله (٣) : ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِ بْراَهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]» [خ¦٣٣٧٢].
стр. 6668
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾) أي: الملائكة المرسَلون من عند الله بعذاب قومٍ مجرمين، ولم يَعْرِفُوهم أنَّهم ملائكةٌ (﴿قَالَ﴾) لهم لوطٌ: (﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦١ - ٦٢]) لأنَّهم لَمَّا هجموا عليه استنكرهم، وخاف من دخولهم، لأجل شرٍّ يوصلونه (١) إليه.
(﴿بِرُكْنِهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٣٩] أي: أدبر عن الإيمان (بِمَنْ مَعَهُ) من قومه (لأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ) الَّتي (٢) يتقوَّى بها؛ كالرُّكن الَّذي يتقوَّى به البنيان، كقوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] وذكره المؤلِّف هنا استطرادًا لقوله في قصَّة لوطٍ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
(﴿تَرْكَنُواْ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود: ١١٣] أي: لا (تَمِيلُوا) وذكرها استطرادًا أيضًا.
(فَأَنْكَرَهُمْ وَ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ) في المعنى، وهذا قول أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠] واعتُرِض هذا: بأنَّ الإنكار من إبراهيم غير الإنكار من لوطٍ، لأنَّ إبراهيم أنكرهم لمَّا لم يأكلوا، ولوطًا أنكرهم لمَّا لم يبالوا بمجيء قومه إليهم، فلا وجه لذكر هذا هنا.
(﴿يُهْرَعُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨] أي: (يُسْرِعُونَ، ﴿دَابِرَ﴾) أي: (آخِرَ) يريد: قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: ٦٦] أي: آخِرَهم مقطوعٌ مستأصلٌ.
стр. 6669
(﴿صَيْحَةً﴾) في قوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] معناه: (هَلَكَةً) ولا وجه لإيراده هنا.
(﴿لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]) قال الضَّحَّاك: (لِلنَّاظِرِينَ) وقال مجاهدٌ: للمتفرِّسين.
(﴿لَبِسَبِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٦]) قال أبو عبيدة: أي: (لَبِطَرِيقٍ) (١).
٣٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) محمَّد بن عبد الله الزُّبيريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرٍو السَّبيعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]) بالدَّال المهملة، والأصل: مذتكرٍ، فأُبدِلت (٢) التَّاء دالًا مهملةً ثمَّ أُبدِلت المعجمة مُهمَلةً لمقاربتها، ثمَّ أُدغِم، وهذا الباب بتفسيره وحديثه ثابتٌ في الفرع وأصله لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هذه التَّفاسير وقعت في رواية المُستملي وحده.
(١٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾) قبيلةٌ من العرب سُمُّوا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر (٣) بن إرم بن سام، وقيل: سُمُّوا لقلَّة مائهم، من الثَّمد وهو الماء القليل، وكانت
стр. 6670
مساكنهم الحِجْر بين الحجاز والشَّام إلى وادي القرى (﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]) هو ابن عبيد بن ماسخ بن عبيد (١) بن حاذر بن ثمود (﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠] الحِجْرُ) وثبت لأبي ذرٍّ لفظ: «الحِجْر» الثَّاني: (مَوْضِعُ ثَمُودَ) قوم صالحٍ وهو بين المدينة والشَّام (وَأَمَّا ﴿حَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]) فمعناه: (حَرَامٌ، وَكُلُّ) شيءٍ (مَمْنُوعٍ فَهْو حِجْرٌ مَحْجُورٌ) أي: حرامٌ مُحرَّمٌ (وَالحِجْرُ: كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ) بتاء الخطاب في آخره، ولأبي ذَرٍّ: «تبنيه» بها (٢) في أوَّله (وَمَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ) بتخفيف الجيم (فَهْو حِجْرٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ البَيْتِ) الحرام، وهو الحائط المستدير إلى جانبه (حِجْرًا، كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ) أي: مكسورٍ، وكأنَّ الحطيم سُمِّي به لأنَّه كان في الأصل داخل الكعبة فانكسر بإخراجه منها (مِثْلُ: قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ، وَيُقَالُ) ولأبي الوقت: «وتقول» (لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ: الحِجْرُ) بلا هاءٍ، وجمعه: حجورةٌ، بإثباتها، ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ وابن عساكر: «حِجْرٌ» بالتَّنكير مُنوَّنًا (وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ: حِجْرٌ) قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] أي: عقلٍ، لمنعه صاحبه من الوقوع في المكاره (وَ) يُقال له أيضًا: (حِجًى) بكسر الحاء وفتح الجيم مُنوَّنةً مُخفَّفةً (وَأَمَّا حَجْرُ اليَمَامَةِ) بفتح الحاء (فَهْو مَنْزِلٌ) لثمود، ولأبي ذرٍّ: «فهو المنزل».
٣٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمَْعَةَ) بفتح الميم وسكونها،
стр. 6671
الأسديِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) يخطب (وَذَكَرَ) قصَّة قُدَار (الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ) ناقة صالحٍ، وذلك أنَّ ثمود بعد عادٍ عمَّروا بلادهم، وخلفوهم وكثروا، وعمَّروا أعمارًا طوالًا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصبٍ وسعَةٍ، فعَتوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أشرافهم، فأنذرهم فسألوه آيةً. فقال: أيَّة (١) آيةٍ تريدون؟ قالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتُّبِع، فخرج معهم فدعوا أصنامهم فلم تُجِبهم، ثمَّ أشار سيِّدُهم جُنْدُعُ بن عمْرٍو إلى صخرٍة منفردةٍ، وقال له: أخرج من هذه الصَّخرة ناقةً سوداء حالكةً ذات عرفٍ وناصيةٍ ووبرٍ، وقيل: قال: ناقةً ذات ألوانٍ، من أحمرَ ناصعٍ وأصفرَ فاقعٍ، وأسودَ حالكٍ، وأبيضَ يَقَِقٍ، نظرها كالبرق الخاطف، رغاؤها كالرَّعد القاصف، طولها مئة ذراعٍ وعرضها كذلك، ذات ضروعٍ أربعة، نحلب منها ماءً وعسلًا ولبنًا وخمرًا، لها تبيعٌ على صفتها، حنينها بتوحيد إلهك والإقرار بنبوَّتك، فإن فَعَلَتْ صدَّقناك، فأخذ عليهم صالحٌ مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنَّن به (٢)؟ فقالوا: نعم، فصلَّى ودعا ربَّه فتمخَّضت الصَّخرة تمخُّض النَّتوج بولدها، فانصدعت عن ناقةٍ كما وصفوا وهم (٣) ينظرون، ثمَّ نتجت ولدًا مثلها في العِظَم، فآمن به جُنْدُع في جماعةٍ، ومَنَعَ الباقين من الإيمان دؤاب بن عمرٍو، والحُبَاب صاحب أوثانهم، ورباب ابن كاهنهم، فمكثت النَّاقة مع ولدها ترعى الشَّجر وتَرِدُ الماء غبًّا، فما ترفع رأسها من البئر حتَّى تشرب كلَّ ما فيها، ثمَّ (٤) تتفحَّج فيحلبون ما شاؤوا حتَّى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدَّخرون، وكانت (٥)
стр. 6672
تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشقَّ ذلك عليهم، فأجمعوا على عقرها (فَقَالَ) ﷺ : (فانْتَدَبَ لَهَا) كذا في الفرع بالفاء فيهما، وفي «اليونينيَّة» قال: «انتدب لها» بغير فاءٍ فيهما، أي: أجاب إلى عقرها لمَّا دُعِي له (رَجُلٌ) منهم (ذُو عِزٍّ وَمَنَْعَةٍ) بفتح الميم والنُّون وتسكَّن، قوَّة (فِي قُوَّةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «في قومه» بدل قوله: «في قوَّةٍ» (كَأَبِي زَمَْعَةَ) الأسود بن المطلب بن أسد (١) بن عبد العزَّى، وهو جدُّ عبد الله بن زمعة بن الأسود راوي الحديث، ومات الأسود كافرًا، وكان ذا عزَّةٍ ومنعةٍ في قومه، كعاقر النَّاقة، وكان عاقر النَّاقة -فيما قاله السُّهيليُّ- ولد زنى، أحمر أشقر أزرق قصيرًا، يُضرَب به المثل في الشُّؤم، فعقرها واقتسموا لحمها، فرقي سَقَبُها (٢) جبلًا فرغا ثلاثًا، فقال صالحٌ لهم: أدرِكوا الفصيل عسى أن يُرفَع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفجَّت (٣) الصَّخرة بعد رغائه فدخلها، فقال لهم صالحُ: تصبح وجوهكم غدًا مصفَّرةً، وبعد غدٍ محمرَّةً، واليوم الثَّالث مسوَّدةً، ثمَّ يصبِّحكم العذاب، فلمَّا رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولمَّا كانت ضحوة اليوم الرَّابع تحنَّطوا وتكفَّنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحةٌ من السَّماء، فتقطَّعت قلوبهم، فهلكوا.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٢] و «الأدب» [خ¦٦٠٤٢] و «النِّكاح» [خ¦٥٢٠٤]، ومسلم في «صفة النَّار»، والترمذيُّ في «التفسير»، وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه في «النكاح».
стр. 6673
٣٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ) اليماميُّ (١) (أَبُو الحَسَنِ) الحرَّانيُّ -سكن البصرة- قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ بْنِ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة (أَبُو زَكَرِيَّا) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ مولاهم المدنيِّ مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الحِجْرَ) منازل ثمود (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ) أي: أمر أصحابه (أَلَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا، وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ) المعجون بمائها (وَيُهْرِيقُوا) بضمِّ الياء وسكون (٢) الهاء، أي: يريقوا (ذَلِكَ المَاءَ) خوفًا أن يورثهم شربه قسوةً في قلوبهم أو ضررًا في أبدانهم (وَيُرْوَى) ولأبي ذرٍّ: «قال: ويُروَى» (عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ) بفتح السِّين المهملة وسكون الموحَّدة بعدها راءٌ، و «مَعْبَد» بفتح الميم والموحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، الجهنيِّ فيما وصله الطَّبرانيُّ وأبو نُعَيمٍ (٣) (وَ) عن (أَبِي الشَّمُوسِ) بفتح الشِّين المعجمة وضمِّ الميم وبعد الواو سينٌ مهملةٌ، البَلَوي -بفتح الموحَّدة واللَّام- لا يُعرَف اسمه فيما وصله الطَّبرانيُّ وابن منده (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعَامِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة فيما وصله البزَّار في «مسنده»: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬): أنَّه أمر (٤) (مَنِ اعْتَجَنَ) عجينه (بِمَائِهِ) أن يلقيه (٥).
٣٣٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) (٦) أبو إسحاق القرشيُّ الحزاميُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) المدنيُّ اللَّيثيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) -بضمِّ العين- ابن عمر بن حفص بن عاصم بن
стр. 6674
عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّاسَ) أي (١): الصَّحابة ﵃ (نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْضَ ثَمُودَ) بين المدينة والشَّام (الحِجْرَ) نُصِب (٢) بدلًا من «أرض» (فَاسْتَقَوْا) بالفاء، ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «واستقوا» (مِنْ بِئْرِهَا) بسكون الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «من آبارها» بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ على الجمع (وَاعْتَجَنُوا بِهِ) بالماء المأخوذ منها (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُهْرِيقُوا) بالهاء السَّاكنة، أي: يريقوا (مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «من بئارها (٣)» بالجمع (وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ) المعجون بمائها، والمراد بالطَّرح المذكور في السَّابق: ترك الأكل، فلا تعارض بين الحديثين (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «الَّتي كانت» (تَرِدُهَا النَّاقَةُ، تَابَعَهُ) أي: تابع عُبيد الله (أُسَامَةُ) بن زيد بن حارثة اللَّيثيُّ (عَنْ نَافِعٍ) عن ابن عمر على قوله: «وأمرهم أن يستقوا من البئر الَّتي كانت تردها ناقة صالحٍ» وهذه المتابعة وصلها ابن المقرئ.
وفي الحديث: كراهة الاستقاء (٤) من آبار ثمود، وهل هي للتَّحريم أو للتَّنزيه؟ وعلى الأوَّل: هل يَمنَعُ صحَّةَ التَّطَهُّرِ (٥) بذلك الماء؟ والظَّاهر: أنَّه لا يَمنَع.
والحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا.
стр. 6675
٣٣٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابن مقاتلٍ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ) في «اليونينيَّة» مُلحَقٌ بين السُّطور: «﵃» (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِالحِجْرِ دِيَارِ ثَمُودَ قَالَ) لمن معه: (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) شاملٌ لمنازل ثمود وغيرهم ممَّن في معناهم من سائر الأمم الَّذين نزل بهم العذاب، وثبت قوله: «أنفسهم» لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ) أي: مخافة الإصابة، كقولك (١): لا تضرب الأسد أنْ يفترسك، و «أن» مصدريَّةٌ، وهذا التَّقدير عند البصريِّين، أو التَّقدير -كما عند الكوفيِّين-: لئلَّا يصيبكم (مَا أَصَابَهُمْ) أي: من العذاب، والبصريُّون لا يجوِّزون الإضمار الثَّاني (ثُمَّ تَقَنَّعَ) أي: تستَّر ﵊ (بِرِدَائِهِ، وَهْوَ عَلَى الرَّحْلِ) أي: رَحْلِ البعير، وهو أصغر من القَتَب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤١٩]، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
٣٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثَنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن محمَّدٍ» قال: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) بفتح الواو وسكون الهاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازمٍ البصريُّ قال: (سَمِعْتُ يُونُسَ) بن يزيد الأيليَّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ثمود أو غيرهم (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) حذر (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ) وسقط «مثل» لغير أبي ذرٍّ.
стр. 6676
والحديث أخرجه مسلمٌ آخر كتابه.
(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]) ثبت الباب وسياق هذه الآية هنا في غير رواية الكُشْميهَنيِّ في الفرع وأصله، وقد ذكرها المؤلِّف قبل ثلاثة أبوابٍ [خ¦٦٠/ ١٤ - ٥١٨٠] وسبق تفسيرها ثَمَّ، وصوَّب في «الفتح» أنَّ حديثها تلو حديث الباب التَّالي كما لا يخفى.
٣٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج المروزيُّ الحافظ أبو يعقوب قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ) في «اليونينيَّة» علامة السُّقوط على: «ابن الكريم» الأخيرة (١) (يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈ وللطَّبرانيِّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ قيل: يا رسول الله من السَّيِّد؟ قال: «يوسف بن يعقوب» قالوا: فما في أمَّتك سيِّدٌ؟ قال: «رجلٌ أُعطِي مالًا حلالًا ورُزِقَ سماحةً» نقله صاحب «الفتح».
وحديث الباب سبق [خ¦٣٣٥٣] ويأتي في الباب التَّالي [خ¦٣٣٨٣] و «التفسير» [خ¦٤٦٨٨] إن شاء الله تعالى.
стр. 6677
(١٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾) أي: في قصَّتهم (﴿آيَاتٌ﴾) علاماتٌ على قدرته تعالى، أو على نبوَّتك (﴿لِّلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]) لمن سأل عن قصَّتهم، أو عبرةٌ للمعتبرين، فإنَّها تشتمل على رؤيا يوسف وما حقَّق الله منها، وعلى صبر يوسف عن قضاء الشَّهوة، وعلى الرِّقِّ والسَّجن، وما آل إليه أمره من المُلْك، وعلى حزن يعقوب وصبره، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، ووصفها الله تعالى بأنَّها أحسن القصص؛ إذ ليس في القصص غيرها ما فيها من العبر والحكم، مع اشتمالها على ذكر الأنبياء والصَّالحين وسِيَر الملوك والمماليك والتُّجَّار، والنِّساء وحيلهنَّ ومكرهنَّ، والتَّوحيد وتعبير الرُّؤيا والسِّياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد الَّتي تصلح للدِّين والدُّنيا، وذكر الحبيب والمحبوب وسِيَرهما.
٣٣٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين من غير إضافةٍ لشيءٍ، وكان اسمه عبد الله الهبَّاريُّ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) -بضمِّ العين- ابن عمر العمريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبُريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (١) قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ) عند الله؟ (قَالَ): أكرمهم: (أَتْقَاهُمْ للهِ) أي: أشدُّهم لله تقوى (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ) يعقوب (ابْنِ نَبِيِّ اللهِ) إسحاق (ابْنِ خَلِيلِ اللهِ) إبراهيم. قال في «الكواكب» (٢): وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف ﵇ مكارم الأخلاق مع شرف النُّبوَّة، وكونه ابن ثلاثة أنبياء متناسلين، مع شرف رياسة الدُّنيا وملكها بالعدل والإحسان (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ) أي: أصولها
стр. 6678
الَّتي ينتسبون إليها (تَسْأَلُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «تسألونني» بنونين (النَّاسُ مَعَادِنُ) زاد الطَّيالسيُّ وغيره في حديثٍ: «في الخير والشَّرِّ» والعسكريُّ «كمعادن الذَّهب والفضَّة» (خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُِهُوا) بضمِّ القاف وكسرها؛ كما مرَّ، فيجتمع لهم شرف النَّسب مع شرف العلم.
وسبق في: «باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]» [خ¦٣٣٥٣] ما في ذلك، فليُراجَع.
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ) البيكنديُّ، وثبت «ابن سلامٍ» لأبي ذرٍّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد (عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) -بضمِّ العين- العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … ) الحديث.
٣٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ) بفتح الموحَّدة والدَّال المهملة آخره لامٌ، و «المُحَبَّر» بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة والموحَّدة المشدَّدة، ابن منيرٍ اليربوعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا) في مرض موته: (مُرِي) بوزن «كلي» من غير همزٍ (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) الظُّهر أو العصر أو العشاء (قَالَتْ: إِنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ) بفتح الهمزة وكسر السِّين المهملة وبعد التَّحتية السَّاكنة فاءٌ، أي: شديد الحزن، رقيق القلب، سريع البكاء (مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ) جُزِمَ بحذف الواو بـ «متى»
стр. 6679
الشَّرطيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (١): «يقوم» بإثباتها، ووجَّهه ابن مالكٍ: بأنَّها أُهمِلت حملًا على «إذا» كما عملت «إذا» حملًا على «متى» في قوله [خ¦٣٧٠٥]: «إذا أخذتما مضاجعكما تكبِّرا (٢) أربعًا وثلاثين» والمعنى: متى ما يقم مقامك في الإمامة (رَقَّ) قلبه فلا يسمع النَّاس (فَعَادَ) ﵊ إلى (٣) قوله: «مري أبا بكرٍ الصِّدِّيق (٤) يصلِّي بالنَّاس» (فَعَادَتْ) عائشة إلى (٥) قولها: إنَّه رجلٌ أسيفٌ.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج بالسَّند السَّابق: (فَقَالَ) ﵊ (فِي الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي: (إِنَّكُنَّ) بلفظ الجمع على إرادة الجنس، وكان الأصل أن يقول: «إنَّكِ» بلفظ المفردة (صَوَاحِبُ يُوسُفَ) تُظهِرنَ خِلَاف ما تبطنَّ كَهُنَّ، وكان غرض عائشة ألَّا يتطيَّر النَّاس بوقوف أبيها مكان رسول الله ﷺ ، كإظهار زليخا إكرام النِّسوة بالضِّيافة ومقصودها أن ينظرن إلى حسن يوسف ليعذرنها في محبَّته (مُرُوا) بصيغة الجمع، ولأبي ذرٍّ: «مري» (أَبَا بَكْرٍ … ) الحديث.
وساقه هنا مختصرًا، وسبق بتمامه في «أبواب الإمامة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٧٩].
стр. 6680
٣٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ) ولأبي ذرٍّ: «ربيع» (بْنُ يَحْيَى) الأُشْنانيُّ -بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة- (البَصْرِيُّ) سقط «البصريُّ» لأبي ذرٍّ، وفي نسخة الصَّغانيِّ: «حدَّثنا ربيع بن يحيى: حدَّثنا النَّضر» بالنُّون المفتوحة والضَّاد المعجمة «حدَّثنا زائدة»، وفي حاشية «اليونينيَّة»: وقع في أصل السَّماع: «حدَّثنا النَّضر» وهو غلطٌ وتصحيفٌ من «البصريِّ»، حُقِّقَ ذلك من أصول الحافظ أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي القاسم الدِّمشقيِّ، وأصل أبي صادقٍ مرشد، وغير ذلك من الأصول، قال (١): (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدامة الثَّقفيُّ أبو الصَّلت الكوفيُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم مُصغَّرًا، ابن سُوَيدٍ اللَّخميِّ حليف بني عديٍّ الكوفيِّ الفَرَسيِّ -بفتح الفاء والرَّاء بعدها سينٌ مهملةٌ- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) -بضمِّ الموحَّدة- عامر (بْنِ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه (قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مرضَه الَّذي تُوفِّي (٢) فيه، وحضرت الصَّلاة (فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَتْ: إِنَّ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت عائشة (٣): إنَّ» (أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ) زاد أبو ذرٍّ: «كذا يعني: رجلٌ أسيفٌ» (فَقَالَ) ﵊ (مِثْلَهُ): «مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَتْ مِثْلَهُ) أي: رجلٌ أسيفٌ (فَقَالَ: مُرُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «مروا أبا بكرٍ» أي: فليصلِّ بالنَّاس (فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) عبَّر بالجمع في «إنَّكنَّ»، والمراد: عائشة، وفي قوله: «صواحب»، والمراد: زليخا (فَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ) بالنَّاس (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «في حياة النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقال» (حُسَيْنٌ) هو ابن عليٍّ الجعفيُّ: (عَنْ زَائِدَةَ) بن قدامة: (رَجُلٌ رَقِيقٌ) وهذا وصله المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٦٧٨].
стр. 6681
٣٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) يدعو لرجالٍ من المسلمين يسمِّيهم بأسمائهم (١) فيقول: (اللَّهُمَّ أَنْجِ) بهمزة قطعٍ (عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) أخا أبي جهل بن هشام لأمِّه (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) بفتح اللام وهو أخو أبي جهل (اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ) المخزوميَّ أخا خالد بن الوليد، وسقط «بن الوليد» لأبي ذرٍّ (٢) (اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (اللَّهُمَّ اشْدُدْ) بهمزة وصل (وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون المهملة وفتح الهمزة، أي: بأسك وعقوبتك (عَلَى) كفَّار قريشٍ أولاد (مُضَرَ) بن نزار بن معدِّ بن عدنان (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا) أي: الوطأة، أو الأيَّام، أو السِّنين (سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) الصِّدِّيق في القحط، وسقطت نون «سنين» للإضافة جريًا على اللُّغة العالية (٣) فيه، وهي إجراؤه مجرى جمع المذكَّر السَّالم، لكنَّه شاذٌّ لأنَّه غير عاقلٍ، والمراد من هذا الحديث: قوله: «كسني يوسف» ومرَّ في «باب يهوي بالتَّكبير حين يسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٨٠٤].
٣٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ابْنِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، ولأبي ذرٍّ: «هو ابن أخي جويرية» قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) الضُّبَعِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، سعد بن عُبَيدٍ مولى عبد الرَّحمن بن الأزهر (أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (٤) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) بن هاران بن آزر ابن أخي إبراهيم الخليل (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ
стр. 6682
شَدِيدٍ) أشار إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قال الطِّيبيُّ: وهذا تمهيدٌ ومقدِّمةٌ للخطاب المزعج، كما في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وقال البيضاويُّ: استعظامٌ لِمَا قاله واستغرابٌ لِمَا بدر منه حسبما أجهده قومه فقال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] إذ لا ركن أشدُّ من الرُّكن الَّذي كان يأوي إليه، وهو عصمة الله تعالى وحفظه (وَلَو لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لأَجَبْتُهُ) يريد به (١) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ (٢) قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ [يوسف: ٥٠] قال التُّورِبِشْتيُّ: وهو منبئٌ عن (٣) إحماده صبر يوسف، وتركه الاستعجال بالخروج عن (٤) السِّجن مع امتداد مدَّةَ الحبس عليه. وروى ابن حبَّان عن أبي هريرة مرفوعًا: «رحم الله يوسف، لولا الكلمة الَّتي قالها: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ما لبث في السِّجن ما لبث (٥)».
٣٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ، وجدُّه غزوان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين مُصغَّرًا- ابن عبد الرَّحمن (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ هو ابن سلمة، وفي الفرع وأصله: «عن سفيان» (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن
стр. 6683
الأجدع أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ رُومَانَ) -بضمِّ الرَّاء- بنت عامرٍ (وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵄، وقد قيل: إنَّ مسروقًا لم يسمع من أمِّ رومان لتقدُّم وفاتها، فيكون حديثه منقطعًا، وقال أبو نُعَيمٍ: بقيتْ بعد النَّبيِّ ﷺ دهرًا طويلًا. وحينئذٍ فالحديث متَّصلٌ وهو الرَّاجح. وقول عليِّ بن زيد بن جُدْعان الرَّاوي: «إِنَّ وفاة أمِّ رومان سنة ستٍّ» ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به، وقول الخطيب: «الصَّواب أن يُقرأ: «سُئِلت أمُّ رومان» مبنيًّا للمفعول» مردودٌ بقول مسروقٍ في «المغازي» [خ¦٤١٤٣]: حدَّثتني أمُّ رومان (عَمَّا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لمَّا» (قِيلَ فِيهَا) أي (١): في عائشة (مَا قِيلَ) من الإفك (قَالَتْ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَانِ إِذْ وَلَجَتْ) أي: دخلت (عَلَيْنَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (وَهْيَ تَقُولُ: فَعَلَ اللهُ بِفُلَانٍ) مسطح بن أثاثة (وَفَعَلَ. قَالَتْ) أمُّ رومان: (فَقُلْتُ) للأنصاريَّة: (لِمَ) تقولين: فعل الله بفلانٍ وفعل؟ (قَالَتْ: إِنَّهُ نَمَى ذِكْرَ الحَدِيثِ) أي: حديث الإفك، و «نَمَى»: بتخفيف الميم في الفرع، ونسبه في «المطالع» لأبي ذرٍّ، وقال الحربيُّ وغيره: مشدَّدٌ (٢)، وأكثر المحدِّثين يخفِّفونه، يُقال: نَمَيتُ الحديث أَنْميه، إذا بلَّغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلَّغته على وجه الإفساد والنَّميمة؛ قلت: نَمَّيته -بالتشديد- (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَيُّ حَدِيثٍ) نَمَاه؟ قالت أمُّ رومان: (فَأَخْبَرَتْهَا) بقول أهل الإفك (قَالَتْ: فَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! قَالَتْ) أمُّ رومان: (نَعَمْ) سمعاه (فَخَرَّتْ) عائشة (مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ) أي: ملتبسةً بارتعادٍ (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا لِهَذِهِ؟) يعني: عائشة، قالت أمُّ رومان: (قُلْتُ: حُمَّى أَخَذَتْهَا مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ تُحُدِّثَ) بضمِّ الفوقيَّة والحاء المهملة مبنيًّا للمفعول (بِهِ) عنها (فَقَعَدَتْ) عائشة (فَقَالَتْ: وَاللهِ لَئِنْ حَلَفْتُ) لكم إنِّي لم أفعل ما قيل (لَا تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذرٍّ: «لا تصدِّقونني» (وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ لَا تَعْذِرُونِي) ولأبي ذرٍّ: «لا تعذرونني» (فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ) أي: صفتي وصفتكم (كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ) حيث صبر صبرًا جميلًا، وقال: (﴿وَاللّهُ (٣) الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: على احتمال ما تصفونه (فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ)
стр. 6684
(مَا أَنْزَلَ) في براءتها (فَأَخْبَرَهَا) النَّبيُّ ﷺ بذلك (فَقَالَتْ: بِحَمْدِ اللهِ، لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ) قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له (١): أنا أستعظم هذا القول. فقال: ولَّت الحمد أهله، ذكره في «المصابيح»، ولعلَّها تمسَّكت بظاهر قوله ﵊ لها (٢): «احمدي الله» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٦٦١] ففهمت منه أنَّه أمرها بإفراد الله بالحمد.
٣٣٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فقال لها: (أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ) تعالى، أي: أخبريني عن قوله تعالى، ولأبي ذرٍّ: «قول الله»: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠]) بالتَّشديد (أَو: ﴿كُذِبُواْ﴾) بالتَّخفيف (قَالَتْ) عائشة ﵂: ليس الظَّنُّ على بابه كما فهمت (بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ) بالتَّشديد، فهو بمعنى اليقين، وهو سائغٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] قال عروة: (فَقُلْتُ) لها: (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ) وفي نسخة الصَّغَانيِّ: «قد كذَّبوهم» (وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، فَقَالَتْ) عائشة رادّة عليه: (يَا عُرَيَّةُ) بضمِّ العين وفتح الرَّاء المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، تصغير «عروة»، وأصله: يا عُرَيْوَة، اجتمعت الياء والواو، وسَبَقَ الأوَّل بالسُّكون، فقلبوا الواو ياءً وأدغموا الأوَّل في الثَّاني، وليس التَّصغير هنا للتَّحقير (لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ.
стр. 6685
قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا: أَو كُذِبُوا. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ) أي: إخلاف الوعد (بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ): فالمراد من الظَّانِّين فيها (هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ) أي: وصدَّقوا الرُّسل (وَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَتْ) أي: الرُّسل (مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ) وظاهر هذا: أنَّ عائشة ﵂ أنكرت قراءة التَّخفيف بناءً على أنَّ الضَّمير للرُّسل، ولعلَّها لم تبلغها، فقد ثبتت في قراءة الكوفيِّين، ووُجِّهت: بأنَّ الضَّمير في ﴿وَظَنُّواْ﴾ عائدٌ على المرسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ (١) عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٤٤] ولأنَّ الرُّسل تستدعي مرسلًا إليه، أي: وظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كذَّبوهم بالدَّعوة والوعيد، وقيل: الأوَّل للمرسَل إليهم، والثَّاني: للرُّسل، أي: وظنُّوا أنَّ الرُّسل قد كذَّبوا وأخلفوا فيما وُعِد لهم من النَّصر، وخُلط الأمر عليهم. قال في «الأنوار» كـ «الكشاف»: وما رُوِي (٢) عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ الرُّسل ظنُّوا أنَّهم أُخلفوا ما وعدهم من النصر، إن صحَّ فقد أراد بالظَّنِّ ما يَهْجُس في القلب على طريق الوسوسة. انتهى. وهذا فيه شيءٌ، فإنَّه (٣) لا يجوز أن يُقال: أراد بالظَّنِّ ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة، فإنَّ الوسوسة من الشَّيطان، وهم معصومون منه.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٥٢٥].
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاري: (﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾) وزنه («افْتَعَلُوا» مِنْ يَئِسْتُ) وللأَصيليِّ: «استفعلوا» بالسِّين والتَّاء الفوقيَّة، وهو الصَّواب، و «استفعل» هنا بمعنى «فعل» المجرَّد، يُقال (٤): يئس واستيئس بمعنًى نحو: عجب واستعجب، وسخر واستسخر، والسِّين والتَّاء زيدتا للمبالغة (﴿مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠]) أي: (مِنْ يُوسُفَ) وعند ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق: فلمَّا استيئسوا، أي: لمَّا حصل لهم اليأس من يوسف. انتهى. أي: أيسوا (٥) منه أن يجيبهم إلى ما سألوه، وقال
стр. 6686
أبو عبيدة: اسْتَيْئَسُوا استيقنوا أنَّ الأخ لا يُرَدُّ إليهم (﴿لَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] مَعْنَاهُ: الرَّجَاءُ) ولأبي ذرٍّ: «من الرَّجاء». وقال ابن عبَّاس: «من رحمة الله» وعن قتادة: «فضل الله» وقُرِئ: (من رُوح الله) بضمِّ الرَّاء. قال ابن عطيَّة: كأنَّ معنى هذه القراءة: لا تيئسوا من حيٍّ معه روح الله الَّذي وهبه، فإنَّ من بقي روحُه يُرجَى، ومن هذا قول الشَّاعر:
وفي غَيرِ مَنْ قدْ وارتِ الأرضُ فاطْمَعِ
وقرأ عبد الله: (من فضل الله)، وأبيٌّ: (من رحمة الله) تفسيرًا لا تلاوةً. قال ابن عبَّاسٍ: إنَّ (١) المؤمن من الله على خيرٍ، يرجوه في البلاء، ويحمده في الرَّخاء.
٣٣٩٠ - وبه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، ابن عبد الله أبو سهلٍ الصَّفَّار الخزاعيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيِّ) وفي «اليونينيَّة»: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ قَالَ: الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ) الصِّدِّيق (بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) الخليل، نبيٌّ ابن نبيٍّ ابن نبيٍّ ابن نبيٍّ ﵈.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾» [خ¦٣٣٧٤].
(٢٠) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيُّوبَ﴾) أي: واذكر أيُّوب (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾) أي: بأنِّي
стр. 6687
(﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾) المرض في بدني (﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]) أَلْطَفَ (١) في (٢) السُّؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرَّحمة، وذكر ربَّه بغاية الرحمة، واكتفى بذلك عن غرض الطَّلب، وكان روميًّا من ولد عِيصَ بن إسحاقَ، استنبأه الله وكثر أهله وماله، فابتلاه الله بهلاك أولاده (٣) بهدم بيتٍ (٤) عليهم، وذهاب أمواله، والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أَلْيَاتِ الغنم في سائر بدنه، ولم يبق منه سليمٌ سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله ، ووقعت فيه حكَّةٌ لا يملكها، فكان يحكُّ بأظفاره حتَّى سقطت كلُّها، ثمَّ حكَّ بالمسوح الخشنة حتَّى قطعها، ثمَّ بالفخَّار والحجارة الخشنة حتَّى تقطَّع لحمه وتساقط، حتى لم يبق إلَّا العظام والعصب، وتغيَّر وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كُنَاسةٍ (٥)، ورفضه النَّاسُ كلُّهم إلَّا امرأته رحمة بنت إفراثيم بن يوسف، فكانت تُصْلِح أموره وتختلف إليه بما يصلحه، وهو في كلِّ ذلك صابرٌ يحمد الله ويحسن الثَّناء عليه، ولذا كان عبرةً للصَّابرين، وذكرى للعابدين، ومكث في ذلك ثماني عشرة أو ثلاث عشرة سنةً، أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعاتٍ، ويُروَى أنَّ امرأته قالت له يومًا: لو دعوت الله؟! فقال: كم كانت مدَّة الرَّخاء؟ فقالت: ثمانين سنةً، فقال: أستحيي (٦) من الله أن أدعوه وما بلغت مدَّة بلائي مدَّة رخائي،
стр. 6688
وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «أنِّي مسَّنَي الضُّرُّ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [ص: ٤١]: «الآية».
(﴿ارْكُضْ﴾ [ص: ٤٢]) أي: (اضْرِبْ) برجلك الأرض، فضربها فنبعت عين ماءٍ (١)، فاغتسل منها، فرجع صحيحًا (﴿يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]) أي: (يَعْدُونَ) بفتح الياء وسكون العين المهملة.
٣٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن منبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا خَرَّ) سقط (عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ) بكسر الرَّاء وسكون الجيم، أي: جماعةٌ من جرادٍ (مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ) أي: أيُّوب (يَحْثِي) بحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ فمثلَّثةٍ مكسورةٍ، يأخذ بيديه جميعًا ويرمي (فِي ثَوْبِهِ) من ذلك
стр. 6689
الجراد (فَنَادَى) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فناداه» (رَبُّهُ) : (يَا أَيُّوبُ) يحتمل أن يكون كلَّمه كموسى، أو بواسطة الملك (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى) من الجراد؟! (قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ) أغنيتني (وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي) بكسر الغين المعجمة والقصر، من غير تنوينٍ، على أنَّ «لا» لنفي الجنس، «ولي» باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «لا غنى بي» (عَنْ بَرَكَتِكَ) عن خيرك. وعند ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لمَّا عافى الله أيُّوب أمطر عليه جرادًا من ذهبٍ، فجعل يأخذ بيده (١) ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيُّوب أما تشبع؟ قال: يا ربِّ، ومن يشبع من رحمتك؟!».
وحديث الباب سبق في «باب من اغتسل عريانًا» [خ¦٢٧٩] من «كتاب الطَّهارة».
(٢١) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (قَولُ اللهِ) تعالى، سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، وثبت له ما بعده (﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾) القرآن (﴿مُوسَى﴾) هو ابن عمران بن لاهب (٣) بن عازر (٤) بن لاوي بن يعقوب (﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾) موحِّدًا، أخلص (٥) عبادته من الشِّرك والرِّياء. قال الثَّوريُّ: عن عبد العزيز بن رُفَيْعٍ، عن أبي أُمامة: «قال الحواريُّون: يا روحَ الله أخبرنا عن المخلَص لله قال: الَّذي يعمل لله، لا يحبُّ أن يحمده النَّاس» (﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾) أرسله الله تعالى إلى قومه فأنبأهم عنه (﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾) صفةٌ، قيل: للطُّور، وقيل: للجانب، وقيل: لموسى، أي: من
стр. 6690
ناحية موسى، و ﴿الطُّورِ﴾: جبلٌ بين مصر ومدين (﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾) تقريب تشريفٍ (﴿نَجِيًّا﴾) مناجيًا، حالٌ من أحد الضَّميرين، وهو معنى (١) قوله: (كَلَّمَهُ) وعند ابن جريرٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدنِيَ حتَّى سمع صريف القلم. انتهى. وصريف القلم: صوت جريانه بما يكتبه من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللَّوح المحفوظ، وقال ابن كثيرٍ: صريف القلم بكتابة التَّوراة. وقال السُّدِّيُّ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدخِل في السَّماء فكُلِّم (﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا﴾) من أجل سَبْقِ رحمتنا وتقدير تخصيصه بالمواهب الدِّينيَّة والدُّنيويَّة (﴿أَخَاهُ﴾) أي: مؤازرته، إجابةً لدعوته حيث قال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] فإنَّه كان أسنَّ من موسى، فـ ﴿مِن﴾ ابتدائيَّةٌ، أو المعنى: ووهبنا له بعض رحمتنا. قال في «فتوح الغيب»: وهو الوجه لِمَا فيه من التَّنبيه على سعة رحمة الله تعالى، فإنَّ الأنبياء مع جلالتهم ورِفعَة منزلتهم مُنِحوا بعضًا منها، و ﴿أَخَاهُ﴾ مفعولٌ، أو بدلُ بعضٍ من كلٍّ، لأنَّ مؤازرته بأخيه بعض المذكورات (﴿هَارُونَ﴾) عطفُ بيانٍ له (﴿نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣]) حالٌ منه (يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ) (٢) وسقط قوله: «﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ إلى آخر قوله: ﴿نَّبِيًّا (٣)﴾» إلَّا قوله: «كَلَّمَهُ» لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿مُخْلَصًا﴾: «إلى قوله: ﴿نَجِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٥٢]» وزاد المُستملي بعد هذا: «كلمةٌ» يعني: نجيًّا «تُقال للواحد والاثنين» (وَالجَمِيعِ (٥)) وزاد الكُشْميهَنيُّ بعد قوله: «يقال للواحد والاثنين والجميع»: «نجيٌّ» (وَيُقَالُ: ﴿خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]) أي: (اعْتَزَلُوا نَجِيًّا) سقط لفظ «نجيًّا» لأبي ذرٍّ (وَالجَمِيعُ (٦) أَنْجِيَةٌ) يريد: أنَّ النَّجيَّ إذا أُريد به المفرد فقط يكون جمعه أنجيةً (يَتَنَاجَوْنَ).
(﴿تَلَقَّفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) في سورة الأعراف. قال أبو عبيدة: أي: (تَلَقَّمُ) بفتح التَّاء واللَّام والقاف المشدَّدة.