أبو عبيدة: اسْتَيْئَسُوا استيقنوا أنَّ الأخ لا يُرَدُّ إليهم (﴿لَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] مَعْنَاهُ: الرَّجَاءُ) ولأبي ذرٍّ: «من الرَّجاء». وقال ابن عبَّاس: «من رحمة الله» وعن قتادة: «فضل الله» وقُرِئ: (من رُوح الله) بضمِّ الرَّاء. قال ابن عطيَّة: كأنَّ معنى هذه القراءة: لا تيئسوا من حيٍّ معه روح الله الَّذي وهبه، فإنَّ من بقي روحُه يُرجَى، ومن هذا قول الشَّاعر:
وفي غَيرِ مَنْ قدْ وارتِ الأرضُ فاطْمَعِ
وقرأ عبد الله: (من فضل الله)، وأبيٌّ: (من رحمة الله) تفسيرًا لا تلاوةً. قال ابن عبَّاسٍ: إنَّ (١) المؤمن من الله على خيرٍ، يرجوه في البلاء، ويحمده في الرَّخاء.
٣٣٩٠ - وبه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، ابن عبد الله أبو سهلٍ الصَّفَّار الخزاعيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن دينارٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيِّ) وفي «اليونينيَّة»: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ قَالَ: الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ) الصِّدِّيق (بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) الخليل، نبيٌّ ابن نبيٍّ ابن نبيٍّ ابن نبيٍّ ﵈.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾» [خ¦٣٣٧٤].
(٢٠) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيُّوبَ﴾) أي: واذكر أيُّوب (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾) أي: بأنِّي
стр. 6687
(﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾) المرض في بدني (﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]) أَلْطَفَ (١) في (٢) السُّؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرَّحمة، وذكر ربَّه بغاية الرحمة، واكتفى بذلك عن غرض الطَّلب، وكان روميًّا من ولد عِيصَ بن إسحاقَ، استنبأه الله وكثر أهله وماله، فابتلاه الله بهلاك أولاده (٣) بهدم بيتٍ (٤) عليهم، وذهاب أمواله، والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أَلْيَاتِ الغنم في سائر بدنه، ولم يبق منه سليمٌ سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله ، ووقعت فيه حكَّةٌ لا يملكها، فكان يحكُّ بأظفاره حتَّى سقطت كلُّها، ثمَّ حكَّ بالمسوح الخشنة حتَّى قطعها، ثمَّ بالفخَّار والحجارة الخشنة حتَّى تقطَّع لحمه وتساقط، حتى لم يبق إلَّا العظام والعصب، وتغيَّر وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كُنَاسةٍ (٥)، ورفضه النَّاسُ كلُّهم إلَّا امرأته رحمة بنت إفراثيم بن يوسف، فكانت تُصْلِح أموره وتختلف إليه بما يصلحه، وهو في كلِّ ذلك صابرٌ يحمد الله ويحسن الثَّناء عليه، ولذا كان عبرةً للصَّابرين، وذكرى للعابدين، ومكث في ذلك ثماني عشرة أو ثلاث عشرة سنةً، أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعاتٍ، ويُروَى أنَّ امرأته قالت له يومًا: لو دعوت الله؟! فقال: كم كانت مدَّة الرَّخاء؟ فقالت: ثمانين سنةً، فقال: أستحيي (٦) من الله أن أدعوه وما بلغت مدَّة بلائي مدَّة رخائي،
стр. 6688
وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «أنِّي مسَّنَي الضُّرُّ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [ص: ٤١]: «الآية».
(﴿ارْكُضْ﴾ [ص: ٤٢]) أي: (اضْرِبْ) برجلك الأرض، فضربها فنبعت عين ماءٍ (١)، فاغتسل منها، فرجع صحيحًا (﴿يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]) أي: (يَعْدُونَ) بفتح الياء وسكون العين المهملة.
٣٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن منبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا خَرَّ) سقط (عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ) بكسر الرَّاء وسكون الجيم، أي: جماعةٌ من جرادٍ (مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ) أي: أيُّوب (يَحْثِي) بحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ فمثلَّثةٍ مكسورةٍ، يأخذ بيديه جميعًا ويرمي (فِي ثَوْبِهِ) من ذلك
стр. 6689
الجراد (فَنَادَى) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فناداه» (رَبُّهُ) : (يَا أَيُّوبُ) يحتمل أن يكون كلَّمه كموسى، أو بواسطة الملك (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى) من الجراد؟! (قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ) أغنيتني (وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي) بكسر الغين المعجمة والقصر، من غير تنوينٍ، على أنَّ «لا» لنفي الجنس، «ولي» باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «لا غنى بي» (عَنْ بَرَكَتِكَ) عن خيرك. وعند ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لمَّا عافى الله أيُّوب أمطر عليه جرادًا من ذهبٍ، فجعل يأخذ بيده (١) ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيُّوب أما تشبع؟ قال: يا ربِّ، ومن يشبع من رحمتك؟!».
وحديث الباب سبق في «باب من اغتسل عريانًا» [خ¦٢٧٩] من «كتاب الطَّهارة».
(٢١) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (قَولُ اللهِ) تعالى، سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، وثبت له ما بعده (﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾) القرآن (﴿مُوسَى﴾) هو ابن عمران بن لاهب (٣) بن عازر (٤) بن لاوي بن يعقوب (﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾) موحِّدًا، أخلص (٥) عبادته من الشِّرك والرِّياء. قال الثَّوريُّ: عن عبد العزيز بن رُفَيْعٍ، عن أبي أُمامة: «قال الحواريُّون: يا روحَ الله أخبرنا عن المخلَص لله قال: الَّذي يعمل لله، لا يحبُّ أن يحمده النَّاس» (﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾) أرسله الله تعالى إلى قومه فأنبأهم عنه (﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾) صفةٌ، قيل: للطُّور، وقيل: للجانب، وقيل: لموسى، أي: من
стр. 6690
ناحية موسى، و ﴿الطُّورِ﴾: جبلٌ بين مصر ومدين (﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾) تقريب تشريفٍ (﴿نَجِيًّا﴾) مناجيًا، حالٌ من أحد الضَّميرين، وهو معنى (١) قوله: (كَلَّمَهُ) وعند ابن جريرٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدنِيَ حتَّى سمع صريف القلم. انتهى. وصريف القلم: صوت جريانه بما يكتبه من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللَّوح المحفوظ، وقال ابن كثيرٍ: صريف القلم بكتابة التَّوراة. وقال السُّدِّيُّ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدخِل في السَّماء فكُلِّم (﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا﴾) من أجل سَبْقِ رحمتنا وتقدير تخصيصه بالمواهب الدِّينيَّة والدُّنيويَّة (﴿أَخَاهُ﴾) أي: مؤازرته، إجابةً لدعوته حيث قال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] فإنَّه كان أسنَّ من موسى، فـ ﴿مِن﴾ ابتدائيَّةٌ، أو المعنى: ووهبنا له بعض رحمتنا. قال في «فتوح الغيب»: وهو الوجه لِمَا فيه من التَّنبيه على سعة رحمة الله تعالى، فإنَّ الأنبياء مع جلالتهم ورِفعَة منزلتهم مُنِحوا بعضًا منها، و ﴿أَخَاهُ﴾ مفعولٌ، أو بدلُ بعضٍ من كلٍّ، لأنَّ مؤازرته بأخيه بعض المذكورات (﴿هَارُونَ﴾) عطفُ بيانٍ له (﴿نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣]) حالٌ منه (يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ) (٢) وسقط قوله: «﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ إلى آخر قوله: ﴿نَّبِيًّا (٣)﴾» إلَّا قوله: «كَلَّمَهُ» لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿مُخْلَصًا﴾: «إلى قوله: ﴿نَجِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٥٢]» وزاد المُستملي بعد هذا: «كلمةٌ» يعني: نجيًّا «تُقال للواحد والاثنين» (وَالجَمِيعِ (٥)) وزاد الكُشْميهَنيُّ بعد قوله: «يقال للواحد والاثنين والجميع»: «نجيٌّ» (وَيُقَالُ: ﴿خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]) أي: (اعْتَزَلُوا نَجِيًّا) سقط لفظ «نجيًّا» لأبي ذرٍّ (وَالجَمِيعُ (٦) أَنْجِيَةٌ) يريد: أنَّ النَّجيَّ إذا أُريد به المفرد فقط يكون جمعه أنجيةً (يَتَنَاجَوْنَ).
(﴿تَلَقَّفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) في سورة الأعراف. قال أبو عبيدة: أي: (تَلَقَّمُ) بفتح التَّاء واللَّام والقاف المشدَّدة.
стр. 6691
(٢١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾) من أقاربه، قبطيٌّ اسمه شَمعان بالشِّين المعجمة (﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ إِلَى: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾) في شِرْكه وعصيانه (﴿كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]) على الله، وفيه إشارةٌ إلى الرَّمز والتَّعريض بعلوِّ شأن موسى، يعني: أنَّ الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرات، ومَنْ هداه لذلك لا يكون مسرفًا كذَّابًا، فدلَّ على أنَّ موسى ليس من الكاذبين، أو المراد: أنَّ فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى، كذَّابٌ في ادِّعائه الألوهيَّة (١)، والله لا يهدي من هذا شأنه، بل يبطله ويهدم أمره، ولغير أبي ذرٍّ: بعد قوله: «﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾» وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» إلى آخر قوله: «﴿كَذَّابٌ﴾» فلعلَّ له روايتين.
٣٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من غار حراء بعد ما جاءه جبريل بالوحي (إِلَى خَدِيجَةَ) أمِّ المؤمنين حال كونه (يَرْجُفُ) يضطرب (فُؤَادُهُ) قلبه (فَانْطَلَقَتْ بِهِ) ﵇ خديجةُ مصاحبةً له، بعدما أخبرها الخبر وقوله لها [خ¦٣]: «لقد خشيت على نفسي» وقولها له: «كلَّا، والله ما (٢) يخزيك الله أبدًا» (إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ رَجُلًا
стр. 6692
تَنَصَّرَ) في الجاهليَّة بعد أن ترك عبادة الأوثان، وكان (يَقْرَأُ الإِنْجِيلَ) كتاب عيسى (بِالعَرَبِيَّةِ) فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ اسمع من ابن أخيك، تعني: النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ وَرَقَةُ) للنَّبيِّ ﷺ : يا ابن أخي (مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ) النَّبيُّ (١) ﷺ خبر ما رأى (فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ) (عَلَى مُوسَى، وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ) بالجزم جواب الشَّرط (نَصْرًا مُؤَزَّرًا) بضمِّ الميم وفتح الهمزة وتشديد الزَّاي بعدها راءٌ قويًّا بليغًا، وخُصَّ بالذِّكر دون عيسى مع كونه نصرانيًّا لأنَّ كتاب موسى مشتملٌ على أكثر الأحوال (٢) كالقرآن، بخلاف كتاب عيسى؛ إذ كلُّه أمثالٌ ومواعظ، أو لغير ذلك ممَّا سبق أوَّل هذا المجموع. وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى.
(النَّامُوسُ: صَاحِبُ السِّرِّ) أي: سرِّ الرَّجل (الَّذِي يُطْلِعُهُ) أي: على باطن أمره ويخصُّه (بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ) أو صاحب سرِّ الخير. وقال ابن دريدٍ: صاحب سرِّ الوحي، وأهل الكتاب يسمُّون جبريل النَّاموس الأكبر.
стр. 6693
(٢٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾) أي: وقد أتاك (﴿حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ﴾) أي: حين (﴿رَأَى نَارًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]).
(﴿آنَسْتُ﴾) أي: (أَبْصَرْتُ، ﴿نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ … ﴾ الاية [طه: ١٠]) بشعلةٍ من النَّار (١) أو بجمرةٍ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اّْلْمُقَدَّسُ) أي: (المُبَارَكُ. ﴿طُوًى﴾: اسْمُ الوَادِي) ونوَّنه ابن عامرٍ والكوفيُّون بتأويل المكان. وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا عند الطَّبريِّ: سُمِّي طُوًى لأنَّ موسى طواه ليلًا، ورُوِي: أنَّه استأذن شعيبًا -عليهما (٢) السَّلام- في الخروج إلى أمِّه، وخرج بأهله، فلمَّا وافى وادي طُوًى؛ وُلِد له ابنٌ في ليلةٍ شاتيةٍ مظلمةٍ مثلجةٍ، وقد أَضَلَّ الطَّريق وتفرَّقت ماشيته، إذ رأى من جانب الطُّور نارًا … القصَّةُ إلى آخرها.
(﴿سِيرَتَهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا﴾ [طه: ٢١] أي: (حَالَتَهَا) الأولى، وهي
стр. 6694
«فعلةٌ» من السَّير، تجوَّز بها (١) للطَّريقة والحالة.
(وَ ﴿النُّهَى﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] أي: (التُّقَى) و ﴿النُّهَى﴾ جمع نُهيةٍ.
(﴿بِمَلْكِنَا﴾) في قوله تعالى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] أي: (بِأَمْرِنَا) وفتح نافعٌ وعاصمٌ ميم ﴿بِمَلْكِنَا﴾ وضمَّها حمزةُ والكسائيُّ.
(﴿هَوَى﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١] أي: (شَقِيَ) وقيل: تردَّى، وقيل: هلك، وقيل: وقع في الهاوية، وكلُّها سبب الشَّقاء.
(﴿فَارِغًا﴾) في قوله : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: من كلِّ شيءٍ من أمر الدُّنيا (إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى) فلم يخلُ قلبها منه.
(﴿رِدْءًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أي: معينًا (كَيْ يُصَدِّقَنِي) فرعون، بأن يلخِّص (٢) بلسانه الفصيح وجوه الدَّلائل، ويجيب عن الشُّبهات، ويجادل به الكفَّار، وليس المراد أن يقول هارون له: صدقت. وقال السُّدِّيُّ: التَّقدير: كما يصدِّقني (وَيُقَالُ) في تفسير ﴿رِدْءًا﴾: (مُغِيثًا) بالغين المعجمة والمثلَّثة، من الإغاثة (أَو مُعِينًا) بالعين المهملة والنُّون، من الإعانة.
(﴿يَبْطِشَ﴾ و ﴿يَبْطِشَ﴾) بضمِّ الطَّاء وكسرها لغتان، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ (٣) أَرَادَ أَن يَبْطِشَ﴾ [القصص: ١٩] لكنَّ الكسر هو (٤) قراءة الجمهور.
стр. 6695
(﴿يَأْتَمِرُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ﴾ [القصص: ٢٠] أي: (يَتَشَاوَرُونَ) وإنَّما سُمِّي التَّشاور ائتمارًا، لأنَّ كلًّا من المتشاوِرَين يأمر الآخر ويأتمر.
(وَالجِذْوَةُ) (١) في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩] هي (قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ لَيْسَ لَهَا) كذا في الفرع، والَّذي في أصله: «فيها» (لَهَبٌ) قال ابن مُقْبِلٍ:
باتتْ حواطبُ ليلى يَلْتَمِسْنَ لَهَا … جَزْلَ الجَذا غير خوَّارٍ ولا دَعِرِ
الخوار: الَّذي يتقصَّف، والدَّعِر: الَّذي فيه لهبٌ، وقيل: الَّذي في رأسه نارٌ. قال في «اللُّباب»: وهو المشهور. قال السُّلَمِيُّ:
حمى حبُّ هذي النَّار حبَّ خليلتي … وحبَّ الغواني فهو دون الحباحِب
وبدَّلت بعد المسكِ والبانِ شقوةً … دخان الجذا في رأسِ أشمطَ شاحِبِ
وقد ورد ما يقتضي وجود اللَّهب فيه، قال:
وألقى على قيسٍ من النَّار جذوةً … شديدًا (٢) عليها حميها والتهابها
وقيل: الجذوة: العود الغليظ، سواءٌ كان في رأسه نارٌ أو لم يكن، وليس المراد هنا إلَّا ما في رأسه نارٌ.
(﴿سَنَشُدُّ﴾ [القصص: ٣٥]) أي: (سَنُعِينُكَ) ونقوِّيك (كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا) بعينٍ مهملةٍ وزايين معجمتين؛ الأولى مشدَّدةٌ، والأخرى ساكنةٌ (فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا) يعضده (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاسٍ: (كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، أَوْ) نطق به و (فِيهِ تَمْتَمَةٌ) بفوقيَّتين وميمين، تردُّدٌ في النُّطق بالتَّاء المثنَّاة الفوقيَّة (أَوْ فَأْفَأَةٌ) بالفاءين والهمزتين، تردُّدٌ في النُّطق بالفاء (فَهْيَ عُقْدَةٌ) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨] قال في «الأنوار»: فإنَّما يحسن
стр. 6696
التَّبليغ من البليغ، وكان في لسانه رُتَّةٌ بضمِّ الرَّاء وتشديد المثنَّاة، حبسةٌ في اللِّسان (١) من جمرةٍ أدخلها فاه، وذلك أنَّ فرعون حمله يومًا فأخذ لحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله، فقالت له آسية: إنَّه صبيٌّ، لا يفرِّق بين الجمر والياقوت، فأُحضِرا بين يديه، فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، واختُلِف في زوال العقدة كلِّها، فمن قال به تمسَّك بقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾، ومن لم يقل احتجَّ بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وأجاب عن الأوَّل: بأنه لم يسأل حلَّ عقدة لسانه مطلقًا، بل عقدة تمنَّع الإفهام، ولذلك نكَّرها وجعل ﴿يَفْقَهُوا﴾ جواب الأمر، و ﴿مِّن لِّسَانِي﴾ يحتمل أن يكون صفة ﴿عُقْدَةً﴾ وأن يكون صلة ﴿وَاحْلُلْ﴾. انتهى.
(﴿أَزْرِي﴾) في (٢) قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١] أي: (ظَهْرِي)، قاله أبو عبيدة.
(﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١]) بعذابٍ، أي: (فَيُهْلِكَكُمْ) ويستأصلكم به.
(﴿الْمُثْلَى﴾) في قوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣]: (تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ) المستقيم الَّذي أنتم عليه. وقال ابن عبَّاسٍ: بسراة قومكم وأشرافكم (٣)، وقيل: أهل طريقتكم المثلى، وهم بنو إسرائيل (يُقَالُ: خُذِ المُثْلَى) منهما للأُنثيين (خُذِ الأَمْثَلَ) منهما، إذا كان ذكرًا، والمراد بـ ﴿الْمُثْلَى﴾: الفضلى.
(﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤]) قال أبو عبيدة: أي: صفوفًا، قال: وله معنًى آخر (يُقَالُ: هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ (٤)؟ يَعْنِي: المُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ) بفتح اللَّام المشدَّدة فيهما، أي: ائتوا المكان الموعود، وقال غيره: أي: مصطفِّين لأنَّه أَهْيَبُ في صدور الرَّائين، قيل: كانوا سبعين ألفًا مع كلٍّ منهم حبلٌ وعصًا، وأقبلوا عليه إقبالةً واحدةً.
(﴿فَأَوْجَسَ﴾ [طه: ٦٧]) ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ أي: (أَضْمَرَ) فيها (خَوْفًا) من مفاجأته، على ما هو مقتضى الجِبلَّة البشريَّة، أو خاف على الناس أن يُفتَتنوا بسحرهم فلا يتَّبعوه (فَذَهَبَتِ الوَاوُ
стр. 6697
مِنْ ﴿خِيفَةً﴾ [طه: ٦٧] لِكَسْرَةِ الخَاءِ) فصارت ياءً، قاله أبو عبيدة، وعبارة الصَّرفيِّين أن يُقال: أصل ﴿خِيفَةً﴾ خِوْفَةٌ، فقُلِبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها.
(﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]) أي: (عَلَى جُذُوعِ) النَّخل. قال الرَّضيُّ: «في» هنا وفي قول الشَّاعر:
بطلٌ (١) كأنَّ ثيابه في سَرْحَةٍ ..........................
بمعنى: «على»، والأولى: أنَّها بمعناها لتمكُّن المصلوب في الجذع، كتمكُّن المظروف في الظَّرف، وهو أوَّل من صَلَبَ.
(﴿خَطْبُكَ﴾ [طه: ٩٥]) في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ أي: ما (بَالُكَ) وما شأنك؟
(﴿مِسَاسَ﴾) في قوله: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] هُو (مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا) والمعنى: أنَّ السَّامريَّ عُوقِب على إضلاله بني إسرائيل باتِّخاذه العجل والدُّعاء إلى عبادته في الدُّنيا بالنَّفي، وبألَّا يمسَّ أحدًا ولا يمسَّه أحدٌ، فإن مسَّه أحدٌ أصابتهما الحمَّى معًا لوقتهما.
(﴿لَنَنسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]) أي: (لَنُذْرِيَنَّهُ) رمادًا بعد التَّحريق بالنَّار.
(الضَّحَاءُ) بفتح الضاد المعجمة والمدِّ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] هو (الحَرُّ) وهذا في «قصَّة آدم» ذكره المؤلِّف استطرادًا.
(﴿قُصِّيهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: (اتَّبِعِي (٢) أَثَرَهُ) حتَّى
стр. 6698
تعلمي خبره (وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الكَلَامَ) أي: أو أنَّ معنى القصِّ من: قصَّ الكلام، كما في قوله تعالى: (﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣]) والقاصُّ: هو الَّذي يتتبَّع (١) الآثار ويأتي بالخبر على وجهه.
(﴿عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]) أي: (عَنْ بُعْدٍ) وهو صفةٌ لمحذوفٍ، أي: مكانٍ بعيدٍ (وَعَنْ جَنَابَةٍ وَعَنِ اجْتِنَابٍ وَاحِدٌ) في المعنى (٢)، وقال أبو عمرو بن العلاء: أي: عن شوقٍ، وهي لغة جذام، يقولون: جنبت إليه، أي: اشتقت.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ [طه: ٤٠]) معناه (٣): (مَوْعِدٌ) أكلِّمك فيه وأستنبئك غير مستقدمٍ وقته المعيَّن ولا مستأخرٍ.
(﴿لَا تَنِيَا﴾ [طه: ٤٢]) أي: (لَا تَضْعُفَا) وهذا وصله الفريابيُّ عن مجاهدٍ أيضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: لا تبطئا، وفي «اليونينيَّة» وفرعها: «﴿لَا تَنِيَا﴾» وأسقط «لا تضعفا» وكتب بعد ﴿لَا تَنِيَا﴾: صحَّ، وزاد في بعض النُّسخ بعد قوله: «لا تضعفا»: «﴿مَكَانًا سُوًى﴾ مَنْصَِف بينهم» بفتح الميم وسكون النُّون وفتح الصَّاد وكسرها مُخفَّفةً، وفي أخرى: «مُنَصَّف» بتشديد الصَّاد مفتوحةُ.
(﴿يَبَسًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] أي: (يَابِسًا) مصدرٌ وُصِف به.
(﴿مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]) أي: (الحُلِيِّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) حين همُّوا بالخروج من مصر باسم العرس، وقيل: استعاروا لعيدٍ كان لهم، ثمَّ لم يردُّوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به.
(فَقَذَفْتُهَا) أي: (فَقَذَفْتُ بِهَا) أي: (أَلْقَيْتُهَا) أي: في النَّار، وفي «اليونينيَّة»: «فقذفتها ألقيتها» فأسقط «فقذفت بها» وهي ثابتةٌ في فرعه.
(﴿أَلْقَى﴾) في قوله: ﴿أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] أي: (صَنَعَ) وصله الفريابيُّ أيضًا.
(﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]) أي: (مُوسَى هُمْ) أي: السَّامريُّ وأتباعه (يَقُولُونَهُ) أي: (أَخْطَأَ) موسى
стр. 6699
(الرَّبَّ) الَّذي هو العجل أن يطلبه هنا، وذهب يطلبه (١) عند الطُّور.
((أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) [طه: ٨٩]) أي: (فِي العِجْلِ) أي: أنَّه لا يرجع إليهم كلامًا ولا يردُّ عليهم جوابًا.
وهذا التَّفسير من قوله: ﴿لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] إلى هنا ثابتٌ في رواية المُستملي والكُشْميهَنيِّ، ومن قوله: «فذهبت الواو من ﴿خِيفَةً﴾ … » إلى آخره مكتوبٌ ثابتٌ (٢) في حاشية الفرع وأصله، والأوَّل في أصله، ولم يذكره جميع رواة البخاريِّ هنا، نعم ذكروا بعضه في «تفسير سورة طه»، وقول الكِرمانيِّ في أثناء هذا التَّفسير: -وذكر هذا في هذا الكتاب العظيم الشَّأن اشتغالٌ بما لا يعنيه- فيه ما فيه، فقد نبَّه في «الفتح» على أنَّ المصنِّف لمَّح بهذه التفاسير بما جرى لموسى ﵇ في خروجه إلى مدين، ثمَّ في رجوعه لمصر، ثمَّ في أخباره مع فرعون، ثمَّ في غرق فرعون، ثمَّ في ذهابه إلى (٣) الطُّور، ثمَّ في عبادة بني إسرائيل العجل، قال: وكأنَّه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات على (٤) ما هو على شرطه. انتهى. فالله تعالى يرحم البخاريَّ ما أدقَّ نظره!
٣٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال المهملة وفتح الموحَّدة، القيسيُّ من بني قيس بن ثوبان الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو (٥) وكسر الذَّال المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن
стр. 6700
دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي نسخةٍ مُصحَّحٍ عليها: «أنَّ نبيَّ الله» (¬ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ) بكسر التَّاء، وفي فرع «اليونينيَّة» وأصلها: «ليلةَ» بالنَّصب والجرِّ مُصحَّحٌ علوها وسفلها (أُسْرِيَ بِهِ) فذكر الحديث الآتي بتمامه -إن شاء الله تعالى- في «باب المعراج» [خ¦٣٨٨٧] من السِّيرة النَّبويَّة، إلى أن قال: (حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ) جبريل: (هَذَا هَارُونُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. تَابَعَهُ) أي: تابع قتادة (ثَابِتٌ) البنانيُّ (وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة البصريُّ، وليس لعبَّادٍ هذا ذكرٌ في «البخاريِّ» إلَّا هذا، أي (١): في روايتهما (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في ذكر هارون في السَّماء الخامسة، لا في سائر الحديث، بل (٢) ولا في الإسناد، فإنَّ رواية ثابتٍ موصولةٌ في «مسلمٍ» من طريق حمَّاد بن سلمة عنه، ليس فيها ذكر مالك بن صعصعة، وكذلك عبَّادٌ لم يذكر لأنسٍ فيه شيخًا، ووقع هنا في نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين.
(٢٣) ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] وهو ثابتٌ في حاشية فرع «اليونينيَّة» وحاشية أصلها من غير حديثٍ، قال في «الفتح»: ولعلَّه أخلى بياضًا في الأصل فوصل كنظائره. وقد سبق ذكر هذه الآية قريبًا.
(٢٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]) مصدرٌ مؤكِّدٌ رافعٌ للمجاز. قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما يُوصَل إلى الإنسان كلامًا بأيِّ طريقٍ وصل، ولكن لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقِّق (٣) بالمصدر لم يكن إلَّا حقيقة الكلام، وقال القرطبيُّ: مصدرٌ معناه التَّأكيد، وهو يدلُّ على بطلان قول من قال: خلق الله لنبيِّه كلامًا في شجرةٍ فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقيُّ الَّذي يكون به المتكلِّم متكلِّمًا. وقال النَّحَّاس: أجمع النَّحْويُّون على أنَّك إذا أكَّدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا، وزاد في نسخةٍ -وهو الَّذي في «اليونينيَّة» لا في
стр. 6701
فرعها- قبل ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١)﴾: «﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾» [النازعات: ١٥] أي: وقد أتاك؛ كما مرَّ قريبًا.
٣٣٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازي الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ القرشيِّ المخزوميِّ أحد الأعلام (٢) الأثبات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي) ولغير أبي ذرٍّ (٣): «به» بدل «بِي» (رَأَيْتُ مُوسَى وَإِذَا رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «وإذا هو رجل» (ضَرْبٌ) بضاد معجمةٍ مفتوحةٍ فراءٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ، نحيفٌ خفيف اللَّحم (رَجِلٌ) بفتح الرَّاء وكسر الجيم، دهين الشَّعر مسترسله، أو غير جعدٍ (كَأَنَّهُ) في الطُّول (مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بفتح الشِّين المعجمة وضَمِّ النُّون وبعد الواو السَّاكنة همزةٌ مفتوحةٌ ثمَّ هاء تأنيثٍ، حيٍّ من اليمن يُنسَبون إلى شنوءة، وهو عبدُ الله بنُ كعبِ بنِ عبدِ الله بن مالك بن نصر بن الأزد، لُقِّب بشنوءة لشنآنٍ كان بينه وبين أهله (وَرَأَيْتُ عِيسَى) ابن مريم ﵇ (فَإِذَا هُو رَجُلٌ رَبْعَةٌ) بفتح الرَّاء وسكون الموحَّدة وقد تُفتَح، أي: المربوع، ومراده: أنَّه ليس بطويلٍ جدًّا ولا قصيرٍ جدًّا، بل وسطٌ (أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا) وفي نسخةٍ بالفرع كأصله: «كأنَّه» (خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ) بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة وبعد الميم ألفٌ فسينٌ مهملةٌ، وزاد في «باب واذكر في الكتاب مريم» [خ¦٣٤٣٧] من رواية عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ: «يعني: الحمَّام» وقال في «القاموس»: الدِّيماس: الكِنُّ والسَّرب والحمَّام، وزاد
стр. 6702
غيره: الحمَّام بلغة الحبشة. وقيل: ولم يكن لهم يومئذٍ ديماسٌ، والحمَّام من جملة الكِنِّ، والمراد: وصفه بصفاء اللَّون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه، حتَّى كأنَّه كان في موضع كنٍّ حتَّى (١) خرج منه وهو عرقان (وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ) الخليل، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: « ﷺ » (بِهِ، ثُمَّ أُتِيتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًا للمفعول (بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ) قبل تحريم الخمر، لأن الإسراء كان بمكَّة، وتحريم الخمر كان بالمدينة (فَقَالَ) جبريل: (اشْرَبْ أَيَّهُمَا) الخمر أو اللَّبن (شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ) وفي روايةٍ: «فقال جبريل»: (أَخَذْتَ الفِطْرَةَ) أي: الإسلام والاستقامة (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّكَ لَو أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) لأنَّها أمُّ الخبائث وجالبةٌ لأنواع الشُّرور (٢) -بالشِّين المعجمة- في الحال والمآل.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
٣٣٩٥ - ٣٣٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بمُوحَّدةٍ ومعجمةٍ مُشدَّدةٍ، العبديُّ البصريُّ أبو بكرٍ بندارٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن بشَّارٍ» قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ) رُفيعًا الرِّياحيَّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ-) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ) أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّل نفسه، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلني على يونس (بْنِ مَتَّى) وهذا منه على سبيل التَّواضع (وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ) «متَّى» وهو بفتح الميم وفتح المثنَّاة الفوقيَّة وبالألف، وكان رجلًا صالحًا من أهل بيت النُّبوَّة.
стр. 6703
(وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) وللكُشميهَنيِّ ممَّا (١) ذكره في «فتح الباري» (٢): «ليلة أُسري بي» على الحكاية (فَقَالَ: مُوسَى آدَمُ) بالمدِّ، أي: أسمر (طُوَالٌ) بضمِّ الطَّاء وتخفيف الواو (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) في الطوُّل (وَقَالَ) في (عِيسَى: جَعْدٌ) شعره بفتح الجيم وسكون العين، وهو خلاف السَّبط (مَرْبُوعٌ) لا طويلٌ ولا قصيرٌ (وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ) وفي «اليونينيَّة» وفرعها: «مالكً» بغير ألفٍ مع النَّصب والتَّنوين مُصحَّحًا عليه (وَذَكَرَ الدَّجَّالَ).
وهذا الحديث أخرجه في: «باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]» [خ¦٣٤١٣] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٣٠] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٩]، ومسلمٌ في «أحاديث الأنبياء»، وأبو داود في «السُّنَّة»، وهو عند الأكثرين حديثٌ واحدٌ، وبعضهم جعله حديثين، ما يتعلَّق بيونس حديثًا، والآخر بباقيه (٣).
٣٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا (٤) أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان (السَّخْتَيَانِيُّ) بالسِّين المهملة المفتوحة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقيَّة والتَّحتيَّة وبعد الألف نونٌ، البصريُّ (عَنِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) سعيدٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا) ولأبي ذرٍّ: «قال: لمَّا» (قَدِمَ المَدِينَةَ) من مكَّة مهاجرًا، فأقام إلى يوم عاشوراء من السَّنة الثَّانية (وَجَدَهُمْ) يعني: اليهود (يَصُومُونَ يَوْمًا، يَعْنِي: عَاشُورَاءَ) بالمدِّ، عاشر المحرَّم على المشهور، فقال ﷺ : «ما هذا
стр. 6704
الصَّوم (١)»؟ (فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهْو يَوْمٌ) بالتَّنوين (نَجَّى اللهُ) (فِيهِ (٢) مُوسَى) وقومه من عدوِّهم (وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ) في اليمِّ (٣)، وفي روايةٍ: «وأغرق فيه فرعون وقومه» (فَصَامَ مُوسَى) بإسقاط ضمير النَّصب (شُكْرًا للهِ) وعند المؤلِّف في «الهجرة» [خ¦٣٩٤٣]: «ونحن نصومه؛ تعظيمًا له» (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ) أي: من اليهود (فَصَامَهُ وَأَمَرَ) النَّاس (بِصِيَامِهِ).
وقد سبق هذا الحديث في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٤].
(٢٥) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا﴾) بألف بعد الواو (﴿مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾) ذا القعدة (﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾) من ذي الحجَّة (﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾) رُوِي: أنَّ موسى ﵊ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتابٍ من عند (٤) الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلمَّا هَلَكَ سأل ربَّه فأمره بصوم ثلاثين، فلمَّا أتمَّ أنكر خلوف فمه فتسوَّكه (٥)، فقالت الملائكة: كنَّا نشمُّ من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسِّواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا (﴿وَقَالَ مُوسَى﴾) لمَّا أراد الانطلاق إلى الجبل (﴿لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾) كن خليفتي فيهم (﴿وَأَصْلِحْ﴾) أي: ارفق بهم (﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾) أي لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره (﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾) لوقتنا الَّذي وقَّتناه، وقال الطِّيبيُّ: قيل: لا بدَّ هنا من
стр. 6705
تقدير مضافٍ، أي: لآخر ميقاتنا، أو لانقضاء ميقاتنا (﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾) من غير واسطةٍ (﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾) أَرِني نفسك بأن تمكِّنني من رؤيتك، وهو دليلٌ على أنَّ رؤيته تعالى جائزةٌ في الجملة، لأنَّ طلب المستحيل من الأنبياء محالٌ، لا سيَّما ممَّن اصطفاه الله تعالى برسالته، وخصَّه بكرامته، وشرَّفه بتكليمه، فيجب حمل الآية على أنَّ ما اعتقد موسى جوازه جائزٌ، لكن ظنَّ أنَّ ما اعتقد جوازه ناجزٌ، فرجع النَّفي في قوله: (﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾) إلى الإنجاز، فإن قلت: إنَّ ﴿أَرِنِي﴾ يكفي في الطَّلب، لأنَّه تعالى إذا أراه نفسه؛ لا بدَّ أن ينظر إليه، فما فائدة إردافه (١) بقوله: ﴿أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾؟ أُجيب بأنَّ فائدته التَّوكيد والكشف التَّامُّ، فإنَّه لمَّا أردفه به أفاد طلب رفع المانع وكشف الحجاب، والتَّمكُّن (٢) من الرُّؤية بحيث لا يتخلَّف عنه النَّظر ألبتَّة، ونحوه قولك: نظرت بعيني، وقبضت بيدي (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣]) قيل: معناه: أنا أوَّل من آمن بأنَّك لا تُرَى في الدنيا، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿وَأَتْمَمْنَاهَا﴾ إلى آخر: ﴿لَن تَرَانِي﴾» (يُقَالُ: دَكَّهُ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: (زَلْزَلَهُ) وقال غيره: جعله مدكوكًا مفتَّتًا (﴿فَدُكَّتَا﴾) (٣) بفتح الكاف، وفي «اليونينيَّة»: بكسرها، ولعلَّه سبق قلمٍ في قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أي: (فَدُكِكْنَ) بالجمع، لأنَّ الجبال جمعٌ والأرض في حكم الجمع، لكنَّه (جَعَلَ الجِبَالَ كَالوَاحِدَةِ) فلذلك قيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾ بالتَّثنية (كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠]) بالتَّثنية في ﴿كَانَتَا﴾ (وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّ، ﴿رَتْقًا﴾) بالجمع على القياس، بل جعل كلَّ واحدةٍ منهما كواحدةٍ (مُلْتَصِقَتَيْنِ، ﴿ءادزء﴾) في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] يُقال: (ثَوْبٌ مُشَرَّبٌ) أي: (مَصْبُوغٌ) يعني: اختلط حبُّ العجل بقلوبهم كما يختلط الصَّبغ بالثَّوب (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) أي: (انْفَجَرَتْ) وفي قوله تعالى: (﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]) أي: (رَفَعْنَا) الجبل فوقهم، رُوِي: أنَّ موسى ﵇ لمَّا رجع إلى قومه وقد أتاهم بالتَّوراة فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بها؛ فأمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يقلع جبلًا قدر عسكرهم، وكان فرسخًا في فرسخٍ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة
стр. 6706
الرَّجل، وكانوا ستَّ مئة ألفٍ، وقال: إن لم تقبلوها، وإلَّا ألقيتُ عليكم هذا الجبل.
٣٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: النَّاسُ يَصْعَقُونَ) يُغشى عليهم (يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) من الغشي (فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟) الَّتي صُعِقها لمَّا سأل الرُّؤية فلم يُكلَّف بصعقةٍ أخرى. وفيه فضيلةٌ لموسى، لكن لا يلزم من إفاقته (١) قبل نبيِّنا ﷺ أن يكون أفضل منه، بل قيل: إنَّ قوله: «فلا أدري أفاق قبلي» يحتمل أنَّه ﵊ قاله قبل أن يعلم أنَّه أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض.
وتأتي (٢) مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه بعون الله تعالى، وفي نسخةٍ هنا: «بابٌ» بالتَّنوين.
٣٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين،
стр. 6707
ابن راشدٍ البصريُّ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن منبِّهٍ الصَّنعانيِّ (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الخاء المعجمة وفتح النُّون بعدها زايٌ، أي (٢): لم ينتن، قيل: لأنَّهم كانوا أُمِروا بترك ادِّخار السَّلوى فادَّخروه حتَّى أنتن، فاستمرَّ نتن اللَّحم (٣) من ذلك الوقت، وقيل: لم يكن اللَّحم يخنز حتَّى مُنِع بنو إسرائيل عن ادِّخاره، فلمَّا ادَّخروه اختنز، عقوبةً لهم (وَلَوْلَا حَوَّاءُ) بالمدِّ (لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ) لأنَّها رغَّبت آدم في أكل الشَّجرة بعد وسوسة إبليس، فسرى في أولادها مثل ذلك.
وهذا الحديث سبق في أوَّل «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٠].
(٢٦) (بَابُ (٤) طُوفَانٍ) في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: (مِنَ السَّيْلِ) أي من كثرة الأمطار، وفي نسخةٍ: «بابُ طوفانٌ من السَّيل» (ويُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ) المتتابع: (طُوفَانٌ) وقيل: الطَّاعون (والقُمَّلُ): هو (الحُمْنَانُ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم ونونين بينهما ألفٌ (يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَمِ) بفتح الحاء المهملة (٥) واللَّام، وهو القراد العظيم.
(﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]) قال أبو عبيدة: أي: (حَقٌّ) وهذا على قراءة تشديد: عليَّ.
(﴿سُقِطَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] وفسَّره بقوله: (كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) قال في «القاموس»: وسُقِط في يده وأُسقِط؛ مضمومتين: زلَّ وأخطأ وندم
стр. 6708
وتحيَّر. انتهى (١). فإنَّ النادم المتحسِّر (٢) يعضُّ يده غمًّا فتصير يده مسقوطًا فيها، لأنَّ فاه قد وقع فيها، وقيل: من عادة النَّادم أن يطأطئ رأسه ويضع ذَقَنه على يده معتمدًا عليها، ويصير على هيئةٍ لو نُزِعت يده لسقط على وجهه، فكأنَّ اليد مسقوطٌ فيها، ومعنى ﴿فَي﴾: على، فمعنى ﴿فَي أَيْدِيهِمْ﴾: على أيديهم، وهذه اللَّفظة قد اضطربت أقوال أهل اللُّغة في أصلها، فقال أبو مروان بن سراجٍ اللُّغويُّ: قول العرب: «سُقِط في يده» ممَّا أعياني معناه. وقال الواحديُّ: لم أرَ لأهل اللُّغة شيئًا في أصله وحدِّه أرتضيه إلَّا ما ذكره الزَّجَّاج أنَّه بمعنى: ندم، وأنَّه نظمٌ لم يُسمَع قبل القرآن، ولم تعرفه العرب، ولم يوجد في أشعارهم، ويدلُّ على صحَّة ذلك أنَّ شعراء الإسلام لمَّا سمعوا هذا النَّظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال، لأنَّ عادتهم لم تجرِ به، قال أبو نواس:
ونشوةٍ سُقِطْتُ منها في يدي
وأبو نواسٍ هو العالم النِّحرير، فأخطأ في استعمال هذا اللَّفظ، لأنَّ «فُعِلت» لا يُبنَى إلَّا من فعلٍ متعدٍّ، و «سُقِط» لازمٌ لا يتعدَّى إلَّا بحرف الصِّلة، لا يُقال: سُقِطت، كما لا يُقال: رُغِبت وغُضِبت، إنَّما يُقال: رُغِب فيَّ، وغُضِب عليَّ. وذكر أبو حاتم: سُقِط فلانٌ في يده، بمعنى: ندم، وهو خطأٌ مثل قول أبي نواسٍ، لأنَّه لو كان كذلك لكان النَّظم: ولمَّا سُقِطوا في أيديهم وسُقِط القوم في أيديهم، كذا نقله ابن عادلٍ في «اللُّباب».
(٢٧) ((٣) حَدِيثُ الخَضِرِ) ولأبي ذرٍّ: «بابُ حديثِ الخضر» (مَعَ مُوسَى ﵉.
стр. 6709
٣٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح العين، ابن بُكَيرٍ النَّاقد قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ عين الأوَّل، ابن عُتبة (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) أي (١): تنازع وتجادل (هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء (فِي صَاحِبِ مُوسَى) الَّذي ذهب إليه وقال له: هل أتَّبعك؟ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُو خَضِرٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين (فَمَرَّ بِهِمَا) بالحرِّ وابن عبَّاسٍ (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ (فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ) تجادلت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ) الطَّريق (إِلَى لُقِيِّهِ) بضمِّ اللَّام وكسر القاف وتشديد التَّحتيَّة (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أبيٌّ: (نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «يذكر شأنه» (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى فِي مَلأٍ) -بالقصر- جماعةٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أولاد يعقوب (جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللهُ) (إِلَى مُوسَى) ﵇ (بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ) أي: أعلم منك بشيءٍ مخصوصٍ (فَسَأَلَ مُوسَى) ربَّه (السَّبِيلَ (٢) إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى لقيِّه» (فَجُعِلَ)
стр. 6710
بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول (لَهُ الحُوتُ آيَةً) علامةً على لقيِّه (وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح الفاء والقاف، أي: إذا (١) غاب عن عينك (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) فأخذ حوتًا فجعله في مكتلٍ، ثمَّ انطلق (٢) معه بفتاه وقال له: إذا فقدتَ الحوت فأخبرني (فَكَانَ يَتْبَعُ الحُوتَ) بسكون الفوقيَّة، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «يتبع أثرَ الحوت» (فِي البَحْرِ) أي: ينتظر فقدانه، فلمَّا أتيا (٣) الصَّخرة وضعا رؤوسهما فناما، فاضطرب الحوت في المكتل، فسقط في البحر (فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ: (﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: فإنِّي نسيت أن أخبرك بخبر الحوت (﴿وَمَا أَنسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) نسبه للشَّيطان تأدُّبًا مع الرَّبِّ تعالى، لأنَّ نسبة النَّقص للنَّفس والشَّيطان (٤) أليقُ بمقام الأدب (فَقَالَ مُوسَى) ﵇: (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي ذكرته (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) بالتَّحتيَّة بعد الغين، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿نَبْغِ﴾»: نطلب؛ إذ هو علامةٌ على لقيِّ الخضر (﴿فَارْتَدَّا﴾) رجعا (﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾) يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) حتَّى انتهيا إلى الصَّخرة (﴿فَوَجَدَا﴾ [الكهف: ٦٣ - ٦٥] خَضِرًا) نائمًا مسجًّى ثوبًا في جزيرة من جزائر البحر (فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ) (فِي كِتَابِهِ) في سورة الكهف.
وهذا الحديث قد سبق في «باب ما ذُكِر في ذهاب موسى إلى الخضر» من «كتاب العلم» [خ¦٧٤].
стр. 6711
٣٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكِّيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم مصغَّرًا، الكوفيُّ (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا) بفتح النُّون وسكون الواو وتنوين الفاء، ابن فَضَالة -بفتح الفاء و (١) الضَّاد (٢) المعجمة- أبا (٣) يزيد القاصَّ (البِكَالِيَّ) بكسر الموحَّدة وتخفيف اللَّام والكاف على الصَّواب، ونُقِل عن المهلَّب والصَّدفيِّ وأبي الحسن بن سراجٍ: نسبةً إلى بِكالٍ من حِمْير، وضبطه أكثر المحدِّثين -فيما قاله عياضٌ- «البَكَّاليُّ» بفتح الموحَّدة وتشديد الكاف، قال: وكذا قيَّدناه عن أبي بحرٍ وابن أبي جعفرٍ، عن العذريِّ، وقاله (٤) أبو ذرٍّ، نسبةً (٥) إلى بَكال بن دُعْميٍّ (يَزْعُمُ: أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ) الَّذي قصَّ الله عنهما في سورة الكهف (لَيْسَ هُو مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُو مُوسًى آخَرُ) يُسمَّى موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، و «موسى» الثَّاني مُنَوَّنٌ للفرق (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نَوفٌ (٦) فيما زعم، قاله مبالغةً في الإنكار والزَّجر، وكان في شدَّة غضبه لا أنَّه يعتقد ذلك (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (فَقَالَ) بحسب اعتقاده: (أَنَا) أعلم النَّاس، وهذا أبلغ من قوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٤٠٠]: «هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا» فإنَّه نفى هناك علمه، وفي هذه الرِّواية على البتِّ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) فيقول نحو: الله أعلم (فَقَالَ) الله (لَهُ: بَلَى، لِي عَبْدٌ) هو
стр. 6712
خَضِرٌ (بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ) ملتقى بحري (١) فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق (هُو أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيءٍ مخصوصٍ (قَالَ) موسى: (أَيْ) أي: يا (رَبِّ، وَمَنْ لِي بِهِ؟) أي (٢): ومن يتكفَّل لي برؤيته؟ (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (أَيْ رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِهِ؟) أي: وكيف يتهيَّأ لي أن أظفر به؟ (قَالَ) (٣) تعالى: (تَأْخُذُ حُوتًا) مملوحًا (فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقيَّة، زنبيلٍ (حَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَهْوَ) أي: الخضر (ثَمَّ) بفتح المثلَّثة وتشديد الميم (وَرُبَّمَا قَالَ: فَهْو ثَمَّهْ) بزيادة هاء السَّكت السَّاكنة، أي: هناك (٤) (وَأَخَذَ) -بالواو- موسى (حُوتًا) مملوحًا (فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ) كما أُمِر (٥) (ثُمَّ انْطَلَقَ هُو وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) بالصَّرف؛ كـ «نوحٍ» (حَتَّى أَتَيَا) ولأبي ذرٍّ: «حتَّى إذا أتيا» (الصَّخْرَةَ) الَّتي عند ساحل مجمع البحرين، ويُقال: ثمَّة عينٌ تُسمَّى بعين الحياة (وَضَعَا رُؤُوْسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى وَاضْطَرَبَ الحُوتُ) أي: تحرَّك لأنَّه أَصابه من ماء عين الحياة (فَخَرَجَ) من المكتل (فَسَقَطَ فِي
стр. 6713
البَحْرِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾) طريقه (﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]) مسلكًا (فَأَمْسَكَ اللهُ) (عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ) عليه (مِثْلَ الطَّاقِ) وفي نسخةٍ: «في مثل الطَّاق» (فَقَالَ: هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ) أي: مثل عقد البناء، قال الكِرمانيُّ: معجزةً لموسى والخضر (فَانْطَلَقَا) موسى وفتاه (يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا) بنصب «اليومَ» (١) (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ ﴿قَالَ﴾) موسى (﴿لِفَتَاهُ﴾) يوشع: (﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾) طعامنا الَّذي نأكله أوَّل النَّهار (﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) تعبًا (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ) تعالى (﴿قَالَ﴾ لَهُ فَتَاهُ) يوشع: (﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى (٢) الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أن أخبرك بحياته وانتضاب الماء مثل الطَّاق وغيره (﴿وَمَا أَنسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) لما بهر العقل من عظيم القدرة (﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾) سبيلًا (﴿عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]) مفعولٌ ثانٍ لـ «اتَّخذ»، وهو كونه كالسَّرب (فَكَانَ لِلْحُوتِ) أي: لدخول الحوت في الماء (سَرَبًا) مسلكًا (وَلَهُمَا) لموسى وفتاه (عَجَبًا) فإنَّه جمد الماء، أو صار صخرًا (﴿قَالَ﴾ لَهُ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي ذكرته (﴿مَا كُنَّا نَبْغٍ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) أي (٣): (رَجَعَا) في الطَّريق الَّذي جاءا فيه (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) قصصًا، أي: يتَّبعان آثار (٤) مسيرهما اتَّباعًا (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) فذهبا يلتمسان الخضر (فَإِذَا رَجُلٌ) نائمٌ (مُسَجًّى بِثَوْبٍ) أي: مغطًّى كلُّه به (فَسَلَّمَ مُوسَى) أي: عليه (فَرَدَّ عَلَيْهِ) الخضر السَّلام (فَقَالَ) أي: الخضر: (وَأَنَّى) وكيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وفي روايةٍ: «وهل بأرضي من سلام؟» [خ¦٤٧٢٦] قال الخضر: من أنت؟ (قَالَ: أَنَا مُوسَى قَالَ) الخضر: (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ) موسى بني إسرائيل، قال: ما شأنك؟ قال: (أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) مفعولٌ ثانٍ لـ «تعلِّمني»، ولم يُرِد أن يعلِّمه شيئًا من أمر الدِّين؛ إذ الأنبياء لا يجهلون ما يتعلَّق بدينهم الَّذي تُعبِّدت به أمَّتهم (٥) (قَالَ: يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ
стр. 6714
عِلْمِ (١) اللهِ، عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ) جميعه (وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ (٢) اللهُ لَا أَعْلَمُهُ) جميعه. وهذا التَّقدير واجبٌ دافعٌ لمن استدلَّ بقوله: «إنِّي على علمٍ … » إلى آخره، بأنَّ نبَّينا ﷺ اختصَّ بجمع الشَّريعة والحقيقة، ولم يكن لغيره من الأنبياء إلَّا أحدهما، لأنَّه يلزم منه خلوُّ بعض أولي العزم غير نبيِّنا من الحقيقة، وإخلاء الخضر عن علم الشَّريعة، ولا يخفى ما فيه، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيدٌ لذلك في «سورة الكهف» من «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]، ولا ريب أنَّ العالم بالعلم الخاصِّ لا يكون أعلم ممَّن له العلم العامُّ (٣)؛ وهو حكم الشَّرائع والتَّكاليف، فإنَّ ضرورة النَّاس تدعوهم إلى ذلك.
(قَالَ) موسى للخضر: (﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾؟ قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾) لأنَّ موسى لا يصبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشَّرع (﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٨]) أي: وكيف تصبر وأنت نبيٌّ على ما أتولَّى من أمورٍ ظواهرها مناكير وبواطنها لم يُحِطْ بها خبرك، و ﴿خُبْرًا﴾ تمييزٌ أو مصدرٌ، لأنَّ ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ بمعنى: لم تُخبَره (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْرًا﴾) أي: ولا أعصي لك أمرًا، وفي «اليونينيَّة»: «﴿أَمْرًا﴾» بكسر الهمزة، وكانت مفتوحةً فكشطَهَا مصحِّحًا (٤) عليها (فَانْطَلَقَا) موسى والخضر (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ) ومعهما يوشع (فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، كَلَّمُوهُمْ) بغير فاءٍ (أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا) أي: أصحاب السَّفينة (الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ) وموسى وفتاه (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النُّون آخره لامٌ (٥)، أجرةٍ (فَلَمَّا رَكِبَا) موسى والخضر (فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ) بضمِّ العين وحُكِي فتحها (فَوَقَعَ عَلْى حَرْفِ السَّفِيْنَةِ فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ قَالَ لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ) أي: من معلومه (إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ) ولفظ النَّقص هنا ليس على ظاهره، وإنَّما معناه: إنَّ علمي وعلمك بالنِّسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر، فهو على التَّقريب إلى الأفهام (إِذْ أَخَذَ) الخضر (الفَأْسَ) بالهمز (فَنَزَعَ لَوْحًا) من ألواح
стр. 6715
السَّفينة (فَلَمْ) وفي الفرع كأصله (١): «قال: فلم» (يَفْجَأْ مُوسَى) ﵇ بعد أن صارت السَّفينة في لجَّة البحر (إِلَّا وَقَدْ قَلَعَ) الخضر (لَوْحًا) من السَّفينة (بِالقَدُّومِ) بفتح القاف وتشديد الدَّال في الفرع وأصله، وضبطه الصَّغانيُّ بالفتح والتَّخفيف (فَقَالَ لَهُ مُوسَى) منكرًا عليه بلسان الشَّرع: (مَا صَنَعْتَ؟!) هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا) في سفينتهم (بِغَيْرِ نَوْلٍ) أي (٢): أجرةٍ (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) فإنَّ خَرْقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وقال: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ ولم يقل: لتغرقنا. قال السَّفاقسيُّ: فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالةٍ يقول فيها المرء: نفسي نفسي، واللَّام في «لتغرق» للعلَّة أو للصَّيرورة (﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾) عظيمًا (﴿قَالَ﴾) الخضر مذكِّرًا لموسى بما سبق من الشَّرط (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾) استفهامٌ على سبيل الإنكار (﴿قَالَ﴾) موسى للخضر: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) يعني: وصيَّته بألَّا يعترض عليه، وهو اعتذارٌ بالنِّسيان، أو أراد بالنِّسيان التَّرك، أي: لا تؤاخذني بما تركت (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾) أي: لا تغشني (﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٣]) مفعولٌ ثانٍ لـ «ترهق» (فَكَانَتِ الأُولَى) وفي «الكهف» [خ¦٤٧٢٥]: قال -أي أُبيٌّ- وقال رسول الله ﷺ : «وكانت الأولى» (مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، فَلَمَّا خَرَجَا) أي: موسى والخضر (مِنَ البَحْرِ مَرُّوا) موسى والخضر ويوشع (بِغُلَامٍ) وضيء الوجه، اسمه جَيْسُون بالجيم المفتوحة والتَّحتيَّة السَّاكنة والسِّين المهملة المضمومة وبعد الواو نونٌ (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ، هَكَذَا -وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ) بن عيينة (بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كأنَّه يَقْطِفُ) بها (شَيْئًا-). (فَقَالَ لَهُ مُوسَى) منكرًا عليه أشدَّ من الأولى: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بتشديد الياء من غير ألفٍ، وهي قراءة ابن عامرٍ والكوفيِّين، أي: طاهرةً من الذَّنوب، قاله لأنَّه لم يرها أذنبت، أو صغيرةً لم تبلغ الحلم (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) متعلِّقٌ بـ «قتلت» (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾) منكرًا (﴿قَالَ﴾) الخضر لموسى (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا. قَالَ﴾) موسى: (﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾)
стр. 6716
بعد هذه المرة (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) وفارقني (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾) متعلِّق بـ «بلغت»، و «لدني» بضمِّ الدَّال وتشديد النُّون، أدخلوا نون الوقاية على «لدن» لتقيها من الكسر، محافظةً على سكونها (﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أ﴾) أنطاكية أو غيرها (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) واستضافوهم (﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾) مفعولٌ به، و «استطعما» جواب «إذا» (١)، وتكرير «أهلها» قيل: للتَّأكيد، وقيل: للتَّأسيس (﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾) في القرية (﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) مفعول الإرادة، أي: (مَائِلًا) وهذا من مجاز كلام العرب، لأن الجدار لا إرادة له، فالمعنى: أنه دنا من السقوط (أَوْمَأَ) الخضر (بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ) بن عيينة (كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ) بالضَّمِّ. قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلًا إِلَّا مَرَّةً، قَالَ) موسى: (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ) فاستطعمناهم واستضفناهم (فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ) بفتح الميم في «اليونينيَّة» ليس إلَّا (إِلَى حَائِطِهِمْ) المائل فأقمته (﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾) بهمزة وصلٍ وتشديد التَّاء وفتح الخاء، وهي قراءة غير المكِّيِّ والبصريِّ (﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾) جُعلًا (﴿قَالَ﴾) الخضر: (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) أي: الفراق الموعود بقوله: «فلا تصاحبني» أو الاعتراض الثَّالث، أو الوقت، أي (٢): هذا الاعتراض سبب فراقنا، أو هذا الوقت وقته (﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾) سأخبرك (﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]) لكونه مُنكَرًا من حيث الظَّاهر (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَدِدْنَا) بكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، فَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقُصَّ» بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة في روايته: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَو كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «لقصَّ» (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥] من طريق الحميديِّ (٣) عن سفيان: «وددنا أنَّ موسى كان صبر حتَّى يقصَّ الله علينا من خبرهما» (قَالَ) في «التَّفسير»: قال (٤) سعيد بن جبيرٍ -وسقط قوله: «قال» من (٥) «اليونينيَّة» وثبت في فرعها-: (وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَمَامَهُمْ)) بدل قراءة العامَّة: ﴿وَرَاءهُم﴾ ((مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ))
стр. 6717
قال ابن المدينيِّ: (ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ) أي: من عمرِو بنِ دينارٍ (مَرَّتَيْنِ، وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ، قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ (أَو تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟) قال الكِرمانيُّ: الشَّكُّ من عليِّ بن عبد الله. يعني: قيل لسفيان: حفظته أو تحفَّظته من إنسانٍ قبل أن تسمعه من عمرٍو؟ (فَقَالَ) سفيان: (مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ؟ وَرَوَاهُ) أي: أَرَوَاه (أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟) فحذف (١) همزة الاستفهام (سَمِعْتُهُ مِنْهُ) من عمرٍو (مَرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ).
وهذا الحديث سبق في «باب ما يستَحبُّ للعالم إذا سُئِل» [خ¦١٢٢] من (٢) «كتاب العلم».
٣٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (الأَصْبَهَانِيُّ) بفتح الهمزة والموحَّدة وفي نسخةٍ «ابن الأصبهانيِّ» قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة المشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَُ) بفتح الرَّاء في «اليونينيَّة» وبالضَّمِّ في فرعها: «خضرًا» (أَنَّهُ) ولأبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «لأنَّه» أي: الخضر (جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ) ليس فيها نباتٌ، والفَرْوة -بفتح الفاء وسكون الراء-: جلدة وجه الأرض (فَإِذَا هِيَ) أي: الفروة البيضاء (تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ) بعد أن كانت جرداء. وعن مجاهدٍ: قيل له: الخضر، لأنَّه كان إذا صلَّى اخضرَّ ما حوله، واسمه بَلْيا -بفتح الموحَّدة وسكون اللَّام وبعد التَّحتيَّة ألفٌ، مقصورًا- ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ (٣) بن سام بن نوحٍ، قال في «الفتح»: فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل، لأنَّه كان (٤) ابن عمِّ جدِّ إبراهيم، وعند الدَّارقطنيِّ في «الأفراد» من طريق مقاتلٍ،
стр. 6718
عن الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاسٍ: هو ابن آدم لصلبه، وهو ضعيفٌ منقطعٌ، وعند (١) أبي حاتمٍ في «المعمَّرين»: أنَّه ابن (٢) قابيل بن آدم، وعن ابن لهيعة: كان ابن فرعون نفسه، وقيل: ابن بنت فرعون، وقيل: كان أخا إلياس. وعند السُّهيليِّ عن قومٍ: أنَّه كان من الملائكة وليس من بني آدم، واختُلِف في نبوَّته، فقيل: نبيٌّ (٣)، واحتجَّ بعضهم لنبوَّته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. وأُجيب باحتمال الإيحاء إلى نبيٍّ من أنبياء ذلك الزَّمان أن يأمر الخضر بذلك، والأكثرون -كما قاله النَّوويُّ- على حياته بين أظهرنا، واتَّفق عليه سادات الصُّوفيَّة -كابن أدهم، وبشرٍ الحافي، ومعروفٍ الكرخيِّ، وسريٍّ السَّقطيِّ، والجنيد- وبه قال عمر بن عبد العزيز. والَّذي جزم به البخاريُّ: أنَّه غير موجود، وبه قال إبراهيم الحربيُّ، وأبو بكر بن العربيِّ، وطائفةٌ من المحدِّثين، وعمدتهم الحديث المشهور: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في آخر حياته: «لا يبقى على وجه الأرض بعد مئة سنةٍ ممَّن هو عليها اليوم أحدٌ». وأُجيب بأنَّه كان حينئذٍ على وجه البحر، أو هو مخصوصٌ من الحديث … إلى غير ذلك ممَّا سبق (٤) أوائل هذا المجموع.
(قال الحَمُّويي) -بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة وبعد الواو المكسورة تحتيَّةٌ- عبد الله بن أحمد بن حَمُّويَه السَّرخسيُّ -بفتح المهملة والرَّاء-: (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنُ مَطَرٍ الفَِرَبْرِيُّ) بفتح الفاء والرَّاء: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمَ) بفتح الخاء وسكون الشِّين المعجمتين وبعد الرَّاء المفتوحة ميمٌ، المروزيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) بن عيينة، فذكر حديث الخضر وموسى (بِطُولِهِ) وفي «اليونينيَّة»: علامة السُّقوط على قوله «الحَمُّويي».
(٢٨) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين.
стр. 6719
٣٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم ابن نصرٍ السَّعديُّ المروزيُّ -وقيل: البخاريُّ- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة المشدَّدة، الصَّنعانيِّ أخي وهبٍ (١) (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) لمَّا خرجوا من التِّيه مع يوشع بن نونٍ بعد أربعين سنةً، وفتح الله عليهم بيت المقدس: (ادْخُلُوا البَابَ) باب القرية، وكان قِبَل القِبْلة حال كونكم (سُجَّدًا) منحنين ركوعًا أو خضوعًا؛ شكرًا على تيسير الدُّخول (وَقُولُوا: حِطَّةٌ) بالرَّفع، أي: مسألتنا حطَّةٌ، وعند ابن أبي حاتمٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: «قيل لهم: قولوا: مغفرةٌ» (فَبَدَّلُوا) فغيَّروا السُّجود بالزَّحف (فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ) بفتح الحاء المهملة (عَلَى أَسْتَاهِهِمْ) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة، أي: أوراكهم (وَقَالُوا) بدل «حطَّةٌ»: (حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ) -بسكون العين- فخالفوا في القول والفعل، فقالوا كلامًا مهملًا غرضهم به المخالفة لما أُمِروا به من الكلام المستلزم للاستغفار وحطِّ العقوبة عنهم، فعاقبهم الله بالطَّاعون حتَّى هلك منهم سبعون ألفًا في ساعةٍ واحدةٍ، وقيل: أربعةٌ وعشرون ألفًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٧٩]، ومسلمٌ في أواخر «صحيحه»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
стр. 6720
٣٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «بالجمع» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ حَدَّثَنَا) ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ: «أخبرنا» (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الرَّاء، و «عُبَادة» بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) -بفتح العين المهملة وبعد الواو السَّاكنة فاءٌ- ابن أبي جميلة المعروف بالأعرابيِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (وَمُحَمَّدٍ) أي: ابن سيرين (وَخِلَاسٍ) -بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام آخره مهملةٌ- ابن عمرٍو (١) البصريِّ، ثلاثتهم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) ولم يسمع الحسن من (٢) أبي هريرة عند الحفَّاظ، وما وقع في بعض الرِّوايات ممَّا يخالف ذلك فمحكومٌ بوهمه عندهم، وأمَّا خلاس فقال أبو داود عن أحمد: إنَّه لم يسمع من أبي هريرة، وأمَّا محمَّد بن سيرين فسماعه ثابتٌ من أبي هريرة، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مُوسَى) ﵊ (كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التَّحتيَّة وتشديد الثَّانية أي: كثير الحياء (سِتِّيرًا) بكسر السِّين المهملة والفوقيَّة المشدَّدة؛ أي: مَنْ شأنه وإرادته حبُّ السَّتر (لَا يُرَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه (مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ) موسى (هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ) ولغير أبي ذرٍّ: «برصٍ» بالجرِّ (وَإِمَّا أَدَْرَةٌ) بفتح الهمزة في الفرع وأصله وسكون الدَّال، وفيهما أيضًا: بفتحهما، وقال في «الفتح»: بضمِّ الهمزة وسكون الدَّال على المشهور، وبفتحتين أيضًا
стр. 6721
فيما حكاه الطَّحاويُّ عن بعض مشايخه، ورجَّح الأوَّل، وبالرَّفع لأبي ذرٍّ، وبالجرِّ لغيره (١)، وهو نفخٌ في الخصيتين (وَإِمَّا آفَةٌ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَإِنَّ اللهَ) (أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بموسى» بمُوحَّدةٍ بدل اللَّام (فَخَلَا) موسى (يَوْمًا وَحْدَهُ) ليغتسل (فَوَضَعَ ثِيَابَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثيابًا» أي (٢): له (عَلَى الحَجَرِ) الَّذي كان ثَمَّ (ثُمَّ اغْتَسَلَ) وفي رواية عليِّ بن زيدٍ عن أنسٍ عند أحمد في هذا الحديث: «أنَّ موسى كان إذا أراد أن يَدْخل الماء لم يُلْقِ ثوبه حتَّى يواري عورته في الماء» (فَلَمَّا فَرَغَ) من غسله (أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الحَجَرَ عَدَا) بالعين المهملة، مضى مسرعًا (بِثَوْبِهِ) بالتَّوحيد على إرادة الجنس (فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ) الَّتي كانت إحدى آياته (وَطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ) مرتين، أي: أعطني ثوبي يا حجر (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ) حال كونه (عُرْيَانًا) حال كونه (أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَأَبْرَأَهُ) تعالى (مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الحَجَرُ فَأَخَذَ) موسى (ثَوْبَهُ) ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «بثوبه» (فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: جعل (بِالحَجَرِ) يضرب (ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللهِ إِنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا) بفتح النُّون والمهملة، أي: أثرًا (مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَو أَرْبَعًا أَو خَمْسًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وفي «الغسل» في «باب من اغتسل عريانًا» [خ¦٢٧٨]: قال أبو هريرة: «والله إنَّه لَنَدَبٌ بالحجر، ستَّةٌ أو سبعةٌ» بالشَّكِّ أيضًا، وفيه: أنَّ قوله: «فوالله … » إلى آخره من قول أبي هريرة، وفي رواية حبيب بن سالمٍ عن أبي هريرة عند ابن مردويه: الجزم بستِّ ضرباتٍ، قال النَّوويُّ: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵇: مشي الحجر بثوبه، وحصول النَّدب في الحجر بضربه، وفيه: حصول التَّمييز في الجماد.
(فَذَلِكَ) (٣) أي: ما ذُكِر من أذى بني إسرائيل وموسى (قَوْلُهُ) : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا
стр. 6722
كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾) بنسبة العيب في بدنه (﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا﴾) بإبراز جسده لقومه حتَّى رأوه وعلموا فساد اعتقادهم (﴿وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]) كريمًا ذا جاهٍ. وقال ابن عبَّاسٍ: «كان حظيًّا عند الله لا يسأل شيئًا إلَّا أعطاه». وقال الحسن: كان مُجاب الدَّعوة، وقيل: كان مُحبَّبًا مقبولًا.
٣٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا) -بفتح القاف وسكون السِّين- يوم حُنَينٍ، فآثر ناسًا في القسمة، أعطى الأقرع بن حابسٍ مئةً من الإبل، وعيينة بن حصنٍ مثل ذلك، وأعطى أناسًا (١) من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ على غيرهم (فَقَالَ رَجُلٌ) هو مُعَتِّبُ بن قُشَيرٍ المنافق: (إِنَّ هَذِهِ) القسمة (لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ) زاد في «الجهاد» [خ¦٣١٥٠]: «ما عُدِل فيها» (فَأَتَيْتُ) أي: قال ابن مسعودٍ: فأتيت (النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بقول الرَّجل (فَغَضِبَ) ﵊ (حَتَّى رَأَيْتُ الغَضَبَ) أي: أثره (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أُوذيت به (فَصَبَرَ).
وهذا الحديث سبق في «الجهاد» في «باب ما كان النَّبيُّ ﷺ يعطي المؤلَّفة قلوبهم» [خ¦٣١٥٠].
стр. 6723
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]) أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقرٍ، وذلك أوَّل شأن العجل، وكانوا من العمالقة الَّذين أُمِر موسى بقتالهم (﴿مُتَبَّرٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: (خُسْرَانٌ) أخرجه الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ قال: خسرانٌ، والخسران تفسير التَّتبير الَّذي اشتقَّ منه: المُتَبَّر، وقال في «الأنوار»: مُتَبَّرٌ: مُكسَّرٌ مُدمَّرٌ، يعني: أنَّ الله يهدم دينهم الَّذي هم فيه، ويحطِّم أصنامهم ويجعلها رُضَاضًا (﴿وَلِيُتَبِّرُواْ﴾ [الإسراء: ٧]) أي: (يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْاْ﴾) أي: (مَا غَلَبُوا) بفتح الغين (١) المعجمة واللَّام، وذكره استطرادًا.
٣٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بمرِّ الظَّهران (نَجْنِي الكَبَاثَ) بكافٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحتين وبعد الألف مُثلَّثةٌ، ثمر الأراك النَّضيج (وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لمن معه من أصحابه (٢): (عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ، قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ؟) إذ لا يميِّز بين أنواعه غالبًا إلَّا من يلازم (٣) رعي الغنم
стр. 6724
(قَالَ) ﷺ : (وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ) موسى وغيره (إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟) ليترقَّى (١) من سياستها إلى سياسة من يُرسَل إليه، ويأخذ نفسه بالتَّواضع وتصفية القلب بالخلوة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ النُّبوَّة لم يضعها الله تعالى في أبناء الدُّنيا والمترَفين منهم، وإنَّما جعلها في أهل التَّواضع، قاله الخطَّابيُّ، ووقع عند النَّسائيِّ في «التَّفسير» بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ: افتخر أهل الإبل والشَّاء فقال النبي ﷺ : «بُعِث موسى وهو راعي غنمٍ (٢)». ووقع في رواية النَّسفيِّ ذكر «باب» من غير ترجمةٍ، وحينئذٍ فهو كالفصل من «باب قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٤٢]» قيل: فتكون مطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه حالةً من حالات موسى ﵇، لدخوله في عموم قوله: «ما من نبيٍّ إلَّا رعاها» لا سيَّما ووقع التَّصريح بذكر موسى عند النَّسائيِّ، كما سبق. وقال في «فتح الباري»: ومناسبة الحديث غير ظاهرةٍ، يعني لقوله: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] والَّذي يهجس في خاطري أنَّه كان بين التَّفسير المذكور وبين (٣) الحديث بياضٌ أخلاه لحديثٍ يدخل في التَّرجمة، ولترجمةٍ تصلح لحديث جابرٍ، ثمَّ وُصِلَ كما في نظائره، وقيل غير ذلك ممَّا لا يخلو عن تعسُّفٍ، فالله أعلم.
وهذا (٤) الحديث أخرجه أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٣]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الوليمة».
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً … ﴾ الاية [البقرة: ٦٧]) أوَّل هذه القصَّة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] قال في
стр. 6725
«الكشَّاف»: فإن قلت: فما للقصَّة لم تُقَصَّ على ترتيبها؟ وكان حقُّها أن يقدِّم ذكر القتيل والضَّرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يُقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] فقلنا: اذبحوا بقرةً واضربوه ببعضها. وأجاب: بأنَّ كلَّ ما قُصَّ من قصص بني إسرائيل إنَّما قُصَّ تعديدًا لِمَا وُجِد منهم من الجنايات، وتقريعًا لهم عليها، ولما جُدِّد فيهم من الآيات العظام، وهاتان القصَّتان كلُّ واحدةٍ منهما مستقلَّةٌ بنوعٍ من التَّقريع وإن كانتا متَّصلتين متَّحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال، وما يتبع ذلك، والثَّانية: للتَّقريع على قتل النَّفس المحرَّمة، وما يتبعه (١) من الآيات العظيمة، وإنَّما قُدِّمت قصَّة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنَّه لو عُمِل على عكسه لكانت قصَّةً واحدةً، ولذهب الغرض في تثنية التَّقريع. وحاصل القصَّة: أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ موسرٌ، فقتل ابنَه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب المدينة، ثمَّ جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله، فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ﴾ يعني: لا هرمة ولا بكرٌ، يعني: ولا صغيرةٌ ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٧ - ٦٨] (قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفَيعٌ الرِّياحيُّ فيما وصله آدم بن أبي إياسٍ في تفسيره: (﴿عَوَانٌ﴾) وفي «اليونينيَّة»: «العوان» بالتَّعريف، وفي فرعها: بالتَّنكير، أي: (النَّصَفُ) بفتح النُّون والمهملة (بَيْنَ البِكْرِ وَالهَرِمَةِ) وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ: بين الكبيرة والصَّغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدَّوابِّ والبقر، وأحسن ما يكون.
(﴿فَاقِعٌ﴾ [البقرة: ٦٩]) أي: (صَافٍ) لونها، وعن ابن عمر: كانت صفراء الظَّلف، وزاد سعيد ابن جُبَيرٍ: والقرن (٢).
(﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾) أي: (لَمْ يُذِلَّهَا العَمَلُ) -بلامٍ واحدةٍ مشدَّدةٍ بعد المعجمة المكسورة- في الحراثة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لم يُذَلِّلْها» بفتح الذَّال ولامين، أولاهما مُشدَّدةٌ، والثَّانية ساكنةٌ.