فيما حكاه الطَّحاويُّ عن بعض مشايخه، ورجَّح الأوَّل، وبالرَّفع لأبي ذرٍّ، وبالجرِّ لغيره (١)، وهو نفخٌ في الخصيتين (وَإِمَّا آفَةٌ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَإِنَّ اللهَ) (أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بموسى» بمُوحَّدةٍ بدل اللَّام (فَخَلَا) موسى (يَوْمًا وَحْدَهُ) ليغتسل (فَوَضَعَ ثِيَابَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثيابًا» أي (٢): له (عَلَى الحَجَرِ) الَّذي كان ثَمَّ (ثُمَّ اغْتَسَلَ) وفي رواية عليِّ بن زيدٍ عن أنسٍ عند أحمد في هذا الحديث: «أنَّ موسى كان إذا أراد أن يَدْخل الماء لم يُلْقِ ثوبه حتَّى يواري عورته في الماء» (فَلَمَّا فَرَغَ) من غسله (أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الحَجَرَ عَدَا) بالعين المهملة، مضى مسرعًا (بِثَوْبِهِ) بالتَّوحيد على إرادة الجنس (فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ) الَّتي كانت إحدى آياته (وَطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ) مرتين، أي: أعطني ثوبي يا حجر (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ) حال كونه (عُرْيَانًا) حال كونه (أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَأَبْرَأَهُ) تعالى (مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الحَجَرُ فَأَخَذَ) موسى (ثَوْبَهُ) ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «بثوبه» (فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: جعل (بِالحَجَرِ) يضرب (ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللهِ إِنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا) بفتح النُّون والمهملة، أي: أثرًا (مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَو أَرْبَعًا أَو خَمْسًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وفي «الغسل» في «باب من اغتسل عريانًا» [خ¦٢٧٨]: قال أبو هريرة: «والله إنَّه لَنَدَبٌ بالحجر، ستَّةٌ أو سبعةٌ» بالشَّكِّ أيضًا، وفيه: أنَّ قوله: «فوالله … » إلى آخره من قول أبي هريرة، وفي رواية حبيب بن سالمٍ عن أبي هريرة عند ابن مردويه: الجزم بستِّ ضرباتٍ، قال النَّوويُّ: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵇: مشي الحجر بثوبه، وحصول النَّدب في الحجر بضربه، وفيه: حصول التَّمييز في الجماد.
(فَذَلِكَ) (٣) أي: ما ذُكِر من أذى بني إسرائيل وموسى (قَوْلُهُ) : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا
стр. 6722
كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾) بنسبة العيب في بدنه (﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا﴾) بإبراز جسده لقومه حتَّى رأوه وعلموا فساد اعتقادهم (﴿وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]) كريمًا ذا جاهٍ. وقال ابن عبَّاسٍ: «كان حظيًّا عند الله لا يسأل شيئًا إلَّا أعطاه». وقال الحسن: كان مُجاب الدَّعوة، وقيل: كان مُحبَّبًا مقبولًا.
٣٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا) -بفتح القاف وسكون السِّين- يوم حُنَينٍ، فآثر ناسًا في القسمة، أعطى الأقرع بن حابسٍ مئةً من الإبل، وعيينة بن حصنٍ مثل ذلك، وأعطى أناسًا (١) من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ على غيرهم (فَقَالَ رَجُلٌ) هو مُعَتِّبُ بن قُشَيرٍ المنافق: (إِنَّ هَذِهِ) القسمة (لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ) زاد في «الجهاد» [خ¦٣١٥٠]: «ما عُدِل فيها» (فَأَتَيْتُ) أي: قال ابن مسعودٍ: فأتيت (النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بقول الرَّجل (فَغَضِبَ) ﵊ (حَتَّى رَأَيْتُ الغَضَبَ) أي: أثره (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أُوذيت به (فَصَبَرَ).
وهذا الحديث سبق في «الجهاد» في «باب ما كان النَّبيُّ ﷺ يعطي المؤلَّفة قلوبهم» [خ¦٣١٥٠].
стр. 6723
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]) أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقرٍ، وذلك أوَّل شأن العجل، وكانوا من العمالقة الَّذين أُمِر موسى بقتالهم (﴿مُتَبَّرٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: (خُسْرَانٌ) أخرجه الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ قال: خسرانٌ، والخسران تفسير التَّتبير الَّذي اشتقَّ منه: المُتَبَّر، وقال في «الأنوار»: مُتَبَّرٌ: مُكسَّرٌ مُدمَّرٌ، يعني: أنَّ الله يهدم دينهم الَّذي هم فيه، ويحطِّم أصنامهم ويجعلها رُضَاضًا (﴿وَلِيُتَبِّرُواْ﴾ [الإسراء: ٧]) أي: (يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْاْ﴾) أي: (مَا غَلَبُوا) بفتح الغين (١) المعجمة واللَّام، وذكره استطرادًا.
٣٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بمرِّ الظَّهران (نَجْنِي الكَبَاثَ) بكافٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحتين وبعد الألف مُثلَّثةٌ، ثمر الأراك النَّضيج (وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لمن معه من أصحابه (٢): (عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ، قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ؟) إذ لا يميِّز بين أنواعه غالبًا إلَّا من يلازم (٣) رعي الغنم
стр. 6724
(قَالَ) ﷺ : (وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ) موسى وغيره (إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟) ليترقَّى (١) من سياستها إلى سياسة من يُرسَل إليه، ويأخذ نفسه بالتَّواضع وتصفية القلب بالخلوة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ النُّبوَّة لم يضعها الله تعالى في أبناء الدُّنيا والمترَفين منهم، وإنَّما جعلها في أهل التَّواضع، قاله الخطَّابيُّ، ووقع عند النَّسائيِّ في «التَّفسير» بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ: افتخر أهل الإبل والشَّاء فقال النبي ﷺ : «بُعِث موسى وهو راعي غنمٍ (٢)». ووقع في رواية النَّسفيِّ ذكر «باب» من غير ترجمةٍ، وحينئذٍ فهو كالفصل من «باب قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٤٢]» قيل: فتكون مطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه حالةً من حالات موسى ﵇، لدخوله في عموم قوله: «ما من نبيٍّ إلَّا رعاها» لا سيَّما ووقع التَّصريح بذكر موسى عند النَّسائيِّ، كما سبق. وقال في «فتح الباري»: ومناسبة الحديث غير ظاهرةٍ، يعني لقوله: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] والَّذي يهجس في خاطري أنَّه كان بين التَّفسير المذكور وبين (٣) الحديث بياضٌ أخلاه لحديثٍ يدخل في التَّرجمة، ولترجمةٍ تصلح لحديث جابرٍ، ثمَّ وُصِلَ كما في نظائره، وقيل غير ذلك ممَّا لا يخلو عن تعسُّفٍ، فالله أعلم.
وهذا (٤) الحديث أخرجه أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٣]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الوليمة».
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً … ﴾ الاية [البقرة: ٦٧]) أوَّل هذه القصَّة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] قال في
стр. 6725
«الكشَّاف»: فإن قلت: فما للقصَّة لم تُقَصَّ على ترتيبها؟ وكان حقُّها أن يقدِّم ذكر القتيل والضَّرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يُقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] فقلنا: اذبحوا بقرةً واضربوه ببعضها. وأجاب: بأنَّ كلَّ ما قُصَّ من قصص بني إسرائيل إنَّما قُصَّ تعديدًا لِمَا وُجِد منهم من الجنايات، وتقريعًا لهم عليها، ولما جُدِّد فيهم من الآيات العظام، وهاتان القصَّتان كلُّ واحدةٍ منهما مستقلَّةٌ بنوعٍ من التَّقريع وإن كانتا متَّصلتين متَّحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال، وما يتبع ذلك، والثَّانية: للتَّقريع على قتل النَّفس المحرَّمة، وما يتبعه (١) من الآيات العظيمة، وإنَّما قُدِّمت قصَّة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنَّه لو عُمِل على عكسه لكانت قصَّةً واحدةً، ولذهب الغرض في تثنية التَّقريع. وحاصل القصَّة: أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ موسرٌ، فقتل ابنَه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب المدينة، ثمَّ جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله، فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ﴾ يعني: لا هرمة ولا بكرٌ، يعني: ولا صغيرةٌ ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٧ - ٦٨] (قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفَيعٌ الرِّياحيُّ فيما وصله آدم بن أبي إياسٍ في تفسيره: (﴿عَوَانٌ﴾) وفي «اليونينيَّة»: «العوان» بالتَّعريف، وفي فرعها: بالتَّنكير، أي: (النَّصَفُ) بفتح النُّون والمهملة (بَيْنَ البِكْرِ وَالهَرِمَةِ) وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ: بين الكبيرة والصَّغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدَّوابِّ والبقر، وأحسن ما يكون.
(﴿فَاقِعٌ﴾ [البقرة: ٦٩]) أي: (صَافٍ) لونها، وعن ابن عمر: كانت صفراء الظَّلف، وزاد سعيد ابن جُبَيرٍ: والقرن (٢).
(﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾) أي: (لَمْ يُذِلَّهَا العَمَلُ) -بلامٍ واحدةٍ مشدَّدةٍ بعد المعجمة المكسورة- في الحراثة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لم يُذَلِّلْها» بفتح الذَّال ولامين، أولاهما مُشدَّدةٌ، والثَّانية ساكنةٌ.
стр. 6726
(﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾) أي (١): (لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الأَرْضَ) تقلبها للزِّراعة (وَلَا تَعْمَلُ فِي الحَرْثِ) بل هي مُكرَّمةٌ حسناء صبيحةٌ.
(﴿مُسَلَّمَةٌ﴾) أي: (مِنَ العُيُوبِ) وآثار العمل. وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: مُسلَّمة القوائم والخَلْق.
(﴿لاَّ شِيَةَ﴾ [البقرة: ٧١]: بَيَاضٌ) بسقوط «لا» قبل «بياضٌ» في الفرع كأصله، وفي بعضها: «لاشيةَ: لا بياضَ» بإثبات «لا» فيهما ونَصْبِ ما بعدهما، وزاد السُّدِّيُّ: ولا سواد ولا حمرة.
(﴿صَفْرَاء﴾ [البقرة: ٦٩]) قال أبو عبيدة: (إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ، وَيُقَالُ: صَفْرَاءُ) والمعنى هنا (٢): أنَّ الصُّفرة يمكن حملها على معناها المشهور، وعلى معنى السَّواد (كَقَوْلِهِ: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]) قال مجاهدٌ: كالإبل السُّود.
(﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢]) أي: (اخْتَلَفْتُمْ) وكذا قال (٣) مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ. وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: اختصمتم فيها. قال في «الأنوار»: إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضًا، قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: - إنَّ أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنةً (٤)، حتَّى وجدوها عند رجلٍ في بقرٍ له، وكانت تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتَّى أعطَوه ملء مَسْكِها دنانير فذبحوها، فضربوه -يعني: القتيل- بعضوٍ منها فقام تشخب أوداجه دمًا، فقالوا له: من قتلك؟ قال: فلانٌ. قال ابن كثيرٍ: ولم يجئ من طريقٍ صحيحٍ عن معصومٍ بيان العضو الَّذي ضربوه به. وعن عكرمة: ما كان ثمنها إلَّا ثلاثة دنانير، رواه عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ جيِّدٍ. قال ابن كثيرٍ: والظَّاهر: أنَّه نقله عن أهل الكتاب، وكذا لم يثبت كثرة ثمنها إلَّا من نقل بني إسرائيل. وقال ابن جريجٍ: قال عطاءٌ: لو أخذوا أدنى بقرةٍ كفتهم. قال ابن جريجٍ: قال رسول الله ﷺ : «إنَّما أُمِروا بأدنى بقرةٍ، ولكنَّهم لمَّا شدَّدوا على أنفسهم
стр. 6727
شدَّد الله تعالى عليهم، وايم الله لو أنَّهم لم يستثنوا ما بُيِّنت لهم آخر الأبد».
(٣١) (بابُ) ذكر (وَفَاةِ مُوسَى) ﷺ (وَذِكْرِهِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور، ولأبي ذرٍّ: «وذكرُه» بالرَّفع، وسقوط (١) «باب» (بَعْدُ) بضمِّ الدَّال، لقطعه عن الإضافة.
٣٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) المعروف بخَتٍّ -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفوقيَّة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الحميريُّ مولاهم الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ) أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى ﵉ في صورة آدميٍّ، وكان عمر موسى إذ ذاك مئةً وعشرين سنةً (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنَّه آدميًّا حقيقة تسوَّر عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا، فلمَّا تصوَّر ذلك (صَكَّهُ) ولأبي الوقت: «فصكَّه» أي: لطمه على عينه الَّتي رُكِّبت في الصُّورة البشريَّة دون الصُّورة المَلَكيَّة، ففقأها. وعند أحمد: «أنَّ (٢) ملك الموت كان (٣) يأتي النَّاس عيانًا، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه» (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ): ربِّ (أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ) زاد في «باب من أحبَّ الدَّفن في الأرض المقدَّسة» من «الجنائز» [خ¦١٣٣٩]: «فردَّ الله عليه عينه»، وقيل: المراد بفقء العين هنا المجاز، يعني: أنَّ موسى
стр. 6728
ناظره وحاجَّه فغلبه بالحجَّة، يُقال: فقأ فلانٌ عين فلانٍ، إذا غلبه بالحجَّة، وضُعِّف هذا لقوله: «فردَّ الله عليه عينه» (قَالَ) له ربُّه: (ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ (١) عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة في الأولى، وبالمثلَّثة في الثَّانية، أي: على ظهر ثورٍ (فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتملي: «بما غطَّى» (يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا) يكون بعد هذه السِّنين؟ حياةٌ أو موتٌ؟ (قَالَ) الله : (ثُمَّ) يكون بعدها (المَوْتُ. قَالَ) موسى: (فَالآنَ) يكون الموت (قَالَ) أبو هريرة: (فَسَأَلَ اللهَ) موسى (أَنْ يُدْنِيَهُ) يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) ليُدفَن بها (٢) لشرفها (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دنوًّا، لو رمى رامٍ بحجرٍ (٣) من ذلك الموضع الَّذي هو موضع قبره؛ لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك بالتِّيه، وإنَّما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس، لأنَّه خاف أن يشتهر قبره عندهم فيُفتَنوا به. قال ابن عبَّاسٍ: «لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتَّخذوهما إلهين من دون الله» (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ) ولأبي ذرٍّ: «فلو» (كُنْتُ ثَمَّ) أي: هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٤): «من» وهي الَّتي في الفرع لا غير (جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ) وللكُشميهنيِّ: «عند» (الكَثِيبِ الأَحْمَرِ) -بالمثلَّثة-: الرَّمل المجتمع، وليس نصًّا في الإعلام بتعيين قبره، وقد اشتُهر قبر بأريحاء عند كثيبٍ أحمر أنَّه قبر موسى. وأريحاء من الأرض المقدَّسة، وأمَّا ما يُرى عند قبره المقدَّس من أشباحٍ بالقبَّة المبنيَّة عليه مختلفة الهيئات والأفعال فالله أعلم بحقيقتها، لكن أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ: أنَّه إذا وقع هناك فعل ما لا يجوز تحصل ظلمةٌ واضطرابٌ، حتَّى يُزال ذلك فتنجلي، وقد رُوِي عن وهب بن منبِّهٍ: أنَّ الملائكة تولَّوا دفنه والصَّلاة عليه (قَالَ) أي: عبد الرَّزَّاق بن همَّامٍ موصولًا بالإسناد المذكور: (وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 6729
نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث المذكور.
٣٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) قيل: هو فِنْحاصٌ -بفاءٍ مكسورةٍ ونونٍ ساكنةٍ وبعد الحاء المهملة ألفٌ فصادٌ مهملةٌ- قاله ابن بشكوال وعزاه لابن إسحاق، وتُعقِّب: بأنَّ الَّذي ذكره ابن إسحاق لفنحاصٍ مع أبي بكرٍ الصِّدِّيق في لطمه إيَّاه قصَّةً أخرى في نزول قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ﴾ الاية [آل عمران: ١٨١]. قال في «الفتح»: ولم أقف على اسم هذا اليهوديِّ في هذه القصَّة (فَقَالَ المُسْلِمُ) أبو بكر الصِّدِّيق ﵁: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى العَالَمِينَ -فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ- فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ) أبو بكرٍ الصِّدِّيق (١) (عِنْدَ ذَلِكَ) الَّذي سمعه من قول اليهوديِّ: «والَّذي اصطفى موسى على العالمين» الشَّامل لمحمَّدٍ ﷺ وسائر الأنبياء والمرسَلين وغيرهم (يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ) عقوبةً له على إطلاقه. وفي رواية عبد الله بن الفضل -الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦٣٤١٤]- وقال: «تقول: والَّذي اصطفى موسى على البشر، والنَّبيُّ بين أظهرنا؟» (فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي (٢) كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ) وزاد في رواية إبراهيم ابن سعدٍ [خ¦٢٤١١]: «فدعا النَّبيُّ ﷺ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره» (فَقَالَ) على سبيل
стр. 6730
التَّواضع: (لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) وعند أبي سعيدٍ (١) [خ¦٢٤١٢]: «لا تخيِّروا بين الأنبياء» أي: من تلقاء أنفسكم، فإنَّ ذلك قد يفضي إلى العصبيَّة، فينتهز الشَّيطان عند ذلك فرصَةً فيدعوكم إلى الإفراط والتَّفريط، فتطرون الفاضل فوق حقِّه وتبخسون المفضول حقَّه، فتقعون في مَهْوَاةِ الغيِّ، فلا تُقْدِمُوا على ذلك بآرائكم، بل بما آتاكم الله من البيان (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ) يوم القيامة (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) بعد النَّفخة الأخيرة (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ) آخذٌ (بِجَانِبِ العَرْشِ) بقوَّةٍ، وفي حديث أبي سعيدٍ: «آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش» [خ¦٢٤١٢] (فَلَا أَدْرِي: أَكَانَ فِيمَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ممَّن» (صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي؟) ثبت لفظ «قبلي» في الفرع، وسقطت من أصله (أَو كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فلم يُصعَق، فحُوسِب بصعقة الطُّور فلم يُكلَّف صعقةً أخرى.
٣٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : احْتَجَّ) أي: تحاجَّ (آدَمُ وَمُوسَى) بأشخاصهما، أو التقت أرواحهما في السَّماء فوقع التَّحاجُّ (٢) بينهما، ويحتمل وقوع ذلك في حياة موسى (فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ) وهي أَكْلُكَ من الشَّجرة الَّتي نُهيت عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] (مِنَ الجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ:
стр. 6731
أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ) اختارك الله (١) على النَّاس (بِرِسَالَاتِهِ (٢)) يعني: بأسفار التَّوراة وفيها قصَّتي (وَبِكَلَامِهِ) وبتكليمه إيَّاك (ثُمَّ) بالمثلَّثة المضمومة والميم المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بِمَ (٣)» بمُوحَّدةٍ مكسورةٍ فميمٍ مُخفَّفةٍ (تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ) بضمِّ القاف وتشديد الدَّال المكسورة (عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) وحَكَم بأنَّ ذلك كائنٌ لا محالة لعلمه السَّابق، فهل يمكن أن يصدر عنِّي (٤) خلاف علم الله؟ فكيف تغفل عن العلم السَّابق، وتذكر الكسب الَّذي هو السَّبب، وتنسى الأصل الَّذي هو القدر، وأنت من المصطَفين الأخيار الَّذين يشاهدون سرَّ الله من وراء الأستار؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَحَجَّ) أي: غلب (آدَمُ) بالرَّفع (مُوسَى) بالحجَّة في دفع اللَّوم (مَرَّتَيْنِ) متعلِّقٌ بـ «قال»، والغرض من هذا الحديث: شهادة آدم لموسى أنَّ الله اصطفاه.
وقد أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٥]، ومسلمٌ في «القدر».
٣٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، و «نُمَيرٍ» بضمِّ النُّون وفتح الميم مُصغَّرين، الواسطيُّ (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء مُصغَّرًا أيضًا، السُّلَمِيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَوْمًا، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»:
стр. 6732
(عُرِضَتْ) بضمِّ العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد الياء (الأُمَمُ) بالرَّفع مفعولًا ناب عن الفاعل. وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من رواية عبثر بن القاسم بمُوحَّدةٍ ثمَّ مُثلَّثةٍ، بوزن «جعفرٍ» في روايته عن حُصَين بن عبد الرحمن: أنَّ ذلك كان ليلة الإسراء، ولفظه: «لمَّا أُسرِي بالنَّبيِّ ﷺ جعل يمرُّ بالنَّبيِّ … » الحديث، فإن (١) كان هذا محفوظًا ففيه دلالةٌ لمن ذهب إلى تعدُّد الإسراء، وأنَّ الَّذي وقع بالمدينة غير الَّذي وقع بمكَّة، لكنَّ الإسراء الواقع -وهو بالمدينة- ليس فيه ما وقع بمكَّة، من استفتاح أبواب السَّموات بابًا بابًا إلى غير ذلك (وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ) أي: ناحية السَّماء، والسَّواد -ضدُّ البياض- هو الشَّخص الَّذي يُرى من بعيدٍ، ووصفه بالكثير إشارةً إلى أنَّ المراد: الجنس لا الواحد (فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ) وفي حديث ابن مسعودٍ عند أحمد: «حتَّى مرَّ على موسى في كبكبةٍ، أي: جماعةٍ من بني إسرائيل، فأعجبني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هو أخوك موسى معه بنو إسرائيل».
وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث هنا مختصرًا جدًا، وأخرجه مُطوَّلًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٠٥] و «الرِّقاق» [خ¦٦٥٤١]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».
(٣٢) (بابُ: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]) هذا مَثَلٌ ضربه للمؤمنين -أنَّهم لا يضرُّهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم- بحالِ (٢) آسية بنت مزاحمٍ امرأة فرعون ومنزلتها عند الله، مع أنَّها كانت تحت أعدى أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ضرَّ امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربَّها، ليعلموا أنَّ الله حَكَمٌ عدلٌ لا يؤاخذ أحدًا إلَّا بذنبه. ورُوِي: أنَّه لمَّا غلب موسى السَّحرة قالت آسية: آمنت بربِّ موسى وهارون، فلمَّا تبيَّن لفرعون إسلامها؛ أوتد يديها
стр. 6733
ورجليها بأربعة أوتادٍ، وألقاها في الشَّمس. قال سلمان (١): فإذا (٢) انصرفوا عنها أظلَّتها الملائكة بأجنحتها، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] فكشف الله لها عن بيتها في الجنَّة حتَّى رأته من درَّةٍ، فضحكت حين رأت بيتها وفرعون حاضرٌ، فقال: ألا تعجبون من جنونها، إنَّا نعذِّبها وهي تضحك، ثمَّ أمر بصخرةٍ عظيمةٍ تُلقَى عليها فانتزعت روحها، ثمَّ أُلقِيت الصَّخرة على جسدٍ لا روح فيه، فلم تجد ألمًا. وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنَّة، فهي تأكل وتشرب (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَتْ﴾) أي: مريم ابنة عمران (﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]) قال القاضي (٣): من عداد المواظبين على الطَّاعة، والتَّذكير للتَّغليب والإشعار بأنَّ طاعتها لم تقصر عن طاعة الرِّجال الكاملين، حتَّى عُدَّت من جملتهم، أو من نسلهم، فتكون «من» ابتدائيَّةً، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾» وقال: «إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾».
٣٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجرَّاح بن مَليح بن عديٍّ (٤) الرُّؤاسي -بضمِّ الرَّاء وهمزةٍ (٥) ثمَّ سينٍ مهملةٍ- العابد الكوفيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مُرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، المراديِّ الأعمى الكوفيِّ (عَنْ مُرَّةَ) بن شَرَاحِيل (٦) المخضرَم (الهَمْدَانِيِّ) كان يصلِّي ألف ركعةٍ في كلِّ يومٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَمَلَ) بفتح الميم في الفرع وأصله، وتُضَمُّ وتُكسَر (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ) بضمِّ الميم
стр. 6734
(مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) قيل: وكانت ابنة عمِّ فرعون، وقيل: من العماليق، وقيل: من بني إسرائيل من سبط موسى، وقال السُّهيليُّ: هي عمَّة موسى (وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) أمُّ عيسى. وقال في «الكواكب»: ولا يلزم من لفظ الكمال نبوَّتهما؛ إذ هو مطلقٌ (١) لتمام الشَّيء وتناهيه في بابه، فالمراد: تناهيهما في جميع الفضائل الَّتي للنِّساء، وقد نُقِل الإجماع على عدم النُّبوَّة لهنَّ. انتهى. وهذا مُعارَضٌ بما نُقِل عن الأشعريِّ: أنَّ من النِّساء من نُبِّئ، وهن ستٌّ: حوَّاء وسارة وأمُّ موسى -واسمها يوخابذ (٢)، وقيل: أباذخا (٣)، وقيل: أياذخت (٤) - وهاجر وآسية ومريم، والضَّابط عنده: أنَّ من جاءه الملك عن الله بحكمٍ من أمرٍ أو نهيٍ أو بإعلامه شيئًا فهو نبيٌّ، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمورٍ شتَّى من ذلك من عند الله تعالى، ووقع التَّصريح بالإيحاء لبعضهنَّ في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ [القصص: ٧] الآية. وقال تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: ٥٨] فدخلت في عمومه. وقال القرطبيُّ: الصحيح أنَّ مريم نبيَّةٌ لأنَّ الله أوحى إليها بواسطة المَلَك، وأمَّا آسية فلم يأتِ ما يدلُّ على نبوَّتها، واستدلَّ بعضهم لنبوَّتها ونبوَّة مريم بالحصر في حديث الباب حيث قال: «ولم يكمُل من النِّساء إلَّا آسية ومريم» قال: لأنَّ أكمل النَّوع الإنسانيِّ الأنبياء ثمَّ الأولياء والصِّدِّيقون والشُّهداء، فلو كانتا غير نبيَّتين للزم ألَّا يكون في النِّساء وليَّةٌ ولا صدِّيقةٌ ولا شهيدةٌ، والواقع: أنَّ هذه الصِّفات في كثيرٍ منهنَّ موجودةٌ، فكأنَّه قال: لم يُنبَّأ من النِّساء إلَّا فلانةٌ وفلانةٌ، ولو قال: لم تثبت صفة الصِّديقيَّة أو الولاية أو
стр. 6735
الشَّهادة إلَّا لفلانةٍ وفلانةٍ لم يصحَّ، لوجود ذلك في غيرهنَّ، إلَّا أن يكون المراد بالحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتمُّ الدَّليل على ذلك لأجل ذلك (١)، واحتجَّ المانعون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي (٢) إِلَيْهِم﴾ [يوسف: ١٠٩]، وأُجيب بأنَّه لا حجَّة فيه، لأنَّ أحدًا لم يدَّعِ فيهنَّ الرِّسالة، وإنَّما الكلام في النُّبوَّة فقط.
(وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَلَى النِّسَاءِ) أي: نساء هذه الأمَّة (كَفَضْلِ الثَّرِيدِ) بالمثلَّثة (عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) قيل: إنَّما مثَّلَ بالثَّريد لأنَّه أفضل طعام العرب، ولأنَّه ليس في الشِّبع أغنى غناءً منه، وقيل: إنَّهم كانوا يحملون الثَّريد فيما طُبِخ بلحمٍ، ورُوِي: «سيِّد الطَّعام اللَّحم» فكأنَّها (٣) فُضِّلت على النِّساء كفضل اللَّحم على سائر الأطعمة، والسِّرُّ فيه: أنَّ الثَّريد مع اللَّحم جامعٌ بين الغذاء واللَّذَّة والقوَّة وسهولة التَّناول (٤) وقلَّة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء، فضُرِب به مثلًا ليُؤذَن بأنَّها أُعطِيت مع حسن الخُلق حسن الخَلق وحلاوة المنطق وفصاحة اللَّهجة وجودة القريحة ورزانة الرَّأي ورصانة العقل والتَّحبُّب إلى البعل، فهي تصلح للتَّبعُّل والتَّحدُّث والاستئناس بها والإصغاء إليها، وحسبك أنَّها عقلت من النَّبيِّ ﷺ ما لم يعقل غيرها من النِّساء، وروت ما لم يروِ مثلها من الرِّجال، وممَّا يدلُّ على أنَّ الثَّريد أشهى الأطعمة عندهم وألذُّها قول شاعرهم:
إذا ما الخبزُ تأدمُه بلحمٍ … فذاك أمانة الله الثَّريدُ قاله في «فتوح الغيب».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضل عائشة» [خ¦٣٧٦٩] وفي «الأطعمة» [خ¦٥٤١٨]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «المناقب» و «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «الأطعمة»، والله أعلم (٥).
стр. 6736
(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى … ﴾ الاية [القصص: ٧٦]) قال ابن عبَّاسٍ: ابن عمِّه لأنَّه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث، وقال ابن إسحاق: كان قارون عمَّ موسى أخا عمران، وهما ابنا يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتَّوراة من قارون، وكان يُسمَّى المُنوَّر لحسن صوته بالتَّوراة، ولكنَّه (١) نافق كما نافق السَّامريُّ، فأهلكه الله.
(﴿لَتَنُوءُ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] أي: (لَتُثْقِلُ) -بضمِّ الفوقيَّة وكسر القاف- المفاتيح.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير قوله تعالى: (﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾) أي: (لَا يَرْفَعُهَا) أي: المفاتيح (العُصْبَةُ) أي: الجماعة الكثيرة (مِنَ الرِّجَالِ) لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل: أنَّ مفاتيح كنوز قارون من جلودٍ، كلُّ مفتاحٍ (٢) مثل الأصبع، كلُّ مفتاح لكنزٍ (٣)، فإذا رَكِبَ (٤)؛ حُمِلت على ستِّين بغلًا، وقيل: كان يعلم علم الكيمياء علَّمه له موسى، أُنزِل عليه من السَّماء، وكان ذلك سبب كثرة مال قارون، لكن قال الزَّجَّاج: هذا لا يصحُّ، لأنَّ الكيمياء علمٌ لا حقيقة له. قال الطِّيبيُّ: ولعلَّ ذلك كان من قبيل المعجزة (يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]) أي (٥): (المَرِحِينَ) وقال مجاهدٌ: يعني: الأَشِرين البَطِرين الَّذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم،
стр. 6737
وقال بعضهم: لا يفرح بالدُّنيا إلَّا من اطمأنَّ إليها، فأمَّا من يعلم أنَّه سيفارقها عن قريبٍ، لم يفرح، وما أحسن قول المتنبِّي (١):
أشدُّ الغمِّ عندي في سرورٍ … تيقَّن (٢) عنه صاحبُه انتقالا
(﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾) قال أبو عبيدة: هو (٣) (مِثْلُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ﴾ [لقمان: ٢٩]) وقال غيره: كلمةٌ مستعملةٌ عند التَّنبيه للخطأ وإظهار التَّندُّم، فلمَّا قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] ثمَّ شاهدوا الخسف به تنبَّهوا لخطئهم (٤)، ثمَّ قالوا: كأنَّه (﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء﴾) من عباده (﴿وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢]) أي: (وَ (٥) يُوَسِّعُ عَلَيْهِ) بحسب مشيئته وحكمته، لا لكرامته عليه (وَيُضَيِّقُ) عليه (٦)، لا لهوان من يضيِّق عليه (٧) بل لحكمته، وله الحجَّة البالغة. وهذا الباب وتاليه ثابتٌ في رواية المُستملي والكُشْميهَنيِّ فقط.
(٣٤) (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾) قيل: أعجميٌّ مُنِع من الصَّرف للعجمة والعلميَّة (٨)،
стр. 6738
وهو مدين بن إبراهيم ﵇ (﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]) وهو ابن (١) نُوَيب بن مدين (٢) بن إبراهيم، وقال ابن إسحاق: شعيب بن ميكيل (٣) بن يشجر بن مدين بن إبراهيم، أي: أرسلنا شعيبًا (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ) يعني: على حذف مضافٍ (لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ) على بحر القلزم، محاذيةً لتبوك على ستِّ مراحل منها، وأنشد الفرَّاء:
رهبانُ مدينَ والَّذين عهدتُهم … يبكون من حَذَرِ العذابِ قُعودا
لو يسمعون كما سمعتُ كلامَها … خرُّوا لعزَّة ركَّعًا وسجودا
وهذا عربيٌّ، فمنعه للعلميَّة والتَّأنيث (وَمِثْلُهُ) في حذف المضاف: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلِ ﴿وَالْعِيْرَ﴾ [يوسف: ٨٢] يَعْنِي: أَهْلَ القَرْيَةِ وَأَهْلَ العِيرِ) ويجوز أن يُراد بالمكان ساكنوه. وقيل: «مدين» أعجميٌّ مُنِع للعلميَّة والعجمة، وكان شُعيبٌ يُقال له: خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل كفرٍ وبخسٍ للمكيال والميزان.
(﴿وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]) بسورة هودٍ، أي: (لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ) فالضَّمير في ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ يعود على الله، وقيل: يعود على العصيان، أي: واتَّخذتم العصيان عونًا على عداوتي، فالظَّهريُّ على هذا بمعنى: المعين المقوّي، والظِّهريُّ (٤) هو المنسوب إلى الظَّهر، والكسر من تغييرات النَّسب، كقولهم في النِّسبة إلى الأمس: إِمسيٌّ بكسر الهمزة، وإلى الدَّهر: دُهريٌّ بضمِّ
стр. 6739
الدَّال (يُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «ويُقال: إذا لم تقض» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة: (ظَهَرْتَ) بفتح الظَّاء المعجمة والهاء وسكون (١) الرَّاء وفتح الفوقيَّة (حَاجَتِي) أي: جعلتها وراء ظهرك (وَ) يُقال أيضًا إذا لم يلتفت إليه ولا قضى حاجته: (جَعَلَتْنِي ظِهْرِيًّا) أي: وراء ظهرك. و (قَالَ) أي: البخاريُّ: (الظِّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) أي: تتقوَّى به (مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) وفي نسخةٍ بجرِّهما. قال في «الفتح»: هكذا وقع، وإنَّما هو في قصَّة شعيبٍ ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ٩٣] ثمَّ هو قول أبي عبيدة، قال في تفسير يس في قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: المكان والمكانة واحدٌ.
(﴿يَغْنَوْاْ﴾) في قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ [هود: ٩٥]. أي: لم (يَعِيشُوا) فيها، والمعنى: الدَّار، والجمع: مغانٍ بالغين المعجمة، قاله أبو عبيدة.
(يَأْيَسُ) بفتح التَّحتيَّة بعدها همزةٌ ساكنةٌ فتحتيَّةٌ مفتوحةٌ، أي: (يَحْزَنُ) وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]. ولأبي ذرٍّ: «تأسَ» بإسقاط التَّحتيَّة بعد الهمزة «تحزن» وبالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة فيهما (٢).
(﴿آسَى﴾) في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣] أي: كيف (أَحْزَنُ) وأتوجَّع؟!
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله: (﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ) كما يُقال للبخيل الخسيس: لو رآك حاتمٌ لسجد لك، وقال ابن عبَّاسٍ: أرادوا: السَّفيه الغاوي، والعرب تصف الشَّيء بضدِّه، فتقول للَّديغ: سليمٌ، وللفلاة: مفازةُ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْكَةُ) بلامٍ مفتوحةٍ من غير ألفِ وصلٍ قبلها ولا همزةٍ بعدها، وهي قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وابن عامرٍ، هي: (الأَيْكَةُ) بهمزة وصلٍ وسكون اللَّام بعدها همزةٌ مفتوحةٌ، وهي قراءة الباقين، أي: الغيضة، فيكونان مترادفين، وقيل: الأيكة غيضةٌ، نبتٌ (٣) ناعم
стр. 6740
الشَّجر، يريد: غيضةٌ بقرب مدين يسكنها طائفةٌ، وقيل: شجرٌ ملتفٌّ، و «ليكة» -بغير ألفٍ- اسمُ بلدهم، وبقيَّة مباحث ذلك في كتابي «الجامع للقراءات الأربع عشرة».
(﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]) هو (إِظْلَالُ الغَمَامِ العَذَابَ (١)) ولأبي ذرٍّ: «إظلال العذاب (٢)» (عَلَيْهِمْ) ورُوِي: أنَّه أخذهم حرٌّ شديدٌ فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشدَّ حرًّا، فخرجوا فأظلَّتهم سحابةٌ؛ وهي الظُّلَّة، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا. وهذا الباب كلُّه ثابتٌ في رواية الكُشْميهَنيِّ والمُستملي فقط كالَّذي قبله.
(٣٥) (بابُ: قَوْلِ اللهِ (٣) تَعَالَى) الباب ساقطٌ من الفرع ثابتٌ في أصله: (﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]) أي: هو من المرسلين حتَّى في هذه الحالة (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]) حالٌ (٤).
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابن جريرٍ في تفسير ﴿مُلِيمٌ﴾ أي: (مُذْنِبٌ) بفعلِه خلافَ الأَولى، وقيل: مليمٌ نفسه.
(﴿الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]) أي: (المُوَقَّر) بفتح القاف: المملوء.
(﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ … ﴾ الاية [الصافات: ١٤٣]) أي: الذَّاكرين الله كثيرًا بالتَّسبيح مدَّة عمره، أو في بطن الحوت، وهو قوله: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: حيًّا أو ميتًا.
(﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾) طرحناه.
стр. 6741
(﴿بِالْعَرَاء﴾) أي: (بِوَجْهِ الأَرْضِ) قيل: على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن، فالله أعلم، وأضاف الله تعالى النَّبذ إلى نفسه المقدَّسة مع أنَّه إنَّما حصل بفعل الحوت؛ إيذانًا بأنَّ فعل العبد مخلوقٌ له تعالى (﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]) ممَّا حصل له قيل: صار بدنه كبدن الطِّفل حين يُولَد.
(﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]) أي: (مِنْ غَيرِ ذَاتِ أَصْلِ) بل تنبسط (١) على وجه الأرض ولا تقوم على ساق (الدُّبَاءِ) بالجرِّ بدلًا أو بيانًا (٢) (وَنَحْوِه) كالقثَّاء والبطِّيخ؛ وقال البغويُّ: المراد هنا القرع على قول جميع المفسِّرين.
(﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾) هم قومه الَّذين هرب عنهم، وهم أهل نينوى (﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾) في مرأى النَّاظر، أي: إذا نظر إليهم، قال: هم مئة ألفٍ أو أكثر، والمراد: الوصف بالكثرة (﴿فَآمَنُوا﴾) فصدَّقوه (﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨]) إلى أجلهم المسمَّى، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾» إلى آخر قوله: «﴿فَآمِنُوا﴾».
(﴿وَلَا تَكُن﴾) يا محمَّد (﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾) يونس (﴿إِذْ نَادَى﴾) في بطن الحوت (﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]) أي: (﴿كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]) يعني: أنَّ (٣) ﴿مَكْظُومٌ﴾ بوزن «مفعول» بمعنى: ﴿كَظِيمٌ﴾ بوزن «فعيلٍ» أي: (وَهْو مَغْمُومٌ) وسقط قوله: «وهو» لأبي ذرٍّ.
وكانت قصَّة يونس: أنَّ الله تعالى بعثه إلى أهل (٤) نِيْنَوَى، وهي من أرض الموصل فكذَّبوه، فوعدهم بنزول العذاب في وقتٍ مُعيَّنٍ، ففارقهم إذ لم يتوبوا، فلمَّا دنا الموعد أغامت (٥) السَّماء غيمًا أسود ذا دخانٍ شديدٍ، فهبط حتَّى غشي مدينتهم فهابوا، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فأيقنوا صدقه (٦)، فلبسوا المُسوح وبرزوا إلى الصَّعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابِّهم، وفرَّقوا
стр. 6742
بين كلِّ والدةٍ وولدها، فحنَّ بعضها إلى بعضٍ، وعلت الأصوات والعجيج، وأخلصوا التَّوبة وأظهروا الإيمان، وتضرَّعوا إلى الله فرحمهم وكشف عنهم، وأمَّا يونس فإنَّه لم يعرف الحال، فظنَّ أنَّه كَذَبَهُم، فغضب من ذلك وذهب فركب مع قومٍ في سفينةٍ، فوقفت فقال لهم يونس: إنَّ معكم عبدًا أبقَ من ربِّه، وإنَّها لا تسير حتَّى تُلقوه فاقترعوا، فخرجت القرعة عليه فقال: إنِّي (١) أنا الآبق، وزجَّ بنفسه في الماء، فأرسل الله من البحر الأخضر حوتًا، فشقَّ (٢) البحار حتَّى جاء فالتقمه، وأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت: لا تأكل له لحمًا ولا تهشم له عظمًا، فإنَّه ليس لك رزقًا، وإنَّما بطنك له سجنٌ، فنادى في الظُّلمات -ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة اللَّيل- ﴿أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقال (٣) عوفٌ الأعرابيُّ: لمَّا صار يونس في بطن الحوت ظنَّ أنَّه قد مات، فحرَّك رجليه فتحرَّكتا، فسجد مكانه، فلمَّا انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا (٤)، فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه: هذا تسبيح دوابِّ البحر، فسبَّح، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربَّنا إنَّا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرضٍ غريبةٍ. قال: ذاك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت، فشفعوا له (٥)، فأمر الله الحوت (٦) فقذفه في السَّاحل، وهو كهيئة الفرخ الممعوط الَّذي ليس عليه ريشٌ. قال أبو هريرة: وهيَّأ (٧) الله له أُرويَّةً وحشيَّةً تأكلُ من خَشَاش الأرض، فتتفشَّخُ عليه فترويه من لبنها بكرةً وعشيَّةً، وأنبت الله عليه شجرةً من يقطينٍ مظلَّةً عليه، قيل: إنَّها يبست وبكى عليها، فأوحى الله تعالى إليه: أتبكي على شجرةٍ ولا تبكي على مئة ألفٍ أو يزيدون أردت أن تُهلكهم.
стр. 6743
٣٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي (١): ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَعْمَشُ) سليمان.
(ح: حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال (٢): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ) -بالهمزة- (٣) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُولَنَّ (٤) أَحَدُكُمْ: إِنِّي) يريد: نفسه الشَّريفة، أو غيره (خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ، زَادَ مُسَدَّدٌ) في روايته (٥): (يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بفتح الميم والفوقيَّة المشدَّدة، قيل: وخُصَّ يونس بالذِّكر، لِمَا يُخشى على مَن سمع قصَّته أن يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذكر فضله لسدِّ هذه الذَّريعة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٣]، وكذا النَّسائيُّ.
٣٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوْضِيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) ابن دعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيعٍ الرِّياحيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ) «متَّى» وهو يردُّ على من قال: إنَّ «متَّى» اسم أمِّه، وقال ذلك ﷺ تواضعًا إن كان قد (٦) قاله بعد أن علم أنَّه سيِّد البشر.
стр. 6744
٣٤١٤ - ٣٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مُصغَّرًا (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي (١) سلمة الماجِشُون -بكسر الجيم، بعدها شينٌ مُعجَمةٌ مضمومةٌ- المزنيِّ، نزيل بغداد (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ) -بفتح الفاء وسكون الضَّاد المعجمة- ابن العبَّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلب الهاشميِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (يَهُودِيٌّ) لم يُعرَف اسمه، أو هو فِنْحاصٌ، وضُعِّف (يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ) على النَّاس ليرغِّبهم في شرائها (أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا) من الثَّمن بخسًا (كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا) أبيعها بهذا الثَّمن البخس (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) أخرج سفيان بن عيينة في «جامعه» وابن أبي الدُّنيا في كتابه (٢) «البعث» من طريقه عن عمرو بن دينارٍ وابن جدعان عن سعيد بن المسيَّب قال: «كان بين رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ وبين رجلٍ من اليهود كلامٌ في شيءٍ -قال عمرو بن دينارٍ: هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق- فقال اليهوديُّ: والَّذي اصطفى موسى على البشر» وهذا يعكِّر على قوله في حديث الباب: «فسمعه رجلٌ من الأنصار» إلَّا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعمَّ، فإنَّ أبا بكرٍ من أنصار النَّبيِّ ﷺ قطعًا، بل هو رأس من
стр. 6745
نصره ومُقدَّمهم وسابقهم، قاله في «الفتح» (فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟) جمع ظهر، ومعناه: أنَّه بينهم على سبيل الاستظهار، كأنَّ ظهرًا منهم قدَّامه وظهرًا وراءه، فهو مكنونٌ (١) من جانبيه إذا قيل: بين ظهرانيهم، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، أو لفظ: «أظهرنا» مُقحَمٌ، كما قاله الكِرمانيُّ (فَذَهَبَ) اليهوديُّ (إِلَيْهِ) ﷺ (فَقَالَ: أَبَا القَاسِمِ) أي: يا أبا القاسم (إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا) مع المسلمين (فَمَا بَالُ فُلَانٍ) أبي بكرٍ أخفر ذمَّتي ونقض عهدي إذ (لَطَمَ وَجْهِي؟) فدعاه النَّبيُّ ﷺ (فَقَالَ) ﵊ له: (لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟) مع ما له من الذِّمَّة والعهد (فَذَكَرَهُ) أي: أمره مع اليهوديِّ (فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لذلك (حَتَّى رُئِيَ) الغضب (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ) من قِبل أنفسكم، أو تفضيلًا يؤدِّي إلى تنقيصٍ أو إلى خصومةٍ ونزاعٍ (فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) النَّفخة الأولى (فَيَصْعَقُ) أي: يموت بها (مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) ممَّن كان حيًّا حتَّى يكون آخر من يموت ملك الموت (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ) قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (٢)، فإنهم يموتون بعد (٣)، وقيل: حملة العرش (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ) نفخةً (أُخْرَى) للبعث من القبور (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ) من قبره -بضمِّ الموحَّدة وكسر العين المهملة (٤) وفتح المثلَّثة مبنيًّا للمفعول- (فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ) أي: بقائمةٍ من قوائمه كما في حديث أبي سعيدٍ (فَلَا أَدْرِي: أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ) لمَّا سأل الرُّؤية فلم يُصعَق (أَمْ بُعِثَ) بضمِّ الموحَّدة وكسر العين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يُبعَث» بالمضارع المبنيِّ للمجهول (٥) (قَبْلِي) والظَّاهر: أنَّه ﵊ لم يكن عنده علمُ ذلك حتَّى أعلمه الله تعالى، فقد أخبر عن نفسه الكريمة: أنَّه أوَّل من ينشقُّ عنه القبر (٦). (وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) قاله تواضعًا. قال ابن مالكٍ: استُعمِل «أحدًا» في الإثبات لمعنى العموم، لأنَّه في سياق النَّفي، كأنَّه قيل: لا أحد أفضل من يونس، والشَّيء قد يُعطَى حكم ما هو في معناه
стр. 6746
وإن اختلفا في اللَّفظ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا (١) أَنَّ اللهَ الَّذِي (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] فأُجرِي في دخول الباء على الخبر مجرى «أوليس الَّذي» لأنَّه بمعناه، ومن إيقاع «أحدٍ» في الإيجاب المُؤوَّل بالنَّفي قول الفرزدق (٣):
ولو سُئِلت عنِّي نوارُ وأهلها … إذًا أحدٌ لم تنطق الشَّفتان
فإنَّ «أحدًا» وإن وقع مثبتًا (٤) لكنَّه في الحقيقة منفيٌّ، لأنَّه مُؤخَّرٌ معنًى، كأنَّه قال: إذًا لم ينطق منهم أحدٌ.
٣٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) قال ابن أبي جمرة: يريد بذلك: نفي التَّكييف (٥) والتَّحديد على ما قاله ابن الخطيب، لأنَّه قد وُجِدت الفضيلة بينهما في عالم الحسِّ، لأنَّ نبيَّنا ﷺ أُسرِي به إلى فوق السَّبع الطِّباق؛ ويونس نُزِل به إلى قعر البحر، وقد قال نبيُّنا ﷺ : «أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة»، فهذه الفضيلة (٦) وُجِدت بالضَّرورة، فلم يبق أن يكون قوله ﵊: «لا تفضِّلوني على يونس بن متَّى، ولا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس» إلَّا بالنِّسبة إلى القرب من الله والبعد، فمحمَّدٌ ﷺ وإن أُسرِي به إلى فوق (٧) السَّبع الطِّباق واخترق الحجب، ويونس وإن نُزِل به
стр. 6747
لقعر البحر (١)، فهما بالنِّسبة إلى القرب والبعد من الله على حدٍّ واحدٍ. انتهى.
(٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿واَسْأَلْهُمْ﴾) بهمزة وصلٍ وسكون السِّين، أي: واسأل -يا محمَّد- اليهود، ولأبي ذرٍّ: «﴿واَسْأَلْهُمْ﴾» بإسقاط الألف وفتح السِّين (٢) (﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾) عن خبر أهلها (﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾) أي: قريبةً منه، وهي أيلة، قريةٌ (٣) بين مدين والطُّور على شاطئ البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبريَّة (﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾) أي: (يَتَعَدَّوْنَ) أي: (يَتَجَاوَزُونَ) وفي «اليونينيَّة» وفرعها: «يُجاوِزون» بضمِّ التَّحتيَّة وسقوط الفوقيَّة وكسر الواو (فِي السَّبْتِ) حدود الله بالصَّيد فيه (﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) ظرفٌ لـ ﴿يَعْدُونَ﴾ (﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾) يوم تعظيمهم أمر السَّبت، مصدر «سبتت اليهود» إذا عظَّمت سبتها بالتَّجرُّد للعبادة (﴿شُرَّعاً﴾) أي: (شَوَارِعَ) قاله أبو عبيدة (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ إلى قوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾» رُوِي: أنَّ النَّاهين لمَّا أيسوا عن اتِّعاظ (٤) المعتدين كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدارٍ وفيه بابٌ مطروقٌ، فأصبحوا يومًا ولم يخرج إليهم أحدٌ من المعتدين، فقالوا: إنَّ لهم لشأنًا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردةٌ، فلم يعرفوا أنسابهم، ولكنَّ القردة تعرفهم، فكان القرد يأتي إلى نسيبه فيحتكُّ به فيقول الإنسان: أنت فلانٌ؟ فيشير برأسه، أي: نعم، فيقول له (٥): أما حذَّرتك عقوبة الله أن تصيبك، ثمَّ ماتوا بعد ثلاثٍ (٦). قال ابن عبَّاسٍ: ما طَعِمَ مَسْخٌ قطُّ ولا عاش فوق
стр. 6748
ثلاثٍ. وعن مجاهدٍ: مُسِخت قلوبهم لا أبدانهم. وروى ابن جريرٍ (١) من طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ: صار شبابهم قردةً وشيوخهم خنازير، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾» وزاد: «﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]» أي: «شديدٍ»، «فعيلٍ» من بؤس يبؤس (٢) بأسًا إذا اشتدَّ.
(٣٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ (٣) تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ﴾) هو ابن إِيْشا -بهمزةٍ مكسورةٍ وتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعدها شينٌ معجمَةٌ- ابن عَوْبَدٍ -بعينٍ مهملةٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ بينهما واوٌ ساكنةٌ آخره دالٌ مهملةٌ، بوزن: جعفرٍ- ابن باعَر -بمُوحَّدةٍ فألفٍ فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ- ابن سلمون بن ريابٍ -بتحتيَّةٍ آخره مُوحَّدةٌ- ابن رام (٤) بن حَضرون -بمهملةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ- ابن فارص -بفاءٍ فألفٍ فراءٍ فصادٍ مهملةٍ- ابن يهوذا بن يعقوب (﴿زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] الزُّبُرُ) هي (الكُتُبُ، وَاحِدُهَا: زَبُورٌ، زَبَرْتُ) أي: (كَتَبْتُ) وهذا ثابتٌ للكشميهنيِّ والمُستملي، وكان فيها التَّحميد والتَّمجيد والثَّناء على الله . وقال القرطبيُّ: كان فيه مئةٌ وخمسون سورةً، ليس فيها حكمٌ ولا حلالٌ ولا حرامٌ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومواعظ. وكان داود حسن الصَّوت، إذا أخذ في قراءة الزَّبور؛ اجتمع عليه الإنس والجنُّ والوحش والطَّير لحُسْنِ صوته.
стр. 6749
(﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾) نبوَّةً وكتابًا، أو ملكًا، أو جميع ما أُوتِي من حسن الصَّوت، بحيث إنَّه كان إذا سبَّح تسبِّح معه الجبال الرَّاسيات الصُّمُّ الشَّامخات، وتقف له الطُّيور السَّارحات والغاديات والرَّائحات، وتجاوبه بأنواع اللُّغات، وتليين الحديد، وغير ذلك ممَّا خُصَّ (١) به: (﴿يَا جِبَالُ﴾) محكيٌّ بقولٍ مُضمَرٍ، ثمَّ إن شئت قدَّرته مصدرًا، ويكون بدلًا من ﴿فَضْلًا﴾ على جهة تفسيره به، كأنَّه قيل: «آتيناه فضلًا قولنا: يا جبال» وإن شئت قدَّرته فعلًا، وحينئذٍ لك وجهان، إن شئت جعلته بدلًا من ﴿آتَيْنَا﴾ معناه: «آتينا قلنا: يا جبال» وإن شئت جعلته مستأنفًا، وثبت للمُستملي والكُشْميهَنيِّ قوله: «﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ … ﴾ إلى آخره» (٢) (﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: أي (٣): (سَبِّحِي مَعَهُ) وعن الضَّحَّاك: هو التَّسبيح بلغة الحبشة، قال ابن كثيرٍ: وفي هذا نظرٌ، فإنَّ التَّأويب في اللُّغة هو التَّرجيع، وقال (٤) وهبٌ: نُوحي معه، وذلك إمَّا بخلق صوتٍ مثل صوته فيها، أو بحملها إيَّاه على التَّسبيح إذا تأمَّل ما فيها، وقيل: سيري معه حيث سار، والتَّضعيف للتَّكثير.
(﴿وَالطَّيْرَ﴾) نُصِب في قراءة العامَّة عطفًا (٥) على محلِّ ﴿جِبَالُ﴾ لأنَّه منصوبٌ تقديرًا، ويجوز الرَّفع، وبه قرأ رَوْحٌ عطفًا على لفظ (٦) ﴿جِبَالُ﴾ وفي هذا من الفخامة والدَّلالة على عظمة داود وكبرياء سلطانه ما فيه، حيث جعل الجبال والطُّيور كالعقلاء المنقادين لأمره، وليس التَّأويب منحصرًا في الطَّير والجبال، ولكن ذكر الجبال لأنَّ الصُّخور للجمود، والطُّيور للنُّفور، وكلاهما تُستبعَد منه الموافقة، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، ورُوِي: أنَّه كان إذا نادى بالنِّياحة
стр. 6750
أجابته الجبال بصداها، وعكفت عليه الطُّيور، فصدى الجبال الَّذي يسمعه النَّاس اليوم من ذلك، وقيل: كان إذا تخلَّل الجبال فسبَّح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتَّسبيح نحو ما يسبِّح، وقيل: كان إذا لحقه فتورٌ أسمعه الله تسبيح الجبال، تنشيطًا له، وثبت للكشميهنيِّ والمُستملي «سبِّحي معه» (﴿وَأَلَنَّا﴾) عطفٌ على ﴿آتَيْنَا﴾ (﴿لَهُ الْحَدِيدَ﴾) حتَّى كان في يده كالشَّمع والعجين، يعمل منه ما يشاء من غير نارٍ ولا ضرب مطرقةٍ، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، وذلك في قدرة الله يسيرٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَالطَّيْرَ﴾ إلى: ﴿الْحَدِيدَ﴾» (﴿أَنِ اعْمَلْ﴾) بأن اعمل (﴿سَابِغَاتٍ﴾) أي: (الدُّرُوعَ) الكوامل الواسعات الطِّوال تُسحب في الأرض، وذكر الصِّفة ويُعلَم منها الموصوف (﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]) أي: (المَسَامِيرِ وَالحَلَقِ) أي: قدِّر (١) المسامير وحلق الدُّروع (وَلَا تُدِقَّ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الدَّال المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولا تُرِقَّ» بالرَّاء بدل الدَّال (المِسْمَارَ) أي: لا تجعل مسمار الدِّرع دقيقًا، أو لا تجعله رقيقًا (فَيَتَسَلْسَلَ) يُقال: تسلسل الماء، أي: جرى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فَيَسْلَسَ (٢)» أي: فلا يستمسك (وَلَا تُعَظِّمْ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه مُشدَّدًا، أي: المسمار (فَيَفْصِمَ) أي: يكسر الحلق، اجعله على قدر الحاجة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «فينفصم» بزيادة نونٍ ساكنةٍ قبل الفاء، وهذا فيه نظرٌ، لأنَّ دروعه (٣) لم تكن مُسمَّرةً، ويؤيِّده قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ والمعنى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: في نسجها بحيث يتناسب حلقها. قال قتادة: وهو أوَّل من عملها من الحلَق، وإنَّما كانت قبل صفائح. وعند ابن أبي حاتمٍ: أنَّه كان يرفع كلَّ يومٍ درعًا فيبيعها بستَّة آلاف درهمٍ، ألفين له ولأهله، وأربعة آلافٍ يطعم بها بني إسرائيل خبز الحُوَّارَى، وقوله: «الزُّبر … » إلى (٤) هنا ثابتٌ في
стр. 6751
رواية المُستملي والكُشْميهَنيِّ (﴿أَفْرِغْ﴾) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء والفاء ساكنةٌ (١)، يريد: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] (أي: أَنْزِلْ).
(﴿بَسْطَةً﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: (زِيَادَةً وَفَضْلًا) وكلتا الكلمتين في قصَّة طالوت، وهذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ. والوجه إسقاطه كما لا يخفى.
(﴿وَاعْمَلُوا﴾) داود وأهله (﴿صَالِحًا﴾) في الَّذي أعطاكم من النِّعم (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]) مُراقِبٌ لكم، بصيرٌ بأعمالكم وأقوالكم (٢).
٣٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ﵇ القُرْآنُ) قال التُّورِبشتيُّ: أي: الزَّبور، وإنَّما قال: القرآن، لأنَّه قصد به إعجازه من طريق القراءة، وقال غيره: قرآن كلِّ نبيٍّ يُطلَق على كتابه الَّذي أُوحِي إليه، وقد دلَّ الحديث على أنَّ الله تعالى يطوي الزَّمان لمن شاء (٣) من عباده؛ كما يطوي المكان لهم. قال النَّوويُّ: إنَّ بعضهم كان يقرأ أربع ختماتٍ باللَّيل وأربعًا بالنَّهار. ولقد رأيتُ أبا الطَّاهر بالقدس الشَّريف سنة سبعٍ وستِّين وثمان مئةٍ وسمعتُ عنه إذ ذاك أنَّه يقرأ فيهما أكثر من عشر ختماتٍ، بل قال لي شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ -أدام الله النَّفع بعلومه- عنه: أنَّه كان يقرأ خمس عشرة في اليوم واللَّيلة، وهذا بابٌ لا سبيل إلى إدراكه إلَّا بالفيض
стр. 6752
الرَّبَّانيِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «القراءة» بدل «القرآن» (فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ) الَّتي كان يركبها ومن معه من أتباعه (فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ) الزَّبور (قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) من ثمن ما كان يعمل من الدُّروع، ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «يديه» بالتَّثنية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٧١٣].
(رَوَاهُ) أي: حديث الباب (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) فيما وصله المؤلِّف في «خلق أفعال العباد» (عَنْ صَفْوَانَ) بن سليمٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٣٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ) بفتح التَّحتيَّة المشدَّدة (أَخْبَرَهُ، وَأَبَا سَلَمَةَ) أي: وأخبر أبا سلمة (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ أيضًا: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين ابن العاص (رَضِيَ اللهُ) تَعَالَى (١) (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: أُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة وكسر الموحَّدة (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ) أي: مدَّة حياتي (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ؟) قال عبد الله بن عمرٍو: (قُلْتُ: قَدْ قُلْتُهُ) زاد في «الصِّيام» [خ¦١٩٧٦] من طريق أبي اليمان عن شُعَيبٍ عن الزُّهريِّ: «بأبي أنت وأمِّي» (قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) الَّذي قلته من صيام النَّهار
стр. 6753
وقيام اللَّيل لحصول المشقَّة (فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ) متهجِّدًا في بعض اللَّيل (وَنَمْ) في بعضه (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعيِّنها (١) (فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) تعليلٌ لكونها ثلاثةً (وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) في الثَّواب. قال عبد الله: (فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أي: أكثر (مِنْ ذَلِكَ) أي: صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ) ﵊: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) بقطع الهمزة (قَالَ) عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أكثر (مِنْ ذَلِكَ. قَالَ) ﵊: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهْو عَدْلُ الصِّيَامِ) بفتح العين وسكون الدَّال المهملة، ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أعدل الصِّيام»، وفي «الصِّيام» [خ¦١٩٧٦]: «وهو أفضل الصِّيام» قال عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أكثر (مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﵊: (لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أي: بالنِّسبة لك، وذلك لِمَا علم من حاله ومنتهى قوَّته، وإنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، والَّذي عليه المحقِّقون: أنَّ صوم داود أفضل من صوم الدَّهر، وتحقيق ذلك قد (٢) سبق في «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٧٦]، وليس كلُّ عملٍ صالحٍ إذا زاد (٣) العبد منه ازداد تقرُّبًا من ربِّه تعالى، بل رُبَّ عملٍ صالحٍ إذا زاد منه كثرةً ازداد بُعدًا، كالصَّلاة في الأوقات المكروهة.
٣٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان السُّلَمِيُّ المقرئ الكوفيُّ -سكن مكَّة- قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَام -بكسر أوَّله وتخفيف ثانيه- الهلاليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) بفتح الحاء المهملة، واسم أبي ثابتٍ قيسٌ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) السَّائب الأعمى الشَّاعر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
стр. 6754
العَاصِ) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : أَلَمْ أُنَبَّأْ) بضمِّ الهمزة وفتح النُّون وتشديد الموحَّدة (أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ) كلَّه (وَتَصُومُ النَّهَارَ؟) ثبت لفظ «النَّهار» لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (فَقُلْتُ: نَعَمْ) سقط لفظ «نعم» لأبي ذرٍّ (فَقَالَ) ﵊: (فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتِ العَيْنُ) بفتح الهاء والجيم والميم، أي: غارت وضعف بصرها (وَنَفِهَتِ النَّفْسُ) بفتح النُّون وكسر الفاء، تعبت وكلَّت (صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ثالث عشره وتالييه (فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ) لأنَّ الحسنة بعشر أمثالها (أَو كَصَوْمِ الدَّهْرِ) شكَّ الرَّاوي. قال عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ بِي (١) -قَالَ مِسْعَرٌ: يَعْنِي: قُوَّةً-) على ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أجدني» بالنُّون بدل الموحَّدة (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) وهو أفضل (٢)، لما فيه من (٣) زيادة المشقَّة، وأفضل العبادات أشقُّها بخلاف صوم الدَّهر؛ فإنَّ الطَّبيعة تعتاده فيسهل عليها. وفي «اليونينيَّة»: «وكان يصوم» (٤) بإثبات الواو وأسقطها (٥) في الفرع (وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) العدوَّ، لأنَّه يستعين بيوم فطره على يوم صومه، فلا يضعفه ذلك عن لقاء عدوِّه.
(٣٨) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، وسقط لفظ «باب» للمُستملي والكُشْميهَنيِّ (أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ) تعالى (صِيَامُ دَاوُدَ) «أحبُّ» بمعنى: المحبوب، وهو قليلٌ؛ إذ غالب «أفعل» التَّفضيل أن يكون بمعنى الفاعل، ومعنى المحبَّة هنا: إرادة الخير لفاعل ذلك (كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) في الوقت الَّذي ينادي فيه الرَّبُّ : هل
стр. 6755
من سائلٍ؟ هل من مستغفرٍ؟ (وَيَنَامُ سُدُسَهُ) الأخير ليستريح من نصب القيام في بقيَّة اللَّيل (وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) وإنَّما صار ذلك أحبَّ إلى الله تعالى، من أجل الأخذ بالرِّفق على النُّفوس الَّتي يُخشَى منها السَّآمة الَّتي هي سببٌ إلى ترك العبادة، والله تعالى يحبُّ أن يديم فضله ويوالي إحسانه، قاله في «الكواكب» (قَالَ عَلِيٌّ) غير منسوبٍ، قال في «الفتح»: وأظنُّه ابن عبد الله المدينيَّ شيخ المؤلِّف (وَهْوَ) أي: قوله: «وينام سدسه» (قَوْلُ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (مَا أَلْفَاهُ) بالفاء، أي: ما وجده ﷺ (السَّحَرُ) رفعٌ على الفاعليَّة، أي: لم يجئ السَّحر والنَّبيُّ ﷺ (عِنْدِي إِلَّا) وجده (نَائِمًا) بعد القيام، وهذا كلُّه ثابتٌ عند المُستملي والكُشْميهَنيِّ.
٣٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ مولاهم البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) المكِّيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِي) الطَّائفيِّ أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) يعني: ابن العاص (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ) ﵇ (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) لِمَا فيه من المشقَّة (وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ) لأنَّ النَّوم بعد القيام يُريح البدن، ويُذهِب ضرر السَّهر.
стр. 6756
(٣٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]): ذا (٢) القوَّة في العبادة، أو الملك (﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾) أي: رجّاع إلى مرضاة الله (٣) (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠] قَالَ مُجَاهِدٌ) ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: (الفَهْمَ فِي القَضَاءِ) ليفصل بين الخصوم، وهو طلب البيِّنة واليمين، قال الإمام فخر الدِّين: وهذا بعيدٌ، لأنَّ فصل الخطاب عبارةٌ عن كونه قادرًا على التَّعبير عن كلِّ ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال؛ بحيث لا يخلط شيئًا بشيءٍ، وبحيث يفصل كلَّ مقامٍ عمَّا يخالفه. وهذا معنًى عامٌّ يتناول فَصْل الخصومات، ويتناول الدَّعوة إلى الدِّين الحقِّ، ويتناول جميع الأقسام. وعن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: «أوَّل من قال: «أمَّا بعد»؛ داود ﵇ وهو فَصْلُ الخطاب» رواه ابن أبي حاتمٍ، وقال في «الأنوار»: أو هو الكلام الملخَّص الَّذي ينبِّه المخاطب على المقصود من غير التباسٍ، يُراعى فيه مظانَّ الفصل والوصل، والعطف والاستئناف، والإضمار والإظهار، والحذف والتَّكرار ونحوها، وإنَّما سُمِّي به «أمَّا بعد» لأنَّه يفصل المقصود عمَّا سبق مقدِّمةً له من الحمد والصَّلاة، وقيل: هو الخطاب الفصل (٤) الَّذي ليس فيه اختصارٌ مخلٌّ، ولا إشباعٌ مملٌّ، كما جاء في وصف كلام رسول الله ﷺ : «فصلٌ لا نزرٌ ولا هذرٌ» ولأبي ذرٍّ: «الفهمُ» بالرَّفع، بتقدير: هو.
(﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾) الخصم في الأصل: مصدرٌ، والمراد به هنا: الجمع، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ (إِلَى) قوله: (﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢١ - ٢٢]) أي: (لَا تُسْرِفْ) وإنَّما فكُّه على أحد الجائزين، كقوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ [البقرة: ٢١٧] ولغير أبي ذرٍّ: «في القضاء ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾».
стр. 6757
(﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ﴾) أي: طريق الصَّواب (﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾) على ديني وطريقتي (﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: شَاةٌ. ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾) امرأةٌ واحدةٌ، والكناية والتَّمثيل فيما يُساق للتَّعريض أبلغ في المقصود (فَقَالَ: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ مِثْلُ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]) أي: (ضَمَّهَا) (١) إليه. وقال ابن عبَّاسٍ: أعطنيها (﴿وَعَزَّنِي﴾) أي: (غَلَبَنِي) في مخاطبته (٢) إيَّاي محاجَّةً بأن جاء بحجاجٍ (٣) لم أقدر على ردِّه حتَّى (صَارَ أَعَزَّ مِنِّي) أقوى (أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ يُقَالُ: المُحَاوَرَةُ) بالحاء المهملة.
(﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾) ﴿بِسُؤَالِ﴾ (٤) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، والفاعل محذوفٌ، أي: بأن سأل (٥) نعجتك، وضمَّن السُّؤال معنى الإضافة والانضمام، أي: بإضافة نعجتك على سبيل السُّؤال، ولذلك عُدِّي بـ «إلى»، وسقط عند أبي ذرٍّ «قال لقد … » إلى آخره، (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء﴾) أي: (الشُّرَكَاءِ ﴿لَيَبْغِي﴾) ليتعدَّى (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي (٦): (اخْتَبَرْنَاهُ) وهذا وصله ابن جريرٍ (وَقَرَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: ((فَتَّنَّاهُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ)؛ للمبالغة. (﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا﴾) أي: ساجدًا، وهذا يدلُّ على حصول الرُّكوع، وأمَّا السُّجود، فقد ثبت بالأخبار (﴿وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٢ - ٢٤] (٧)) أي: رجع إلى الله تعالى بالتَّوبة. قال في «الأنوار»: وأقصى ما في هذه القصَّة (٨) الإشعار بأنَّه ﵊ ودَّ أن يكون له ما لغيره، وكان له أمثاله، فنبَّهه الله تعالى بهذه القصَّة، فاستغفر وأناب عنه، وأمَّا ما رُوِي أنَّه وقع بصره على امرأةٍ فعشقها … إلى آخره ممَّا ذكره بعض المفسِّرين والقُصَّاص ممَّا أكثره مأخوذٌ من
стр. 6758
الإسرائيليَّات؛ فكذبٌ وافتراءٌ لم يثبت عن معصوم، ولذلك قال عليٌّ ﵁: من حدَّث بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدته مئةً وستِّين.
٣٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ قال (١): (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ) الأنماطيُّ البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ العَوَّامَ) بفتح العين المهملة وتشديد الواو، ابن حوشب الشَّيبانيَّ الواسطيَّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَسْجُدُ) بسكون السِّين (٢) بعد الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أنسجد» بنون المتكلِّم ومعه غيره بعد همزة الاستفهام (فِي) سورة (﴿ص﴾؟ فَقَرَأَ) أي: ابن عبَّاسٍ قوله تعالى: (﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ) ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ: «فقال ابن عبَّاسٍ ﵄: نبيُّكم» (¬ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٧]: «فسجدها رسول الله ﷺ » قال الكِرمانيُّ: وفي هذا الاستدلال مناقشةٌ؛ إذ الرَّسول مأمورٌ بالاقتداء بهم في أصول الدِّين، لا في فروعه، لأنَّها هي المتَّفق عليها بين الأنبياء؛ إذ في المختلفات لا يمكن اقتداء الرَّسول بكلِّهم، وإلَّا يلزم التَّناقض.
٣٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْسَ) سجدة (﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) المأمور بها (وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) موافقةً لداود وشكرًا لقبول توبته، فهي سجدة شكرٍ عند الشَّافعيَّة، تُسنُّ عند تلاوتها في غير الصَّلاة.
стр. 6759
(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «قولُ»: رَفْعٌ على ما لا يخفى (﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾) المخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نعم العبدُ سليمانُ (﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]) أي: (الرَّاجِعُ المُنِيبُ) وقال السُّدِّيُّ: هو المسبِّح.
(وَقَوْلُهُ) : (﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) لتكون معجزةً لي مناسبةً لحالي، أو لا ينبغي لأحدٍ أن يسلبه منِّي، كما كان من (١) قصَّة (٢) الجسد الَّذي أُلقِي على كرسيِّه، والصَّحيح -كما قاله ابن كثيرٍ-: أنَّه سأل مُلْكًا لا يكون (٣) لأحدٍ من البشر مثله، كما هو ظاهر سياق الآية.
(وَقَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾) أي: واتَّبعوا (٤) كُتُبَ السِّحر الَّتي تقرؤها، أو تتَّبعها الشَّياطين من الجنِّ أو الإنس، أو منهما (﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]) أي: عهده،
стр. 6760
و ﴿تَتْلُواْ﴾: حكاية حالٍ ماضيةٍ، قيل: كانوا يسترقون السَّمع ويضمُّون إلى (١) ما سمعوا أكاذيب ويُلقونها إلى الكهنة، وهم يدوِّنونها (٢) ويعلِّمون النَّاس، وفشا ذلك في عهد سليمان ﵇ حتَّى قيل: إنَّ الجنَّ تَعْلَمُ الغيب، وإنَّ مُلْكَ سليمان تمَّ بهذا العلم، وإنَّه يسخِّر به الإنسَ والجنَّ والرِّيح له.
(﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾) سخَّرناها له (﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾) أي: جريها بالغداة مسيرة شهرٍ، وبالعشيِّ كذلك، أي: كانت تسير به في يومٍ واحدٍ مسيرة شهرين (﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾) أي: (أَذَبْنَا لَهُ عَيْنَ الحَدِيدِ) وقال غير واحدٍ: ﴿الْقِطْرِ﴾: النُّحاس، أساله له من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سمَّاه عينًا، وكان ذلك باليمن، وإنَّما ينتفع النَّاس اليوم بما أخرج الله لسليمان، وإنَّما أُسِيلت له ثلاثة أيَّامٍ (﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾) مصدرٌ مضافٌ لفاعله، أي: بأمره (﴿وَمَن يَزِغْ﴾) يعدل (﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾) الَّذي أمرناه به من طاعة سليمان (﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾) في الآخرة، وقيل: في الدُّنيا، فقد قيل: إنَّ الله تعالى وكَّل بهم ملكًا بيده سوطٌ من نارٍ، فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحرقته (﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣] قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ: (بُنْيَانٌ) سورٌ (٣) (مَا دُونَ القُصُورِ) وقال أبو عبيدة: المحاريب: جمع محرابٍ، وهو مُقَدَّمُ كلِّ بيتٍ، وقيل: المساجد، وكان ممَّا عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود ورفعه قامة رجلٍ، وكمَّله سليمان فبناه بالرُّخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمَّده بأساطين المها الصَّافي، وسقَّفه بأنواع (٤) الجواهر الثَّمينة، وفصص (٥) حيطانه باللَّآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذٍ أبهى ولا أنور منه، كان يضيء في الظُّلمة كالقمر ليلة البدر، واتَّخذ ذلك اليوم الَّذي فرغ منه عيدًا، ولم يزل على ما بناه سليمان حتَّى غزاه بختنصَّر فخرَّبه، وأخذ ما كان في سقفه وحيطانه ممَّا ذُكِر إلى دار مملكته من أرض العراق.