(٣٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]): ذا (٢) القوَّة في العبادة، أو الملك (﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾) أي: رجّاع إلى مرضاة الله (٣) (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠] قَالَ مُجَاهِدٌ) ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: (الفَهْمَ فِي القَضَاءِ) ليفصل بين الخصوم، وهو طلب البيِّنة واليمين، قال الإمام فخر الدِّين: وهذا بعيدٌ، لأنَّ فصل الخطاب عبارةٌ عن كونه قادرًا على التَّعبير عن كلِّ ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال؛ بحيث لا يخلط شيئًا بشيءٍ، وبحيث يفصل كلَّ مقامٍ عمَّا يخالفه. وهذا معنًى عامٌّ يتناول فَصْل الخصومات، ويتناول الدَّعوة إلى الدِّين الحقِّ، ويتناول جميع الأقسام. وعن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: «أوَّل من قال: «أمَّا بعد»؛ داود ﵇ وهو فَصْلُ الخطاب» رواه ابن أبي حاتمٍ، وقال في «الأنوار»: أو هو الكلام الملخَّص الَّذي ينبِّه المخاطب على المقصود من غير التباسٍ، يُراعى فيه مظانَّ الفصل والوصل، والعطف والاستئناف، والإضمار والإظهار، والحذف والتَّكرار ونحوها، وإنَّما سُمِّي به «أمَّا بعد» لأنَّه يفصل المقصود عمَّا سبق مقدِّمةً له من الحمد والصَّلاة، وقيل: هو الخطاب الفصل (٤) الَّذي ليس فيه اختصارٌ مخلٌّ، ولا إشباعٌ مملٌّ، كما جاء في وصف كلام رسول الله ﷺ : «فصلٌ لا نزرٌ ولا هذرٌ» ولأبي ذرٍّ: «الفهمُ» بالرَّفع، بتقدير: هو.
(﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾) الخصم في الأصل: مصدرٌ، والمراد به هنا: الجمع، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ (إِلَى) قوله: (﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢١ - ٢٢]) أي: (لَا تُسْرِفْ) وإنَّما فكُّه على أحد الجائزين، كقوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ [البقرة: ٢١٧] ولغير أبي ذرٍّ: «في القضاء ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾».
стр. 6757
(﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ﴾) أي: طريق الصَّواب (﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾) على ديني وطريقتي (﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: شَاةٌ. ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾) امرأةٌ واحدةٌ، والكناية والتَّمثيل فيما يُساق للتَّعريض أبلغ في المقصود (فَقَالَ: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ مِثْلُ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]) أي: (ضَمَّهَا) (١) إليه. وقال ابن عبَّاسٍ: أعطنيها (﴿وَعَزَّنِي﴾) أي: (غَلَبَنِي) في مخاطبته (٢) إيَّاي محاجَّةً بأن جاء بحجاجٍ (٣) لم أقدر على ردِّه حتَّى (صَارَ أَعَزَّ مِنِّي) أقوى (أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ يُقَالُ: المُحَاوَرَةُ) بالحاء المهملة.
(﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾) ﴿بِسُؤَالِ﴾ (٤) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، والفاعل محذوفٌ، أي: بأن سأل (٥) نعجتك، وضمَّن السُّؤال معنى الإضافة والانضمام، أي: بإضافة نعجتك على سبيل السُّؤال، ولذلك عُدِّي بـ «إلى»، وسقط عند أبي ذرٍّ «قال لقد … » إلى آخره، (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء﴾) أي: (الشُّرَكَاءِ ﴿لَيَبْغِي﴾) ليتعدَّى (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي (٦): (اخْتَبَرْنَاهُ) وهذا وصله ابن جريرٍ (وَقَرَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: ((فَتَّنَّاهُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ)؛ للمبالغة. (﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا﴾) أي: ساجدًا، وهذا يدلُّ على حصول الرُّكوع، وأمَّا السُّجود، فقد ثبت بالأخبار (﴿وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٢ - ٢٤] (٧)) أي: رجع إلى الله تعالى بالتَّوبة. قال في «الأنوار»: وأقصى ما في هذه القصَّة (٨) الإشعار بأنَّه ﵊ ودَّ أن يكون له ما لغيره، وكان له أمثاله، فنبَّهه الله تعالى بهذه القصَّة، فاستغفر وأناب عنه، وأمَّا ما رُوِي أنَّه وقع بصره على امرأةٍ فعشقها … إلى آخره ممَّا ذكره بعض المفسِّرين والقُصَّاص ممَّا أكثره مأخوذٌ من
стр. 6758
الإسرائيليَّات؛ فكذبٌ وافتراءٌ لم يثبت عن معصوم، ولذلك قال عليٌّ ﵁: من حدَّث بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدته مئةً وستِّين.
٣٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ قال (١): (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ) الأنماطيُّ البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ العَوَّامَ) بفتح العين المهملة وتشديد الواو، ابن حوشب الشَّيبانيَّ الواسطيَّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَسْجُدُ) بسكون السِّين (٢) بعد الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أنسجد» بنون المتكلِّم ومعه غيره بعد همزة الاستفهام (فِي) سورة (﴿ص﴾؟ فَقَرَأَ) أي: ابن عبَّاسٍ قوله تعالى: (﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ) ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ: «فقال ابن عبَّاسٍ ﵄: نبيُّكم» (¬ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٧]: «فسجدها رسول الله ﷺ » قال الكِرمانيُّ: وفي هذا الاستدلال مناقشةٌ؛ إذ الرَّسول مأمورٌ بالاقتداء بهم في أصول الدِّين، لا في فروعه، لأنَّها هي المتَّفق عليها بين الأنبياء؛ إذ في المختلفات لا يمكن اقتداء الرَّسول بكلِّهم، وإلَّا يلزم التَّناقض.
٣٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْسَ) سجدة (﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) المأمور بها (وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) موافقةً لداود وشكرًا لقبول توبته، فهي سجدة شكرٍ عند الشَّافعيَّة، تُسنُّ عند تلاوتها في غير الصَّلاة.
стр. 6759
(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «قولُ»: رَفْعٌ على ما لا يخفى (﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾) المخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نعم العبدُ سليمانُ (﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]) أي: (الرَّاجِعُ المُنِيبُ) وقال السُّدِّيُّ: هو المسبِّح.
(وَقَوْلُهُ) : (﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) لتكون معجزةً لي مناسبةً لحالي، أو لا ينبغي لأحدٍ أن يسلبه منِّي، كما كان من (١) قصَّة (٢) الجسد الَّذي أُلقِي على كرسيِّه، والصَّحيح -كما قاله ابن كثيرٍ-: أنَّه سأل مُلْكًا لا يكون (٣) لأحدٍ من البشر مثله، كما هو ظاهر سياق الآية.
(وَقَوْلُهُ) تعالى: (﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾) أي: واتَّبعوا (٤) كُتُبَ السِّحر الَّتي تقرؤها، أو تتَّبعها الشَّياطين من الجنِّ أو الإنس، أو منهما (﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]) أي: عهده،
стр. 6760
و ﴿تَتْلُواْ﴾: حكاية حالٍ ماضيةٍ، قيل: كانوا يسترقون السَّمع ويضمُّون إلى (١) ما سمعوا أكاذيب ويُلقونها إلى الكهنة، وهم يدوِّنونها (٢) ويعلِّمون النَّاس، وفشا ذلك في عهد سليمان ﵇ حتَّى قيل: إنَّ الجنَّ تَعْلَمُ الغيب، وإنَّ مُلْكَ سليمان تمَّ بهذا العلم، وإنَّه يسخِّر به الإنسَ والجنَّ والرِّيح له.
(﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾) سخَّرناها له (﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾) أي: جريها بالغداة مسيرة شهرٍ، وبالعشيِّ كذلك، أي: كانت تسير به في يومٍ واحدٍ مسيرة شهرين (﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾) أي: (أَذَبْنَا لَهُ عَيْنَ الحَدِيدِ) وقال غير واحدٍ: ﴿الْقِطْرِ﴾: النُّحاس، أساله له من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سمَّاه عينًا، وكان ذلك باليمن، وإنَّما ينتفع النَّاس اليوم بما أخرج الله لسليمان، وإنَّما أُسِيلت له ثلاثة أيَّامٍ (﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾) مصدرٌ مضافٌ لفاعله، أي: بأمره (﴿وَمَن يَزِغْ﴾) يعدل (﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾) الَّذي أمرناه به من طاعة سليمان (﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾) في الآخرة، وقيل: في الدُّنيا، فقد قيل: إنَّ الله تعالى وكَّل بهم ملكًا بيده سوطٌ من نارٍ، فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحرقته (﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣] قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ: (بُنْيَانٌ) سورٌ (٣) (مَا دُونَ القُصُورِ) وقال أبو عبيدة: المحاريب: جمع محرابٍ، وهو مُقَدَّمُ كلِّ بيتٍ، وقيل: المساجد، وكان ممَّا عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود ورفعه قامة رجلٍ، وكمَّله سليمان فبناه بالرُّخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمَّده بأساطين المها الصَّافي، وسقَّفه بأنواع (٤) الجواهر الثَّمينة، وفصص (٥) حيطانه باللَّآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذٍ أبهى ولا أنور منه، كان يضيء في الظُّلمة كالقمر ليلة البدر، واتَّخذ ذلك اليوم الَّذي فرغ منه عيدًا، ولم يزل على ما بناه سليمان حتَّى غزاه بختنصَّر فخرَّبه، وأخذ ما كان في سقفه وحيطانه ممَّا ذُكِر إلى دار مملكته من أرض العراق.
стр. 6761
(﴿وَتَمَاثِيلَ﴾) قيل: كانوا ينحتون صور الملائكة والأنبياء والصَّالحين في المساجد، ليراها النَّاس فيزدادوا عبادةً، و (١) تحريم التَّصاوير (٢) شرعٌ (٣) مجدَّدٌ، وقيل: إنَّهم عملوا أَسَدين في أسفل كرسيِّه ونِسْرَين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظلَّه النِّسران بأجنحتهما، رواه ابن أبي حاتمٍ عن كعبٍ في خبرٍ طويلٍ عجيبٍ في «صفة الكرسيِّ» (٤) (﴿وَجِفَانٍ﴾) أي: وصحافٍ (﴿كَالْجَوَابِ﴾) أي: (كَالحِيَاضِ لِلإِبِلِ) قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجلٍ يأكلون منها (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (كَالجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ) بفتح الجيم وبعد الواو السَّاكنة مُوحَّدةٌ، قال الجوهريُّ: الجوبة: الفرجة في السَّحاب وفي الجبال، وانجابت السَّحابة: انكشفت، والجَوْبَة: موضعٌ ينجاب في الحرَّة.
(﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾) ثابتاتٍ على الأثافيِّ لا تنزل (٥) عنها لعظمها، وكان يصعد إليها بالسَّلالم (﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾) أي: اعملوا له واعبدوه شكرًا، فالنَّصب على العلَّة (﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]) المتوفِّر على أداء الشُّكر الباذل وسعه فيه، قد شغل قلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفِّي حقَّه، لأنَّ توفيقه للشُّكر نعمةٌ تستدعي شكرًا آخر، ولذا قيل: الشَّكور من يرى عجزه عن الشُّكر، قاله في «الأنوار» (﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾) أي: على سليمان (﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾) هي (الأَرَضَةُ) الَّتي (٦) (﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾) أي: (عَصَاهُ، ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٢ - ١٤]) ولأبي ذرٍّ: «إلى ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾»،
стр. 6762
وقوله «﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ إلى آخر قوله: ﴿مِن مَّحَارِيبَ﴾» ثابتٌ لأبي ذرٍّ، وقال غيره: بعد قوله: «﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِن مَّحَارِيبَ﴾»، وثبت لأبي ذرٍّ أيضًا قوله: «﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ إلى آخر: ﴿الشَّكُورُ﴾» وكان سليمان لمَّا دنا أجله وأُعلِم به قال: اللَّهمَّ عمِّ على الجنِّ موتي حتَّى تعلم الإنس أنَّ الجنَّ لا يعلمون الغيب، وكانت الجنُّ تخبر الإنس أنَّهم يعلمون من الغيب أشياء، ثمَّ دخل محراب بيت المقدس فقام يصلِّي متوكِّئًا على عصاه فمات قائمًا، وكان للمحراب كوًى بين يديه وخلفه، فكانت الجنُّ تعمل تلك الأعمال الشَّاقَّة وينظرون إلى سليمان، فيرونه فيظنُّونه حيًّا، فلا ينكرون خروجه للنَّاس، لطول صلاته حتَّى أكلت الأرضة عصاه، فخرَّ ميتًا، ثمَّ فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يومًا وليلةً مقدارًا، فحسبوا ذلك المقدار (١)، فوجدوه قد مات منذ سنةٍ، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنةً، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنةً، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربعٍ مضين من ذلك.
(﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] أي: الخيل الَّتي شغلتني (﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾) قال قتادة: عن صلاة العصر حتَّى غابت الشَّمس.
(﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾) أي: فأخذ يمسح مسحًا (﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]) أي: (يَمْسَحُ أَعْرَافَ الخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا) حبًّا لها، وقيل: يمسح بالسَّيف سوقها وأعناقها؛ يقطعها تقرُّبًا إلى الله تعالى وطلبًا لرضاه، حيث اشتغل بها عن طاعته، وهذا أوجه.
(﴿الْأَصْفَادِ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] أي: (الوَثَاقُ) أي: وآخرين من الشَّياطين قُرِن بعضهم مع بعضٍ في الأغلال ليكفُّوا عن الشَّرِّ.
(قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾) في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ﴾ هي من قولهم: (صَفَنَ الفَرَسُ) بفتح الصَّاد والفاء والنُّون، و «الفرسُ» رفع فاعلٍ، أي: (رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ (٢)
стр. 6763
عَلَى طَرَفِ الحَافِرِ) وهذا وصله الفريابيُّ، لكن قال: «يديه ورجليه (١)»، وصوّب القاضي عياضٌ (٢) ما عند الفريابيِّ، وقال في «الأنوار»: الصَّافن من الخيل الَّذي يقوم على طرف سُنْبُك يدٍ أو رجلٍ، وهو من الصِّفات المحمودة في الخيل، ولا يكاد يكون إلَّا في العِرَاب الخُلَّص، وقال الزَّجَّاج: هو الَّذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه، قال: وهي علامة الفراهة (﴿الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١ - ٣٤]) قال مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ: (السِّرَاعُ) في جريها.
(﴿جَسَدًا﴾) في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] أي: (شَيْطَانًا) قيل: إنَّ سليمان غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها، وأصاب ابنته جرادة فأحبَّها، وكان لا يرقأ دمعها حزنًا على أبيها، فأمر الشَّياطين فمثَّلوا لها صورته، وكان اتِّخاذ التَّماثيل جائزًا حينئذٍ، فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهنَّ في ملكه، فأخبره آصف بسجودهنَّ، فكسر الصُّورة وضرب المرأة، وخرج إلى الفلاة باكيًا متضرِّعًا، وكانت له أمُّ ولدٍ تُسمَّى أمينة، إذا دخل للطَّهارة أعطاها خاتمه، وكان ملكه فيه، فأعطاها يومًا فتمثَّل لها بصورته شيطانٌ اسمه صخرٌ، وأخذ الخاتم فتختَّم به، وجلس على كرسيِّه، فاجتمع عليه (٣) الخلق ونفذ حكمه في كلِّ شيءٍ إلَّا في نسائه، وغيَّر سليمان عن هيئته فأتاها يطلب الخاتم فطردته، فعرف أنَّ الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفَّف حتَّى مضى أربعون يومًا عدد ما عُبِدت الصُّورة في بيته، فطار الشَّيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكةٌ، فوقعت في يده، فبقر بطنها، فوجد الخاتم فتختَّم به، وخرَّ ساجدًا لله تعالى وعاد إليه (٤) ملكه، والخطيئة تغافله عن حال (٥) أهله، والسُّجود للصُّورة بغير علمه لا يضرُّه. وعن مجاهدٍ فيما
стр. 6764
رواه الفريابيُّ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] قال: شيطانًا يقال له: آصف. قال له سليمان: كيف تفتن النَّاس (١)؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه فقذفه آصف في البحر فساخ، فذهب سليمان وقعد آصف على كرسيِّه، ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهنَّ … ، الخبر بنحو ما سبق. قال ابن كثيرٍ: وهذا كلُّه من الإسرائيليَّات، وقال البيضاويُّ: أظهر ما رُوِي في ذلك مرفوعًا أنَّه قال: «لأطوفنَّ اللَّيلة على سبعين (٢) امرأةً … » الحديثَ، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى بعون الله [خ¦٣٤٢٤].
(﴿رُخَاء﴾) في قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء﴾ [ص: ٣٦] أي: (طَيِّبَةً) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «طيِّبًا» بالتَّذكير.
(﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾) أي: (حَيْثُ شَاءَ. ﴿فَامْنُنْ﴾) أي: (أَعْطِ) من شئت أو أمسك، أي: امنع من شئت (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]) أي: (بِغَيْرِ حَرَجٍ).
٣٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، ابن عثمان (٣) العبديُّ البصريُّ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندرٌ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) القرشيِّ الجُمحيِّ مولى آل عثمان بن مظعونٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (إِنَّ عِفْرِيتًا) بكسر العين (مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ) أي: تعرَّض لي فلتةً، أي: بغتةً (البَارِحَةَ) أي: الليلة الخالية الزَّائلة (لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي)
стр. 6765
بتشديد ياء «عليَّ» (فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ) بضمِّ الموحَّدة (عَلَى) كذا في «اليونينيَّة»، وفي فرعها: «إلى» (سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (١)) أسطوانةٍ من أساطينه (حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ: رَبِّ ﴿هَبْ لِي مُلْكًا﴾) التِّلاوة: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي (٢) مُلْكًا﴾ (﴿لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) من البشر (فَرَدَدْتُهُ) حال كونه (خَاسِئًا) مطرودًا (﴿عِفْريتٌ﴾ [النمل: ٣٩]) أي: (مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوجَانٍّ) وإطلاقه على الإنس على سبيل الاستعارة، ولاشتهار هذه الاستعارة قال بعضهم: العفريت من الرِّجال: الخبيث المنكر، وقال ابن عبَّاسٍ: العفريت: الدَّاهية، وقال الرَّبيع: الغليظ، وقال الفرَّاء: الشَّديد، وُصِف بكونه من الجنِّ في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ تمييزًا له (٣). وقيل: إنَّ الشَّيطان أقوى من الجنِّ، وإنَّ المَرَدَة أقوى من الشَّياطين، وإنَّ العفريت أقوى منهما (٤)، وقرأ أبو رجاءٍ العطارديُّ وأبو السِّمال -بالسِّين المهملة واللَّام- ورُوِيت عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق: (عِفْرِيَةٌ) بكسر العين وسكون الفاء وكسر الرَّاء وفتح التَّحتيَّة بعدها تاء التَّأنيث المنقلبة هاءً وقفًا، وأنشدوا على ذلك قول ذي الرُّمَّة:
كأنَّه كوكبٌ في إثر عِفْرِيَةٍ … مسوَّمٌ (٥) في سوادِ اللَّيلِ منقضبُ
وهذا: (مِثْلُ (٦): زِبْنِيَةٍ) بكسر الزَّاي وسكون الموحَّدة وكسر النُّون وفتح التَّحتيَّة آخرها هاء تأنيثٍ (جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ) ولأبي ذرٍّ: «جماعته: زبانيةٌ» والزَّبانية في الأرض (٧): اسم أصحاب الشُّرَط، مشتقٌّ من الزَّبن، وهو الدَّفع، وسُمِّي بذلك الملائكة، لدفعهم أهل النَّار فيها، وقال
стр. 6766
بعضهم: واحدها زبانيٌّ، وقيل: زابنٌ، وقيل: زِبْنِيتٌ، على مثال: عفريتٍ. قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من الجمع الَّذي لا واحد له، كأبابيل وعباديد.
٣٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء، البجليُّ (١) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله الحِزَاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي- وليس بالمخزوميِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) ﵉: (لأَطُوفَنَّ) أي: والله لأطوفنَّ (٢) (اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً) لأُجامعهنَّ، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي -كما في «الفتح» -: «لأطيفنَّ» بالياء بدل الواو، لغتان (تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ) منهنَّ (فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ): أي: المَلَك، قل: (إِنْ شَاءَ اللهُ) فنسي (فَلَمْ يَقُلْ) بلسانه: إن شاء الله، فطاف بهنَّ (وَلَمْ) بالواو في «اليونينيَّة»، وفي فرعها: «فلم» (تَحْمِلْ) منهنَّ امرأةٌ (شَيْئًا إِلَّا) واحدةٌ، فولدت (وَاحِدًا سَاقِطًا إِحْدَى) بكسر الهمزة وسكون الحاء، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أحد» (شِقَّيْهِ) وفي رواية أيُّوب عن ابن سيرين: «ولدت شقَّ غلامٍ» [خ¦٧٤٦٩] وفي رواية هشامٍ عنه: «نصف إنسانٍ» (٣) [خ¦٥٢٤٢] وحكى النَّقَّاش في «تفسيره»: أنَّ الشِّقَّ المذكور
стр. 6767
هو الجسد الَّذي أُلقِي على كرسيِّه، وكلام البيضاويِّ يشير إلى تصويبه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَو قَالَهَا) أي (١): إن شاء الله (لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) زاد شُعيبٌ [خ¦٦٦٣٩]: «فرسانًا أجمعون» (قَالَ شُعَيْبٌ): هو ابن أبي حمزة كما ذكره في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٣٩] (وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن بن عبد الله بن ذكوان: (تِسْعِينَ) بتقديم المثنَّاة الفوقيَّة على السِّين (وَهْو أَصَحُّ) من «سبعين» بتقديم السِّين على الموحَّدة. وعند النَّسائيِّ وابن حبَّان من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزِّناد: «مئة»، وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٩] من رواية أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة: «ستُّون امرأةً»، وفي «الجهاد» [خ¦٢٨١٩] من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج: «مئة امرأةٍ، أو تسعٌ وتسعون» على الشَّكِّ، وجُمِع بين ذلك: بأنَّ السِّتِّين كنَّ حرائر، وما زاد على ذلك (٢) سراري، أو بالعكس، أو السَّبعون للمبالغة، وأمَّا التِّسعون والمئة، فكنَّ دون المئة وفوق التِّسعين، فمن قال: «تسعين» ألغى الكسر، ومن قال: «مئة» جبره، ومن ثمَّ وقع التَّردُّد في رواية جعفرٍ. وعند ابن عساكر من طريق ابن الجوزيِّ، عن مقاتلٍ عن أبي الزِّناد عن أبيه عبد (٣) الرَّحمن عن أبي هريرة: «أنَّ سليمان ﵇ كان له أربع مئة امرأةٍ وستُّ مئة سريَّةٍ، فقال يومًا: لأطوفنَّ اللَّيلة على ألف امرأةٍ، فتحمل كلُّ واحدةٍ منهنَّ بفارسٍ يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يستثنِ، فطاف عليهنَّ فلم تحمل منهنَّ إلَّا امرأةٌ جاءت بشقِّ إنسانٍ … » الحديثَ، وعند الحاكم من طريق أبي معشرٍ عن محمَّد بن كعبٍ قال: بلغنا أنَّه كان لسليمان ألف بيتٍ من قوارير على الخشب، فيها ثلاث مئة صريحةٍ وسبع مئة سريَّةٍ.
стр. 6768
٣٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريكٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَُ؟) بفتح اللَّام غير منصرفٍ، وبضمِّها ضمَّة بناءٍ لقطعها عن الإضافة، وفي «باب ﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]» [خ¦٣٣٦٦]: «أيُّ مسجدٍ وُضِع في الأرض أوَّل؟» (قَالَ) ﵊: (المَسْجِدُ الحَرَامُ) قال أبو ذرٍّ: (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟) أي: ثمَّ أيُّ مسجدٍ وُضِع بعد المسجد الحرام؟ (قَالَ) ﵊: (ثُمَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى) وسقط «ثمَّ» في الفرع، وثبت في أصله قال أبو ذرٍّ: (قُلْتُ): يا رسول الله (كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ) ﵊: (أَرْبَعُونَ) أي (١): سنةً (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ) أي: وقتها، وفيه: أنَّ إيقاع الصَّلاة إذا حضرت لا يتوقَّف على المكان الأفضل (فَصَلِّ، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ) لا يختص السُّجود فيها (٢) بموضعٍ دون آخر، وفي حديث عمرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «وكان من قبلي إنَّما يصلُّون في كنائسهم».
стр. 6769
٣٤٢٦ - ٣٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز الأعرج أنَّه (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ) بفتح الميم فيهما، أي: مَثَل دعائي النَّاس إلى الإسلام المنقذ لهم من النَّار، ومثل ما زيَّنتْ لهم أنفسهم من التَّمادي على الباطل (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا) وهي جوهرٌ لطيفٌ مضيءٌ حارٌّ محرقٌ (فَجَعَلَ الفَرَاشُ) بفتح الفاء، دوابٌّ مثل البعوض، واحدتها (١): فراشةٌ (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ) جمع دابَّةٍ، كالبرغش والبعوض والجندب ونحوها (تَقَعُ فِي النَّارِ) خبر «جعل» لأنَّها من أفعال المقاربة تعمل عمل «كان» والفراشة: هي الَّتي تطير وتتهافت في السِّراج بسبب ضعف بصرها، فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النَّهار، فإذا رأت السِّراج باللَّيل ظنَّت أنَّها في بيتٍ مظلمٍ، وأنَّ السِّراج كوَّةٌ في البيت المظلم إلى الموضع (٢) المضيء، ولا تزال تطلب الضَّوء وترمي بنفسها إلى الكوَّة، فإذا جاوزتها ورأت الظَّلام (٣) ظنَّت أنَّها لم تصب الكوَّة ولم تقصدها على السَّداد، فتعود إليها مرَّةً أخرى حتَّى تحترق. قال الغزاليُّ: ولعلَّك تظنُّ أنَّ هذا لنقصانها وجهلها، فاعلم أنَّ جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة (٤) الإنسان في الإكباب (٥) على الشَّهوات في التَّهافت، فلا يزال يرمي بنفسه (٦) فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكًا مُؤبَّدًا، فليت جهل الآدميِّ كان (٧) كجهل الفراش، فإنَّها
стр. 6770
باغترارها بظاهر الضَّوء إن (١) احترقت تخلَّصت في الحال، والآدميُّ يبقى في النَّار أبد الآباد، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: «إنَّكم تتهافتون في النَّار تهافت الفراش، وأنا آخذٌ بحجزكم» وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] فشبَّههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضَّعف والذِّلَّة، والتَّطاير إلى الدَّاعي من كلِّ جانبٍ كما يتطاير الفراش.
(وَقَالَ) أي: أبو هريرة، فهو موقوفٌ، أو النَّبيُّ ﷺ فهو مرفوعٌ، كما عند الطَّبرانيِّ والنَّسائيِّ (كَانَتِ امْرَأَتَانِ) لم تُسمَّيا (مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا) لم يُسمَّيا أيضًا (جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ) الذِّئب (بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا) كذا (٢) في الفرع، وللكشميهنيِّ -كما في «الفتح» وهي الَّتي في «اليونينيَّة» -: «فتحاكمتا» (إِلَى دَاوُدَ) ﵇ (فَقَضَى بِهِ) بالولد الباقي (لِلْكُبْرَى) للمرأة الكبرى منهما لكونه كان في يدها، وعجزت الأخرى عن إقامة البيِّنة (فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ) بالقصَّة (فَقَالَ) قاصدًا استكشاف الأمر: (ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ) بكسر السِّين (أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى) منهما له: (لَا تَفْعَلْ) ذلك (يَرْحَمُكَ اللهُ، هُو ابْنُهَا، فَقَضَى) سليمان (بِهِ لِلصُّغْرَى) لِمَا رآه من جزعها الدَّالِّ على عظيم شفقتها، ولم يلتفت إلى إقرارها أنَّه ابن الكبرى، لأنَّه علم أنَّها آثرت حياته، بخلاف الكبرى (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالإسناد السَّابق: (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة
стр. 6771
وسكون النُّون، كلمة نفيٍ، أي: ما (سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا: المَُِدْيَةُ) بضمِّ الميم، ويجوز فتحها وكسرها. وقيل للسِّكِّين: مديةٌ، لأنَّها تقطع مدى (١) حياة الحيوان، والسِّكِّين، لأنَّها تسكِّن حركته.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفرائض» [خ¦٦٧٦٩] والنَّسائيُّ في «القضاء».
(٤١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «قولُ الله» رفعٌ على ما لا يخفى: (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾) وهو أعجميٌّ مُنِع الصَّرف للتَّعريف والعجمة الشَّخصيَّة، أو عربيٌّ مشتقٌّ من اللُّقم، وهو حينئذٍ مُرتَجلٌ، لأنَّه لم يسبق له وضعٌ في النَّكرات، ومنعه حينئذٍ للتَّعريف وزيادة الألف والنُّون. قال ابن إسحاق: لقمان هو ابن باعوراء (٢) بن ناحور بن تارح -وهو آزر- وقال وهبٌ: كان ابن أخت أيُّوب، وقال الواقديُّ: كان قاضيًا في بني إسرائيل، ولم يكن نبيًّا، خلافًا لعكرمة، واتُّفِق على أنَّه كان حكيمًا. رُوِي: أنَّه كان نائمًا فنُودِي: هل لك أن يجعلك الله خليفةً في الأرض فتحكم بين النَّاس بالحقِّ؟ فأجابَ الصَّوتَ وقال: إن خيَّرني ربِّي (٣) قبلت العافية (٤) ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليَّ فسمعًا وطاعةً، فإنِّي أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوتٍ لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأنَّ الحاكم بأشدِّ المنازل وأكدرها يغشاه الظُّلم من كلِّ مكانٍ، ومن يكون في الدُّنيا ذليلًا خيرٌ من أن يكون
стр. 6772
شريفًا، فتعجَّبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومةً فأُعطِي الحكمة، فانتبه وهو يتكلَّم بها، وكان عبدًا حبشيًّا. والحكمة -كما في «الأنوار» -: استكمال النَّفس الإنسانيَّة باقتباس العلوم النَّظريَّة، واكتساب الملكة التَّامَّة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقته (١).
(﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢]) «أن» المفسِّرة، فسَّر إيتاء الحكمة بقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ثمَّ بيَّن أنَّ الشُّكر لا ينفع إلَّا الشَّاكر (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾) في مشيه (﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]) على النَّاس بنفسه، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾» يعني: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ولأبي الوقت: «﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ إلى قوله (٢): ﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٦]» الضَّمير في ﴿إِنَّهَا﴾ للخطيئة، وذلك أنَّ ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملتُ الخطيئة حيث لا يراني أحدٌ، كيف يعلمها الله تعالى؟ فقال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ … الآيةَ، والفاء في ﴿فَتَكُن﴾ لإفادة الاجتماع، يعني: إن كانت صغيرةً، ومع صغرها تكون خفيَّةً في موضعٍ حريزٍ، كالصَّخرة لا تخفى على الله، لأنَّ الفاء للاتِّصال بالتَّعقيب.
(﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ [لقمان: ١٨]) بتشديد العين وهي لغة تميمٍ، وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو وحمزة والكسائيُّ بالألف والتَّخفيف، وهي لغة الحجاز، وهما بمعنًى (الإِعْرَاضُ بِالوَجْهِ) كما يفعله المتكبِّرون، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ … » إلى آخره.
٣٤٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ) كذا في «اليونينيَّة»: (﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾) عطفٌ على الصِّلة، فلا محلَّ لها، أو الواو للحال، والجملة بعدها في
стр. 6773
موضع نصبٍ على الحال، أي: الَّذين (١) آمنوا غير ملبسين، أي: مخلِّطين (٢) (﴿إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) بشركٍ فلم ينافقوا (قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟! فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) لأنَّه وضع النَّفس الشَّريفة المكرَّمة في عبادة الخسيس، فوضع العبادة في غير موضعها، وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ هو من العامِّ الَّذي أُرِيد به الخاصُّ، وهو الشِّرك.
٣٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) هو (٣) ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ -بفتح السِّين (٤) المهملة وكسر الموحَّدة- قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ (٥)﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ) لأنَّهم حملوا الظُّلم على العموم، فشمل (٦) جميع أنواعه، لأنَّ قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ نكرةٌ في سياق النَّفي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا) وفي بعض النُّسخ: «فأيُّنا» (لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ) ﵊: (لَيْسَ ذَلِكَ) كما تظنُّون (إِنَّمَا هُو الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ) باران -بالموحَّدة والرَّاء- أو أنعم (وَهْو يَعِظُهُ) جملةٌ حاليَّةٌ: (﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ﴾) قيل: كان كافرًا،
стр. 6774
فلم يزل به حتَّى أسلم (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) وليس الإيمان أن تصدِّق بوجود الصَّانع الحكيم وتخلط بهذا التَّصديق الإشراك.
(٤٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ … الآيَةَ) والقرية أنطاكية، أي: ومثِّل لهم، من قولهم: هذه الأشياء على ضربٍ واحدٍ، أي: مثالٍ واحدٍ، وهو يتعدَّى إلى مفعولين لتضمُّنه معنى الجعل، وهما: ﴿مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ على حذف مضافٍ؛ أي: اجعل لهم مَثَل أصحاب القرية مثلًا، فتُرِك المثل وأُقيم ﴿أَصْحَابَ﴾ مقامه في الإعراب ﴿إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: رسل عيسى، وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٣ - ١٤] قال وهبٌ: يحنَّا وبولس (١)، وقيل غيرهما، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ (﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤]: قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: أي: (شَدَّدْنَا) بتشديد الدَّال الأولى: قوَّينا بثالثٍ، وهو شمعون، وقال كعبٌ: الرَّسولان: صادقٌ وصدوقٌ، والثَّالث: شلوم.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (﴿طَائِرُكُمْ﴾ [يس: ١٩]) أي: (مَصَائِبُكُمْ) ولم يذكر المؤلِّف حديثًا مرفوعًا هنا، وعلى الباب وتاليه … إلى آخره علامة السُّقوط فقط في الفرع وأصله من غير عزوٍ.
стр. 6775
(٤٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾) خبرٌ سابقه إن أُوِّل بالسُّورة، أو القرآن (١) فإنَّه مشتملٌ عليه، أو خبرٌ محذوفٌ، أي: هذا المتلوُّ ذكر رحمة ربِّك (﴿عَبْدَهُ﴾) مفعول الرَّحمة أو الذِّكر، على أنَّ الرَّحمة فاعله على الاتِّساع (﴿زَكَرِيَّا﴾ (٢)) بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا﴾) قال في «الكشَّاف»: لأنَّ الجهر والإخفاء عند الله سيَّان، فكان الإخفاء أولى لأنَّه أبعد من الرِّياء، وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن: نداءً لا رياء فيه. قال في «فتوح الغيب»: فيكون الإخفاء ملزومًا للإخلاص الَّذي هو عدم الرِّياء، لأنَّ الإخفاء أبعد من الرِّياء، ولمَّا عبَّر عن عدم الرِّياء بالخفاء عُلِم أن لا اعتبار للظَّاهر، وأنَّ الأمر يدور على الإخلاص، حتَّى إنَّه لو نادى جهرًا بلا رياءٍ دخل فيه، أو نادى سرًّا بلا إخلاصٍ خرج منه، وقيل: إنَّما نادى خفيًّا لئلَّا يُلام على طلب الولد في إبَّان الكبر، أو لأنَّ (٣) ضعف الهرم أخفى صوته، واختُلِف في سنِّه؛ فقيل: ستُّون، وخمسٌ وستُّون، وسبعون، وخمسٌ وسبعون، وخمسٌ وثمانون، ثمَّ فسَّر النِّداء بقوله: (﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾) ضَعُفَ بَدَنِي، وإنَّما كنَّى عنه بقوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ وخصَّ العظم بالذِّكر، لأنَّه كالأساس للبدن وكالعمود للبيت، وإذا وقع الخلل في الأساس (٤) وسقط العمود تداعى الخلل في البناء وسقط البيت، فالكناية مبنيَّةٌ على التَّشبيه، أو أنَّ العظم أصلب ما في الإنسان، فيلزم من وهنه وهن جميع الأعضاء بالطَّريق الأولى، فالكناية غير مسبوقةٍ بالتَّشبيه، قاله الطِّيبيُّ (﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٢ - ٤]) شبَّه الشَّيب في بياضه وإنارته بشواظ النَّار وانتشاره، وفشوِّه في الشَّعر باشتعالها، ثمَّ أخرجه مخرج الاستعارة، ثمَّ أسند الاشتعال إلى الرَّأس الَّذي هو محلُّ الشَّيب مبالغةً، وجعله تمييزًا إيضاحًا للمقصود (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]) وسقط قوله: «﴿إِذْ نَادَى﴾ إلى آخر قوله: ﴿شَيْبًا﴾» لأبي ذرٍّ.
стр. 6776
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق أبي طلحة، أي: (مِثْلًا) أو شبهًا، لأنَّه لم يهمَّ بمعصيةٍ قطُّ، ولأنَّه كان سيِّدًا وحصورًا، وعنه أيضًا عنده من طريق عكرمة قال: لم يُسَمَّ باسم (١) يحيى قبله غيره، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» وفيه: فضيلةٌ ليحيى؛ إذ تولَّى الله تعالى تسميته باسمٍ لم يُسبَق إليه، ولم يَكِلْ ذلك إلى أبويه.
(يُقَالُ (٢): ﴿رَضِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] أي: (مَرْضِيًّا) أي: ترضاه أنت وعبادك.
(﴿عِتِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]: (عَصِيًّا) بفتح العين وكسر الصَّاد المهملتين قالوا: والصَّواب بالسِّين. وروى الطَّبريُّ (٣) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: «ما أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ ﴿عِتِيًّا﴾ أو (عسيًّا)» يُقال: عتا الشَّيخ يعتو عتيًّا، وعسا يعسو (٤) عسيًّا إذا انتهى سنُّه وكبر، وشيخ عاتٍ وعاسٍ، إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف (عَتَا) كذا لأبي ذرٍّ وأبي الوقت، وهو ساقطٌ لغيرهما (يَعْتُو) مثل: غزا يغزو، فهو واويٌّ.
(﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى﴾) من أين (﴿يَكُونُ﴾) أو كيف يكون (﴿لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾) لا تلد (﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]) أي: متتابعاتٍ (وَيُقَالُ: صَحِيحًا) ما بك من خرسٍ ولا بكمٍ، وهذا أصحُّ لأنَّه لم يَقْدِر أن يتكلَّم مع النَّاس إلَّا بذكر الله، وإنَّما ذكر اللَّيالي هنا والأيَّام في آل عمران [الآية: ٤١] للدلالة (٥) على أنَّه استمر عليه المنع ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وسقط قوله (٦): «﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي﴾» إلى آخر: «﴿عِتِيًّا﴾» لغير أبي ذرٍّ.
(﴿فَخَرَجَ﴾) زكريَّا (﴿عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾) من المصلَّى (﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا﴾) صلُّوا
стр. 6777
ونزِّهوا ربَّكم (﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]): طرفي النَّهار. وقوله: (﴿فَأَوْحَى﴾) أي: (فَأَشَارَ) (١) ببعض الجوارح بعينٍ أو حاجبٍ أو يدٍ، وقيل: كانت بالمسبِّحة؛ لقوله: ﴿إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقيل: كَتَبَ لهم على الأرض.
(﴿يَا يَحْيَى﴾) فيه حذفٌ تقديره: ووهبنا له يحيى، وقلنا له (٢): ﴿يَا يَحْيَى﴾ (﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾) هو التَّوراة (﴿بِقُوَّةٍ﴾) بجدٍّ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥]) قال الطِّيبيُّ: ﴿وَسَلَامٌ﴾ معطوفٌ من حيث المعنى على قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ (٣) صَبِيًّا﴾ وجعلناه ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ وسلَّمناه في تلك المواطن الموحشة، فعدل إلى الجملة الاسميَّة، لإرادة الثَّبات والدَّوام، وهي كالخاتمة للكلام السَّابق.
(﴿حَفِيًّا﴾) في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] أي: (لَطِيفًا) وقال في «الأنوار»: أي (٤): بليغًا في البرِّ والإلطاف.
(﴿عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥] الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ) فيُقال للرَّجل الَّذي لا يُولَد له: عاقرٌ كالمرأة الَّتي لا تلد.
٣٤٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الهاء وبعد الدَّال المهملة السَّاكنة مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ، ابن الأسود القيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذَّال المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ (٥) ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) ثبت: «به» لأبي ذرٍّ،
стр. 6778
والحديث المسوق بتمامه بنحوه في «باب ذكر الملائكة» [خ¦٣٢٠٧] إلى أن قال: (ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. فَلَمَّا خَلَصْتُ) من الصُّعود إلى السَّماء الثَّانية ووصلت إليها (فَإِذَا يَحْيَى (١) وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ (٢)) وكان اسم أمِّ مريم حنَّة -بمُهمَلةٍ ونونٍ (٣) مُشدَّدةٍ- بنت فاقود، واسم أختها والدة يحيى إيشاع (٤)، وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم: سمعت مالك (٥) بن أنسٍ يقول: «بلغني أنَّ عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريَّا كان حَمْلُهما جميعًا، فبلغني أنَّ أمَّ يحيى قالت لمريم: إنِّي أرى ما في بطني يسجد لِمَا في بطنك. قال مالكٌ: أراه لفضل عيسى على يحيى» (قَالَ) جبريل: (هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ) عليهما (فَرَدَّا) عليَّ السَّلام (ثُمَّ قَالَا) لي: (مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) أي: أصبت رحبًا لا ضيقًا، والصَّلاح: اسمٌ جامعٌ لسائر الخلال المحمودة.
стр. 6779
(٤٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقط التَّبويب لأبي ذرٍّ، وقال (١): «قولُ» (٢) بالرَّفع (﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾) في القرآن (﴿مَرْيَمَ﴾) أي: قصَّة مريم (﴿إِذِ انتَبَذَتْ﴾) إذ اعتزلت (﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]) في شرقيِّ بيت المقدس أو شرقيِّ دارها.
(﴿إِذِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وإذ» (﴿قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥]) عيسى لوجوده بها، وذلك قوله: ﴿كُن﴾ وهو من إطلاق السَّبب على المسبَّب (﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾) اسمٌ أعجميٌّ لا اشتقاق له عند المحقِّقين، وهو منصرفٌ وإن كان فيه العلميَّة والعجمة، لخفَّة بنائه لكونه ثلاثيًّا ساكن الوسط (﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾) إسماعيل وإسحاق وأولادهما، ومحمَّدٌ ﷺ من آل إبراهيم (﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾) موسى وهارون ابني عمران بن يصهر بن قاهث (٣) بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فالمراد: موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء، أو المراد: عمران بن ماثان (٤) والد مريم، وكان من نسل سليمان بن داود ﵉، قالوا: وكان بين العمرانين ألفٌ وثمان مئة سنةٍ (﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمرن: ٣٣]) متعلِّقٌ بـ ﴿اصْطَفَى﴾ واستدلَّ القائلون بأنَّ البشر أفضل من الملائكة بهذه الآية (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]) أي (٥): بغير تقديرٍ لكثرته، أو بغير استحقاقٍ؛ فضلًا (٦) منه.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (وَآلُ عِمْرَانَ) -كآل إبراهيم- عامٌّ أُرِيد به الخصوص، فالمراد (٧): (المُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَ) المؤمنون من (آلِ عِمْرَانَ، وَ) المؤمنون من (آلِ يَاسِينَ) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ (وَ) المؤمنون من (آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَقُولُ) أي: ابن عبَّاسٍ: (﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] وَهُمُ المُؤْمِنُونَ) فمن خالفه ليس من آله (وَيُقَالُ: ﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦]) أصله: (أَهْلُ يَعْقُوبَ) فقُلِبت الهاء همزةً (فَإِذَا)
стр. 6780
ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «إذا» (صَغَّرُوا ﴿آلِ﴾ ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الأَصْلِ) لأنَّ التَّصغير يردُّ الأشياء إلى أصلها (قَالُوا: أُهَيْلٌ) وسقط لأَبَوَي ذرٍّ والوقت لفظ «ثمَّ».
٣٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ) وفي «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يطعن الشَّيطان في جنبيه (١) بإصبعه حين يُولَد» (فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا) نُصِبَ على المصدر، كقولك: قم قيامًا (٢) (مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ) وهذا ابتداء تسليطه (غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا) عيسى صلوات الله وسلامه عليه، زاد في «باب صفة إبليس»: «ذهب يطعن فطعن في الحجاب»، أي (٣): المشيمة الَّتي فيها الولد، قال القرطبيُّ: فحفظ الله تعالى مريم وابنها منه ببركة دعوة حنَّة أمِّها، كما أُشِير إلى ذلك بقوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا هو موقوفٌ عليه: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾) ولم يكن لها ذريَّةٌ غير عيسى (﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) المطرود.
وهذا الحديث أخرج نحوه (٤) في «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]، وأخرجه مسلمٌ أيضًا.
стр. 6781
(٤٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من سابقه (﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾) جبريل وحده، لدلالة ما في سورة مريم على أنَّ المتكلِّم معها جبريل، حيث قال الله (١): ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] (﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ﴾) بأن قبلك للنَّذيرة ولم يقبل (٢) أنثى غيرك، وتفريغك للعبادة وإغنائك برزق الجنَّة عن الكسب (﴿وَطَهَّرَكِ﴾) ممَّا (٣) يُستقذَر من النِّساء (﴿وَاصْطَفَاكِ﴾) بالهداية وإرسال جبريل إليك، وتخصيصك بالكرامات السَّنيَّة، كالولد من غير أبٍ، وتبرئتك ممَّا قذفتك اليهود بإنطاق الطِّفل (﴿عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾) وقد دلَّت هذه الآية على أنَّها أفضل من سائر النِّساء (﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾) اعبديه (﴿وَاسْجُدِي﴾) صلِّي، وتسمية الشَّيء بأشرف أجزائه مجازٌ مشهورٌ (﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾) لم يقل: مع الرَّاكعات، لأنَّ الاقتداء بالرَّجل (٤) حال الاختفاء من الرِّجال أفضل من الاقتداء بالنِّساء، وقدَّم السُّجود على الرُّكوع؛ إمَّا لكونه كذلك في شريعتهم، أو أنَّ (٥) الواو لا تقتضي ترتيبًا (٦) (﴿ذَلِكَ﴾) مبتدأٌ، أي: ما ذُكِر من القصص، خبره: (﴿مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ﴾) وجملة (﴿نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾) مستأنفةٌ، والضَّمير في ﴿نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ عائدٌ على الغيب، أي: الأمر والشَّأن أنَّا نوحي إليك الغيب ونعلمك به، ونظهرك على قصص من تقدَّمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في ﴿نُوحِيهِ﴾ (﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾) بحضرتهم (﴿إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ﴾) أي (٧):
стр. 6782
سهامهم (١) للاقتراع، أو أقلامهم الَّتي كانوا يكتبون بها التَّوراة تبرُّكًا، ينظرون أو يقولون: (﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٤]) تنافسًا في كفالتها، إمَّا لأنَّ أباها عمران كان (٢) رئيسًا لهم، أو لأنَّ أمَّها حرَّرتها لعبادة الله تعالى ولخدمة (٣) بيته، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله (٤): «﴿وَطَهَّرَكِ﴾ إلى آخر قوله: ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾»، وقال بعد ﴿اصْطَفَاكِ﴾: «الآية (٥) إلى قوله (٦): ﴿أَيُّهُمْ﴾».
(يُقَالُ: ﴿يَكْفُلُ﴾) أي: (يَضُمُّ، ﴿وَكَفَلَهَا﴾ [آل عمران: ٣٧]) أي: (ضَمَّهَا) زكريَّا إلى نفسه حال كونه كفلها (مُخَفَّفَةً) وهي قراءة نافعٍ وأبي عمرٍو وابن كثيرٍ وابن عامرٍ، وقراءة الكوفيِّين بالتَّشديد، أي: كفَّلها الله تعالى إيَّاه (٧)، ولا مخالفة بين القراءتين، لأنَّ الله تعالى لمَّا كفَّلها إيَّاه كفلها (لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ) بالجمع، وفي نسخةٍ: «الدَّين» (وَشِبْهِهَا) قال في «اللُّباب»: الكفالة: الضَّمان في الأصل، ثمَّ يُستعار للضَّمِّ والأخذ، يُقال منه: كَفَلَ يكْفُل، وكَفِلَ يكْفَل -كعَلِمَ يَعْلَم- كفالةً وكفلًا، فهو كافلٌ وكفيلٌ، والكافل هو الَّذي ينفق على إنسانٍ ويهتمُّ بإصلاح حاله.
٣٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) -بالجيم- عبد الله ابن أيُّوب الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بالضَّاد المعجمة ابن شُمَيلٍ (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ)
стр. 6783
أي (١): ابن أبي طالبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خَيْرُ نِسَائِهَا) أي: خير نساء أهل الدُّنيا في زمانها (مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ) وليس المراد أنَّ مريم خير نسائها، لأنَّه يصير كقولهم: يوسف أحسن إخوته، وقد صرَّحوا بمنعه لأنَّ «أفعل» التَّفضيل إذا أُضيف وقُصِد به الزِّيادة على من أُضيف له اشتُرِط أن يكون منهم، مثل: زيدٌ أفضل النَّاس، فإن لم يكن منهم فلا يجوز، كما في: يوسف أحسن إخوته؛ لخروجه عنهم بإضافتهم إليه. وقال الزَّركشيُّ: في قوله هنا: «خير» فيه وجهان. أحدهما: أن يجعل «خير» بمعنى: الخير لا على جهة التَّفضيل (٢)، وثانيهما - وهو الأصحُّ-: أنَّ الضَّمير راجعٌ إلى الدُّنيا (٣)؛ كما في: زيدٌ أفضل أهل الدُّنيا، ويجوز أن يكون على تقدير مضافٍ محذوفٍ، أي: خير نساء زمانها مريم، فيعود الضَّمير على مريم، وإنَّما جاز أن يرجع الضَّمير للدُّنيا وإن لم يجرِ لها ذكرٌ، لأنَّه يفسِّره الحال والمشاهدة. وقد رواه النَّسائيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ بلفظ: «أفضل نساء أهل الجنَّة» وحينئذٍ فالمعنى: خير نساء أهل الجنَّة مريم، وفي روايةٍ: «خير نساء العالمين» وهو كقوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] وظاهره: أنَّها أفضل من جميع النِّساء، وقول من قال: «على عالمي زمانها» تركٌ للظَّاهر. قال القرطبيُّ: خصَّ الله تعالى مريم بما لم يؤته أحدًا من النِّساء؛ وذلك أنَّ روح القدس كلَّمها (٤) وطهَّرها ونفخ في درعها، وليس هذا (٥) لأحدٍ من النِّساء، وصدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه (٦)، ولم تسأل آيةً عندما بُشِّرت كما سأل زكريَّا ﵇ عن (٧) الآية، ولذلك سمَّاها الله تعالى صدِّيقةً، فقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] فشهد لها بالصِّدِّيقيَّة والتَّصديق والقنوت، ويحتمل أن يكون المراد -كما قال الكِرمانيُّ-: نساء بني إسرائيل، أو «من» فيه مضمرةٌ، كما قال القاضي عياضٌ (وَخَيْرُ نِسَائِهَا) أي: هذه الأمَّة (خَدِيجَةُ) أمُّ المؤمنين.
стр. 6784
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضل خديجة» [خ¦٣٨١٥]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ في «المناقب».
قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ: خديجة أفضل نساء الأمَّة مطلقًا بهذا الحديث، وقد تقدَّم في أواخر «قصَّة موسى» [خ¦٣٤١١] حديث أبي موسى في ذكر مريم وآسية، وهو يقتضي فضلهما على غيرهما من النِّساء، ودلَّ هذا الحديث على أنَّ مريم أفضل من آسية، وأنَّ خديجة أفضل من نساء هذه الأمَّة، فكأنَّه لم يتعرَّض في الحديث الأوَّل لنساء هذه الأمَّة، حيث قال: «ولم يكمل من النِّساء» أي: من نساء الأمم الماضية، إلَّا إن حملنا الكمال على النُّبوَّة فيكون على إطلاقه. انتهى. ابن حجرٍ (١).
(٤٦) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقط التَّبويب لأبي ذرٍّ، فـ «قول» رفْعٌ، وهو واضحٌ (﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾) جبريل (٢): (﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]) هو عيسى، لوجوده بها، وهو قول (٣): «كن»، فهو (٤) من باب إطلاق السَّبب على المسبَّب (﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾) مبتدأٌ أو خبرٌ (﴿عِيسَى﴾) بدلٌ أو عطف بيانٍ (﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾) صفةٌ لـ ﴿عِيسَى﴾ على أنَّ ﴿عِيسَى﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، وإنَّما قيل: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ -والخطاب لها- تنبيهًا على أنَّه يُولَد من غير أبٍ؛ إذ الأولاد
стр. 6785
تُنسَب إلى الآباء، ولا تُنسَب إلى الأمِّ إلَّا إذا فُقِد (١) الأب (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿كُن فَيَكُونُ﴾) عقب الأمر من غير مهلةٍ، وثبت قوله: «﴿إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ إلى آخر قوله (٢): ﴿فَيَكُونُ﴾» لأبي ذرٍّ، وقال غيره بعد «﴿يَا مَرْيَمُ﴾» إلى قوله: «﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾» [مريم: ٣٥].
(﴿يُبَشِّرُكِ﴾) مشدَّدةً (وَ ﴿يَبْشرُكَ﴾ [آل عمران: ٤٥]) مخفَّفةً (وَاحِدٌ) في المعنى، والثَّاني: قراءة حمزة والكسائيِّ، والآخر: قراءة الباقين (٣) (﴿وَجِيهًا﴾) أي: (شَرِيفًا) في الدُّنيا بالنُّبوَّة، وفي الآخرة بالشَّفاعة (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله سفيان الثَّوريُّ في تفسيره: (﴿الْمَسِيحُ﴾: الصِّدِّيقُ) بكسر الصَّاد والدَّال المهملتين المشدَّدتين، وقال غيره: هو «فعيلٌ» بمعنى «فاعلٍ»، فحُوِّل مبالغةً، فقيل: لأنَّه يمسح الأرض بالسِّياحة (٤)، أي: يقطعها، وقيل: لأنَّه يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: بمعنى «مفعولٍ» لأنَّه مُسِح بالبركة، واللَّام فيه للغلبة.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (الكَهْلُ) في قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ [آل عمران: ٤٦] هو (الحَلِيمُ) باللَّام، وهذا فيه شيءٌ، فقد قال أبو جعفرٍ النَّحَّاس: إنَّه لا يُعرَف في اللُّغة. وقال في «اللُّباب»: الكهل: من بلغ سنَّ الكهولة، وأوَّلها: ثلاثون، أو اثنتان وثلاثون، أو ثلاثٌ وثلاثون (٥)، أو أربعون، وآخرها: خمسون، أو ستُّون، ثمَّ يدخل في سنِّ الشَّيخوخة، فلعلَّ مجاهدًا فسَّره بلازمه الغالب، لأنَّ الكهل غالبًا يكون فيه وقارٌ وسكينةٌ، وهل ﴿وَكَهْلاً﴾ نسقٌ على ﴿وَجِيهًا﴾ أو حالٌ من الضَّمير في ﴿وَيُكَلِّمُ﴾؟ أي (٦): يكلِّمهم حال كونه طفلًا وكهلًا كلام الأنبياء من غير تفاوتٍ؟ قال في «الفتح»: وعلى الأوَّل يتَّجه تفسير مجاهدٍ (وَ ﴿الأكْمَهَ﴾) في قوله: ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ [آل عمران: ٤٩]: (مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ) قاله مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ، وهو قولٌ شاذٌّ، والمعروف: أنَّ ذلك هو
стр. 6786
الأعشى (١) (وَقَالَ غَيْرُهُ) -غير (٢) مجاهدٍ-: الأكمه (مَنْ يُولَدُ أَعْمَى) وهذا قول الجمهور، وقال ابن عبَّاسٍ: من وُلِد مطموس العين، وقال عكرمة: الأعمش.
٣٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) المراديِّ الأعمى أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ مُرَّةَ) بن شراحيل (٣) (الهَمْدَانِيَّ) بفتح الهاء وسكون الميم وبالدَّال المهملة، الكوفيَّ (يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَضْلُ عَائِشَةَ) بنت الصِّدِّيق (عَلَى النِّسَاءِ) أي: نساء هذه الأمَّة (كَفَضْلِ الثَّرِيدِ) بالمثلَّثة (عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) لأنَّه أفضل طعام العرب لنفعه والشَّبع منه، وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسُّر (٤) تناوله (كَمَُِلَ) بفتح الميم وتُضَمُّ وتُكسَر (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ) بضمِّ الميم (مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) أمُّ عيسى (وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) احتجَّ القائلون بنبوَّتهما بالحصر في قوله: «ولم يكمل من النِّساء إلَّا مريم وآسية» في كلامٍ سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ١١]» [خ¦٣٤١١] واحتجَّ المانعون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [يوسف: ١٠٩] وأجاب المجوِّزون: بأنَّه لا حجَّة فيه، لأنَّ المدَّعى النُّبوَّة لا الرِّسالة.
стр. 6787
٣٤٣٤ - (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، فيما وصله مسلمٌ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نِسَاءُ قُرَيْشٍ) مبتدأٌ خبره (خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ) كنايةً عن نساء العرب (أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ) أي (١): أحنى هذا الجنس، يعني: أشفقه على ولدٍ بحسن التَّربية وغيرها، والأصل أن يقول: أحناهنَّ، لكن قالوا: إنَّ العرب لا تتكلَّم في مثله إلَّا مفردًا (وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) أي: في ماله المضاف إليه بالأمانة وحسن التَّدبير في النَّفقة وغيرها (يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة، أي عقبه: (وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ) فلم تدخل في الموصوفات بركوب الإبل، فهي أفضل النِّساء مطلقًا.
(تَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ الأيليَّ (ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّدُ بن عبد الله بن مسلم المدنيُّ، فيما وصله ابن عديٍّ في «كامله» (وَإِسْحَاقُ) بن يحيى (٢) (الكَلْبِيُّ) فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب.
стр. 6788
(٤٧) (قَوْلُهُ وفي نسخةٍ: «باب قوله تعالى»: (﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) قال القاضي عياضٌ: وقع في رواية الأَصيليِّ هنا: «﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾» ولغيره: بحذف ﴿قُلْ﴾ وهو الصَّواب، أي: في هذه الآية. نعم (١) ثبت في آية المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] والمراد هنا: آية النِّساء (﴿لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾) الخطاب للنَّصارى، أي: لا تجاوزوا الحدَّ في تعظيم المسيح؛ وذلك أنَّ الملكانيَّة (٢) اتَّخذوه إلهًا، واليعقوبيَّة يقولون: إنَّه ابن الله، والمرقوسيَّة يقولون: ثالث ثلاثةٍ، أو الخطاب مع الفريقين؛ وذلك أنَّ اليهود بالغوا في الحطِّ حتَّى قالوا: إنَّه غير رشيدٍ، وذلك في الدِّين حرامٌ (﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾) استثناءٌ مُفرَّغٌ، فالنَّصب على المفعوليَّة لتضمُّنه معنى القول، نحو: قلت خطبةً، أو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: إلَّا (٣) القول الحقَّ. أي: نزِّهوه عن الصَّاحبة والولد والشَّريك والحلول والاتِّحاد (﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾) أوصلها إليها، و ﴿الْمَسِيحُ﴾ مبتدأٌ، و ﴿عِيسَى﴾ بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ، و ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفةٌ، و ﴿رَسُولُ اللّهِ﴾ خبر المبتدأ، و ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عطفٌ عليه، و ﴿أَلْقَاهَا﴾ جملةٌ في موضع الحال من الضَّمير المستتر في ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ العائد (٤) على عيسى (﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾) أي: وذو روحٍ، صدرت منه بأمره لجبريل أن ينفخ في درع مريم فحملت به، أو لأنَّه كان يحيي الأموات أو القلوب (﴿فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ﴾) خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: لا تقولوا: آلهتنا ثلاثةٌ، والجملة في موضع نصبٍ بالقول (﴿انتَهُواْ﴾) عن التَّثليث (﴿خَيْرًا لَّكُمْ﴾) ثمَّ أكَّد التَّوحيد
стр. 6789
بقوله: (﴿إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾) بالذَّات لا تعدُّد فيه بوجهٍ ما، ثمَّ نزَّه نفسه عن الولد بقوله: (﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾) وتقديره: من أن يكون، أي: نزِّهوه من أن يكون له ولدٌ، فإنَّه يكون لمن يعادله مِثْلٌ ويتطرَّق إليه فناءٌ (﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ﴾) مُلْكًا وخَلْقًا، وعيسى ومريم في جملة ذلك (﴿وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾) كافيًا (١) في تدبير (٢) المخلوقات وحفظ المُحْدَثات، لا يحتاج معه إلى إلهٍ آخر يعينه مستغنيًا عمَّن يخلفه من ولدٍ أو غيره، وسقط قوله: «﴿وَلَا تَقُولُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: «﴿فِي دِينِكُمْ﴾ إلى ﴿وَكِيلاً﴾».
(قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ) القاسم بن سلامٍ: (﴿وَكَلِمَتُهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] هي قوله جلَّ وعلا: (﴿كُن﴾ فَكَانَ) من غير واسطة أبٍ ولا نطفةٍ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير أبي عُبيدٍ القاسم: (﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]) أي: (أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا) وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنَّى، وسبق قريبًا غيره.
(﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]) أي: آلهةٌ ثلاثةٌ -الله والمسيح ومريم- ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] أو أنَّهم يقولون: إنَّ الله جوهرٌ واحدٌ وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كلَّ أقنومٍ إلهًا، ويعنون بالأقانيم: الوجود والحياة والعلم، وربَّما يعنون بالأقانيم: الأب والابن وروح القدس، ويريدون بالأب: الوجود، وبالرُّوح: الحياة، وبالمسيح (٣): العلم، أو الأب: الذَّات، والابن: العلم، والرُّوح: الحياة، في كلامٍ لهم فيه تخبيطٌ، ومُحصَّله يؤول إلى التَّمسُّك بأنَّ عيسى إلهٌ بما كان يُجري الله تعالى على يديه من الخوارق، وقالوا: قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور (٤) البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفًا بالإلهيَّة، فيُقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلًّا به كان تخليصه من أعدائه من مقدوراته، وليس كذلك، فإن اعترفوا بذلك سقط استدلالهم، وإن لم يسلِّموا فلا حجَّة لهم أيضًا؛ لأنَّهم معارضون بخوارق العادات الجارية على أيدي غيره من الأنبياء؛ كفلق البحر، وقلب العصا حيَّةً لموسى.
стр. 6790
٣٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (الوَلِيدُ) ابن مسلمٍ الدِّمشقيُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) بضمِّ العين وفتح الميم مُصغَّرًا، و «هانئٍ» مهموز الآخر، العنسيُّ -بعينٍ وسينٍ مهملتين بينهما نونٌ ساكنةٌ- الدِّمشقيُّ الدَّارانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) -بضمِّ الجيم وتخفيف النُّون- الأزديُّ (عَنْ عُبَادَةَ) بن الصَّامت (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ) زاد ابن المدينيِّ: «وابن أمته» (وَرَسُولُهُ، ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]) ذكر عيسى تعريضًا بالنَّصارى، وإيذانًا بأنَّ إيمانهم مع القول بالتَّثليث شركٌ محضٌ، لا يخلِّصهم من النَّار، وأنَّه رسوله تعريضًا باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم (١) إلى ما لا يحلُّ من قذفه وقذف أمِّه، وأنَّه ابن أَمَتِهِ (٢)؛ تعريضًا بالنَّصارى أيضًا وتقريرًا لعبديَّته (٣)؛ أي: هو عبد الله وابن أمته، فكيف ينسبونه إلى الله (٤) بالبنوَّة؟ (وَالجَنَّةُ) كذا (٥) (حَقٌّ وَالنَّارُ) كذا (حَقٌّ) أخبر عنهما بالمصدر؛ مبالغةً في الحقِّيَّة، وأنَّهما عين الحقِّ؛ كزيدٍ عدلٍ؛ تعريضًا بمنكري دارَي الثَّواب والعقاب (أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ) فيه: أنَّ عصاة أهل القبلة لا يُخلَّدون في النَّار؛ لعموم قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» (٦)، وأنَّه تعالى يعفو عن السَّيِّئات قبل التَّوبة
стр. 6791
واستيفاء العقوبة، لأنَّ قوله: «على ما كان من العمل» حالٌ من قوله: «أدخله الله الجنَّة» ولا ريب أنَّ العمل غير حاصلٍ حينئذٍ، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب عمله من الثَّواب والعقاب، لا يُقال: إنَّ ما ذُكِر يستدعي ألَّا يدخل أحدٌ من العصاة النَّار؛ لأنَّ اللَّازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النَّار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدُّخول وقبل استيفاء العذاب. وقال الطِّيبيُّ: التَّعريف في العمل للعهد والإشارة به إلى الكبائر، يدلُّ له نحو قوله [خ¦١٢٣٧]: «وإن زنى وإن سرق» في حديث أبي ذرٍّ، وقوله: «على ما كان» حالٌ، والمعنى: من شهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنَّة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر؛ أي: حال هذا مخالفٌ (١) للقياس في دخول الجنَّة، فإنَّ القياس يقتضي ألَّا يدخل الجنَّة مَنْ شأنه هذا؛ كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذرٍّ في قوله: «وإن زنى وإن سرق؟» ورُدَّ بقوله: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرٍّ».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير» وفي (٢) «اليوم واللَّيلة».
(قَالَ الوَلِيدُ) هو ابن مسلمٍ بالإسناد السَّابق: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (٣) (ابْنُ جَابِرٍ) هو عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابرٍ (٤) الأزديُّ (عَنْ عُمَيْرٍ) هو ابن هانئٍ (عَنْ جُنَادَةَ) هو ابن أبي أُميَّة بالحديث السَّابق عن عُبادة (وَزَادَ) بعد قوله: «أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل»: (مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيَِّهَا شَاءَ) -بنصب «أيٍّ» وجرِّه- الدَّاخل، أو شاء الله تعالى من الباب المعدِّ لذلك العمل.
стр. 6792
(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَاذْكُرْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قول الله تعالى: واذكر» (﴿فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦]).
قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ في قوله تعالى: (﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ (١) [الصافات: ١٤٥]) في قصَّة يونس، أي: (أَلْقَيْنَاهُ) بالقاف (اعْتَزَلَتْ ﴿شَرْقِيًّا﴾) قال أبو عبيدة: (مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ (٢)) من بيت المقدس أو من دارها للعبادة، لا يُقال: هذا تكرارٌ، فقد سبق «بابٌ في (٣) قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٦٠/ ٤٤ - ٥٢٦٤] لأنَّ هذا الباب معقودٌ لأخبار عيسى، والسَّابق لأخبار أمِّه مريم.
(﴿فَأَجَاءهَا﴾) ﴿الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣] من (٤): (أَفْعَلْتُ، مِنْ جِئْتُ) أي: من مزيد «جاء»، تقول: جئت (٥) إذا أخبرت عن نفسك، ثمَّ إذا أردت تعدِّي به إلى غيرك تقول (٦): أجأت زيدًا، فالضَّمير هنا يرجع إلى ﴿مَرْيَمُ﴾ وفاعل «أجاء» ﴿الْمَخَاضُ﴾ (وَيُقَالُ: أَلْجَأَهَا) أي: (اضْطَرَّهَا)
стр. 6793
المخاض -وهو الطَّلق إلى جذع النَّخلة وكانت يابسةً-، قال في «الكشَّاف»: «أجاء» منقولٌ من «جاء» إلَّا أنَّ استعماله قد تغيَّر بعد النَّقل إلى معنى الإلجاء. تَسَّاقَطْ
(﴿تَسَّاقَطْ﴾ [مريم: ٢٥]) بتشديد السِّين، أصله: تتساقط، فأُدغِمت التَّاء الثَّانية في السِّين، وهي قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وابن عامرٍ والكسائيِّ، أي: (تَسْقُطْ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وهذا قول أبي عبيدٍ، لكنَّه ضُبِط ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضمِّ أوَّله (١)، من الرُّباعيِّ، وهي قراءة حفصٍ، رُوِي: أنَّها كانت نخلةً يابسةً ولا رأس لها ولا ثمرة، وكان الوقت شتاءً، فهزَّته فجعل الله له رأسًا وخوصًا ورُطَبًا، يسلِّيها بذلك لِمَا فيه من المعجزة الدَّالَّة على براءة ساحتها.
(﴿قَصِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] أي: (قَاصِيًا) قال ابن عبَّاسٍ: أقصى وادي بيت لحمٍ فرارًا من قومها أن يعيِّروها بولادتها من غير زوجٍ (﴿فَرِيًّا﴾) في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: (عَظِيمًا) وقيل: منكرًا.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَسْيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (٢)﴾ [مريم: ٢٣] أي (٣): (لَمْ أَكُنْ شَيْئًا، وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (النِّسْيُ) هو (الحَقِيرُ) وهذا (٤) قول السُّدِّيِّ.
(وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ) -بالهمز (٥) - شقيق بن سلمة: (عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ) بضمِّ النُّون وبعد الهاء السَّاكنة تحتيَّةٌ مفتوحةٌ. وقال عياضٌ: بالضَّمِّ الرِّواية، وقد يُقال: بفتحها، أي: عقلٍ، لأنَّه ينهى صاحبه عن القبائح، ويُقال فيه: ذو نهايةٍ، حكاه ثابتٌ، وقد تكون النُّهية من النَّهي بمعنى (٦): الفعلة الواحدة منه، والنَّهية -بالفتح- واحد النَّهي، مثل: تمرةٍ وتمرٍ،
стр. 6794
أي: أنَّ له من نفسه في كلِّ حالٍ زاجرًا ينهاه، كما يُقال: التَّقيُّ مُلجَمٌ، يُقال: نهيته ونهوته (حِينَ قَالَتْ) لجبريل ﵇ لمَّا أتاها بصورة شابٍّ أمرد سويِّ الخلق لتستأنس (١) بكلامه ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ﴾ (﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]) أي: تتقِّي الله وتحتفل بالاستعاذة فانتهِ عنِّي.
(وَقَالَ) بالواو، ولغير أبي ذرٍّ: «قال»: (وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ: (﴿سَرِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] هو: (نَهَرٌ صَغِيرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ) رواه ابن أبي حاتمٍ هكذا عن البراء موقوفًا، وفي «تفسير ابن مردويه» عن ابن عمر مرفوعًا: «السَّريُّ في هذه الآية نهرٌ أخرجه الله لمريم لتشرب منه».
٣٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي ابن زيدٍ الأزديُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (٢) (عَنِ
стр. 6795
النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ) وهو ما يُهيَّأ للصَّبيِّ أن يُربَّى فيه (إِلَّا ثَلَاثَةٌ) واستُشكِل الحصر بما رُوِي من كلام غير الثَّلاثة. وأُجيب باحتمال أن يكون المعنى: لم يتكلَّم في بني إسرائيل، أو قاله قبل أن يعلم الزِّيادة، أو الثَّلاثة بقيد المهد.
فالأوَّل: (عِيسَى) ابن مريم ﵉.
(وَ) الثَّاني (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ) وفي حديث أبي سلمة: أنَّه كان تاجرًا، وكان يَنقُص مرَّةً ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التِّجارة خيرٌ، لألتمسنَّ تجارةً هي خيرٌ من هذه، فبنى صومعةً وترهَّب فيها، وعند أحمد: «وكانت أمُّه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فتكلِّمه» و (كَانَ يُصَلِّي) يومًا (جَاءَتْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فجاءته» (أُمُّهُ فَدَعَتْهُ) فقالت: يا جريج (فَقَالَ) في نفسه: (أُجِيبُهَا) وأقطع صلاتي (أَو أُصَلِّي؟) فآثر الصَّلاة على إجابتها بعد أن دعته ثلاثًا، كما في الرِّواية الأخرى: «أنَّها دعته ثلاثًا» (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية بينهما واوٌ ساكنةٌ، الزَّانيات، ولم تدعُ عليه بوقوع الفاحشة مثلًا رفقًا منها (وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ) راعيةٌ ترعى الغنم، أو كانت بنت ملك القرية (١) (فَكَلَّمَتْهُ) أن يواقعها بالفاء في الفرع، وفي «اليونينيَّة»: «وكلَّمته» بالواو بدل الفاء (فَأَبَى) أن يفعل ذلك (فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا) فواقعها فحملت منه (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) فقيل لها: ممَّن هذا الغلام؟ (فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ) زاد أحمد: «فأُخِذت وكان من زنى منهم قُتِل» وزاد أبو سلمة في روايته: «فذهبوا إلى الملك فأخبروه فقال: أدركوه فأتوني به» (فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكسروا» (صَوْمَعَتَهُ) بالفؤوس والمساحي (وَأَنْزَلُوهُ) منها (وَسَبُّوهُ) زاد أحمد عن وهبٍ بن (٢) جريرٍ: «وضربوه، فقال ما شأنكم؟ قالوا: إنَّك زنيت بهذه» وعند أحمد أيضًا من طريق أبي رافعٍ: «أنَّهم جعلوا في عنقه وعنقها حبلًا وجعلوا يطوفون بهما على (٣) النَّاس» وفي رواية أبي سلمة: «أنَّ الملك