الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ) شيب اللِّحية والرَّأس (فَخَالِفُوهُمْ) أي: واصبغوا بغير السَّواد؛ لِمَا في «مسلمٍ» من حديث جابرٍ أنَّه ﷺ قال: «غيِّروه وجنِّبوه السَّواد» وقد اختار النَّوويُّ تحريم الصَّبغ بالسَّواد، نعم يُستثنَى المجاهد اتِّفاقًا.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الزِّينة».
٣٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابن معمر بن ربعيٍّ القيسيُّ البحرانيُّ -بالموحَّدة والحاء المهملة- أو هو (١) محمَّد بن يحيى الذُّهليُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (حَجَّاجٌ) هو (٢) ابن منهالٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن حازمٍ (عَنِ الحَسَنِ) هو (٣) البصريُّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدَُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها (فِي هَذَا المَسْجِدِ) مسجد البصرة (وَمَا نَسِينَا) ما حدَّثنا به (مُنْذُ حَدَّثَنَا) بل حقَّقناه واستمرَّينا (٤) ذاكرين له لقرب العهد به (وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «على النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) لأنَّ الصَّحابة (٥) عدولٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَانَ فِيمَنْ كان قَبْلَكُمْ) من بني إسرائيل، أو من غيرهم (رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه
стр. 6827
(بِهِ جُرْحٌ) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء، بعدها حاءٌ مهملةٌ، في يده (فَجَزِعَ) بفتح الجيم وكسر الزَّاي، لم يصبر على ألمه (فَأَخَذَ سِكِّينًا) بكسر السِّين (فَحَزَّ) بالحاء المهملة والزَّاي المشدَّدة، قطع (بِهَا يَدَهُ) من غير إبانةٍ (فَمَا رَقَأَ) بفتح الرَّاء والقاف والهمزة، أي: لم ينقطع (الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « » بدل «تعالى»: (بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ) أي: استعجل الموت (حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) لأنَّه استحلَّ (١) ذلك فكفر به، فيكون مخلَّدًا بكفره لا بقتله، أو كان كافرًا في الأصل وعُوقِب بهذه المعصية زيادةً على كفره، أو حُرِّمت عليه الجنَّة في وقتٍ ما؛ كالوقت الَّذي يدخل فيه السَّابقون، أو الوقت الَّذي يُعذَّب فيه الموحِّدون ثمَّ يخرجون، أو جنَّةٌ معيَّنةٌ كالفردوس مثلًا، أو غير ذلك ممَّا يطول ذكره. وقال الطِّيبيُّ: وليس في قوله: «حرَّمتُ عليه الجنَّة» ما يدلُّ على الدَّوام والإقناط الكلِّيِّ، ولمَّا كان الإنسان بصدد أن يحمله الضَّجر والغضب على إتلاف نفسه، ويسوِّل له الشَّيطان أنَّ الخَطْبَ فيه يسيرٌ، وأنَّه أهون من قتل نفسٍ أخرى محرَّمةٍ أَعْلَمَ ﷺ أنَّ ذلك في التَّحريم كقتل سائر النُّفوس المحرَّمة. انتهى. واستُشكِل (٢) قوله: «بادرني بنفسه»؛ إذ مقتضاه: أنَّ من قُتِل فقد مات قبل أجله، وليس أحدٌ يموت بأيِّ سببٍ كان إلَّا بأَجَله، وقد علم الله أنَّه يموت بالسَّبب المذكور، وما عَلِمَهُ لا يتغيَّر. وأُجيب بأنَّه لمَّا وُجِدت منه صورة المبادرة بقصده (٣) ذلك واختياره له، والله جلَّ وعلا لم يُطلعه على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه فاستحقَّ المعاقبة لعصيانه، والحديث أصلٌ كبيرٌ في تعظيم قتل النَّفس، سواءٌ كانت نفس الإنسان أو غيره؛ لأنَّ نفسه ليست ملكه أيضًا فيتصرَّف فيها على حسب اختياره.
(٥١) (حَدِيثُ أَبْرَصَ) وهو الَّذي ابيضَّ ظاهر بدنه لفساد مزاجه (وَأَقْرَعَ) وهو الَّذي (٤) ذهب شعر
стр. 6828
رأسه بآفةٍ (١) (وَأَعْمَى) وهو الَّذي ذهب بصره الكائنين الثَّلاثة (فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) وسقط لأبي ذرٍّ «في بني إسرائيل»، وفي بعض النُّسخ: «بابُ حديثِ أبرصَ … » إلى آخره.
стр. 6829
٣٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) السُّرَّماريُّ -بضمِّ السِّين المهملة وتشديد الرَّاء المفتوحة، نسبةً إلى قريةٍ من قرى بخارى- قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، القيسيُّ الكلابيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة (١) وسكون الواو وكسر المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ، ابن أخي أنس بن مالكٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) فتح العين المهملة وسكون الميم، الأنصاريُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ¬).
«ح (٢)» وبه قال: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، وقد جوَّز الحافظ أبو ذرٍّ الهرويُّ أنَّه الذُّهليُّ، وقيل: هو محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ نفسه، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بالجيم، ابن المثنَّى البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ) العَوْذِيُّ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ابن أخي أنسٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ (٣) ﷺ يَقُولُ: إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ -أَبْرَصَ وَأَعْمَى وَأَقْرَعَ- (٤)) لم يُسمَّوا (بَدَا للهِ) بفتح الموحَّدة والمهملة المخفَّفة بغير همزٍ في الفرع وأصله، وهو الَّذي رويناه كالأكثرين، ومعناه: سبق في علم الله فأراد إظهاره، لا أنَّه ظهر له بعد أن كان خافيًا؛ إذ إنَّ ذلك محالٌ في حقِّ الله تعالى، وخطَّأ هذا الكِرمانيُّ في شرحه تبعًا لابن قُرْقُول، ولفظه في «مطالعه» ضبطناه عن متقني شيوخنا بالهمز، أي: ابتدأ (٥) الله أن يبتليهم، قال: ورواه كثيرٌ من الشُّيوخ بغير همزٍ، وهو خطأٌ. انتهى. وقد سبقه إلى التَّخطئة الخطَّابيُّ وليس كذلك، فقد ثبتت الرِّواية به ووُجِّه، وأولى ما يُحمَل عليه -كما في «الفتح» - أنَّ المراد: قضى الله أن يبتليهم، وفي «مسلمٍ» عن شيبان بن فرُّوخ، عن همَّامٍ بهذا الإسناد: «أراد الله أن
стр. 6830
يبتليهم» (١)، وقال البرماويُّ تبعًا للكِرمانيِّ: بدأ -بالهمز- اللهُ، رفع فاعلٍ، أي: حكم وأراد أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ) أي: يختبرهم، وقوله « » ثابتٌ لأبي ذرٍّ (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ) الَّذي ابيضَّ جسده (فَقَالَ) له: (أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ) بفتح القاف وكسر الذَّال المعجمة والنَّصب على المفعوليَّة، أي: اشمأزُّوا من رؤيتي وعدُّوني مُستقذَرًا وكرهوني، وفي روايةٍ ذكرها الكِرمانيُّ: «قذَّروني» وهي على لغة «أكلوني البراغيث» (قَالَ: فَمَسَحَهُ) الملك (فَذَهَبَ عَنْهُ) البرص، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «عنه» (فَأُعْطِيَ) بالفاء وضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «وأُعطِي» (لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا. فَقَالَ) له (٢) المَلَك أيضًا: (أَيُّ المَالِ) ولغير الكُشْميهَنيِّ -كما هو مفهوم «فتح الباري» -: «وأيُّ المال» بالواو، وكذا هي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ): أحبُّه (٣) إليَّ (الإِبِلُ. أَو قَالَ: البَقَرُ هُوَ) أي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الرَّاوي، كما في «مسلمٍ» (شَكَّ فِي ذَلِكَ أنَّ الأَبْرَصَ) كذا في «اليونينية» بفتح الهمزة من «إنَّ» وكسرها، وفي فرعها: بفتحها (وَالأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ: البَقَرُ، فَأُعْطِيَ) -بضمِّ الهمزة- الَّذي تمنَّى الإبل (نَاقَةً عُشَرَاءَ) بضمِّ العين وفتح المعجمة والرَّاء ممدودًا، الحامل الَّتي أتى عليها في حملها عشرة أشهرٍ من يوم طرقها الفحل، وهي من أَنْفَس الإبل (فَقَالَ) له الملَك: (يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا) بضمِّ التَّحتيَّة من «يُبارك» وفي رواية شيبان بن فرُّوخ عن همَّامٍ عند مسلمٍ: «بارك الله لك فيها».
(وَأَتَى) الملك (الأَقْرَعَ) الَّذي ذهب شعر رأسه (فَقَالَ) له: (أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا) القرع، ولأبي ذرٍّ: «ويذهب هذا عنِّي» بالتَّقديم والتَّأخير (قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ) كرهوني (قَالَ: فَمَسَحَهُ) الملك على رأسه (فَذَهَبَ) قرعه (وَأُعْطِيَ) بضمِّ الهمزة (شَعَرًا حَسَنًا) ثمَّ (قَالَ) له (٤): (فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ. قَالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ) له: (يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ) له: (أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ (٥)
стр. 6831
بَصَرِي، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ: فَمَسَحَهُ) الملك على عينيه (فَرَدَّ اللهُ إِلَيهِ بَصَرَهُ) ثمَّ (قَالَ) له: (فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ) له: (الغَنَمُ. فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا) ذات ولدٍ أو حاملًا (فَأُنْتِجَ) بهمزةٍ مضمومةٍ وهي لغةٌ قليلةٌ، والمشهور عند أهل اللُّغة: نُتِج -بضمِّ النُّون، من غير همزٍ- (هَذَانِ) أي: صاحبا الإبل والبقر (وَوَلَّدَ) بفتح الواو وتشديد اللَّام (هَذَا) أي: صاحب الشَّاة. قال الكِرمانيُّ: وقد راعى عرف (١) الاستعمال، حيث قال فيهما: «أُنتِج» وفي الشَّاة: «ولَّد» (فَكَانَ لِهَذَا) الَّذي اختار الإبل (وَادٍ) قد امتلأ (مِنْ إِبِلٍ) ولأبي ذرٍّ: «من الإبل» (وَلِهَذَا) الَّذي اختار البقر (وَادٍ) قد امتلأ (مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا) الَّذي اختار الغنم (وَادٍ) قد امتلأ (مِنَ الغَنَمِ) ولأبي ذرٍّ: «من غنمٍ» (ثُمَّ إِنَّهُ) أي: الملك (أَتَى الأَبْرَصَ) الَّذي كان مسحه فذهب برصه (فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ) الَّتي كان عليها لمَّا اجتمع به وهو أبرص (فَقَالَ) له: إنِّي (رَجُلٌ مِسْكِينٌ) زاد شيبان: «وابن سبيلٍ» (تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي) بحاءٍ مهملةٍ مكسورةٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ خفيفةٍ، جمع حبلٍ، والمراد: الأسباب الَّتي يقطعها في طلب الرِّزق، أو المستطيل من الرَّمل أو العقبات (٢)، ولبعض رواة البخاريِّ: «الجبال» بالجيم والموحَّدة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «به الحبال في سفره» (فَلَا بَلَاغَ) فلا كفاية (اليَوْمَ إِلَّا بِاللهِ) أي: ليس لي ما أبلغ به غرضي إلَّا بالله، وفي الفرع كأصله تضبيبٌ على غين «بلاغٍ»، فليُتأمَّل. (ثُمَّ بِكَ) «ثمَّ» هنا للمرتبة (٣) في التَّنزيل لا للتَّراقي، وهذا ونحوه من الملائكة معاريض لا إخبارٌ، كما في قول إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] و «أختي» [خ¦٢٢١٧] (أَسْأَلُكَ بِـ) الله (الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ) الكثير (بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «به» و «أَتَبَلَّغ» بهمزةٍ وفوقيَّةٍ ومُوحَّدةٍ ولامٍ مُشدَّدةٍ مفتوحاتٍ ثمَّ معجمةٍ، من البلغة، وهي الكفاية، والمعنى: أتوصَّل به إلى مرادي (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (لَهُ: إِنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ) الملك: (كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟) بفتح
стр. 6832
التَّحتيَّة وبفتح (١) الذَّال المعجمة، من باب علم يعلم، حال كونك (فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ) له: (لَقَدْ وَرِثْتُ) هذا المال (لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «كابرًا عن كابرٍ» بإسقاط اللَّام والنَّصب، أي: ورثته عن آبائي وأجدادي حال كون كلِّ واحدٍ منهم كبيرًا ورث عن كبيرٍ، فكذَب وجحد نعمة الله (فَقَالَ) له الملك: (إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) في مقالتك هذه (فَصَيَّرَكَ اللهُ) (إِلَى مَا كُنْتَ) من البرص والفقر، والجملة جواب الشَّرط، وأدخل الفاء في الفعل الماضي، لأنَّه دعاءٌ. فإن قلت: فلم عبَّر بالماضي؟ أُجيب لقصد المبالغة في الدُّعاء عليه، والشَّرط ليس على حقيقته، لأنَّ الملك لم يشكَّ في كذبه، بل هو مثل قول العامل إذا سوَّف في عمالته: إن كنتُ عملت فأعطني حقِّي.
(وَأَتَى) الملَك (الأَقْرَعَ) الَّذي كان مسح رأسه فذهب قرعه (فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ) الَّتي كان عليها أوَّلًا (فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا) الأبرص: رجلٌ مسكينٌ تقطَّعت بي الحبال في سفري … إلى آخره، وسأله بقرةً (فَرَدَّ عَلَيْهِ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وردَّ» وليست هذه في الفرع، أي: فردَّ الرَّجل الأقرع على الملَك (مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا) الأبرص، فقال: إنَّ الحقوق كثيرةٌ … إلى
стр. 6833
آخره، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «هذا» (فَقَالَ) له الملك: (إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ) عليه (١) من القرع والفقر.
(وَأَتَى) الملك (الأَعْمَى) الَّذي مسح عينيه فعاد بصره (فِي صُورَتِهِ) الَّتي كان عليها (فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ) ولأبي ذرٍّ: «وابن السَّبيل» (وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «به الحبال في سفره» (فَلَا بَلَاغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِـ) الله (الَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقال» له (٢): (قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ) عليَّ (بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي) وضُبِّب في الفرع على: «فقد أغناني» وكذا في «اليونينيَّة» (فَخُذْ مَا شِئْتَ) زاد شيبان: «وَدْع ما شئت» (فَوَاللهِ لَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ للهِ) بالجيم السَّاكنة والهاء في الفرع وأصله (٣). قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي رواية كريمة وأكثر روايات مسلمٍ، أي: لا أشقُّ عليك في ردِّ شيءٍ تطلبه منِّي أو تأخذه، ولأبي ذرٍّ -كما في الفرع وأصله-: «لا أحمدك» بالحاء المهملة والميم بدل الجيم والهاء «لشيءٍ» باللَّام بدل الموحَّدة، أي: لا أحمدك على ترك شيءٍ تحتاج إليه من مالي، كقوله:
وليس على طول الحياة تندُّمٌ … ......................
أي: على فوت طول الحياة. وادَّعى القاضي عياضٌ أنَّه لم تختلف رواة البخاريِّ في أنَّها بالحاء والميم، وما ذُكِر يردُّ دعواه، وأمَّا ما حكاه القاضي: أنَّ بعضهم لمَّا أشكل عليه معناه، أسقط الميم فصار: «لا أحدُّك» بتشديد الدَّال، أي: لا أمنعك. فقال في «المصابيح»: إنَّه تكلُّفٌ، وأساء وغيَّر الرِّواية، وإنَّه جراءةٌ (٤) عظيمةٌ لا يقدم (٥) عليها من يتَّقي الله (فَقَالَ) الملَك له: (أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) اختبركم الله (فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ) وسقط الفاعل لأبي ذرٍّ
стр. 6834
(وَسَخِطَ) بكسر الخاء (عَلَى صَاحِبَيْكَ) بالتَّثنية.
(٥٢) (باب ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾) أي (١): بل حسبت (﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩]) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ، وكذا سقط في فرع «اليونينيَّة» وأصله (٢)، وسقط «الرَّقيم» لأَبَوَي الوقت وذرٍّ وابن عساكر (﴿الْكَهْفِ﴾) هو (الفَتْحُ فِي الجَبَلِ) قاله (٣) الضَّحَّاك، والَّذي تظافرت به الأخبار أنَّه في بلاد الرُّوم.
(﴿وَالرَّقِيمِ ا﴾) هو (الكِتَابُ، ﴿مَّرْقُومٌ﴾) أي: (مَكْتُوبٌ، مِنَ الرَّقْمِ) وهو الكتابة. وعن أبي عبيدة: الرَّقيم: الوادي الَّذي فيه الكهف، وعن كعبٍ: القرية، وعن أنسٍ: اسم الكلب، وعن سعيد بن جبيرٍ: اسم الصَّخرة الَّتي أطبقت على الوادي الَّذي فيه الكهف. وعن ابن عبَّاسٍ: لوحٌ من رصاصٍ كُتِب فيه أسماء أصحاب الكهف لمَّا توجَّهوا عن قومهم ولم يعرفوا أين توجَّهوا.
و (﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾) أي: (أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) على هجر الوطن والأهل والمال وغير ذلك (﴿شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]) أي: (إِفْرَاطًا) في الظُّلم، والنَّصب على أنَّه صفة مصدرٍ محذوفٍ
стр. 6835
تقديره: لقد قلنا إذًا قولًا شططًا (الوَصِيدُ) هو (الفِنَاءُ) بكسر الفاء والمدِّ، أي: فناء (١) الكهف (وَجَمْعُهُ: وَصَائِدُ) بالمدِّ (وَوُصُدٌ) بضمِّ الواو والصَّاد (وَيُقَالُ: الوَصِيدُ) هو (البَابُ) وقيل: العتبة. وقوله: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠]) أي: (مُطْبَقَةٌ) يُقال: (آصَدَ البَابَ) بالمدِّ وفتح الصَّاد المهملة؛ أي: أغلقه (وَ) يُقال: (أَوْصَدَ) أيضًا.
(﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾) أي: (أَحْيَيْنَاهُمْ) أو (٢) أيقظناهم (﴿أَزْكَى﴾ [الكهف: ١٩]) طعامًا، أي: (أَكْثَرُ رَيْعًا) بالرَّاء المفتوحة والتَّحتيَّة السَّاكنة ثمَّ العين المهملة، أي: نماءً وزيادةً (فَضَرَبَ اللهُ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا) نومةً لا تنبِّههم منها الأصوات، ومراده قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١]
(﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]) أي: (لَمْ يَسْتَبِنْ).
(وَقَالَ) ولابن عساكر: «فقال» (مُجَاهِدٌ: ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف: ١٧]) أي: (تَتْرُكُهُمْ) وسقط هذا التَّفسير كلُّه للنَّسفيِّ، وثبت في الفرع وأصله للكشميهنيِّ والمُستملي، وسقط للحَمُّويي، وهو ثابتٌ أيضًا في أصول الحفاظ أبي ذرٍّ الهرويِّ وأبي محمَّدٍ الأَصيليِّ وأبي القاسم الدِّمشقيِّ وأبي سعدٍ السَّمعانيِّ.
(٥٣) (حَدِيثُ الغَارِ).
стр. 6836
٣٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) الخزَّاز -بمعجماتٍ- أبو عبد الله الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء بعدها راءٌ، القرشيُّ الكوفيُّ قاضي الموصل (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) لم يُسمَّوا (مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) في «الطَّبرانيِّ» عن عقبة بن عامرٍ: «من بني إسرائيل» (يَمْشُونَ) مرفوعٌ خبر «ثلاثة». وفي حديث عقبة المذكور وأبي هريرة عند ابن حبَّان والبزَّار: «أنَّهم خرجوا يرتادون لأهلهم» (إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا) بقصر الهمزة في الفرع كأصله، وتُمَدُّ (إِلَى غَارٍ، فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ) باب الغار. وعند الطَّبرانيِّ من حديث النُّعمان من وجهٍ (١) آخر: «إذ وقع حجرٌ من الجبل ممَّا يهبط من خشية الله حتَّى سدَّ فم الغار» (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ) أي (٢) الشأن (-وَاللهِ يَا هَؤُلَاءِ- لَا يُنْجِيكُمْ) بضمِّ أوَّله وسكون النُّون مُخفَّفًا، ولأبي ذرٍّ: «يُنَجِّيكم» -بفتح النُّون، مُثقَّلًا- ممَّا أنتم فيه (إِلَّا الصِّدْقُ، فَلْيَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ) في
стр. 6837
حديث عليٍّ عند البزَّار: «تفكَّروا (١) في أحسن أعمالكم فادعوا الله بها، لعلَّ الله يفرِّج عنكم» (فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ) سقط «واحدٌ» وتاليه لأبوي ذرٍّ والوقت بإسقاط القائل: (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) ظاهره الشَّكُّ، والمؤمن يجزم (٢) بأنَّ الله تعالى عالمٌ بذلك، فهو على خلاف الظَّاهر، فالمعنى: أنت تعلم (أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي) -بكسر الميم- عملًا (عَلَى فَرَقٍ) بفتح الفاء والرَّاء بعدها قافٌ، مكيالٍ يسع ثلاثة آصعٍ (مِنْ أَرُزٍّ) بفتح الهمزة وضمِّ الرَّاء وتشديد الزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «َأُرْز» بضمِّ الهمزة وفتحها وسكون الرَّاء (فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ) في حديث النُّعمان بن بشيرٍ عند أحمد: «كان لي أجراء يعملون، فاستأجرت كلَّ رجلٍ منهم بأجرٍ معلومٍ، فجاء رجلٌ ذات يومٍ في نصف النَّهار فاستأجرته بشرط (٣) أصحابه، فعمل في نصف نهاره (٤) كما عمل رجلٌ منهم في نهاره كلِّه، فرأيت عليَّ في الذِّمام ألَّا أنقصه ممَّا استأجرتُ (٥) به أصحابه، لِمَا جهد في عمله، فقال رجلٌ منهم: تعطي هذا مثل ما أعطيتني؟! فقلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئًا من شرطك، وإنَّما هو مالي أحكم فيه بما شئت. قال: فغضب وذهب وترك أجره» (وَأَنِّي) بفتح الهمزة (عَمَدْتُ) بفتح العين والميم (إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٦): «أن اشتريت» (مِنْهُ بَقَرًا) زاد موسى بن عقبة [خ¦٢٣٣٣] «وراعيها» (وَأَنَّهُ أَتَانِي (٧) يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ (٨): اعْمِدْ) بكسر الميم، ولأبي ذرٍّ: «فقلت له: اعمد» (إِلَى تِلْكَ البَقَرِ فَسُقْهَا، فَقَالَ لِي: إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ) بالتَّشديد مع فتح الهمزة
стр. 6838
وضمِّ الرَّاء (فَقُلْتُ لَهُ (١): اعْمِدْ) بكسر الميم (٢) (إِلَى تِلْكَ البَقَرِ (٣) فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الفَرَقِ فَسَاقَهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أنَّ عملي هذا مقبولٌ و (أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا) ما نحن فيه، وكأنَّه لم يجزم بقبول عمله (فَانْسَاخَتْ) بهمزة الوصل وسكون النُّون وبالسِّين المهملة والخاء المعجمة المفتوحتين بينهما ألفٌ، أي: انشقَّت (عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ) ويُقال: «انصاخت» بالصَّاد بدل السِّين، أي: انشقَّ (٤) من قِبل نفسه، وأنكر الخطَّابيُّ: «انساخت» بالسِّين والخاء المعجمة، وصوَّب كونها بالحاء المهملة، وهي الَّتي في «اليونينيَّة» و «فروعها» (٥) أي: اتَّسعت (٦)، لكنَّ الرِّواية بالسِّين والخاء المعجمة صحيحةٌ، وإن كان الأصل بالصاد فهي تُقلَب سينًا. وفي حديث النُّعمان بن بشيرٍ: «فانصدع الجبل حتَّى رأوا الضَّوء» وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان: «فزال ثلث الحجر».
(فَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ) أي: أنت (تَعْلَمُ كَانَ) وللأَصيليِّ: «أنَّه كان» (لِي أَبَوَانِ) فهو من باب التَّغليب، أي: أبٌ وأمٌّ (شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) وفي حديث عليٍّ (٧): «أبوان ضعيفان فقيران، ليس (٨) لهما خادمٌ ولا راعٍ ولا وليٌّ غيري، فكنت أرعى لهما بالنَّهار، وآوي إليهما باللَّيل» (وَكُنْتُ) ولغير أَبَوَي ذرٍّ والوقت: «فكنت» (آتِيهِمَا) بالمدِّ (كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا) ولأبي ذرٍّ: «عنهما» (لَيْلَةً) بسبب تباعد العشب الَّذي ترعاه الغنم (فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا) الأبوان (وَأَهْلِي) مبتدأٌ (وَعِيَالِي) عطفٌ عليه، والخبر (يَتَضَاغَوْنَ) بضادٍ وغينٍ معجمتين،
стр. 6839
أي: وزوجتي وأولادي وغيرهم يتصايحون أو يستغيثون (مِنَ الجُوعِ) بسبب الجوع (فَكُنْتُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكنت» (لَا أَسْقِيهِمْ) شيئًا من اللَّبن (حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) من نومهما فيشقَّ عليهما (وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا) أتركهما (فَيَسْتَكِنَّا) بتشديد النُّون في الفرع كأصله، من الاستكنان، أي: يلبثا في كنِّهما منتظرين (لِشَرْبَتِهِمَا) أو بتخفيف النُّون، كما أفهمه كلام الكِرمانيِّ وتفسير الحافظ ابن حجرٍ مقتصرًا عليه، حيث قال: وأمَّا كراهية (١) أن يدعهما، فقد فسَّره بقوله: «فيستكنا لشربتهما» (٢) أي: يضعفا، لأنَّه عشاؤهما، وتركُ العشاءِ يُهْرِم، وقوله: «يستكنَّا»، من الاستكانة، وقوله: «لشربتهما» أي: لعدم شربهما، فيصيران ضعيفين مسكينين، والمسكين الَّذي لا شيء له. انتهى. (فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ) استيقاظهما (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أنَّ عملي هذا مقبولٌ و (أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا) ما نحن فيه (فَانْسَاخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ) بالخاء المعجمة، أي: انشقَّت (حَتَّى نَظَرُوا إِلَى (٣) السَّمَاءِ. فَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أي: اللَّهمَّ (٤) أنت تعلم (أَنَّهُ كَانَ) ولأبي ذرٍّ: «كانت» (لِي ابْنَةُ عَمٍّ) لم تُسَمَّ (مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ) زاد في رواية موسى بن عقبة في «باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه» من «البيوع» [خ¦٢٢١٥]: «كأشدِّ ما يحبُّ الرِّجال النِّساء» (وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي: طلبت منها النِّكاح، يُقال: راود فلانٌ جاريته على (٥) نفسها وراودته هي (٦) عن (٧) نفسه، إذا حاول كلٌّ منهما الوطء، وعدَّاه هنا بـ «عن» لأنَّه ضُمِّن معنى المخادعة، أي: خادعتها (٨) عن نفسها، والمفاعلة هنا من الواحد، نحو: داويت المريض، أو هي على بابها، فإنَّ (٩) كلَّ واحدٍ منهما كان يطلب من صاحبه شيئًا برفقٍ، هو يطلب منها الفعل، وهي تطلب منه التَّرك إلَّا إن أعطاها مالًا، كما قال (فَأَبَتْ) أي: امتنعت (إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِئَةِ دِينَارٍ) وفي
стр. 6840
رواية سالمٍ عن أبيه في «باب من استأجر أجيرًا» من «البيوع» [خ¦٢٢٧٢]: «فامتنعت منِّي حتَّى ألمَّت بها سنةٌ -أي: سَنة قحطٍ- فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينارٍ» وجُمِع بينه وبين رواية الباب: بأنَّها امتنعت أوَّلًا عفَّةً عنه ودافعته بطلب المال، فلمَّا احتاجت أجابت، وأمَّا قوله: «فأعطيتها عشرين ومئة دينارٍ» فيحتمل أنَّها طلبت منه المئة وزادها هو من قِبل نفسه العشرين (فَطَلَبْتُهَا) أي: المئة دينارٍ (حَتَّى قَدَرْتُ) عليها (فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا (١)) وفي حديث النُّعمان: «أنَّها تردَّدت إليه ثلاث مرَّاتٍ تطلب شيئًا من معروفه، ويأبى عليها إلَّا أن تمكِّنه من نفسها، فأجابت في الثَّالثة بعد أن استأذنت زوجها، فأذن لها وقال لها: أغني عيالك. قال: فرجعت فناشَدَتْني بالله» (فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) أي: جلست منها مجلس الرَّجل من امرأته لأطأها (قَالَتِ) كذا في الفرع، والَّذي في أصله: «فقالت»: (اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ) بفتح التَّاء وضمِّ الفاء وتشديد الضَّاد المعجمة، أي: لا تكسره، وكَنَّتْ عن عذرتها بالخاتم، وكأنَّها كانت بكرًا فقالت: (٢) لا تُزِلْ بكارتي إلَّا بتزويجٍ صحيحٍ، لكنَّ في حديث النُّعمان بن بشيرٍ ما يدلُّ على أنَّها لم تكن بكرًا، فتكون كنَّت عن الإفضاء بالكسر، وعن الفرج بالخاتم، وفي حديث عليٍّ: «فقالت: أذكِّرك الله أن تركب منِّي ما حرَّم الله عليك» وفي حديث النُّعمان: «فأسلمت إليَّ نفسها، فلمَّا كشفتها ارتعدت من تحتي، فقلت: ما لكِ؟ قالت: (٣) أخاف الله ربِّ العالمين، فقلت: خفتيه في الشِّدَّة ولم أَخَفْه في الرَّخاء» وفي حديث ابن أبي أوفى عند الطَّبرانيِّ: «فلمَّا جلست منها مجلس الرَّجل من المرأة ذكرتُ النَّار» (فَقُمْتُ) عنها من غير فعلٍ (وَتَرَكْتُ المِئَةَ دِينَارٍ) ولأبي ذرٍّ: «وتركت المئة الدِّينار» (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أنَّ عملي مقبولٌ و (أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا) ما نحن فيه (فَفَرَّجَ اللهُ عَنْهُمْ، فَخَرَجُوا) من الغار يمشون. فإن قلت: أيُّ الثَّلاثة أفضل؟ أُجيب صاحب المرأة لأنَّه اجتمع فيه الخشية، وقد قال الله (٤) تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] قال الغزاليُّ: شهوة الفرج أغلب الشَّهوات على الإنسان، وأعصاها عند الهيجان
стр. 6841
على العقل، فمن ترك الزِّنى خوفًا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسير (١) الأس باب سيَّما عند صدق الشَّهوة نال درجة الصِّدِّيقين.
وهذا الحديث سبق في «باب من استأجر أجيرًا فترك أجره» [خ¦٢٢٧٢] عن سالمٍ، وفي «باب إذا اشترى شيئًا لغيره» [خ¦٢٢١٥] عن موسى بن عقبة عن نافعٍ، وفي «باب إذا زرع بمال قومٍ» [خ¦٢٣٣٣] عن موسى بن عقبة أيضًا، ولم يخرجه إلَّا من رواية ابن عمر، ورواه الطَّبرانيُّ عن أنسٍ وابن حبَّان عن أبي هريرة، وأحمد عن النُّعمان بن بشيرٍ، والطَّبرانيُّ عن عليٍّ وعقبة بن عامرٍ وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أوفى، واتَّفقوا على أنَّ القصص الثَّلاثة في الأجير والمرأة والأبوين إلَّا حديث عقبة بن عامرٍ ففيه بدل «الأجير»: أنَّ الثَّالث قال: كنت في غنمٍ أرعاها فحضرت الصَّلاة فقمت أصلِّي، فجاء الذِّئب فدخل الغنم، فكرهت أن أقطع صلاتي، فصبرت حتَّى فرغت، واختلافهم في التَّقديم والتَّأخير يفيد جواز الرِّواية بالمعنى.
(٥٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه.
٣٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز الأعرج أنَّه (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (تُرْضِعُ ابْنَهَا) لم يُسَمَّ، وزاد في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٣٦]: «من بني إسرائيل» (إِذْ مَرَّ
стр. 6842
بِهَا) رجلٌ (رَاكِبٌ) لم يُسَمَّ (وَهْيَ تُرْضِعُهُ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتِ ابْنِي) هذا (حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ هَذَا) الرَّاكب في هيئته الحسنة (فَقَالَ) الطِّفل: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ رَجَعَ فِي (١) الثَّدْيِ) يمصُّه (وَمُرَّ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول (بِامْرَأَةٍ) لم تُسَمَّ (تُجَرَّرُ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الجيم والرَّاء المشدَّدة بعدها راءٌ ثانيةٌ (وَيُلْعَبُ بِهَا) بضمِّ الياء وسكون اللَّام وفتح العين، وزاد أحمد من رواية وهب بن جريرٍ: و «تُضرَب» (فَقَالَتِ) أمُّ الطِّفل: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا) سقط «فقالت … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (فَقَالَ) الطِّفل: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا (٢)) زاد في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾» [خ¦٣٤٣٦]: «فقالت: -يعني: الأمُّ للابن- لِمَ ذاك؟» (فَقَالَ) الطِّفل: (أَمَّا الرَّاكِبُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ) وفي الباب المذكور: «جبَّارٌ من الجبابرة» (وَأَمَّا المَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا: تَزْنِي) زاد في الباب: «ولم تفعل» واللَّام في «لها» تحتمل -كما قاله في «المصابيح» - أن تكون بمعنى: «عن» كما قاله ابن الحاجب في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ويحتمل أن تُجعَل لام التَّبليغ كما قيل به (٣) في الآية، ردًّا على ابن الحاجب، والتفت عن الخطاب إلى الغيبة فقال: «سبقونا» ولم يقل: «سبقتمونا» وكذا في الحديث التفت عن الخطاب فلم يقل: «تزنين» وسلك طريق (٤) الغيبة فقال: «تزني» أي: هي تزني (وَتَقُولُ) أي: والحال أنَّها تقول: (حَسْبِي اللهُ، وَيَقُولُونَ: تَسْرِقُ) ولم تفعل (وَ) الحال أنَّها (تَقُولُ: حَسْبِي اللهُ).
وهذا الحديث سبق قريبًا [خ¦٣٤٣٦].
٣٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) هو سعِيد -بكسر العين- ابن عيسى بن تَلِيد -بفتح
стр. 6843
المثنَّاة الفوقيَّة وكسر اللَّام وسكون التَّحتيَّة بعدها دالٌ مهملةٌ- المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، ابن زيد بن عبد الله البصريُّ (١) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْنَمَا) بالميم (كَلْبٌ يُطِيفُ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، من: أطاف يطيف، أي: يطوف (بِرَكِيَّةٍ) بفتح الرَّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتيَّة، بئرٍ لم تُطوَ أو طُوِيت، أي: يدور حولها (كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ) بفتح الموحَّدة وكسر الغين المعجمة (٢) وتشديد التَّحتيَّة، امرأةٌ زانيةٌ (مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا) بضمِّ الميم وسكون الواو وفتح القاف، خفَّها، فارسيٌّ مُعرَّبٌ، أو هو الَّذي يُلبَس فوق الخفِّ، وهو الجرموق، فملأته من الرَّكيَّة (فَسَقَتْهُ) حتَّى روي (فَغُفِرَ لَهَا) بضمِّ الغين المعجمة وكسر الفاء مبنيًّا للمفعول، أي: غفر الله للبغيِّ (بِهِ) وسقطت لفظة «به» للحَمُّويي والمُستملي، وما وقع في «الطِّهارة» [خ¦١٧٣] و «الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣]-أنَّ الَّذي سقى الكلب رجلٌ- يقتضي تعدُّد ذلك، وفيه: أنَّ في سقي كلِّ حيوانٍ أجرًا، لكن بشرط ألَّا يكون مأمورًا بقتله كالحيَّة وغيرها.
٣٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ أبو عبد الرَّحمن القعنبيُّ الحارثيُّ المدنيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ: (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميَّة الأمويَّ الصَّحابيَّ، أسلم قبل الفتح وكتب الوحي (عَامَ حَجَّ) سنة إحدى وخمسين حال كونه (عَلَى المِنْبَرِ) النَّبويِّ بالمدينة (فَتَنَاوَلَ قُصَّةً) بضمِّ القاف وتشديد الصَّاد المهملة (مِنْ شَعَرٍ) أي: قطعةً من شعر النَّاصية (كَانَتْ) ولغير أَبَوَي ذرٍّ والوقت: «وكانت» (فِي يَدَيْ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ: «يد»
стр. 6844
(حَرَسِيٍّ) واحد الحرَّاس الَّذين يحرسون (فَقَالَ: يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) سؤال إنكارٍ عليهم بإهمالهم إنكار هذا المنكر وغفلتهم عن تغييره (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ) القُصَّة (وَيَقُولُ) ﷺ : (إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا) ولأبي ذرٍّ: «حين اتَّخذ هذه» أي: القُصَّة (نِسَاؤُهُمْ) للزِّينة بوصلها (١) بالشَّعر. قال القاضي عياضٌ: ويحتمل أنَّه كان مُحرَّمًا على بني إسرائيل، فعُوقِبوا باستعماله وهلكوا بسببه، ويحتمل أن يكون الهلاك به وبغيره من المعاصي، وعند ظهور ذلك فيهم هلكوا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٣٢]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أبو داود في «التَّرجُّل»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «الزِّينة».
٣٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ) عمِّه (٢) (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ) سقط «قد» في بعض النُّسخ (فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ) يريد: بني إسرائيل (مُحَدَّثُونَ) بفتح الدَّال المهملة المشدَّدة، قال المؤلِّف (٣): يجري على ألسنتهم الصَّواب من غير نبوَّةٍ، وقال الخطَّابيُّ: يُلقَى الشَّيء في رُوْعِه فكأنَّه قد حُدِّث به، يظنُّ فيصيب، ويخطر الشَّيء بباله فيكون، وهي منزلةٌ رفيعةٌ من منازل الأولياء (وَإِنَّهُ) أي: وإنَّ (٤) الشَّأن (إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁، قاله ﵊ على سبيل التَّوقُّع، وكأنَّه لم يكن اطَّلع على أنَّ
стр. 6845
ذلك كائنٌ وقد وقع، وقصَّة «يا ساريةُ الجبلَ» مشهورةٌ مع غيرها.
وهذ الحديث أخرجه أيضًا في «فضل عمر» [خ¦٣٦٨٩]، وأخرجه النَّسائيُّ في «المناقب».
٣٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، العبديُّ أبو بكرٍ بندارٌ قال (١): (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد بن ابراهيم بن أبي عديٍّ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ) بكسر الصَّاد والدَّال المشدَّدة المهملتين (٢)، بكر بن قيسٍ (النَّاجِيِّ) بالنُّون والجيم المكسورة والتَّحتيَّة المشدَّدة، كذا ضبطه الكِرمانيُّ وغيره، وهو الَّذي في «اليونينيَّة»، وفي الفرع: بسكون التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ» (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا) زاد الطَّبرانيُّ من حديث معاوية بن أبي سفيان: «كلُّهم ظلمًا» (ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ) وعند مسلمٍ من طريق هشام (٣) عن قتادة: «يسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهبٍ» (فَأَتَى رَاهِبًا) من النَّصارى لم يُسَمَّ، وفيه إشعارٌ بأنَّ ذلك وقع بعد رفع عيسى، فإنَّ الرَّهبانيَّة إنَّما ابتدعها أتباعه (فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: هَلْ) لي (مِنْ تَوْبَةٍ) بعد هذه الجريمة العظيمة؟ وفي الحديث إشكالٌ، لأنَّا إن (٤) قلنا: لا فقد خالفنا نصوصنا، وإن قلنا: نعم فقد خالفنا
стр. 6846
نصوص الشَّرع؛ فإنَّ حقوق بني آدم لا تسقط بالتَّوبة، بل توبتُها أداؤُها إلى مستحقِّيها (١) أو الاستحلال منها. والجواب: أنَّ الله تعالى إذا رضي عنه وقبل توبته يُرضي عنه خصمه، وسقط لأَبَوَي ذرٍّ والوقت لفظة «من»، فـ «توبةٌ» رفعٌ (قَالَ) له الرَّاهب: (لَا) توبة لك بعد أن قتلت تسعةً وتسعين إنسانًا ظلمًا (فَقَتَلَهُ) وكمَّل به مئةً (فَجَعَلَ يَسْأَلُ) أي (٢): هل لي من توبةٍ؟ أو عن أعلم أهل الأرض ليسأله (٣) عن ذلك (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) راهبٌ لم يُسَمَّ أيضًا بعد أن سأله فقال: إنِّي قتلت مئة إنسانٍ فهل لي من توبةٍ؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التَّوبة؟! (ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا) اسمها نصرة، كما عند الطَّبرانيِّ بإسنادين أَحَدُهما جيِّدٌ، من حديث عبد الله بن عمرٍو، زاد في روايةٍ: «فانطلق حتَّى إذا (٤) نصف الطَّريق» (فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَنَاءَ) بنونٍ ومدٍّ وبعد الألف همزةٌ، أي: مال (بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا) نحو القرية نصرة الَّتي توجَّه إليها للتَّوبة، وحُكِي (٥): «فنأى» بغير مدِّ قبل الهمزة وبإشباعها (٦) بوزن سعى، أي: بَعُد بصدره عن الأرض الَّتي خرج منها (فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ العَذَابِ) زاد في رواية هشامٍ عن قتادة عند مسلمٍ: «فقالت ملائكة الرَّحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنَّه لم يعمل خيرًا قطُّ» (فَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ) القرية نصرة (أَنْ تَقَرَّبِي) منه (وَأَوْحَى اللهُ (٧) إِلَى هَذِهِ) القرية الَّتي خرج منها، وهي كفرة كما عند الطَّبرانيِّ (أَنْ تَبَاعَدِي، وَقَالَ) للملائكة: (قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا) فقيس (فَوُجِدَ) بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول (إِلَى هَذِهِ) القرية نصرة (أَقَرَبَ) بفتح الموحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «فوُجِد له هذه (٨) أقربُ» (٩) (بِشِبْرٍ) و «أقربُ» في هذه الرِّواية رفْعٌ على ما لا يخفى، وفي رواية هشامٍ: «فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض الَّتي أراد»، وعند الطَّبرانيِّ في
стр. 6847
حديث معاوية: فوجدوه (١) أقرب إلى دير التَّوَّابين بأنملة (فَغُفِرَ لَهُ) واستُنبِط منه: أنَّ التَّائب ينبغي له مفارقة الأحوال الَّتي اعتادها في زمان المعصية، والتَّحوُّل عنها كلِّها والاشتغال بغيرها، وغير ذلك ممَّا يطول.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة»، وابن ماجه في «الدِّيات».
٣٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ (٢): صَلَّى رَسُولُ اللهِ (٣) ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَجُلٌ) من بني إسرائيل لم يُسَمَّ (يَسُوقُ بَقَرَةً) وجواب «بينا» قوله: (إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا) أي: جنس البقر (لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا) الرُّكوب (إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ) الحصر في ذلك غير مرادٍ اتِّفاقًا؛ إذ من جملة ما خُلِقت له الذَّبح والأكل (فَقَالَ النَّاسُ) متعجِّبين: (سُبْحَانَ اللهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا (فَقَالَ) ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «قال» أي: النَّبيُّ ﷺ : (فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا) بنطق البقرة، والفاء جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: فإذا كان النَّاس يستغربونه فإنِّي لا أستغربه وأؤمن به (أَنَا، وَ) كذا
стр. 6848
(أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -وَمَا هُمَا ثَمَّ-) بفتح المثلَّثة، أي: ليسا حاضِرَين. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو من كلام الرَّاوي ولم يقع في رواية الزُّهريِّ، وثبت لفظ: «أنا» في «اليونينيَّة» وسقط في «الفرع».
(وَ) قال النَّبيُّ (١) ﷺ بالإسناد السَّابق: (بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ) بالعين المهملة، من العدوان (فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلَبَ) أي: صاحب الغنم الشَّاة (حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ) أي: لصاحب الغنم (الذِّئْبُ: هَذَا) أي: يا هذا، بحذف (٢) حرف النِّداء، واعتُرِض: بأنَّه ممنوعٌ، أو قليلٌ، أو (٣) المراد: هذا اليوم (اسْتَنْقَذْتَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «استنقذها» (مِنِّي) فهو في موضع نصبٍ على الظَّرفيَّة، مشارًا به إلى اليوم، وسبق هذا مع غيره في «باب استعمال البقر للحراثة» من «المزارعة» [خ¦٢٣٢٤] (فَمَنْ لَهَا) أي: للشَّاة (يَوْمَ السَّبُعِ) بضمِّ الموحَّدة، وجوَّز عياضٌ سكونها إلَّا أنَّه قال: إنَّ (٤) الرِّواية ضمُّها، أي: إذا أخذها السَّبع المفترس من الحيوان عند الفتن (يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي) حين (٥) تُترَك نهبةً للسِّباع؟ (فَقَالَ النَّاسُ) متعجِّبين: (سُبْحَانَ اللهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قَالَ) رسول الله (٦) ﷺ : (فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا) أي: العمران (ثَمَّ) أي: حاضِرَان، وذكر في هذه لفظة: «أنا» وعطف عليها ما بعدها للتَّأكيد.
وسبق هذا الحديث في «باب استعمال البقر للحراثة» [خ¦٢٣٢٤].
قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» بإسقاطها (عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (عَنْ مِسْعَرٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين آخره راءٌ، ابن كدام (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ) عمِّه (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «مثلَه» بإسقاط حرف الجرِّ، والحاصل: أنَّ لسفيان فيه
стр. 6849
شيخين: أبو الزِّناد عن الأعرج، والآخر مسعرٌ عن سعد بن إبراهيم، كلاهما عن أبي سلمة.
٣٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه (١) إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم، السَّعديُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ الأزديِّ مولاهم البصريِّ نزيل اليمن (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ: «قال رسول الله» (¬ ﷺ : اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ) لم يُسميَّا (عَقَارًا لَهُ) بفتح العين، قال في «القاموس»: المنزل، والقصر، أو المتهدِّم منه، والبناء المرتفع، والضَّيعة، ومتاع البيت، ونَضَدُه الَّذي لا يُبتذَل إلَّا في الأعياد ونحوها. انتهى. والمراد به (٢) هنا: الدَّار، وصرَّح بذلك في حديث وهب بن منبِّهٍ (فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَار: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ) لم أشترِ (مِنْكَ الذَّهَبَ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «منك» (وَقَالَ الَّذِي) كانت (لَهُ الأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا) ظاهره أنَّهما اختلفا في صورة العقد، فالمشتري يقول: لم يقع تصريحٌ ببيع الأرض وما فيها، بل ببيع (٣) الأرض خاصَّةً، والبائع يقول: وقع التَّصريح بذلك، أو وقع بينهما على الأرض خاصَّةً، فاعتقد البائع دخول ما فيها ضمنًا، واعتقد المشتري عدم الدُّخول (فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ) هو داود النَّبيُّ ﵇، كما في «المبتدأ» لوهب بن منبِّهٍ، وفي «المبتدأ» لإسحاق بن بشرٍ: أنَّ ذلك وقع في زمن ذي القرنين من بعض قضاته. قال في «الفتح»:
стр. 6850
وصنيع البخاريِّ يقتضي ترجيح ما وقع عند وهبٍ لكونه أورده في ذكر بني إسرائيل (فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟) بفتح الواو، والمراد: الجنس، والمعنى: ألكلٍّ منكما ولدٌ (قَالَ أَحَدُهُمَا) وهو المشتري: (لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الآخَرُ) وهو البائع: (لِي جَارِيَةٌ، قَالَ): أي: الحاكم: (أَنْكِحُوا) أنتما والشَّاهدان (الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا) أنتما ومن تستعينان به، كالوكيل (عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ) أي: على الزَّوجين من الذَّهب (وَتَصَدَّقَا) منه بأنفسكما بغير (١) واسطةٍ لِمَا فيه من الفضل، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّه إذا باع أرضًا لا يدخل فيها ذهبٌ مدفونٌ فيها كالكنوز، كبيع دارٍ فيها أمتعةٌ، بل هو (٢) باقٍ على ملك البائع.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «القضاء».
٣٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمام دار الهجرة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير -بالتَّصغير- التَّيميِّ المدنيِّ (وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) بضمِّ الهمزة، ابن حارثة: (مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي) شأن (الطَّاعُونِ؟) وهو -كما قال الجوهريُّ- على وزن «فاعول» من الطَّعن، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالًّا على الموت العامِّ كالوباء (فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الطَّاعُونُ رِجْسٌ) بالسِّين، أي: عذابٌ (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ) هم قوم فرعون (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لمَّا كثر
стр. 6851
طغيانهم (أَوْ) قال ﵇: (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) شكَّ (١) الرَّاوي (فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) بسكون القاف وفتح الدَّال (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا) منها (فِرَارًا) أي: لأجل الفرار (مِنْهُ) أي: من الطَّاعون، لأنَّه إذا خرج الأصحَّاء وهلك المرضى فلا يبقى من يقوم بأمرهم، وقيل غير ذلك ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه [خ¦٥٧٣٤].
(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) بالسَّند السَّابق: (لَا يُخْرِجُكُمْ) من الأرض الَّتي وقع بها إذا لم يكن خروجكم (إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ) فالنَّصب على الحال، وكلمة «إلَّا» للإيجاب لا للاستثناء، حكاه النَّوويُّ، وبهذا التَّقدير يزول الإشكال، لأنَّ ظاهره (٢) المنع من الخروج لكلِّ سببٍ، لا للفرار، وهو ضدُّ المراد. وقال الكِرمانيُّ: المراد منه: الحصر، يعني: الخروج المنهيُّ عنه هو الَّذي لمجرَّد الفرار لا لغرضٍ آخر، فهو تفسيرٌ للمعلّل المنهيِّ لا للنَّهي، وقيل: «إلَّا» زائدةٌ، غلطًا من الرَّاوي، والصواب حذفها، فيباح لغرضٍ آخر (٣) كالتِّجارة ونحوها، وقد نقل ابن جريرٍ الطَّبريُّ: أنَّ أبا موسى الأشعريَّ كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطَّاعون، وكان الأسود بن هلالٍ ومسروقٌ يفرَّان منه، وعن عمرو بن العاص أنَّه قال: تفرَّقوا من هذا الرِّجز في الشِّعاب والأودية ورؤوس الجبال، وهل يأتي هنا قول عمر ﵁: «نفرُّ من قدر الله (٤) تعالى إلى قدر الله تعالى» أم لا؟
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٤]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ»، والتِّرمذيُّ في «الجنائز».
стр. 6852
٣٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) عمرٌو (١) الكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة مُصغَّرًا، ابن الحُصَيب -بالمهملتين- قاضي مرو (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح الميم، قاضي مرو أيضًا، التَّابعيِّ الجليل (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد: (أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ) (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) (٢) من الكفَّار (وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) وشهادةً، كما في حديثٍ آخر [خ¦٢٨٣٠] (لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) الَّذي (٣) وقع به (٤) الطَّاعون، ولا يخرج منه (٥) حال كونه (صابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) وإن مات بغير الطَّاعون ولو في غير زمنه، وقد عُلِم أنَّ درجات الشُّهداء متفاوتةٌ، فيكون كمن خرج من بيته على نيَّة الجهاد في سبيل الله فمات (٦) بسببٍ آخر غير القتل، وفضل الله واسعٌ، و «نيَّة المؤمن (٧) أبلغ من عمله».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٦٩٧٤] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٤] و «القدر» [خ¦٦٦١٩]، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ»، وبقيَّة مباحثه تأتي في محالِّها إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.
стр. 6853
٣٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ -وسقط «ابن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ- قال: (حَدَّثَنَا اللَيْثٌ) هو (١) ابن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ) أحزنهم (شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ) وهي فاطمة بنت الأسود (الَّتِي سَرَقَتْ) حليًّا في غزوة الفتح (فَقَالَ) بالإفراد: (وَمَنْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فقالوا» بالجمع، أي: قريشٌ «من» بحذف الواو، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقال» بالإفراد «من» بغير واوٍ (يُكَلِّمُ فِيهَا) أي: (٢) المخزوميَّة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا) وعند ابن أبي شيبة: أنَّ القائل مسعود بن الأسود: (وَمَنْ يَجْتَرِئُ) أي: يتجاسر (عَلَيْهِ) بطريق الإدلال، والعطف على محذوفٍ تقديره: ولا يجترئ عليه منَّا (٣) أحدٌ، لمهابته وأنَّه لا تأخذه في دين الله رأفةٌ، وما يجترئ عليه (إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ) بكسر الحاء وتشديد الموحَّدة، أي: محبوب (رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ) في ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ) ؟! استفهامٌ إنكاريٌّ (ثُمَّ قَامَ) ﵇ (فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ (٤) الَّذِينَ قَبْلَكُمْ) هم بنو إسرائيل (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة، وقد تُقطَع، اسمٌ موضوعٌ للقسم (لَو أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: «بنت محمَّدٍ» (سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) إنَّما ضرب المثل بفاطمة ﵂، لأنَّها كانت أعزَّ أهله، ثمَّ إنَّها كانت سَمِيَّتُها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضل أسامة» [خ¦٣٧٣٣] وفي «الحدود» [خ¦٦٧٨٨]، ومسلمٌ، وأبو داود، وابن ماجه، والنَّسائيُّ في «الحدود».
стр. 6854
٣٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال (١): (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، الهلاليُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ) بفتح النُّون والزَّاي المشدَّدة وبعد الألف لامٌ، و «سَبْرة» بفتح المهملة وتسكين الموحَّدة (الهِلَالِيَّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ) (٢) يحتمل أن يكون (٣) هذا الرَّجل عمرو بن العاص لحديثٍ عند أحمد يُستأنس به في ذلك (وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «قرأ آيةً، وسمعت النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ (٤) النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ) للجدال الواقع بينهما (وَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ) في القراءة والسَّماع (فلَا تَخْتَلِفُوا (٥)) بالفاء في الفرع، والَّذي (٦) في أصله: «ولا تختلفوا» اختلافًا يؤدِّي إلى الكفر أو البدعة، كالاختلاف في نفس القرآن وفيما جازت قراءته بوجهين، وفيما يوقع في الفتنة أو الشُّبهة (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ) وهم بنو إسرائيل (اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا) نعم إذا كان الاختلاف في الفروع ومناظرات العلماء لإظهار الحقِّ فهو مأمورٌ به.
وسبق هذا الحديث في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٠].
٣٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قاضيها قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو أبو وائل بن سلمة (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهْو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) قيل: هو نوحٌ، فعند ابن أبي حاتمٍ عن عبيد بن عُمَيرٍ اللَّيثيِّ:
стр. 6855
أنَّه بلغه أنَّ قوم نوحٍ كانوا يبطشون به فيخنقونه حتَّى يُغشَى عليه (وَيَقُولُ) إذا أفاق: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) قال مجاهدٌ: هو نوحٌ (١) فإن صحَّ أنَّ المراد نوحٌ، فلعلَّ هذا كان في ابتداء الأمر، ثمَّ لمَّا يئس منهم قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقد جرى لنبيِّنا ﷺ مثل (٢) ذلك (٣) يوم أُحُدٍ. رواه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث (٤) سهل بن سعدٍ، والظَّاهر: أنَّ النَّبيَّ المبهم هنا (٥) من أنبياء بني إسرائيل، وإلَّا فلا مطابقة بين الحديث وبين ما ترجم به (٦)، فإنَّ نوحًا قبل بني إسرائيل بمدَّةٍ مديدةٍ، وثبت لفظ «اللَّهمَّ» للكشميهنيِّ في «اليونينيَّة»، وكذا (٧) فرعها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في «استتابة المرتدّين» [خ¦٦٩٢٩]، وأخرجه مسلم في «المغازي»، وابن ماجه في «الفتن».
٣٤٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ) أبي نهارٍ الأزديِّ الكوفيِّ
стр. 6856
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (كَانَ قَبْلَكُمْ) في بني إسرائيل (رَغَسَهُ اللهُ) بفتح الرَّاء والغين المعجمة المخفَّفة والسِّين المهملة، أعطاه الله (مَالًا) ووسَّع له فيه (فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ) بضمِّ الحاء المهملة وكسر المعجمة، أي: لمَّا حضره الموت: (أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا): كنتَ لنا (خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي) بفتح الذَّال المعجمة وتشديد الرَّاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ اذْروني» بهمزة (١) وصلٍ وسكون المعجمة. وقال في «الفتح»: «أَذروني» بزيادة همزةٍ مفتوحةٍ، أي: طيِّروني (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) ريحُه (فَفَعَلُوا) ما أمرهم به (فَجَمَعَهُ اللهُ في حديث سلمان الفارسيِّ: «فقال الله له: كن، فكان في أسرع من طرفة العين»، رواه أبو عوانة في «صحيحه» (فَقَالَ) له: (مَا حَمَلَكَ) زاد في الرِّواية الآتية [خ¦٣٤٨١]: «على ما صنعت؟» (قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (مَخَافَتُكَ) حملتني على ذلك (فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ) بالقاف وتعديته بالباء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فتلافاه» بألفٍ بعد اللَّام وفاءٍ بدل القاف «رحمتَه» بالنَّصب على المفعوليَّة.
(وَقَالَ مُعَاذٌ) العنبريُّ فيما وصله (٢) مسلمٌ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ) ولأبي ذرٍّ: «سمع» (عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ) الأزديَّ يقول: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) (٣) فأفاد في هذه الطَّريق أنَّ قتادة سمع من عقبة.
стр. 6857
٣٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، اللَّخميِّ، يُقال له: الفَرَسي -بفتح الفاء والرَّاء- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الرَّاء وسكون الموحَّدة وبكسر (١) العين المهملة، و «حراش» بكسر الحاء المهملة بعدها راءٌ فألفٌ فمُعجَمةٌ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عُقْبَةُ) هو ابن عمرٍو أبو مسعودٍ الأنصاريُّ البدريُّ، وليس هو عقبة بن عبد الغافر السَّابق (لِحُذَيْفَةَ) بن اليمان: (أَلَا) بالتَّخفيف (تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ (٢) ﷺ ؟ قَالَ) حذيفة لعقبة: (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا) أي: من بني إسرائيل، كان نبَّاشًا للقبور، يسرق الأكفان (حَضَرَهُ المَوْتُ، لَمَّا) بتشديد الميم (أَيِسَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ مكسورةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يئس» بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فهمزةٍ مكسورةٍ (مِنَ الحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ) ولأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة» لا (٣) في الفرع: «إلى أهله»: (إِذَا مُتُّ) ولأبي ذرٍّ: «إذا (٤) مات» (فَاجْمَعُوا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فاجعلوا» (لِي حَطَبًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَوْرُوا) بفتح الهمزة وسكون الواو، أي: اقدحوا (٥) وأشعلوا (نَارًا) واطرحوني فيها (حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ) أي: وصلت (إِلَى عَظْمِي) فأحرقته (فَخُذُوهَا) أي: عظامه المُحرَقة (٦) (فَاطْحَنُوهَا، فَذَرُّونِي) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء في الفرع كأصله وغيرهما، وضبطه في «الفتح»: بضمِّ المعجمة، أي: فرِّقوني (فِي اليَمِّ) في البحر (فِي يَوْمٍ) بالتَّنوين (حَارٍّ) كذا (٧) بالحاء المهملة والرَّاء المشدَّدة في الفرع، وقيَّده في «الفتح»: بتخفيفها، أي: شديد الحرِّ (أَوْ) قال: (رَاحٍ) براء فألفٍ فمهملةٍ كثير الرِّيح، والشَّكُّ من الرَّاوي، وللمُستملي والحَمُّويي: «في يوم حازٍ راحٍ (٨)» بالحاء المهملة (٩) والزَّاي المخفَّفة
стр. 6858
في الأولى (١)، وقال العينيُّ: بتشديدها، أي: يحزُّ حرُّه (٢) أو برده (فَجَمَعَهُ اللهُ) (فَقَالَ) له: (لِمَ فَعَلْتَ) هذا؟ (قَالَ: خَشْيَتَكَ) قال الحافظ شرف الدِّين اليونينيُّ: قال شيخنا جمال الدِّين -يعني: ابن مالكٍ-: «خَشْيتَِك» بفتح التَّاء وكسرها، والفتح أعلى. انتهى. ووجَّه الكِرمانيِّ النَّصب: على نزع الخافض، أي: لخشيتك، ووجَّه الزَّركشيُّ الثَّاني: على تقدير «من» وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: «خشيتُك» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أو مبتدأٌ حُذِف خبره، وللكُشميهنيِّ: «من خشيتك» (فَغَفَرَ لَهُ، قَالَ عُقْبَةُ) بن عمرٍو الأنصاريُّ: (وَأَنَا سَمِعْتُهُ) أي: سمعت حذيفة (يَقُولُ) ما قال رسول الله ﷺ .
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «حدَّثنا مُسدَّدٌ» بدل «موسى» وصوَّب الحافظ أبو ذرٍّ: أنَّه موسى موافقةً (٣) للأكثر، وبذلك (٤) جزم أبو نُعيمٍ في «مستخرجه»، وهو الظَّاهر لأنَّ المؤلِّف ساق الحديث عن مُسدَّدٍ، ثمَّ بيَّن أنَّ موسى خالفه في لفظةٍ منه، قال (٥): (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عُمَيرٍ (وَقَالَ: فِي يَوْمٍ رَاحٍ) بدل قوله في رواية مُسدَّدٍ السَّابقة: «في يومٍ حارٍّ»، وقوله: «حدَّثنا موسى … » إلى آخره ثابتٌ في رواية الحَمُّويي.
٣٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ العامريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، القرشيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: كانَ الرَّجُلُ)
стр. 6859
كذا بالألف واللَّام في الفرع كأصله (١)، لكن ضُبِّب عليهما، بل شُطِب عليهما بالحمرة (يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ) أي (٢): لصاحبه الَّذي يقضي حوائجه: (إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) بالفاء وفتح الواو، ولأبي ذرٍّ: «تجاوز» بحذف الفاء (٣). وعند النَّسائيِّ: «فيقول لرسوله: خذ ما تيسَّر واترك ما عَسُرَ» وتجاوز (لَعَلَّ اللهَ) (أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. قَالَ: فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) وعند مسلمٍ من طريق ربعيٍّ عن حذيفة: «فقال الله تعالى: أنا أحقُّ بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي».
وسبق هذا الحديث قريبًا [خ¦٢٠٧٨].
٣٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) من بني إسرائيل (يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ) يبالغ في المعاصي (فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي) بهمزة قطعٍ (ثُمَّ اطْحَنُونِي) بهمزة وصلٍ (ثُمَّ ذَرُّونِي) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء. وقال العينيُّ: بتخفيفها. أي: اتركوني (فِي الرِّيحِ) تفرِّق أجزائي بهبوبها (فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي) بتخفيف الدَّال، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لئن قدَّر الله عليَّ» أي: ضيَّق الله عليَّ، كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق عليه، وليس شكًّا في القدرة على إحيائه وإعادته ولا إنكارًا لبعثه، كيف وقد أظهر (٤) إيمانه
стр. 6860
باعترافه بأنَّه فعل ذلك من خشية الله تعالى؟! ولا يُقال: إنَّ جحد بعض الصِّفات لا يكون كفرًا، لأنَّ الاتِّفاق على جحد صفة القدرة كفرٌ بلا ريبٍ، وأحسن الأقوال قول النَّوويِّ: إنَّه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه؛ بحيث ذهب تدبُّره فيما يقوله، فصار كالغافل والنَّاسي الَّذي لا يُؤاخَذ بما يصدر (١) منه، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه (لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا) بفتح الموحَّدة من: «ليعذِّبَني» وفي «اليونينيَّة»: بجزمها، وكذا في الفرع، لكنَّه مُصلَّحٌ على كشطٍ، وفي روايةٍ [خ¦٧٥٠٦] «فوالله لئن قدر الله عليه ليعذِّبه عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالمين» (فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ) بضمِّ الفاء وكسر العين (ذَلِكَ) الَّذي أوصى به (فَأَمَرَ اللهُ تعالى) سقط قوله: «تعالى» في «اليونينيَّة» (الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ (٢)، فَفَعَلَتْ) فيه ردٌّ على من قال: إنَّ الخطاب السَّابق من الله تعالى لروح هذا الرَّجل، لأنَّ ذلك لا يناسب قوله: «اجمعي ما فيك» لأنَّ التَّحريق والتَّفريق إنَّما وقع على الجسد، وهو الَّذي يُجمَع ويُعَاد عند البعث، وحينئذٍ فيكون ذلك كلُّه إخبارًا عمَّا سيقع لهذا الرَّجل يوم القيامة، وفي روايةٍ [خ¦٧٥٠٦] «قال رجلٌ لم يعمل حسنةً قطُّ لأهله: إذا متُّ فحرِّقوه، ثمَّ ذرَّوا نصفه في البرِّ، ونصفه في البحر … » الحديثَ، وفيه: «فأمر الله تعالى البرَّ فجمع ما فيه» وأمر البحر فجمع ما فيه (فَإِذَا هُو قَائِمٌ) بين يديه تعالى (فَقَالَ) له: (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ) في الفرع ما صورته: «قال: يا ربِّ» وعلى الحاشية: «خشيتك فغفر له، وقال غيره: مخافتك». انتهى (٣). حملتني على ذلك، وسقط قوله: «خشيتك» لأبي ذرٍّ، وفي نسخةٍ: «خشِيْتُكَ» بكسر الشِّين وسكون التَّحتيَّة، أي: خَشِيتك فصنعت ذلك (فَغَفَرَ لَهُ (٤)، وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أبي هريرة: (مَخَافَتُكَ) بدل قوله: «خشيتك» (يَا رَبِّ) وهذا أخرجه أحمد عن عبد الرَّزَّاق، ولأبي ذرٍّ: «خشيتك» بدل قوله: «مخافتك» لأنَّ خشية (٥) الأولى ساقطةٌ عنده، كما مرَّ.
стр. 6861
٣٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيد بن مخراقٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) عمِّي (جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بالجيم المضمومة، تصغير جاريةٍ، ابن عبيد بن مخراقٍ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ) من بني إسرائيل -لم تُسَمَّ- (فِي) شأن (هِرَّةٍ) بكسر الهاء وتشديد الرَّاء وآخره هاء (سَجَنَتْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ربطتها» (حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ) أي: المرأة (فِيهَا) أي: بسببها (النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا) وهذه ساقطةٌ من الفرع ثابتةٌ في «اليونينيَّة» (وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) بالخاء المعجمة والشِّينين المعجمتين بينهما ألفٌ، أي: حشراتها وهوامِّها. قال الطِّيبيُّ: وذكر الأرض هنا كذكرها في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] للإحاطة والشُّمول، وقال الدَّميريُّ: كانت هذه المرأة كافرةً كما رواه (١) البزَّار في «مسنده»، وأبو نُعيمٍ في «تاريخ أصبهان»، والبيهقيُّ في «البعث والنُّشور» عن عائشة، فاستحقَّت التَّعذيب بكفرها وظلمها. وقال عياضٌ في «شرح مسلمٍ»: يحتمل أن تكون كافرةً، ونفى (٢) النَّوويُّ هذا الاحتمال، وكأنَّهما لم يطَّلعا على نقلٍ في ذلك. وفي «مسند أبي داود الطَّيالسيِّ» من حديث الشَّعبيِّ عن علقمة قال: «كنَّا عند عائشة، ومعنا أبو هريرة، فقالت: يا أبا هريرة: أنت الَّذي تحدِّث عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ امرأةً عُذِّبت بالنَّار من أجل هرَّةٍ؟ قال أبو هريرة: نعم سمعته من رسول الله (٣) ﷺ . فقالت عائشة: المؤمن أكرم على الله من أن يعذِّبه من أجل هرَّةٍ، إنَّما
стр. 6862
كانت المرأة مع ذلك كافرةً، يا أبا هريرة إذا حدَّثتَ عن رسول الله ﷺ ؛ فانظر كيف تحدِّث». نعم في «كامل ابن عديٍّ» عنها: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان (١) تمرُّ به الهرَّة فيصغي لها الإناء فتشرب منه» وفي «تاريخ ابن عساكر»: أنَّ الشِّبليَّ رُئِي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه ثمَّ قال لي: يا أبا بكرٍ أتدري بمَ غفرت لك؟ فقلت: بصالح عملي، فقال: لا. فقلت: إلهي بماذا؟ فقال: بتلك الهرَّة الَّتي وجدتها في دروب بغداد وقد أضعفها البرد، فأدخلتها في فرٍو كان (٢) عليك؛ وقايةً لها من أليم البرد، فبرحمتك لها رحمتك.
وهذا الحديث سبق في «بدء الخلق» (٣) [خ¦٣٣١٨] وفي «الصَّلاة» في «باب ما يقرأ بعد التَّكبير» [خ¦٧٤٥]، وأخرجه مسلمٌ في «الحيوان» و «الأدب».
٣٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليربوعيُّ الكوفيُّ، نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله (عَنْ زُهَيْرٍ) هو ابن معاوية الكوفيُّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر الكوفيُّ (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الرَّاء وسكون الموحَّدة في الأوَّل، وكسر الحاء المهملة وبعد الرَّاء ألفٌ فمعجمةٌ في الثَّاني، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ) بن عمرٍو البدريُّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ) بالرَّفع. قال ابن حجرٍ: في جميع الطُّرق، أي: ممَّا أدركه النَّاسُ، ويجوز النَّصب، أي: ممَّا بلغ النَّاسَ (مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ) ممَّا اتفقوا عليه ولم يُنسَخ فيما نُسِخ من شرائعهم، ولم يُبدَّل فيما بُدِّل منها، لأنَّه أمرٌ قد عُلِم صوابه وظهر فضله واتَّفقت العقول على حسنه، وزاد أحمد وأبو داود وغيرهما «الأولى» (٤) أي: الَّتي (٥) قبل نبيِّنا ﷺ ، إشارةً إلى اتِّفاق كلمة
стр. 6863
الأنبياء من أوَّلهم إلى آخرهم على استحسانه (١): (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ) بكسر الحاء في الفرع وأصله، اسم «إنَّ»، وخبرها «من» في «ممَّا» على تأويل أنَّ هذا القول حاصلٌ ممَّا أدرك النَّاس (٢)، ويجوز أن يكون فاعل «أدرك» ضميرًا عائدًا على «ما» و «النَّاس» مفعوله، وعليه كلام القاضي، أي: ممَّا بلغ النَّاس من كلام الأنبياء المتقدِّمين أنَّ الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال بمنهيَّات الشَّرع ومستهجنات الفعل، وقوله: «إذا لم تستحِ» الجملة الشَّرطيَّة اسم «إنَّ» على الحكاية، قاله الطِّيبيُّ (فَافْعَلْ مَا شِئْتَ) أمرٌ بمعنى الخبر، أو أمر تهديدٍ، أي: اصنع (٣) ما شئتَ فإنَّ الله مجزيك (٤)، أو معناه: انظر إلى (٥) ما تريد أن تفعله، فإن كان ممَّا لا يُستَحى منه فافعله، وإن كان ممَّا يُستَحى منه فدعه، أو أنَّك إذا لم تستح من الله بأنَّ ذلك الشَّيء ممَّا يجب ألَّا يُستَحى منه بحسب الدِّين فافعل، ولا تُبالِ بالخلق، قاله الكِرمانيُّ، ونقله الطِّيبيُّ عن «شرح السُّنَّة».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٢٠]، وكذا أبو داود، وأخرجه ابن ماجه في «الزُّهد».
стр. 6864
٣٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال (١): (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ) بسكون الحاء وكسر التَّحتيَّة، وفي الفرع: كسر الحاء مُخفَّفةً، وعلامة جزمه حذف الياء الَّتي هي لام الفعل، يُقال: استحى يستحي (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) وهذا الحديث ثابتٌ في الفرع، وسابقه مكتوبٌ في الهامش من «اليونينيَّة» ساقطٌ في كثيرٍ من الأصول، وفي إثباته فوائد: التَّصريح بسماع منصور عن (٢) ربعيٍّ وكونه من طريق آدم عن شعبة عن منصورٍ، وفيه: «فاصنع» بدل قوله (٣): «فافعل».
٣٤٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، ابن محمَّدٍ السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، كذا في «اليونينيَّة» وفي (٤) الفرع، لكنَّه مُصلَّحٌ فيه وفي غيرهما وعليه الشُّرَّاح: «عبد الله» وهو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ: أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) عبد الله (حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) ذكر أبو بكرٍ الكلاباذيُّ في «معاني الأخبار»: أنَّه قارون، وكذا هو في «صحاح الجوهريِّ» وزاد مسلمٌ: «ممَّن كان قبلكم» (يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الخُيَلَاءِ) من التَّكبُّر عن تخيُّل فضيلةٍ تراءت له من نفسه، وجواب «بينما» قوله: (خُسِفَ بِهِ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر المهملة (فَهْو يَتَجَلْجَلُ) بجيمين بينهما لامٌ ساكنةٌ وآخره أخرى،
стр. 6865
يسيخ (١) (فِي الأَرْضِ) مع (٢) اضطرابٍ شديدٍ وتدافعٍ من شقٍّ إلى شقٍّ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ).
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الزِّينة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفَهْميُّ مولى اللَّيث بن سعدٍ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، ووصل هذه المتابعة الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات».
وبقية مباحث هذا (٣) الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٧٩٠] بعون الله وقوَّته.
٣٤٨٦ - ٣٤٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ) في الدُّنيا (السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات (٤) (بَيْدَ) بفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة آخره دالٌ مُهملةٌ، أي: غير (كُلُّ أُمَّةٍ) قال ابن مالكٍ: المختار عندي في «بيد» أنْ تُجعَل حرف استثناءٍ بمعنى «لكن» لأنَّ معنى «إلَّا» مفهومٌ منها، والمشهور استعمالها متلوَّةً بـ «أنَّ» كما في حديثٍ آخر: «بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب» وقول الشَّاعر:
بيد أنَّ الله قَدْ فضَّلكم .................