أَصَابِعَهُ فَوَضَعَهَا فِي المِخْضَبِ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) قال حُميدٌ: (قُلْتُ) لأنسٍ: (كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: ثَمَانُونَ رَجُلًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «ثمانين» بالنصب خبر «كان» المقدَّرة.
ولم يذكر في هذا الحديث نبعَ الماءِ اختصارًا للعِلم به، وهذه أربعُ طرقٍ لحديث أنسٍ: الأول طريقُ قَتادة، والثاني طريق إسحاق بن عبد الله، والثالث طريق الحسن، والرابع طريق (١) حُميد، وفي الأولى أنَّهم كانوا بالزوراء بالمدينة الشريفة، وكذا في (٢) الرابعة، وفي الثالثة في السفر، وفي الأولى أنَّ الذين توضَّؤوا كانوا ثلاث مئة، وفي الثالثة كانوا سبعين، وفي الرابعة ثمانين، فظهر (٣) أنَّهما قِصَّتان في موطنين، للتغايُر في عدد مَن توضَّأ، وتعيين المكان الواقع فيه ذلك، وهي مغايَرَةٌ واضحةٌ يتعذَّرُ الجمع فيها، ووقع عند أبي نُعيم من رواية عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس: «أنَّ النبيَّ ﷺ خرج إلى قباء، فأُتِيَ من بعض بيوتهم بقدح صغير».
٣٥٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ -بالقاف والسين المهملة- قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابنُ عبد الرحمن السُّلَمِيُّ الكوفيُّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، رافعٍ الأشجعيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ) بكسر الطاء المهملة (يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف الياء (وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَُِكْوَةٌ) بتثليث الراء، إناءٌ صغيرٌ من جلد يشرب فيه (فَتَوَضَّأَ) منها (فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ) ﵊،
стр. 6967
بفتح الجيم والهاء والشين المعجمة من باب قَطَع (١)، أي: أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه، ولأبي ذرٍّ «فَجَهِش» (٢) بكسر الهاء من باب سَمِعَ (٣)، وللحَمُّويي والمُستملي: «جَهَش» بإسقاط الفاء وفتح الهاء والشين معجمة (٤) (فَقَالَ) ﵊، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال»: (مَا لَكُمْ؟ قَالُوا): يا رسول الله (لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ) به (٥) (وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ) و «ماءٌ» مهموزٌ في «اليونينية» و «فرع آقبغا» ولم يضبطه في «فرع تنكز» (فَوَضَعَ) النبيُّ (٦) ﷺ (يَدَهُ (٧) فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ المَاءُ يَثُورُ) بالمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يفور (٨)» بالفاء (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) بغيرِ «مِن» (كَأَمْثَالِ العُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا) قال سالمٌ: (قُلْتُ) لجابرٍ: (كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَو كُنَّا مِئَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً).
قال في «شرح المشكاة»: عَدَلَ عن الظاهر لاحتمال التجوُّز في الكَثْرة والقِلَّة، وهذا يدُلُّ على أنَّه اجتهد فيه وغلب (٩) ظنه على هذا المقدار، وقولُ البراء في الحديث الذي يتلو هذا الحديث: «كنَّا أربع عشرة مئة» كان عن تحقيقٍ، لأنَّ أهل الحديبية كانوا ألفًا وأربع مئة تحقيقًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٥٢]، وكذا مسلمٌ والنسائيُّ في «الطهارة» و «التفسير».
стр. 6968
٣٥٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بنِ زيادِ بن دِرهمٍ النهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بنِ عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازِبٍ (¬﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف الياء، ولأبي ذرٍّ: «بالحديبية» (أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً) رجَّح البيهقيُّ هذه الرواية على رواية «خمس عشرة مئة» بل قال ابن المسيَّب فيما حُكي عنه: إنَّها وهمٌ، وهي رواية مالك والأكثرين فيما نقله غير واحد، لكن ما وقع في رواية زهير «أنَّهم كانوا ألفًا وأربع مئة أو أكثر» يدُلُّ على عدم التحديد، وقد جُمع بأنَّهم كانوا أكثر من ألف وأربع مئة، فمَن قال: «ألفًا وخمس مئة» جَبَرَ الكسر، ومَن قال: «ألفًا وأربع مئة» ألغاه، وأمَّا رواية عبد الله بن أبي أوفى: كانوا ألفًا وثلاث مئة، فتُحمل على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة لم يطَّلع هو عليها، والزيادة من الثقة مقبولة، وقال في «العمدة»: يحمل قولُ مَن يزيد على أربع عشرة مئة أوينقص منها مئة، على عِدَّة مَنِ انضمَّ من المهاجرين والأنصار من العرب، فمنهم مَن جعل المنضافين لهم مئة، ومنهم مَن جعل المهاجرين والأنصار ثلاث عشرة مئة، ولم يعدَّ مَنِ انضاف إليهم لكونهم أتباعًا، وأمَّا قولُ ابن إسحاقَ: «كانوا سبع مئة» فقاله (٢) تفقُّهًا مِن قِبَلِ نفسه، من حيث إنَّهم نحروا البدنة عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين، وليس فيه دليلٌ (٣) على أنَّهم لم ينحروا غير البُدن، وأيضًا كان فيهم (٤) مَنْ لم يُحرِم أصلًا. (وَالحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ) على مرحلةٍ مِن مكَّةَ ممَّا يلي المدينة، وقيل: سُمِّيت بشجرة حدباء كانت هناك (فَنَزَحْنَاهَا) أي: استقينا ماءَها (حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً) مِن ماءٍ (فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَفِيرِ البِئْرِ) بالشين المعجمة المفتوحة والفاء المكسورة، أي: على شفتها (فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ) أي: جعله في فِيْهِ الشريف وحرَّكه (وَمَجَّ) أي: رمى بالماء الذي في فيه (فِي البِئْرِ، فَمَكَُثْنَا) بفتح الكاف وضمِّها (غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا) من البئر (حَتَّى رَوِينَا) بكسر الواو (وَرَوَتْ)
стр. 6969
بفتحها، ولأبي ذرٍّ: «ورُوِيَتْ» بكسرها مع زيادة تحتيَّة بعدَها (أَوْ) قال: (صَدَرَتْ) بفتح الراء، أي: رجعت (رَكَائِبُنَا) بفتح الراء وبعد الألف تحتيَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «رِكابنا» بكسر الراء وإسقاط التحتيَّة، إبلنا التي تحملنا.
وهذا الحديث من أفراده.
٣٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بنُ سهلٍ الأنصاريُّ المدنيُّ (لِأُمِّ سُلَيْمٍ) -واسمها: رُمَيلة أو سَهلة أو رُميثة، وهي أخت أمِّ حرام بنت مِلْحان، وكلتاهما خالة لرسول (١) الله ﷺ مِنَ الرَّضاع- زوجتِه والدةِ أنسٍ (٢): (لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ) وكأنَّه لم
стр. 6970
يَسمعْ في صوتِه لمَّا تكلَّمَ إذْ ذاكَ الفخامةَ المألوفةَ منه، فحَمَلَ ذلك على الجوعِ بالقرينةِ التي كانوا فيها، وفيه ردٌّ على دعوى ابنِ حِبَّانَ: أنَّه لم يكن يجوع، مُحتجًّا بحديثِ: «أبيتُ يُطعمني ربِّي ويَسقيني» وهو محمولٌ على تعدُّدِ الحال، فكان أحيانًا يجوعُ ليتأسَّى به أصحابُه، ولا سيَّما مَنْ لا يجدُ مددًا فيصبرُ فيُضاعفُ أجرُه، وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة -عند مسلمٍ- عن أنس قال: «جئتُ رسولَ الله ﷺ فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدِّثُهم، وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه، فقالوا: مِنَ الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرتُه، فدخل على أم سُليم قال» (فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا) بكسر الخاء المعجمة، أي: نصيفًا (لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ) أي: أخفتْه (تَحْتَ يَدِي) بكسر الدال، أي: إبطي (وَلَاثَتْنِي) بالمثلثة ثم الفوقية الساكنة ثم النون المكسورة، لفتني (بِبَعْضِهِ) ببعض الخمار على رأسي، ومنه لاث العمامة على رأسه، أي: عصبها (ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ) بالخبز (فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ) الذي هيأه للصلاة في غزوة الأحزاب (وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) استفهامٌ إخباري (١) (فَقُلْتُ: نَعَمْ) أَرْسَلَني (قَالَ: بِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ (٢): نَعَمْ) بطعام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ) من الصحابة: (قُومُوا) قال في «الفتح»: ظاهرُه أنَّه ﷺ فهِم أنَّ أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذا قال لهم: قوموا، وأوَّل الكلام يقتضي أنَّ أمَّ سليم وأبا طلحةَ أَرسلا الخبزَ مع أنس، فيُجمَع بأنَّهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس (٣) أنْ يأخذَه ﷺ فيأكله، فلمَّا وصل أنس ورأى كثرة الناس حوله استحيا، وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ليقوم معه وحدَه إلى المنزل، ليحصل المقصود من إطعامه، قال: وقد وجدت في أكثر الروايات ما يقتضي أنَّ أبا طلحة استدعى النبيَّ ﷺ في هذه الواقعة، ففي رواية سعد بن سعيد عن أنسٍ عند مسلمٍ: «بعثني أبو طلحة إلى النبيِّ ﷺ لأدعوه وقد جعل له طعامًا» وفي رواية محمَّد بن كعب فقال: «يا بني اذهب إلى رسول الله ﷺ فادعه، ولا تدع معه غيره ولا تفضحني». (فَانْطَلَقَ) وأصحابُه،
стр. 6971
وفي رواية محمَّد بن كعب فقال للقوم: «انطلقوا فانطلقوا وهم ثمانون رجلًا» (وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ) بمجيئهم (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ) أي: قدرَ ما يكفيهم (فَقَالَتِ) أمُّ سُليمٍ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بقدر الطعام، فهو أعلم بالمصلحة، ولو لم يكن يعلم بالمصلحة لم يفعل ذلك (١) (فَانْطَلَقَ أَبُوطَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ) حتى دخل على أمُّ سُليمٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلُمَّ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ) بفتح ميم «هَلُمَّ» مشدَّدة مع الخطاب للمؤنَّثة، وهي لغةُ أهل الحِجاز، يستوي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والمفردُ وغيره، تقول: هَلُمَّ يا زيد ويا هند ويا زيدان ويا هندان، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «هَلُمِّي» بالياء التحتيَّة، أي: هات (مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ) الذي كانت أرسلته مع أنس (فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَفُتَّ) بتشديد الفوقيَّة بعدَ ضمٍّ (وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً) مِن جلدٍ فيها سمنٌ (فَأَدَمَتْهُ) جعلَتْه إدامًا للمفتوت (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) وفي رواية مبارك بن فَضَالة عند أحمدَ: «فقال: بسم الله» وفي رواية سعدٍ بن سعيد عند مسلمٍ: «فمسحها ودعا فيها بالبركة» وفي رواية النَّضْر بن أنس عند أحمدَ عن أنسٍ: «فجئت بها ففتح رِباطها ثم قال: بسم الله اللَّهُمَّ أَعْظِم فيها البركَة». (ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ) بالدخول (لِعَشَرَةٍ) مِن أصحابه ليكون أرفقَ بهم؛ فإنَّ الإناء الذي فيه الطَّعامُ لا يتحلَّقُ عليه أكثرُ من عشرةٍ إلَّا بضررٍ يلحَقُهم لبُعدها (٢) عنهم (فَأَذِنَ لَهُمْ) أبو طلحة، فدخلوا (فَأَكَلُوا) من ذلك الخبز المأدوم بالسمن (حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ) ﵊ (٣) لأبي طلحة (٤): (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) ثانيةٍ (فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) ثالثة (فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) رابعة (فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ حَتَّى َشَبِعُوا) كذا في الفرع: «حتى شبعوا»، كتب «حتى» على كشطٍ، وفي «اليونينية» وفرع آقبغا والناصريَّة وغيرهِا ممَّا
стр. 6972
رأيته: «كلُّهم وشبعوا» (وَالقَوْمُ سَبْعُونَ) زاد أبو ذرٍّ هنا: «رجلًا» (أَوْ) قال: (ثَمَانُونَ رَجُلًا) بالشكِّ مِن الراوي، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عند أحمدَ (١): «حتى فعل ذلك بثمانين رجلًا، ثم أكل رسول الله ﷺ بعد ذلك وأهل البيت وتركُوا سُؤرًا» أي: فَضْلًا، وفي رواية عمرو بن عبد الله عند أبي يَعلى عن أنسٍ: «ففضلت فضلة فأهديناها لجيراننا» وفي رواية سعد بن سعيد عند مسلمٍ: «ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة، فعاد كما كان».
وحديث الباب هذا (٢) أخرجه المصنِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٣٨١]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه الترمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
٣٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ الزَّمِنُ (٣) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) محمَّد بن عبد الله (الزُّبَيْرِيُّ) بضمِّ الزاي وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعْتَمِر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو النَّخَعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسِ بنِ عبدِ الله النَّخعيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ) التي هي خوارقُ العاداتِ (بَرَكَةً) مِنَ الله تعالى (وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا) كلَّها (تَخْوِيفًا) مطلقًا، والتحقيقُ: أنَّ بعضَها بركةٌ كشبعِ الجيشِ الكثيرِ مِنَ الطعامِ القليلِ، وبعضَها تخويفٌ ككسوفِ الشمسِ، وكأنَّهم تمسَّكوا بظاهر قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أي: مِن نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) في الحديبيةِ كما جزم به البيهقيُّ، أو خيبر كما عند أبي نُعيم في
стр. 6973
«الدلائل» (فَقَلَّ المَاءُ، فَقَالَ) ﷺ : (اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ) لئلَّا يُظَنَّ أنَّه ﷺ مُوجِدٌ للماء (فَجَاؤُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ) المباركةَ (فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ) بفتح الياء (عَلَى الطَّهُورِ) بفتح الطاء، أي: هَلُمُّوا إلى الماء، مثل: حيَّ على الصلاة، ويجوزُ ضمُّ الطاء، والمراد: الفعل، أي: تطهَّروا (المُبَارَكِ) أي (١): الذي أمدَّه (٢) اللهُ ببركة نبيِّه (٣) ﷺ (وَالبَرَكَةُ) مبتدأٌ خبرُه (مِنَ اللهِ) . قال ابن مسعود: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: من نفس اللَّحم الذي بينها (وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْو يُؤْكَلُ) أي: في حالة الأكل في عهده ﷺ غالبًا (٤). وعند الإسماعيليِّ: «كنَّا نأكل مع النبيِّ ﷺ الطعامَ ونحن نسمعُ تسبيحَ الطعام».
وهذا الحديث أخرجه الترمذيُّ في «المناقب».
٣٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بنُ أبي زائدةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَامِرٌ) هو الشَّعبيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (جَابِرٌ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريُّ (¬﵁: أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّي) شهيدًا يومَ أُحدٍ (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) وفي رواية وهب بن كَيسانَ [خ¦٢٣٩٦]: «ثلاثون وَسْقًا ليهوديٍّ (٥)، فاستنظرَه جابرٌ، فأبى أنْ يُنظِرَه» قال: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ) له: (إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَلَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ) من التمر (وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ) نخلُه في مدَّةِ (سِنِينَ) بالجمع (مَا عَلَيْهِ) من الدَّين (فَانْطَلِقْ مَعِي لِئَلَّا (٦)) ولأبي ذرٍّ: «لكي لا» (يَُفْحُِشَ)
стр. 6974
بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أو بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، والوجهان في «الناصريَّة» (عَلَيَّ الغُرَمَاءُ) بتشديد ياء «عليَّ» فقال ﵊: «نعم» فانطلق فأتى على الحائط (فَمَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ) قال في «المُغرِب»: البيدر: الموضعُ الذي يُداس فيه الطعام (فَدَعَا) في تمرِه بالبركة (ثَمَّ) مشى حولَ بيدرٍ (آخَرَ) فدعا (ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ) على البيدرِ (فَقَالَ: انْزِعُوهُ) بكسر الزاي، أي: مِنَ البيدر، وفي رواية مغيرَة عن الشَّعبيِّ في «البيوع» [خ¦٢١٢٧]: «كِلْ للقوم» (فَأَوْفَاهُمُ الَّذِي لَهُمْ) وفي رواية فِراس في «الوصايا» (١): «ثم قال لجابر: جُدَّ، فأَوْفِ له الذي له فجَدَّه» (وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ) وفي رواية مغيرة [خ¦٢١٢٧]: «وبقي تمري كأنَّه لم ينقص منه شيءٌ» وفي رواية وهب بن كيسان [خ¦٢٣٩٦]: «فأوفاه ثلاثين وَسْقًا، وفضلتْ له سبعةَ عشرَ وَسْقًا» ويُجمَعُ بالحمل على تعدُّدِ الغُرماء، فكأنَّ أصلَ الدَّين كان منه ليهوديٍّ ثلاثون وَسْقًا مِن صِنفٍ واحدٍ فأوفاه، وفَضَلَ مِن ذلك البيدر سبعةَ عشرَ وَسْقًا، وكان منه لغير ذلك اليهودي أشياءُ أُخَر من أصنافٍ أُخرى فأوفاهم، وفضلَ مِنَ المجموع قدرَ الذي أوفاه، قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث سبق مطولًا ومختصرًا في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٥] [خ¦٢٣٩٦] [خ¦٢٤٠٥] و «الجهاد» و «الشروط» (٢) و «البيع» [خ¦٢١٢٧] و «الوصايا» [خ¦٢٧٨١].
стр. 6975
٣٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ) سليمانَ بنِ طرخانَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُوعُثْمَانَ) عبدُ الرحمن النهديُّ (أَنَّه حَدَّثَهُ (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصديق (¬﵄: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) وهو مكانٌ في مؤخَّر المسجد النبويِّ مظلَّلٌ أُعِدَّ لنزول الغرباء فيه ممَّن لا مأوى له ولا أهل (كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَرَّةً: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصُّفَّة (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ) منهم إن لم يكن عندَه ما يقتضي أكثرَ من ذلك (أَو سَادِسٍ) مع الخامس إن كان عندَه أكثرَ من ذلك (٢) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بسادس» بموحدة قبل السين الأولى، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أو» من قوله «أو سادس» (أَو كَمَا قَالَ) ﵊: (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ) من أهل الصُّفَّة إلى بيته، لأنَّه كان عندَه طعامُ أربعةٍ، ولعلَّه أخذ سابعًا زائدًا على ما ذكرَه ﷺ في قوله: «ومَن كان عندَه طعامُ أربعةٍ فليَذهبْ بخامس أو سادس» لإرادة أن يُؤثِرَه (٣) بنصيبه؛ إذ ظهر أنَّه لم يأكلْ أوَّلًا معهم (وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) منهم، وعبَّر عن أبي بكرٍ بلفظ المجيء لبعد بيته من المسجد، وعن النبي ﷺ بالانطلاق، لقُربه (وَأَبُو بَكْرٍ) أخذ (ثَلَاثَةً) كذا بالنصب على رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي كما في هامش «اليونينية» وفرعها على إضمار «أخذ» كما مرَّ، لا يُقال: هذا تَكرار مع السابق، لأنَّ السابقَ لبيانِ مَن أحضرهم إلى منزله مع الإشارة إلى أنَّ أبا بكرٍ كان مِنَ المكثرين ممَّن عندَه طعامُ أربعةٍ فأكثر، وهذا الأخيرُ
стр. 6976
بيانٌ لابتداءِ ما في نصيبه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ أيضًا: «وأبو بكرٍ (١) بثلاثة» بزيادة الموحَّدة، فيكون عطفًا على قوله: «وانطلق النبيُّ ﷺ بعشرة (٢)» أي: وانطلق أبو بكر بثلاثة، وهي رواية مسلم، وللباقين: «وثلاثةً» بالواو والنصب (قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكرٍ: (فَهْوَ) أي: الشأنُ (أَنَا) مبتدأٌ (وَأَبِي) أبو بكر الصديق (وَأُمِّي) أمُّ رومان زينب أو وَعْلَة، وخبرُ المبتدأِ محذوفٌ، أي: في الدار، قال أبو عثمان عبد الرحمن النَّهْديُّ: (وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ) عبدُ الرحمن: (امْرَأَتِي) أُميمةُ (٣) بنتُ عديِّ بنِ قيسٍ السهميَّةُ، أمُّ أكبرِ أولادِه أبي عتيقٍ محمَّدٍ (وَخَادِمِي) بالإضافةِ، ولم يُسَمَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وخادم خِدْمَتها مشتركة» (بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْنَ بَيْتِ (٤) أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى) أكل العشاء، وهو طعام آخرِ النهار (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وحده (ثُمَّ لَبِثَ) بكسر الموحَّدة بعدَها مثلَّثة، مكث (حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ) معه ﵊ (ثُمَّ رَجَعَ) إلى منزله بالثلاثة، وأمر أهله أن يضيفوهم (فَلَبِثَ) فيه (حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فلبث عندَه، ثمَّ رجع إلى منزله (فَجَاءَ) إليه (بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ) فـ «تعشَّى» الأوَّلُ إخبارٌ عن تعشِّي الصديقِ وحدَه، والثاني تعشِّيه ﷺ ، أو الأوَّلُ مِنَ «العِشاء» بكسر العين المهملة، أي: الصلاة، والثاني بفتحها قاله الكِرمانيُّ، وقال في «فتح الباري»: قوله: «فلبث حتى تعشَّى مع رسول الله ﷺ » مع قوله: «وأنَّ أبا بكرٍ تعشَّى عند النبي ﷺ » تَكرارٌ، وفائدتُه الإشارةُ إلى أنَّ تأخُّرَه (٥) عند النبيِّ ﷺ كان بمقدار أن تعشَّى معه، وصلى معه العشاء وما رجع إلى منزله إلَّا بعد أن مضى مِنَ الليل قطعةٌ، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يحبُّ أنْ يُؤخِّرَ صلاة العشاء، وعند الإسماعيليِّ: «ثمَّ ركع» بالكاف بدل قوله: «رجع» بالجيم، أي: صلَّى النبيُّ ﷺ النافلةَ التي بعدَ صلاة العشاء، ولمسلمٍ والإسماعيليِّ أيضًا بدل: «حتَّى تعشَّى» بالمعجمة: «نَعَس» بالسين المهملة، من النُّعاس، وهو أوجه، وقال القاضي عياض: إنَّه الصوابُ، وبهذا ينتفي التكرارُ
стр. 6977
كلُّه إلَّا في قوله: «لبث» وسببه اختلاف (١) تعلُّق أسبابِ اللُّبْثِ، وحينئذٍ فيكون المعنى: وأنَّ أبا بكرٍ تعشَّى عند النبيِّ ﷺ ، ثمَّ لَبِثَ عندَه حتى صلَّى العشاء، ثمَّ ركع النافلةَ التي بعدَها، فلبِثَ حتى أخذَ النبيَّ ﷺ النُّعاسُ وقام لينام، فرجع أبو بكرٍ حينئذٍ إلى بيته، فجاء بعدَما مضى من الليل ما شاء الله (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) أمُّ رُومان: (مَا حَبَسَكَ عَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من» (أَضْيَافِكَ) الثلاثة (أَوْ) قالت: (ضَيْفِكَ؟) بالإفراد، اسمُ جنسٍ يُطلق على القليل والكثير، والشكُّ من الراوي (قَالَ) أبو بكرٍ لزوجتِه: (أَوَعَشَّيْتِهِمْ؟) بهمزة الاستفهام وحذف الياء المتولِّدة من المثنَّاة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍِّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أوَما عشيتهم» بزيادة «ما» (قَالَتْ: أَبَوْا) (٢) بفتح الهمزة والموحَّدة وسكون الواو، امتنعوا من الأكل (حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عَرَضُوا) أي: الخَدَم (عَلَيْهِمْ) أي: العَشاء فأبَوا، فعالجوهم (فَغَلَبُوهُمْ) ولم يأكلوا حتى تحضُرَ وتأكلَ معهم، قال عبدُ الرحمن: (فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ) أي: فاختفيتُ خوفًا منه (فَقَالَ) لي: (يَا غُنْثَرُ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح المثلَّثة بينهما نونٌ ساكنة آخره راء، أي: يا جاهلُ أو يا ثقيلُ أو يا لئيمُ (فَجَدَّعَ) بالجيم والدال والعين المهملتين المفتوحتين، دعا عليَّ بالجَدْعِ، وهو قطعُ الأنف أو (٣) الأُذُن أو الشَّفَة (وَسَبَّ) شتم، أي: ظنًّا منه أنَّه فرط في حقِّ الأضياف (وَقَالَ) للأضياف: (كُلُوا) زاد في «الصلاة» [خ¦٦٠٢]: «لا هنيئًا» قاله تأديبًا لهم لِمَا ظهر له أنَّ التأخير منهم، أو هو خبرٌ، والمعنى: أنَّكم لم تتهنؤوا بالطعام في وقته (وَقَالَ) أبو بكرٍ: (لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا) وفي رواية الجريري [خ¦٦١٤٠]: «فقال: إنَّما انتظرتموني والله لا أطعمُه أبدًا، فقال الآخرون: لا نطعمه أبدًا حتى تطعمه» ولأبي داود من هذا الوجه: «هاتِ طعامك، فوضع فقال: بسم الله» (قَالَ) عبد الرحمن: (وَايْمُ اللهِ) بهمزة وصلٍ، ويجوزُ قطعُها، مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي: قسمي (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنَ اللُّقْمَةِ) في «الصلاة» [خ¦٦٠٢] «لقمةٍ»، بحذف «أل» (إِلَّا
стр. 6978
رَبَا) زاد في (١) الطعام (مِنْ أَسْفَلِهَا) من أسفل اللقمة (أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا) بكسر الموحَّدة (وَصَارَتْ) أي: الأطعمة أو الجفنةُ (أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلُ، فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ) أي: «إليها» كما في «الصلاة» [خ¦٦٠٢] (فَإِذَا شَيْءٌ) قدرُ الذي كان (أَو أَكْثَرُ، قَالَ) أي: أبو بكرٍ، ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لاِمْرَأَتِهِ) أمِّ رُومان: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، وهو ابن غَنْم بن مالك بن كِنانة، وأمُّ رومان من ذُرِّيَّةِ الحارث بن غَنْم، وهو أخو فراس بن غَنْم، فالظاهرُ أنّ أبا بكرٍ نسبَها إلى بني فِراس، لكونهم أشهرُ مِن بني الحارث، والمعنى: يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فِراس، وفي «الصلاة» [خ¦٦٠٢] «ما هذا؟» وهو استفهامٌ عن الزيادة الحاصلة في ذلك الطعام (قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي) تعني (٢): النبيَّ ﷺ ، و «لا» زائدةٌ أو نافيةٌ على حذفٍ تقديرُه: لا شيءَ غيرُ ما أقولُ، وقال الكِرمانيُّ: «ما هذه الحالة؟ فقالت: لا أعلم» (لَهْيَ) الأطعمةُ أو (٣) الجفنةُ (الآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ) ولأبي ذرٍّ: «مِرار» وهذا النُّمُوُّ آيةٌ مِن آياتِه ﷺ ظهرتْ (٤) على يدِ الصديقِ كرامةً له، وإنَّما حلفتْ أمُّ رومان لِمَا وقعَ عندَها من السرور بذلك (فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ) الحامل لي على ذلك (يَعْنِي: يَمِينَهُ) التي حلفها حيثُ قال: «والله لا أطعمه» ولمسلمٍ (٥): «إنَّما كان ذلك من الشيطان، يعني: يمينه» والحاصلُ كما في «الفتح»: أنَّ اللهَ أكرمَ أبا بكرٍ، فأزال ما حصل له من الحَرَج، فعاد مسرورًا، وانقلب الشيطانُ مدحورًا (ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً) ليُرغِمَ الشيطانَ بالحِنْثِ الذي هو خيرٌ، وإكرامًا لضيفانهِ، وليحصل مقصودُه مِن أكلهم ولكونه أكثرَ قدرةً منهم على الكفَّارة (ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) ﵊ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ) أي: عهدُ مُهادَنَةٍ (فَمَضَى الأَجَلُ) فجاؤُوا إلى المدينة (فَعَرَّفْنَا) بالعين المهملة وتشديد
стр. 6979
الراء وبالفاء (اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) بألفٍ (١) على لغةِ مَن يجعلُ المثنى كالمقصور في أحواله الثلاث (٢)، أي: جعلناهم عُرفاء على بقيَّة أصحابِهم (٣)، وللحَمُّويي: «فتفرَّقْنا» بالفوقيَّة بعد الفاء وتشديد الراء وسكون القاف، وفي نسخة: «فَفَرَّقَنا» بفتح القاف، فالضميرُ المرفوعُ فيه (٤) للنبيِّ ﷺ و «نا» مفعولُه (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ) رجل (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) جملةٌ اعتراضيَّةٌ (غَيْرَ أَنَّهُ) ﷺ (بَعَثَ مَعَهُمْ) نصيبَ أصحابِهم مِن تلك الجفنة أو (٥) الأطعمة إليهم (قَالَ) عبدُ الرحمن: (أَكَلُوا مِنْهَا) أي: أكل الجيش مِنَ الأطعمة أو الجفنة (أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) الشكُّ مِن أبي عثمانَ فيما قاله عبدُ الرحمن، وهذا هو المناسب للترجمة على ما لا يخفى؛ إذ ظهورُ أوائل البركة عند الصديق، وتمامُها في الحضرة المحمَّديَّة (وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ (٦): فَتَعَرَّفْنَا (٧)) بالفوقيَّة بعدَ الفاء وتشديد الراء، وفي نسخة: «قال البخاريُّ: وغيرُه» بالإفراد مع زيادة: «قال البخاري»، «يقولُ: فَعَرَفْنَا، مِنَ العِرافة» بالعين المهملة، والعَريفُ: هو الذي يُعرِّفُ الإمامَ أحوالَ العسكر، وثبت في الفرع قوله: «وغيرُهم يقول: فتعرَّفْنا (٨)» وسقط مِن أصله، وقال في الهامش: «وغيرُه يقولُ: فعَرفْنا، مِنَ العِرافة» وعزاها لأبي ذرٍّ.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب السمر مع الأهل» آخر «المواقيت» [خ¦٦٠٢].
стр. 6980
٣٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهَد بنِ مُسربلٍ الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بنِ صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ ﵁ (وَ) رواه حمادٌ (عَنْ يُونُسَ) بنِ عبيدٍ البصريِّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَصَابَ أَهْلَ المَدِينَةِ قَحْطٌ) بفتح القاف وسكون الحاء المهملة، أي: جَدْبٌ من حبس المطر (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: زمنِهِ (فَبَيْنَا) بغير ميم (هُو يَخْطُبُ (١) يَوْمَ جُمُعَةٍ) وجوابُ «بينا» قولُه: (إِذْ قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ هذا الرجلُ، نعم. في «الدلائل» للبيهقي ما يُدلُّ على أنَّه: خارجةُ بنُ حِصْنٍ الفَزاريُّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الكُرَاعُ) بضمِّ الكاف، الخيلُ (هَلَكَتِ الشَّاءُ) جمع شاةٍ (فَادْعُ اللهَ يَسْقِينَا، فَمَدَّ) ﵊ (يَدَيْهِ) بالتثنية (وَدَعَا): اللَّهُمَّ اسقنا (قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ السَّمَاءَ كَمِثْلِ (٢) الزُّجَاجَةِ) مِن شدَّة الصفاء، أي (٣): ليس فيها سحابةٌ ولا كَدَرٌ (فَهَاجَتْ رِيحٌ أَنْشَأَتْ سَحَابًا، ثُمَّ اجْتَمَعَ) ذلك السحاب (ثُمَّ أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا) بالعين المهملة والزاي المعجمة المفتوحتين وكسر اللَّام وتُفتح بعدَها تحتيَّةٌ مفتوحة؛ جمع عَزلاء: وهي فمُ المزادة الأسفلُ كما مرَّ؛ يعني (٤): فأمطرتْ (فَخَرَجْنَا) من المسجد (نَخُوضُ المَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا (٥) مَنَازِلَنَا، فَلَمْ نَزَلْ نُمْطَرُ) بضمِّ النون وسكون الميم وفتح الطاء، مِنَ الجمعة (إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ إِلَيْهِ) ﷺ (ذَلِكَ الرَّجُلُ) القائل: هلكت الكُرَاع (-أَو غَيْرُهُ-) شكٌّ مِنَ (٦) الراوي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ) أي: مِن كثرة المطر، زاد في طريق ابن أبي نَمِرٍ عن
стр. 6981
أنسٍ في «باب الدعاء إذا انقطعت السُّبُل» [خ¦١٠١٧]: «وهلكت المواشي» (فَادْعُ اللهَ يَحْبِسْهُ) بالجزمِ جوابُ الطلب، والضمير لـ «المطر» (فَتَبَسَّمَ) ﵊ (ثُمَّ قَالَ: حَوَالَيْنَا) وفي «باب الدعاء إذا كثر المطر» [خ¦١٠٢١]: «اللَّهُمَّ حوالَينا» أي: اللَّهُمَّ (١) أَمْطِرْ حوالَينا (وَلَا) تُمْطِرْ (٢) (عَلَيْنَا) قال أنسٌ (٣): (فَنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ تَصَدَّعَ) بصيغة الماضي، أي: انكشف، وأصله الانشقاق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ كما في «اليونينية» وبعض الأصول المعتمدة و «فرع آقبغا آص» وسقط (٤) ذلك من «الفرع التنكزي» «يتصدَّع» بالتحتيَّة قبل الفوقيَّة بصيغة المضارع، وقول العينيِّ: «وللأصيلي: «تتصدع» وهو الأصل، ولكن حُذفتْ منه إحدى التاءَين» لعلَّه سهوٌ (حَوْلَ المَدِينَةِ كَأَنَّهُ إِكْلِيلٌ) بكسر الهمزة، وهو ما أحاط بالشيء.
وسبق هذا الحديث في «الاستسقاء» من طرق [خ¦١٠١٣] [خ¦١٠١٩] [خ¦١٠٢١] [خ¦١٠٢٩] [خ¦١٠٣٠] [خ¦١٠٣٣].
٣٥٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ)
стр. 6982
بالمثلثة، ابنِ دِرهمٍ (أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، العنبريُّ -بالنون الساكنة- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ -وَاسْمُهُ عُمَرُ) بضمِّ العين (بْنُ العَلَاءِ-) بفتح العين المهملة ممدودًا، وسقطت الواو مِن قوله: «واسمُه» لأبي ذرٍّ (١) (أَخُو أَبِي عَمْرِو) بفتح العين وسكون الميم (بْنِ العَلَاءِ) أحدِ القرَّاء السبعة (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابنِ عمرَ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة أي: كان يخطب مستندًا إلى جِذْع نخلةٍ (فَلَمَّا اتَّخَذَ) ﵊ (المِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ) للخطبة (فَحَنَّ الجِذْعُ) لمفارقته حنينَ المتألِّمِ المشتاقِ عند الفراق، وإنَّما يشتاقُ إلى بركة الرسول (٢) ﵊، ويتأسَّفُ (٣) على مفارقته أعقلُ العقلاء، والعقلُ والحنينُ بهذا الاعتبار يَستدعي الحياة، وهذا يدُلُّ على أنَّ الله تعالى خَلَقَ فيه الحياة والعقل والشوق، ولهذا حَنَّ (فَأَتَاهُ) ﵊ (فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ) فسَكَنَ.
وهذا الحديث أخرجه الترمذيُّ في «الصلاة».
(وَقَالَ عَبْدُ الحَمِيدِ) جزم المِزِّيُّ بأنَّه عبدُ بنُ حُميدٍ الحافظُ المشهور، قال: وكان اسمُه: عبد الحميد، وقيل له: عبدٌ بغيرِ إضافةٍ تخفيفًا: (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم، ابنِ فارسٍ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ العَلَاءِ) المازنيُّ أخو أبي (٤) عمرو بن العلاء (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمرَ (بِهَذَا) (٥) الحديث السابق، وهذا التعليقُ وصلَه الدارِميُّ في «مسنده» عن عثمانَ بنِ عمرَ بهذا الإسناد (وَرَوَاهُ) أي: الحديث (أَبُو عَاصِمٍ) النبيلُ فيما وصله البيهقيُّ وأبو داود (عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ) بفتح الراء والواو المشدَّدة، ميمونٍ المروزيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)، فذكره.
стр. 6983
٣٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أيمنَ الحبشيَّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) يخطُبُ (إِلَى شَجَرَةٍ، أَوْ) قال: إلى (نَخْلَةٍ) بالشكِّ من الراوي (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (أَو رَجُلٌ) في رواية ابن أبي روَّاد عند البيهقيِّ في «الدلائل» أنَّه تميمٌ الداريُّ: (يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا) بالتخفيف (نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا) عَمِلَه باقُومُ، بالموحَّدة والقاف المضمومة آخره ميم أو لام، أو هو مينا أو إبراهيمُ أو كلابُ أو صباحُ، والأوَّلُ أشهرُ، وروى الواقديُّ من حديث أبي هريرة: «أنَّ تميمًا أشار بعمله، فعمله كلابُ مولى العبَّاس» وجزم البَلاذُِرِيُّ بأنَّ الذي عمله أبو رافعٍ مولى النبيِّ ﷺ (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ) برفع «يومُ» اسم «كان» وبالنصب على الظرفية، وقتُ الخطبة (دُفِعَ) بضمِّ الدال المهملة وكسر الفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «رُفِع (١)» «بالراء» بدل: «الدال»، أي: النبيُّ ﷺ (إِلَى المِنْبَرِ) ليخطُبَ عليه (فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ) التي كان يخطُبُ عندَها (صِيَاحَ الصَّبِيِّ) زاد في «البيع» [خ¦٢٠٩٥]: «حتى كادت أن تنشقَّ» (ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهُ) أي: الجِذْع، وللأصيلي وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فضمَّها» أي: النخلة (إِلَيْهِ) ﷺ (تَئِنُّ) أي: فجعلت تئنُّ (أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ) بضمِّ التحتية آخره نون مبنيًّا للمفعول، من التسكين (قَالَ) ﵊: (كَانَتْ) أي: النخلة (تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا).
وهذا الحديث سبق في «باب النجار» من «البيوع» [خ¦٢٠٩٥].
стр. 6984
٣٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ عبدُ الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) القرشيِّ التيميِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَفْصُ (١) بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: كَانَ المَسْجِدُ) النبويُّ (مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ) كانت له كالأعمدة (فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ) مستندًا (إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ) بضمِّ الصاد مبنيًّا للمفعول (وَكَانَ) بالواو، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فكان» (عَلَيْهِ) أي: على المنبر (فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ العِشَارِ) بكسر العين المهملة وبالشين المعجمة المخففة، الناقة التي أتت عليها من يوم إرسال الفحل عليها عشرةُ أشهرٍ (حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ) بالنون.
وهذا الحديث سبق في «باب الخطبة على المنبر» من «كتاب الجمعة» [خ¦٩١٨].
وقد قال الشافعي ﵁ فيما نقله ابنُ أبي حاتم عنه في «مناقبه»: ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى نبيَّنا محمَّدًا ﷺ ، فقيل: أعطى عيسى إحياء الموتى؟ قال: أعطى محمَّدًا حنين الجذع حتى سُمِعَ صوتُه، فهي (٢) أكبر من ذلك، وقد قال ابنُ السبكيِّ: والصحيح عندي أنَّ حنين الجذع متواترٌ، وعن ابن حجر نحوه، ولفظه: حنين الجذع وانشقاق القمر نُقِلَ كلٌّ منهما نقلًا مستفيضًا يُفيد القطع عند مَن يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممَّن لا ممارسةَ له في ذلك. انتهى. وقد ذكرتُ في «المواهب» من مباحث ذلك ما يكفي، وبالله التوفيق.
стр. 6985
٣٥٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عديٍّ (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاجِ، وبه (١) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» بواو وبالجمع (٢) (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بموحَّدة مكسورة فشين معجمة ساكنة، العسكريُّ الفرائضيُّ نزيل البصرة قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ جعفرٍ غُنْدَرٌ (عَنْ شُعْبَةَ) ابنِ الحجّاجِ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ مِهرانَ الأعمشِ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيقَ بنَ سلمةَ (يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ) بنِ اليمانِ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ) للصحابة: (أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الفِتْنَةِ) المخصوصة؟ (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ) ﷺ ، والكافُ زائدةٌ للتأكيد (قَالَ) عمرُ: (هَاتِ) بالبناء على الكسر (إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) بوزن فعيل، وفي «الصلاة» [خ¦٥٢٥]: «إنك عليه لجريء» أي: على النبيِّ ﷺ أي: جسور (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) قال الزين بنُ المُنَيِّرِ: أي: بالميل إليهنَّ أو عليهنَّ في القسمة، والإيثار حتى في أولادهنَّ (وَ) فتنتُه في (مَالِهِ) بالاشتغال به عن العبادةِ، أو بحبسه (٣) عن إخراج حقِّ الله (وَ) فتنتُه في (جَارِهِ) بالحسدِ والمفاخرةِ، وزاد في «الصلاة» [خ¦٥٢٥]: «وولده»، وهذه كلُّها (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) وليس التكفيرُ كما أشار إليه في «بهجة النفوس» بمختصٍّ بما ذُكِرَ (٤)، بل
стр. 6986
نبَّه به على ما عداه، فكلُّ ما شَغَلَ (١) صاحبَه عنِ الله فهو فتنةٌ له، وكذلك المكفِّراتُ لا تختصُّ بما ذُكِرَ، بل نبَّه به على ما عداه، فذَكَرَ مِن عبادة الأفعالِ الصلاةَ، ومِن عبادة المال الصدقةَ، ومِن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر (٢)، والمكفَّرُ إنَّما هو الصغائرُ فقط، كما قررتُه غيرَ مرَّةٍ (قَالَ) أي: عمر: (لَيْسَتْ هَذِهِ) الفتنةُ أريدُ (وَلَكِنِ) الذي أُريدُه الفتنةُ (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ) تضطرِبُ كاضطرابِهِ عندَ هيجانِهِ، وكنَّى بذلك عن شِدَّة المخاصمة وكثرة المنازعة وما ينشأ عن ذلك (قَالَ) حذيفةُ لعمرَ: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) بفتح اللَّام، أي: لا يخرجُ شيءٌ مِنَ الفتن في حياتِكَ (قَالَ) عمرُ لحذيفةَ مستفهمًا منه: (يُفْتَحُ البَابُ) بإسقاطِ أداة الاستفهام وضمِّ أوَّلِه مبنيًّا للمفعول (أَو يُكْسَرُ؟ قَالَ) حذيفةُ: (لَا) يُفتحُ (بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ) عمرُ: (ذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «ذلك» أي: كسرُ البابِ (أَحْرَى) بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح الراء، أي: أجدرُ (أَنْ لَا يُغْلَقَ) زاد في «الصيام» [خ¦١٨٩٥]: «إلى يوم القيامة» وإنَّما قال ذلك لأنَّ العادة أنَّ الغَلْقَ إنَّما يقعُ (٣) في الصحيح، فأمَّا ما انكسرَ فلا يُتصوَّرُ غَلْقُه، قاله (٤) ابنُ بطَّالٍ، وقال النوويُّ: ويَحتملُ أن يكون حذيفةُ عَلِمَ أنَّ عمرَ يُقتلُ، ولكنه كره أن يخاطبَه بالقتل، لأنَّ عمرَ كان يعلمُ أنَّه البابُ، فأتى بعبارةٍ يحصُلُ بها المقصودُ بغيرِ تصريحٍ بالقتل. انتهى. وكأنَّه مثَّلَ الفِتَنَ بدارٍ، ومثَّلَ حياةَ عمرَ ببابٍ لها مغلقٍ، ومثَّل موتَه بفتح ذلك الباب، فما دامتْ حياةُ عمرَ موجودةً وهي (٥) الباب المغلقُ لا يخرجُ ممَّا هو داخلُ تلك الدار شيءٌ، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب وخرج ما في تلك الدار، وأخرج الخطيب في «الرواة عن مالك»: أنَّ عمر ﵁ دخل على أمِّ كلثومٍ بنت علي
стр. 6987
فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي -لكعب الأحبار- يقول: إنَّك بابٌ من أبواب جهنَّم، فقال عمر: ما شاء الله، ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجَّة حتى تدخل الجنة، فقال: ما هذا؟ مرَّة في الجنة، ومرَّة في النار، فقال: إنا لنجدُك في كتاب الله (١) على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا متَّ اقتحموا. انتهى. قال أبو وائلٍ: (قُلْنَا) لحذيفة: (عَلِمَ البَابَ؟) ولأبي ذرٍّ: «عَلِمَ عمرُ البابَ؟» (قَالَ: نَعَمْ) عَلِمَه (كَمَا) يعلَمُ (أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ) أي: الليلةُ أقربُ مِنَ الغدِ، قال حذيفةُ: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) أي: عمرَ (حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) بفتح الهمزة، جمع «أُغلوطة» بضمِّها، أي: حدَّثتُه حديثًا صادقًا (٢) مُحقَّقًا من حديث النبيِّ ﷺ ، لا عنِ اجتهادٍ ورأيٍ، قال أبو وائلٍ: (فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ) أي: حذيفةَ: مَنِ البابُ (وَأَمَرْنَا) بالواو وسكون الراء (مَسْرُوقًا) هو ابنُ الأجدعِ أنْ يسألَه (فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنِ البَابُ؟ قَالَ) أي (٣): حذيفةُ: البابُ (عُمَرُ) ﵁، وقولُ الزركشيِّ: في تفسير حذيفةَ بعمرَ إشكالٌ، فإن الواقع في الوجود يشهد أنَّ الأَولى بذلك أن يكون عثمانَ، لأنَّ قتلَه هو السبب الذي فرَّق كلمةَ الناس، وأوقع بينهم تلك الحروب العظيمة والفتن الهائلة، تعقَّبه البدرُ الدمامينيُّ فقال: لا خفاء أنَّ مبدأ الفتنة هو قتلُ عمرَ، فلا معنى لمنازعة حذيفة صاحبِ سرِّ رسولِ الله ﷺ في أنَّ الباب هو عمرُ، ولعلَّ ذلك هو مِن جملةِ الأسرارِ التي ألقاها إليه ﷺ ، وفي قوله (٤): «إنِّي حدَّثتُه حديثًا ليس بالأغاليط» إيماءٌ إلى ذلك، فينبغي تلقِّي قولَه بالقبول، وإنَّما يَحمِلُ على الاعتراضِ على مثلِ هؤلاء السادة الجِلَّة إعجابُ المعترِضِ برأيه ورضاه عن نفسه، وظنُّه أنَّه تأهَّلَ للاعتراض حتى على الصحابة، وهو دون ذلك كلِّه. انتهى. فالله تعالى يرحمُ البدر، فلقد بَالَغَ، ولا يلزمُ مِنَ الاستشكالِ (٥) وعدمِ فهمِ
стр. 6988
المرادِ الاعتراضُ والعناد، ولقد وافقَ حذيفةَ على معنى روايتهِ أبو ذرٍّ، فروى الطبرانيُّ بإسنادٍ رجالُه ثقات: «أنَّه لَقِيَ عمرَ، فأخذ بيده فغمزها، فقال له أبو ذرٍّ: أرسل يدي يا قُفل الفتنة … » الحديثَ، وفيه: أنَّ أبا ذرٍّ قال: «لا تصيبُكم فتنةٌ ما دام فيكم، وأشار إلى عمرَ» وروى البزَّارُ في (١) حديثِ قُدامةَ بن مظعونٍ عن أخيه عثمانَ أنَّه قال لعُمَر: يا غَلْقَ الفتنةِ، فسأله عن ذلك، فقال: مررتَ ونحنُ جلوسٌ مع النبيِّ ﷺ فقال: «هذا غَلْقُ الفتنةِ، لا يزال بينكم وبين الفتنة بابٌ شديدُ الغَلْقِ ما عاشَ».
وحديث الباب سبق في «الصلاة» [خ¦٥٢٥].
٣٥٨٧ - ٣٥٨٨ - ٣٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُواليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ الأمويُّ مولاهم، واسم أبيه دِينارٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوانَ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن بنِ هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁. وهذا الحديث قدِ اشتملَ على أربعةِ أحاديثَ، أحدها: قتالُ الترك (٢) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَْرُ) بفتح العين وتسكينها، يعني: يجعلون نعالهم مِن حبالٍ ضفرت مِنَ الشعر، أو (٣) المراد: طولُ شعورهم حتى تصير أطرافُها في أرجلهم موضعَ النِّعال، ولمسلمٍ: «يلبسون الشعر، ويمشون في الشعرِ» (٤). وقال ابن دِحيةَ: المرادُ: القندس الذي يلبسونه في الشرابيش، قال: وهو جلد كلبِ الماء (وَحَتَّى
стр. 6989
تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ) بضمِّ الذال المعجمة وسكون اللَّام بعدها فاء، جمع «أَذلف» أي: صغير الأنف مستوي الأرنبة، و «صغارَ» و «حمرَ» و «ذلفَ» نُصِبَ صفةً للمنصوب قبلَها (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ) بفتح الميم والجيم المخفَّفة وبعد الألف نون مشدَّدة، جمع «مِجَنّ» بكسر الميم، أي: التُّرْس (المُطْرَقَةُ) بضمِّ الميم وسكون الطاء وفتح الراء مخفَّفة، وهي التي أُلبست الطراق، وهي جلدةٌ تقدَّرُ على قدر الدرقةِ وتُلصقُ عليها، فكأنَّها تُرْسٌ على تُرْسٍ، فشبَّهها بالتُّرْس لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغِلَظِها وكثرةِ لحمها.
والترك قيل: إنَّهم مِن ولد سام بن نوح، وقيل: من ولد يافث، وبلادهم ما بين مشارق خراسان إلى مغارب الصين، وبين ما (١) يلي الهند إلى أقصى المعمور.
وهذا الحديث الأول سبق في «باب قتال الترك» من «الجهاد» [خ¦٢٩٢٨].
والثاني: قولُه ﵊: (وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «وتجدون أشد الناس كراهية» (لِهَذَا الأَمْرِ) وهي الولايةُ خلافةً أو إمارةً، لما فيه من صعوبة العمل بالعَدْل (حَتَّى يَقَعَ فِيهِ) فتزول عنه الكراهية لِمَا يَرى من إعانة الله على ذلك لكونه غير سائل.
وهذا قد سبق في «المناقب» [خ¦٣٤٩٣] [خ¦٣٤٩٦].
والثالث: قولُه ﷺ : (وَالنَّاسُ مَعَادِنُ) جمع «معدِن» وهو الشيء المستقِرُّ في الأرض، فتارةً يكونُ نفيسًا، وتارةً يكونُ خسيسًا، وكذلك الناس (خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِْسْلَامِ) فصفةُ الشرفِ لا تتغيَّرُ في ذاتِها (٢)، بل مَن كان شريفًا في الجاهليَّة فهو بالنسبة إلى أهل الجاهليَّة رأس، فإن أسلمَ استمرَّ شرفُه وكان أشرفَ ممَّن أسلم من المشروفين في الجاهليَّة.
وهذا قد سبق في «المناقب» أيضًا [خ¦٣٤٩٣] [خ¦٣٤٩٦].
والرابع: قولُه ﵊: (وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ) أي: بعدَ موته ﷺ (لَأَنْ يَرَانِي)
стр. 6990
فيه (أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ) فكلُّ واحدٍ مِنَ الصحابة فمَن بعدَهم مِنَ المؤمنين يتمنَّى رؤيتَه ﵊، ولو فَقَدَ أهلَه ومالَه.
٣٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى) بنُ موسى الخَتِّيُّ، أو يحيى بنُ جعفرٍ البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ هَمَّامٍ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ مُنبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا) بضمِّ الخاء وسكون الواو وبالزاي المعجمة (وَكَرْمَانَ مِنَ الأَعَاجِمِ) بفتح الكاف في الفرع، وفي غيرِه: بكسرها (١)، والوجهان في «اليونينية» وسكون الراء، قال ابن دحيةَ: قيَّدنا خوزًا بالزاي، وقيَّده الجرجانيُّ بالراء المهملة مضافًا إلى كَرْمان، وصوَّبه الدارقطنيُّ وحكاه عن الإمام أحمدَ، وقال بعضُهم: إنَّه تصحيفٌ، وقيل: إذا أُضيف فبالمهملة، وإذا عطفتَه فبالزاي لا غير، واستُشكل هذا مع ما سبق من قوله: «تقاتلون الترك» لأنَّ خوزًا وكَرْمان ليسا من بلاد الترك، أمَّا خوز فمن بلاد الأهواز، وهي من عراق العجم، وأمَّا كرمان فبلدة من بلاد العجم أيضًا بين خراسان وبحر الهند، ويَحتملُ أن يكون هذا الحديثُ غيرَ حديثِ قِتال الترك، ولا مانع مِنِ اشتراك الصنفين (٢) في الصفات المذكورة، أعني: قولَه: (حُمْرَ الوُجُوهِ، فُطْسَ الأُنُوفِ) جمع «أفطس» و «الفطوسة»: تطامن قصبة الأنف وانتشارها (صِغَارَ الأَعْيُنِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ) وثبت في الفرع «كأنَّ» وسقط من أصله «فوجوههم» بالرفع، قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: أهل هذين الإقليمين، أي: خوز وكرمان ليسوا على هذه الصفات، وأجاب: بأنَّه إمَّا أنَّ بعضَهم كانوا بهذه الأوصاف في ذلك الوقت، أو سيصيرون كذلك فيما بعد، وإمَّا أنَّهم بالنسبة إلى العرب كالتوابع للترك، وقيل: إنَّ بلادهم فيها موضعٌ اسمه
стр. 6991
كَرمان، وقيل ذلك، لأنَّهم (١) يتوجَّهون مِن هاتين الجهتين، وقال في «شرح المشكاة»: لعلَّ المراد بهما: صنفان من الترك، كان (٢) أحد أصول أحدهما من خوز، وأحد أصول الآخر من كرمان، فسمَّاهم ﷺ باسمه وإن لم يشتهرْ ذلك عندنا، كما نسبهم إلى قنطوراء، وهي أَمَةٌ كانت لإبراهيمَ ﵊ (نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ).
(تَابَعَهُ غَيْرُهُ) أي: غيرُ يحيى شيخ المؤلِّف في روايته (عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) بن همَّام، أخرجه أحمدُ وإسحاقُ في «مسنديهما» (٣).
٣٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي خالدٍ: (أَخْبَرَنِي قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازِمٍ (قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ) أي: المدَّة التي لازمَه فيها الملازمةَ الشديدةَ، وإلَّا فمُدَّةُ صحبتِه كانت أكثرَ مِن ثلاثِ سنينَ، فخرَّجَ أحمدُ وغيرُه عن حُميد بن عبد الرحمن الحميريِّ قال: «صحبتُ رجلًا صَحِبَ النبيَّ ﷺ أربعَ سنينَ كما صحبَه أبو هريرةَ … » الحديثَ، وقد كان أبو هريرةَ قَدِمَ في خيبر سنةَ سبعٍ، وكانت خيبرُ في صفر، وتوفِّي النبيُّ ﷺ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ إحدى عشرة، فعلى هذا تكونُ المدَّةُ أربعَ سنينَ وزيادةً (لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ) بكسر السين المهملة والنون وتشديد التحتيَّة، وهي مفتوحة في «اليونينية» وفرعها و «الناصرية» وغيرِها على الإضافةِ (٤) إلى ياء المتكلِّم (٥)، أي: في مُدَّةَ عُمري، وللكُشمِيهَنيِّ ممَّا لم يذكره في «اليونينية» وفرعها: «في
стр. 6992
شيءٍ» (١) بمعجمة مفتوحة بعدها همزة، واحدُ الأشياءِ (أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الحَدِيثَ) أحفظَه (مِنِّي فِيهِنَّ) في الثلاث السنين، والمفضَّلُ عليه والمفضَّلُ كلاهما أبو هريرةَ، فهو مفضَّلٌ باعتبار ثلاث سنين (٢)، ومفضَّلٌ عليه باعتبار باقي سني عمره (٣) (سَمِعْتُهُ -يَقُولُ وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ-: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) أي: قبلَها (تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَهُو هَذَا البَارَِزُ) بتقديم الراء المفتوحة وتكسر على الزاي المعجمة، يعني: البارزين (٤) لقتال أهل الإسلام، أي: الظاهرين في براز من الأرض، قيل: هم أهلُ فارس، أو الأكراد الذين يسكنون في البارز، أي: الصحراء، أو الديالمة.
(وَقَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (مَرَّةً: وَهُمْ) أي: الذين يقاتَلون (أَهْلُ البَازَِرِ) بتقديم الزاي المفتوحة وتكسر على الراء المهملة، والمعروف الأوَّل، وبه جزم الأَصيليُّ وابنُ السَّكَن.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن».
٣٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحِيُّ -بالشين المعجمة والحاء المهملة المكسورتين- قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، ابنِ زيدٍ الأزديُّ البصريُّ قال: (سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم، و «تَغْلِبُ»: بفتح الفوقيَّة وسكون الغين المعجمة وكسر اللَّام بعدها موحَّدة، ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) قبلَها (تُقَاتِلُونَ قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ) بفتح الراء اسم مفعولٍ، قال الحافظُ ابن حَجَرٍ: وقد ظهر مصداقُ هذا
стр. 6993
الخبر، وقد كان مشهورًا في زمن الصحابة حديث: «اتركوا التركَ ما تركوكم» فروى الطبرانيُّ من حديث معاويةَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله (١). وروى أبو يَعلى من وجهٍ آخرَ، عن معاويةَ بنِ خَديجٍ (٢) قال: كنتُ عند معاويةَ، فأتاه كتابُ عامِلِه أنَّه وقع بالترك وهزمَهُم، فغضب معاويةُ من ذلك، ثمَّ كتبَ إليه: لا تقاتِلْهم حتى يأتيكَ أمري، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ الترك تُجلي العربَ حتى تُلحقَهم بمَنابِت الشيح» قال: فأنا أكره قتالَهم لذلك، وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فُتِحَ ذلك شيئًا بعدَ شيءٍ، وكثر (٣) السبي منهم، وتنافس فيهم الملوك لِمَا فيهم من الشدَّة والبأس، حتى كان أكثرُ (٤) عسكر المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على المُلْك فقتلوا ابنه المتوكِّل، ثم أولادَه واحدًا بعدَ واحدٍ إلى أن خالط المملكةَ الدَّيلمُ، ثم كان الملوك السامانيَّة من التُّرك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك الممالك سبكتكين ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زنكي، وأتباع هؤلاء وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضًا من التُّرك، فغلبوهم على المملكة بالدِّيار المصريَّة والشاميَّة والحجازيَّة، وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزُّ (٥) فخرَّبوا البلاد، وفتكوا في العباد، ثم جاءت الطامَّة الكبرى المعروفة (٦) بالتتر، فكان خروجُ جنكز خان بعد الست مئة، فاستعرتْ بهمُ الدنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره، حتى لم يبقَ بلدٌ منه حتى دخله شرُّهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصمِ (٧) آخرِ خلفائِهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وست مئة، ثم لم تزل بقاياهم يخرجون (٨) إلى أن كان اللنك،
стр. 6994
ومعناه: الأعرج، واسمه تَمُر، بفتح المثناة الفوقيَّة وضم الميم، فطرق الديار الشاميَّة، وعاث فيها، وحرق (١) دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرَّق بنوه البلاد، وظهر بذلك مصداق قولِه ﷺ .
٣٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ) الخطابُ للحاضرين، والمراد: مَن يأتي بعدهم بدهرٍ طويلٍ، لأنَّ هذا إنَّما يكون إذا نزل عيسى ﵇، فإنَّ المسلمين يكونون معه، واليهود مع الدَّجَّال (فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ) بفتح اللَّام المشدَّدة (حَتَّى يَقُولُ الحَجَرُ) ولغير أبي ذرٍّ: «ثمَّ يقول الحجر» حقيقةً: (يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ) ففيه ظهورُ الآياتِ قربَ الساعة من كلام الجماد، ويَحتملُ المجاز بأن يكون المراد: أنَّهم لا يفيدهم الاختباء، والأوَّل أَولى.
وفي حديث أبي أُمامةَ في قِصَّة خروج الدَّجَّال ونزولِ عيسى ﵇: «ووراءه الدَّجَّال ومعه سبعونَ ألف يهوديٍّ، كلُّهم (٢) ذو سيفٍ محلًّى وساج، فإذا نظر إليه الدَّجَّال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلقُ هاربًا، فيقول عيسى ﵇: إنَّ لي فيك ضربةً لن تسبقَني بها، فيُدرِكهُ عيسى ﵇ عند باب لُدٍّ الشرقيِّ، فيقتُلُه، وتنهزِمُ اليهودُ، فلا يبقى شيءٌ ممَّا خلق اللهُ يتوارَى به يهوديٌّ إلَّا أَنْطَقَ اللهُ ذلك الشيء، لا حجرٌ ولا شجرٌ ولا حائطٌ ولا دابَّةٌ؛ فقال (٣): يا عبدَ الله
стр. 6995
المسلم هذا يهوديٌّ فتعال فاقتله، إلَّا الغرقدة؛ فإنها مِن شجرِهم لا تنطق» رواه ابن ماجه مطوَّلًا، وأصله عند أبي داود، ونحوُه من حديث سَمُرة عندَ أحمدَ بإسنادٍ حسنٍ، وأخرجه ابنُ مَنْده في «كتاب الإيمان» من حديث حذيفةَ بإسنادٍ صحيحٍ.
٣٥٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَلْخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ دِينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريِّ ﵄ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين، سعدِ بنِ مالكِ بنِ سِنانٍ الخُدريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُونَ) أي (١): فِئامٌ (٢)، أي: جماعةٌ (فَيُقَالُ: فِيكُمْ) بحذف همزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لهم: فيكم» (مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِمْ (٣). ثُمَّ يَغْزُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ) سقط لفظ «لهم» لأبي ذر: (هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﷺ ؟) أي: تابعيٌّ (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ) أي: عليهم، وحذفت لدلالة الأُولى.
قال في «الفتح»: وفيه ردٌّ على مَن زعم وجودَ الصُّحبة في الأعصار المتأخِّرة، لأنَّه يتضمَّن (٤)
стр. 6996
استمرارَ الجهاد والبعوث إلى بلاد الكفَّار، وأنَّهم (١) يسألون هل فيكم أحد من الصحابة؟ فيقولون: لا، وكذلك في التابعين وأتباعهم، وقد وقع ذلك فيما مضى، وانقطعت البعوث عن بلاد الكفَّار في هذه الأعصار، وقد ضبط أهلُ الحديث آخرَ مَن مات من الصحابة، وهو على الإطلاقِ أبو الطفيل عامرُ بن وَاثِلةَ الليثيُّ كما جزم به مسلمٌ في «صحيحه» وكان موتُه سنةَ مئةٍ أوسبعٍ ومئة، أو ستَّ عشرةَ ومئة، وهو مطابقٌ لقوله ﵊ قبل وفاته بشهرٍ: «على رأس مئةٍ لا يبقى على وجه الأرض ممَّن هو عليها اليوم أحدٌ».
وهذا الحديث قد سبق في «الجهاد» في «باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب» [خ¦٢٨٩٧].
٣٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ) بفتحتين، أبو عبد الله
стр. 6997
المروزيُّ الأحول قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُمَيل المازنيُّ قال: (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدٌ) بسكون العين، أبو مجاهدٍ (الطَّائِيُّ) قال: (أَخْبَرَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ) بضمِّ الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام، الطائيُّ (١) (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطائيِّ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ) أيضًا (فَشَكَا إِلَيْهِ) ﷺ ، وثبت لفظ «إليه» لأبي ذرٍّ (قَطْعَ السَّبِيلِ) أي: الطريق من طائفة يترصَّدون في المكامن لأخذ المال أو لغير ذلك، ولم يُسَمَّ الرجلُ الآخر، لكن في «دلائل النبوة» لأبي نُعيم ما يُرشِدُ إلى أنَّ الرجلين (٢) صهيب وسلمان (فَقَالَ: يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتيَّة وفتح الراء، كانت بلد ملوكِ العرب الذين تحت حكم آل فارس، وكان ملكهم يومئذٍ إياسَ بنَ قَبيصةَ الطائيَّ، وَلِيَها تحت يدِ كسرى بعد قتلِ النعمانِ بنِ المنذرِ (قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرتُ (عَنْهَا) عن الحِيرَة (قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ) بالظاء المعجمة، المرأة في الهودج (تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ) قال عَدِيٌّ: (قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي) مُتعجِّبًا: (فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ) بالدال والعين المهملتين لا بالذال المعجمة، أي: كيف تَمُرُّ المرأةُ على قُطَّاع الطريق من طيئٍ غيرَ خائفة، وهم يقطعون الطريق على مَن مَرَّ عليهم بغيرِ جِوار (الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلَادَ) بفتح السين والعين المشدَّدة المهملتين، أي: ملؤوها شرًّا وفسادًا، وهو
стр. 6998
مستعارٌ مِنِ استعارِ النار، وهو توقُّدُها والتهابُها، والموصولُ صفةُ سابقه (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ) بفتح اللَّام وضمِّ الفوقيَّة وسكون الفاء وفتح الفوقيَّة والحاء المهملة وتشديد النون مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «لتُفتَتَحن» بفتح التائين (١) (كُنُوزُ كِسْرَى) قال عديٌّ مستفهِمًا: (قُلْتُ: كِسْرَى) أي: كنوز كِسرى (بْنِ هُرْمُزَ؟! قَالَ) ﵊: (كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ) ملكِ الفُرس، وإنَّما قال عديٌّ ذلك لعظمةِ كسرى إذْ ذاك (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ) بفتح اللَّام والفوقيَّة والراء والتحتيَّة وتشديد النون (الرَّجُلَ يُخْرِجُ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه (مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ) لعدم الفقراء حينئذٍ، قيل: وذلك يكون في زمن عيسى ﵇. وجزم البيهقيُّ: بأنَّ ذلك في زمن عمرَ بنِ عبد العزيز ﵁، لحديثِ عمرَ بن أسيد (٢) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطَّاب قال: لمَّا ولي عمرُ بنُ عبد العزيز ثلاثين شهرًا لا والله ما مات حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث تَرون في الفقراء، فما يَبرحُ حتى يرجعَ بماله، نتذاكر (٣) من نضعه فيه فلا نجده، قد أغنى عمرُ الناسَ، رواه البيهقيُّ وقال: فيه تصديق ما روينا في حديث عديِّ بن حاتمٍ (وَلَيَلْقَيَنَّ اللهَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللَّام والتحتيَّة وسكون اللَّام وفتح القاف والتحتيَّة، ورفعِ «أحدُكم» على الفاعليَّة (يَوْمَ يَلْقَاهُ) في القيامة (وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ) بفتح الفوقيَّة وضمِّها وضمِّ الجيم (يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولَنَّ: أَلَمْ) ولأبي ذرٍّ: «فليقولن له» بزيادة لامٍ بعد الفاء، ولفظة «له»: ألم (أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ؟) بصيغة المضارع منصوبًا (فَيَقُولُ: بَلَى) يا ربّ (فَيَقُولُ) جلَّ وعلا: (أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا) زاد الكُشْمِيهَنيُّ: «وولدًا» (وَأُفْضِلْ) بضمِّ الهمزة وسكون الفاء وكسر الضاد المعجمة مِنَ الإفضال، أي: وألم أُفْضِلْ (عَلَيْكَ؟) منه (فَيَقُولُ: بَلَى) يا ربّ (فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ) بكسر الشين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: «بشِقِّ تمرةٍ» بحذف تاء التأنيث بعدَ القاف (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ)
стр. 6999
ولأبي ذرٍّ عن الكشمِيهَنيِّ والحَمُّويي (١): «شِقَّ تمرةٍ» يتصدَّقُ بها (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) يردُّه بها ويطيِّبُ قلبَه (قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ إِلَّا اللهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ) قال عَدِيٌّ أيضًا: (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ) بالواو (مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : يُخْرِجُ) أي: الرجلُ (مِلْءَ كَفِّهِ … )، أي: مِن ذهبٍ أو فِضَّةٍ فلا يجدُ مَن يَقبلُه.
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الزكاة» في «باب الصدقة قبل الرد» [خ¦١٤١٣].
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي، وثبت «ابن محمَّد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) بنُ مخلدٍ أحدُ مشايخ المؤلِّف، وروى (٢) عنه هنا بواسطةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ) بالموحَّدة المكسورة (٣) والمعجمة الساكنة، الجهنيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ) سعْدٌ -بسكون العين- الطائيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ) بضمِّ الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام، الطائيُّ (٤) قال: (سَمِعْتُ عَدِيًّا) هو ابنُ حاتمٍ الطائيُّ يقول: (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ متن هذا الإسناد سبقَ في «الزكاة» [خ¦١٤١٣] وهو: فجاءَه رجلان أحدهما يشكو العَيْلَة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا قطعُ السبيل، فإنَّه لا يأتي عليك إلَّا قليلٌ حتى تخرجَ العِير إلى مكَّةَ بغير خفيرٍ، وأمَّا العَيْلَة فإنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى يطوفَ أحدُكم بصدقَتِه لا يَجِدُ مَن يقبلُها منه، ثم ليَقِفَنَّ أحدُكم بين يدي الله (٥) ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا تَُرجمانٌ يُترجِمُ له، ثم ليقولنَّ له: ألم أوتكَ مالًا (٦)، فليقولنَّ: بلى، ثم ليقولنَّ: ألم أُرسل إليك رسولًا؟ فليقولنَّ: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلَّا النار، ثم ينظرُ عن شماله فلا يرى إلَّا النار، فلْيتَّقِيَنَّ أحدُكم النارَ ولو بِشقِّ تمرةٍ، فإن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبةٍ» هذا لفظُه، وقد يُوهِمُ إطلاقُ المؤلِّف أنَّه مثلُ الأوَّلِ سواءً.
стр. 7000
٣٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ) بضمِّ الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدَها موحَّدة مكسورة فتحتيَّة ساكنة فلام، منصرِفٌ في «اليونينية» مصحَّحٌ عليه، وغيرُ منصرفٍ في الفرع مصحَّحٌ عليه أيضًا، الكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ يَزِيدَ) بنِ أبي حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن عقبة عن النبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أنَّه (خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) الشهداء (صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ) أي: دعا لهم بدعاء صلاة الميت (ثُمَّ انْصَرَفَ) حتَّى أتى (إِلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ) لأصحابه: (إِنِّي فَرَطُكُمْ) بفتح الراء، أي: أتقدَّمُكم إلى الحوض كالمُهيِّئ لكم (وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، إِنِّي وَاللهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ) فيه أن الحوضَ على الحقيقة، وأنَّه مخلوقٌ موجود الآن (وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ خَزَائِنَ مَفَاتِيحِ) وفي نسخة: «مفاتيح خزائن» (الأَرْضِ) فيه إشارةٌ إلى ما ملكته أُمَّتُه ممَّا فُتِحَ عليهم مِن الخزائن (وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ) عليكم (بَعْدِي أَنْ تُشْرِكُوا) أي: بالله (وَلَكِنْ) وفي نسخة: «ولكنَّي» (أَخَافُ) عليكم (أَنْ تَنَافَسُوا) بحذف إحدى التائين تخفيفًا (فِيهَا) أي: في الدنيا، وقد وقع ما قاله ﵊، ففُتحتْ على أُمَّتِه بعدَه الفتوحُ الكثيرةُ، وصُبَّتْ عليهم الدنيا صَبًّا، وتحاسدوا وتقاتلوا.
وقد مرَّ هذا الحديثُ في «باب الصلاة على الشهيد» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٤٤].
стр. 7001
٣٥٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزبيرِ (عَنْ أُسَامَةَ) بنِ زيدٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي (١): نظر مِن مكانٍ عالٍ (عَلَى أُطُمٍ) بضمِّ الهمزة والطاء المهملة (مِنَ الآطَامِ) بفتح الهمزة الممدودة، وفي نسخة: «من آطام المدينة» أي: على حصنٍ من حصون أهل المدينة (فَقَالَ) لأصحابه: (هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي أَرَى) ببصري (الفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أي: نواحيها (مَوَاقِعَ القَطْرِ (٢)) وجهُ التشبيه الكثرةُ والعموم، وهو إشارة إلى الحروب الواقعة فيها، كوقعة الحَرَّة وغيرها.
وهذا الحديث قد سبق في «أواخر الحج» [خ¦١٨٧٨].
٣٥٩٨ - ٣٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ أنهَّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد فيهما (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) ربيبتَه ﷺ (حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رَمْلَة (بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (حَدَّثَتْهَا، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أمِّ المؤمنين ﵅: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا) أي: على زينبَ بنتِ جَحْشٍ حالَ كونِه (فَزِعًا) بكسر الزاي، أي: خائفًا ممَّا أُخبر به أنَّه يُصيب أُمَّتَه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ) كلمةٌ تُقال لمن وقع في هلَكة (لِلْعَرَبِ) لأنَّهم كانوا أكثر المسلمين (٣) (مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) قيل: خَصَّ العرب إشارةً إلى قتل عثمان، أو
стр. 7002
ما يقع من التُّرك أو يأجوج ومأجوج (فُتِحَ اليَوْمَ) بالنصب (مِنْ رَِدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بكسر راء «رِدْم» في «اليونينية» والفرع، وبفتحها في «الناصرية» وغيرها، و «ياجوج وماجوج» مِن غير همز فيهما (١)، أي: مِن سَدِّهما (مِثْلُ هَذَا) بالتذكير (وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ) أي: بالإبهام (وَبِالَّتِي تَلِيهَا) وسقطت الباء مِن «بالتي» بالفرع، وثبتت في أصله (٢) (فَقَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ جَحْشٍ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهْلِكُ) بكسر اللام (وَفِينَا الصَّالِحُونَ) وهم لا يستحقُّون ذلك؟ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ) أي: المعاصي، وقيل: إذا عزَّ الأشرارُ وذَلَّ الصالحون.
وسبق هذا الحديث في «باب (٣): قصة ياجوج وماجوج» من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٦].
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ بإسناده السابق، أنَّه قال: (حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ) الفراسيَّة (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هندَ أمَّ المؤمنين ﵂ (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مِن نومِه (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ) نُصِبَ (٤) على المصدر، وفي نسخة: «لا إله إلَّا الله» بدل قوله: «سبحان الله» (مَاذَا أُنْزِلَ) الليلةَ، و «ما» استفهاميَّةٌ متضمِّنةٌ لمعنى التعجُّب والتعظيم (٥) (مِنَ الخَزَائِنِ؟) أي: الكنوز (وَمَاذَا أُنْزِلَ) زاد في «باب تحريض النبيِّ ﷺ على قيام الليل» [خ¦١١٢٦]: «الليلة»، فـ «الليلة» ظرفُ الإنزالِ (٦) (مِنَ الفِتَنِ؟!) مِنَ القتال الكائن بين المسلمين، هكذا أورده هنا
стр. 7003
مختصرًا، وتمامُه في «الفتن» بهذا الإسناد [خ¦٧٠٦٩] ولفظه: «من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يُصلِّين، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا، عارية في الآخرة».
٣٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ المَاجِشُونِ) بكسر الجيم وبالشين المعجمة المضمومة آخره نون، وأبو عبدِ العزيز عبدُ الله، واسمُ أبي سلمةَ دِينار، وصوَّب الكِرمانيُّ إسقاط لفظ: «ابن» بعد «أبي سلمة» وكذا هو في «التقريب»: «ابن أبي سلمة الماجِشون»، والنون في الفرع وأصله مكسورةٌ فقط صفةً لـ «أبي سلمة» وقد تُضم صفةً لـ «عبد العزيز» المدنيُّ نزيلُ بغداد، وسُمِّي بالماجشون لحُمرة وجنتيه
стр. 7004
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) هو عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ أبي صعصعةَ (عَنْ أَبِيهِ) أي: عبد الله، لا عن أبي صعصعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي) أي: قال أبو سعيدٍ لعبد الله بن أبي صعصعة: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ، وَتَتَّخِذُهَا، فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ رُعَامَهَا) بضمِّ الراء وتخفيف العين المهملتين، أي: ما يسيلُ مِن أُنوفها، وفي نسخة: «رغامها» بالغين المعجمة، وهو التراب، فكأنَّه قال في الأوَّل: داوِ مرضها، وفي الثاني أصلح مرابضها (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الغَنَمُ فِيهِ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ، يَتْبَعُ بِهَا) بإسكان المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الموحَّدة، بالغنم (شَعَفَ الجِبَالِ) بشين معجمة وعين مهملة وفاء مفتوحاتٍ منصوبٌ على المفعوليَّة، أي: رؤوس الجبال (أَوْ) قال: (سَعَفَ الجِبَالِ) بالسين المهملة، جرائد النخل، ولا معنى له هنا، والشكُّ من الراوي، وسقط قوله: «أو سعف الجبال» الأخير من رواية أبي ذرٍّ في الفرع، وفي «اليونينية» علامة السقوط على «الجبال» فقط، وفي نسخة: «أو شَعْف» بالمعجمة وإسكان العين المهملة (فِي مَوَاقِعِ (١) القَطْرِ) أي: في (٢) مواضع نزول المطر، وهي بُطون الأودية والصحارى، وقال في «شرح المشكاة»: والقَطْر عبارةٌ عنِ العُشب والكلأ، أي: يتبع بها مواقعَ العُشب والكلأ في شعاف الجبال، وفي نسخة: «ومواقع القطر» حالَ كونِه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) بالفاء المكسورة، أي: يهرُب مع دينه أو بسببه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته.
٣٦٠١ - ٣٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بنُ عبدِ الله بنِ يحيى (الأُوَيْسِيُّ) القُرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ
стр. 7005
شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَتَكُونُ فِتَنٌ) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة، جمع فِتنة، والمراد: الاختلاف الواقع بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم على الإمام، ولا يكونُ المُحِقُّ فيها معلومًا، بخلاف زمان عليٍّ ومعاويةَ (القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) قال النوويُّ: معناه: بيانُ عِظَمِ خَطَرِها، والحثُّ على تجنُّبِها والهرب منها، ومِنَ التسبُّبِ في شيءٍ منها، وإنَّ سببَها وشرَّها وفتنتَها تكون على حسب التعلُّقِ بها (وَمَنْ يُشْرِفْ) بضمِّ الفوقيَّة أو التحتيَّة وسكون المعجمة وكسر الراء وجزم الفاء، مضارعٌ مِنَ «الإشراف» ولأبي ذرٍّ: «تَشَرَّفَ» بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشددة وفتح الفاء، فعلٌ ماضٍ مِنَ «الشَّرَف» (١) (لَهَا) أي: للفتنة (تَسْتَشْرِفْهُ) بكسر الراء وجزم الفاء. قال التُّورِبشتيُّ: أي: مَن تطلَّع لها دَعَتْهُ إلى الوقوع فيها، والتشرُّف: التطلُّع، واستُعير ههنا للإصابة لشرِّها، أو أُريد أنَّها تَدعوه إلى زيادة النظر إليها، وقيل: إنَّه مِن «استشرفتُ الشيء»: إذا علوتَه، يريد: مَنِ انتصب لها انتصبتْ له وصرعتْه، وقيل: هو مِنَ المخاطرة والإشفاء (٢) على الهلاك، أي: مَنْ خاطر بنفسِه فيها أهلكتْه، قال الطِّيبيُّ: لعلَّ الوجه الثالث أَولى لِمَا يظهرُ منه من (٣) معنى اللَّام في «لها»، وعليه كلام «الفائق» وهو قولُه: أي: مَنْ غالبَها غلبتْه (وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً) أي: عاصمًا، أي (٤): موضعًا يلتجِئُ إليه ويعتزلُ فيه (أَوْ) قال: (مَعَاذًا) بفتح الميم وبالذال (٥) المعجمة، شكٌّ مِنَ الراوي، وهما بمعنًى (فَلْيَعُذْ بِهِ) أي: فليعتزلْ فيه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «باب تكون فتنةٌ القاعد فيها خير من القائم» من «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٨١]، وأخرجه مسلمٌ أيضًا.