٣٥٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزبيرِ (عَنْ أُسَامَةَ) بنِ زيدٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي (١): نظر مِن مكانٍ عالٍ (عَلَى أُطُمٍ) بضمِّ الهمزة والطاء المهملة (مِنَ الآطَامِ) بفتح الهمزة الممدودة، وفي نسخة: «من آطام المدينة» أي: على حصنٍ من حصون أهل المدينة (فَقَالَ) لأصحابه: (هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي أَرَى) ببصري (الفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أي: نواحيها (مَوَاقِعَ القَطْرِ (٢)) وجهُ التشبيه الكثرةُ والعموم، وهو إشارة إلى الحروب الواقعة فيها، كوقعة الحَرَّة وغيرها.
وهذا الحديث قد سبق في «أواخر الحج» [خ¦١٨٧٨].
٣٥٩٨ - ٣٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ أنهَّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أخبرني» بالإفراد فيهما (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) ربيبتَه ﷺ (حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رَمْلَة (بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (حَدَّثَتْهَا، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أمِّ المؤمنين ﵅: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا) أي: على زينبَ بنتِ جَحْشٍ حالَ كونِه (فَزِعًا) بكسر الزاي، أي: خائفًا ممَّا أُخبر به أنَّه يُصيب أُمَّتَه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ) كلمةٌ تُقال لمن وقع في هلَكة (لِلْعَرَبِ) لأنَّهم كانوا أكثر المسلمين (٣) (مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) قيل: خَصَّ العرب إشارةً إلى قتل عثمان، أو
стр. 7002
ما يقع من التُّرك أو يأجوج ومأجوج (فُتِحَ اليَوْمَ) بالنصب (مِنْ رَِدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بكسر راء «رِدْم» في «اليونينية» والفرع، وبفتحها في «الناصرية» وغيرها، و «ياجوج وماجوج» مِن غير همز فيهما (١)، أي: مِن سَدِّهما (مِثْلُ هَذَا) بالتذكير (وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ) أي: بالإبهام (وَبِالَّتِي تَلِيهَا) وسقطت الباء مِن «بالتي» بالفرع، وثبتت في أصله (٢) (فَقَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ جَحْشٍ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهْلِكُ) بكسر اللام (وَفِينَا الصَّالِحُونَ) وهم لا يستحقُّون ذلك؟ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ) أي: المعاصي، وقيل: إذا عزَّ الأشرارُ وذَلَّ الصالحون.
وسبق هذا الحديث في «باب (٣): قصة ياجوج وماجوج» من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٦].
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ بإسناده السابق، أنَّه قال: (حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ) الفراسيَّة (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هندَ أمَّ المؤمنين ﵂ (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مِن نومِه (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ) نُصِبَ (٤) على المصدر، وفي نسخة: «لا إله إلَّا الله» بدل قوله: «سبحان الله» (مَاذَا أُنْزِلَ) الليلةَ، و «ما» استفهاميَّةٌ متضمِّنةٌ لمعنى التعجُّب والتعظيم (٥) (مِنَ الخَزَائِنِ؟) أي: الكنوز (وَمَاذَا أُنْزِلَ) زاد في «باب تحريض النبيِّ ﷺ على قيام الليل» [خ¦١١٢٦]: «الليلة»، فـ «الليلة» ظرفُ الإنزالِ (٦) (مِنَ الفِتَنِ؟!) مِنَ القتال الكائن بين المسلمين، هكذا أورده هنا
стр. 7003
مختصرًا، وتمامُه في «الفتن» بهذا الإسناد [خ¦٧٠٦٩] ولفظه: «من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يُصلِّين، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا، عارية في الآخرة».
٣٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ المَاجِشُونِ) بكسر الجيم وبالشين المعجمة المضمومة آخره نون، وأبو عبدِ العزيز عبدُ الله، واسمُ أبي سلمةَ دِينار، وصوَّب الكِرمانيُّ إسقاط لفظ: «ابن» بعد «أبي سلمة» وكذا هو في «التقريب»: «ابن أبي سلمة الماجِشون»، والنون في الفرع وأصله مكسورةٌ فقط صفةً لـ «أبي سلمة» وقد تُضم صفةً لـ «عبد العزيز» المدنيُّ نزيلُ بغداد، وسُمِّي بالماجشون لحُمرة وجنتيه
стр. 7004
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) هو عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ أبي صعصعةَ (عَنْ أَبِيهِ) أي: عبد الله، لا عن أبي صعصعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي) أي: قال أبو سعيدٍ لعبد الله بن أبي صعصعة: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ، وَتَتَّخِذُهَا، فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ رُعَامَهَا) بضمِّ الراء وتخفيف العين المهملتين، أي: ما يسيلُ مِن أُنوفها، وفي نسخة: «رغامها» بالغين المعجمة، وهو التراب، فكأنَّه قال في الأوَّل: داوِ مرضها، وفي الثاني أصلح مرابضها (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الغَنَمُ فِيهِ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ، يَتْبَعُ بِهَا) بإسكان المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الموحَّدة، بالغنم (شَعَفَ الجِبَالِ) بشين معجمة وعين مهملة وفاء مفتوحاتٍ منصوبٌ على المفعوليَّة، أي: رؤوس الجبال (أَوْ) قال: (سَعَفَ الجِبَالِ) بالسين المهملة، جرائد النخل، ولا معنى له هنا، والشكُّ من الراوي، وسقط قوله: «أو سعف الجبال» الأخير من رواية أبي ذرٍّ في الفرع، وفي «اليونينية» علامة السقوط على «الجبال» فقط، وفي نسخة: «أو شَعْف» بالمعجمة وإسكان العين المهملة (فِي مَوَاقِعِ (١) القَطْرِ) أي: في (٢) مواضع نزول المطر، وهي بُطون الأودية والصحارى، وقال في «شرح المشكاة»: والقَطْر عبارةٌ عنِ العُشب والكلأ، أي: يتبع بها مواقعَ العُشب والكلأ في شعاف الجبال، وفي نسخة: «ومواقع القطر» حالَ كونِه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) بالفاء المكسورة، أي: يهرُب مع دينه أو بسببه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته.
٣٦٠١ - ٣٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بنُ عبدِ الله بنِ يحيى (الأُوَيْسِيُّ) القُرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ
стр. 7005
شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَتَكُونُ فِتَنٌ) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة، جمع فِتنة، والمراد: الاختلاف الواقع بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم على الإمام، ولا يكونُ المُحِقُّ فيها معلومًا، بخلاف زمان عليٍّ ومعاويةَ (القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) قال النوويُّ: معناه: بيانُ عِظَمِ خَطَرِها، والحثُّ على تجنُّبِها والهرب منها، ومِنَ التسبُّبِ في شيءٍ منها، وإنَّ سببَها وشرَّها وفتنتَها تكون على حسب التعلُّقِ بها (وَمَنْ يُشْرِفْ) بضمِّ الفوقيَّة أو التحتيَّة وسكون المعجمة وكسر الراء وجزم الفاء، مضارعٌ مِنَ «الإشراف» ولأبي ذرٍّ: «تَشَرَّفَ» بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشددة وفتح الفاء، فعلٌ ماضٍ مِنَ «الشَّرَف» (١) (لَهَا) أي: للفتنة (تَسْتَشْرِفْهُ) بكسر الراء وجزم الفاء. قال التُّورِبشتيُّ: أي: مَن تطلَّع لها دَعَتْهُ إلى الوقوع فيها، والتشرُّف: التطلُّع، واستُعير ههنا للإصابة لشرِّها، أو أُريد أنَّها تَدعوه إلى زيادة النظر إليها، وقيل: إنَّه مِن «استشرفتُ الشيء»: إذا علوتَه، يريد: مَنِ انتصب لها انتصبتْ له وصرعتْه، وقيل: هو مِنَ المخاطرة والإشفاء (٢) على الهلاك، أي: مَنْ خاطر بنفسِه فيها أهلكتْه، قال الطِّيبيُّ: لعلَّ الوجه الثالث أَولى لِمَا يظهرُ منه من (٣) معنى اللَّام في «لها»، وعليه كلام «الفائق» وهو قولُه: أي: مَنْ غالبَها غلبتْه (وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً) أي: عاصمًا، أي (٤): موضعًا يلتجِئُ إليه ويعتزلُ فيه (أَوْ) قال: (مَعَاذًا) بفتح الميم وبالذال (٥) المعجمة، شكٌّ مِنَ الراوي، وهما بمعنًى (فَلْيَعُذْ بِهِ) أي: فليعتزلْ فيه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «باب تكون فتنةٌ القاعد فيها خير من القائم» من «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٨١]، وأخرجه مسلمٌ أيضًا.
стр. 7006
(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ بالإسناد السابق أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ) بنِ هشامِ بنِ المغيرةِ المخزوميُّ الضريرُ، قيل له: راهبُ قريشٍ لكثرة صلاتِه (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ) التابعيِّ على الصحيح (عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ … ) الكِنانيِّ الديلميِّ، مِن مُسلمةِ الفتحِ، وتأخَّرت وفاتُه إلى خِلافة يزيدَ بنِ معاوية (مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا) السابق (إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الضريرَ شيخَ الزهريِّ (يَزِيدُ) زيادةً مرسلةً، أو بالسند السابق عن عبد الرحمن بن مطيع … إلى آخرِه، وهي قولُه: (مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ) هي صلاةُ العصر (مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ) بضمِّ الواو وكسر الفوقيَّة (أَهْلَهُ وَمَالَهُ) نصب فيهما مفعولٌ ثانٍ، أي: نقص هو أهلَه ومالَه وسلبَهما، فبقِيَ بلا أهلٍ ومالٍ، وبرفعهما على أنَّه فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، أي: انتُزِعَ منه الأهلُ والمالُ، والجمهورُ على النصبِ، وإنَّما ذَكَرَ المؤلِّفُ هذه الزيادة استطرادًا، لكونِها وقعتْ في الحديث الذي ساقه في هذا الباب، وإن لم يكن لها تعلُّقٌ به.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
٣٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيِّ المخضرمِ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: سَتَكُونُ) أي: بعدي (أَثَرَةٌ) بفتح الهمزة والمثلَّثة، وبضمِّها وسكون المثلَّثة، قال الأزهريُّ: هو الاستئثار، أي: يُستأثَر عليكم بأمور الدنيا، ويُفضَّل عليكم غيرُكم، أي: في إعطاء نصيبه من الفيء (وَأُمُورٌ) أي: وستكون أمورٌ أُخرى مِن أمور الدين (تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟) أنْ نفعلَ إذا وقع ذلك (قَالَ: تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ) مِنْ بذلِ المالِ الواجب في الزكاة، والنفسِ في الخروج إلى الجهاد (وَتَسْأَلُونَ اللهَ) مِن فضلِه أنْ يوفِّي الحقَّ (الَّذِي لَكُمْ) مِنَ الغنيمة والفيء ونحوهما، ولا تقاتلوهم لاستيفاءِ حقِّكُم، بل وفُّوا إليهم حقَّهُم مِنَ السمع والطاعة وحقوق الدين، وكِلُوا أمرَكم إلى الله.
стр. 7007
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٥٢]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «الفتن».
٣٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي «اليونينية»: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملة ساكنة (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المدنيُّ الهرويُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بنُ أسامةَ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والتحتيَّة المشدَّدة وبعدَ الألف حاءٌ مهملة، يزيدَ بنِ حميدٍ الضُّبَعيِّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضمِّ الزاي وسكون الراء، هَرِم بن عمرو بن جرير البَجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الحَيُّ مِنْ) بعضِ (قُرَيْشٍ) وهم الأحداثُ منهم لا كلُّهم، بسبب طلبهم الملك والحربِ لأجله، و «يُهلِك» -بضمِّ الياء وكسر اللَّام- من الإهلاك، و «الناسَ» نصبٌ مفعولُه، و «الحيُّ» رفعٌ على الفاعليَّة (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال»: (فَمَا تَأْمُرُنَا؟) يا رسول الله (قَالَ: لَو أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ) بألَّا يداخلوهم ولا يقاتلوا معهم، ويفِرُّوا بدينهم من الفتن لكان خيرًا لهم.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غَيلانَ أحدُ مشايخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ) سليمانُ الطيالسيُّ -ولم يُخرج له المصنِّف إلا استشهادًا- قال: (أَخْبَرَنَا (١) شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيدَ الضُّبَعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ) هَرِم البَجليَّ، عن أبي هريرة … الحديثَ، وغرضه بسياق هذا: تصريحُ أبي التَّيَّاح بسماعه له من أبي زرعةَ بنِ عمرٍو.
стр. 7008
٣٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأزرقيُّ (المَكِّيُّ) قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين (بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين (الأُمَوِيُّ) بضمِّ الهمزة (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أُمَيَّةَ أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَرْوَانَ) بنِ الحَكَمِ بنِ أبي العاص بن أُمَيَّةَ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ) وكان ذلك في زمن معاويةَ (فَسَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ المَصْدُوقَ) ﷺ (يَقُولُ: هَلَاكُ أُمَّتِي) الموجودين إذ ذاك، ومن قاربهم لا كل الأمة إلى يوم القيامة (عَلَى يَدَيْ) بسكون التحتيَّة (غِلْمَةٍ) بكسر الغين المعجمة وسكون اللَّام، جمع غُلام، وهو الطار الشارب (مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمَةٌ) يكونون أمراء، وزاد في «الفتن» [خ¦٧٠٥٨] من طريق موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى: فقال مروان: لعنة الله عليهم غِلمة (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ لمروان: (إِنْ شِئْتَ) وللكُشمِيهَنيِّ: «إن شئتم» (أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ) وكان أبو هريرة ﵁ يعرفُ أسماءَهم، وكان ذلك من الجراب الذي لم يحدِّثْ به، وزاد في «الفتن» [خ¦٧٠٥٨] «فكنتُ أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام، فإذا رآهم غِلمانًا أحداثًا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم؟ قلنا: أنت أعلم» والقائلُ: «فكنت أخرج مع جدي» عمرو بن يحيى، وعند ابن أبي شيبةَ: أنَّ أبا هريرة ﵁ كان يمشي في السوق ويقول: «اللَّهُمَّ لا تُدْركني سنةُ ستِّين ولا إمارةُ الصِّبيان» قال في «الفتح»: وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ أوَّل الأُغيلمةِ كان في سنة ستينَ، وهو كذلك، فإنَّ يزيدَ بنَ معاويةَ استُخلِفَ فيها، وبقي إلى سنة أربع وستين فمات، ثم ولي ولدُه معاويةُ ومات بعد أشهرٍ، وقال الطِّيبيُّ: رآهم ﷺ في منامه يلعبون على منبره صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: أنَّه رأى في المنام أنَّ ولدَ الحَكَمِ يتداولونَ مِنبرَه، كما يتداول الصِّبيانُ (١) الكرةَ.
стр. 7009
٣٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) الخَتِّيُّ -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفوقيَّة- قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلم القُرشيُّ الأمويُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَابِرٍ) هو عبدُ الرحمن بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وسكون السين المهملة، و «عُبيد الله» بضمِّ العين مُصغَّرًا (الحَضْرَمِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذُ اللهِ -بالعين المهملة والذال المعجمة- ابنُ عبد الله (الخَوْلَانِيُّ) بالخاء المعجمة المفتوحة (١) وسكون الواو وبالنون (أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ) العبسيَّ -بالموحَّدة- حليفَ الأنصار (يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) بنصب «مخافةَ» على التعليل، و «أنْ» مصدرية، و «الشرُّ»: الفتنةُ، ووهَنُ عُرى الإسلام، واستيلاءُ الضلال، وفشوُّ البدعة، و «الخيرُ» عكسُه، يدُلُّ عليه قوله: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيْرِ) أي: ببعثِك وتشييدِ مباني الإسلام، وهدمِ قواعد الكفر والضلال (فَهَلْ
стр. 7010
بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟) في رواية نصر بن عاصمٍ (١) عن حذيفة عند ابن أبي شيبةَ: «فتنة» (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، قُلْتُ): يا رسول الله (وَهَلْ بَعْدَ هذا) ولأبي ذرٍّ: «ذلك» (الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ) أي: الخير (دَخَنٌ) بفتح الدال المهملة والخاء المعجمة آخره نون، كَدَر، أي: غير صافٍ ولا خالص، وقال النوويُّ كالقاضي عياض: قيل: المراد بـ «الخير بعد الشر»: أيامُ عمر بن عبد العزيز ﵁، قال حذيفةُ: (قُلْتُ): يا رسول الله (وَمَا دَخَنُهُ؟) أي: كَدَرُه (قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ) الناسَ بفتح الياء (بِغَيْرِ هَدْيِي) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة، والإضافة إلى ياء المتكلِّم فيصير بياءين الأولى مكسورة والثانية ساكنة، أي: لا يستنُّون بسُنَّتي، وللأصيليِّ: «بغير هُدًى» بضمِّ الهاء وتنوين الدال، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «هَدْيٍ» بفتح فسكون فتنوين بكسر (تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) أي: تعرف منهم الخيرَ فتشكره، والشرَّ (٢) فتُنكره، وهو من المقابلة المعنوية، فهو راجع إلى قوله: «وفيه دَخَنٌ» والخطاب في «تعرف وتنكر» من الخطاب العامِّ (قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ) المشوبِ بالكَدَر (مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ، دُعَاةٌ) بضمِّ الدال المهملة، جمع داعٍ (إِلَى) ولأبي ذرٍّ: «على» (أَبْوَابِ جَهَنَّمَ) أي: باعتبار ما يَؤُول إليه شأنُهم، أي: يدعون الناس إلى الضلالة، ويصدونَهم عن الهدى بأنواعٍ مِنَ التلبيس، فلذا كان بمنزلةِ أبواب جهنم (مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا) أي: النار، أي: إلى الخصال التي تَؤُول إليها (قَذَفُوهُ فِيهَا) أعاذنا الله من ذلك، ومن جميع المهالك بمنِّه وكرمِه، وقيل: المراد بـ «الشر بعد الخير»: الأمراءُ بعدَ عمَر بنِ عبد العزيز ﵁. ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الفتن» بعون الله وقوته [خ¦٧٠٨٤] قال حذيفةُ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ) أي: الدعاة (لَنَا، فَقَالَ) ﵊: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا) بجيم مكسورة فلام ساكنة فدال مهملة مفتوحة، أي: مِن أنفسنا وعشيرتنا من العرب، أو مِن أهل مِلِّتِنا (وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) قال القابِسيُّ: أي: من أهل لساننا من العرب، وقيل: يتكلَّمون بما قال الله ورسوله مِنَ المواعظ والحكم، وليس في قلوبهم شيء من الخير، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، قال حذيفةُ: (قُلْتُ): يا رسول الله
стр. 7011
(فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) بكسر الهمزة، أي: أميرَهم ولو جار، وفي رواية أبي الأسود عن حذيفةَ عند مسلمٍ: «تسمعُ وتطيعُ وإن ضُرِب ظهرُك وأُخِذَ مالُك» (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ) يجتمعون على طاعته (١) (قَالَ) ﵊: إن لم يكن لهم إمامٌ يجتمعون عليه (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوأَنْ تَعَضَّ) بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة، أي: ولو كان الاعتزالُ بالعَضِّ (بِأَصْلِ شَجَرَةٍ) فلا تعدِلْ عنه (حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) العَضِّ، قال (٢) التُّورِبشتيُّ: أي: تتمسَّك بما تُقَوِّي به عزيمتَك على اعتزالهم، ولو بما لا يكادُ يصحُّ أن يكون مُتمَسَّكًا، وقال (٣) الطِّيبيُّ: هذا شرطٌ تعقَّب به الكلام تتميمًا ومبالغةً، أي: اعتزل الناس اعتزالًا لا غايةَ بعدَه، ولو قنعت فيه بعَضِّ أصل الشجرة افعل فإنَّه خيرٌ لك، وقال البيضاويُّ: المعنى: إذا لم يكن في الأرض خليفةٌ فعليك بالعُزلة والصبر على تحمُّلِ شِدَّة الزمان، و «عَضُّ أصل الشجرة» كنايةٌ عن مكابدة المشقة؛ كقولهم: فلان يعَضُّ الحجارة مِن شِدَّة الألم، أو المراد: اللزوم، كقوله في الحديث الآخر: «عضوا عليها بالنواجذ».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٤]، ومسلمٌ في «الإمارة والجماعة»، وابن ماجه في «الفتن» (٤).
٣٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِنُ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بنِ أبي خالدٍ البَجليِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو (٥) ابن أبي حازِمٍ
стр. 7012
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بنِ اليمانِ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الخَيْرَ) نصب على المفعوليَّة (وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ) أي: خوفًا على نفسي مِن إدراكه، وهذا الحديث كما قاله في «الفتح» أخرجه الإسماعيليُّ من هذا الوجه باللفظ الأوَّل، إلَّا أنَّه قال: «كان أصحابُ رسول الله ﷺ » بدل قوله: «كان الناس».
٣٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمانِ الحِمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا (١) شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِتْيَانٌ) بفاءٍ مكسورة ففوقيَّةٍ ساكنة وبعدَ التحتيَّة المفتوحة ألفٌ فنون، كذا في الفرع وأصله، وعلى الهامش منهما: «صوابُه فِئَتان» بهمزة مفتوحة بعد الفاء ففوقية فألف، تثنيةُ فِئة، وهي الجماعة، والمراد كما في «الفتح»: عليٌّ ومَن معه، ومعاويةُ ومَن معه، لمَّا تحاربا بصِفِّين (دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) لأنَّ كلًّا منهما يتسمَّى بالإسلام، أو يدَّعي أنَّه محقٌّ، وقد كان عليٌّ الإمامَ والأفضلَ يومئذٍ بالاتِّفاق، وقد بايعَه أهلُ الحَلِّ والعَقْد بعدَ عثمان، ومُخالِفُه مُخطِئٌ معذورٌ بالاجتهاد، والمجتهدُ إذا أخطأ لا إثمَ عليه، بل له أجرٌ، وللمصيبِ أجرانِ.
٣٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ الأزديُّ مولاهم (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٢) (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِتْيَانٌ)
стр. 7013
بفاءٍ ففوقيَّةٍ ساكنةٍ فتحتيةٍ، وصوابه كما مرَّ: فِئَتان (١) بهمزةٍ ففوقيَّة مفتوحة (فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ) بفتح الميم مصدرٌ ميميٌّ (عَظِيمَةٌ) أي: قتلٌ عظيمٌ، وعند ابنِ أبي خيثمةَ في «تاريخه»: أنَّه قُتلَ بصِفِّينَ مِنَ الفِئتينِ فئةِ عليٍّ وفئةِ (٢) معاويةَ نحوُ سبعينَ ألفًا، وقيل: أكثرُ من ذلك، وقيل: كان بينهم أكثرُ مِن سبعين زحفًا (٣)، وكان أول قتالهما في غُرَّة صفرٍ، فلمَّا كاد أهلُ الشام أن يُغلبُوا رفعُوا المصاحفَ بمشورةِ عمرِو بن العاص، ودعَوا إلى ما فيها، فآل الأمرُ إلى الحكمَين، فجرى ما جرى مِنِ اختلافهما، واستبداد معاويةَ بمُلك الشام، واشتغالِ عليٍّ بالخوارج (دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) ويؤخَذُ منه الردُّ على الخوارج ومَن تبعَهم في تكفيرِهم كُلًّا مِنَ الطائفتين (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ) بضمِّ أوَّلِه وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، يَخرُج ويظهَرَ (دَجَّالُونَ) بفتح الدال المهملة والجيم المشدَّدة، يُقال (٤): دَجَّل فلانٌ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ويُطلق على الكذب أيضًا، وحينئذٍ فيكونُ قولُه: (كَذَّابُونَ) تأكيدًا (قَرِيبًا) نُصِبَ حالًا مِنَ النكرة الموصوفة (مِنْ ثَلَاثِينَ) نفسًا، وفي «مسلمٍ» من حديث جابر بن سَمُرة: «إنَّ بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا» (٥) فجزم بذلك (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ) بتسويل الشيطانِ لهم ذلك، مع قيام الشوكة لهم، وظهور شُبهة كمسيلمَةَ باليمامةِ، والأسودِ العَنْسيِّ باليمن، وكان ظهورُهما في آخرِ الزمن النبويِّ، فقُتل الثاني قبلَ موتِه ﷺ ، ومسيلِمة في خلافة أبي بكرٍ، وفيها خرجَ (٦) طُليحةُ بنُ خُويلدٍ في بني أسد بن خُزيمة، وسَجاحُالتميميَّةُ في بني تميم، ثم
стр. 7014
تاب طُليحةُ ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، قيل: وتابت المرأة، وفي أوَّلِ خلافة ابن الزبير خرجَ المختارُ بن أبي عُبيدٍ الثقفيُّ فتغلب (١) على الكوفة ثم ادَّعى النبوَّة، وزعم أنَّ جبريل يأتيه، وقُتل في سنة بضع وستين، وفي خلافة عبد الملك بن مروان خرج الحارث فقُتل، ثم خرج في خلافة بني العبَّاس جماعةٌ ادَّعَوا ذلك بسبب ما نشأ لهم عن جنون أو سوداء، وقد أهلك اللهُ تعالى مَن وقع له ذلك منهم، وآخرُهم الدجَّال الأكبر.
٣٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُواليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْو يَقْسِمُ قَسْمًا) بفتح القاف، مصدرُ قسمتُ الشيءَ فانقسم، سمِّي الشيءُ المقسوم بالمصدر، والواو في «وهو» للحال، وزاد أفلح بن عبد الله في روايته عنه: «يوم حنين» وفي رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم (٢) عن أبي سعيد في «المغازي» [خ¦٤٣٥١]: أنَّ المقسوم كان تِبرًا بعثه عليُّ بن أبي طالب ﵁ من اليمن، فقسمه النبيُّ ﷺ بين أربعة (إذْ أَتَاهُ ذُوالخُوَيْصِرَةِ) ثبت في الفرع: إذ، وسقط من
стр. 7015
«اليونينية» وعدةِ أصولٍ، والخُويصرة: بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون التحتيَّة وكسر الصاد المهملة بعدَها راء، واسمُه: نافعٌ، كما عند أبي داود ورجَّحَه السُّهيليُّ، وقيل: اسمُه حرقوصُ بنُ زهيرٍ (وَهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) وفي «باب من ترك قتال الخوارج» من «كتاب استتابة المرتدين» [خ¦٦٩٣٣]: «جاء عبد الله بن ذي الخُويصرة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْدِلْ) في القسمة (فَقَالَ) ﵊: (وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ) وفي رواية ابن أبي نُعْم (١): فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: «ويلك، أوَلستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتَّقي الله؟» [خ¦٤٣٥١] (قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ) لم يَضبِط في «اليونينية» تاءي «خبت» و «خسرت» هنا، وضبطهما (٢) في غيرِها بالضمِّ والفتح على المتكلِّم والمخاطَب، والفتحُ أشهرُ وأَوجَه.
قال التُّورِبشتيُّ: هو على ضمير المخاطب، لا على ضمير المتكلِّم، وإنَّما رَدَّ الخيبةَ والخُسرانَ إلى المخاطب على تقدير عدم العَدْل منه، لأنَّ الله تعالى بعثه رحمة للعالمين، وليقوم بالعدل فيهم، فإذا قُدِّرَ أنَّه لم يَعْدِل، فقد خاب المعترِفُ بأنَّه مبعوثٌ إليهم (٣) وخَسِرَ، لأنَّ الله لا يُحبُّ الخائنين فضلًا أن يرسلَهم إلى عباده، وقال الكِرمانيُّ: أي: خبتَ (٤) وخسرتَ لكونك تابعًا ومقتديًا بمَن لا يعدِل، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «إذا لم أكن أعدل» (فَقَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب رضي الله تعالى عنه: (يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ، فَأَضْرِبَ) نُصِبَ بفاء الجواب، ولأبي ذرٍّ: «أضرب» (عُنُقَهُ) بإسقاط الفاء، وبالجزم جواب الشرط (فَقَالَ: دَعْهُ) لا تضرب عُنقَه، فإن قلت: كيف مَنَعَ مِن قَتْلِه مع أنَّه قال: لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم؟ أجاب في «شرح السُّنَّة»: بأنَّه (٥) إنَّما أباح قتلَهم إذا كثُروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا للناس (٦)، ولم تكن هذه المعاني موجودةً حين مَنَع مِن قتلهم، وأوَّلُ ما نجم ذلك في زمان عليٍّ ﵁، فقاتلهم حتى قتل كثيرًا منهم. انتهى. ولمسلمٍ من حديث جابرٍ ﵁: فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدَّث الناسُ أنِّي أقتلُ أصحابي» وقال الإسماعيليُّ: إنَّما تَرَكَ ﷺ
стр. 7016
قتلَ المذكور؛ لأنَّه لم يكن أظهرَ ما يستدلُّ به على ما وراءه (١)، فلو قُتِلَ من ظاهرُه الصلاحُ عند الناس قَبْلَ استحكامِ أمر الإسلام ورسوخِه في القلوب؛ نفَّرَهم عنِ الدخول في الإسلام، وأمَّا بعدَه ﷺ ، فلا يجوزُ تَرْكُ قِتالهم إذا أَظهروا رأيَهم وخرجوا مِنَ الجماعة، وخالفوا الأئمَّة مع القدرةِ على قتالهم، وفي «المغازي» من رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيد في هذا الحديث: فسأله رجلٌ -أظنُّه خالد بن الوليد- قَتْلَه (٢)، ولمسلمٍ: «فقال خالدُ بنُ الوليد» بالجزمِ (٣)، وجُمِعَ بينهما بأنَّ كلًّا منهما سأَلَ ذلك، ويُؤيِّدُه ما في رواية (٤) مسلمٍ: «فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله ألا (٥) أضربُ عُنقَه، قال: لا ثم أدبر، فقام إليه (٦) خالد بنُ الوليد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضربُ عُنقَه؟ قال: لا» قال في «فتح الباري»: فهذا نصٌّ في أنَّ كلًّا منهما سَأَلَ، وقد استُشكل (٧) سؤالُ خالدٍ في ذلك، لأنَّ بعثَ عليٍّ إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهبُ المقسوم كان أرسلَه عليٌّ مِنَ اليمن كما في حديث ابن (٨) أبي نُعْم عن أبي سعيد [خ¦٤٣٥١] ويجاب: بأنَّ عليًّا لمَّا وصل إلى اليمن رجع خالدٌ منها إلى المدينة، فأرسل عليٌّ بالذهب، فحضر خالدٌ قِسمتَه، ولأبي الوقت: «فقال له: دعه» أي: فقال ﷺ لعمر: اترُكْه (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ) بكسر القاف، يستقِلُّ (صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ) وعندَ الطبريِّ (٩) من رواية عاصم بن شُمَيخ عن أبي سعيد: «تحقرون أعمالَكم مع أعمالهم». ووصف عاصمٌ أصحابَ نجدةَ الحَروريِّ بأنَّهم يصومون النهار ويقومون الليل، وفي حديث ابن عبَّاس عند الطبرانيِّ في قِصَّة مناظرتِه للخوارج قال: «فأتيتُهم فدخلتُ على
стр. 7017
قومٍ لم أرَ أشدَّ اجتهادًا منهم» والفاء في قوله: «فإنَّ له أصحابًا» ليست للتعليل، بل لتعقيب الأخبار، أي: قال: دعه، ثمَّ عقَّب مقالتَه بقصَّتِهم (١) (يَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالمثنَّاة الفوقيَّة والقاف، جمع تَرْقُوة، بفتح المثنَّاة الفوقيَّة (٢) وسكون الراء وضم القاف بوزن «فَعْلُوة». قال في «القاموس»: ولا تُضم تاؤُه؛ العظمُ ما بين ثُغْرة النَّحْر والعاتق، يريدُ أنَّ قراءَتَهم لا يرفعُها الله ولا يقبلُها لعلمه باعتقادهم، أو أنَّهم لا يعملون بها، فلا يُثابون عليها، أو ليس لهم فيه حظٌّ إلَّا مُرُورُه على لسانهم، فلا يَصِلُ إلى حُلُوقِهِم فضلًا عن أن يصِلَ إلى قلوبهم، لأنَّ المطلوبَ (٣) تعقُّلُه وتدبُّرُه لوقوعه في القلب (يَمْرُقُونَ) يخرجون سريعًا (مِنَ الدِّينِ) أي: دين الإسلام من غير حظٍّ ينالهم منه، وفيه حُجَّةٌ لمن يُكَفِّرُ الخوارج، وإن كان المرادُ بـ «الدِّين» (٤) الطاعةَ للإمام فلا حُجَّةَ فيه، وإليه ذهب الخطَّابيُّ، وصرَّح القاضي أبو بكر ابن العربي في «شرح الترمذي» بكفرِهم مُحتجًّا بقولِه ﷺ : «يمرقون من الإسلام» (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتيَّة «فعيلة» (٥) بمعنى «مفعولة»، وهي الصيدُ المرمي، والمُرُوقُ: سُرعةُ نُفُوذِ السهم مِنَ الرَّمِيَّة حتى يخرج من الطرف الآخر، ومنه: مرق البرق (٦) لخروجه بسرعة، فشبَّه مروقَهم من الدِّين بالسهم الذي يُصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه، ولشدَّةِ سُرعةِ خُروجِهِ لقوَّةِ ساعدِ الرامي لا يعلَقُ بالسهمِ مِن جسدِ الصيدِ شيء. (يُنْظَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (إِلَى نَصْلِهِ) وهو (٧) حديدةُ السهم (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ) في النَّصْل (شَيْءٌ) مِنْ دم الصيد ولا غيرِه (ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ) بكسر الراء وبالصاد المهملة وبعدَ الألف فاءٌ، قال في «القاموس»: الرَّصَفَة محرَّكة؛ واحدةُ الرِّصاف للعَقَب، أي: بفتح القاف، وهو العصب يُعمَلُ منه الأوتار، يُلوى فوقَ الرُّعْظِ، بضمِّ (٨) الراء وسكون العين
стр. 7018
المهملة بعدها ظاء معجمة؛ مدخَلُ سِنْخِ النَّصْل؛ بالنون والخاء المعجمة، أي: أصله، كالرُّصافة والرُّصوفة بضمِّهما، والمصدرُ الرَّصْفُ مُسَكَّنَةً (١) بالفتح، رَصَفَ السهمَ: شَدَّ على رُعْظِه عَقَبَةً (فَمَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فلا» (يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ) بنون مفتوحة فضاد معجمة مكسورة فتحتيَّة مشدَّدة (وَهْو قِدْحُهُ) بكسر القاف وسكون الدال وبالحاء المهملة، قال البيضاويُّ: وهو تفسيرٌ مِنَ الراوي، أي: عود السهمِ قبلَ أن يُراشَ ويُنْصَل، أو هو ما بين الرِّيش والنَّصْل، وسُمِّي بذلك لأنَّه بُرِيَ حتى عاد نِضْوًا، أي: هَزيلًا (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ) بضمِّ القاف وفتح الذال المعجمة الأُولى، جمع قُذَّة: الريشُ الذي على السهم (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ) السهمُ (الفَرْثَ) بالمثلَّثة، ما يجتمع في الكَرِش (وَالدَّمَ) فلم (٢) يظهرْ أثرُهما فيه، بل خرجا بعده (٣)، وكذلك هؤلاء لم يتعلَّقوا بشيءٍ من الإسلام (آيَتُهُمْ) أي: علامتُهُم (رَجُلٌ أَسْوَدُ) اسمُه نافعٌ فيما أخرجه ابنُ أبي شيبةَ، وقال (٤) هشام: ذو الخويصرة (إِحْدَى عَضُدَيْهِ) وهو ما بين المرفق إلى الكتف (مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ) بفتح المثلَّثة وسكون الدال المهملة (أَوْ) قال: (مِثْلُ البَضْعَةِ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة؛ القطعة من اللحم (تَدَرْدَرُ) بفتح الفوقيَّة والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء أخرى، وأصله (٥): تتدردر، حُذِفتْ إحدى التاءين تخفيفًا، أي: تتحرك وتذهب وتجيء، وأصله حكايةُ صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع (وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ) بالحاء المهملة المكسورة آخره نون، و «فُرقة» بضمِّ الفاء، أي: زمان افتراق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «على خَير فِرقةٍ» بخاء معجمة مفتوحة وآخره راء وكسر فاء «فِرقة» أي: على أفضل طائفة (مِنَ النَّاسِ) عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأصحابه ﵃. وفي رواية عبد الرزاق عند أحمدَ وغيرِه: «حينِ فَتْرةٍ من الناس» بفتح الفاء وسكون الفوقية، قال في «الفتح»: ورواية: «فِرقة» بكسر الفاء هي المعتمدة، وهي التي عند مسلمٍ وغيرِه، ويُؤيِّدُها ما عند مسلمٍ أيضًا من
стр. 7019
طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد: «تمرُق مارقةٌ عند فُرقة من المسلمين، تقتلُهم أَولى الطائفتين بالحقِّ» (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ بالسند السابق إليه: (فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ) بالنهروان، وفي «باب ترك قتال (١) الخوارج» [خ¦٦٩٣٣]: و «أشهدُ أنَّ عليًّا قتلَهم» ونسبةُ قَتْلِهم لعليٍّ، لأنَّه (٢) كان القائمَ بذلك (فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ) الذي قال فيه ﷺ : «إحدى عضديه مثلُ ثدي المرأة» (فَالتُمِسَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر ما بعدَها مبنيًّا للمفعول، أي: طُلِبَ في القتلى (فَأُتِيَ بِهِ) ولمسلمٍ من رواية عُبيد الله بن أبي رافعٍ: «فلمَّا قتلهم عليٌّ قال: انظروا، فلم ينظروا شيئًا، فقال: ارجعوا فوالله ما كَذَبت ولا كُذِّبت، مرتين أو ثلاثًا، ثمَّ وجدوه في خَرِبة» (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ).
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٦٣] وفي «استتابة المرتدين» [خ¦٦٩٣١] [خ¦٦٩٣٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٥٨]، والنَّسائيُّ في «فضائل القرآن» و «التفسير»، وابن ماجه في «السُّنَّة» (٣).
٣٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مِهرانَ (عَنْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتيَّة وبالمثلَّثة
стр. 7020
المفتوحة، ابنِ عبدِ الرحمن الجُعفيِّ الكوفيِّ (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) بضمِّ السين وفتح الواو وسكون التحتيَّة، و «غَفَلَةَ»: بفتح الغين المعجمة والفاء واللَّام، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَأَنْ أَخِرَّ) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة، أسقُطَ (مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، ويجوزُ ضمٌّ فسكون، وضمٌّ ففتح كهُمَزة، وفتحهما جمع خادع، وكسرٌ فسكون (١)، فهي خمسة، وتكون (٢) بالتورية (٣) وبخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص مِنَ المحرَّم المأذون فيه رفقًا بالعباد، وليس للعقل في تحريمه ولا تحليله أثرٌ، إنَّما هو إلى الشارع (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبوي ذر والوقت: «النبيَّ» (¬ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ) بضمِّ الحاء وفتح الدال المهملتين وبالمثلَّثة ممدودًا، و «الأسنان» بفتح الهمزة، أي: صغارُها (سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ) أي: ضعفاءُ العقول (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ) وهو القرآن، كما في حديث أبي سعيد الخدري (٤) السابق [خ¦٣٦١٠]: «يقرؤون القرآن»، وكان أوَّلُ كلمةٍ خرجوا بها قولَهم: لا حكم إلَّا لله، وانتزعوها من القرآن، لكنَّهم حملوها على غيرِ محملها (يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) إذا رماه رامٍ قويُّ الساعد فأصابه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلَقُ بالسهم ولا بشيءٍ منه مِنَ المرمي شيءٌ، كما قال في السابق: «سبقَ الفرثَ والدمَ» [خ¦٣٦١٠] أي: جاوزَهُما ولم يتعلَّق فيه منهما شيءٌ، بل خرجا بعدَه، وفي رواية أبي المتوكِّل الناجيِّ عن أبي سعيد عند الطبري (٥): «مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخَّى السهمَ حيث وقع، فأخذَه، فنظر إلى فُوقه، فلم يَرَ به دَسَمًا ولا دَمًا لم (٦) يتعلَّق به شيءٌ من الدسم والدم، كذلك هؤلاء لم يتعلَّقوا بشيءٍ
стр. 7021
من الإسلام» (لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) بالحاء المهملة ثم النون وبعد الألف جيم، جمع حَنْجَرة بوزن قَسْوَرة، وهي رأس الغَلْصَمة -بالغين المعجمة المفتوحة واللَّام الساكنة والصاد المهملة- منتهى الحُلقوم حيث تراه ناتئًا (١) من خارج الحلق، والحُلقومُ: مَجرى الطعام والشراب، وقيل: الحُلقومُ مَجرى النَّفَس، والمَرِيء مَجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحُلقوم، والمراد: أنَّهم مؤمنون (٢) بالنطق لا بالقلب (فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّ في قتلِهم أجرًا» (لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) لسعيهم في الأرض بالفساد، واحتجَّ السُّبكيُّ لتكفيرهم: بأنَّهم كفَّروا أعلامَ الصحابةِ، لتضمُّنه تكذيبَ النبيِّ ﷺ في شهادته لهم بالجنَّة، واحتجَّ القرطبيُّ في «المفهم» بقوله: إنهم يخرجون من الإسلام، ولم يتعلَّقوا منه بشيءٍ، كما خرج السهم من الرَّمِيَّة.
وبقية مباحث ذلك تأتي في محالِّها إن شاء الله تعالى.
٣٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِنُ قال: (حَدَّثَنَي يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطانُ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بنِ أبي خالدٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازِمٍ البَجليُّ (عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحَّدة الأُولى، و «الأَرَتّ» بهمزة وراء مفتوحتين وتشديد المثنَّاة الفوقيَّة أنَّه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذر والوقت: «إلى (٣) النبيِّ» (¬ ﷺ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ
стр. 7022
الكَعْبَةِ، قُلْنَا (١)) ولأبي ذرٍّ: «فقلنا» (لَهُ): يا رسول الله (أَلَا) بالتخفيف للتحريض (تَسْتَنْصِرُ) تطلب (لَنَا) من الله النصر على الكفار (أَلَا) بالتخفيف أيضًا (تَدْعُواللهَ) (٢) (لَنَا؟! قَالَ) ﵊: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ) كان (٣) (قَبْلَكُمْ) مِنَ الأنبياء وأُممهم (يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ) بضمِّ التحتيَّة وفتح الجيم ممدودًا (بِالمِينشَارِ) بكسر الميم وسكون التحتية وبالنون موضعَها، كلاهما في الفرع كأصله، وفي بعض النسخ: بالهمزة، يقال: نشرتُ الخشبةَ وأَشرتُها (فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ) بضمِّ التحتيَّة وفتح المعجمة (بِاثْنَتَيْنِ) بعلامة التأنيث (وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ) وضعُ المنشار على مفرق رأسه (عَنْ دِينِهِ) وضبَّب في «اليونينية» على قوله «ذلك» وأسقطها في الفرع (وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ) جمع «مُِشط» بضمِّ الميم وتكسر (مَا دُونَ لَحْمِهِ) أي: تحته أو عنده (مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما» (يَصُدُّهُ ذَلِكَ) أي: وضع المشط على لحمه (٤) (عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ) بضمِّ التحتيَّة وكسر الفوقيَّة، من الإتمام والكمال (٥)، واللَّام للتوكيد (هَذَا الأَمْرُ) بالرفع في «اليونينية»، وفي «الناصرية»: «ليَتِمَّنَّ» بفتح التحتية «هذا الأمرُ» بالرفع، وفي «الفرع»: بضمِّ التحتية من «ليُتِمَّنَّ» ونصب «الأمرَ» على المفعوليَّة، وحذفِ الفاعل (٦)، أي: ليُكْمِلَنَّ اللهُ أمرَ الإسلام (حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ) بفتح الصاد المهملة وسكون النون وبعد العين ألف ممدودة، قاعدةِ اليمن، ومدينتِه العظمى (إِلَى حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم وسكون الواو بعدَها فوقيَّة، بلدةٌ باليمن أيضًا بينها وبين صنعاء مسافة بعيدة، قيل: أكثر من أربعة أيام، أو المراد: صنعاء الشام، فيكون أبلغ في البعد، والمراد: نفيُ الخوف مِنَ الكفَّار على المسلمين، كما قال: (لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ) عطفٌ على الجلالة الشريفة (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ).
стр. 7023
وهذا الحديث أخرجه في «الإكراه» [خ¦٦٩٤٣] وفي «باب ما لقي النبي ﷺ من المشركين بمكة» [خ¦٣٨٥٢]، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «العلم» و «الزينة».
٣٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ) بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها راء، و «سعْد» بسكون العين، الباهليُّ السُّمَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أخبرنا» (ابْنُ عَوْنٍ) هو عبدُ الله بنُ عونِ بنِ أَرْطَبان المزنيُّ البصريُّ (قَالَ: أَنْبَأَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) بن مالكٍ قاضي البصرة، وعند عبد الله بن أحمد ابن حنبل: عن يحيى بن معين، عن أزهر، عن ابن عون، عن ثمامةَ بنِ عبد الله بن أنس، بدل «موسى بن أنس» أخرجه أبو نُعيم عن الطبرانيِّ عنه وقال: لا أدري ممن الوهم، وقد أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن المبارك، عن ابن عون، عن موسى بن أنس قال: لمَّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قعد ثابتٌ في بيته … الحديثَ، قال في «الفتح» -بعد أن ذكر- ذلك: وهذا صورتُه مرسلٌ، إلَّا أنَّه يقوِّي أنَّ الحديثَ لابن عونٍ عن موسى، لا عن ثمامةَ (عَنْ) أبيه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) أي: ابن شماس خطيبه ﷺ وخطيب الأنصار (فَقَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابنُ حَجَرٍ: هو سعدُ بنُ معاذٍ، رواه مسلمٌ وإسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، ورواه الطبرانيُّ لعاصم بن عَديٍّ العجلانيِّ، والواقديُّ لأبي مسعودٍ البدريِّ، وابنُ المنذر لسعدِ بنِ عبادة، وهو أقوى: (يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ) أي:
стр. 7024
لأجلك (عِلْمَهُ) أي: خبرَه (فَأَتَاهُ) الرجلُ (فَوَجَدَهُ) حالَ كونِه (جَالِسًا فِي بَيْتِهِ) حالَ كونِه (مُنَكِّسًا رَأْسَهُ) بكسر الكاف المشدَّدة (فَقَالَ) له (١): (مَا شَأْنُكَ؟) أي: ما حالُك؟ (فَقَالَ) ثابتٌ: حالي (شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ) التفاتٌ مِنَ الحاضر إلى الغائب، وكان الأصلُ أن يقول: كنتُ أرفعُ صوتي (فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) أي: بطل، والأصل أن يقول (٢): عملي، فهو التفاتٌ (٣) كما مرَّ (وَهْوَ مِنْ) وفي «اليونينية»: مكتوبٌ فوق «مِن» «في (٤)» بالأخضر (أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَى الرَّجُلُ) النبيَّ ﷺ (فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ) أي: ثابتًا (قَالَ كَذَا وَكَذَا) يعني: أنَّه حبط عمله وهو من أهل النار (فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) الراوي بالسند السابق: (فَرَجَعَ) الرجلُ إلى ثابتٍ (المَرَّةَ الآخِرَةَ) بمدِّ الهمزة وكسر المعجمة، من عنده ﷺ (بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ) له النبيُّ ﷺ : (اذْهَبْ إِلَيْهِ) أي (٥): إلى ثابتٍ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) وعند ابن سعدٍ من مرسل عكرمةَ: «أنَّه لمَّا كان يوم اليمامةٍ انهزمَ المسلمون، فقال ثابتٌ: أفٍّ لهؤلاء ولِمَا (٦) يعبدون، ولهؤلاء ولِمَا (٧) يصنعون، قال: ورجل قائم على ثلمة فقتله وقُتِل».
وعند ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن ثابت عن أنس في آخر قِصَّة ثابتِ بن قيسٍ: فكنَّا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنَّه من أهل الجنَّة، فلمَّا كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعضُ الانكشاف (٨)، فأقبل وقد تكفَّن وتحنَّط، فقاتل حتى قُتل، وظهر بذلك مصداقُ قولِه ﷺ : إنَّه من أهل الجنَّة لكونه استشهد، وبهذا (٩) تحصل المطابقة، وليس هذا مخالفًا لقوله ﷺ : «أبو بكر في الجنَّة، وعمر في الجنَّة … » إلى آخر العشرة، لأنَّ التخصيص بالعدد لا ينافي الزائد.
стр. 7025
٣٦١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄¬) يقول: (قَرَأَ رَجُلٌ) هو أُسيد بن حُضير (الكَهْفَ وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ) أي: فرسُه (فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ) بنون وفاء مكسورة (فَسَلَّمَ) الرجلُ، قال الكِرمانيُّ: دعا بالسلامة، كما يقال: اللَّهُمَّ سلِّم (١)، أو فوَّضَ الأمرَ إلى الله تعالى ورضي بحُكمه، أو قال: سلام عليك (فَإِذَا ضَبَابَةٌ) بضاد معجمة مفتوحة وموحَّدتين بينهما ألف، سحابةٌ تغشى الأرض كالدُّخَان، وقال الداوديُّ: الغمامُ الذي لا مطر فيه (أَوْ) قال: (سَحَابَةٌ غَشِيَتْهُ) شكَّ الراوي (فَذَكَرَهُ) أي: ما وقع له (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اقْرَأْ) يا (٢) (فُلَانُ) قال النوويُّ: معناه: كان ينبغي أن تستمر على القرآن، وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر مِنَ القراءة التي هي سبب بقائهما (٣). انتهى. فليس أمرًا له بالقراءة في حالة التحديث، وكأنَّه استحضر صورةَ الحالِ، فصار كأنَّه حاضرٌ لمَّا رأى ما رأى (٤). وفي حديث أبي سعيد عند المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٨]: أنَّ أُسيد بنُ حُضَير كان يقرأ من الليل سورة البقرة، فظاهره التعدُّد، ويَحتملُ أن يكون قرأ البقرة والكهف جميعًا، أو مِن كلٍّ منهما (فَإِنَّهَا) أي: الضبابة المذكورة (السَّكِينَةُ) وهي ريحٌ هفافة لها وجه كوجه الإنسان، رواه الطبريُّ وغيره عن عليٍّ، وقيل: لها رأسان، وعن مجاهد: رأس كرأس الهرّ، وعن الربيع بن أنس: لعينها (٥) شعاع، وعن وهب: هي روح من روح الله، وقيل غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٨] واللائق هنا الأوَّل (نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ أَوْ) قال:
стр. 7026
(تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ) ومطابقة الحديث للترجمة في إخباره ﵊ عن نزول السكينة عند القراءة.
وأخرجه مسلمٌ في «الصلاة»، والتِّرمذيُّ في «فضائل القرآن».
٣٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزيادة (ابْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الحَسَنِ الحَرَّانِيُّ) بفتح الحاء المهملة والراء المشدَّدة وبعد الألف نون، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الجُعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرُو بنُ عبد الله السَّبيعيُّ قال: (سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصديق (¬﵁ إِلَى أَبِي)
стр. 7027
أي: عازبِ بنِ الحارث الأوسيِّ الأنصاريِّ (فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو للناقة كالسرج للفرس (فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثِ ابْنَكَ) البراء (يَحْمِلْهُ) يعني: الرحل (مَعِي، قَالَ) البراءُ: (فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي) عازبٌ (يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ) أي: يستوفيه، وكان كما في «باب مناقب المهاجرين» [خ¦٣٦٥٢]: ثلاثة عشر درهمًا (فَقَالَ لَهُ أَبِي) عازبٌ: (يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي) بالإفراد (كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ) بغير ألف (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: حين خرجتما من الغار في الهجرة (قَالَ: نَعَمْ) أُحدِّثُك عن ذلك (قال: أَسْرَيْنَا) بألف، لغتان جمع بينهما عازبٌ والصديقُ (لَيْلَتَنَا) أي: بعضها (وَمِنَ الغَدِ) أي: بعضه، والعطفُ فيه كهو في قوله:
علفتُها تبنًا وماءً باردًا ....................
إذِ الإسراءُ إنَّما يكون بالليل، وإنَّما قال: ليلتنا ليدُلَّ على أنَّ الإسراء كان قد وقع طول الليل (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) شدَّةُ حرِّها عند نصف النهار، وسمِّي قائمًا، لأنَّ الظلَّ لا يظهر حينئذٍ (١)، فكأنَّه واقفٌ (وَخَلَا الطَّرِيقُ) مِنَ السالك (٢) فيه (٣) (لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ) مِن شدَّة الحرِّ (فَرُفِعَتْ) بضمِّ الراء وكسر الفاء، أي: ظهرتْ (لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ) أي: على الظلِّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليها» أي (٤): الصخرة (الشَّمْسُ) بحيث تذهب بظلِّها، بل كان ظلُّها ممدودًا ثابتًا (فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ) عند الظِّلِّ (وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ فِيهِ) ولأبي ذرٍّ: «عليه» (فَرْوَةً) زاد في رواية يوسف بن إسحاق، وفي حديث حُديج: فروةً (٥) كانت معي، وفي «جزء ابن لُوَين»: كانت معي (٦) (وَقُلْتُ) له ﵊: (نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أَنْفُضُ
стр. 7028
لَكَ مَا حَوْلَكَ) أي: من الغبار ونحوه حتى لا يثيرُه الريح، أو أحرسُك وأطوف هل (١) أرى طلبًا، يقال: نفضت المكان واستنفضتُه وتنفضتُه (٢): إذا نظرت جميعَ ما فيه (فَنَامَ) ﵊ (وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ) من الغبار أو أحرسه (فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا) مِنَ الظلِّ (فَقُلْتُ: لِمَنْ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت له: لمن» (أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ أَو مَكَّةَ) بالشكِّ، وفي رواية مسلمٍ من طريق الحسن بن محمَّد بن أعين عن زهير: فقال: لرجل (٣) من أهل المدينة، من غير شكٍّ، وفي «البخاري» الجزمُ بأنَّها مكَّة، فإطلاقُ (٤) المدينة عليها للصفة لا للعلميَّة، فليست المدينةُ النبويَّة مرادةً هنا (٥)، والراعي وصاحب الغنم لم يُسمَّيا (قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمُ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ؟) بضمِّ اللَّام، أي (٦): أمعكَ إِذْنٌ من مالكها في الحلب لمن يَمُرُّ بك على سبيل الضيافة (قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ) أي: الراعي (شَاةً) قال الصديق: (فَقُلْتُ) له: (انْفُضِ الضَّرْعَ) أي: ثدي الشاة (مِنَ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالقَذَى) بالقاف والذال المعجمة مقصورًا، وأصلُه ما يقع في العين، قال الجوهريُّ: أو في الشراب، وكأنَّه شبَّه ما يعلَقُ بالضَّرْع (٧) مِنَ الأوساخ بالقَذَى الذي يسقُطُ في العين أو الشراب (قَالَ) أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ: (فَرَأَيْتُ البَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ، فَحَلَبَ) الراعي (فِي قَعْبٍ) بقاف مفتوحة فعين مهملة ساكنة، قدحٍ من خشبٍ مقعَّر (٨) (كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المثلَّثة وفتح الموحَّدة، شيئًا قليلًا (مِنْ لَبَنٍ) قدْرَ حَلْبَةٍ (وَمَعِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومعه» (إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، إناءٌ مِن جلدٍ فيه (٩) ماء (حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ) لأجله (¬ ﷺ يَرْتَوِي) يستقي (مِنْهَا) حالَ كونِه (يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ) مستأنفان
стр. 7029
لبيان الاعتمال في السقي (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ) من نومه (فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ) أي: وافق إتياني وقتَ استيقاظه (فَصَبَبْتُ مِنَ المَاءِ) الذي في الإداوة (عَلَى اللَّبَنِ) الذي في القَعْب (حَتَّى بَرَدَ) بفتح الراء (أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) أي: طابتْ نفسي لكثرةِ ما شرب (ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي بكرٍ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ) أي: ألم يأتِ وقتُ الارتحال، قال أبو بكر ﵁: (قُلْتُ (١): بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ) عن خط الاستواء وانكسرت سورة (٢) الحَرِّ (وَاتَّبَعَنَا) بفتح العين (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ) بضمِّ السين، ابنِ جُعْشُم (فَقُلْتُ: أُتِينَا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنَا) بالنصر (فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَارْتَطَمَتْ) بهمزة وصلٍ وسكون الراء وفتح الفوقيَّة والطاء المهملة والميم (بِهِ) بسُراقة (٣) (فَرَسُهُ) أي: غاصتْ به (٤) قوائمُها (إِلَى بَطْنِهَا، أُرَى) بضمِّ الهمزة، أَظُنُّ (فِي جَلَدٍ) بفتح الجيم واللام، صُلْبٍ (مِنَ الأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ) الراوي هل قال هذه اللفظة أم لا؟ (فَقَالَ) سُراقة: (إِنِّي أُرَاكُمَا) بضمِّ الهمزة، أَظنُّكما (قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ) حتى ارتطمتْ بي فرسي (فَادْعُوَا لِي) بالخَلاص (فَاللهُ لَكُمَا) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: ناصرُكما وحافظُكما (٥) حتى تبلغا مقصدَكما (أَنْ أَرُدَّ) أي: ادعوا لِأْنَ أَرُدَّ (عَنْكُمَا الطَّلَبَ) وفي نسخة: «فاللهَ» بالنصب، قال في «المصابيح»: على إسقاطِ حرف القَسَم، أي: أُقسم بالله لكما أَنْ (٦) أرد عنكما، أو على معنى: فخذا عهدَ الله لكما، فَحَذَفَ المضافَ وأَقام (٧) المضافَ إليه مُقامه (فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا) من الارتطام (فَجَعَلَ) أي: فشَرَعَ فيما وَعَدَ مِن رَدِّ مَن لقي، فكان (لَا يَلْقَى أَحَدًا) يطلُبُهما (إِلَّا قَالَ) له: (كَفَيْتُكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «إلَّا قال: قد كفيتُكُم» ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كُفِيُتم» بضمِّ الكاف وكسر الفاء، وإسقاط الكاف الثانية (مَا هُنَا)
стр. 7030
أي: الطلبَ الذي هنا لأنِّي كفيتُكُمُوه (فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ) بيانٌ لسابقه (قَالَ) أبو بكر ﵁: (وَوَفَى) بتخفيف الفاء سُراقةُ (لَنَا) ما وَعَدَ به من رَدِّ الطلب.
٣٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، العَمِّيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) بالخاء المعجمة، الدباغُ الأنصاريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ مهرانَ الحذَّاءُ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ) قيل: هو قيسُ بنُ أبي حازِمٍ كما في «ربيع الأبرار» للزمخشريِّ (يَعُودُهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) بالفاء في الفرع، وفي «اليونينية»: «قال» (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ) سقط قوله: «النبيُّ ﷺ » من (١) الفرع، وثبت في «اليونينية» (قَالَ: لَا بَأْسَ) عليك هو (طَهُورٌ) لك من ذنوبك، أي: مطهَرةٌ (إِنْ شَاءَ اللهُ) يدُلُّ على أنَّ قوله (٢): «طهورٌ» دعاءٌ لا خبرٌ (فَقَالَ) ﵊ (لَهُ) أي (٣): للأعرابي: (لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ) الأعرابيُّ مخاطبًا له ﷺ : (قُلْتَ: طَهُورٌ، كَلَّا) ليس بطَهورٍ (بَلْ هِيَ حُمَّى) وللكُشمِيهَنيِّ -كما في «الفتح» -: «بل هو» أي: المرضُ حمَّى (تَفُورُ) بالفاء، أي: يظهَرُ حَرُّها ووهجُها أو (٤) غليانها (أَوْ) قال: (تَثُورُ) شكٌّ من الراوي هل قال: بالفاء أو بالمثلَّثة؟ ومعناهما واحدٌ (عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ القُبُورَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الزاي، من أزاره: إذا (٥) حمله على الزيارة (فَقَالَ
стр. 7031
النَّبِيُّ ﷺ : فَنَعَمْ إِذًا) بالتنوين، قال في «شرح المشكاة»: الفاء مرتبة على محذوفٍ، و «نعم» تقريرٌ لِمَا قال، يعني: أرشدتُك بقولي: لا بأس عليك، إلى أنَّ الحمى تُطهِّرُكَ وتنقِّي ذنوبَكَ، فاصبر واشكر الله عليها، فأبيتَ إلَّا اليأسَ والكُفران، فكان كما زعمتَ، وما اكتفيتَ بذلك، بل رددتَ نِعمةَ الله، قاله غضبًا عليه. انتهى. وزاد الطبرانيُّ من حديث شرحبيل والد عبد الرحمن: أنَّ النبيَّ ﷺ قال للأعرابيِّ: «إذا (١) أبيتَ فهي كما تقولُ، وقضاءُ الله كائِنٌ»، فما أمسى مِنَ الغدِ إلَّا ميتًا، قال في «فتح الباري»: وبهذه الزيادة يظهرُ دخولُ هذا الحديث في هذا الباب، وأخرجه الدَّولابيُّ في «الكُنى» بلفظ: فقال النبيُّ ﷺ : «ما قضى الله فهو كائن» فأصبح الأعرابيُّ ميتًا.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّفُ أيضًا في «الطب» [خ¦٥٦٥٦] [خ¦٥٦٦٢] وفي «التوحيد» [خ¦٧٤٧٠]، والنَّسائيُّ في «الطب» وفي «اليوم والليلة».
٣٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملة ساكنة، عبدُ الله بنُ عمرٍو ابن أبي الحجَّاج، واسمه: ميسرةُ المُقْعدُ المنقريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيدٍ البصريُّ التنوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بنُ صهيبٍ البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا) لم يُسَمَّ، وفي «مسلمٍ»: أنَّه من بني النَّجَّار (فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) الوحيَ (فَعَادَ نَصْرَانِيًّا) كما كان، ولمسلمٍ من طريق ثابت
стр. 7032
عن أنس: «فانطلق هاربًا حتى لَحِقَ بأهل الكتاب فرفعوه» (فَكَانَ يَقُولُ) لعنه الله: (مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللهُ) ولمسلمٍ: «فما لبث أن قَصَمَ الله عُنَقه فيهم» (فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ) بفتح الفاء في الفرع، وقال السفاقسيُّ وغيرُه: بكسرها، أي: طرحتْه ورمَتْه من داخل القبر إلى خارجه، لتقوم الحُجَّةُ على مَنْ رآه، ويُدلَّ على صِدْقِهِ ﷺ . (فَقَالُوا) أي: أهلُ الكتاب: (هَذَا) الرميُ (فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ) وللإسماعيليِّ: «لمَّا لم يرضَ دينَهم» (نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا) قبرَه (فَأَلْقَوْهُ) خارجَه (فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا) بالعين المهملة، أبعَدُوا (١)، ولأبي ذرٍّ: «فأعمقوا (٢) له في الأرض ما استطاعوا» (فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ) سقط «لمَّا هرب منهم» لأبي ذرٍّ (فَأَلْقَوْهُ) خارجَ القبر (فَحَفَرُوا لَهُ، وَأَعْمَقُوا (٣) لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «وقد» (لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ) بل مِنْ ربِّ الناس (فَأَلْقَوْهُ) وفي رواية ثابت عند مسلمٍ: «فتركوه منبوذًا».
٣٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه واسمُ أبيه: عبدُ الله المصريُّ -بالميم- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو عطفٌ على محذوف، أي: أخبرني فلانٌ وأخبرني (ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى) بكسر الكاف والفتحُ أفصح، وأنكر الزجاج الكسرَ مُحتجًّا بأنَّ النسبة إليه كَسرويّ بالفتح، ورُدَّ بنحو قولهم في (٤) بني تغلِب بكسر اللَّام: تغلَبيّ بفتحها، فلا حُجَّةَ، والمعنى: إذا مات كِسرى أنوشروان بن هُرمز، وهو لقبٌ لكلِّ مَن ملك الفُرس (فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) بالعراق (وَإِذَا هَلَكَ) مات (قَيْصَرُ) وهو هرقلُ ملكُ
стр. 7033
الروم (فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) بالشام قاله ﵊ تطييبًا لقلوب أصحابه من قُريش، وتبشيرًا لهم بأنَّ مُلْكَهما يزول عن الإقليمين المذكورين، لأنَّهم كانوا يأتون الشام والعراق تجارًا، فلمَّا أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لدخولهم في الإسلام، فقال لهم ﷺ ذلك، قاله إمامنا الأعظم الشافعيُّ، وقد عاش قيصرُ إلى زمن عمرَ سنة عشرين على الصحيح وبقي مُلْكه، وإنَّما ارتفع مِنَ الشام وما والاها، لأنه لمَّا أتاه (١) كتابُ النبيِّ ﷺ قَبِلَه وكاد (٢) أن يُسلِم، وأمَّا كِسرى فمزَّقَ كتابَ النبيِّ ﷺ ، فدعا عليه أن يمزَّقَ مُلْكُه، فذهب مُلْكُه أصلًا ورأسًا، فقد وقع تصديق (٣) ذلك، فلم يَبْقَ مُلْكُهُما (٤) على الوجه الذي كان في الزمن النبويِّ (وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون النون وكسر الفاء وضم القاف (كُنُوزَهُمَا) مالَهما المدفونَ، أو الذي جُمِعَ وادُّخِر (فِي سَبِيلِ اللهِ) . وقد وقع ذلك، وفي نسخة «الناصريَّة»: «لَتُنْفَقَنَّ» بفتح الفاء والقاف مُصَلَّحةً كرفعةِ «كنوزُهما» وكذا هو ثابتٌ في غيرِها من النسخ.
٣٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بنُ عُقبَة السُّوائيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ سعيد بنِ مَسروقٍ الثوريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، الفَرَسيِّ، نسبةً إلى فَرَسٍ له سابق (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بفتح السين المهملة وضمِّ الميم، السُّوائيّ: بضمِّ السين المهملة والمد، الصحابيِّ ابنِ الصحابيِّ ﵄ (رَفَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «يرفعه» أي: الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ أنَّه (قَالَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) بل يُمَزَّقُ مُلْكه أصلًا ورأسًا (وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) يملِكُ مثلَ ما يملكُ، وذلك أنَّه كان بالشام، وبها بيت المقدس الذي لا يَتِمُّ للنصارى نُسُكٌ إلَّا به، ولا يملِكُ على الروم أحدٌ إلَّا إن كان دخلَه، فانجلى عنها قيصر ولم يخلفْه أحدٌ مِنَ القياصرة في تلك البلاد بعدَه، قاله الخطابيُّ،
стр. 7034
وسقط لغير أبي ذرٍّ قولُه: «وإذا هلك قيصرُ فلا قيصر بعدَه». وللإسماعيليِّ من وجهٍ آخرَ عن قبيصةَ المذكور مثلُ روايةِ الأكثرين، وقال: كذا قال ولم يذكر قيصر، وقال: (وَذَكَرَ) الحديث كالسابق على رواية الأكثرين (١)، ففيه حذفٌ، أي: وذكر كلامًا أو حديثًا (وَقَالَ: لَتُنْفَقَنَّ) بفتح الفاء والقاف مع ضمِّ الفوقيَّة (كُنُوزُهُمَا) رفع مفعولٌ نابَ عن فاعلِه، ولم يَضبط في «اليونينية» الفاء والقاف من «لتنفقن»، ولا زاي «كنوزهما». نعم ضَبَطَ في الفرع الزاي بالرفعِ فقط (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي (٢): في أبواب البِرِّ والطاعات، والحديثُ قد مرَّ في «الخمس» [خ¦٣١٢١].
٣٦٢٠ - ٣٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُواليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (حَدَّثَنَا (٣) شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) مصغَّرًا، ونسبه لجدِّه، واسمُ أبيه: عبدُ الرحمن النوفليُّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) أي: ابنِ مُطعِمٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ) بكسر اللَّام من اليمامة إلى المدينة النبويَّة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «على عهد (٤) النبيِّ» (¬ ﷺ ¬) سنةَ تسعٍ من الهجرة، وهي سنةُ الوفود (فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ) أي: النبوَّةَ والخلافةَ (مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا) أي: المدينةَ (فِي
стр. 7035
بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ) ذكر (١) الواقدي أنَّ عدد من كان معه من قومه (٢) سبعةَ عشرَ نفسًا، فيُحمَلُ على تعدُّدِ القُدُوم (فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) تألُّفًا له ولقومه رجاء إسلامهم، وليبلغه ما أُنزل إليه (وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) بفتح المعجمة والميم المشدَّدة وبعد الألف سين مهملة، خطيبُه (وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ) بكسر اللَّام (فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ) ﵊ له: (لَو سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ) مِنَ الجريدةِ (مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ) بالعين المهملة، أي: لن تجاوز (أَمْرَ اللهِ) حُكْمَه (فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ) عن طاعتي (لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ) بالقاف، ليقتُلنَّك (وَإِنِّي لَأَرَاكَ) بفتح همزة «لَأَرَاكَ»، وفي بعضِها: بضمِّها، أي (٣): لأَظُنُّكَ (الَّذِي أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الراء في منامي (فِيكَ مَا رَأَيْتُ).
قال ابن عبَّاس ﵄ بالسند السابق: (فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ عن تفسير المنام المذكور (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ) بالتثنية (سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ) صفةٌ لهما، ويجوزُ أن تكونَ «مِن» الداخلة على التمييز، وفي «التوضيح» كما نقله العينيُّ: أنَّ السوار لا يكون إلَّا من ذهب، فذُكِرَ الذهبُ للتأكيد، فإن كان مِن فضةٍ، فهو قُلْبٌ، كذا قال، وتبعه في «المصابيح» وعبارته: و «من ذهب» صفةٌ كاشفة، لأنَّ السوار لا يكون إلَّا مِن ذهبٍ … إلى آخره، وقال في «الفتح»: «مِن» لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] وَوَهِمَ مَن قال: الأساور لا تكون إلَّا مِن ذهبٍ … إلى آخره، (فَأَهَمَّنِي) فأحزنني (شَأْنُهُمَا) لكون الذهب من حلية النساء، وممَّا حُرِّم على الرجال (فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي المَنَامِ) على لسان الملَك أو وحيَ إلهامٍ (أَنِ انْفُخْهُمَا) بهمزة وصلٍ وكسر النون للتأكيد وبالجزم (٤) على الأمر، وقال الطِّيبيُّ: ويجوز (٥) أن (٦)
стр. 7036
تكون مفسِّرةً، لأنَّ «أُوحِيَ» (١) متضمِّنٌ معنى القول، وأن تكون ناصبة والجارُّ محذوفٌ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) في ذلك إشارةٌ إلى حقارة أمرِهما، لأنَّ شأن الذي يُنفَخ فيذهبُ بالنفخ أن يكون في غايةِ الحقارة، قاله بعضُهم، وردَّه ابنُ العربيِّ بأنَّ أمرهما كان في غاية الشِّدَّة، لم يَنزل بالمسلمين قبلَه مثلَه، قال في «الفتح»: وهو كذلك، لكن الإشارة إنَّما هي للحقارة المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانهما إشارةٌ إلى اضمحلال أمرهما (فَأَوَّلْتُهُمَا) أي: السوارين (كَذَّابَيْنِ) لأنَّ الكَذِبَ: وَضْعُ الشيءِ في غير موضعِه، ووضع سواري الذهب المنهي عن لبسه في يديه من وضع الشيء في غير موضعه؛ إذ هما مِن حلية النساء، وأيضًا: فالذهب مشتقٌّ مِنَ الذهاب، فعَلم أنَّه شيءٌ يذهب عنه، وتأكَّد ذلك بالأمر له بنفخهما (٢) فطارا، فدلَّ ذلك على أنَّه (٣) لا يثبت لهما أمر، وأيضًا: يتَّجه في تأويل نفخهما أنَّه (٤) قتلهما بريحه، لأنَّه لم يغزُهما (٥) بنفسِه، فأمَّا العَنْسيُّ فقتله فيروزُ الصحابيُّ بصنعاءَ في حياتِه ﷺ في مرضِ موتِهِ على الصحيح، وأمَّا مسيلِمةَ فقتله وحشيٌّ قاتلُ حمزةَ في خلافةِ الصديقِ ﵁ (يَخْرُجَانِ) مِنْ (٦) (بَعْدِي) استُشكل: بأنَّهما كانا في زمنه ﷺ ، وأجيب بأنَّ المراد بخروجِهِما بعدَه (٧): ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة، نقله الإمام النوويُّ عن العلماء، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظرٌ، لأنَّ ذلك كلَّه ظهر للأسود بصنعاءَ في حياته ﷺ ، فادَّعى النبوَّة، وعظمتْ شوكته، وحارب المسلمين وفتك فيهم، وغلب على البلدان، وآل أمرُه إلى أنْ قُتل في حياته ﵊ كما
стр. 7037
مرَّ، وأما مسيلِمةَ فكان ادَّعى النبوَّة في حياته ﷺ ، لكن لم تعظُم شوكتُه، ولم تقع محاربتُه إلَّا في زمن الصديق، فإمَّا أن يُحمل ذلك على التغليب، أو أنَّ المرادَ بقوله: «بعدي» أي: بعد نُبُوَّتي (فَكَانَ أَحَدُهُمَا العَنْسِيَّ) بفتح العين المهملة وسكون النون وكسر السين المهملة، من بني عَنْسٍ، وهو الأسود، واسمه: عَبْهلةُ -بعين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة- ابن كعب، ويقال له: ذو الخمار بالخاء المعجمة، لأنَّه كان يُخَمِّرُ وجهَه (وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ) بكسر اللَّام مصغرًا، ابن ثُمامة -بضمِّ المثلَّثة- ابن كبير -بموحدة- ابن حبيب بن الحارث، من بني حنيفةَ (الكَذَّابَ صَاحِبَ اليَمَامَةِ) بتخفيف الميمين، مدينةٌ باليمن على أربع مراحلَ مِن مكَّةَ، قال في «المفهم»: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أنَّ أهل صنعاءَ وأهلَ اليمامة كانوا أسلموا وكانوا (١) كالساعدين للإسلام، فلمَّا ظهر فيهما الكذابان وتبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرُهم بذلك، فكأنَّ اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذَّابين، وكونُهما مِن ذهبٍ إشارةٌ إلى ما زخرفاه، والزخرفُ مِن أسماء الذهب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٧٨]، ومسلمٌ والترمذيُّ والنَّسائيُّ في «الرؤيا».
٣٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بنِ كُريب الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ) أبو أسامة القُرشيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)
стр. 7038
بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الراء (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة أَظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) والقائل أُراه: قال الحافظ ابن حجر هو البخاريُّ، كأنَّه شكَّ هل سمع من شيخه صيغة الرفع أم (١) لا؟ وقد ذكره مسلمٌ وغيرُه عن أبي كُريب محمَّد بن العلاء شيخ المؤلف فيه بالسند المذكور بدون هذه اللفظة، بل جزموا برفعه إلى النبي ﷺ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي) بفتح الواو والهاء وتُسكَّن -وبه جزم في «النهاية» (٢) - وكسر اللَّام، أي: وهمي (إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ) بفتح الهاء والجيم، غيرُ منصرفٍ، مدينة معروفةٌ باليمن، ولأبي ذرٍّ: «أو الهجر» بزيادة «أل» (فَإِذَا هِيَ) مبتدأٌ و «إذا» للمفاجأة (المَدِينَةُ) خبرُه (يَثْرِبُ) بالمثلَّثة عطفُ بيانٍ، والنهيُ عن تسميتها بها للتنزيه، أو قاله قبلَ النهيِ (وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ) بمعجمتين (سَيْفًا) هو سيفه ذُو الفَقار (فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) وعند ابن إسحاقَ: ورأيتُ في ذُباب سيفي ثَلمًا (فَإِذَا هُوَ) تأويلُه (مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ) وذلك، لأنَّ سيف الرجل أنصارُه الذين يصُولُ بهم كما يصُولُ بسيفه، وعند ابن هشامٍ: حدَّثني بعضُ أهل العلم أنَّه ﷺ قال: «فأما (٣) الثلم في السيف فهو رجلٌ من أهل بيتي يُقتل» وفي رواية عروة: كان الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه ﷺ (ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى) ولأبي ذرٍّ: «أخرى» بإسقاط الموحَّدة (فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُو مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ) لمكَّة (وَاجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ) وإصلاحِ حالهم (وَرَأَيْتُ فِيهَا) في رؤياه (بَقَرًا) بالموحَّدة والقاف (وَاللهُ) بالرفع في «اليونينية» فقط، ورَقَم عليه علامةُ أبي ذرٍّ وصحَّح وكَشَطَ الخفضة تحت الهاء (٤)
стр. 7039
(خَيْرٌ) رفعٌ مبتدأٌ وخبرٌ، وفيه حذف، أي: وصنع الله بالمقتولين خيرٌ لهم مِن مقامهم في الدنيا، وفي نسخة: «واللهِ» بالجرِّ على القَسَم لتحقيق الرؤيا، ومعنى «خيرٌ» بعد ذلك: على التفاؤل في (١) تأويل الرؤيا، كذا قاله (٢) في «المصابيح» (فَإِذَا هُمُ) أي: البقر (المُؤْمِنُونَ) الذين قُتلوا (يَوْمَ أُحُدٍ) وفي «مغازي أبي الأسود» عن عروة: بقرًا يُذبح (٣)، وبهذه الزيادة يتمُّ التأويل؛ إذ ذَبْحُ البقر هو قتلُ الصحابة بأُحدٍ، وفي حديث ابن عبَّاس عند أبي يَعلى: فأوَّلتُ البقر الذي رأيت بَقْرًا يكون فينا، قال: فكان ذلك مَن أُصيب مِن المسلمين، وقوله: «بَقْرًا» بفتح الموحَّدة وسكون القاف، مصدر بقره يبقره بقرًا، وهو شقُّ البطن، وهذا أحدُ وُجوه التعبير، وهو أن يُشتَقَّ مِن الأمر معنًى يُناسبه، والأَولى أن يكون قولُه: «والله خير» مِن جملة الرؤيا، وأنَّها (٤) كلمةٌ سمعها عند رؤيا البقر، بدليل تأويله لها بقوله ﷺ : (وَإِذَا الخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ مِنَ الخَيْرِ) ولأبي ذرٍّ: «ما جاء الله به من الخير» (وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ) بالمدِّ، أعطانا الله (بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ) بنصبِ دال «بعد» وجرِّ ميم «يوم» أي: من فتح خيبر ثم مكَّة، قال في «الفتح»: ووقع في روايةٍ: «بعدُ» بالضمِّ، أي: بعد أحد، ونصب «يوم» (٥) أي: ما جاءنا الله به بعد بدر الثانية مِن تثبيت قلوب المؤمنين.
وهذا الحديث أخرجه مقطَّعًا في «المغازي» [خ¦٣٩٨٧] [خ¦٤٠٨١] و «التعبير» [خ¦٧٠٣٥] [خ¦٧٠٤١]، ومسلمٌ في «الرؤيا»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
стр. 7040
٣٦٢٣ - ٣٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بنُ أبي زائدةَ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، ابن يحيى المكتب (عَنْ عَامِرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «الشعبي» (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) ﵂ (تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا) بكسر الميم، لأنَّ المراد: الهيئة (مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وكان إذا مشى كأنَّما ينحدَّرُ مِن صَبَب (فَقَالَ) لها (النَّبِيُّ ﷺ : مَرْحَبًا يا ابْنَتِي) بياء النداء في الفرع، وفي «الناصرية»: «يا» حرف نداء «بنتي» بإسقاط الألف، وعلى هامشها: صوابه: «بابنتي» بموحَّدة فألفِ وصلٍ وإسكان الموحَّدة، وكذا هو في «اليونينية»، وظاهر الفرع إلحاق ألف وزيادة نقطة تحت الموحَّدة (ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَو عَنْ شِمَالِهِ) بالشكِّ من الراوي (ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ) قالت عائشة ﵂: (فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ) قالت عائشة ﵂: (فَقُلْتُ) لها (١): (مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ) أي: كفرح اليوم (فَرَحًا) بفتح الراء (أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذرٍّ: «من حَزَن» بفتحهما، قالت عائشة ﵂: (فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ) ﵊ لها (٢) حتى بكت وضحكت.
(فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ) بضمِّ الهمزة (سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) متعلق بمحذوف تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى توفي (فَسَأَلْتُهَا) عن ذلك (فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ: إِنَّ جِبْرِيلَ) بكسر همزة «إن» (كَانَ يُعَارِضُنِي) يُدارسُني (القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولا أَظُنُّه (إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي) فيه: أنَّه استنبط ذلك ممَّا ذكره