تكون مفسِّرةً، لأنَّ «أُوحِيَ» (١) متضمِّنٌ معنى القول، وأن تكون ناصبة والجارُّ محذوفٌ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) في ذلك إشارةٌ إلى حقارة أمرِهما، لأنَّ شأن الذي يُنفَخ فيذهبُ بالنفخ أن يكون في غايةِ الحقارة، قاله بعضُهم، وردَّه ابنُ العربيِّ بأنَّ أمرهما كان في غاية الشِّدَّة، لم يَنزل بالمسلمين قبلَه مثلَه، قال في «الفتح»: وهو كذلك، لكن الإشارة إنَّما هي للحقارة المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانهما إشارةٌ إلى اضمحلال أمرهما (فَأَوَّلْتُهُمَا) أي: السوارين (كَذَّابَيْنِ) لأنَّ الكَذِبَ: وَضْعُ الشيءِ في غير موضعِه، ووضع سواري الذهب المنهي عن لبسه في يديه من وضع الشيء في غير موضعه؛ إذ هما مِن حلية النساء، وأيضًا: فالذهب مشتقٌّ مِنَ الذهاب، فعَلم أنَّه شيءٌ يذهب عنه، وتأكَّد ذلك بالأمر له بنفخهما (٢) فطارا، فدلَّ ذلك على أنَّه (٣) لا يثبت لهما أمر، وأيضًا: يتَّجه في تأويل نفخهما أنَّه (٤) قتلهما بريحه، لأنَّه لم يغزُهما (٥) بنفسِه، فأمَّا العَنْسيُّ فقتله فيروزُ الصحابيُّ بصنعاءَ في حياتِه ﷺ في مرضِ موتِهِ على الصحيح، وأمَّا مسيلِمةَ فقتله وحشيٌّ قاتلُ حمزةَ في خلافةِ الصديقِ ﵁ (يَخْرُجَانِ) مِنْ (٦) (بَعْدِي) استُشكل: بأنَّهما كانا في زمنه ﷺ ، وأجيب بأنَّ المراد بخروجِهِما بعدَه (٧): ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة، نقله الإمام النوويُّ عن العلماء، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظرٌ، لأنَّ ذلك كلَّه ظهر للأسود بصنعاءَ في حياته ﷺ ، فادَّعى النبوَّة، وعظمتْ شوكته، وحارب المسلمين وفتك فيهم، وغلب على البلدان، وآل أمرُه إلى أنْ قُتل في حياته ﵊ كما
стр. 7037
مرَّ، وأما مسيلِمةَ فكان ادَّعى النبوَّة في حياته ﷺ ، لكن لم تعظُم شوكتُه، ولم تقع محاربتُه إلَّا في زمن الصديق، فإمَّا أن يُحمل ذلك على التغليب، أو أنَّ المرادَ بقوله: «بعدي» أي: بعد نُبُوَّتي (فَكَانَ أَحَدُهُمَا العَنْسِيَّ) بفتح العين المهملة وسكون النون وكسر السين المهملة، من بني عَنْسٍ، وهو الأسود، واسمه: عَبْهلةُ -بعين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة- ابن كعب، ويقال له: ذو الخمار بالخاء المعجمة، لأنَّه كان يُخَمِّرُ وجهَه (وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ) بكسر اللَّام مصغرًا، ابن ثُمامة -بضمِّ المثلَّثة- ابن كبير -بموحدة- ابن حبيب بن الحارث، من بني حنيفةَ (الكَذَّابَ صَاحِبَ اليَمَامَةِ) بتخفيف الميمين، مدينةٌ باليمن على أربع مراحلَ مِن مكَّةَ، قال في «المفهم»: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أنَّ أهل صنعاءَ وأهلَ اليمامة كانوا أسلموا وكانوا (١) كالساعدين للإسلام، فلمَّا ظهر فيهما الكذابان وتبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرُهم بذلك، فكأنَّ اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذَّابين، وكونُهما مِن ذهبٍ إشارةٌ إلى ما زخرفاه، والزخرفُ مِن أسماء الذهب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٧٨]، ومسلمٌ والترمذيُّ والنَّسائيُّ في «الرؤيا».
٣٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بنِ كُريب الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ) أبو أسامة القُرشيُّ مولاهم الكوفيُّ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)
стр. 7038
بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الراء (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة أَظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) والقائل أُراه: قال الحافظ ابن حجر هو البخاريُّ، كأنَّه شكَّ هل سمع من شيخه صيغة الرفع أم (١) لا؟ وقد ذكره مسلمٌ وغيرُه عن أبي كُريب محمَّد بن العلاء شيخ المؤلف فيه بالسند المذكور بدون هذه اللفظة، بل جزموا برفعه إلى النبي ﷺ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي) بفتح الواو والهاء وتُسكَّن -وبه جزم في «النهاية» (٢) - وكسر اللَّام، أي: وهمي (إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ) بفتح الهاء والجيم، غيرُ منصرفٍ، مدينة معروفةٌ باليمن، ولأبي ذرٍّ: «أو الهجر» بزيادة «أل» (فَإِذَا هِيَ) مبتدأٌ و «إذا» للمفاجأة (المَدِينَةُ) خبرُه (يَثْرِبُ) بالمثلَّثة عطفُ بيانٍ، والنهيُ عن تسميتها بها للتنزيه، أو قاله قبلَ النهيِ (وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ) بمعجمتين (سَيْفًا) هو سيفه ذُو الفَقار (فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) وعند ابن إسحاقَ: ورأيتُ في ذُباب سيفي ثَلمًا (فَإِذَا هُوَ) تأويلُه (مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ) وذلك، لأنَّ سيف الرجل أنصارُه الذين يصُولُ بهم كما يصُولُ بسيفه، وعند ابن هشامٍ: حدَّثني بعضُ أهل العلم أنَّه ﷺ قال: «فأما (٣) الثلم في السيف فهو رجلٌ من أهل بيتي يُقتل» وفي رواية عروة: كان الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه ﷺ (ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى) ولأبي ذرٍّ: «أخرى» بإسقاط الموحَّدة (فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُو مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ) لمكَّة (وَاجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ) وإصلاحِ حالهم (وَرَأَيْتُ فِيهَا) في رؤياه (بَقَرًا) بالموحَّدة والقاف (وَاللهُ) بالرفع في «اليونينية» فقط، ورَقَم عليه علامةُ أبي ذرٍّ وصحَّح وكَشَطَ الخفضة تحت الهاء (٤)
стр. 7039
(خَيْرٌ) رفعٌ مبتدأٌ وخبرٌ، وفيه حذف، أي: وصنع الله بالمقتولين خيرٌ لهم مِن مقامهم في الدنيا، وفي نسخة: «واللهِ» بالجرِّ على القَسَم لتحقيق الرؤيا، ومعنى «خيرٌ» بعد ذلك: على التفاؤل في (١) تأويل الرؤيا، كذا قاله (٢) في «المصابيح» (فَإِذَا هُمُ) أي: البقر (المُؤْمِنُونَ) الذين قُتلوا (يَوْمَ أُحُدٍ) وفي «مغازي أبي الأسود» عن عروة: بقرًا يُذبح (٣)، وبهذه الزيادة يتمُّ التأويل؛ إذ ذَبْحُ البقر هو قتلُ الصحابة بأُحدٍ، وفي حديث ابن عبَّاس عند أبي يَعلى: فأوَّلتُ البقر الذي رأيت بَقْرًا يكون فينا، قال: فكان ذلك مَن أُصيب مِن المسلمين، وقوله: «بَقْرًا» بفتح الموحَّدة وسكون القاف، مصدر بقره يبقره بقرًا، وهو شقُّ البطن، وهذا أحدُ وُجوه التعبير، وهو أن يُشتَقَّ مِن الأمر معنًى يُناسبه، والأَولى أن يكون قولُه: «والله خير» مِن جملة الرؤيا، وأنَّها (٤) كلمةٌ سمعها عند رؤيا البقر، بدليل تأويله لها بقوله ﷺ : (وَإِذَا الخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ مِنَ الخَيْرِ) ولأبي ذرٍّ: «ما جاء الله به من الخير» (وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ) بالمدِّ، أعطانا الله (بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ) بنصبِ دال «بعد» وجرِّ ميم «يوم» أي: من فتح خيبر ثم مكَّة، قال في «الفتح»: ووقع في روايةٍ: «بعدُ» بالضمِّ، أي: بعد أحد، ونصب «يوم» (٥) أي: ما جاءنا الله به بعد بدر الثانية مِن تثبيت قلوب المؤمنين.
وهذا الحديث أخرجه مقطَّعًا في «المغازي» [خ¦٣٩٨٧] [خ¦٤٠٨١] و «التعبير» [خ¦٧٠٣٥] [خ¦٧٠٤١]، ومسلمٌ في «الرؤيا»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
стр. 7040
٣٦٢٣ - ٣٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بنُ أبي زائدةَ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، ابن يحيى المكتب (عَنْ عَامِرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «الشعبي» (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) ﵂ (تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا) بكسر الميم، لأنَّ المراد: الهيئة (مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وكان إذا مشى كأنَّما ينحدَّرُ مِن صَبَب (فَقَالَ) لها (النَّبِيُّ ﷺ : مَرْحَبًا يا ابْنَتِي) بياء النداء في الفرع، وفي «الناصرية»: «يا» حرف نداء «بنتي» بإسقاط الألف، وعلى هامشها: صوابه: «بابنتي» بموحَّدة فألفِ وصلٍ وإسكان الموحَّدة، وكذا هو في «اليونينية»، وظاهر الفرع إلحاق ألف وزيادة نقطة تحت الموحَّدة (ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَو عَنْ شِمَالِهِ) بالشكِّ من الراوي (ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ) قالت عائشة ﵂: (فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ) قالت عائشة ﵂: (فَقُلْتُ) لها (١): (مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ) أي: كفرح اليوم (فَرَحًا) بفتح الراء (أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذرٍّ: «من حَزَن» بفتحهما، قالت عائشة ﵂: (فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ) ﵊ لها (٢) حتى بكت وضحكت.
(فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ) بضمِّ الهمزة (سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) متعلق بمحذوف تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى توفي (فَسَأَلْتُهَا) عن ذلك (فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ: إِنَّ جِبْرِيلَ) بكسر همزة «إن» (كَانَ يُعَارِضُنِي) يُدارسُني (القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولا أَظُنُّه (إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي) فيه: أنَّه استنبط ذلك ممَّا ذكره
стр. 7041
مِن معارضة القرآن مرَّتين، وفي رواية عروة: الجزم بأنَّه ميت مِن وجعه ذلك (وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي) بفتح اللَّام والحاء المهملة (فَبَكَيْتُ) لذلك الذي قاله من حضور أجلي (١)، وأنَّكِ أوَّلُ أهلِ بيتي موتًا بعدي (فَقَالَ) ﵊: (أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ) دخل فيه أخواتُها وأُمُّها وعائشةُ ﵅، قيل: وإنَّما سادتهُنَّ، لأنهنَّ مِتْنَ في حياته ﷺ فكُنَّ في صحيفته، ومات أبوها وهو سيِّد العالمين فكان في صحيفتها وميزانها، وقد روى البزَّار عن عائشة ﵂ أنَّه ﵊ قال: «فاطمةُ خيرُ بناتي، أصيبتْ (٢) بي، فحُقَّ لمن كانتْ هذه حالتُها أنْ تسودَ نساءَ أهلِ الجنَّة». وقد سُئل أبو بكر بن داود: مَن أفضلُ خديجةُ أم فاطمة؟ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ فاطمة بضعة منِّي» فلا أعدل ببضعة (٣) رسول الله ﷺ أحدًا، وحسَّنَ هذا القولَ السُّهيليُّ، واستشهد لصِحَّته: بأنَّ أبا لبابة حين ربطَ نفسَه وحلف ألَّا يحُلَّه إلَّا رسولُ الله ﷺ ، جاءت فاطمةُ لتَحُلَّه، فأبى مِن أجل قَسَمِه، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنَّما فاطمةُ بَضعةٌ منِّي»، فحلَّتْه، وهو تقريرٌ حسنٌ، لكن قوله: لأنهنَّ (٤) مِتْنَ في حياته، منتقضٌ بأنَّ عائشةَ لم تمُتْ في حياته، بل بعدَه في أيَّام معاويةَ بنِ أبي سفيان، وقد يُقال: إنَّ قولَه: (أَوْ) سيدة (نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ) بالشكِّ من الراوي يُضعِفُ الاستدلال بالسابق مع ما يتبادر إليه الذهن مِن أنَّ المراد من لفظ «المؤمنين» غيرُ النبيِّ ﷺ فلا يدخلُ أزواجُه، ودخولُ المتكلِّم في عموم كلامه مختلَفٌ فيه كما لا يخفى (فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ) الذي قاله، وهو: «أَمَا تَرَضَينَ أن تكوني سيِّدةَ نِساءِ أهلِ الجنَّة».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦٦٢٨٥] [خ¦٦٢٨٦] و «فضائل الصحابة (٥)» [خ¦٣٧١٥] [خ¦٣٧١٦]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «الوفاة» و «المناقب».
стр. 7042
٣٦٢٥ - ٣٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، الحجازيُّ المدنيُّ المؤذِّن قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزبيرِ بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فِي شَكْوَاهُ) أي: مرضِه (الَّذِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والأصيليِّ وابن عساكر: «التي» (قُبِضَ فِيهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيها» (١) (فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا، فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ، قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ) لم يقل عروةُ في روايته هذه ما سبق في رواية مسروق فقالت: «ما كنتُ لأُفشي سِرَّ رسول الله ﷺ … » إلى آخره، [خ¦٣٦٢٤] بل قال بعد قوله: فسألتها عن ذلك (فَقَالَتْ) أي: فاطمةُ (سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) بتشديد راء «سارَّني» (فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ) لذلك (ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة وفتح الموحَّدة (فَضَحِكْتُ) لذلك، وقد اتَّفقتِ الروايتان على أنَّ بكاءَها لإعلامه (٢) إيَّاها (٣) بموتِه (٤)، وضمَّ مسروقٌ لذلك كونَها أوَّلَ أهلِه لحاقًا به، واختُلف في سبب ضَحِكِها، ففي رواية مسروق إخباره إيَّاها أنَّها سيدة نساء أهل الجنة، وروايةِ (٥) عروةَ كونُها أوَّلَ أهله لُحوقًا (٦) به، ورجَّح في «الفتح» روايةَ مسروقٍ، لاشتمالها على زيادةٍ ليست في روايةِ عروةَ، وهو من الثِّقاتِ الضابطين.
стр. 7043
ومطابقةُ الحديث للترجمة إخبارُه ﷺ بما سيقع فوقع كما قال، فإنَّهمُ اتَّفقوا على أنَّ فاطمةَ ﵂ كانت أوَّلَ مَن مات من أهل بيته المقدَّس بعدَه حتى مِن أزواجه ﵅.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٣٣] [خ¦٤٤٣٤]، ومسلمٌ في «فضائل فاطمة»، والنَّسائيُّ في «المناقب».
٣٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وبعد الثانية أخرى مفتوحة، ابن البِرِنْد -بكسر الموحَّدة والراء وسكون النون بعدها دال مهملة- ابن النعمان السامي -بالسين المهملة- القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بالموحَّدة المكسورة والمعجمة الساكنة، جعفرِ بنِ أبي وحشيَّةَ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي) أي: يُقَرِّبُ (ابْنَ عَبَّاسٍ) يريد نفسَه، ففيه التفاتٌ (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) الزُّهريُّ (١) لعمرَ: (إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً) بالتنوين (مِثْلَهُ) في السن، فلم تُدْنِهِم؟ (فَقَالَ) عمرُ: (إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ) مِن جهةِ عِلْمِه، ولأبي ذرٍّ: «فقال (٢): إنَّه (٣) مَن كنتَ تَعلَمُ» (فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]) ليريهم علمَه وذكاءَه (فَقَالَ) ابنُ عبَّاس: هو (أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ) اللهُ (إِيَّاهُ، قَالَ) عمرُ لابنِ عبَّاسٍ: (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ) قال العينيُّ: ومطابقةُ هذا الحديثِ للترجمة في قوله: «أعلمَه إيَّاه» أي: أعلمَ النبيُّ ﷺ ابنَ عبَّاسٍ أنَّ هذه السورةَ في أجلِه ﵊، وهو إخبارٌ قبل وقوعه، فوقع كما قال، كذا قال فليُتأمَّل. وفي حديث جابرٍ عند
стр. 7044
الطبرانيِّ (١): لمَّا نزلتْ هذه السورةُ قال النبيٌّ ﷺ لجبريلَ: «نُعِيَتْ إليَّ نفسِي». فقال له جبريل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
وحديثُ الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٤] [خ¦٤٤٣٠] و «التفسير» [خ¦٤٩٦٩] [خ¦٤٩٧٠]، والترمذي في «التفسير» وقال: حسن، وتأتي مباحثه في محالِّها إن شاء الله تعالى.
٣٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنِ حَنْظَلَةَ ابْنُ الغَسِيلِ) المعروفُ بغسيلِ الملائكة قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من الحجرة إلى المسجد (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ) بكسر الميم وفتح الحاء المهملة، مرتديًا بها على منكبيه (قَدْ عَصَّبَ) بتشديد الصاد المهملة في الفرع وأصله، أي: رأسه (بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ) سوداء (حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ، وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ) هو من الإخبار (٢) بالمغيَّبات، فإنَّ الناس كثُروا، وقلَّ الأنصار كما قال ﵊ (حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ المِلْحِ فِي الطَّعَامِ) قال الكِرمانيُّ: وجه التشبيه الإصلاحُ بالقليل دون الإفساد بالكثير، أو كونه قليلًا بالنسبة إلى سائر أجزاء الطعام (فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ) أي: في الذي وليه (قَوْمًا، وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) الحسنة (وَيَتَجَاوَزْ) بالجزم عطفًا على «فليقبلْ» أي: فليعفُ (عَنْ مُسِيئِهِمْ) السيئةَ، أي: في غير الحدود، قال ابن عبَّاس ﵄:
стр. 7045
(فَكَانَ ذلك آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ) أي: بالمنبر، ولأبي ذرٍّ: «فيه» (النَّبِيُّ ﷺ ¬).
وقد مرَّ الحديث في «باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد» من «كتاب الجمعة» [خ¦٩٢٧].
٣٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ آدَمَ) الكوفيُّ صاحبُ الثوريِّ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ) بضمِّ الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاءِ (عَنْ أَبِي مُوسَى) إسرائيلَ بنِ موسى البصريِّ (٢) (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، نُفيع بن الحارث الثقفيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الحَسَنَ) بنَ عليٍّ ﵄ (فَصَعِدَ بِهِ (٣) المِنْبَرَ) بكسر عين «فصعِد» (٤) (فَقَالَ) والحسنُ إلى جنبه وهو يُقبل على الناس مرةً وعليه أخرى: (ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) كفاه شرفًا وفضلًا تسميةُ سيِّدِ البشرِ ﷺ له سيِّدًا، وفيه: أنَّ ابنَ البنتِ يُطلَقُ عليه «ابن»، ولا اعتبار بقول الشاعر:
بَنُونا بنو أبنائِنا وبناتُنا … بنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
نعم، هذا باعتبار الحقيقة، والأول باعتبار المجاز (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) أي: طائفتين، طائفة معاوية بن أبي سفيان، وطائفة الحسن، وكانت أربعين ألفًا بايعوه على الموت، وكان الحسنُ أحقَّ الناس بهذا الأمر، فدعاه ورَعُهُ إلى تَرْكِ المُلْكِ رغبةً فيما عند الله، ولم يكن ذلك لِعِلَّةٍ ولا لقِلَّة، وقوله: «من المسلمين» دليلٌ على أنَّه لم يَخرُج أحدٌ (٥) من الطائفتينِ في تلك الفتنةِ مِنْ قولٍ أو فعلٍ عنِ الإسلام؛ إذ إحدى الطائفتين مصيبةٌ،
стр. 7046
والأُخرى مخطئةٌ مأجورةٌ، وقد اختار السلف ترك الكلام في الفتنة الأولى، وقالوا: تلك دماءٌ طهَّرَ اللهُ منها أيدينا، فلا نُلوِّثُ بها ألسنتَنا.
ومرَّ هذا الحديث في «الصلح» [خ¦٢٧٠٤].
٣٦٣٠ - وبه قال: (حدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنِ دِرهمٍ الجَهْضَميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى) بفتحتين (جَعْفَرًا) هو ابنُ أبي طالبٍ (وَزَيْدًا) هو ابنُ حارثةَ، أي: أخبرَ بقتلِهِما (قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ) أي: خبرُ أهلِ مُؤْتةَ أو خبرُ قَتْلِ جعفرٍ وزيدٍ ومَن قُتِلَ معهما (وَعَيْنَاهُ) ﷺ (تَذْرِفَانِ) بالذال المعجمة وكسر الراء، تسيلان بالدمع، والواو في «وعيناه» للحال.
وهذا الحديث يأتي في «غزوة مؤتة» [خ¦٤٢٦٢] (١) إن شاء الله تعالى.
٣٦٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، وعبَّاس: بالموحَّدة والسين المهملة، أبو عثمانَ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبدُ الرحمن الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بنِ عبدِ الله بنِ الهُدَيرِ -بالتصغير- التيميِّ المدنيِّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) وعن أبيه أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: لجابرٍ ﵁ لمَّا تزوَّج: (هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ؟) بفتح الهمزة وسكون النون آخره طاء مهملة، ضربٌ من البُسط له خمل رقيق، واحدُه نمط، قال جابرٌ ﵁:
стр. 7047
(قُلْتُ: وَأَنَّى) أي: ومِن أين (يَكُونُ لَنَا الأَنْمَاطُ؟ قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (أَمَا) بالتخفيف (إِنَّهُ سَيَكُونُ) ولأبي ذرٍّ: «إنها ستكون» (لَكُمُ الأَنْمَاطُ) قال جابرٌ ﵁: (فَأَنَا أَقُولُ لَهَا، يَعْنِي: امْرَأَتَهُ) سهلة (١) بنتَ مسعود (٢) بنِ أوسِ بنِ مالكٍ الأنصاريَّةَ الأوسيَّةَ كما ذكره ابنُ سعدٍ: (أَخِّرِي) بهمزةٍ مفتوحة فخاء معجمة وراء مكسورتين (عَنَّا أَنْمَاطَكِ) كذا في «الفرع»: «عَنَّا» بفتحتين، وفي «اليونينية» وغيرِها: «عنِّي» بكسر النون فتحتيَّة (فَتَقُولُ) أي: امرأتُه: (أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمُ الأَنْمَاطُ) قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وفي استدلالها على اتخاذِ الأنماط بإخبارِه ﷺ بأنَّها ستكونُ نظر (٣)، لأنَّ الإخبار بأنَّ الشيء سيكونُ لا يقتضي إباحتَه، إلَّا إنِ استند المستدِلُّ به إلى التقرير، فيقول: أخبر الشارع بأنَّه سيكونُ ولم يَنْهَ عنه فكأنَّه أقرَّه، وفي مسلمٍ من حديث عائشة ﵂ قالت: خرج رسولُ الله ﷺ في غَزَاتِه، فأخذتُ نمطًا فسترتُه (٤) على الباب، فلمَّا قَدِمَ فرأى النمط عرفتُ الكراهيةَ في وجهِهِ فجذبَه حتى هتكَه أو قطعَه فقال: «إنَّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين». قالت: فقطعت منه وسادتين فلم يعب ذلك عليَّ، فيُؤخَذُ منه أنَّ الأنماط لا يُكره اتخاذُها لذاتها، بل لِمَا يُصنَع بها (٥). قال جابرٌ: (فَأَدَعُهَا) أي: أتركُ الأنماط بحالها مفروشةً، ويأتي في «النكاح»: «باب الأنماط ونحوه للنساء» [خ¦٥١٦١] إن شاء الله تعالى.
стр. 7048
٣٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بنِ (١) الحُصين (٢) السُّلَمِيُّ السُّرْماريُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بفتح العين في الفرع، وبضمِّها مصغرًا في أصله وهو الصواب (بْنُ مُوسَى) بنِ باذامَ العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بن عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأزديِّ الكوفيِّ أدرك الجاهلية (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) الأنصاريُّ الأشهليُّ من المدينة حالَ كونِه (مُعْتَمِرًا، قَالَ: فَنَزَلَ) حين دخوله مكَّةَ للعمرة (عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ) بالتنوين (أَبِي صَفْوَانَ) هي كُنية أُمَيَّةَ، وكان مِن كِبار المشركين (وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ) للتجارة (فَمَرَّ بِالمَدِينَةِ) طيبةَ، لأنَّها طريقُه (نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ) أي: ابنِ معاذٍ المذكور (فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ) لَمَّا قال له سعدٌ: انظر لي (٤) ساعةَ خلوةٍ لَعَلِّي أنْ أطوفَ بالبيت: (انْتَظِرْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ألا انتظر» بتخفيف اللَّام للاستفتاح (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَغَفَلَ النَّاسُ) فطُف به (انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ) بتاء المتكلِّم المضمومة في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها، أي: قال سعد: فلمَّا غفل الناسُ انطلقتُ فطفتُ، وقال العينيُّ: بالتاء المفتوحة فيهما، لأنَّه خِطاب أميةَ لسعدٍ (فَبَيْنَا) بغير ميم (سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ) له: (أَنَا سَعْدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالكَعْبَةِ)
стр. 7049
حال كونِكَ (آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ؟) بمدِّ همزةِ «آويتم» وقَصْرِها، وفي رواية إبراهيم ابن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ في أوَّلِ «المغازي» [خ¦٣٩٥٠]: «وقد آويتُمُ الصُّباة وزعمتُم أنَّكم تنصرونَهم وتُعينونَهم، أَمَا واللهِ لولا أنَّك مع أبي صفوانَ ما رجعتَ إلى أهلِكَ سالمًا» (فَقَالَ) سعدٌ له: (نَعَمْ) آويناهم (فَتَلَاحَيَا) بالحاء المهملة، أي: تخاصم سعدٌ وأبو جهل وتنازعا (بَيْنَهُمَا، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الحَكَمِ) بفتحتين يريد أبا جهل اللعين (فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي) مكَّةَ (ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ) لأبي جهل: (وَاللهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّأْمِ) وفي رواية إبراهيمَ بن يوسفُ المذكور (١) [خ¦٣٩٥٠] «والله لئن منعتني هذا؛ لأمنعك ما هو أشدُّ عليك منه، طريقك على المدينة» (قَالَ: فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ) أي: على أبي الحكم (وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ) من أُميَّةَ (فَقَالَ) سعدٌ لأُميَّةَ: (دَعْنَا عَنْكَ) أي: اترك محاماتِكَ لأبي جهلٍ (فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ) الخِطابُ لأُميَّةَ، وقال الكِرمانيُّ وتبعه البِرماويُّ: إن الضمير لأبي جهلٍ، أي: أنَّ أبا جهلٍ يقتُل أُميَّةَ، واستُشكِلَ بكون أبي جهلٍ على دين أُميَّةَ فكيف يقتُلُه؟ وأجابَ الكِرمانيُّ وتبعَه البِرماويُّ: بأنَّ أبا جهلٍ كان السبب في خروج أُميَّة إلى بدرٍ حتى قُتِل، فكأنَّه قتَلَه؛ إذِ القتلُ كما يكون مباشرةً قد يكون تسبُّبًا، قال في «الفتح»: وهو فهمٌ عجيبٌ، وإنَّما أراد سعدٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ يقتُلُ أُميَّةَ، ويرُدُّ قولَ الكِرمانيِّ ما في رواية إبراهيم بن يوسف المذكور في أول «المغازي»: أنَّ أُميَّةَ لمَّا رجع إلى امرأته قال (٢): يا أمَّ صفوان أَلَمْ تري ما قال لي سعدٌ؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنَّ محمَّدًا أخبرهم أنَّه قاتلي، ولم يتقدَّم في كلامه لأبي جهلٍ ذِكْرٌ (قَالَ) أُميَّةُ: (إِيَّايَ) يقتلُ؟ (قَالَ) سعدٌ: (نَعَمْ) إيَّاك (قَالَ) أُميَّةُ: (وَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ) قالَه، لأنَّه كان موصوفًا عندَهم بالصدق (فَرَجَعَ) أُميَّةُ (إِلَى امْرَأَتِهِ) صفيةَ بنتِ معمرٍ (فَقَالَ) لها: (أَمَا) بتخفيف الميم (تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي اليَثْرِبِيُّ؟) بالمثلَّثة، نسبة إلى يثرب، وهو اسم طيبةَ قبل الإسلام، وذكره بالأُخُوَّة باعتبار ما كان بينهما مِنَ المؤاخاة في الجاهليَّة (قَالَتْ) صفيَّةُ امرأتُه: (وَمَا قَالَ) لكَ؟ (قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي، قَالَتْ: فَوَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ) بل هو الصادق المصدوق (قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا) أي: أهلُ مكَّة
стр. 7050
(إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الصَّرِيخُ) بالصاد المهملة المفتوحة آخره خاءٌ معجمة، فعيل مِنَ «الصراخ» وهو صوتٌ المستصرخ، أي: المستغيث، قال الزركشيُّ كالسفاقسيِّ: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، لأنَّ الصريخَ جاءَهم فخرجوا إلى بدرٍ، قال البدر (١) الدمامينيُّ: هذا بناءٌ على أنَّ الواو للترتيب، وهو خلافُ مذهب الجمهور، ولو سُلِّمَ فلا نُسَلِّمُ (٢) أنَّ الواو للعطف، وإنَّما هي للحال، وقد مقدَّرة، أي: فلمَّا خرجوا في حال (٣) مجيء الصريخ لهم، فلا تقديم ولا تأخير. وعند ابن إسحاق: أنَّ الصارخ ضمضم بن عمرو الغِفاريُّ، وأنَّه لمَّا وصل إلى مكَّة جدع بعيرَه وحوَّل رَحْلَه وشقَّ قميصه وصرخ: يا معشرَ قريشٍ أموالُكم مع أبي سفيان قد عَرَضَ لها محمَّدٌ، الغوثَ الغوثَ.
(قَالَتْ لَهُ) لأُميَّةَ (امْرَأَتُهُ: أَمَا) بالتخفيف (ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ اليَثْرِبِيُّ؟ قَالَ) سعدٌ (٤): (فَأَرَادَ) أمية (٥) (أَنْ لَا يَخْرُجَ) معهم إلى بدر خوفًا مما قاله (٦) سعد (فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الوَادِي) أي: مكَّة، وفي رواية إبراهيم بن يوسف المذكورة: «فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنَّك متى يراك الناس قد تخلَّفت وأنت سيد أهل الوادي تخلَّفوا معك» (فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ) أي: ثم ارجع إلى مكَّة (فَسَارَ مَعَهُمْ يَوْمَينِ) كذا في الفرع ونسخة البِرْزالي (٧) بإثبات: «يومين» بعد «فسار معهم»، وسقطت من «اليونينية» وفرعها آقبغا والناصرية وغيرِها (٨)، فلم يزل على ذلك حتى وصل المقصد (فَقَتَلَهُ اللهُ) ببدر في وقعتها، كما سيأتي بيان ذلك في محلِّه (٩) إن شاء الله تعالى.
стр. 7051
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «باب ذكر النبيِّ ﷺ مَن يُقتل ببدر» [خ¦٣٩٥٠].
٣٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ شَيْبَةَ) هو عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الملك بنِ محمَّدِ بنِ شيبةَ أبو بكرٍ الحِزاميُّ -بالحاء المهملة المكسورة والزاي- القرشيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أخبرنا» بالخاء المعجمة والجمع (١) في الفرع، وفي «اليونينية»: «أخبرني» بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُغِيرَةِ) ولأبي ذرٍّ: «مغيرة» بدون «ال» القرشيُّ (٢) (عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله الحِزاميِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب (¬﵁¬) وعن أبيه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ) في المنام (مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ) الصديق ﵁، وفي رواية أبي بكر بن سالم عن سالم في «باب مناقب عمر» [خ¦٣٦٨٢]: أنَّ النبي ﷺ قال: «رأيت في المنام أنِّي أنزع بدلو بكرة على قَليب، فجاء أبو بكر» (فَنَزَعَ) بنون فزاي فعين مهملة مفتوحات، أخرجَ الماء من البئر للاستقاء (ذَنُوبًا) بفتح الذال المعجمة، دلوًا مملوءًا ماء (أَوْ ذَنُوبَيْنِ) بالشكِّ للأكثر، وفي رواية همَّام في «التعبير» [خ¦٧٠٢٢]: «ذَنُوْبَين» من غير شكٍّ (وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ) أي: استقائِهِ (ضَعْفٌ) بسكون العين وضم الفاء منوَّنة في الفرع، والذي في أصله: «ضَعُفَ» بضمِّ العين وفتح الفاء (وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ) أي: أنَّه على مهلٍ ورِفقِ، وليس فيه حطٌّ مِن فضيلته، بل هو إشارةٌ إلى ما فُتِحَ في زمانه من الفتوح، وكانت قليلةً لاشتغاله بقِتال (٣) أهل الرِّدَّة مع قِصَرِ مُدَّة خِلافته. وقولُ مَن قال: إنَّ المرادَ الإشارةُ إلى مُدَّةِ خِلافتهِ، قال الحافظ ابنُ حَجَرٍ: فيه نظرٌ، لأنَّه وَلِيَ سنتين وبعضَ سنةٍ، فلو كان ذلك المرادَ؛ لقال: ذنوبين أو ثلاثة،
стр. 7052
ويؤيِّدُه ما وقع في حديثِ ابنِ مسعودٍ في نحو هذه القِصَّة: فقال النبيُّ ﷺ : «فاعبرها يا أبا بكر» فقال: أَلِي الأمرَ مِن بعدِكَ، ثمَّ يليه عمرُ، قال: كذلك عبَّرها المَلك، أخرجه الطبرانيُّ، لكن في إسنادِه أيوب بن جابر، وهو ضعيف (ثُمَّ أَخَذَهَا) أي: الذَّنوب (عُمَرُ) بنُ الخَطَّابِ ﵁ (فَاسْتَحَالَتْ) أي: انقلبتْ (بِيَدِهِ غَرْبًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدَها موحَّدة، دَلْوًا عظيمًا أكبر من الذَّنوب، وفيه إشارةٌ إلى عِظَمِ الفتوح التي كانتْ في زمنه ﵁ وكثرتِها، وكان كذلك (١)، ففتح (٢) الله تعالى عليه من البلاد والأموال والغنائم، ومصَّر الأمصار، ودوَّن الدواوين، لطول مُدَّتِه (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة وفتح القاف وكسر الراء وتشديد التحتيَّة، كاملًا قويًّا سيِّدًا (فِي النَّاسِ يَفْرِي) بفتح التحتيَّة وسكون الفاء وكسر الراء (فَرِيَّهُ) بفتح الفاء وكسر الراء وتشديد التحتيَّة، يعملُ عملَه ويقوى قوَّتَه (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ (٣)) بفتح العين والطاء المهملتين آخره نون، مُناخ الإبل إذا صدرت عن الماء، والعَطَن للإبل كالوطن للناس، لكن غلب على مَبْرَكِها حول الحوض، وقال ابن الأنباريِّ: معناه: حتى رَوَوْا وأَرْوَوا إِبِلَهُم وأَبْرَكُوها وضربوا لها عَطَنًا، أي: لتشرب عَللًا بعد نَهَل، وتستريح فيه، وقال القاضي عِياض: ظاهرُ هذا الحديث أنَّه عائدٌ إلى خلافة عمرَ، وقيل: يعود إلى خلافتهما معًا، لأنَّ أبا بكرٍ جَمَعَ شملَ المسلمين أوَّلًا بدفع أهل الرِّدَّة، وابتدأ الفتوح في زمانه (٤)، ثم عهد إلى عمرَ، فكثُرت في خلافتِه الفتوحُ، واتَّسَعَ أمرُ الإسلام، واستقرتْ قواعدُه (وَقَالَ هَمَّامٌ) هو ابن مُنَبِّه ممَّا وصله في «التعبير» [خ¦٧٠٢٢] من هذا الوجه ومن غيرِه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سمعتُ أبا هريرةَ ﵁» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبَيْنِ) ولأبي ذرٍّ: «ذنوبًا أو ذنوبين». وبقية المباحث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها [خ¦٧٠٢٢].
стр. 7053
٣٦٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ) بالموحَّدة آخره سين مهملة، ابنِ نصرٍ (النَّرْسِيُّ) بنون مفتوحة فراء ساكنة فسين مهملة مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمانَ بنَ طرخانَ التابعيَّ التيميَّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) عبدُ الرحمن النَّهْدِيُّ، بالنون المفتوحة والهاء الساكنة (قَالَ: أُنْبِئْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرتُ (أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ وهذا مرسلٌ، لكن في (١) آخره (٢) أنَّه سمعه مِن أُسامة، فصار مُسندًا متَّصلًا (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ) أمُّ المؤمنينَ (أُمُّ سَلَمَةَ) هندُ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، والجملةُ حاليَّةٌ (فَجَعَلَ) ﵊ (يُحَدِّثُ) رجلًا عندَه (ثُمَّ قَامَ) الرجلُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ) يستفهِمُها عنِ الذي كان يُحدِّثه: هل عرفتِ أنَّه ملَكٌ أم لا؟ (مَنْ هَذَا؟) يستفهِمُ (أَو كَمَا قَالَ) شكَّ الراوي في اللفظ مع بقاء المعنى (قَالَ) أبو عثمان: (قَالَتْ) أمُّ سلمة: (هَذَا دِحْيَةُ) بنُ خليفةَ الكلبيُّ، وكان جبريل ﵇ يأتي كثيرًا في صورته (قَالَتْ (٣) أُمُّ سَلَمَةَ: أَيْمُ اللهِ) بهمزة قطع من غير واو (مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ يُخْبِرُ) بضمِّ التحتيَّة بصيغة المضارع مِنْ أخبر، أي: (عن جِبْرِيلَ) وفي نسخة: «بخَبر جبريل» بالموحَّدة وفتح الخاء، وفي «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٠]: «يُخبر» فِعْلًا مضارعًا «خبرَ جبريل» (أَوْ كَمَا قَالَ).
قال في «الفتح»: ولم أقف في شيءٍ مِنَ الروايات على بيان هذا الخبر في أيِّ قِصَّةٍ، ويَحتملُ أن يكونَ في قِصَّة بني قُريظة، فقد وقع في «الدلائل» للبيهقي: عن عائشة: أنَّها رأتِ النبيَّ ﷺ يُكلِّمُ رجلًا وهو راكبٌ، فلمَّا دخل قلتُ: مَن هذا الرجلُ الذي كنتَ (٤) تُكلِّمُه؟ قال
стр. 7054
«بمن تُشَبِّهينه (١)؟» قلتُ: بدِحيةَ بنِ خليفةَ، قال: «ذاك جبريلُ أمرني أن أمضي إلى بني قريظةَ». انتهى. فليتأمل. (قَالَ) سليمانُ بنُ طرخانَ: (فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ) عبدِ الرحمن النَّهْديِّ: (مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا) الحديث؟ (قَالَ): سمعتُه (مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسولِ الله ﷺ .
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا (٢) في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٠]، ومسلمٌ في «فضائل أم سلمة ﵂».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ.
(٢٦) (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾) خبرُ المبتدأِ الذي هو ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ والضميرُ يعودُ على النبيِّ ﷺ ، أي: يعرفونه معرفةً جليَّةً (﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾) أي: كمعرفتِهِم (٣) أبناءَهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم. وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذِكرٌ، لأنَّ الكلام يدُلُّ عليه ولا يلتبس على السامع، ومثلُ هذا الإضمار فيه (٤) تفخيمٌ وإشعارٌ بأنَّه لشهرته معلومٌ بغير إعلام، وكاف ﴿كَمَا﴾ نصبُ نعتٍ لمصدرٍ محذوفٍ أي: معرفةً كائنةً مثلَ معرفة أبنائهم (﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ﴾) من أهل الكتاب (﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾) محمَّدًا ﷺ (﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]) جملةٌ اسميَّةٌ في موضع نصبٍ على الحال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾ وهذا ظاهرٌ في أنَّ كفرهم كان عِنادًا، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِنَّ فَرِيقاً … ﴾» إلى آخره.
стр. 7055
٣٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الدمشقيُّ الأصل قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام الأعظم الأصبحيُّ ﵀، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أنس» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمرَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ اليَهُودَ جَاؤُوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ) من اليهود لم يُسَمَّ (وَامْرَأَةً) منهم أيضًا (زَنَيَا) واسمُ المرأةِ: بُسْرة، بضمِّ الموحَّدة وسكون السين المهملة، وذكر أبو داود السبب في ذلك من طريق الزُّهريِّ: سمعتُ رجلًا من مزينة ممَّن يتَّبع العلم، وكان عند سعيد بن المسيَّب يحدِّث عن أبي هريرة قال: «زنى رجلٌ مِنَ اليهود بامرأة، فقال بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى هذا النبيِّ، فإنَّه بُعِثَ -بالتخفيف - فإنْ أفتانا بفُتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبيٍّ من أنبيائك، قال: فأتوا النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟» (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ليلزمهم ما يعتقدون (١) في كتابهم: (مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟) في حكمه، ولعلَّه أُوحِيَ إليه أنَّ حكمَ الرجم فيها ثابتٌ على ما شرع لهم (٢) لم يلحقه تبديل (فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ) بفتح النون والضاد المعجمة بينهما فاء ساكنة، من الفضيحة، أي: نكشف مساويهم للناس ونُبيِّنُها (وَيُجْلَدُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، الخزرجيُّ من بني يوسف بن
стр. 7056
يعقوب ﵉، وشهد له النبي ﷺ بالجنَّة: (كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ) أي: على الزاني المُحصَن، ولأبي ذرٍّ: «للرجم» بلام الابتداء (فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ) بفتح الهمزة والفوقيَّة (فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ) هو عبدُ الله بنُ صُوْريَا الأعور (يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا) أي: اليهود: (صَدَقَ) ابنُ سلام (يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا) في التوراة (آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا) بالزانيينِ (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا) وفي حديث جابرٍ عند أبي داود: «فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعةٌ، فشهدوا أنَّهم رأَوا ذكره في فرجها مثل المِرْود في المَكحُلة، فأَمر بهما فرُجما» (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمرَ بنِ الخطَّاب: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ) بالجيم الساكنة والهمزة آخره، أي: يكب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يَحنِي (١)» بالحاء المهملة وكسر النون من غير همز، أي: يعطف (عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ) ومباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الحدود» [خ¦٦٨٤١] بعون الله وقوَّته.
وقد (٢) أخرجه في «المُحَارَبِيْنَ» [خ¦٦٨٤١]، ومسلمٌ (٣) في «الحدود»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الرجم».
(٢٧) (بَابُ سُؤَالِ المُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً) أي: معجزة خارقة للعادة (فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ).
стр. 7057
٣٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتيَّة الساكنة حاء مهملة، عبدِ الله بنِ يسارٍ المكيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جَبْرٍ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، عبدِ الله بنِ سَخْبَرة الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أي: زمنه وفي أيامه (شِقَّتَيْنِ) بكسر الشين وتُفتَح، أي: نصفين، وزاد أبو نُعيم في «الدلائل» من طريق عُتبة بن عبد الله: قال ابن مسعود: «فلقد رأيتُ أَحَدَ شِقَّيه على الجبل الذي بمِنى ونحن بمكَّة» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اشْهَدُوا) من الشهادة، وإنَّما قال ذلك، لأنَّها معجزةٌ عظيمةٌ لا يكاد يعدلِها شيءٌ مِن آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التفسير» [خ¦٤٨٦٤] [خ¦٤٨٦٥]، ومسلمٌ في «التوبة»، والتِّرمذيُّ في «التفسير»، وكذا النَّسائيُّ.
٣٦٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بنُ محمَّدٍ المؤدِّبُ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرحمن النَّحْويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن مالك» وسقط الترضي أيضًا في (١) «اليونينية». قال المؤلِّف (٢). (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بنُ خيَّاط: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزاي
стр. 7058
وفتح الراء، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَروبةَ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) زاد في «اليونينية»: «ابن مالك ﵁» (أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ) زاد في رواية له في «الصحيحين» [خ¦٣٨٦٨]: «شِقَّينِ حتَّى رأَوا حِراءَ بينهما» وأنسٌ لم يحضُرْ ذلك، لأنَّه كان ابنَ أربعِ سنين (١) أو خمسٍ بالمدينة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التفسير» [خ¦٤٨٦٧].
٣٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (خَلَفُ بْنُ خَالِدٍ القُرَشِيُّ) مولاهم أبو المهنا أو أبو المضاء (٢) قال: (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بميم مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فراء، القرشيُّ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بنِ شُرحبيلَ بنِ حسنةَ القرشيِّ (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين وتخفيف الراء وبعد الألف كاف، الغِفاريِّ المدنيِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بنِ عُتبةَ (بْنِ مَسْعُودٍ) أحد الفقهاء السبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ القَمَرَ انْشَقَّ) وفي رواية عن ابن عبَّاس عند أبي نُعيم في «الدلائل» و «الفضائل»: «فصار قمرين» (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وابنُ عبَّاسٍ أيضًا لم يحضُرْ ذلك، لأنَّه كان بمكَّة قبل الهجرة بنحو خمسِ سنين، وكان ابنُ عبَّاس إذ ذاك لم يُولد، لكن في بعضِ الطرقِ أنَّه حمل الحديث عنِ ابن مسعودٍ، وانشقاقُ القمرِ مِن أُمَّهاتِ المعجزات، وأجمع عليه المفسِّرونَ وأهلُ السُّنَّةِ، ورُوِيَ عن جماعةٍ كثيرةٍ من الصحابة.
стр. 7059
٣٦٣٩ - وبه قال (١): (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» وفي نسخة وهي التي في «اليونينية»: «باب» بالتنوين من غير ترجمة «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامُ بنُ عبد الله الدَّستَُوائيُّ (٢) (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ولأبي ذرٍّ: «عن أنس» (¬﵁: أَنَّ رَجُلَيْنِ) أُسيد بن الحُضير وعبَّاد بن بِشْر (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) بكسر اللَّام (وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ، يُضِيئانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا) إكرامًا لهما وإظهارًا لسِرِّ قوله: «بَشِّرِ المشَّائينَ في الظُّلَمِ للمساجد بالنورِ التامِّ يومَ القيامة» فجعل (٣) لهما ممَّا ادخر في الآخرة (فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) نورٌ (وَاحِدٌ) يُضيءُ له (حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ) وعند عبد الرزاق في «مصنفه»: «أنَّ أُسيد بن حُضير ورجلًا من الأنصار تحدَّثا عند رسول الله ﷺ حتى ذهب مِنَ الليل ساعة في ليلة شديدة الظُّلمة، ثم خرجا وفي يد كلِّ واحد منهما عصية، فأضاءتْ عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئِها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءتْ عصا الآخر، فمشى كلُّ واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله».
وأخرج البخاريُّ في «تاريخه»: عن حمزةَ الأسلميِّ قال: «كنَّا عند (٤) النبيِّ ﷺ في سفر، فتفرَّقنا في ليلة ظلماء، فأضاءَتْ أصابعي حتى جمعوا عليها ظَهْرهم وما هلك منهم وإنَّ أصابعي لتنير» ويأتي مزيدٌ لِمَا ذكرته هنا في «مناقب أُسيد وعبَّاد» [خ¦٣٨٠٥] إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته.
٣٦٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أبي الأسودِ، واسمُ أبي الأسودِ: حميدُ بنُ (٥) الأسودِ البصريُّ، وهو ابنُ أختِ عبدِ الرحمن بنِ مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى)
стр. 7060
بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بنِ أبي خالدٍ البَجليِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازِمٍ قال: (سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَزَالُ) بالمثنَّاة التحتيَّة (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ) زاد مسلمٌ عن ثوبان: «على الحقِّ» وله أيضًا من حديث جابرٍ (١): «يقاتلون على الحق ظاهرين» (حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ) وفي حديث جابرِ بن سَمُرة عند مسلمٍ: «حتى تأتيهم الساعة» (وَهُمْ ظَاهِرُونَ) أي: غالبونَ مَن خالفَهم، وقال النوويُّ: أمرُ الله: هو الريحُ الذي يأتي فيأخُذُ روحَ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، واستدلَّ به أكثرُ الحنابلةِ وبعضٌ مِن غيرِهم: على أنَّه لا يجوزُ خلوُّ الزمان عن المجتهدِ، وعورِضَ بحديثِ ابنِ عمرَ المرويِّ في «البخاري» وغيرِه مرفوعًا [خ¦٧٣٠٧]: «إنَّ الله لا ينزع (٢) العلمَ بعدَ أنْ أعطاهموهُ انتزاعًا، ولكن ينتزِعه منهم مع قبضِ العلماء بعلمِهم، فيبقى (٣) ناسٌ جُهَّالٌ يُستَفْتَون فيُفْتُون برأيِهِم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون» إذ فيه دلالةٌ على جوازِ خلوِّ الزمان عن مجتهدٍ، وهو قولُ الجمهور، لأنَّه صريحٌ في رفع العلم بقبض العلماء وترئيس الجُهَّال، وإذا انتفى العلمُ ومَن يحكم به، استلزم انتفاءُ الاجتهاد والمجتهد.
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٣١١] و «التوحيد» [خ¦٧٤٥٩]، ومسلمٌ في «الجهاد».
٣٦٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بنُ مسلمٍ القرشيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَابِرٍ) هو عبدُ الرحمن بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ الأزديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، و «هانئ»: بالنون بعد الألف آخره
стр. 7061
همزة، الشامي (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ) بنَ أبي سفيانَ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ) قال التُّوربشتيُّ: الأُمَّةُ القائمة بأمر الله وإن اختلف فيها، فإنَّ القصد بها الفئة المرابطة في ثغور الشام، نصر الله بهم وجه الإسلام، لِمَا في قوله بعدُ: «وهم بالشام» (لَا يَضُرُّهُمْ) كلَّ الضرر (مَنْ خَذَلَهُمْ) بالذال المعجمة (وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ) إذ العاقبةُ للمتقين (حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) وفي حديث عقبةَ بنِ عامرٍ: «لا تزال عصابةٌ من أُمَّتي يُقاتلون على أمر الله قاهرينَ لعدوِّهم لا يضرُّهم مَن خالفهم حتى تأتيَهُمُ الساعة» (قَالَ عُمَيْرٌ) أي: ابنُ هانئٍ بالسند السابق: (فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ) بضمِّ التحتيَّة وفتح (١) المعجمة المخففة وكسر الميم بعدَها راء، السَّكْسَكيُّ الحِمصيُّ التابعيُّ الكبير: (قَالَ مُعَاذٌ) هو (٢) ابنُ جَبَلٍ: (وَهُمْ) أي: الأُمَّة القائمة بأمر الله مُقيمون (بِالشَّأْمِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيانَ: (هَذَا مَالِكٌ) يعني: ابن يُخامِر (يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ (٣) بِالشَّأْمِ) وفي حديث أبي هريرةَ في «الأوسط» للطبرانيِّ: «يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولَه، لا يضرُّهم مَن خذلَهم ظاهرين إلى يوم القيامة».
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التوحيد» [خ¦٧٤٦٠]، ومسلمٌ في «الجهاد».
стр. 7062
٣٦٤٢ - ٣٦٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا) والذي في «اليونينية»: «أخبرنا» (سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ قال: (حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحَّدة الأُولى وسكون التحتيَّة، و «غَرْقَدة» بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف والدال المهملة، السُّلَمِيُّ الكوفيُّ أحدُ التابعين (قَالَ: سَمِعْتُ الحَيَّ) بالحاء المهملة المفتوحة والتحتيَّة المشدَّدة، أي: القبيلة التي أنا فيها، وهم البارقيون، نسبوا إلى بارقٍ جبلٌ باليمن نزله بنو سعد بن عَدي بن حارثة فنسبوا إليه، ومقتضاه: أنَّه سمعه من جماعةٍ أقلُّهم ثلاثة (يُحَدِّثُونَ) ولأبي ذرٍّ: «يَتحدَّثون» بفتح التحتية وزيادة فوقيَّة وفتح الدال (عَنْ عُرْوَةَ) بن الجَعْد، ويقال: ابن أبي الجَعْد، وقيل: اسم أبيه: عياض البارقي -بالموحَّدة والقاف- الصحابيُّ الكوفيُّ، وهو أوَّل قاضٍ بها، وقال الحافظ أبو ذرٍّ ممَّا في هامش «اليونينية»: «عروة هو البارقي ﵁».
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ) بالدينار (شَاتَيْنِ) ولأحمدَ من رواية أبي لبيد عن عروة قال: عرض للنبي ﷺ جَلَبٌ فأعطاني دينارًا فقال: «أي عروة ائتِ الجلب فاشتر لنا شاة» قال: فأتيتُ الجلب فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار (فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا) أي: إحدى الشاتين (بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فجاءه» بالفاء بدل الواو (بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا) ﵊ (لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ) في رواية أحمد: فقال: «اللهم بارك له في صفقته» (وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ) ولأحمدَ: قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي.
(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالسند السابق: (كَانَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، البَجليُّ مولاهم الكوفيُّ قاضي بغداد في زمن المنصور ثاني خلفاء بني العبَّاس، وهو أحد الفقهاء المتَّفق على ضعفِ حديثهم، وفي «التهذيب»: قال محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي: قال شعبة: أتيت جرير بن حازم فقلت (١) له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عُمارة فإنَّه يكذب، وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لابن المبارك: لم تركت أحاديث الحسن بن عُمارة؟ قال: جرحه عندي سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، فبقولهما تركت حديثه، وقال أحمد ابن حنبل: منكر الحديث وأحاديثه موضوعة لا يثبت حديثه، وقال ابن
стр. 7063
حبان: كان يدلس على الثقات ما سمعه من الضعفاء عنهم، وبالجملة فهو متروك، لكن ليس له في «البخاري» إلَّا هذا الموضع (جَاءَنَا بِهَذَا الحَدِيثِ) المذكور (عَنْهُ) أي: عن شبيب بن غَرقَدة (قَالَ) أي: الحسن بن عمارة المذكور: (سَمِعَهُ) أي: الحديث (شَبِيبٌ مِنْ عُرْوَةَ) البارقيُّ، قال سفيانُ بنُ عُيينةَ: (فَأَتَيْتُهُ) أي: شبيبًا (فَقَالَ شَبِيبٌ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ) أي: الحديث (مِنْ عُرْوَةَ) البارقيِّ، بل (قَالَ) أي: شبيبٌ (سَمِعْتُ الحَيَّ) البارقيين (يُخْبِرُونَهُ) أي: بالحديث (عَنْهُ) أي: عن عروة.
وتمسَّك بهذا الحديث من جَوَّز بيع الفضولي، ووجه الدلالة منه (١) كما قال ابن الرِّفْعَة: أنَّه باع الشاة الثانية من غير إذن، وأقرَّه ﵊ على ذلك، وهو مذهب مالكٍ في المشهور عنه وأبي حنيفة، وبه قال الشافعيُّ في القديم، فينعقدُ البيعُ، وهو موقوفٌ على إجازة المالك فإن أجازه نفذَ، وإن ردَّه لغا، وممَّن حكى هذا القول من العراقيِّينَ المَحامليُّ في «اللباب». وعلَّق الشافعيُّ في «البويطي» صِحَّتَه على صِحَّة الحديث، فقال في آخر «باب الغصب»: إن صح حديثُ عروةَ البارقي فكلُّ مَن باع أوأعتق مُلْكَ غيرِه بغير إذنه ثم رضيَ، فالبيعُ والعِتقُ جائزان، هذا لفظه، ونقل البيهقيُّ أنَّه علَّقه أيضًا على صحَّته في «الأم». والمذهبُ: أنَّه باطل، وهو الجديدُ الذي لا يعرف العراقيُّونَ غيرَه على ما حكاه الإمام ومَن تابعه، لحديث حكيم بنِ حِزامٍ: «لا تَبِعْ ما ليس عندك» وحديث واثلةَ بن عامر: «لا تبع ما لا تملك»، وأجابوا عن حديث الباب على تقدير صحَّتِه باحتمال أن يكون عروةُ وكيلًا في البيع والشراء معًا، وبأنَّ البخاري أشار بقوله: «قال سفيان: كان الحسن … » إلى آخره إلى بيان ضعف روايتِه، أي: الحسن، وأنَّ شبيبًا لم يسمع الحديث من عروةَ، وإنَّما سمعَه مِن الحي البارقيين -ولم يسمِّهم (٢) - عن عروة، فالحديث بهذا ضعيف للجهل بحالهم، وأجيب بأنَّ شبيبًا لا يروي إلَّا عن عدل، فلا بأس به، وبأنَّه أراد نقلَه
стр. 7064
بوجهٍ آكد؛ إذ فيه إشعارٌ بأنَّه لم يسمع من رجل فقط، بل مِن جماعةٍ متعدِّدة رُبَّما يُفيد خبرُهم القطع به، وأمَّا الحسن بن عُمارة وإن كان متروكًا، فإنَّه ما أثبت شيئًا بقوله من هذا الحديث، وبأنَّ الحديث قد وُجِد له متابعٌ عند الإمام أحمدَ وأبي داود والترمذيُّ وابن ماجه من طريق سعيد بن زيد، عن الزبير بن الخِرِّيت -بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبعدها تحتيَّة ساكنة ثم فوقيَّة- عن أبي لبيد -واسمه لِمَازة بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي- ابن زَبَّاز -بفتح الزاي وتشديد الموحَّدة آخره زاي- الأزديِّ الصدوق قال: حدثني عروةُ البارقي … فذكر الحديث بمعناه. (وَلَكِنْ) أي: قال شبيبُ بن غَرقَدة: لم أسمعِ الحديثَ السابق من عروة البارقي، ولكن (سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الخَيْرُ مَعْقُودٌ) أي: لازم (بِنَوَاصِي الخَيْلِ) الغازية في سبيل الله (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وفيه تفضيل الخيل على سائر الدواب (قَالَ) أي: شبيبٌ بالسند السابق: (وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ) أي: دار عروةَ (سَبْعِينَ فَرَسًا قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالسند السابق: (يَشْتَرِي) بفتح أوَّلِه وكسر الراء، أي: عروة البارقي (لَهُ) أي: لرسول الله ﷺ (شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ) والظاهر أنَّ قوله: «كأنَّها أُضحية» من قول سفيان أدرجه فيه، وكذا قال في «الفتح» ولم أرَ في شيء من طرق الحديث أنَّه أراد أضحيَّة، وقد بالغ أبو الحسن بن القطان في «كتاب بيان الوهم» في الإنكار على من زعم أنَّ البخاري أخرج حديث شراء الشاة محتجًّا به، وقال: إنَّما أخرج حديث الخيل وانجرَّ به سياق القِصَّة إلى تخريج حديث الشاة، قال في «الفتح»: وهو كما قال، لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجَه، ولا ما يَحُطُّه عن شرطه، لأنَّ الحيَّ يمتنعُ في العادة تواطؤهم على الكذب، لاسيما وقد ورد ما يعضُدُه، ولأنَّ الغرض منه الذي (١) يدخل في علامات النبوَّة دعاؤُه ﷺ لعُروة، فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب ربح فيه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذيُّ في «البيوع»، وابن ماجه في «الأحكام».
٣٦٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهَد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ
стр. 7065
عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابنِ عمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ الخطَّاب أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا) ولأبي ذرٍّ: «معقود في نواصيها» (الخَيْرُ) قال الخطَّابيُّ: كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس، يقال: فلان مباركُ الناصية ومبارك (١) الغرة، أي: الذات (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) قال القاضي عياض: فيه من (٢) البلاغة والعذوبة ما لا مَزِيدَ عليه في الحُسن مع الجِناس بين الخيل والخير، وسبق هذا الحديث في «الجهاد» [خ¦٢٨٤٩].
٣٦٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) الدارميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهجيميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح الفوقيَّة والتحتيَّة المشدَّدة آخره حاء مهملة، اسمه: يزيد بن حميد، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالك» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ) ولم (٣) يقل إلى يوم القيامة، وهذا الحديث رواه في «الجهاد» [خ¦٢٨٥١] من طريق مسدَّد عن يحيى عن شعبة عن أبي التَّيَّاحِ بلفظ: «البركة في نواصي الخيل».
стр. 7066
٣٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمامِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ) إِثْمٌ (فَأَمَّا) الرجل (الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا) للجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) (فَأَطَالَ لَهَا) في الحبل الذي ربطها به حتى تَسْرَحَ للرعيِ (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم، أي: موضع الكلأ (أَوْ رَوْضَةٍ) بالشكِّ (وَمَا) بالواو، ولأبي ذر: «فما» (أَصَابَتْ) من أكل أو شرب أو مشي (١) (فِي طِيَلِهَا) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتيَّة، أي: حبلها المربوطة فيه (مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ) أي: لصاحبها (حَسَنَاتٍ) يوم القيامة (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا) حبلها المذكور (فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقيَّة وتشديد النون، عَدَتْ بمرحٍ ونشاط (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء فيهما، أي: شوطًا أو شوطين، فبعُدَت عنِ الموضع الذي ربطها صاحبُها فيه ترعى، ورعتْ في غيرِه (كَانَتْ أَرْوَاثُهَا) بالمثلَّثة (حَسَنَاتٍ لَهُ) أي: لصاحبها في الآخرة (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ) أي: منه بغير قصْدِه (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ) الشربُ وعدم (٢) الإرادة (لَهُ حَسَنَاتٍ، وَ) أمَّا الذي هي له سِترٌ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا) بفتح الغين (٣) المعجمة وتشديد النون المكسورة، أي: استغناء عن الناس (وَتَسَتُّرًا) بفوقيَّة مفتوحة قبل المهملة في الفرع وغيره، وفي «اليونينية» وغيرها: «وسترًا» بإسقاط الفوقيَّة (وَتَعَفُّفًا) عن سؤالهم (لَمْ) ولأبي ذرِّ: «ولم» (يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا) بأنْ يؤدِّيَ زكاة تجارتها (وَظُهُورِهَا) بأنْ يَرْكب عليها في سبيل الله (فَهِيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ) تقيه مِنَ الفاقة (وَ) أمَّا الذي هي عليه وِزرٌ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) لأجل الفخر (وَرِيَاءً) أي: إظهارًا للطاعة، والباطنُ بخلافه (وَنِوَاءً) بكسر النون وفتح الواو ممدودًا، أي: عداوة (لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ) عليه (٤) (وِزْرٌ)، أي: له.
(وَسُئِلَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) هل لها حكم الخيل؟ (فَقَالَ:
стр. 7067
مَا أُنْزِلَ) وفي هامش (١) «اليونينية» بغير عَزْوٍ (٢): «ما أنزل اللهُ» (عَلَيَّ فِيهَا) شيء (٣) (إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ) لكلِّ خيرٍ وشرّ (الفَاذَّةُ) بالفاء والذال المعجمة المشدَّدة، أي: القليلة المثل المنفردة في معناها. (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]).
وهذا الحديث قد مرَّ في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٠].
٣٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرينَ، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: صَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بتشديد الموحَّدة بعد الصاد المهملة (خَيْبَرَ بُكْرَةً وَقَدْ خَرَجُوا بِالمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ) أي: الجيش وسُمِّي به، لأنَّه خمسةُ أقسامٍ: الميمنة والميسرة والمقدمة والسَّاقة والقلب (وَأَحَالُوا) بالحاء المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأجالوا» «بالفاء» بدل: «الواو»، و «بالجيم» بدل: «الحاء»، (إِلَى الحِصْنِ) أي: أقبلوا إلى الحصن هاربين حالَ كونِهِم (يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ) بالتثنية (وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ) أي: ستخرَبُ (خَيْبَرُ) في توجُّهِنا إليها (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ) وقد مرَّ هذا الحديث في «الجهاد» [خ¦٢٩٤٥] [خ¦٢٩٩١].
стр. 7068
٣٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الفُدَيْكِ) بضمِّ الفاء وفتح الدال المهملة وسكون التحتيَّة آخرُه كاف، محمَّدُ بنُ إسماعيلَ، واسمُ «أبي فديك» دِينارٌ الديلميُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة، سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا) صفةٌ لـ «حديثًا» لأنَّه اسمُ جنسٍ يتناول القليلَ والكثير (فَأَنْسَاهُ) صفةٌ ثانيةٌ، والنسيانُ: زوال علم سابق عن (١) الحافظة والمدركة (قَالَ ﷺ : ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطْتُه (٢)) أي: لمَّا قال: ابسط، امتثلتُ أمرَه فبسطتُه، وإلَّا فيلزم منه عطفُ الخبر على الإنشاء، وهو مختلَفٌ فيه، ولغير أبي ذر: «فبسطتُ» بإسقاط الضمير المنصوب (فَغَرَفَ) ﵊ (بِيَدِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «بيديه» (فِيهِ) فجعل الحفظ كالشيء الذي يُغرف منه، ورمى به في رِدائِه، ومثَّل لذلك في عالم الحِسِّ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي هريرةَ: (ضُمَّهُ) قال: (فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ حَدِيثًا بَعْدُ) بالضمِّ لقطعه عن الإضافة، وقد مرَّ الحديث في «كتاب العلم» [خ¦١١٩].
стр. 7069
((٦٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم. بَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط «الباب» لأبي ذرٍّ، فما بعدَه رفعٌ (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) (١) في زمن نبوته ولو ساعة (أَوْ رَآهُ) في حال حياته ولو لحظةً مع زوال المانع مِنَ الرؤية كالعمى، حالَ كونِه في (٢) وقت الصحبة أو الرؤية (مِنَ المُسْلِمِينَ) العقلاء ولو أنثى أو عبدًا أو غيرَ بالغ أو جِنِّيًّا أو مَلَكًا على القول ببعثته إلى الملائكة (فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) خبرُ المبتدأِ الذي هو «مَنْ» الموصول، و «صحب» (٣) صِلَتُه، ودخول الفاء في «فهو» لتضمُّنِ المبتدأ (٤) معنى الشرط، و «أو» في قوله: «أو رآه» للتقسيم، والضمير المنصوب للنبيِّ ﷺ ، أو (٥) للصاحب، والاكتفاء بمجرَّدِ الرؤيةِ مِن غير مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة مذهبُ الجمهور مِنَ المحدِّثين والأصوليِّينَ؛ لشرف منزلتِهِ ﷺ ، فإنَّه كما صرَّح به غيرُ واحدٍ إذا رآه مسلمٌ أو رأى مسلمًا لحظةً طُبِعَ قلبُه على الاستقامة، إذ إنَّه بإسلامه مُتهيِّئٌ للقبول، فإذا قابل ذلك النور المحمَّديَّ أشرق عليه فظهر أثرُه في قلبه وعلى جوارحه، والصحبةُ لغةً: تتناول ساعة فأكثر (٦)، وأهلُ الحديث -كما قال النوويُّ- قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وَفق اللغة، وإليه ذهب الآمدي واختاره ابنُ الحاجب، فلو حلف لا يصحَبُه حَنِثَ بلحظةٍ، وعدَّ في «الإصابة» مَن حضر معه ﵊ حجَّة الوداع من أهل مكَّة والمدينة والطائف وما بينهما من الأعراب، وكانوا
стр. 7070
أربعين ألفًا؛ لحصول (١) رؤيتِهِم له ﷺ وإن لم يرهم هو، بل ومن (٢) كان مؤمنًا به (٣) زمن الإسراء إن ثبت أنَّه ﵊ كُشِفَ له في ليلته عن جميع مَن في الأرض فرآه وإن لم يلقه؛ لحصول الرؤية مِن جانبه ﷺ ، وهذا كغيرهِ يَرُدُّ على ما قاله صاحب «المصابيح»: ليس الضميرُ المستتر في قول البخاري: «أو رآه» يعود على النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون مَن وقع عليه بصرُ النبيِّ ﷺ صحابيًّا، وإن لم يكن هو قد وقع بصرُه على النبيِّ ﷺ (٤)، ولا قائلَ به. انتهى. وأمَّا ابنُ أمِّ مكتوم وغيرُه ممَّن كان من الصحابة أعمى فيدخل في قوله: «ومَن صحب»، وكذا في قوله (٥): «أو رآه النبي ﷺ » على (٦) ما لا يخفى، وقول الحافظ الزين العراقي في «شرح ألفيته»: إن في دخول الأعمى الذي جاء إليه ﷺ (٧) ولم يصحبه ولم يجالسه في قول البخاري في «صحيحه»: «مَن صحب النبيَّ ﷺ ورآه (٨)» نظرٌ، ظاهرُه أنَّ في نسختِه التي وقف عليها: «ورآه» بواو العطف من غير ألف، فيكون التعريف مركَّبًا من الصحبة والرؤية معًا، فلا يدخل الأعمى كما قال، لكن في جميع ما وقفتُ عليه من الأصول المعتمدة: «أو» التي للتقسيم، وهو الظاهر، لا سيما وقد صرَّح غيرُ واحدٍ بأنَّ البخاريَّ تَبِعَ في هذا التعريف شيخهَ ابنَ (٩) المدينيِّ، والمنقولُ عنه «أو» بالألف، وأمَّا الصغير الذي لا يميِّز كعبدِ الله بن الحارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ ممَّن حنَّكَه ﷺ أو دعا (١٠) له، ومحمَّد بن أبي بكر الصديق المولود قبل وفاته ﷺ بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصحَّ (١١)
стр. 7071
نسبةُ (١) الرؤية إليه صحابيٌّ؛ مِن حيثُ إنَّ النبيَّ ﷺ رآه كما مشى عليه غيرُ واحدٍ ممَّن (٢) صنَّفَ في الصحابة، وأحاديثُ هؤلاء مِن قَبيل مراسيل كبار التابعين، ثم إنَّ التقييد بالإسلام يُخرِجُ من رآه في حال الكفر فليس بصاحبٍ على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر، وإنْ أخرج له الإمامُ أحمدُ في «مسنده»، وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف: ومات على الإسلام؛ ليُخرج مَنِ ارتدَّ بعد أنْ رآه مؤمنًا ومات على الرِّدَّة؛ كابن خَطَل (٣)، فلا يُسَمَّى صحابيًّا، بخلافِ مَنْ مات بعد رِدَّتِه مُسلمًا في حياتِه ﷺ أو بعدَه (٤) سواء لقيه ثانيًا أم لا.
وتُعقِّب بأنَّه يسمَّى قبل الرِّدَّة صحابيًّا، ويكفي ذلك في صِحَّة التعريف؛ إذْ لا يُشترط فيه الاحتراز عن المُنافي العارض (٥)، ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردَّة العارضة لبعض أفراده، فمَن زاد في التعريف أراد تعريف مَن يُسمَّى صحابيًّا بعد انقراض الصحابة لا مطلقًا، وإلَّا لزمه ألَّا يسمَّى الشخصُ صحابيًّا (٦) في حال حياته، ولا يقولُ بهذا أحد كذا قرره الجلال المحليِّ، لكن انتَزَع بعضُهم من قول الأشعريِّ: أنَّ مَن مات مرتدًّا تبيَّن أنَّه لم يزل كافرًا -لأنَّ الاعتبار بالخاتمة- صِحَّةَ إخراجِه؛ فإنَّه يصحُّ أن يُقال: لم يَرَهُ مؤمنًا، لكن في هذا الانتزاع نظرٌ؛ لأنَّه حين رؤياه (٧) كان مؤمنًا في الظاهر، وعليه مدارُ الحكمِ الشرعيِّ فيُسمَّى صحابيًّا. قاله شيخُنا في «فتح المغيث».
стр. 7072
٣٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دِينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ الصحابيَّ بن الصحابيِّ ﵄ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ) سعدُ بن مالكٍ الأنصاريُّ (الخُدْرِيُّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ) بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة فألف فميم، أي: جماعة (مِنَ النَّاسِ) لا واحد له من لفظه، قال الجوهري في «صحاحه»: والعامَّة تقول: فيام بلا همز، قال المحقِّق البدر الدمامينيُّ في «مصابيحه»: لا حرج عليهم في ذلك ولا يُعَدَّون به (١) لاحنينَ؛ فإنَّ تخفيف الهمزة في مثله بقلب حركِتها حرفًا مجانسًا لحركةِ ما قبلَها عربيٌّ فصيحٌ، وهو قياسٌ، وغايةُ الأمر أنَّهمُ التزموا التخفيف فيه وهو غيرُ ممتنعٍ. (فَيَقُولُونَ) أي: الذين يغزون لهم: (فِيكُمْ) بحذف أداة الاستفهام (مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟) بفتح ميم «مَن» (فَيَقُولُونَ) لهم: (نَعَمْ) فينا مَن صاحَبه (فَيُفْتَحُ لَهُمْ) بضمِّ التحتيَّة وفتح الفوقيَّة (ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ) لهم: (هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بفتح حاء «صاحَب» في الموضعين (٢)، كميمِ «مَن»؛ وهو التابعيُّ (فَيَقُولُونَ) لهم: (نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ) لهم: (هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بفتح الحاء مِن «صاحَب» في الموضعين، كميمِ «مَن»، والمراد: أتباعُ التابعين (فَيَقُولُونَ) لهم: (نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ).
وهذا الحديث قد مرَّ قريبًا في «علامات النبوة» [خ¦٣٥٩٤] وقبله في «الجهاد» [خ¦٢٨٩٧].
стр. 7073
٣٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميلٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بجيم مفتوحة وميم ساكنة فراء، نصرِ بنِ عِمران الضُّبعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثم ميم، و «مُضَرِّب»: بضمِّ الميم وفتح الضاد المعجمة (١) وكسر الراء المشدَّدة وبعدها موحَّدة، الجَرْميَّ بفتح الجيم، قال: (سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين (¬﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَيْرُ أُمَّتِي) أهلُ (قَرْنِي) بفتح القاف، والقرنُ: أهلُ زمانٍ واحدٍ متقارِبٍ اشتركوا في أمرٍ من الأمور المقصودة، ويطلق على مدَّةٍ من الزمان، واختُلِفَ في تحديدها من عشرة أعوام إلى مئة وعشرين، والمراد بهم هنا: الصحابة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي: يقربون منهم؛ وهم التابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباعُ التابعين، وهذا صريح في أنَّ الصحابة أفضلُ مِنَ التابعين، وأنَّ التابعين أفضلُ مِنْ تابعي التابعين، وهذا مذهبُ الجمهور، وذهب ابن عبد البَرِّ إلى أنَّه قد يكون فيمَن يأتي بعد الصحابة أفضلُ ممَّن كان في جملة الصحابة، وأنَّ قوله ﵊: «خير الناس قرني» ليس على عُمُومه؛ بدليل ما يجمعُ القرنُ بين الفاضل والمفضول، وقد جمعَ قرنُه ﵊ جماعةً مِنَ المنافقين المُظهِرِين للإيمان وأهلِ الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدودَ، وقد روى أبو أُمامةَ أنَّه ﷺ قال: «طُوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي»، وفي «مسند أبي داود الطيالسي»: عن محمَّد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبيِّ ﷺ فقال: «أتدرون أيُّ الخَلْقِ أفضلُ إيمانًا؟» قلنا: الملائكة، قال: «وحُقَّ لهم، بل غيُرهم» قلنا: الأنبياء، قال: «وحُقَّ لهم، بل غيرُهم» ثم قال ﷺ : «أفضل الخلْقِ إيمانًا قومٌ في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، فهم أفضلُ الخلْقِ (٢) إيمانًا»، لكن روى الإمام أحمدُ والدارميُّ بإسنادٍ حسنٍ وصحَّحه الحاكم: قال أبو عبيدة: يا رسول الله هل (٣) أحدٌ خيرٌ
стр. 7074
منَّا، أَسْلَمْنا معك وجاهدنا معك؟ قال: «قومٌ يكونون مِنْ بعدِكُم يؤمنون بي ولم يروني»، والحقُّ ما عليه الجمهورُ؛ لأنَّ الصحبةَ لا يعدِلُها شيءٌ، وحديث: «للعامل منهم أجرُ خمسينَ منكم» لا دلالَة فيه على أفضليَّةِ غيرِ الصحابة على الصحابة؛ لأنَّ مجرَّد زيادةِ الأجر لا يستلزمُ ثبوتَ الأفضليَّة المطلقة، وإسنادُ حديثِ أبي داود السابقِ ضعيفٌ فلا حُجَّةَ فيه، وكلامُ ابنِ عبد البَرِّ ليس على إطلاقه في حقِّ جميع الصحابة؛ فإنَّه صرَّح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية، والذي يظهر أنَّ مَحَلَّ (١) النزاع يتمحَّضُ فيمَن لم يحصُل له إلَّا مجرَّدُ المشاهدة، أمَّا مَن قاتل معه أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، أو سبق إليه بالهجرة أو النُّصْرة (٢)، وضبطَ الشرعَ المُتلقَّى عنه وبلَّغَه لمن بعدَه، فلا يعدِلُه في الفضل أحدٌ بعدَه كائنًا مَن كان.
(قَالَ عِمْرَانُ) بنُ حُصَينٍ (٣) بالسند السابق: (فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ) ﷺ (بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ) ولأبي ذرٍّ: «مرتين» بالميم (أَو ثَلَاثًا) وفي نسخة: «أو ثلاثة» وفي «مسلمٍ» عن عائشة ﵂: قال رجل: يا رسول الله أيُّ الناس خيرٌ؟ قال: «القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث» فلم يشكَّ كأكثر طرق الحديث.
(ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ) بالكاف (قَوْمًا) بالنصب اسم «إنَّ»، وزاد ابن حجر هنا ممَّا لم أره في الفرع ولا أصله: ولبعضهم: «قومٌ (٤)» بالرفع، وقال: يَحتملُ أن يكون من الناسخ على طريقة من لا يكتبُ الألفَ في المنصوب، وقال العينيُّ: الوجهُ على تقدير صِحَّة الرواية أن يكون بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: ثمَّ إنَّ بعدَكم يجيءُ قومٌ (يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشهادةَ مِن غير تحميلٍ، أو يُؤَدُّونها مِن غير طلبِ الأداء (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لِخيانتهم الظاهرة، بخِلاف مَن خان مرَّةً واحدة فإنَّ ذلك قد لا يؤثِّرُ فيه (وَيَنْذُرُونَ) بفتح أوَّله وضمِّ الذال المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «ويُنذِرون» بكسرها (وَلَا يَفُونَ) بنذرِهِم، ولأبي ذرٍّ: «ولا يوفون» (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر السين وفتح الميم، أي: يعظُمُ حِرصُهُم على الدنيا والتَّمَتُّعُ بلذَّاتِها حتى تَسْمَنَ أجسادُهم.
стр. 7075
٣٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو النَّخعيُّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابنِ قيسٍ السَّلْمانيِّ -بفتح السين وسكون اللام- المراديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي) أي: أهلُه (ثُمَّ) أهلُ القَرْنِ (الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) الأوَّلُ أصحابُه، ثم أتباعُهم، ثم أتباعُ أتباعِهِم (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) ليس فيه دورٌ؛ لأنَّ المراد مِن حرصِهِم على الشهادةِ وترويجِها (١): أنَّهم يحلفُون على ما يشهدونَ تارةً قبلُ وتارةً بعدُ حتى لا يدري بأيِّهما البداءة، فكأنَّهما يتسابقان لقِلَّة المبالاة بالدِّين.
(قَالَ) منصورُ بنُ المُعتَمِر: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ بالسند السابق: (وَكَانُوا يَضْرِبُونَا) ضربَ تأديبٍ، ولأبي ذرٍّ: «يضربوننا» (عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ) أي: على قول: أشهدُ بالله وعلى عهد الله (وَنَحْنُ صِغَارٌ) لم نبلُغ حدَّ التفقُّه أي (٢): وإن كانوا بلغوا الحلم، حتى لا يصيرَ لهم ذلك عادةً، فيحلفون في كلِّ ما يصلح وما لا يصلح.
وهذا الحديث سبق في «باب لا يشهد على شهادة جور» من «كتاب الشهادات» [خ¦٢٦٥٢] كسابقه [خ¦٢٦٥١].