← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

نسبةُ (١) الرؤية إليه صحابيٌّ؛ مِن حيثُ إنَّ النبيَّ ﷺ رآه كما مشى عليه غيرُ واحدٍ ممَّن (٢) صنَّفَ في الصحابة، وأحاديثُ هؤلاء مِن قَبيل مراسيل كبار التابعين، ثم إنَّ التقييد بالإسلام يُخرِجُ من رآه في حال الكفر فليس بصاحبٍ على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر، وإنْ أخرج له الإمامُ أحمدُ في «مسنده»، وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف: ومات على الإسلام؛ ليُخرج مَنِ ارتدَّ بعد أنْ رآه مؤمنًا ومات على الرِّدَّة؛ كابن خَطَل (٣)، فلا يُسَمَّى صحابيًّا، بخلافِ مَنْ مات بعد رِدَّتِه مُسلمًا في حياتِه ﷺ أو بعدَه (٤) سواء لقيه ثانيًا أم لا. وتُعقِّب بأنَّه يسمَّى قبل الرِّدَّة صحابيًّا، ويكفي ذلك في صِحَّة التعريف؛ إذْ لا يُشترط فيه الاحتراز عن المُنافي العارض (٥)، ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردَّة العارضة لبعض أفراده، فمَن زاد في التعريف أراد تعريف مَن يُسمَّى صحابيًّا بعد انقراض الصحابة لا مطلقًا، وإلَّا لزمه ألَّا يسمَّى الشخصُ صحابيًّا (٦) في حال حياته، ولا يقولُ بهذا أحد كذا قرره الجلال المحليِّ، لكن انتَزَع بعضُهم من قول الأشعريِّ: أنَّ مَن مات مرتدًّا تبيَّن أنَّه لم يزل كافرًا -لأنَّ الاعتبار بالخاتمة- صِحَّةَ إخراجِه؛ فإنَّه يصحُّ أن يُقال: لم يَرَهُ مؤمنًا، لكن في هذا الانتزاع نظرٌ؛ لأنَّه حين رؤياه (٧) كان مؤمنًا في الظاهر، وعليه مدارُ الحكمِ الشرعيِّ فيُسمَّى صحابيًّا. قاله شيخُنا في «فتح المغيث».

стр. 7072

٣٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دِينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ الصحابيَّ بن الصحابيِّ ﵄ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ) سعدُ بن مالكٍ الأنصاريُّ (الخُدْرِيُّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ) بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة فألف فميم، أي: جماعة (مِنَ النَّاسِ) لا واحد له من لفظه، قال الجوهري في «صحاحه»: والعامَّة تقول: فيام بلا همز، قال المحقِّق البدر الدمامينيُّ في «مصابيحه»: لا حرج عليهم في ذلك ولا يُعَدَّون به (١) لاحنينَ؛ فإنَّ تخفيف الهمزة في مثله بقلب حركِتها حرفًا مجانسًا لحركةِ ما قبلَها عربيٌّ فصيحٌ، وهو قياسٌ، وغايةُ الأمر أنَّهمُ التزموا التخفيف فيه وهو غيرُ ممتنعٍ. (فَيَقُولُونَ) أي: الذين يغزون لهم: (فِيكُمْ) بحذف أداة الاستفهام (مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟) بفتح ميم «مَن» (فَيَقُولُونَ) لهم: (نَعَمْ) فينا مَن صاحَبه (فَيُفْتَحُ لَهُمْ) بضمِّ التحتيَّة وفتح الفوقيَّة (ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ) لهم: (هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بفتح حاء «صاحَب» في الموضعين (٢)، كميمِ «مَن»؛ وهو التابعيُّ (فَيَقُولُونَ) لهم: (نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ) لهم: (هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بفتح الحاء مِن «صاحَب» في الموضعين، كميمِ «مَن»، والمراد: أتباعُ التابعين (فَيَقُولُونَ) لهم: (نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ). وهذا الحديث قد مرَّ قريبًا في «علامات النبوة» [خ¦٣٥٩٤] وقبله في «الجهاد» [خ¦٢٨٩٧].

стр. 7073

٣٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميلٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بجيم مفتوحة وميم ساكنة فراء، نصرِ بنِ عِمران الضُّبعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثم ميم، و «مُضَرِّب»: بضمِّ الميم وفتح الضاد المعجمة (١) وكسر الراء المشدَّدة وبعدها موحَّدة، الجَرْميَّ بفتح الجيم، قال: (سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين (¬﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَيْرُ أُمَّتِي) أهلُ (قَرْنِي) بفتح القاف، والقرنُ: أهلُ زمانٍ واحدٍ متقارِبٍ اشتركوا في أمرٍ من الأمور المقصودة، ويطلق على مدَّةٍ من الزمان، واختُلِفَ في تحديدها من عشرة أعوام إلى مئة وعشرين، والمراد بهم هنا: الصحابة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي: يقربون منهم؛ وهم التابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباعُ التابعين، وهذا صريح في أنَّ الصحابة أفضلُ مِنَ التابعين، وأنَّ التابعين أفضلُ مِنْ تابعي التابعين، وهذا مذهبُ الجمهور، وذهب ابن عبد البَرِّ إلى أنَّه قد يكون فيمَن يأتي بعد الصحابة أفضلُ ممَّن كان في جملة الصحابة، وأنَّ قوله ﵊: «خير الناس قرني» ليس على عُمُومه؛ بدليل ما يجمعُ القرنُ بين الفاضل والمفضول، وقد جمعَ قرنُه ﵊ جماعةً مِنَ المنافقين المُظهِرِين للإيمان وأهلِ الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدودَ، وقد روى أبو أُمامةَ أنَّه ﷺ قال: «طُوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي»، وفي «مسند أبي داود الطيالسي»: عن محمَّد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبيِّ ﷺ فقال: «أتدرون أيُّ الخَلْقِ أفضلُ إيمانًا؟» قلنا: الملائكة، قال: «وحُقَّ لهم، بل غيُرهم» قلنا: الأنبياء، قال: «وحُقَّ لهم، بل غيرُهم» ثم قال ﷺ : «أفضل الخلْقِ إيمانًا قومٌ في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، فهم أفضلُ الخلْقِ (٢) إيمانًا»، لكن روى الإمام أحمدُ والدارميُّ بإسنادٍ حسنٍ وصحَّحه الحاكم: قال أبو عبيدة: يا رسول الله هل (٣) أحدٌ خيرٌ

стр. 7074

منَّا، أَسْلَمْنا معك وجاهدنا معك؟ قال: «قومٌ يكونون مِنْ بعدِكُم يؤمنون بي ولم يروني»، والحقُّ ما عليه الجمهورُ؛ لأنَّ الصحبةَ لا يعدِلُها شيءٌ، وحديث: «للعامل منهم أجرُ خمسينَ منكم» لا دلالَة فيه على أفضليَّةِ غيرِ الصحابة على الصحابة؛ لأنَّ مجرَّد زيادةِ الأجر لا يستلزمُ ثبوتَ الأفضليَّة المطلقة، وإسنادُ حديثِ أبي داود السابقِ ضعيفٌ فلا حُجَّةَ فيه، وكلامُ ابنِ عبد البَرِّ ليس على إطلاقه في حقِّ جميع الصحابة؛ فإنَّه صرَّح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية، والذي يظهر أنَّ مَحَلَّ (١) النزاع يتمحَّضُ فيمَن لم يحصُل له إلَّا مجرَّدُ المشاهدة، أمَّا مَن قاتل معه أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، أو سبق إليه بالهجرة أو النُّصْرة (٢)، وضبطَ الشرعَ المُتلقَّى عنه وبلَّغَه لمن بعدَه، فلا يعدِلُه في الفضل أحدٌ بعدَه كائنًا مَن كان. (قَالَ عِمْرَانُ) بنُ حُصَينٍ (٣) بالسند السابق: (فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ) ﷺ (بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ) ولأبي ذرٍّ: «مرتين» بالميم (أَو ثَلَاثًا) وفي نسخة: «أو ثلاثة» وفي «مسلمٍ» عن عائشة ﵂: قال رجل: يا رسول الله أيُّ الناس خيرٌ؟ قال: «القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث» فلم يشكَّ كأكثر طرق الحديث. (ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ) بالكاف (قَوْمًا) بالنصب اسم «إنَّ»، وزاد ابن حجر هنا ممَّا لم أره في الفرع ولا أصله: ولبعضهم: «قومٌ (٤)» بالرفع، وقال: يَحتملُ أن يكون من الناسخ على طريقة من لا يكتبُ الألفَ في المنصوب، وقال العينيُّ: الوجهُ على تقدير صِحَّة الرواية أن يكون بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: ثمَّ إنَّ بعدَكم يجيءُ قومٌ (يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشهادةَ مِن غير تحميلٍ، أو يُؤَدُّونها مِن غير طلبِ الأداء (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لِخيانتهم الظاهرة، بخِلاف مَن خان مرَّةً واحدة فإنَّ ذلك قد لا يؤثِّرُ فيه (وَيَنْذُرُونَ) بفتح أوَّله وضمِّ الذال المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «ويُنذِرون» بكسرها (وَلَا يَفُونَ) بنذرِهِم، ولأبي ذرٍّ: «ولا يوفون» (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر السين وفتح الميم، أي: يعظُمُ حِرصُهُم على الدنيا والتَّمَتُّعُ بلذَّاتِها حتى تَسْمَنَ أجسادُهم.

стр. 7075

٣٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو النَّخعيُّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابنِ قيسٍ السَّلْمانيِّ -بفتح السين وسكون اللام- المراديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي) أي: أهلُه (ثُمَّ) أهلُ القَرْنِ (الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) الأوَّلُ أصحابُه، ثم أتباعُهم، ثم أتباعُ أتباعِهِم (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) ليس فيه دورٌ؛ لأنَّ المراد مِن حرصِهِم على الشهادةِ وترويجِها (١): أنَّهم يحلفُون على ما يشهدونَ تارةً قبلُ وتارةً بعدُ حتى لا يدري بأيِّهما البداءة، فكأنَّهما يتسابقان لقِلَّة المبالاة بالدِّين. (قَالَ) منصورُ بنُ المُعتَمِر: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ بالسند السابق: (وَكَانُوا يَضْرِبُونَا) ضربَ تأديبٍ، ولأبي ذرٍّ: «يضربوننا» (عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ) أي: على قول: أشهدُ بالله وعلى عهد الله (وَنَحْنُ صِغَارٌ) لم نبلُغ حدَّ التفقُّه أي (٢): وإن كانوا بلغوا الحلم، حتى لا يصيرَ لهم ذلك عادةً، فيحلفون في كلِّ ما يصلح وما لا يصلح. وهذا الحديث سبق في «باب لا يشهد على شهادة جور» من «كتاب الشهادات» [خ¦٢٦٥٢] كسابقه [خ¦٢٦٥١].

стр. 7076

(٢) (بَابُ مَنَاقِبِ المُهَاجِرِينَ) الذين هاجروا مِن مكَّة إلى المدينة، و «المناقب»: جمع منقبة، ضد المثلبَة (وَفَضْلِهِمْ) بالجرِّ عطفًا على السابق، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» فـ «مناقب» رفعٌ، وكذا «فضلُهم» على ما لا يخفى (مِنْهُمْ) مِنَ المهاجرين، بل هو أفضلُهم وسيِّدُهم (أَبُو بَكْرٍ) واسمه على المشهور (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف وتخفيف الحاء المهملة وبالفاء، واسمه عثمان (التَّيْمِيُّ) بفتح الفوقيَّة وسكون التحتيَّة، ونسبه إلى جدِّه الأعلى تيم، فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبيِّ ﷺ في مُرَّةَ بنِ كعبٍ، وكان اسمُه عتيقًا؛ لأنَّه ليس في نسبه ما يُعاب به، أو لقِدَمِه في الخير، أو لسَبْقِه إلى الإسلام، أو لحُسنه، أو لأنَّ أمَّه استقبلت به البيت وقالت: اللَّهُمَّ هذا عتيقُكَ مِنَ الموت، قالته لأنَّه كان لا يعيشُ لها ولد، أو لأنَّ النبيَّ ﷺ بشَّره بأنَّ الله أعتقَه مِنَ النار، كما في حديث عائشةَ عند الترمذيِّ وصحَّحه ابنُ حِبَّان، ولُقِّبَ بالصدّيق لتصديقه النبيَّ ﷺ ، وعند الطبرانيِّ بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ مِن حديث عليٍّ: أنَّه كان يحلِفُ أنَّ الله أنزل (١) اسمَ أبي بكر من السماء: الصديق، واسمُ أُمِّه سلمى، وتكنى أمَّ الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكورِ، أسلمتْ وهاجرتْ (¬﵁¬) وعن والديه وأولاده، ولأبي ذرٍّ: «رضوان الله عليه». (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) جرٌّ عطفًا على سابقه أو رفعٌ، ولأبي ذر: « » (﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ﴾) قال في «الأنوار»: بدل مِن ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ وما عُطِفَ عليه؛ لأنَّ الرسول ﷺ لا يسمَّى فقيرًا. انتهى. وذلك لأنَّ الله تعالى رفع منزلته عن أن يُسَمِّيه فقيرًا، وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] دليلٌ على أنَّ الفقرَ مذمومٌ، والفقرُ أربعةُ أشياء: فقر الحسنات في الآخرة وفقر القناعة في الدنيا وفقر المقتنى وفقرهما (٢)، والغنى بحسَبِه؛ فمَن فقد القناعة والمقتنى فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ومَن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير بالحقيقة، ومَن

стр. 7077

فقد القنية دون القناعة فإنَّه يُقال له: فقيرٌ وغَنِيٌّ (﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾) فإنَّ كفَّار مكَّةَ أخرجوهم وأخذوا أموالَهم (﴿يَبْتَغُونَ﴾) يطلبون بهجرَتِهِم (﴿فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾) دينَ اللهِ وشرعَ رسولِه بأنفسِهم وأموالِهِم (﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]) الذين ظهر صدقهم في إيمانِهِم، وسقط قوله: «﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾: «الآية». (وَقَالَ: ﴿إِلاَّ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله: ﴿إِلاَّ﴾» (﴿تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ﴾) أي: وإنْ لم تنصروه فسينصره الله؛ إذ أخرجه من الغار (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]) أي: بالعصمة والمعونة، وسقط قوله: «إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾» لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿نَصَرَهُ اللّهُ﴾: «الآية». (قَالَتْ عَائِشَةُ) ممَّا ذكره في: «باب الهجرة إلى المدينة» الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦٣٩٠٥] (وَأَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ممَّا وصلَه ابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» (وَابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا أخرجه أحمدُ والحاكم (¬﵃: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَارِ) لمَّا خرجا من مكَّة إلى المدينة.

стр. 7078

٣٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ؛ بضمِّ الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون مخفَّفة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازِبٍ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ) الصديقُ (¬﵁ مِنْ) أبيه (عَازِبٍ رَحْلًا) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، للناقة (بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبٍ: مُرِ البَرَاءَ) ابنَك (فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ) بتشديد الياء التحتيَّة (رَحْلِي، فَقَالَ) له (عَازِبٌ: لَا، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ) في الهجرة إلى المدينة (وَالمُشْرِكُونَ) من أهل مكَّةَ (يَطْلُبُونَكُمْ) أي: هما ومَن معهما (قَالَ) أبو بكرٍ: (ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَحْيَيْنَا أَوْ سَرَيْنَا) بفتح السين (لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا) والشكُّ مِنَ الراوي (حَتَّى أَظْهَرْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ظهرنا» بغير ألفٍ، والأوَّلُ هو الصوابُ، أي: صِرْنا في وقتِ الظهر (١) (وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) شدَّةُ حرِّها عند الزوال (فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ) بمدِّ الهمزة وفتح التحتيَّة في «اليونينية» وفرعها مصحَّحًا عليه (فَإِذَا صَخْرَةٌ) فلمَّا رأيتُها (أَتَيْتُهَا، فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ) أي: موضعًا، وفي «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦١٥] فنزلنا عنده، أي: عند الظل، وسويتُ للنبيِّ ﷺ مكانًا بيدي ينام عليه (ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ) في الظلِّ (ثُمَّ قُلْتُ لَهُ (٢): اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللهِ، فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ) لم يُسَمَّ الراعي، ولا مالكُ الغنم (يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا (٣) الَّذِي

стр. 7079

أَرَدْنَا (١)) مِنَ الظلِّ (فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ (٢): لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ (٣): لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ) له: (هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ (٤): نَعَمْ، قُلْتُ (٥)) له: (فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَبَنًا؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لنا» (قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ) بالتثنية (فَقَالَ هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى (٦) كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى) فيه (٧) إطلاق القول على الفعل، واستحبابُ التنظيف لما يُؤكَل ويُشرَب (فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المثلَّثة بعدَها موحَّدة مفتوحة؛ قليلًا (مِنْ لَبَنٍ، وَ) كنتُ (قَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِدَاوَةً) بكسر الهمزة؛ مِن جلد فيها ماءٌ (عَلَى فَمِهَا خِرْقَةً) كذا في الفرع: «خِرقةً» بالنصب، وفي «اليونينية» وغيرِها: «خِرقةٌ» (٨) بالرفعِ (فَصَبَبْتُ) منها (عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) بفتح الراء (فَانْطَلَقْتُ بِهِ) باللبن المَشُوب بالماء (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَافَقْتُهُ قَدِ (٩) اسْتَيْقَظَ) مِن نومه (فَقُلْتُ لَهُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) أي: طابتْ نفسي لكثرة ما شرب، وفيه: أنَّه أمعنَ في الشُّرب، وقد كانت عادتُه المألوفة عدمَ الإمعان (ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللهِ) أي: دخل وقتُه (قَالَ) (١٠) ﵊: (بَلَى) قد آنَ، وسقط لفظ «بلى» لأبي ذرٍّ (فَارْتَحَلْنَا وَالقَوْمُ) كفَّارُ قريشٍ (يَطْلُبُونَا) ولأبي ذرٍّ: «يطلبوننا» (فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بجيم مضمومة فعين مهملة

стр. 7080

ساكنة فشين معجمة مضمومة فميم (عَلَى فَرَسٍ لَهُ (١)، فَقُلْتُ (٢): هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا). وهذا الحديث قد مرَّ في «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦١٥]. (﴿تُرِيحُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي: (بالعَشِيِّ) ﴿وَحِينَ﴾ (﴿تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]) أي: (بالغَدَاةِ) قال في «الفتح»: والصوابُ أنْ يَثْبُتَ هذا في حديثِ عائشةَ في «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] فإنَّ فيه: «ويرعى عليهما عامر بن فهيرة ويريحها عليهما»، وثبت هذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ، وسقط لغيره. ٣٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) العَوَقيُّ؛ بفتح العين المهملة والواو وكسر القاف قال (٣): (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأُولى، ابنُ يحيى بنِ دِينارٍ العَوْذِيُّ؛ بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) بنِ مالكٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصديقِ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ) زاد في رواية موسى بن إسماعيل عن همَّام في «الهجرة» [خ¦٣٩٢٢] «فرفعتُ رأسي فرأيتُ أَقدامَ القوم» فقلتُ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتثنية (لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ) ﵊: (مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا) أي: جاعِلُهُما ثلاثةً بضمِّ نفسِه تعالى إليهما في المعيَّة المعنويَّة التي أشار إليها بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ وهو مِنْ قولِه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ الاية [التوبة: ٤٠]. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهجرة» [خ¦٣٩٢٢] و «التفسير» [خ¦٤٦٦٣]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والترمذيُّ في «التفسير».

стр. 7081

(٣) (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ (١) ﷺ : سُدُّوا الأَبْوَابَ) كلَّها (إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ) الصديقِ (٢) بنصب «بابَ» على الاستثناء (قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في: «باب الخوخة والممر في المسجد (٣)» من «كتاب الصلاة» بمعناه [خ¦٤٦٧]. ٣٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» وفي «اليونينية» بالجمع فقط (أَبُو عَامِرٍ) عبدُ الملك بنُ عمرٍو العَقَديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون التحتيَّة بعدَها حاء مهملة، ابنُ سليمانَ الخُزاعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة، و «سعيد»: بكسر العين، مولى (٤) ابنِ الحضرميِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ) في مرضه قبل موتِهِ بثلاثِ ليالٍ (وَقَالَ) بالواو: (إِنَّ اللهَ) (خَيَّرَ عَبْدًا) من التخيير (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) في الآخرة (فَاخْتَارَ ذَلِكَ العَبْدُ مَا عِنْدَ اللهِ)

стр. 7082

(قَالَ) أبو سعيدٍ: (فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ) الصديقُ (١) ﵁ (فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ) بالموحَّدة، مِن الخَبَرِ (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُو المُخَيَّرَ) بفتح التحتيَّة المشدَّدة (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (أَعْلَمَنَا) بالمراد مِنَ الكلام المذكور، فبكى حُزْنًا على فِراقه ﵊ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون؛ أفعلُ تفضيلٍ مِنَ «المَنِّ» بمعنى: العطاء والبذل، أي: إنَّ من (٢) أبذلِ الناس لنفسِه ومالهِ (أَبَا بَكْرٍ) بالنصب اسمُ «إنَّ»، والجارُّ والمجرور خبرُها، وهذا واضحٌ، ولبعضهم فيما قاله في «الفتح» وغيره: «أبو بكر» بالرفع، ووُجِّه بتقدير ضميرِ الشأن، أي: إنَّه والجارَّ والمجرور بعدَه خبرٌ مقدَّمٌ، و «أبو بكر» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، أو على أنَّ مجموعَ الكُنية اسمٌ، فلا يُعرَبُ ما وقع فيها من الأداة، وقال صاحب «المصابيح»: قال (٣) ابن بَرِّي: هو خبر «إنَّ» واسمُها محذوفٌ، و «من أمنِّ الناس» صفتُه، والمعنى: إن رجلًا أو إنسانًا من أمن الناس عليَّ، و «من» زائدة على رأي الكِسائيِّ، وهو ضعيف، وحملُه على حذف ضمير الشأن حملٌ على الشذوذ، ولو قيل: بأنَّ «إنَّ» بمعنى: نعم، و «أبو بكر» مبتدأٌ، وما قبلَه خبرُه (٤)؛ لاستقامَ مِن غير شذوذٍ ولا ضَعْفٍ. انتهى. أو هو على مذهب مَنْ جوَّز أن يُقال: علي بن أبو (٥) طالب. قاله الكِرمانيُّ. وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الطبرانيِّ رفعه: «ما أحدٌ أعظمُ عندي يدًا مِن أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنتَه»، وفي حديث مالكِ بن دِينارٍ عند ابن عساكرَ عن أنسٍ رفعه: «إنَّ أعظمَ الناس علينا مَنًّا أبو بكر زوَّجني ابنتَه وواساني بنفسه، وإنَّ خيرَ المسلمين مالًا أبو بكر أعتقَ منه بلالًا، وحملني إلى دار الهجرة»، وعند ابنِ حِبَّانِ عن عائشةَ قالت (٦): أنفق أبو بكرٍ على النبيِّ ﷺ أربعينَ ألفَ دِرهمٍ (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) من الناس (غَيْرَ

стр. 7083

رَبِّي؛ لَاتَّخَذْتُ) منهم (أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) لأنَّه أهلٌ لذلك لولا المانع؛ فإنَّ خُلَّةَ الرحمن تعالى لا تسعُ مُخالَّة شيءٍ غيرِه أصلًا، وسقط لفظ (١) «خليلًا» الثانية من «اليونينية»، وثبت (٢) في فرعها التنكزي (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ) أي: مودَّةُ الإسلام، أي: حاصلةٌ، وفي حديث ابن عبَّاس الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى: «أفضل» [خ¦٣٦٥٧] وفيه إشكالٌ يُذكَر في موضعه إن شاء الله تعالى (لَا يَبْقَيَنَّ) بنون التأكيد المشدَّدة (فِي المَسْجِدِ بَابٌ) رُفِعَ على الفاعليَّة، والنهيُ راجعٌ للمكلَّفينَ لا إلى الباب، فكنَّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء؛ لأنه لازمٌ له كأنَّه قال: لا يُبقيه أحدٌ حتى لا يبقى (إِلَّا) بابًا (سُدَّ) فحذفَ المستثنى، والفعلُ صفتُه (إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ) بنصب «بابَ» على الاستثناء، أو برفعه على البدل، وهو استثناءٌ مفرَّغ، والمعنى: لا تُبقوا بابًا غيرَ مسدودٍ إلَّا باب أبي بكرٍ فاتركوه بغيرِ سَدٍّ، قيل: وفيه (٣) تعريض بالخلافة له (٤)؛ لأنَّ ذلك إن أُريد به الحقيقة فذاك (٥)؛ لأنَّ أصحاب المنازل الملاصقة للمسجد كان لهم الاستطراق منها إلى المسجد، فأمر بسدِّها سِوى خوخة أبي بكر؛ تنبيهًا للناس على الخلافة؛ لأنَّه يخرجُ منها إلى المسجد للصلاة، وإن أُريد به المجاز فهو كنايةٌ عن الخلافة وسدِّ أبواب المقالة دون التطرق والتطلع إليها، قال التوربشتيُّ: وأرى المجاز أقوى؛ إذ لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنَّما كان منزله بالسُّنْح من عوالي المدينة. انتهى. وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّه استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّه لا يلزم من كون منزله كان (٦) بالسُّنْح ألَّا يكون له دارٌ مجاورةٌ للمسجد، ومنزله الذي كان بالسُّنْح هو منزلُ أصهارِه مِنَ الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجةٌ أخرى، وهي أسماءُ بنتُ عُميسٍ بالاتِّفاق، وقد ذكر عمرُ بنُ شَبَّة في «أخبار المدينة»: أنَّ دار أبي بكرٍ التي (٧)

стр. 7084

أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقةً للمسجد، ولم تزل بِيَدِ أبي بكر حتى احتاج إلى شيءٍ يعطيه لبعض مَن وفد عليه فباعَها، فاشترتها منه (١) أم المؤمنين حفصةُ بأربعةِ آلافِ دِرهمٍ، وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أحمدَ والنَّسائيِّ بإسنادٍ قويٍّ: «أمر رسولُ الله ﷺ بسدِّ الأبواب الشارعة في المسجد وتَرْكِ باب عليٍّ»، وفي روايةٍ للطبرانيِّ في «الأوسط» برجالٍ ثقاتٍ من الزيادة: «فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا (٢)؟! فقال: ما أنا سدْدتُها، ولكنَّ اللهَ سَدَّها» ونحوُه عند أحمدَ والنَّسائيِّ والحاكم ورجالُه ثقاتٌ عن زيد بن أرقمَ وابن عبَّاسٍ وزاد: «فكان يدخلُ المسجدَ وهو جنب (٣) ليس له طريقٌ غيرُه» رواه أحمدُ والنَّسائيُّ ورجالُه ثقاتٌ، ونحوه من حديث جابر بن سَمُرة عند الطبرانيِّ، وبالجملة فهي (٤) كما قاله -الحافظُ ابنُ حَجَرٍ- أحاديثُ يقوِّي بعضُها بعضًا، وكلُّ طريقٍ منها صالحٌ للاحتجاج فضلًا عن مجموعها، لكن ظاهرها يُعارِضُ حديثَ الباب، والجمعُ بينهما بما دلَّ عليه حديث أبي سعيدٍ عند الترمذيِّ: أنَّه ﷺ قال لعليٍّ: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يطرق هذا المسجد غيري وغيرك»، والمعنى: أنَّ باب عليٍّ كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته بابٌ غيرُه، فلذلك لم يأمره (٥) بِسدِّه، ومحصَّلُ الجمعِ أنَّ الأمر بسدِّ الأبواب (٦) وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليًّا لِمَا ذُكر، وفي الأخرى استثنى أبا بكرٍ، ولكن لا يتمُّ ذلك إلَّا بأنْ يُحمَلَ ما في قِصَّةِ عليٍّ على الباب الحقيقي، وما في قِصَّةِ أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به: الخوخة كما صرَّح به في بعض طرقه، وكأنَّهم لمَّا أُمِروا بسَدِّ الأبواب سَدُّوها، وقد صرَّح أبو بكرٍ الكَلاباذيُّ في «معاني الأخبار»: بأنَّ بيت أبي بكرٍ كان له بابٌ مِن خارج المسجد، وخوخةٌ إلى داخل المسجد، وبيتُ عليٍّ لم يكن له بابٌ إلَّا مِن داخل المسجد. انتهى ملخصًا من «فتح الباري».

стр. 7085

(٤) (بَابُ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ) فضل (النَّبِيِّ ﷺ ¬) والمرادُ بالبَعديَّة هنا: الزمانيَّة، أمَّا (١) البَعديَّة في الرتبة؛ فيُقال فيها: الأفضلُ بعدَ الأنبياءِ أبو بكرٍ، وقد أطبق السلف (٢) على أنَّه أفضلُ الأُمَّة، حكى الشافعيُّ وغيرُه إجماعَ الصحابة والتابعين على ذلك. ٣٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلال (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمرَ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «في (٣) زمان (٤) رسول الله» (¬ ﷺ ¬) بأن نقولَ: فلان خيرٌ مِن فلان (فَنُخَيِّرُ) فنفضِّلُ (أَبَا بَكْرٍ) على جميع البشر بعدَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (ثُمَّ) نفضِّلُ بعدَه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ) بعدَ عمرَ (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵃¬) وسقط لفظ «ابن الخطاب» و «ابن عفان» لأبي ذرٍّ، زاد في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافعٍ في «مناقب عثمان» [خ¦٣٦٩٧] «ثم نتركُ أصحاب النبيِّ ﷺ فلا نُفاضِلُ بينهم»، وزاد الطبرانيُّ في رواية: «فيسمعُ (٥) رسول الله ﷺ ذلك فلا يُنكِرُه»، ولا يلزم مِن سكوتِهِم إذْ ذاكَ عن تفضيلِ عليٍّ عدمَ تفضيلِه، وفي بعض طرق الحديث عند ابن عساكر: عن عبد الله بن يسار، عن سالم عن ابن عمر قال:

стр. 7086

إنَّكم لتعلمون أنَّا كنَّا نقول على عهد رسول الله ﷺ : مَن يكون أولى الناس بهذا الأمر؟ فنقول (١): أبو بكر وعمر وعثمان (٢)؛ يعني: في الخلافة، كذا في أصل الحديث، ففيه (٣) تقييدُ الخيريَّة المذكورة والأفضليَّة بما يتعلَّق بالخلافة، فقد أطبق السلفُ على خَيْريَّتِهِم (٤) عند الله على هذا الترتيب كخلافتهم، وذهب بعضُ السلف إلى تقديم عليٍّ على عثمان، وممَّن قال به سفيانُ الثوريُّ لكن قيل: إنَّه رجعَ عنه (٥)، وقال مالكٌ في «المدونة» وتبعه يحيى بن القطَّان وغيره: لا يفضُلُ أحدهما على الآخر، وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة: الأفضلُ بعد النبيِّ ﷺ عليٌّ. وهذا الحديث من أفراده، ورجال إسناده مدنيُّون. (٥) (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، قَالَهُ أَبُوسَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ في الباب السابق [خ¦٣٦٥٤].

стр. 7087

٣٦٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابنُ خالدِ بنِ عَجلانَ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا) أرجِعُ إليه في الحاجات، وأعتمدُ عليه في المهمَّات (لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ) وإنَّما الذي ألجأُ إليه وأعتمدُ في جملة الأمور عليه هو اللهُ تعالى، وسقط قوله: «من أمتي» لأبي ذرٍّ (وَلَكِنْ) بتخفيف النون، أبو بكرٍ (١) (أَخِي) في الإسلام (وَصَاحِبِي) في الغار والدار، وهو استدراكٌ على مضمون الجملة الشرطيَّة، كأنَّه قال: ليس بيني وبينه خُلَّة، ولكن أُخُوَّةُ الإسلام، فنفى الخُلَّةَ المنبئة عن الحاجة، وأثبتَ الإخاءَ المقتضي للمساواة (٢)، قاله البيضاويُّ. ٣٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ البصريُّ، وسقط «ابن أسدٍ» لغير أبي ذرٍّ (وَمُوسَى) مِن غيرِ نسبةٍ، ولأبي ذر: «موسى (٣) بنُ إسماعيلَ التنوخيُّ» كذا في الفرع وأصله عن أبي ذر: «التنوخي» بالخاء المعجمة، قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وهو تصحيفٌ، والصوابُ: التبوذكيّ (قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابنُ خالدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) هو السَّختيانيُّ، أي: عن عكرمة عن ابن عبَّاس عن النبيِّ ﷺ (وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا؛ لَاتَّخَذْتُهُ) يعني: أبا بكر (خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ) فزاد لفظ: «أفضل»، وكذا عند الطبرانيِّ من طريق عبيد الله (٤) بن تمام، عن خالد الحذَّاء، ولفظه: «ولكن أخوَّة الإيمان والإسلام أفضل» قال (٥) في «الفتح»: واستُشكل: بأنَّ الخُلَّة أفضلُ مِن أُخُوَّة الإسلام؛ فإنَّها تستلزم ذلك (٦) وزيادة، وأُجيب بأنَّ المراد: أنَّ مودَّة الإسلام مع النبيِّ ﷺ أفضلُ مِن مودَّته مع غيرِه، قال: ولا يُعَكِّر على هذا

стр. 7088

اشتراكُ جميع الصحابة في هذه الفضيلة؛ فإنَّ رُجحان أبي بكر عُرِفَ مِن غير ذلك، وأُخُوَّةُ الإسلام ومودَّتُه متفاوتةٌ بين المسلمين في نصر الدين، وإعلاء كلمة الحقِّ، وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر مِن ذلك أكثرُه وأعظمُه (١). وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديث السابق. ٣٦٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بنِ درهمٍ الجَهْضَميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم مصغَّرًا، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ أَهْلُ الكُوفَةِ) أي: بعضُهم، وهو عبدُ الله بنُ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، وكان ابنُ الزبير جعلَه على قضاء الكوفة كما أخرجه أحمدُ (إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبدِ الله (فِي) مسألة (الجَدِّ) وميراثِه (فَقَالَ) ابنُ الزبير (٢) مُجيبًا لابنِ عُتبةَ: (أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فيه: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا؛ لَاتَّخَذْتُهُ) فإنَّه (أَنْزَلَهُ أَبًا) أي: أنزلَ الجدَّ منزلةَ الأبِ في استحقاق (٣) الميراث، وفيه أنَّه أفتاهم بمثل قولِ أبي بكرٍ، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في «باب ميراث الجد مع الإخوة» في (٤) «كتاب الفرائض» [خ¦٨٥/ ٩ - ١٠٠٠٢] (يَعْنِي) ابنُ الزبير بالذي أنزل الجدَّ أبًا (أَبَا بَكْرٍ) الصديق (٥)، والغرضُ منه هنا قوله: «لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا»، وقد أشعر هذا بأنَّ درجةَ الخُلَّة أرفعُ مِن درجة المحبَّة، وقد ثبتتْ محبَّتُه لجماعةٍ مِن أصحابِه كأبي بكرٍ وفاطمةَ، ولا يعكِّرُ عليه اتِّصافُ إبراهيمَ بالخُلَّة ومحمَّدٍ بالمحبَّة، فتكونُ المحبَّةُ أرفعَ مِن رُتبة الخُلَّة؛ إذ محمَّد ﵊ قد ثبتتْ له الخُلَّة أيضًا كما في حديث ابن مسعود عند مسلمٍ: «وقد

стр. 7089

اتخذ اللهُ صاحبكم خليلًا»، وأمَّا ما ذكره القاضي عياض في «الشفا» من الاستدلال لتفضيل مقامِ المحبَّة على الخُلَّة: بأنَّ الخليل قال: ﴿لَا تُخْزِنِي﴾ [الشعراء: ٨٧] والحبيب قيل له: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨] إلى غير ذلك ممَّا ذكره ففيه نظرٌ؛ لأنَّ مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكون (١) في حدِّ ذاتهما؛ يعني: باعتبار مدلول خليل وحبيب، فما ذكره يقتضي تفضيل ذات محمَّد ﷺ على ذات إبراهيم ﵊ من غير نظرٍ إلى ما جعله علَّةً معنويَّة في ذلك من وصف المحبَّة والخُلَّة، فالحقُّ أنَّ الخُلَّة أعلى وأكمل وأفضل من المحبَّة، ثم إنَّ قوله ﵊: «لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا غير ربِّي» يُشعر (٢) بأنَّه لم يكن له خليلٌ مِن بني آدم، وأمَّا (٣) ما أخرجه أبو الحسن الحربي في «فوائده» من حديث أُبيِّ بن كعب قال: إنَّ أحدثَ عهدي بنبيِّكم قبل موتِه بخمس: دخلتُ عليه وهو يقول: «إنَّه لم يكن نبيٌّ إلَّا وقد اتَّخذ مِن أُمَّتِه خليلًا، وإنَّ خليلي أبو بكرٍ، فإنَّ الله اتَّخذني خليلًا كما اتَّخذ إبراهيمَ خليلًا»؛ فهو معارَض بحديث جُندَب عند مسلمٍ: أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول قبل موته بخمس: «إنِّي أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»، والذي في «الصحيح» لا يُقاومه غيرُه، وعلى تقدير ثبوت حديث أُبي ﵁: فيمكن الجمعُ (٤) بينهما؛ بأنَّه إنَّما برئ من ذلك تواضعًا لربِّه وإعظامًا له، ثم أذن الله له فيه (٥) في ذلك اليوم؛ لِمَا رأى من تشوُّفِهِ إليه، وإكرامًا لأبي بكر ﵁ بذلك، وحينئذٍ فلا تنافي بين الخبرين. قاله في «الفتح». وهذا الحديث من أفراده. وفي بعض النسخ هنا: «بَابٌ»، وهو ثابتٌ في «اليونينية» مرقومٌ عليه علامةُ السقوط لأبي ذرٍّ، بالتنوين بغير ترجمة فهو كالفصل من سابقه.

стр. 7090

٣٦٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزبيرِ المكِّيُّ (وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين غيرُ مصغَّرٍ في الفرع، ابنِ حوشبٍ الطائفيُّ، وقال العينيُّ: ابن عُبيد الله (١)؛ أي (٢): بضمِّ العين مصغَّرًا، وكذا هو في «اليونينية» و «الناصرية» و «فرع آقبغا»؛ وهو عُبيدُ الله بن محمَّد بن زيد القرشيُّ الأمويُّ؛ يعني: مولى عثمان بن عفان، وهو سهوٌ (قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) ثبت: «ابن سعد» (٣) لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) جبيرٍ أنَّه (قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابنُ حجر: لم أقف على اسمها (النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى النبي» (٤) (¬ ﷺ ¬) زاد في: «باب الاستخلاف» من «كتاب الأحكام» [خ¦٧٢٢٠] «فكلَّمتْه في شيءٍ» ولم يُسم ذلك الشيء (فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣٦٠] «فكلمته في شيءٍ، فأمرها بأمرٍ فقالت: أرأيت يا رسول الله» (إِنْ جِئْتُ (٥) وَلَمْ أَجِدْكَ؟) قال جبيرُ بنُ مُطْعِمٍ أو مَن بَعده: (كَأَنَّهَا تَقُولُ: المَوْتَ) أي: إن جئتُ فوجدتُك قد متَّ ماذا أفعل؟ (قَالَ) النبيُّ (٦) (¬ ﷺ ¬) ولغير أبي ذرٍّ كما في «اليونينيَّة»: «قال ﵊»: (إِنْ لَمْ تَجِدِينِي؛ فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ) قال ابن بطَّال: استدل النبيُّ ﷺ بظاهر قولها: «إن لم أجدك»، أنَّها أرادتِ الموت، فأمرها بإتيان أبي بكر، قال: وكأنَّه اقترن بسؤالها حالةَ أَفهمتْ ذلك وإن لم تنطق به، قال في «الفتح»: وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله: «كأنَّها تقول: الموت»، وفي «الأحكام» [خ¦٧٢٢٠] «كأنَّها تريد الموت»، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣٦٠] «كأنَّها تعني الموت»، لكن قولها: «فإن لم أجدك» أعمُّ في النفي من حال الحياة وحال الموت، ودلالته لها على أبي بكر الصديق ﵁ (٧) مطابقةٌ (٨) لذلك العموم، وفيه الإشارة إلى أن أبا بكر هو الخليفة بعد النبيِّ ﷺ ، ولا يُعارِض هذا جزمُ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يستخلف؛ لأنَّ

стр. 7091

مرادَه نفيُ النصِّ على ذلك صريحًا، وفي «الطبرانيِّ» حديث: قلنا: يا رسول الله؛ إلى مَن ندفعُ صدقات أموالنا بعدَك؟ قال: «إلى أبي بكر الصديق»، وهذا لو ثبت كان أصرح من حديث الباب في الإشارة إلى أن الخليفة بعده أبو بكر، لكن إسناده ضعيف. ٣٦٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ) سليمانُ المروزيُّ البغداديُّ الأصل، وصفه أبو زرعة بالحفظ، وضعّفه أبو حاتم، لكن ليس له في «البخاري» إلَّا هذا الحديث، وقد أخرجه من رواية غيره في «إسلام أبي بكر» [خ¦٣٨٥٧] قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ) بضمِّ الميم وفتح الجيم، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، قوَّاه يحيى بن معين وجماعة، وليَّنه بعضُهم، وليس له في «البخاري» غير (١) هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ) بالموحَّدة والتحتيَّة المفتوحتين وبعد الألف نون، و «بشر»: بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، الأحمسيُّ بالمهملتين (عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح الواو والموحَّدة والراء بوزن شَجَرَة (٢) الحارثيِّ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن الحارث النَّخَعيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارًا) هو ابنُ ياسرٍ ﵁ (يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ) ممَّن أسلم (٣) (إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ) بلالٌ، وزيدُ بنُ حارثةَ وعامرُ بنُ فُهيرةَ وأبو فُكَيهةَ مولى صفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بنِ خلفٍ وعُبيدُ بنُ زيدٍ الحبشيُّ، وذكر بعضُهم: عمارَ بنَ ياسرٍ، بدل: أبي فكيهةَ (وَامْرَأَتَانِ) خديجةُ أمُّ المؤمنين وأم أيمن أو سُميَّة (وَأَبُو بَكْرٍ) الصديق، وكان أَوَّلَ مَنْ أسلمَ مِنَ الأحرار البالغين ﵁. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «إسلام أبي بكر» [خ¦٣٨٥٧] وفيه ثلاثةٌ مِنَ التابعين.

стр. 7092

٣٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) أبو الوليد السُّلَميُّ الدمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويُّ مولاهم أبو العبَّاس الدمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ) بكسر القاف الدمشقيُّ الثقةُ، وليس له في «البخاري» إلَّا هذا الحديث (عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وسكون السين المهملة (١)، و «عُبيد الله» بضمِّ العين مصغَّرًا، الحضرميِّ الشاميِّ (عَنْ عَايذِ اللهِ) بالذال المعجمة (أَبِي إِدْرِيسَ) بن عبد الله الخَولانيِّ؛ بالخاء المعجمة المفتوحة (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر؛ بضمِّ العين مصغَّرًا آخره راء، ابنِ زيدِ بنِ قيسٍ الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) حالَ كونِه (آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى) بألفٍ بعد الدال مِن غير همزٍ، أي: أظهر (عَنْ رُكْبَتِهِ) بالإفراد، وفيه: أنَّ الركبة ليست عورة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا رآه: (أَمَّا) بالتشديد (صَاحِبُكُمْ) يعني: أبا بكر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «صاحبك» بالإفراد يخاطبُ أبا الدرداء (فَقَدْ غَامَرَ) بغين معجمة مفتوحة أيضًا (٢) وبعد الألف ميم مفتوحة فراء، أي: خاصم ولابس الخصومة، وقسيمُ «أمَّا صاحبكم» محذوفٌ (٣) تقديرُه نحو قوله: وأمَّا غيره فلا أعلمه (فَسَلَّمَ) ﵁ على النبيِّ ﷺ (وَقَالَ: يَا رَسُولِ اللهِ إِنِّهُ (٤) كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ) عمرَ ﵁ (شَيْءٌ) في «التفسير» [خ¦٤٦٤٠] «محاورة» بالحاء المهملة، أي: مراجعة، وعند

стр. 7093

أبي يَعلى من حديث أبي أُمامة: «معاتبة» (فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ) على ذلك (فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) ما وقع منِّي (فَأَبَى عَلَيَّ) وعند أبي نُعيم في «الحلية» من طريق محمَّد بن المبارك: فتبعتُه إلى البقيع حتَّى خرج مِن داره (فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ) النبيُّ ﷺ : (يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا) أي: أعاد هذه الكلمات (١) «يغفرُ اللهُ لك» ثلاثَ مرَّات (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) ﵁ (نَدِمَ) على ذلك (فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ) ليُزيلَ ما وقع بينه وبين الصديق (فَسَأَلَ) أهله: (أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟) بفتح الهمزة والمثلَّثة، أي: أهنا (٢) أبو بكر (فَقَالُوا) مجيبين له: (لَا، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَمَعَّرُ) بالعين المهملة المشدَّدة، أي: تذهبُ نضارتُه من الغضب، ولأبي ذرٍّ: «يتمغر» بالغين المعجمة (حَتَّى أَشْفَقَ) أي: خاف (أَبُو بَكْرٍ) أن ينال عمرَ مِن رسول الله ﷺ ما يكرهُه (فَجَثَا) بالجيم والمثلَّثة، أي: برك أبو بكر (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ) منه في ذلك (مَرَّتَيْنِ) قال الكِرمانيُّ: ظرفٌ لـ «قال» أو لـ «كنت»، وإنَّما قال ذلك لأنَّه الذي بدأ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ) بغير تاء في الفرع كأصله، وفي نسخة: «صدقت» (وَوَاسَانِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأوساني» (٣)، وفي نسخة: «آساني» بهمزة بدل الواو، والأوَّلُ أوجه؛ لأنَّه مِنَ المواساة (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي) بإضافةِ «تاركو» إلى «صاحبي»، وفصلَ بين المضاف والمضاف إليه بالجارِّ والمجرور عنايةً بتقديم لفظ الإضافة، وفي ذلك جمعٌ بين إضافتين إلى نفسه تعظيمًا للصديق ﵁، ونظيرُه قراءةُ (٤) ابنِ عامرٍ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بنصبِ ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ وخفض ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾، وفصل بين المضافين بالمفعول، ومباحث ذلك ذكرتُها في كتاب (٥) «القراءات الأربعة عشر»، وفي

стр. 7094

«التفسير» [خ¦٤٦٤٠] «هل أنتم تاركون؟» بالنون، قال أبو البقاء: وهي الوجه (١)؛ لأنَّ الكلمة ليست مضافة؛ لأنَّ حرف الجرِّ منع الإضافة، وربَّما يجوزُ حذفُ النون في موضع الإضافة ولا إضافةَ هنا، قال: والأشبه أنَّ حذفَها مِن غلط الرواة. انتهى. ولا ينبغي نسبة الرواة إلى الخطأ مع ما ذكر، وورُود (٢) أمثلةٍ لذلك (مَرَّتَيْنِ) أي: قال: «هل أنتم تاركو لي صاحبي» مرَّتين (فَمَا أُوذِيَ) أبو بكرٍ (بَعْدَهَا) أي: بعدَ هذه القِصَّةِ لما أظهرَه النبيُّ ﷺ مِن تعظيمه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التفسير» [خ¦٤٦٤٠] وهو مِن أفراده. ٣٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُخْتَارِ) الأنصاريُّ الدبَّاغُ (قَالَ: خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة ممدودًا (حَدَّثَنَا) هو من تقديم الاسم على الصيغة (٣) (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النَّهديِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ العَاصِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) بفتح السين المهملة الأولى وكسر الثانية، سنةَ سبعٍ، قال عمرٌو: (فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ) وقع عندَ ابنِ سعدٍ: أنَّه وقع في نفس عمرٍو لمَّا أمَّره رسولُ الله ﷺ على الجيش في هذه الغزوة وفيهم (٤) أبو بكر وعمر أنَّه مقدَّمٌ عندَه في المنزلة عليهم، فسأله فقال: يا رسول الله (أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ) ﵊: (عَائِشَةُ) قال عمرٌو: (فَقُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ) ﵊: (أَبُوهَا) أبو بكرٍ (قُلْتُ (٥): ثُمَّ مَنْ) أحبُّ إليك بعدَه؟ (قَالَ) ﵊: (ثُمَّ (٦) عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالًا) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٥٨] مِن

стр. 7095

وجهٍ آخرَ: «فسكتُّ مخافةَ (١) أن يجعلَني في آخرِهِم»، وفي حديث عبد الله بن شقيق عند الترمذيِّ وصحَّحه من حديث عائشة: «قلت لعائشة: أيُّ أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر»، وفي آخره قالت: «أبو عبيدة عامر (٢) ابن الجرَّاح» قال في «الفتح»: فيُمْكنُ أن يفسَّر بعضُ الرجال الذين أُبهموا في حديث الباب بأبي عبيدة. وحديث الباب أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٥٨]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب». ٣٦٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ثبت: اسمُ الجدِّ لأبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (رَاعٍ) لم يُسَمَّ (فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ) بالعين والدال المهملتين، خبرُ المبتدأ الذي هو «راعٍ» الموصوف بقوله: «في غنمه» (فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي) ليأخُذَها منه (فَالتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ) له: (مَنْ لَهَا) أي: للغنم (يَوْمَ السَّبُْعِ) بضمِّ الموحَّدة، وقيل: بسكونها (يَوْمَ لَيْسَ لَهَا) عند الفتن حين يتركُها الناسُ هَمَلًا (رَاعٍ) يرعاها (غَيْرِي؟) وقيل غير ذلك ممَّا سبق في حديث «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١] (وَبَيْنَا) بغير ميم، ولأبي ذرٍّ: «وبينما» بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا) بتخفيف الميم، وفي «بني إسرائيل»: «يسوق بقرة إذ ركبها (٣) فضربها» (فَالتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا) التحميل

стр. 7096

(وَلَكِنِّي) سقطت الواوُ لأبوي ذرٍّ والوقت (خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ) وفي «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١] «فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنَّما خلقنا للحَرْث» والحصرُ في ذلك غيرُ مرادٍ اتِّفاقًا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّاسُ) متعجِّبينَ: (سُبْحَانَ اللهِ!) زاد في «بني إسرائيل»: «بقرة تتكلَّم» (فَقَالَ)، كذا في «الفرع»، وفي «اليونينية»: «قال» (النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ) النطق الصادر من البقرة، والفاء فيه جوابٌ لشرط (١) محذوفٍ تقديرُه: فإذا كان الناس يتعجَّبون منه ويستغربونه؛ فإنِّي لا أتعجَّبُ منه ولا أستغربُه وأؤمنُ به أنا (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵄¬) سقط (٢) «ابن الخطاب» لأبي ذرٍّ، وزاد في «بني إسرائيل»: «وما هُما ثَمَّ» وعند ابن حِبَّان من طريق محمَّد بن عمرو (٣) عن أبي سلمة عن أبي هريرة في آخره في القصتين: «فقال الناس: آمنا بما آمنَ به رسولُ الله ﷺ ». وسبق حديث الباب في «المزارعة» [خ¦٢٣٢٤] و «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧١]. ٣٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جبلة العابد قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «يقول»: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ)، كذا في «الفرع»، وفي «اليونينية»: «النبي» (¬ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ) بئرٍ مقلوبٍ تُرابُها قبل الطَّيِّ (عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا) من البئر (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا) أي: الدلو (ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) أبو بكر الصديق ﵁ (فَنَزَعَ بِهَا (٤)) أي: أخرج

стр. 7097

الماء من القَليب (ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) بفتح المعجمة فيهما؛ الدلوُ الممتلئُ، والشكُّ مِنَ الراوي (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ) وليس فيه حطٌّ من مرتبته، وإنَّما هو إخبارٌ عن حاله (١) في قِصَرِ مدَّةِ خِلافته، والاضطرابِ الذي وُجِدَ في زمانه مِن أهل الرِّدَّة؛ فزارة وغطفان وبني سلِمة وبني يربوع وبعض بني (٢) تميم وكِندة وبكر بن وائل وأتباع (٣) مسيلِمة الكذَّاب، وإنكارِ بعضٍ الزكاة، فدعا له ﵊ بالمغفرة؛ ليتحقَّق (٤) السامعون (٥) أنَّ الضعفَ الذي وُجِدَ في نزعه هو (٦) من مقتضى تغيير الزمان وقِلَّة الأعوان، لا أنَّ ذلك منه ﵁، لكن نسبه إليه إطلاقًا لاسم المحلِّ على الحالِّ، وهو مجازٌ شائعٌ في كلام العرب (ثُمَّ اسْتَحَالَتْ) أي: تحوَّلت (٧) الدلو (غَرْبًا) بفتح الغين المعجمة وبعد الراء الساكنة موحَّدة، دلوًا عظيمةً (فَأَخَذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ) عمرُ ﵁ (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) أي: سيِّدًا عظيمًا قويًّا، يقال: هذا عبقريُّ القوم، كما يُقال: سيِّدُهم وكبيرُهم وقويُّهم، وقيل: الأصلُ أنَّ عبقر قريةٌ يسكنُها (٨) الجِنُّ فيما يزعمون، فكلَّما (٩) رأَوا شيئًا فائقًا غريبًا ممَّا يصعُبُ عملُه ويدقُّ، أو شيئًا (١٠) عظيمًا في نفسِه نسبوه إليها، ثم اتُّسِعَ فيه فسُمِّي به السيِّد والكبير والقويُّ، وهو المراد هنا (مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ) وفي رواية أبي (١١) يونس: «فلم أرَ نزعَ رجلٍ قطُّ أقوى منه» (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) بفتح المهملتين آخره نون؛ ما يُعَدُّ للشرب حول البئر مِن مبارِكِ الإبل، وعند ابن أبي شيبةَ في «مناقب (١٢) عمر»: «حتى رَوِيَ الناسُ وضربوا بعَطَن» وفي رواية همَّام [خ¦٧٠٢٢] «فلم يزل ينزعُ (١٣)

стр. 7098

حتى تولَّى الناسُ والحوضُ يتفجَّر» وفيه إشارةٌ إلى طول مدَّةِ خِلافةِ عمرَ وكثرةِ انتفاعِ الناس بها. وهذا الحديثُ قد سبق [خ¦٣٦٣٣] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب التعبير» [خ¦٧٠٢١]. ٣٦٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاورُ بمكَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) أي: لأجل الخُيلاء، أي: كِبْرًا (لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ) نَظَرَ رحمةٍ (يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ) بكسر المعجمة، أي: جانبي (ثَوْبِي يَسْتَرْخِي) بالخاء المعجمة، وكان سبب استرخائِهِ نحافةُ جسمِ أبي بكرٍ ﵁ (إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: إذا غفلتُ عنه استرخى (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ) فيه: أنَّه (١) لا حرجَ على مَنِ انجرَّ إزارُه بغير قصدِهِ مطلقًا، وهل كراهة ذلك للتحريم أو للتنزيه؟ فيه خلاف (قَالَ مُوسَى) بنُ عقبةَ بالسند السابق: (فَقُلْتُ لِسَالِمٍ) هو ابنُ عبد الله بن عمر: (أَذَكَرَ) فعلٌ ماضٍ، والهمزةُ للاستفهام (عَبْدُ اللهِ) أي: أبوه (مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ؟ قَالَ) سالمٌ: (لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ إِلَّا ثَوْبَهُ) ومباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في «اللباس» [خ¦٥٧٨٤] بعون الله وقوَّته.

стр. 7099

٣٦٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (١) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) أي: شيئين (مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ) وفُسِّرَ في بعض الأحاديث: ببعيرين، شاتين، درهمين، قال التُّوربِشتيُّ: ويَحتملُ أن يُراد به تكرارُ الإنفاق مرَّةً بعد (٢) أخرى، قال الطِّيبيُّ: وهذا هو الوجه إذا حملت التثنية على التكرير؛ لأنَّ القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق كرائم الأموال، والمواظبة على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي: ليثبتوا ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشقُّ شيء على النفس من سائر العبادات الشاقَّة (فِي سَبِيلِ اللهِ) في طلب ثوابه، وهو أعمُّ مِنَ الجهاد وغيرِه مِنَ العبادات أو خاصٌّ بالجهاد (دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ) بغير تنوين (يَعْنِي: الجَنَّةَ) الظاهرُ (٣) أنَّ لفظ «الجنة» سقط عند بعض الرواة، فلمراعاة (٤) المحافظة (٥) زاد: «يعني» (يَا عَبْدَ اللهِ؛ هَذَا خَيْرٌ) أي: مِنَ الخيرات، وليس المراد به أفعل تفضيل (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المؤدِّينَ لفرائضها المكثرينَ مِن نوافلها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) المكثرين منها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) المكثرين منه (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ وَبَابِ الرَّيَّانِ) وسقطت الواو من بعض النسخ، فيكون «باب» بدلًا أو بيانًا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) قال المظهري: «ما» نفي و «مِن» في «من ضرورة» زائدة، أي: ليس ضرورة على مَن دُعي مِن تلك الأبواب؛ إذ لو دُعي مِن باب واحدٍ؛ لحصلَ مرادُه؛ وهو دخولُ

стр. 7100

الجنَّة، مع أنَّه لا ضرورةَ عليه أنْ يُدْعَى مِن جميع الأبواب (وَقَالَ) أبو بكر: الصديق ﵁ (١): (هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (نَعَمْ) يُدعى منها كلِّها على سبيل التخيير في الدخول مِن أيِّها شاء؛ لاستحالة الدخول مِنَ الكلِّ معًا (وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ) والحاصل (٢): أنَّ كلَّ مَن أكثر نوعًا (٣) من العبادة خُصَّ ببابٍ يُناسبها (٤) يُنادَى منه، فمَنِ اجتمع له العملُ بجميعها؛ دُعِي مِن جميع الأبواب على سبيل التكريم، ودخولُه إنَّما يكون من بابٍ واحدٍ؛ وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه، وأنَّ الصديق مِن أهل هذه الأعمال كلِّها؛ إذ الرجاء منه ﷺ واجبٌ، وفيه أقوى دليلٍ على فضيلة أبي بكر الصدِّيق رضي الله تعالى عنه، والحديث سبق في «الصوم» [خ¦١٨٩٧].

стр. 7101

٣٦٦٧ - ٣٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيوب القرشيُّ التيميُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) ولأبي ذرٍّ: «قال: أَخْبَرَنِي» بالإفراد «عروة بن الزبير» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ) غائبٌ عند زوجتِهِ بنت خارجةَ الأنصاريِّ (بِالسُّنْحِ) بالسين المهملة المضمومة والنون الساكنة بعدها حاء مهملة (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) بنُ عبد الله الأويسيُّ المذكور: (يَعْنِي) ولأبي ذرٍّ: «تعني» «بالفوقية» بدل: «التحتيَّة»، أي: عائشةُ (١) بالسُّنحِ (بِالعَالِيَةِ) وهي منازلُ بني الحارث (فَقَامَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب حالَ كونِه (يَقُولُ: وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وعند أحمدَ: أنَّ عائشة قالت: «جاء عمرُ والمغيرةُ بنُ شعبةَ، فاستأذنا، فأذنتُ لهما وجذبت الحِجاب، فنظر عمرُ إليه فقال: واغشيتاه (٢) ثم قاما، فلمَّا دنَوا مِنَ الباب؛ قال المغيرة: يا عمرُ ماتَ (٣)؟ قال: كذبتَ إنَّ رسول الله ﷺ لا يموتُ حتَّى يُفني الله المنافقين … » الحديث، وهذا قاله عمرُ بناءً على غلبةِ (٤) ظنِّه حيث أدَّاه اجتهادُه إليه، وفي «سيرة ابن إسحاق» من طريق ابن عبَّاس ﵄: أنَّ عمر ﵁ قال له: إنَّ الحامل له (٥) على هذه المقالة قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فظن أنَّه ﷺ يبقى في أُمَّتِه حتى يشهد عليها.

стр. 7102

(قَالَتْ) عائشةُ: (وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ) أي: عدم موتِه (وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ) في الدنيا (فَلَيَقْطَعَنَّ) بفتح اللَّام والتحتيَّة وسكون القاف وفتح الطاء، ولأبي ذرٍّ: «فَليُقَطِّعِنَّ» بضمِّ التحتيَّة وفتح القاف وكسر الطاء المشدَّدة (١) (أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ) قائلينَ بموته ﵊ (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ من السُّنْح (فَكَشَفَ عَنْ) وجه (رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ) بين عينيه (فَقَالَ) وفي «اليونينية» والفرع (٢): «قال» وكشط ما قبلها: (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي: مُفَدًّى (٣) بهما، فالباء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ (طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يُذِيقُكَ اللهُ) برفع «يذيقُ» (المَوْتَتَيْنِ) في الدنيا (أَبَدًا) ومرادُه: الردُّ على عمرَ حيث قال: إنَّ الله يبعثُه حتى يقطع أيديَ رجالٍ وأرجلَهم؛ لأنَّه لو صحَّ ما قاله؛ لزم أن يموتَ موتةً أُخرى، فأشار إلى أنَّه أكرمُ على الله مِنْ أنْ يجمعَ عليه موتتين كما جمَعُهما على غيرِه ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أو لأنَّه (٤) يحيا في قبره ثم لا يموت (ثُمَّ خَرَجَ) أبو بكر من عند النبيِّ ﷺ وعمرُ يكلِّمُ الناسَ (فَقَالَ) له: (أَيُّهَا الحَالِفُ) أنَّ رسولَ الله ﷺ ما مات (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء؛ اتَّئِدْ في الحَلِفِ ولا تستعجلْ (فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ؛ جَلَسَ عُمَرُ) وفي «الجنائز» [خ¦١٢٤٢] خرجَ (٥) وعمرُ يكلِّم الناسَ، فقال: اجلس، فأبى. (فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَلَا) بالتخفيف (٦) للتنبيه على ما يأتي بعدُ (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ) وسقطت التصلية لأبي ذرٍّ (وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ؛ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]) فإنَّ الكلَّ بصدد الموت في عداد الموتى (وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا﴾) بارتداده (﴿وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ) بنون فشين معجمة

стр. 7103

فجيم مفتوحات (يَبْكُونَ) قال الجوهريُّ: نشج الباكي: إذا غَصَّ بالبكاء في حلقه مِن غير انتحاب، أو هو بكاءٌ معه صوت. (قَالَ: وَاجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) الأنصاريِّ الساعديِّ، وكان نقيب بني ساعدة لأجل الخلافة (فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) موضعٌ مسقَّف كالساباط يجتمع إليه الأنصار (فَقَالُوا) أي: الأنصار للمهاجرين: (مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) قالوا ذلك على عادة العرب الجارية بينهم ألَّا يسود القبيلة إلَّا رجلٌ منهم (فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ) الصديق (وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ) عامر (ابْنُ الجَرَّاحِ) ﵃ (فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ) بالفوقية (أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي (١) خَشِيتُ) أي: خفت (أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَتَكَلَّمَ) حالَ كونهِ (أَبْلَغَُ النَّاسِ) ويجوزُ رفعُ «أبلغ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فتكلم أبو بكر وهو أبلغُ الناس، وفي «باب رجم الحبلى من الزنا» [خ¦٦٨٣٠] من حديث ابن عبَّاس: عن عمر أنَّه قال: «قد كان مِن خبرنا حين توفَّى الله نبيَّه أنَّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا (٢) علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم … » الحديث، إلى أن قال: «فلمَّا جلسنا خطب خطيبُهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أمَّا بعد؛ فنحن أنصارُ الله وكتيبةُ الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رَهْطٌ، وقد دَفَّت دافَّةٌ مِن قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر، فلمَّا سكت قال عمر: أردتُ أن أتكلَّم وكنت زوَّرتُ مقالةً أعجبتني أُريدُ أن أقدِّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحَدِّ (٣)، فلمَّا أردت أن أتكلَّم؛ قال أبو بكر: على رِسْلِك، فكرهتُ أن أُغضِبَه، فتكلَّم أبو بكر، فكان هو

стр. 7104

أحلمَ منِّي وأوقر، والله ما تركَ مِن كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلَّا قال في بديهته مثلَها أو أفضلَ منها» (فَقَالَ فِي) جملةِ (كَلَامِهِ: نَحْنُ) أي: قريشٌ (الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الوُزَرَاءُ) المستشارون في الأمور، فالخلافة (١) لا تكون إلَّا في قريٍش (فَقَالَ حُبَابُ بْنُ المُنْذِرِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الموحَّدة الأولى مخففة، و «المنذر» بلفظ الفاعل من الإنذار، الأنصاري: (لَا وَاللهِ لَا نَفْعَلُ) ذلك (مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) وزاد ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمَّد: «فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم» (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الوُزَرَاءُ، هُمْ) أي: قريشٌ (أَوْسَطُ العَرَبِ دَارًا) مكَّة، أي: هم (٢) أشرفُ قبيلةٍ (وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا) بالموحَّدة في «أعربهم»، و «أحسابًا»: بفتح الهمزة وبالموحَّدة جمع حسب، أي: أشبه شمائل وأفعالًا بالعرب، والحسب: الفِعال الحِسان مأخوذ مِنَ الحساب إذا عدُّوا مناقبَهم، فمَن كان أكثرَ كان أعظمَ حَسَبًا، ويقال: النسبُ للآباء والحسَبُ للأفعال (فَبَايِعُوا) بكسر التحتية بلفظ الأمر (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَو أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الجَرَّاحِ) ثبت: «ابن الجراح» لأبي ذرٍّ (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ) أي: بيد أبي بكر (فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ) المهاجرونَ وكذا الأنصارُ حين قامتْ عليهم الحجَّةُ بثبوتِ قولِه ﷺ : «الخلافةُ في قُريشٍ» عندَهم (فَقَالَ قَائِلٌ) مِن الأنصار: (قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) أي: كِدتم تقتلونه، أو هو كنايةٌ عن الإعراض والخذلان (فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ اللهُ) دعاء عليه؛ لعدم نُصرته للحق وتخلُّفهِ -فيما قيل- عن بيعة أبي بكر وامتناعه منها، وتوجَّه إلى الشام، فمات بها في ولاية عمر بحوران سنة أربع عشرة أو خمس عشرة، وقيل: إنَّه وُجِدَ ميتًا في مغتسله وقد اخضرَّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول ولا يرون (٣) شخصه: قد قتلنا سيِّد الخز … رجِ سعدَ بنَ عبادة

стр. 7105

فرميناهُ بسهميـ … ـنِ (١) فلم نُخطِ فؤادَه والعذرُ له في تخلُّفه عن بيعة الصديق: أنَّه تأوَّلَ أنَّ للأنصار استحقاقًا في الخلافة، فهو معذورٌ وإن كان ما اعتقده من ذلك خطأً. وهذا الحديث من أفراد المؤلف. ٣٦٦٩ - ٣٦٧٠ - (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ) أبو يوسف الأشعريُّ الحمصيُّ، ممَّا وصله الطبرانيُّ في «مسند الشاميِّين» (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) بضمِّ الزاي وفتح الموحَّدة وإسكان التحتيَّة، محمَّدِ بنِ الوليدِ أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أبي (القَاسِمُ) بنُ (٢) محمَّدِ بنِ أبي بكرٍ الصديق

стр. 7106

(أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَخَصَ) بفتح الشين والخاء المعجمتين والصاد المهملة، أي: ارتفع (بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عند وفاته حين خُيِّر (ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ) أي: أدخلني في الرفيق، أي: الملأ (١) (الأَعْلَى) قالها (ثَلَاثًا، وَقَصَّ) القاسمُ بنُ محمَّدٍ (الحَدِيثَ) فيما يتعلَّق بالوفاة وقولِ عمرَ: إنَّه لم يمت، وقول الصديق: إنَّه مات، وتلاوته (٢) الآيتين (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا) أي: العُمرين (مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللهُ بِهَا) قال في «الكواكب»: وكلمة «مِن» الأولى تبعيضيَّة أو بيانيَّة، والثانية زائدة، ثم بيَّنت عائشةُ وجهَ نفع الخطبتين فقالت: (لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ) بقوله: ليقطعن أيدي رجالٍ (وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا) أي: وإن بعضَهم منافقٌ، وهمُ الذين عرَّضَ بهم عمرُ ﵁ (فَرَدَّهُمُ اللهُ بِذَلِكَ) إلى الحقِّ (ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ) ثبت: «الذي» لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ (وَخَرَجُوا بِهِ) أي: بسبب قوله وتلاوته ما ذُكِر (يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]). ٣٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ) الصيرفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى) منذرُ بنُ يَعلى الكوفيُّ الثوريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ) واسمُها: خولةُ بنتُ جعفرٍ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي) عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: (أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «بعد النبيِّ» (¬ ﷺ ؟) زاد في رواية محمَّد بن سوقةَ (٣) عن منذر عن محمَّد ابن الحنفية عند الدارقطنيِّ: قال: أَوَما (٤) تعلمُ يا بُني؟ قلتُ (٥): لا (قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ (٦) عُمَرُ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «ثم» (وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ

стр. 7107

عُثْمَانُ) خيرٌ بعدَ عمرَ تواضعًا منه وهضمًا لنفسه فيضطرب عليه الحال؛ لأنَّه كان يعتقد أنَّ أباه عليًّا أفضل (قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ) أفضلُ بعدَ عمرَ؟ (قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) وعند ابن عساكر في ترجمة عثمان من طريقٍ ضعيفةٍ في هذا الحديث: أنَّ عليًّا قال: إنَّ الثالث عثمان، وقد سبق بيانُ الاختلاف في أيِّهما أفضلُ بعدَ العُمَرَين [خ¦٣٦٥٥] وقد وقعَ الإجماعُ بآخرةٍ (١) بين أهل السُّنَّة أن ترتيبَهم في الفضل كترتيبِهِم في الخلافة ﵃. ٣٦٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيُّ البغلانيُّ (٢) (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكر (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) سنة ست في غزوة بني المصطلق (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة ممدودًا؛ موضع قريب من المدينة (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وسكون التحتيَّة بعدها معجمة؛ موضعٌ آخر قريب منها، والشكُّ من عائشة (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون القاف (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى (٣) التِمَاسِهِ) أي: طلبه (وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى (٤) مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ

стр. 7108

مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى (١) مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قامت» (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ) بإثبات حرف الجرِّ في «بالناس» في فرع «اليونينية» كأصلها (٢) مصحَّحًا عليه (وَلَيْسُوا (٣) عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ (٤) مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذال المعجمة (قَدْ نَامَ فَقَالَ) لي: (حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ وَالنَّاسَ) نصب عطفًا على سابقه (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي) أبو بكرٍ (وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) فقال: حبستِ الناس في قِلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونينَ عناءً (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي) بضمِّ العين (بِيَدِهِ (٥) فِي خَاصِرَتِي) ثبت قوله: «بيده» في «اليونينية» وغيرها، وسقط (٦) في الفرع (فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ) بالنون مِنَ النوم (رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ) دخلَ في الصباح، وفي «التيمم» [خ¦٣٣٤] «فقام رسول الله ﷺ »، بالقاف مِنَ القيام «حين (٧) أصبح» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ) (آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي في «المائدة» (فَتَيَمَّمُوا) أي: الناس لآية التيمُّم المقتضية للأمرِ بذلك (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة مصغَّرين الأوسيُّ: (مَا هِيَ) أي: البركةُ التي حصلتْ للناس برخصة التيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقةٌ ببركاتٍ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا) أي: أَثَرْنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالَة السيرِ (فَوَجَدْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ) أي: تحت البعير. وهذا الحديث قد مرَّ في «التيمم» [خ¦٣٣٤].

стр. 7109

٣٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أبو الحسن العسقلانيُّ الخراسانيُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مِهرانَ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أبا صالحٍ الزياتَ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعدِ بنِ مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) شاملٌ لِمَنْ لابسَ الفِتَنَ منهم وغيره (٢)؛ لأنَّهم مجتهدون في تلك الحروب، متأوِّلون (٣)، فسبُّهُم حرامٌ مِن محرماتِ الفواحش، ومذهبُ الجمهور أنَّ مَن سَبَّهم يُعزَّر ولا يُقتل، وقال بعضُ المالكيَّة: يقتل، ونقل عياضٌ في «الشفا» عن مالك بن أنس وغيرِه أنَّ مَن أبغض الصحابة وسبَّهم فليس له في فيءِ المسلمينَ حقٌّ، ونَزَعَ (٤) بآية الحشر ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الاية [الحشر: ١٠] وقال: من غاظ أصحابُ محمَّد فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٧] ورُوِي حديث: «مَن سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقبَلُ اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا»، وقال المولى سعد الدين التفتازاني: إنَّ سبَّهم والطعنَ فيهم إن كان ممَّا يخالف الأدلة القطعيَّة فكفرٌ؛ كقذف عائشة ﵂، وإلا فبدعةٌ وفِسْقٌ، وقد قال ﷺ : «اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتَّخِذُوهم غرضًا مِن بعدي، فمَن أحبَّهم؛ فبِحُبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهُم (٥) فببُغْضِي أبغضَهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى الله؛ فيوشكُ أن يأخذَه» (فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) زاد البَرقانيُّ في «المصافحة» من طريق أبي بكر بن عيَّاش (٦) عن الأعمش: «كلَّ يومٍ»

стр. 7110

(مَا بَلَغَ) من الفضيلة والثواب (مُدَّ أَحَدِهِمْ) من الطعام الذي أنفقه (وَلَا نَصِيفَهُ) بفتح النون وكسر الصاد المهملة؛ بوزن رغيف (١): النصف، وفيه أربع لغات: «نَُِصف» بكسر النون وضمها وفتحها، و «نصيف» بزيادة تحتيَّة، أي: نصف المد، وذلك لِمَا يقارنُه من مزيد الإخلاص وصدق النية وكمال النفس. وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يقال: فضيلتُهم بحسب فضيلة إنفاقهم، وعظم موقعها، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠] أي: قبل فتح مكَّةَ، وهذا في الإنفاق، فكيف بمجاهدَتِهِم وبذلِهِم أرواحَهم ومُهَجَهُم، وقد أورد في «الكواكب» سؤالًا فقال: فإن قلتَ: لِمَنِ الخطابُ في قوله: «لا تسبُّوا أصحابي» والصحابةُ هم الحاضرون؟ وأجاب: بأنَّه لغيرِهم مِنَ المسلمين المفروضين في العقل، جعل مَن سيُوجَدُ كالموجود، ووجودَهم المترقب كالحاضر، وتعقَّبه في «الفتح» بوقوع التصريح في نفس (٢) الحديث كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى: بأنَّ المخاطبَ بذلك خالدُ بنُ الوليد، حيث كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيءٌ فسبَّه خالد، وهو مِنَ الصحابة الموجودين إذ ذاك باتفاق، وقرَّر أنَّ قوله: «فلو أنفق أحدُكم … » إلى آخره فيه إشعارٌ بأنَّ المراد بقوله أولًا: «أصحابي» أصحابٌ مخصوصون، وإلَّا فالخطابُ كان أولًا للصحابة، وقال: «لو أنَّ أحدُكم أنفق» فنهيُ بعضِ مَن أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سبِّ مَن سبقه؛ يقتضي زجرَ مَن (٣) لم يدركِ النبيَّ ﷺ ولم يخاطبه عن سبِّ مَن سبقه مِن باب أولى، وتعقَّبه في «العمدة»: بأنَّ الحديث (٤) الذي فيه قِصَّةُ خالدٍ لا يدُلُّ على أنَّه المخاطبُ بذلك فإن الخطاب لجماعةٍ، ولئن سلَّمنا أنَّه المخاطب فلا نُسَلِّم أنَّه (٥) كان إذ ذاك صحابيًّا بالاتفاق؛ إذ يحتاج إلى دليل، ولا يظهر ذلك إلَّا بالتاريخ. انتهى. وليس في النسخة التي عندي من «الانتقاض» جواب عن ذلك.
следующие страницы →