من ابن عبَّاسٍ، وله ما أسمع منهم (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) بن أَفْصَى؛ بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصَّاد المُهمَلَة، والوفد: اسمُ جمعٍ، لا جمعٌ لـ «وافدٍ» على الصَّحيح، قال القاضي: وهمُ القومُ يأتون ركبانًا (أَتَوُا النَّبِيَّ) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٥٣]: «لمَّا أتَوُا النَّبيَّ» (¬ ﷺ فَقَالَ) لهم: (مَنِ الوَفْدُ، أَوْ) قال لهم: (مَنِ القَوْمُ؟) شكَّ شعبةُ أو شيخُه (قَالُوا) نحن (رَبِيعَةُ) لأنَّ عبد القيس من أولاده (فَقَالَ) ﵊، وفي رواية ابن عساكر: «قال» (مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ) على الشَّكِّ أيضًا، وفي رواية غير الأَصيليِّ وكريمةَ: بحذفهما (غَيْرَ خَزَايَا) غير مُذَلِّين ولا مُهَانين ولا مفضوحين؛ بوطء البلاد وقتل الأنفس وسبيِ النِّساء، ونُصِبَ «غيرَ» على الحال، قال النَّوويُّ: وهو المعروف، وبالجرِّ: على الصِّفة (وَلَا نَدَامَى) الأصل نادمين جمع نادمٍ لأنَّ «نَدَامى» إنَّما هو جمع ندمان، أي: المُنادِم في اللهوِ، لكن هنا على الإتباع كما قالوا: العشايا والغدايا، و «غداةٌ» جمعها الغدوات لكنَّه أتبع، قاله الزَّركشيُّ كالخطَّابيِّ (١)، وعُورِض بما في «جامع القزَّاز» على ما حكاه السَّفاقسيُّ أنَّه يُقَال: رجلٌ نادمٌ وندمانُ في النَّدامة بمعنًى، أي: نادمٌ (٢)، وحينئذٍ يكون جاريًا على الأصل، وعند النَّسائيِّ من طريق قُرَّة: فقال: «مرحبًا بالوفد ليس الخزايا والنَّادمين (٣)» (قَالُوا): يا رسول الله (إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة، أي: سفرةٍ (بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) أصل الحيِّ منزل
стр. 737
القبيلة، ثمَّ سُمِّيت به اتِّساعًا لأنَّ بعضهم يحيا ببعضٍ (وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ) بتنكيرهما، وهو يصلح لكلِّها، وفي رواية الأَصيليِّ: «في شهر الحرام» بتعريف الثَّاني كمسجد الجامع، والمُرَاد: رجبُ لتفرُّده بالتَّحريم، مع التَّصريح به في رواية البيهقيِّ، كما مرَّ (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ) زاد في رواية «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣]: فَصْلٍ (نُخْبِرُْ بِهِ) بالرَّفع: على الصِّفة لقوله: «أمرٍ» وبالجزم: جوابًا للأمر (مَنْ وَرَاءَنَا) مِنْ قومنا (نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ) بإسقاط واو العطف الثَّابتة (١) في رواية «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣] معَ الرَّفع على الحال المُقدَّرة، أي: نخبر مقدِّرين دخول الجنَّة، أو على الاستئناف، أو البدليَّة، أو الصِّفة بعد الصِّفة، والجزم: جوابًا للأمر، جوابًا بعد جوابٍ، وفي فرع «اليونينيَّة»: «وندخل» بإثبات العاطف كالأولى، وحينئذٍ فلا يتأتَّى الجزم في الثَّاني مع رفع الأوَّل (فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (بِأَرْبَعٍ) وزاد خامسةً وهي: إعطاء الخُمُس (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ لفظة (قَالَ) أي: كالرواية السابقة في «باب الإيمان» (٢): (هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ) المفروضة (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ) المعهودة (وَصَوْمُ رَمَضَانَ، و) أنْ (تُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ) صرَّح «بأنْ» في «وتعطوا» في رواية أحمد عن (٣) غندر، فقال: «وأن تعطوا» فكأنَّ الحذف من شيخ البخاري (وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ) بضمِّ
стр. 738
الدَّال المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة والمدِّ: القرع (وَ) عن (الحَنْتَمِ) بفتح المُهمَلَة؛ وهو جرارٌ خضرٌ مَطْلِيَّةٌ بما يسدُّ الخرق (وَ) عنِ (المُزَفَّتِ) أي: المطليِّ بالزِّفت (قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت: «ورُبَّما» (قَالَ) أبو جمرة: عنِ (النَّقِيرِ) بالنُّون المفتوحة وكسر القاف، أي: الجذع المنقور (وَرُبَّمَا قَالَ) عنِ (المُقَيَّرِ) أي: المطليِّ بالقار، قال في «فتح الباري»: وليس المُرَاد أنَّه كان يتردَّد في هاتين اللَّفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى؛ لأنَّه (١) يلزم من ذكر «المُقيَّر» التَّكرار لسبق ذكر «المُزفَّت» لأنَّه بمعناه، بلِ المُرَاد: أنَّه كان جازمًا بذكر الثَّلاث الأُوَل، شاكًّا في الرَّابع وهو «النَّقير»، فكان تارةً يذكره وتارةً لا يذكره، وكان أيضًا شاكًّا في التَّلفُّظ بالثَّالث، فكان تارةً يقول: «المُزفَّت» وتارةً يقول: «المُقيَّر»، هذا توجيهه، فلا يُلتفَت إلى ما عداه، والدَّليل عليه: أنَّه جزم بـ «النَّقير» في الباب السَّابق؛ يعني: في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣] ولم يتردَّد إلَّا في «المُزفَّت» و «المُقيَّر» (قَالَ: احْفَظُوهُ) أي: المذكور (وَأَخْبِرُوهُ) بفتح الهمزة وكسر المُوحَّدة، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «وأخبروا» بحذف الضَّمير، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأخبروا به» (مَنْ وَرَاءَكُمْ) مِنْ قَومِكم.
(٢٦) هذا (بابُ الرِّحْلَةِ) بكسر الرَّاء من: رحَل يرحَل (٢)، أي: الارتحال (فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ)
стр. 739
بالمرء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي روايتنا أيضًا: «الرَّحلة» بفتح الرَّاء، أي: الواحدة، وأمَّا بضمِّها فالمُرَاد به: الجهة، وقد يُطلَق على من يُرحَل إليه. انتهى. وفي هامش الفرع كأصله: بضمِّ الرَّاء، ورُقِمَ عليه علامة الأَصيليِّ، وزاد (١) في رواية كريمة وأبي الوقت بعد قوله: «النَّازلة»: (وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على «الرِّحلة»، وصُوِّب حذفه لمجيئه في بابٍ آخر.
٨٨ - وبالسَّند السَّابق قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ابن مقاتلٍ أبو الحسن» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ) بضمِّ العَيْن في الأولى وكسرها في الثَّانية (بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين مُصغَّرًا، النَّوفليُّ المكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بفتح العَيْن وسكون المُوحَّدة (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، زهير التَّيميُّ (٢) القرشيُّ الأحول، ونَسبَهُ لجدِّه أبي مليكة لشهرته به، وإِلَّا فأبوه عُبَيْد الله، بضمِّ العين (عَنْ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة (بْنِ الحَارِثِ) بن عامرٍ القرشيِّ المكيِّ، أبو سِروَعة؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وقد تُفتَح، أسلم يوم
стр. 740
الفتح وله في «البخاريِّ» ثلاثةُ أحاديثَ (١)، وعند المؤلِّف في «النِّكاح» في «باب شهادة المرضعة» [خ¦٥١٠٤]: أنَّ ابن أبي مُلَيْكة قال: حدَّثنا عبيد (٢) بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وسمعته من عقبة لكنِّي لحديث (٣) عبيدٍ أحفظ، فصرَّح بسماعه من عقبة، فانتفى قول أبي عمر: إنَّ ابن أبي مُلَيْكَة لم يسمع من عقبة، بينهما عبيد بن أبي (٤) مريم، فإسناده منقطعٌ (أَنَّهُ) أي: عقبة بن الحارث (تَزَوَّجَ ابْنَةً) وللأَصيليِّ: «بنتًا» (لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ) بكسر الهمزة وفتح العَيْن المُهمَلَة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، لا بضمِّ العَيْن وفتح الزَّاي، ابن قيس بن سويدٍ التَّميميِّ (٥) الدَّارميِّ، واسم ابنته: غَنِيَّة؛ بفتح المُعجَمَة وكسر النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكنيتها: أمُّ يحيى (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ) بن الحارث (وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا) أي: غَنِيَّة، وفي رواية الأربعة بحذف: «بها» (فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ) بكسر الكاف (أَرْضَعْتِنِي) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «أرضعتيني» بزيادة مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل النُّون (وَلَا أَخْبَرْتِنِي) ولابن عساكر: «ولا أخبرتيني» بزيادة مُثنَّاة تحتيَّةٍ بعد الفوقيَّة، تولَّدت من إشباع الكسرة فيهما، وعبَّر بـ «أعلم»
стр. 741
مضارعًا و «أخبرت» ماضيًا؛ لأنَّ نفيَ العلم حاصلٌ في الحال، بخلاف نفي الإخبار فإنَّه كان في الماضي فقط (فَرَكِبَ) عقبة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (بِالمَدِينَةِ) أي: فيها (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عقبةُ رسولَ الله ﷺ عن الحكم في المسألة النَّازلة به (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «قال» (رَسُولُ اللهِ) وفي رواية أبي ذر: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : كَيْفَ) تُباشرها (١) وتُفضي إليها (وَقَدْ قِيلَ؟) إنَّك أخوها من الرَّضاعة؟! أي (٢): ذلك بعيدٌ من ذي المروءة والورع (فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ) بن الحارث ﵁ صورةً، أو طلَّقها احتياطًا وورعًا، لا حكمًا بثبوت الرَّضاع وفساد النِّكاح؛ إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادةً يجوز بها الحكم في أصلٍ من الأصول. نعم؛ عمل بظاهر هذا الحديث الإمام (٣) أحمد رحمه الله تعالى، فقال: الرَّضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها (وَنَكَحَتْ) غَنيَّةُ بعد فراق عقبةَ (زَوْجًا غَيْرَهُ) هو ظُرَيب -بضمِّ الظَّاء المُعجَمَة وفتح الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ- ابن الحارث، وتأتي بقيَّة مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى [خ¦٥١٠٤]، والله أسأل العافية والسَّلامة في السَّفر والإقامة.
стр. 742
(٢٧) هذا (بابُ التَّنَاوُبِ) بالخفض على الإضافة (فِي العِلْمِ) أي: بأن يأخذ هذا مُدَّةً (١) ويذكره لهذا، والآخر مدَّةً ويذكره له، وسقط لفظ «باب» للأَصيليِّ.
٨٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة، بالمُهمَلَة والزَّاي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد ابن مسلم بن شهابٍ. (ح) للتَّحويل: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، فيما وصله ابن حبَّان في «صحيحه» عن ابن قتيبة عن حرملة عن عبد الله بن وهبٍ: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هو الزُّهريُّ المذكور في الموصول، فغاير بين اللَّفظين تنبيهًا على قوَّة محافظته على ما سمعه من شيوخه (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العَيْن (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتحها (بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة، القرشيِّ النَّوفليِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنْت أَنَا وَجَارٌ لِي) بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المنفصل
стр. 743
المرفوع، وهو «أنا»، وإنَّما أظهره لصحَّة العطف؛ لئلَّا يلزم عطف الاسم على الفعل، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين من غير إعادة الضَّمير، ويجوز النَّصب على معنى المعيَّة، واسم «الجار»: عِتْبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاريُّ الخزرجيُّ، كما أفاده الشَّيخ قُطب الدِّين بن (١) القسطلانيّ، فيما ذكره الحافظ ابن حجرٍ، ولم يذكر غيره، وعند ابن بشكوال: وذكره البرماويُّ: أنَّه أوس بن خوليٍّ، وعلَّل: بأنَّ النَّبيَّ ﷺ آخى بينه وبين عمر، لكن لا يلزم
стр. 744
من المؤاخاة الجوار (مِنَ الأَنْصَارِ) الكائنين أو المستقرِّين أو النَّازلين (فِي) موضعِ أو قبيلةِ (بَنِي) وفي رواية أبي ذَرٍّ (١): «من بني» (أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ) أي: القبيلة، وفي رواية ابن عساكر: «وهو» أي: الموضع (مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ) قرى شرقيِّ المدينة، بين أقربها وبينها ثلاثةُ أميالٍ أو أربعةٌ، وأبعدها ثمانيةٌ (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَنْزِلُ) جاري الأنصاريُّ (يَوْمًا) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، من العوالي إلى رسول الله ﷺ لتعلُّم العلم (وَأَنْزِلُ يَوْمًا) كذلك (فَإِذَا نَزَلْتُ) أنا (جِئْتُهُ) جواب «فإذا» لما فيها (٢) من معنى الشَّرط (بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ) جاري (فَعَلَ) معي (مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ) بالرَّفع، صفةٌ لـ «صاحبي» (يَوْمَ نَوْبَتِهِ) أي: يومًا من أيَّام نوبته، فسمع أنَّ رسول الله ﷺ اعتزل زوجاتِه، فرجع إلى العوالي، فجاء (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ) بفتح المُثلَّثَة وتشديد الميم؛ اسمٌ يُشَار به إلى المكان البعيد (فَفَزِعْتُ) بكسر الزَّاي، أي: خِفْت لأجل الضَّرب الشَّديد، فإنَّه كان على خلاف العادة، فـ «الفاء» تعليليَّةٌ، وللمؤلِّف في «التَّفسير» -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- قال عمر ﵁: كنَّا نتخوَّف مَلِكًا من ملوك غسَّان ذُكِرَ لنا أنَّه يريد أن يسير إلينا، وقدِ امتلأت صدورُنا منه، فتوهَّمت لعلَّه جاء إلى المدينة، فخفت (٣) لذلك [خ¦٤٩١٣] (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ) طلَّق رسول الله ﷺ نساءَه، قلت: قد كنت أظنُّ أنَّ هذا كائنٌ، حتَّى إذا صلَّيت الصُّبح شَدَدْتُ عليَّ ثيابي، ثمَّ نزلت (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) أمِّ المؤمنين، فالدَّاخل عليها أبوها عمر، لا الأنصاريُّ، وقضيَّةُ حذف «طلَّق» إلى قوله: «فدخلت» يوهم أنَّه من قول الأنصاريِّ، فـ «الفاء» في «فدخلت» فصيحةٌ تُفْصِح عن المُقدَّر، أي: نزلت من العوالي، فجئت إلى المدينة فدخلت، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «دخلت» وللأَصيليِّ: «قال: فدخلت على حفصة» (فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ) وفي روايةٍ لابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أَطلقكنَّ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ) حفصةُ: (لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم أنَّه طلَّقني (٤) (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
стр. 745
فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ): يا رسول الله (أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟!) بهمزة الاستفهام كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، وقال العينيُّ: بحذفها (قَالَ) ﵊: (لَا، فَقُلْتُ) وللأَصيليِّ: «قلت (١)»: (اللهُ أَكْبَرُ) تعجُّبًا من كون الأنصاريِّ ظنَّ أنَّ اعتزاله ﷺ عن نسائه طلاقٌ أو ناشئٌ عنه، والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا: التَّناوب في العلم اهتمامًا بشأنه، لكنَّ قوله: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار نتناوب النُّزول» ليس في رواية ابن وهبٍ، إنَّما هو في رواية شعيبٍ، كما نصَّ عليه الذُّهليُّ والدَّارقطنيُّ والحاكم في آخرين.
وفي هذا الحديث: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥١٩١] و «المظالم» [خ¦٢٤٦٨]، ومسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّوم» و «عِشْرة النِّساء».
(٢٨) هذا (بابُ الغَضَبِ) بالإضافة؛ وهو انفعالٌ يحصل من غليان الدَّم لشيءٍ دخل في القلب (فِي) حالة (المَوْعِظَةِ وَ) حالة (التَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى) الواعظ أو المعلِّم (مَا يَكْرَهُ) أي: الذي يكرهه، فحُذِفَ العائد، وقِيلَ: أراد المؤلِّف الفرقَ بين قضاء القاضي وهو غضبان، وبين تعليم المعلِّم (٢) وتذكير الواعظ، فإنَّه بالغضب أجدرُ، كذا قاله البرماويُّ والعينيُّ كابن المُنَيِّر، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: أمَّا الوعظ فمُسلَّمٌ، وأمَّا تعليم العلم فلا نسلِّم أنَّه أجدرُ بالغضب لأنَّه ممَّا يدهش الفكر، فقد يفضي التَّعليم به في هذه الحالة إلى خللٍ، والمطلوب كمال الضَّبط. انتهى.
стр. 746
٩٠ - وبالسَّند السَّابق (١) قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بفتح الكاف وبالمُثلَّثة، العبْديُّ؛ بسكون المُوحَّدة، البصريُّ، المُوثَّق من أبي حاتمٍ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرني» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ) هو إسماعيل البجليُّ الكوفيُّ الأحمسيُّ التَّابعيُّ الطَّحان، المُسمَّى بالميزان (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمُهمَلَة والزَّاي، الأحمسيِّ الكوفيِّ البجليِّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجيِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو حزم بن أبي كعبٍ، كذا قاله (٢) ابن حجرٍ في «المقدِّمة»، ثم قال في الشَّرح في «كتاب الصَّلاة»: لم أقف على تسميته، ووهم من زعم أنَّه حزم بن أبي كعبٍ؛ لأنَّ قضيَّته (٣) كانت مع معاذٍ لا مع أبيِّ بن كعبٍ (٤): (يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ) في دارٍ لنا (٥) هو معاذ بن جبلٍ، وفي روايةٍ: «ممَّا يطيل» فالأُولى: مِنَ التَّطويل، والأخرى من الإطالة، قال القاضي عياضٌ: ظاهره مشكلٌ؛ لأنَّ التَّطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، ولعلَّه: «لَأَكاد أترك الصَّلاة» فزيدت الألف بعد «لا»، وفُصِلَتِ التَّاء مِنَ الرَّاء فجعلت دالًا، وعُورِضَ: بعدم مساعدة الرِّواية لما ادَّعاه، وقِيلَ: معناه أنَّه كان به ضعفٌ، فكان إذا طوَّل به
стр. 747
الإمام في القيام لا يبلغ الرُّكوع إلَّا وقد ازداد (١) ضعفه، فلا يكاد يُتمُّ معه الصَّلاة، ودُفِعَ: بأنَّ المؤلِّف رواه عن الفريابيِّ بلفظ: «لأتأخَّر عن الصَّلاة» [خ¦٧٠٤]، وحينئذٍ فالمُرَاد: إنِّي لا أقرب من الصَّلاة في الجماعة، بل أتأخَّر عنها أحيانًا من أجل التَّطويل، فعدم مقاربته (٢) لإدراك الصَّلاة مع الإمام ناشئٌ عن تأخُّره عن حضورها ومُسبَّبٌ عنه، فعبَّر عن السَّبب بالمُسبَّب، وعلَّله بتطويل الإمام؛ وذلك لأنَّه إذا اعتِيد التَّطويل منه تقاعد المأموم عن المُبادَرَة ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التَّطويل، فيتأخَّر لذلك، وهو معنى الرِّواية الأخرى المرويَّة عن الفريابيِّ، فالتَّطويل سبب التَّأخُّر الذي هو سببٌ لذلك الشَّيء، ولا داعيَ إلى حمل الرِّواية الثَّابتة في الأمَّهات الصَّحيحة (٣) على التَّصحيف، قاله البدر الدَّمامينيُّ (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا) بالنَّصب على التَّمييز (مِنْ يَوْمِئِذٍ) وفي رواية ابن عساكر (٤): «منه من يومئذٍ» ولفظة «منه» صلةُ «أشدُّ»، والمُفضَّل (٥) عليه وإن كانا واحدًا وهو الرَّسول؛ لأنَّ الضمير راجعٌ إليه، لكن باعتبارين، فهو مُفضَّلٌ باعتبار «يومئذٍ»، ومُفضَّلٌ عليه باعتبار سائر الأيَّام، وسبب شدَّة غضبه ﷺ : إمَّا: لمُخالفة الموعظة لاحتمال تقدُّم الإعلام بذلك، أو للتَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه (٦)، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه ليكونوا من
стр. 748
سماعه على بالٍ؛ لئلَّا يعود من فعل (١) ذلك إلى مثله (فَقَالَ) ﷺ : (يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ) عن الجماعات، وفي رواية أبي الوقت: «إنَّ منكم منفِّرين» ولم يخاطب المطوِّل على التَّعيين، بل عمَّم خوف الخجل عليه لطفًا منه (٢) وشفقةً على جميل عادته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه (فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ) أي: من صلَّى متلبِّسًا (٣) بهم إمامًا لهم (فَلْيُخَفِّفْ) جواب «مَن» الشَّرطيَّة (فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ) الذي ليس بصحيحٍ (٤) (وَالضَّعِيفَ) الذي ليس بقويِّ الخلقة، كالنَّحيف والمُسِنِّ (وَذَا) بالنَّصب، أي: صاحب (الحَاجَةِ) وللقابسيِّ: «وذو الحاجة» بالرَّفع مبتدأٌ، حُذِفَ خبره، والجملة عطفٌ على الجملة المتقدِّمة، أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما ذكر الثَّلاثة لأنَّها تجمع الأنواع الموجبة للتَّخفيف؛ فإنَّ (٥) المقتضي له إمَّا في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته وهو الضَّعيف، أو بحسب العارض وهو المريض (٦)، أوْ لا في نفسه وهو ذو الحاجة.
٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفرٍ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) وفي رواية ابن عساكر: «أبو عامرٍ (٧) العقديُّ» وفي رواية أبي ذَرٍّ: «عبد الملك بن عمرٍو العَقَديُّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ المَدِينِيُّ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة قبل النُّون، وللأَصيليِّ: «المدنيُّ»
стр. 749
بحذفها (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) شيخ إمام الأئمَّة مالكٍ بن أنسٍ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (مَوْلَى المُنْبَعِثِ) بالنُّون والمُوحَّدة والمُهمَلَة والمُثلَّثة، المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) بضمِّ الجيم وفتح الهاء وبالنُّون، نزيل الكوفة، المُتوفَّى بها أو المدينة أو مصر سنة ثمانٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» خمسةُ أحاديث (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ) هو عميرٌ والد مالكٍ، وقِيلَ: بلالٌ المؤذِّن، وقِيلَ: الجارود، وقِيلَ: هو زيد بن خالد نفسه (عَنِ اللُّقَطَةِ) بضمِّ اللَّام وفتح القاف، وقد تُسكَّن؛ الشَّيء الملقوط: وهو ما ضاع بسقوطٍ أو غفلةٍ فيجده شخصٌ (فَقَالَ) له ﷺ ، ولكريمة: «قال» (اعْرِفْ) بكسر الرَّاء من المعرفة (وِكَاءَهَا) بكسر الواو ممدودًا: ما يُربَط به رأس الصُّرَّة والكيس ونحوهما، أو هو الخيط الذي يُشدُّ به الوعاء (أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا) بكسر الواو، أي: ظرفها، والشَّكُّ من زيد (١) بن خالدٍ، أو ممَّن دونه من الرُّواة (وَعِفَاصَهَا) بكسر العين المُهمَلَة وبالفاء؛ وهو الوعاء أيضًا لأنَّ العفص هو الثَّنيُ والعطف؛ لأنَّ الوعاء ينثني (٢) على ما فيه وينعطف، والمُرَاد: الشَّيء الذي يكون فيه النَّفقة من خرقةٍ أو جلدةٍ ونحوهما، أو هو الجلد الذي يلبس رأس القارورة، وأمَّا الذي يدخل في فمها فهو الصِّمام؛ بالمُهمَلَة المكسورة، وإنَّما أمر بمعرفة ما ذكر ليعرف صدق مُدَّعيها من كذبه، ولئلَّا يختلط بماله (ثُمَّ عَرِّفْهَا) على
стр. 750
سبيل الوجوب للنَّاس بذكر بعض صفاتها (سَنَةً) أي: مدَّة سنةٍ (١) متَّصلةٍ يعرّف أوَّلًا كلَّ يومٍ طرفيِ النَّهار، ثمَّ كلَّ يومٍ مرَّةً، ثمَّ كلَّ أسبوعٍ، ثمَّ كلَّ شهرٍ، ولا يجب فورٌ في التَّعريف، بل المُعتَبَر سنةً متى كان، وهل تكفي سنةٌ مُفرَّقةٌ؟ وجهان: ثانيهما وبه قطع العراقيُّون: نعم، قال النَّوويُّ: وهو الأصحُّ (ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا) بكسر التَّاء الثَّانية وتسكين العين عطفٌ على «ثمَّ عَرِّفْها» (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) أي: مالكها (فَأَدِّهَا) جواب الشَّرط، أي: أعطها (إِلَيْهِ، قَالَ) يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ أكذلك أم لا؟ وهو من باب إضافة الصِّفة إلى الموصوف (فَغَضِبَ) ﵊ (حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) تثنيةُ وجنةٍ؛ بتثليث (٢) الواو، و «أُجْنَةٌ» بهمزةٍ مضمومة؛ وهي ما ارتفع عن الخدِّ (أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ) وإنَّما غضب استقصارًا لعلم السَّائل وسوء فهمه؛ إذ إنَّه لم يراعِ المعنى المذكور، ولم يتفطَّن له، فقاس الشَّيء على غير نظيره؛ لأنَّ اللُّقَطَة إنَّما هي الشَّيء الذي سقط من صاحبه ولا يدري أين موضعه، وليس كذلك الإبل، فإنَّها مخالفةٌ لِلُّقَطَة اسمًا وصفةً (فَقَالَ) ﷺ : (وَمَا لَكَ وَلَهَا؟!) أي: ما تصنع بها؟ أي: لِمَ تأخذها ولِمَ تتناولها؟ وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر وفي نسخةٍ (٣): «فما لك» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «ما لك» بغير واوٍ ولا فاءٍ (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بكسر السِّين، مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّمٌ، أي: أجوافها، فإنَّها تشرب فتكتفي به (٤) أيَّامًا (وَحِذَاؤُهَا) بكسر الحاء المُهمَلَة والمدِّ، عطفٌ على «سقاؤها» أي: خُفّها الذي تمشي عليه (تَرِدُ المَاءَ) جملةٌ بيانيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، أو
стр. 751
محلُّها الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي ترد الماء (وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا) أي: إذا كان الأمر كذلك فدعها، فـ «الفاء» في «فَذَرْهَا» جواب شرطٍ محذوفٍ (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) مالكها؛ إذ إنَّها غير فاقدةٍ أسباب العود إليه لقوَّة سيرها، وكون (١) الحذاء والسِّقاء معها لأنَّها ترد الماء ربعًا وخمسًا، وتمتنع من الذِّئاب وغيرها من صغار السِّباع ومن التَّردِّي، وغير ذلك (قَالَ) يا رسول الله (فَضَالَّةُ الغَنَمِ) ما حكمها؟ أهي مثل ضالَّة الإبل أم لا؟ (قَالَ) ﵊: ليست كضالَّة الإبل، بل هي (لَكَ) إن أخذتها (أَوْ لأَخِيكَ) من اللَّاقطين إن لم تأخذها (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها، إن لم تأخذها أنت ولا غيرك، فهو إذْنٌ في أخذها دون الإبل. نعم؛ إذا كانت الإبل في القرى والأمصار فتُلتَقَط لأنَّها تكون حينئذٍ مُعرَّضةً للتَّلف، مطمحةً للأطماع، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في بابه بعون الله وحوله وقوَّته.
٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) هو أبو كريبٍ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامةَ الكوفيُّ (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، عامر بن أبي موسى الأشعريِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁ (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ السِّين المُهمَلَة وكسر الهمزة (عَنْ أَشْيَاءَ) غير منصرفٍ (كَرِهَهَا) لأنَّه ربَّما كان فيها شيءٌ سببًا لتحريم شيءٍ على المسلمين فيلحقهم به المشقَّة، أو غير ذلك، وكان من هذه الأشياء: السُّؤال عن السَّاعة ونحوها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٧٢٩١] (فَلَمَّا أُكْثِرَ) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، أي: فلمَّا أكثر النَّاسُ السُّؤال (عَلَيْهِ) ﷺ (غَضِبَ) لتعنُّتهم في السُّؤال، وتكلُّفهم ما لا حاجة لهم
стр. 752
فيه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ (لِلنَّاسِ: سَلُونِي) وللأَصيليِّ: «ثمَّ قال: سلوني» (عَمَّا شِئْتُمْ) بالألف، وللأَصيليِّ: «عمَّ شئتم» (١) بحذفها؛ لأنَّه يجب حذف ألف «ما» الاستفهاميَّة إذا جُرَّت، وإبقاء الفتحة دليلٌ عليها نحو: فيمَ، وإلامَ، وعلامَ؛ للفرق بين الاستفهام والخبر، ومن ثمَّ حُذِفت في نحو: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ﴾ [النمل: ٣٥] وثبتت في نحو (٢): ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [ص: ٧٥] فكما لا تُحذَف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وحَمْلُ هذا القول منه ﵊ على الوحي أَوْلى، وإلَّا فهو لا يعلم ما يُسأَل عنه من المُغيَّبات إلَّا بإعلام الله تعالى كما هو مُقرَّرٌ (قَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حُذَافة الرَّسولُ إلى كسرى: (مَنْ أَبِي) يا رسول الله؟ (قَالَ) ﵊: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ وذالٍ معجمةٍ وفاءٍ، القرشيُّ السَّهميُّ، المُتوفَّى في خلافة عثمان ﵁ (فَقَامَ) رجلٌ (آخَرُ) وهو سعد بن سالمٍ كما في «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ (٣) (فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قال»: (أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ) بن ربيعة، وهو صحابيٌّ جزمًا، وكان سبب السُّؤال طعن بعض النَّاس في نسب بعضهم على عادة الجاهليَّة (فَلَمَّا رَأَى) أي: أبصر (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (مَا فِي وَجْهِهِ) الوجيه ﵊ من أثر الغضب (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ ممَّا يوجب غضبك.
стр. 753
(٢٩) هذا (بابُ (١) مَنْ بَرَكَ) بفتحتين وتخفيف الرَّاء (على رُكْبَتَيهِ عِندَ الإمام أو المُحَدِّث).
٩٣ - وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة؛ بالمُهمَلَة والزَّاي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) فسُئِل، فأكثروا عليه، فغضب، فقال: سلوني (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ) السَّهميُّ المهاجريُّ، أحد الذين أدركوا بيعة الرِّضوان (فَقَالَ) يا رسول الله (مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) ﵊، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «قال: من أبي؟» فقال: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) وفي «مسلمٍ»: إنَّه كان يُدعَى لغير أبيه، ولمَّا سمعت أمُّه سُؤْاله قالت: ما سمعت بابنٍ أعقَّ منك، أأمنت أن تكون أمُّك قارفت ما يقارف نساء الجاهليَّة فتفضحها على أعين النَّاس؟! فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسودَ للحقت به. (ثُمَّ أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة (أَنْ يَقُولَ) ﵊: (سَلُونِي، فَبَرَكَ) بفتح المُوحَّدة والرَّاء المُخفَّفة (عُمَرُ) ﵁ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) يُقَال: برك البعير إذا استناخ، واستُعمِل في الآدميِّ على طريق المجاز غير المُقيَّد؛ وهو أن يكون في حقيقته مُقيَّدًا، فيُستعمَل في الأعمِّ بلا قيدٍ كالمِشْفَر لشفة البعير، فيُستعمَل لمطلق الشَّفة، فيُقَال: زيدٌ غليظ المِشْفر (فَقَالَ) عمر ﵁ بعد أن برك على ركبتيه تأدُّبًا وإكرامًا لرسول الله ﷺ وشفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا،
стр. 754
وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا) فرضي النَّبيُّ ﷺ بذلك (فَسَكَتَ) وفي بعض الرِّوايات: «فسكن غضبه» بدل «فسكت».
(٣٠) هذا (بابُ مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ) في أمور الدِّين (ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الهاء (عَنْهُ) كذا للأَصيليِّ وكريمة فيما نصَّ عليه الحافظ ابن حجرٍ، وفي روايةٍ: حذف «عنه» وكسر الهاء، وفي أخرى كذلك مع فتحها (فَقَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف، وفي غير رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ: «فقال النَّبيُّ ﷺ : ألا» (وَقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا) في مجلسه ذلك، والضَّمير لقوله: «وقول الزُّور»، وهذا طرفٌ من حديث وصله بتمامه في «كتاب الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٤] (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ فيما وصله المؤلِّف في «خطبة الوداع» [خ¦٤٤٠٢]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثًا) أي: قال: هل بلَّغت؟ ثلاث مرَّات.
٩٤ - وبالسَّند الماضي إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العَيْن المُهمَلَة وسكون المُوحَّدة، ابن عبد الله الخزاعيُّ البصريُّ الكوفيُّ الأصلِ، المُتوفَّى سنةَ ثمانٍ وخمسين ومئتين (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ العنبريُّ التَّميميُّ البصريُّ، الحافظ الحجَّة،
стр. 755
المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُثَنَّى) بضمِّ الميم وفتح المُثلَّثة وتشديد النُّون المفتوحة، ابن عبد الله بن أنس بن مالكٍ الأنصاريُّ، وثَّقه العجليُّ والتِّرمذيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميمين، زاد في غير رواية (١) أبي ذَرٍّ وأبي الوقت: (بْنُ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن أنس بن مالكٍ الأنصاريُّ البصريُّ (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: كَانَ إِذَا سَلَّمَ) على أناس (سَلَّمَ) عليهم (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، ويشبه أن يكون ذلك عند الاستئذان؛ لحديث: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذَن له فليرجع» [خ¦٦٢٤٥] وعُورِضَ بأنَّ تسليمة الاستئذان لا تُثنَّى إذا حصل الإذن بالأُولى، ولا تُثلَّث إذا حصل الإذن (٢) بالثَّانية. نعم؛ يحتمل أن يكون معناه: أنَّه ﵊ كان إذا أتى على قومٍ سلَّم عليهم تسليمة الاستئذان، وإذا دخل سلَّم تسليمة التَّحيَّة، ثمَّ إذا قام من المجلس سلَّم تسليمة الوداع، وكلٌّ سُنَّةٌ (وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊ (بِكَلِمَةٍ) أي: بجملةٍ مفيدةٍ من باب إطلاق اسم البعض على الكلِّ (أَعَادَهَا ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، قال البدر الدَّمامينيُّ: لا يصحُّ أن يكون «أعاد» مع بقائه على ظاهره عاملًا في «ثلاثًا» ضرورة أنَّه يستلزم قول تلك الكلمة أربع مرَّاتٍ، فإنَّ الإعادة ثلاثًا إنَّما تتحقَّق بها، إذِ المرَّة الأولى لا إعادة فيها، فإمَّا أن تضمَّن معنى «قال»، ويصحُّ عملها في «ثلاثًا» بالمعنى المُضمَّن، أو يبقى «أعاد» على معناه ويُجعَل العامل محذوفًا، أي: أعادها فقالها، وعليهما فلم تقع الإعادة إلَّا مرتين. انتهى.
стр. 756
٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) زاد في رواية الأَصيليِّ: «الصَّفَّار» وهو السَّابق، وسقط عنده لفظة «ابن عبد الله» قال (١): (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُثَنَّى) الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «ثمامة ابن أنسٍ» فنسباه إلى جدِّه، وأسقطا اسم أبيه، وإلَّا فاسم أبيه: عبد الله (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا) أي: الكلمة المُفسَّرة بالجملة المفيدة (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، وقد بيَّن المُرَاد بالتَّكرار في قوله: (حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لكي تُعقَل؛ لأنَّه ﵊ مأمورٌ بالإبلاغ والبيان، وعبَّر بـ «كان إذا تكلَّم» ليشعر بالاستمرار؛ لأنَّ «كان» تدلُّ على الثَّبات والاستمرار بخلاف «صار» فإنَّها تدلُّ على الانتقال، فلهذا يجوز أن يُقَال: كان الله، ولا يجوز: صار (وَ) كان ﷺ (إِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، و «إذا» شرطٌ جوابه: «سلَّم»، لا «فَسَلَّمَ»، بل هو عطفٌ على «أتى» من بقيَّة الشَّرط.
وقد سقط حديث عبدة الأوَّل في رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ، ولا يخفى الاستغناء عنه بالثَّاني.
стр. 757
٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بفتح السِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العَيْن المُهمَلَة، اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المُعجَمَة، جعفر بن إياسٍ (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَِكَ) بفتح الهاء وبكسرها، غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة، وللأَصيليِّ: بالصَّرف لأجل الصِّفة على ما تقدَّم تقريره في «باب من رفع صوته بالعلم» [خ¦٦٠] (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص ﵁ أنَّه (قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ) وللأَصيليِّ كما في الفرع وأصله (١): «في سفرةٍ سافرناها» ووقع في «مسلمٍ» تعيينها من مكَّة إلى المدينة (فَأَدْرَكَنَا) بفتح الكاف، أي: النَّبيُّ ﷺ (وَقَدْ أَرْهَقْنَا) بسكون القاف (الصَّلَاةَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وللأَصيليِّ: «أرهقَتنا» بالتَّأنيث، وفتح القاف «الصَّلاةُ» بالرَّفع على الفاعليَّة (صَلَاةَ العَصْرِ) بالنَّصب، أو الرَّفع على البدليَّة من «الصَّلاة» (وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) أي: نغسلها غسلًا خفيفًا (فَنَادَى) رسول الله ﷺ (٢) (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) شَكٌّ من الرَّاوي.
وقد سبق الحديث في «باب من رفع صوته بالعلم» [خ¦٦٠] وأعاده لغرض تكرار الحديث، وأخرجه هناك عن أبي (٣) النُّعمان عن أبي عوانة، وهنا عن مُسدَّدٌ عن أبي عوانة، وصرَّح هنا بصلاة العصر، وتأتي بقية مباحثه في «الطَّهارة» [خ¦١٦٣] إن شاء الله تعالى.
стр. 758
(٣١) (بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ أمَةَ الرَّجل من أهل بيته.
٩٧ - وبالسَّند قال: (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) ولكريمة: «حدَّثنا محمَّدٌ» (هُوَ ابْنُ سَلَامٍ) أي: بتخفيف اللَّام، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ» وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «حدثني محمَّد بن سلام قال»: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالحاء المُهمَلَة، وكسر الرَّاء والمُوحَّدة، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن زيادٍ الكوفيُّ، المُوثَّق، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ (١) ابْنُ حَيَّانَ) بفتح المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ونسبه لجدِّه الأعلى لشهرته به، وإلَّا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيَّان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيُّ الضَّعيف (قَالَ) أي: صالحٌ (قَالَ عَامِرٌ) هو ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) بفتح المُعجَمَة وسكون المُهمَلَة وبالمُوحَّدة: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو موسى
стр. 759
الأشعريُّ، كما صرَّح به في «العتق» [خ¦٢٥٤٤] وغيره (قَالَ) أي: أبو موسى: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، خبره جملة: (لَهُمْ أَجْرَانِ) أوَّلهم: (رَجُلٌ) وكذا امرأةٌ (مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط، على القول بأنَّ النَّصرانيَّة ناسخةٌ لليهوديَّة، حال كونه قد (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، مع إيمانه بمحمَّد ﷺ المنعوت في التَّوراة والإنجيل، المأخوذ له الميثاق على سائر النَّبيِّين وأممهم (وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ¬) أي: آمن (١) بأنَّه هو الموصوف في الكتابين، ويأتي -إن شاء الله تعالى- ما في ذلك من المباحث في «باب فضل من أسلم من أهل الكتابين» في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠١١] (وَ) الثَّاني: (العَبْدُ المَمْلُوكُ) أي: جنس العبد المملوك (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ) تعالى، أي: كالصَّلاة والصَّوم (وَحَقَّ مَوَالِيْهِ) بسكون الياء، جمع مَولًى لتحصل مُقابَلة (٢) الجمع في جنس العبيد بجمع المولى، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين مَوَالٍ، والمُرَاد من حقِّهم: خدمتهم، ووصف «العبد» بـ «المملوك» لأنَّ كلَّ النَّاس عباد الله، فميَّزه بكونه مملوكًا للنَّاس (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) زاد في رواية الأربعة «٥ س ط ص» (٣) (يَطَؤُهَا) بالهمزة (فَأَدَّبَهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) بلطفٍ ورفقٍ من غير عنفٍ (وَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمه من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا) بعد أن أَصْدَقَهَا (فَلَهُ أَجْرَانِ) الضَّمير يرجع إلى «الرَّجل» الأخير، وإنَّما لم يقتصر على قوله: «فلهم أجران» مع كونه داخلًا في الثَّلاثة بحكم العطف لأنَّ الجهة كانت فيه متعدِّدةً؛ وهي التَّأديب والتَّعليم والعتق والتَّزوُّج (٤)، وكان (٥)
стр. 760
مظنَّة أن يستحقَّ من (١) الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: «فله أجران» إشارةً إلى أنَّ المُعتَبَر من الجهات أمران، وإنَما اعْتُبِر اثنين فقط لأنَّ التَّأديب والتَّعليم يوجبان الأجر في الأجنبيِّ والأولاد وجميع النَّاس، فلم يكن مختصًّا بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلَّا في العتق والتَّزوُّج (٢)، وإنَّما ذكر الآخرين (٣) لأنَّ التَّأديب والتَّعليم أكمل للأجر؛ إذ تزوُّجُ المرأةِ المُؤدَّبةِ المُعلَّمة أكثرُ بركةً وأقرب إلى أن تُعِين زوجها على دينه، وعطف بـ «ثمَّ» في العتق وفي السَّابق بالفاء لأنَّ التَّأديب والتَّعليم ينفعان في الوطء، بل لا بدَّ منهما فيه (٤)، والعتق نقلٌ من صنفٍ إلى صنفٍ، ولا يخفى ما بين الصِّنفين من البُعد، بل من الضِّدِّيَّة في الأحكام والمُنافَاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًّا على التَّراخي بخلاف التَّأديب وغيره ممَّا ذُكِرَ، فإن قلت: إذا لم يطأِ الأَمَةَ لكن أدَّبها هل له أجران؟ أُجِيب: بأنَّ المراد تمكُّنه من وطئها شرعًا وإن لم يطأْها. انتهى. وإنَّما عُرِّف «العبد» ونُكِّر «رجلٌ» في الموضعين الأخيرين لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، وكذا الإتيان في «العبد» بـ «إذا» دون القسم الأوَّل لأنَّها ظرفٌ، و «آمن»: حالٌ، وهي في حكم الظَّرف لأنَّ معنى: جاء زيد راكبًا: في وقت الرُّكوب وحاله، أو (٥) يُقال: في وجه المُخالَفَة الإشعار بفائدةٍ عظيمةٍ (٦) وهي أنَّ الإيمان بنبيِّه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدَّ من الإيمان في عهده حتَّى يستحقَّ أجرين بخلاف العبد، فإنَّه في زمان الاستقبال يستحقُّ الأجرين أيضًا، فأتى بـ «إذا» التي للاستقبال، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: هو غير مستقيمٍ لأنَّه مشى فيه مع ظاهر اللَّفظ، وليس مُتَّفقًا عليه بين الرُّواة، بل هو عند المصنِّف وغيره مختلفٌ، فقد عبَّر في «ترجمة عيسى» بـ «إذا» في الثَّلاثة، وعبَّر في «النِّكاح» [خ¦٣٤٤٦] بقوله: «أيُّما رجلٍ» في المواضع الثَّلاثة [خ¦٥٠٨٣] وهي صريحةٌ في التَّعميم، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الجهاد» [خ¦٣٠١١].
стр. 761
(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) الشَّعبيُّ لراويه صالحٍ المذكور: (أَعْطَيْنَاكَهَا) أي: أعطينا المسألة أو المقالة إيَّاك (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من أجرةٍ، بل بثواب التَّعليم والتَّبليغ (١)، أو الخطاب لرجلٍ من أهل خراسان سأل الشَّعبيَّ عمَّن يعتق أَمَتَه ثمَّ يتزوَّجها، كما عند المؤلِّف في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٤٦] والأوَّل قاله الكِرمانيُّ، والثَّاني قاله العينيُّ كابن حجرٍ، وهو الرَّاجح (قَدْ) وللأَصيليِّ: «وقد» بالواو، ولغيره -كما قاله العينيُّ والبرماويُّ-: «فقد» (كَانَ يُرْكَبُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الكاف، أي: يرحل (فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة، والضَّمير للمسألة أو المقالة، وقد ظهر أنَّ مُطابَقَة الحديث للتَّرجمة في «الأمة» بالنَّص، وفي «الأهل» بالقياس؛ إذِ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله تعالى وسنن رسوله ﵊ آكدُ من الاعتناء بالإماء.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم كوفيُّون، ما خلا ابن سَلَامٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» (٢) [خ¦٢٥٤٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١١] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٣) وابن ماجه.
(٣٢) هذا (بابُ عِظَةِ الإِمَامِ) أي: الأعظم أو نائبه (النِّسَاءَ) أي: تذكيرهنَّ العواقب (وَتَعْلِيمِهِنَّ) أمور الدِّين، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ (٤).
стр. 762
٩٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباحٍ أسلمَ (١) الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (٢): «رسول الله» (¬ ﷺ ، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن (٣) كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء (وَمَعَهُ بِلَالٌ) أي: ابن (٤) رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «معه بلالٌ» بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] (فَظَنَّ) ﷺ (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين (٥) أسمع الرِّجال، فـ «أنَّ» مع اسمها
стр. 763
وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ» وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «أنَّه لم يُسمع» بدون ذكر «النِّساء» (فَوَعَظَهُنَّ) ﵊ بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦٣٠٤] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة (٢) لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه (٣) كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها (وَالخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه ليصرفه ﵊ في مصارفه لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه خبرُه، والجملة حاليَّةٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ «وقال إسماعيل» أي: ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: «قال ابن عبَّاسٍ»: (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩].
(٣٣) هذا (بابُ الحِرْصِ عَلَى) تحصيل (الحَدِيثِ) المُضَاف إلى النَّبيِّ ﷺ ، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
стр. 764
٩٩ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبَُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: «قال: يا رسول الله» بإسقاط «قيل» كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت «قلت» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠] فتصحَّفت بـ «قيلَ» لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و «مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه تاليه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬): واللهِ (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَُنِي) بضمِّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُون (١)﴾ بالرَّفع والنَّصب لوقوع «أنْ» بعد
стр. 765
الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القَسَم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد (عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلَُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفةٌ لـ «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً لأنَّها في سياق النَّفيِ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك (لِمَا رَأَيْتُ) أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ) أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ «يوم القيامة» للحَمُّويي (١) (مَنْ قَالَ) في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو
стр. 766
«أسعدُ النَّاس (١)»، و «مَنْ»: موصولةٌ، أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: «مخلصًا» (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفى بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله (٢): «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلفَّظ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ (٣)، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل التَّعبير بـ «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أَسْعَد» إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين (٤) والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب، أي: هو أسعد ممَّن لم (٥) يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد كما مرَّ، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ -يعني قوله: «مخلصًا» - على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «صفة الجنَّة والنَّار» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠]، والله أعلم (٦).
стр. 767
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وفي فرع «اليونينيَّة» بغير تنوينٍ مُضَافًا (١) لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ) أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ (وَكَتَبَ) وفي رواية ابن عساكر: «قال -أي: البخاريُّ- وكتب» (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن (٢) محمَّد بن عمرو (ابْنِ حَزْمٍ) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ (انْظُرْ مَا كَانَ) أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (٣) الكُشْمِيهَنيِّ: «انظر ما كان عندك» أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّةٌ، وعلى الثَّانية ناقصةٌ، و «عندك» الخبر (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ) فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ،
стр. 768
فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك (وَلَا يُقْبَلْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (١): «تَقبلْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِْيُفْشُوا العِلْمَ، وَلِْيَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في (٢) الأوَّل؛ مِنَ الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير (٣) ابن عساكر: «ولتفشوا ولتجلسوا» بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ (٤): «يَعْلَمَ» بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه كـ «ضرَب يضرِب» وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا) أي: خُفْيَةً (٥)، كاتِّخاذه في الدُّور (٦) المحجورة التي قد (٧) لا يتأتَّى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و (٨) كريمة وابن عساكر ولفظة: «حدَّثنا» وفي رواية الأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله، أي: البخاريّ» (حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين (٩) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ
стр. 769
بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ، المُتوفَّى سنة سبع وستِّين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) القرشيِّ المدنيِّ، مولى ابن (١) عمر ﵄ (بِذَلِكَ، يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: محتملٌ أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر، أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرِّواية، والأوَّل أظهر، وبه صرَّح أبو نعيمٍ في «المُستخرَج» ولم أجده (٢) في مواضع كثيرةٍ إلَّا كذلك، وعلى هذا فبقيَّته من كلام المصنِّف أورده تلو كلام عمر، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر. انتهى.
١٠٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة والسِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) ﵄ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ) أي: في حجَّة الوداع، كما عند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أبي أمامة: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ) من بين النَّاس (انْتِزَاعًا) بالنَّصب مفعولٌ مُطلَقٌ (يَنْتَزِعُهُ) وفي رواية: «ينزعه» (مِنَ العِبَادِ) بأن يرفعه إلى السَّماء أو يمحوَه من صدورهم (وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ)
стр. 770
أرواح (١) (العُلَمَاءِ) وموت حَمَلَته، وإنَّما عبَّر بالمُظْهَر في قوله: «يقبض العلم» موضع المُضمَر لزيادة تعظيم المُظْهَر كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر القاف؛ مِنَ الإبقاء، وفيه ضميرٌ يرجع إلى الله تعالى، أي: حتَّى إذا لم يُبْقِ الله تعالى (عَالِمًا) بالنَّصب على المفعوليَّة كذا في رواية الأَصيليِّ، ولغيره (٢): «يَبْقَ» بفتح حرف المضارعة والقاف، مِنَ البقاء الثُّلاثيِّ، و «عالمٌ» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى إذا لم يترك عالمًا» (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (رُؤُوْسًا) بضمِّ الرَّاء والهمزة والتَّنوين، جمع رأسٍ، ولأبي ذرٍّ أيضًا -كما في «الفتح» -: «رؤَساءَ» بفتح الهمزة وفي آخره همزةٌ أخرى مفتوحةٌ، جمع رئيسٍ (جُهَّالًا) بالضَّمِّ والتَّشديد والنَّصب صفةٌ للسَّابقة (٣) (فَسُئِلُوا) بضمِّ السِّين، أي: فسألهمُ السَّائل (فَأَفْتَوْا) له (بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا) أي: مِنَ الضَّلال، أي: في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) مِنَ: الإضلال، أي: أضلّوا السَّائلين، فإن قلت: الواقع بعد «حتَّى» هنا جملةٌ شرطيَّةٌ، فكيف وقعت غايةً؟ أُجِيب: بأنَّ التَّقدير: ولكن يُقبَض العلم بقبض العلماء، إلى أن يتَّخذ النَّاس رؤساءَ جُهَّالًا وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مُرتَّبًا على فعل الشَّرط. انتهى. واستدلَّ به الجمهور على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ خلافًا للحنابلة.
(قَالَ الفَِرَبْرِيِّ) أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطرٍ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بالمُوحَّدة والمُهمَلَة آخره، وفي روايةٍ بإسقاط «قال الفَِرَبْرِيِّ» (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أحد مشايخ المؤلِّف (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث مالكٍ السَّابق، وهذه (٥) من زيادات (٦)
стр. 771
الرَّاوي عنِ (١) البخاريِّ في بعض الأسانيد، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلمٌ عنه، وسقط من قوله «قال الفَِرَبْرِيِّ … » إلى آخره لابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ.
(٣٥) هذا (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يَجْعَلُ) الإمام (لِلنِّسَاءِ يَوْمًا عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ؟) بكسر الحاء وتخفيف الدَّال المُهمَلَتين، أي: على انفرادٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقت و (٢) كريمة: «يُجعَل» على صيغة المجهول، و «يومٌ» بالرَّفع مفعولٌ ناب (٣) عن فاعله.
١٠١ - ١٠٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة على القول بعجمته، وإلَّا فالعلميَّة ووزن الفعل، وهو ابن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ) بفتح الهمزة وقد تُكْسَر، وقد تُبدَل باؤها فاءً، عبد الرَّحمن بن عبد الله الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ) بالذَّال المُعجَمَة وسكون الكاف، حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) سعد بن مالكٍ ﵁ (قَالَ) أي: قال أبو سعيدٍ: (قَالَ النِّسَاءُ) وفي رواية بإسقاط «قال» الأولى، ولغير أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر (٤): «قالتِ النِّساء» بتاء التَّأنيث، وكلاهما جائزٌ في فعل اسم الجمع (لِلنَّبِيِّ ﷺ :
стр. 772
غَلَبَنَا) بفتح المُوحَّدة (عَلَيْكَ الرِّجَالُ) بملازمتهم لك كلَّ الأيَّام يتعلَّمون الدِّين، ونحن نساءٌ ضعفةٌ لا نقدر على مُزاحَمتهم (فَاجْعَلْ) أي: انظر لنا فَعَيِّن (لَنَا يَوْمًا) من الأيَّام تعلِّمنا فيه، يكون منشؤه (مِنْ نَفْسِكَ) أي: من اختيارك لا من اختيارنا، وعبَّر عنِ التَّعيين بـ «الجعل» لأنَّه لازمه (فَوَعَدَهُنَّ) ﵊ (يَوْمًا) ليعلِّمهنَّ فيه (١) (لَقِيَهُنَّ فِيهِ) أي: في اليوم الموعود به، و «يومًا» نصب مفعول ثانٍ لـ «وعد»، قال العينيُّ (٢): فإن قلت: عطف الجملة الخبريَّة وهي «فوعدهنَّ» على الإنشائيَّة وهي «فاجعل لنا»، وقد منعه ابن عصفورٍ وابن مالكٍ وغيرهما، أُجِيب: بأنَّ العطف ليس على قوله: «فاجعل لنا يومًا»، بل العطف على جميع الجملة من قوله: غلبنا عليك الرِّجال فاجعل لنا يومًا (٣) من نفسك. انتهى. (فَوَعَظَهُنَّ) ﵊، أي: فوفَّى ﵊ بوعدهنَّ ولقيَهنَّ، فوعظهنَّ بمواعظ (وَأَمَرَهُنَّ) بأمورٍ دينيَّةٍ (فَكَانَ (٤) فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ) التَّقديمُ (لَهَا حِجَابًا) بالنَّصب (٥) خبر
стр. 773
«كان»، وللأَصيليِّ: «ما منكنَّ مِن ِامرأةٍ» بزيادة «مِن» زِيدَت تأكيدًا كما قاله البرماويُّ، وللأَصيليِّ وابن عساكر والحَمُّويي: «حجابٌ» بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةً، أي: حصل لها حجابٌ (مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَ) من قدَّم (اثْنَيْنِ؟) ولكريمة: «واثنتين» بتاء التَّأنيث، والسَّائلة هي أمُّ سُليمٍ كما (١) عند أحمد والطَّبرانيِّ، أوأمُّ أيمن كما عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»، أو أمُّ مبشِّرٍ -بالمُعجَمَة المُشدَّدة- كما بيَّنه المؤلِّف (فَقَالَ) (٢) ﷺ : (وَ) من قدَّم (اثْنَيْنِ) ولكريمة: «واثنتين» أيضًا.
تنبيه: حكم الرجل في ذلك كالمرأة.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالحٍ، وأفاد المؤلِّف هنا تسمية ابن الأصبهانيِّ المُبهَم في الرِّواية السَّابقة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: «الخدريِّ» كما للأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) أي: بالحديث المذكور (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ (٣) الأَصْبَهَانِيِّ) الواو في «وعن» للعطف على قوله في السَّابقة: عن عبد الرَّحمن، والحاصل: أنَّ شعبة يرويه عن عبد الرَّحمن
стр. 774
بإسنادين، فهو موصولٌ، ومن زعم أنَّه مُعلَّقٌ فقد وهم، أنَّه (١) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالمُهمَلَة والزَّاي، سلمانَ الأشجعيَّ الكوفيَّ، المُتوفَّى في خلافة عمر بن عبد العزيز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وقال» بواو العطف على محذوفٍ تقديره مثله، أي: مثل حديث أبي سعيدٍ، وقال: (ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ) بكسر المُهمَلَة وبالمُثلَّثة، أي: الإثم، فزاد هذه على الرِّواية الأولى، والمعنى: أنَّهم ماتوا قبل البلوغ فلم يكتب الحنث (٢) عليهم، ووجه اعتبار ذلك: أنَّ الأطفال أعلق بالقلوب، والمصيبة بهم عند النِّساء أشدُّ لأنَّ وقت الحضانة قائمٌ.
(٣٦) هذا (بابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا) زاد في رواية أبي ذَرٍّ مما ليس في «اليونينيَّة» (٣): «فلم يفهمه» ولابن عساكر: «فلم يفهم» (٤) (فَرَاجَعَ) أي: راجع (٥) الذي سمعه منه، وللأَصيليِّ: «فراجع فيه» وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (٦) «فراجعه» (حَتَّى يَعْرِفَهُ).
١٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ) بكسر العَيْن (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجمحيُّ المصريُّ (٧)، المُتوفَّى
стр. 775
سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، ونسبه لجدِّ أبيه لأنَّ أباه الحكم بن محمَّد بن أبي مريم (قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ابن عمر الجمحيُّ» وهو قرشيٌّ مَكِيٌّ، تُوفِّي سنة أربعٍ وعشرين ومئة (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، عبد الله بن عبيد الله (أَنَّ عَائِشَةَ) بفتح الهمزة، أي: بأنَّ عائشة (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂ (كَانَتْ لَا تَسْمَعُ (٢)) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «لا تستمع (٣)» (شَيْئًا) مجهولًا موصوفًا بوصفٍ (٤) (لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ) النَّبيَّ ﷺ (حَتَّى) أي: إلى أن (تَعْرِفَهُ) وجمع بين «كانت» الماضي وبين «لا تسمع» المضارع؛ استحضارًا للصُّورة الماضية لقوَّة تحقُّقها (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) عطفٌ على قوله: «أنَّ عائشة» (قَالَ: مَنْ) موصولٌ مُبتدَأٌ، و (حُوسِبَ) صلته، و (عُذِّبَ) خبر المُبتدَأ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: أَ) كان كذلك (وَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وللأَصيليِّ وكريمة: « »، فـ «يقول»: خبر «ليس»، واسمها: ضمير الشَّأن، أو: أنَّ «ليس» بمعنى لا، أي: أَوَ لا يقول الله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]) أي: سهلًا لا يُناقَش فيه (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَقَالَ) (٥) رسول الله ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ) بكسر الكاف لأنَّه خطابٌ لمؤنَّثٍ (٦) (وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: من ناقشه الله الحساب، أي: مَنِ استقصى حسابه (يَهْلِكْ) بكسر اللَّام وإسكان الكاف، جواب «مَن» الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط،