← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

ما يلزمه إذا قتلها وهو محرمٌ؟ (فَقَالَ) أي: ابن عمر متعجِّبًا من كونهم يسألون عن الشَّيء الحقير، ويفرِّطون في الشَّيء الخطير (أَهْلُ العِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنِ الذُّبَابِ) بضمِّ المعجمة وبالمُوحَّدتين بينهما ألفٌ: ما يلزم المحرم إذا قتله؟ (وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الحُسينَ بضمِّ الحاء (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُمَا) أي: الحَسَنان (رَيْحَانَتَايَ) بتاءٍ فوقيَّةٍ بعد النُّون بلفظ التَّثنية، ولأبي ذرٍّ: «ريحاني» (مِنَ الدُّنْيَا) بغير تاءٍ بلفظ الإفراد، ووجه التَّشبيه أنَّ الولد يُشَمُّ ويُقبَّل، وعند التِّرمذيِّ من حديث أنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يدعو الحَسن والحُسين فيشمُّهما ويضمُّهما إليه، وعند الطَّبرانيِّ: «هما ريحانتاي من الدُّنيا أشمُّهما»، وقوله: «من الدُّنيا» كقوله ﷺ : «حُبِّب إليَّ من دنياكم الطِّيب والنِّساء» أي: نصيبي، ويحتمل أن يكون ابن عمر أجاب السَّائل عن خصوص ما سأل عنه؛ لأنَّه لا يحلُّ له كتمان العلم، إلَّا إن حُمِل على أنَّ السَّائل كان متعنِّتًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٩٤]، والتِّرمذيُّ في «المناقب». (٢٣) (بابُ مَنَاقِبِ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وأمُّه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب شحيحًا على دينه، وعُذِّب في الله عذابًا شديدًا فصبر وهان على قومه، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكَّة، وهو يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، وكان أميَّة بن خلفٍ ممَّن يوالي على بلالٍ العذاب، فكان قتلُه على يد بلالٍ، فقال أبو بكرٍ ﵁ أبياتًا منها: هنيئًا زادك الرَّحمن خيرًا … فقد أدركت ثارَك يا بلالُ وكان شديد الأدمة نحيفًا طِوَالًا خفيف العارضين، من مُولَّدي مكَّة، مولًى لبعض بني

стр. 7212

جُمَحٍ، وأصله من الحبشة، تُوفِّي بدمشق سنة عشرين، وهو ابن ثلاثٍ وستِّين سنةً، وكان (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن قيس بن أبي حازمٍ: أنَّ أبا بكرٍ ﵁ اشتراه بخمس أواقٍ وهو مدفونٌ بالحجارة، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ (وَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدَّال وتشديد الفاء، أي: خفقهما (بَيْنَ يَدَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (فِي الجَنَّةِ) وهذا وصله في «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٤٩]. ٣٧٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشُون، واسمُ أبي سلمة: دينارٌ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (¬﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (سَيِّدُنَا) لأنَّه أفضلهم (وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا) مجازًا (يَعْنِي: بِلَالًا) قاله تواضعًا، أو أنَّه من سادات هذه الأمَّة، وليس هو أفضل من عمر بلا ريبٍ. ٣٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مُصغَّرًا، هو محمَّد بن عبد الله بن نُمَيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، الطَّنافسيِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (أَنَّ بِلَالًا قَالَ لأَبِي بَكْرٍ) ﵁ لمَّا تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ ، وأراد بلالٌ أن يخرج من المدينة، فمنعه أبو بكرٍ ﵁ إرادةَ أن يؤذِّن في المسجد، فقال: لا أريد المدينة بعد رسول الله ﷺ (إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي للهِ فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللهِ) ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وعملي لله »، وفي «طبقات ابن

стр. 7213

سعدٍ» في هذه القصَّة: «إنِّي رأيتُ أفضل عمل المؤمن الجهاد، فأردتُ أن أرابط في سبيل الله ، وأنَّ أبا بكرٍ ﵁ قال له: أَنشدك الله وحقِّي، فأقام معه حتَّى تُوفِّي، فأذن له عمر ﵁، فتوجَّه إلى الشَّام مجاهدًا، فمات بها في طاعون عَمَواس، وأذَّن مرَّةً واحدةً بالشَّام فبكى وأبكى». (٢٤) (بابُ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبدِ الله (¬﵄¬) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب»، ووُلِد ابن عبَّاسٍ قبل الهجرة بثلاث سنين بالشِّعب قبل خروج بني هاشمٍ منه، وحنَّكه ﷺ بريقه، وسمَّاه ترجمان القرآن، وكان طويلًا أبيضَ جسيمًا وسيمًا صبيح الوجه، وكان من علماء الصَّحابة، قال مسروقٌ: كنت إذا رأيتُ ابنَ عبَّاسٍ قلت: أجمل النَّاس، فإذا تكلَّم قلت: أفصح النَّاس، وإذا تحدَّث قلت: أعلم النَّاس، وقال عطاءٌ: كان ناسٌ يأتون ابن عبَّاسٍ في الشِّعر والأنساب، وناسٌ يأتون لأيَّام العرب ووقائعها، وناسٌ يأتون للعلم والفقه، فما منهم صنفٌ إلَّا ويُقبِل عليهم بما شاؤوا، وقال فيه عمر بن الخطَّاب ﵁: عبد الله فتى الكهول، له لسانٌ سؤول، وقلبٌ عقول، وقال طاوسٌ: أدركت نحو خمس مئةٍ من الصَّحابة إذا ذكروا ابن عبَّاسٍ فخالفوه؛ لم يزل يقرِّرهم حتَّى ينتهوا إلى قوله، وتُوفِّي ﵁ بالطَّائف بعد أن عمي سنة ثمانٍ وستِّين وهو ابن سبعين سنةً، وصلَّى عليه محمَّد ابن الحنفيَّة. ٣٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (١) العنبريُّ مولاهم التَّنُّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ) وسقط لأبي ذرٍّ: واو «وقال».

стр. 7214

وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عُمَيرٍ المنقريُّ مولاهم المُقعَد التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ، أي: الحديث بسنده إلى آخره، (وَقَالَ) فيه: (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ) بدل قوله: «الحكمة». وثبت لفظ: «اللَّهمَّ» لأبي ذرٍّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو -مُصغَّرًا- ابن خالد بن عجلان البصريُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء، بسنده السَّابق (مِثْلَهُ) بالنَّصب بفعلٍ مُقدَّرٍ، أي: مثلَ روايةِ أبي مَعْمَرٍ. (وَالحِكْمَةُ): هي (الإِصَابَةُ فِي غَيرِ النُّبُوَّةِ) وهذا التَّفسير ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وقال ابن وهبٍ: قلت لمالكٍ: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدِّين والتَّفقُّه فيه والاتِّباع له، وقال الشَّافعيُّ ﵁: الحكمة سنَّة رسول الله ﷺ ، واستدلَّ رحمه الله تعالى لذلك: بأنَّه تعالى ذكر تلاوة الكتاب وتعليمه ثمَّ عطف عليه الحكمة، فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئًا خارجًا عن الكتاب، وليس ذلك إلَّا السُّنَّة، وقيل: هي الفصل بين الحقِّ والباطل، والحكيم هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وعند البغويِّ في «مُعجَمه»: أنَّه ﷺ دعا لابن عبَّاسٍ ﵄ فقال (١): «اللَّهمَّ فقِّهْهُ في الدِّين، وعلِّمه التَّأويل» وعند الضَّحَّاك: «علِّمه تأويل القرآن» وعند ابن عمر ﵄ فيما رواه أبو زرعة الدِّمشقيُّ في «تاريخه»: ابن عبَّاسٍ أعلم النَّاس بما أنزل الله على محمَّدٍ ﷺ ، وقد بسط ابن عادلٍ الكلامَ على تفسير «الحكمة» فليُراجَع. وعند يعقوب بن سفيان في «تاريخه» بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي وائلٍ، قال: قرأ ابن

стр. 7215

عبَّاسٍ سورة النُّور، ثمَّ جعل يفسِّرها، فقال رجلٌ: لو سمعت هذا الدَّيلم؛ أسلمت، وتقدَّم في «كتاب العلم» [خ¦٧٥] حديث الباب من رواية أبي مَعْمَرٍ. (٢٥) (بابُ مَنَاقِبِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يَقَظة -بفتح التَّحتيَّة والقاف والظَّاء المُشَالة- ابن مُرَّة بن كعبٍ، يجتمع مع النَّبيِّ ﷺ ومع أبي بكرٍ في مُرَّة بن كعبٍ، ويُكْنَى أبا سليمان، أسلم في هدنة الحديبية، وعزماته (١) -يوم مؤتة وفي الرِّدَّة وبدء فتوح العراق وجميع فتوح الشَّام- أكثرُ من أن تُحصَى؛ إذ كان له فيها العناء العظيم الحفيل، والبلاء الحسن الجميل، وتُوفِّي بحمص سنة إحدى وعشرين حتف أنفه، وعمره بضعٌ وأربعون سنةً (¬﵁¬) وسقط «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ وَاقِدٍ) بالقاف المكسورة والدَّال المُهمَلة، أبو يحيى الأسديُّ مولاهم الحرَّانيُّ، واسمُ أبيه عبدُ الملك ونسبه لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الجهضميُّ أبو إسماعيل البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصرٍ البصريِّ، الثِّقة العالم، لكن توقَّف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السُّلطان (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا) أي: ابن حارثة (وَجَعْفَرًا) أي: ابن أبي طالبٍ (وَابْنَ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء والواو المُخفَّفة، عبدَ الله (لِلنَّاسِ) أي: أخبرهم بموتهم في غزوة مؤتة (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ) وذلك أنَّه ﵊ أرسل سريَّةً إليها، واستعمل عليهم زيدًا وقال: إن أُصِيب فجعفرٌ، فإن أُصِيب فابن رواحة، فخرجوا وهم ثلاثة آلافٍ، فتلاقَوا مع الكفَّار فاقتتلوا،

стр. 7216

فكان كما قال ﵊ (فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ) أي: قُتِل (ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ) بإسقاط ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ أخذها جعفرٌ» (فَأُصِيبَ) أي: قُتِل (ثُمَّ أَخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ) بإسقاط الضَّمير، قال ذلك (وَعَيْنَاهُ) ﵊ (تَذْرِفَانِ) بذالٍ مُعجَمةٍ وراءٍ مكسورةٍ وفاءٍ: تسيلان بالدُّموع (حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ) بإسقاط المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «حتَّى أخذها سيفٌ» (مِنْ سُيُوفِ اللهِ) ، وفي «الجنائز» [خ¦١٢٤٦] «فأخذها خالد بن الوليد من غير إمرةٍ»، أي: من غير تأميرٍ منه ﷺ ، لكنَّه رأى المصلحة في ذلك، فأخذ الرَّاية (حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ) على يد خالدٍ، فانحاز بالمسلمين حتَّى رجعوا سالمين، وفي حديث أبي قتادة: ثمَّ قال رسول الله ﷺ : «اللَّهمَّ (١) إنَّه سيفٌ من سيوفك، فأنت تنصره» فمن يومئذٍ سُمِّي سيفَ الله، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى ممَّا أخرجه الحاكم وابن حبَّان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تؤذوا خالدًا فإنَّه سيفٌ من سيوف الله، صبَّه على الكفَّار». وهذا الحديث قد سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٤٦] و «الجهاد» [خ¦٢٧٩٨] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٠] ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٦٢] بعون الله وقوَّته. (٢٦) (بابُ مَنَاقِبِ سَالِمٍ) أي: ابن مَعْقِلٍ؛ بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف، كان من أهل فارس، من فضلاء الصَّحابة الموالي وكبارهم، معدودٌ في المهاجرين لأنَّه هاجر إلى المدينة، وفي الأنصار لأنَّه (مَوْلَى) امرأة (أَبِي حُذَيْفَةَ) بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد منافٍ، الأنصاريَّة، تبنَّاه أبو حذيفة لمَّا تزوَّجها فنُسِب إليه، واستُشهِد سالمٌ باليمامة (¬﵁¬) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

стр. 7217

٣٧٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بفتح العين في الأوَّل وضمِّ الميم وتشديد الرَّاء (١)، ابن طارقٍ الجَمَليِّ -بفتح الجيم والميم- الكوفيِّ الأعمى (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع، أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ) بضمِّ المعجمة مبنيًّا للمفعول (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (عِنْد عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص (فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ) أي: اطلبوه (مِنْ أَرْبَعَةٍ؛ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَبَدَأَ بِهِ، وَ) من (سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَ) من (أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَ) من (مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ) عمرٌو: (لَا أَدْرِي بَدَأَ بِأُبَيٍّ) أي: بأبيِّ بن كعبٍ (أَو بِمُعَاذٍ) ولأبي ذرٍّ: «أو بمعاذ بن جبلٍ»، وإنَّما خصَّ هؤلاء الأربعة؛ لأنَّهم أكثر ضبطًا للفظ القرآن وأتقن لأدائه وإن كان غيرهم أفقه في معانيه منهم، أو لأنَّهم تفرَّغوا لأخذه منه مشافهةً، وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم عن بعضٍ، أو أنَّه ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعده من تقدُّم هؤلاء الأربعة، وأنَّهم أقرأ من غيرهم، وليس المراد أنَّه لم يجمعه غيرهم. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «مناقب أبيِّ بن كعبٍ» [خ¦٣٨٠٨] وفي «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٩] وفي «مناقب معاذ» [خ¦٣٨٠٦] وفي «مناقب عبد الله بن مسعودٍ» [خ¦٣٧٦٠]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «المناقب». (٢٧) (بابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) أي: ابن غافل -بالغين المعجمة والفاء- ابن حبيب بن شَمْخٍ -بفتح الشِّين المعجمة وسكون الميم بعدها خاءٌ مُعجَمةٌ- ابن فَارٍ -بالفاء وبعد الألف

стр. 7218

راءٌ- ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة، أبي عبد الرَّحمن، حليف بني زهرة، وكان أبوه مسعود بن غافل قد حالف في الجاهليَّة عبد الله بن الحارث بن زهرة، وأمُّه أمُّ عبدٍ بنت عبد ودٍّ، هذليَّةٌ من فخذ أبيه، وأمُّها زهريَّةٌ، قيل: إنَّها بنت الحارث بن زهرة، وكان إسلامه قديمًا في أوَّل الإسلام، وكان سادس ستَّةٍ في الإسلام، وهو من القُرَّاء المشهورين، وممَّن جمع القرآن على عهد النَّبيِّ ﷺ وهاجر الهجرتين وصلَّى إلى القبلتين، وشهد بدرًا والحديبية، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنَّة، وكان قصيرًا نحيفًا يكاد طوال الرِّجال يوازونه جلوسًا وهو قائمٌ، وتُوفِّي سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز السِّتِّين، ودُفِن بالبقيع وصلَّى عليه عثمان (¬﵁¬) وكان له من الولد عبد الرَّحمن وبه كان (١) يُكْنَى، وعُتبة وأبو عُبيدة واسمه عامرٌ، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٥٩ - ٣٧٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا) هو ابن الأجدع (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) أي: ابن العاص ﵄: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا) أي: لم يكن متكلِّمًا بالقبيح (وَلَا مُتَفَحِّشًا) ولا متكلِّفًا للتَّكلُّم القبيح، نفى عنه الفحش والتَّفُّوه به طبعًا وتكلُّفًا (وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ : (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ

стр. 7219

أَخْلَاقًا، وَقَالَ) ﵊: (اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ؛ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَ) من (سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَ) من (أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَ) من (مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) ﵃؛ كذا ساق المؤلِّف هذا الحديث بزيادة صفةٍ من صفاته ﷺ في أوَّله، والظَّاهر أنَّ بعض الرُّواة تحمَّله كذلك، فأورده المؤلِّف كذلك، ومطابقة الحديث لا تخفى. ٣٧٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريِّ (عَنْ مُغِيرَةَ) بن مِقْسَمٍ الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ، أنَّه قال: (دَخَلْتُ الشَّأْمَ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ) في المسجد (فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «صالحًا» (فَرَأَيْتُ شَيْخًا) حال كونه (مُقْبِلًا، فَلَمَّا دَنَا) قَرُبَ منِّي (قُلْتُ) له: (أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اسْتَجَابَ اللهُ) دعائي (قَالَ) لي: (مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟) وسقطت

стр. 7220

لفظة «أين» لأبي ذرٍّ، قال علقمة: (قُلْتُ) له: أنا (مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، قَالَ: أَفَلَمْ) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ: «فلم» (يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالوِسَادِ) أي: المخدَّة (وَالمِطْهَرَةِ؟) أي: عبد الله بن مسعودٍ ﵁ (أَوَلَمْ) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ: «ولم» (يَكُنْ فِيكُمُ الَّذِي أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ؟) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٤٢] «على لسان نبيِّه ﷺ » أي: عمَّارٌ (أَوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟) أي: حذيفة، لأنَّه ﷺ عرَّفه أسماء المنافقين (كَيْفَ قَرَأَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ) عبدُ الله بن مسعودٍ ﵁: (﴿وَاللَّيْلِ﴾؟) زاد أبو ذرٍّ: «﴿إِذَا يَغْشَى﴾»، قال علقمة: (فَقَرَأْتُ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى. وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى) [الليل: ١ - ٣]) بجرِّ (والذَّكرِ)، وحذف ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ (قَالَ) أي: الشَّيخ وهو أبو الدرداء: (أَقْرَأَنِيهَا) أي: (والذَّكر والأنثى) (النَّبِيُّ ﷺ فَاهُ إِلَى فِيَّ) بتشديد الياء، وعند الزَّمخشريِّ: «فاي» بالألف، قال: وهذا من إحدى اللُّغات وهي القصر؛ كعصاي، فإعرابه مُقدَّرٌ في آخره، وأمَّا نصب «فاه» فقال في «المصابيح»: المنقول في مثله ثلاثةُ أقوالٍ: أن يكون «فاه» حالًا، وصرَّح ابن مالكٍ في «التَّسهيل» بأنَّه الأَولى، أو منصوبًا بمحذوفٍ هو الحال، أي: جاعلًا فاه إلى فِيَّ، أو الأصل: من فيه إلى فيَّ (١)، فحُذِف الجارُّ فانتصب ما كان مجرورًا به (فَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ) أهل الشَّام (حَتَّى كَادُوا يَرُدُّونِي) من قراءة (والذَّكرِ والأنثى) إلى أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [الليل: ٣] ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يردونني» بإثبات النُّونين. ٣٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، النَّخعيِّ، أخي الأسود بن يزيد، أنَّه (قَالَ: سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ) بن اليمان (عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ) الهيئة الحسنة (وَالهَدْيِ) بفتح الهاء وسكون الدَّال المُهمَلة: الطَّريقة والمذهب (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى

стр. 7221

نَأْخُذَ عَنْهُ) سلوك الطَّريقة المرضيَّة والسَّكينة والوقار (فَقَالَ) وفي الفرع: «قال حذيفة»: (مَا أَعْرِفُ) ولأبي ذرٍّ: «ما أعلم» (أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا) بفتح الدَّال المُهمَلة وتشديد اللَّام: سيرةً وحالةً وهيئةً (بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) وهي كنية أمِّ عبد الله بن مسعودٍ ﵁. وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب». ٣٧٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بالهمزة ممدودًا، أبو كُريبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) يوسفُ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) أخو عبد الرَّحمن بن يزيد السَّابق قريبًا [خ¦٣٧٦٢] (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي) أبو رُهْمٍ، أو أبو بُرْدَةَ (مِنَ اليَمَنِ، فَمَكُثْنَا) بضمِّ الكاف في «اليونينيَّة» (حِينًا) حالة كوننا (مَا نُرَى) بالضَّمِّ (إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِمَا نَرَى) أي: لأجل ما نراه (مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ) أمِّ عبدٍ بنت عبد ودٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وكان ابن مسعودٍ ﵁ يلج على النَّبيِّ ﷺ ، ويُلْبِسه نعليه ويمشي أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، وقال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتَّى أنهاك» أخرجه مسلمٌ، وقال ﵊: «من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزِل؛ فليقرأه على قراءة ابن أمِّ عبدٍ»، وقال فيه عمر: كُنَيفٌ مُلِئ علمًا،

стр. 7222

وعند الحاكم: عن حذيفة قال: «لقد علم المحفوظون (١) من أصحاب محمَّدٍ ﷺ أنَّ ابن أمِّ عبدٍ من أكثرهم إلى الله وسيلةً يوم القيامة». انتهى. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب». (٢٨) (بابُ ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَان) صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ القرشيِّ الأمويِّ، وأمُّه هند بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمسٍ، يجتمع أبوه وأمُّه في عبد شمسٍ، أسلم هو وأبوه وأخوه يزيد بن أبي سفيان وأمُّه هندٌ في فتح مكَّة، وكان معاوية يقول: إنَّه أسلم يوم الحديبية، وكتم إسلامه من أبيه وأمِّه، وهو وأبوه من المُؤلَّفة قلوبهم، ومن الطَّبقة الأولى في قسم غنائم حُنَينٍ، ثمَّ حَسُنَ إسلامهما، وكتب معاوية لرسول الله ﷺ ، وولي الشَّام لعمر وعثمان عشرين سنةً، ووُلِّي الخلافة سنة أربعين، ومكث خليفةً عشرين (٢) سنةً إلَّا شهرًا (٣)، وكان أبيض جميلًا، وهو من الموصوفين بالحِلْم، وتُوفِّي بدمشق سنة ستِّين، وهو ابن اثنتين (٤) وثمانين سنةً، أو ثمانٍ وسبعين سنةً (¬﵁¬) وسقط «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ) بفتح الحاء في الأوَّل وكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة في الثَّاني، أبو عليٍّ البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا المُعَافَى) بضمِّ الميم وفتح العين والفاء بينهما ألفٌ، ابن عمران الأزديُّ الموصليُّ، المُلقَّب بياقوتة العلماء (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) بن

стр. 7223

موسى المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبدِ الله، أنَّه (قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ) ﵁ (بَعْدَ) صلاة (العِشَاءِ بِرَكْعَةٍ) واحدةٍ (وَعِنْدَهُ مَوْلًى لاِبْنِ عَبَّاسٍ) اسمُه: كُرَيبٌ (فَأَتَى) كُرَيبٌ (ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ وأخبره بذلك (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ له: (دَعْهُ) أي: اترك القول في معاوية والإنكار عليه (فَإِنَّهُ) عارفٌ بالفقه؛ لأنَّه (قد صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وتعلَّم منه، ولغير أبي ذرٍّ إسقاط لفظة: «قد». ٣٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن عبد الله الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (ابْنُ أَبِي مُلَيكَةَ) عبد الله، أنَّه (قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ) والقائل كُرَيبٌ كما سبق: (هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ؛ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «فإنَّه» (قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (إِنَّهُ) ولأبي ذرٍّ: «قال: أصاب إنَّه» (فَقِيهٌ) فلا تُنكر عليه، وزاد لفظة: «أصاب». ٣٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاسٍ» بالمُوحَّدة والمُهمَلة، أبو عثمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدرٌ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بالفوقيَّة والتَّحتيَّة المُشدَّدة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ الضُّبَعيِّ البصريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم، و «أَبَان» بفتح الهمزة وتخفيف الباء المُوحَّدة، مولى عثمان

стр. 7224

بن عفَّان يحدِّث (عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً) بلام التَّأكيد (لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهمَا) يعني: الصَّلاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يصلِّيهما؛ يعني: الرَّكعتين» (وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا؛ يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ) صلاة (العَصْرِ) وهذا النَّفي مُعارَضٌ بإثبات غيره أنَّه ﷺ كان يصلِّيهما لسببٍ سبق ذكره في «الصَّلاة» [خ¦٩/ ٣٣٦ - ٩٤٤] ومناسبة هذه الأحاديث لِمَا ترجم له ما فيها من ذكر الصُّحبة المقتضية للشَّرف العالي على أنَّه قد ورد في فضل السَّيِّد معاوية ﵁ أحاديث، لكنَّها ليست على شرط المؤلِّف، فمن ثمَّ لم يقل: باب مناقب معاوية أو فضائله؛ إذ إنَّه لا تصريحَ بذلك فيما ساقه في الباب على ما لا يخفى. وهذا الحديث من أفراده، وسبق في «باب لا يتحرَّى الصَّلاة قبل غروب الشَّمس» [خ¦٥٨٧] من «كتاب الصَّلاة». (٢٩) (باب مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ) الزَّهراء البتول، بنت النَّبيِّ ﷺ من خديجة (¬﵂¬) ولأبي ذرٍّ: «﵍»، قال ابن عبد البرِّ: إنَّها وأختها أمَّ كلثومٍ أفضلُ (١) بناته ﷺ ، وقال: ووُلِدت فاطمة ﵂ سنة إحدى وأربعين من مولده ﵊، وتزوَّجها عليٌّ ﵁ بعد بدرٍ في السَّنة الثَّانية، وولدت له حَسَنًا وحُسَينًا ومُحْسِنًا وزينب وأمَّ كلثومٍ ورقيَّة، فماتت رقيَّة ولم تبلغ، كذا رواه الطَّبريُّ عن اللَّيث، وقال غيره: فمات محسنٌ صغيرًا، ولم يتزوَّج عليها حتَّى ماتت، ولم يكن للنَّبيِّ ﷺ عقبٌ إلَّا من ابنته فاطمة ﵂، وتُوفِّيت بعد موته ﷺ بستَّة أشهرٍ، وقيل: بثمانية أشهرٍ، وقيل: بمئة يومٍ، وقيل: بسبعين، والأوَّل أشهر، وكانت وفاتها ليلة الثُّلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وهي ابنة تسعٍ وعشرين سنةً قاله المدائنيُّ، وقيل:

стр. 7225

ابنة ثلاثين، وصلَّى عليها عليٌّ، وقيل: العبَّاس، وقيل: أبو بكرٍ. وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله في «علامات النُّبَّوة» [خ¦٣٦٢٤] مطوَّلًا: (فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ) وروى النَّسائيُّ من حديث داود بن أبي الفرات عن عِلْباءَ بِن أَحْمَر اليَشْكُريِّ (١) عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنَّة خديجة بنت خويلدٍ وفاطمة بنت محمَّدٍ»، وداود بن أبي الفرات وعلباء (٢) بن أحمر ثقتان، فالحديث صحيحٌ، وهو صريحٌ في أنَّ فاطمة وأمَّها أفضلُ نساء أهل الجنَّة، والحديث الأوَّل المُعلَّق يدلُّ لتفضيلها على أمِّها، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: فالذي نختاره وندين الله به أنَّ فاطمة أفضل ثمَّ خديجة ثمَّ عائشة، ولم يخف عنَّا الخلاف في ذلك، ولكن إذا جاء نهرُ الله بَطَلَ نهرُ مَعْقِلٍ. ٣٧٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبدِ الله (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ) بفتح المُوحَّدة: قطعةٌ (مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا) فقد (٣) (أَغْضَبَنِي) استدلَّ به السُّهيليُّ على أنَّ من سبَّها فإنَّه يكفر، وأنَّها أفضل بناته ﷺ ، وعُورِض: بأنَّ أخواتها زينب ورقيَّة وأمَّ كلثومٍ يشاركنها في الصِّفة المذكورة؛ لأنَّ كلًّا منهنَّ

стр. 7226

بضعةٌ منه ﷺ ، وإنَّما يُعتَبر التَّفضيل بأمرٍ يختصُّ به المُفضَّل على غيره، وأُجيب بأنَّها امتازت عنهنَّ بأنَّهنَّ مِتْنَ في حياته ﷺ ، فكنَّ في صحيفته، ومات ﷺ في حياة فاطمة، فكان في صحيفتها، ولا يقدِّر قَدْر ذلك إلَّا الله (١)، فانفردت فاطمة دون سائر بناته فامتازت بذلك، وبأنْ بشَّرها في مرض موته بأنَّها سيِّدة نساء أهل الجنَّة، أي: من أهل هذه الأمَّة المُحمَّديَّة، وقد ثبت أفضليَّة هذه الأمَّة على غيرها، فتكون فاطمة على هذا أفضل من مريم وآسية، وفي ذلك خلافٌ، وقد بُسِطَ الكلام على ذلك في «شرح النّقاية» (٢)، وأُجيب عن حديث عائشة ﵂ عند الطَّحاويِّ أنَّه ﷺ قال: «زينب أفضل بناتي» على تقدير ثبوته بأنَّ ذلك كان متقدِّمًا، ثمَّ وهب الله لفاطمة من الأحوال السَّنيَّة، والكمالات العليَّة (٣) ما لم يشركها فيه أحدٌ من نساء هذه الأمَّة مطلقًا. وهذا الحديث سبق في «ذكر أصهار النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٧٢٩] بأتمَّ من هذا، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. (٣٠) (بابُ فَضْلِ عَائِشَةَ) الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق أبي بكر بن أبي قحافة القرشيَّة التَّيميَّة، وأمُّها أمُّ رومان ابنة عامر بن عُوَيمرٍ، وكنيتها: أمُّ عبد الله بعبد الله بن الزُّبير ابن أختها، وقول: -إنها أسقطت من النَّبيِّ ﷺ سقطًا- لم يثبت، ووُلِدت في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها، ومات النَّبيُّ ﷺ ولها نحو ثمانية عشر عامًا، وقد حفظت عنه شيئًا كثيرًا، حتَّى قيل: إنَّ ربع الأحكام الشَّرعيَّة منقولٌ عنها، قال عطاء بن أبي رباحٍ: كانت عائشة ﵂ أفقهَ النَّاس وأعلم النَّاس وأحسن النَّاس رأيًا في العامَّة، وقال عروة بن الزُّبير: ما رأيت أحدًا أعلم بفقهٍ ولا بطبٍّ ولا بشِعْرٍ من عائشة، وقال الزُّهريُّ: لو جُمِع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النَّبيِّ ﷺ وعلم جميع النِّساء؛ لكان علم عائشة أفضل، ومن

стр. 7227

خصائصها (١) أنَّها كانت أحبَّ أزواج النَّبيِّ ﷺ إليه، وبرَّأها الله ممَّا رماها به أهل الإفك، وأنزل الله في عذرها وبراءتها وحْيًا يُتلَى في محاريب المسلمين إلى يوم الدِّين، والحمد لله ربِّ العالمين، وتُوفِّيت سنة ثمانٍ وخمسين من الهجرة في خلافة معاوية، وقد قاربت السَّبعين، وذلك ليلة الثُّلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وصلَّى عليها أبو هريرة (¬﵂¬). ٣٧٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، اسم جدِّه، وأبوه عبدُ الله المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (إِنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا: يَا عَائِشَُ) بفتح الشِّين في الفرع مُصحَّحًا عليه، ويجوز ضمُّها؛ ككلِّ مُرخَّمٍ (هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ) أي: يسلِّم عليكِ، قالت: (فَقُلْتُ: ﵇ ولغير أبي ذرٍّ: «وعليه السَّلام» (وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى) بتاء الخطاب (مَا لَا أَرَى) بفتح الهمزة (تُرِيدُ) عائشة بذلك: (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: وهذا من (٢) قول عائشة ﵂. انتهى. واستُنبِط منه: استحباب بعث السَّلام، وبعث الأجنبيِّ السَّلام إلى الأجنبيَّة الصَّالحة إذا لم تُخَفْ مفسدةٌ، وأنَّه لو بلغه سلام أحدٍ في ورقةٍ من غائبٍ؛ لزمه الرَّدُّ عليه باللَّفظ إذا قرأه. ٣٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ): المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (ح: وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن مرزوقٍ الباهليُّ المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين قال:

стр. 7228

(أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بالميم المضمومة والرَّاء المُشدَّدة، و (١) «عَمرو» بفتح العين، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ مُرَّةَ) وسقط «عن مُرَّة» في الفرع سهوًا، وثبت في «الأصل» (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَمَُِلَ) بفتح الكاف والميم، ويجوز كسر الميم وضمُّها (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ) بضمِّ الميم (مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) أمُّ عيسى ﵇ (وَآسِيَةُ) بوزن «فاعلة»، من الأسى، وهي بنت مزاحمٍ (٢) (امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) قيل: وكانت ابنة عمِّه، وقيل غير ذلك، استُدِلَّ به: على نبوَّة مريم وآسية؛ لأنَّ أكمل النَّوع الإنسانيِّ الأنبياء، ثمَّ الصِّدِّيقون ثمَّ الأولياء والشُّهداء، فلو كانتا غير نبيَّتين للزم ألَّا يكون في النِّساء وليَّةٌ ولا صِدِّيقةٌ ولا شهيدةٌ، والواقع أنَّ هذه الصِّفات في كثيرٍ منهنَّ موجودةٌ، فكأنَّه قال: لم يُنبَّأ من النِّساء إلَّا مريم وآسية، ولو قال: لم تثبت صفة الصِّدِّيقيَّة أو الولاية أو الشَّهادة إلَّا لفلانةٍ وفلانةٍ؛ لم يصحَّ لوجود ذلك لغيرهنَّ إلَّا أن يكون المراد من الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتمُّ به الدَّليل على ذلك لأجل ذلك، قاله في «الفتح». واستشهد بعضهم لنبوَّة مريم بذكرها في سورة مريم مع الأنبياء، وهو قرينةٌ، وقد اختُلِف في نبوَّة نسوةٍ غير مريم وآسية؛ كحوَّاء وسارة، قال السُّبكيُّ: ولم يصحَّ عندنا في ذلك شيءٌ.

стр. 7229

(وَفَضْلُ عَائِشَةَ) بنت أبي بكرٍ (عَلَى النِّسَاءِ) أي: نساء هذه الأمَّة (كَفَضْلِ الثَّرِيدِ) المُتَّخَذ من الخبز واللَّحم (عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) وهذا لا يلزم منه ثبوت الأفضليَّة المُطلَقة، بل يُخَصُّ بنحو نساء هذه الأمَّة كما مرَّ، وأشار ابن حبَّان -كما أفاده في «الفتح» - إلى أنَّ أفضليَّتها التي يدلُّ عليها هذا الحديث وغيره مقيَّدةٌ بنساء النَّبيِّ ﷺ حتَّى لا يدخل فيها مثل فاطمة ﵍؛ جمعًا بينه وبين حديث الحاكم: «أفضل نساء أهل الجنَّة خديجة وفاطمة»، وفي «الصَّحيح»: لمَّا جاءت فاطمة ﵂ إلى النَّبيِّ ﷺ قال لها: «ألست تحبِّين ما أحبُّ؟» قالت: بلى، قال: «فأحبِّي هذه؛ يعني: عائشة» قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: وهذا الأمر لا صارف لحمله على الوجوب، وحكمه ﷺ على الواحد حكمه على الجماعة، فيلزم من هذا وجوب محبَّتها على كلِّ أحدٍ، وقال ﷺ فيها ما لا يُحصَى من الفضل، ونطق القرآن العزيز في شأنها بما لم ينطق به في غيرها، وأمَّا بقيَّة أزواجه ﷺ غير خديجة؛ فلا يبلغن هذه المرتبة، لكنَّا نعلم لحفصة بنت عمر من الفضائل كثيرًا، فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة، والكلام في التَّفضيل (١) صعبٌ، ولا ينبغي التَّكلُّم إلا بما ورد، والسُّكوت عمَّا سواه وحفظ الأدب، وقال المتولِّي من أصحابنا: والأَولى بالعاقل ألَّا يشتغل بمثل ذلك. ٣٧٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 7230

جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي طُوالة الأنصاريِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ) ولأبي ذرٍّ: «على سائر الطَّعام». ٣٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والمُعجَمة المُشدَّدة، أبو بكرٍ بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بن الصَّلت بن عبيد الله بن الحكم بن أبي العاصي بن بشرٍ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله البصريُّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق التَّيميِّ أحد الفقهاء بالمدينة (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (اشْتَكَتْ) أي: مرضت (فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ) إليها يعودها (فَقَالَ) لها: (يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؛ تَقْدَمِينَ) بفتح الدَّال (عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ) بفتح الفاء والرَّاء، أي: بإضافته لـ «صدقٍ»، من إضافة الموصوف لصفته، و «الفَرَط»: السَّابق إلى الماء والمنزل، و «الصِّدق»: الصَّادق (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بدلٌ بتكرار العامل (وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، والمعنى: أنَّه ﷺ وأبا بكرٍ قد سبقاك وأنت تلحقينهما، وهما قد هيَّأا لك المنزل في الجنَّة فلتقرَّ عينُكِ بذلك، ومطابقته للتَّرجمة بكونه قطع لعائشة بدخول الجنَّة؛ إذ لا يقول ابن عبَّاس ذلك إلَّا بتوقيفٍ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّعبير» [خ¦٤٧٥٤].

стр. 7231

٣٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتيبة، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارًا) هو ابن ياسرٍ (وَالحَسَنَ) -بفتح الحاء- ابن عليٍّ (إِلَى) أهل (الكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ (١)) ليطلب خروجهم إلى عليٍّ، وإلى نصرته في مقاتلةٍ كانت بينه وبين عائشة بالبصرة في وقعة الجمل، وجواب «لمَّا» قوله: (خَطَبَ عَمَّارٌ فَقَالَ) في خطبته: (إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهَا) يعني: عائشة (زَوْجَتُهُ) ﷺ (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) في حديث ابن حبَّان: إنَّه ﷺ قال لها: «أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدُّنيا والآخرة؟» (وَلَكِنَّ اللهَ ابْتَلَاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ) في حكمه الشَّرعيِّ في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه (أَوْ) لتتَّبعوا (إِيَّاهَا) أي: عائشة ﵂. ٣٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه: عبدُ الله، و «عبيدٌ» لقبٌ غلب عليه وعُرِف به، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة التَّابعيِّ ابن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ) أختها (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (قِلَادَةً) بكسر القاف، قيل: كان ثمنها اثني عشر درهمًا (فَهَلَكَتْ) أي: ضاعت (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا) وفي «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٦] «رجلًا»، وفُسِّر بأنَّه أُسيد بن حُضَيرٍ (فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ) لم أقف على تعيين هذه الصَّلاة (فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ؛ شَكَوْا ذَلِكَ) الذي وقع لهم من فقد الماء، وصلاتهم بغير وضوءٍ (إِلَيْهِ) ﷺ (فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ) التي في سورة المائدة (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بضمِّ الهمزة والحاء المهملة مُصغَّرين، الأنصاريُّ الأوسيُّ الأشهليُّ، وزاد في «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٦]: «لعائشة ﵂»: (جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ؛ مَا نَزَلَ

стр. 7232

بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا) من مضايقه وكربه، والكاف في الثَّلاثة مكسورةٌ على ما لا يخفى (وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ) كلِّهم (فِيهِ بَرَكَةً). وسبق هذا الحديث في «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٦]. ٣٧٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهبَّاريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ) الذي تُوفِّي فيه (جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟) مرَّتين، حال كون قوله ذلك (حِرْصًا عَلَى) أن يكون في (بَيْتِ عَائِشَةَ) ﵂، قال عروة: (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي) يوم نوبتي (سَكَنَ) قال الكِرمانيُّ: أي: مات أو سكت عن هذا القول، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: الثَّاني -أي: سكوته- هو الصَّحيح، والأوَّل خطأٌ صريح، وتعقَّبه في «العمدة» فقال: الخطأ الصَّريح تخطئته؛ لأنَّ في رواية مسلمٍ: «فلمَّا كان يومي قبضه الله بين سَحَري ونحري». انتهى. وهذا لا حجَّة فيه، لأنَّ مرادها: أنَّه قُبِض يوم نوبتها لا اليوم الذي جاء إليها فيه، لأنَّ ذلك كان قبل موته بمدَّةٍ، وقوله: «عن هشامٍ عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ » صورته صورة المُرسَل لأنَّ عروةَ تابعيٌّ، لكن دلَّ قوله: «قالت عائشة ﵂» أنَّه موصولٌ عنها، ويأتي إن شاء الله تعالى موصولًا من وجهٍ آخر في «باب الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٥٠] بعون الله تعالى وقوَّته.

стр. 7233

٣٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ) بالحاء المهملة والرَّاء المُشدَّدة المفتوحتين: يقصدون (بِهَدَايَاهُمْ) للنَّبيِّ ﷺ (يَوْمَ) نوبة (عَائِشَةَ) ﵂ حين يكون ﵊ عندها؛ لعلمهم بحبِّه لها (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي) أمَّهات المؤمنين (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ زوج النَّبيِّ ﷺ (فَقُلْنَ) لها، ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ؛ وَاللهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، وَإِنَّا نُرِيدُ الخَيْرَ) بنون المتكلِّم ومعه غيره (كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ، فَمُرِي) بفتح الفاء وضمِّ الميم وكسر الرَّاء (رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ) من بيوت نسائه (أَو حَيْثُ مَا دَارَ) إليهنَّ يوم نوبتهنَّ (قَالَتْ) عائشة: (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الذي قلن لها (أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) لمَّا دار إليها يوم نوبتها (قَالَتْ) أمُّ سلمة: (فَأَعْرَضَ عَنِّي) ﵊ (فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ) يوم نوبتي (ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ) الذي قلن، ولأبي ذرٍّ: «ذلك»؛ باللَّام (فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ؛ ذَكَرْتُ لَهُ) ذلك (فَقَالَ) ﵊: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ؛ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ -وَاللهِ- مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا) وكفاها بهذا شرفًا وفخرًا، و «لِحاف» بكسر اللَّام: هو ما يُتَغطَّى به. وهذا الحديث قد سبق في «باب قبول الهديَّة» من «كتاب الهبة» [خ¦٢٥٧٤]. هذا آخر النِّصف الأوَّل؛ كما نقله الكِرمانيُّ عن المتقنين المعتنين بـ «البخاريِّ» من الشُّيوخ، وانتهت كتابته على يد جامعه أحمد بن محمَّد بن أبي بكرٍ القسطلانيِّ يوم الخميس حادي عشري (١) رجبٍ الفرد الحرام سنة إحدى عشرة وتسع مئةٍ، والله أسأل بوجهه الكريم، ونبيِّه العظيم، عليه أفضل الصَّلاة وأزكى التَّسليم، أن يُعينني على إتمامه وتحريره، وينفعني

стр. 7234

به والمسلمين في الحال والمآل، مع القبول والإقبال، وأن يمنَّ عليَّ بالمقام في الحضرة المحمَّديَّة مع الرِّضا في عافيةٍ بلا محنةٍ، أستودعه ذلك فإنَّه لا تخيب ودائعه، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلَّا إليه (١)، يتلوه إن شاء الله تعالى أوَّل النِّصف الثَّاني.

стр. 7235

((٦٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. بابُ مَنَاقِبُ الأَنْصَارِ) جمع ناصرٍ؛ كالأصحاب جمع صاحبٍ، ويُقال: جمع نصيرٍ كشريفٍ وأشرافٍ، والنِّسبة أنصاريٌّ، وليس نسبةً لأبٍ ولا أمٍّ، بل سُمُّوا بذلك؛ لما فازوا به دون غيرهم من نصرته ﷺ ، وإيوائه وإيواء من معه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وكان القياس أن يُقال: ناصريٌّ، فقالوا: أنصاريٌّ كأنَّهم جعلوا الأنصار اسم المعنى، فإن قلت: «الأنصار» جمع قلَّةٍ، فلا يكون لِمَا فوق العشرة وهم ألوفٌ؛ أُجيب بأنَّ جمعَي القلَّة والكثرة إنَّما يُعتَبران في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف فلا فرق بينهما، والأنصار هم ولد الأوس والخزرج وحلفاؤهم أبناء حارثة بن ثعلبة، وهو اسمٌ إسلاميٌّ، واسم أمِّهم قَيْلة -بالقاف المفتوحة والتَّحتيَّة السَّاكنة- وسقط «باب» لأبوي ذرٍّ والوقت، فـ «مناقب»؛ بالرَّفع على ما لا يخفى (١) (﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾) أي: لزموهما وتمكَّنوا فيهما، أو تبوَّؤوا دار الهجرة ودار الإيمان، فحذف المضاف من الثَّاني، والمضاف إليه من الأوَّل، وعوّض عنه اللَّام، أو تبوَّؤوا دار الهجرة وأخلصوا الإيمان؛ كقوله:

стр. 7236

علفتها تبنًا وماءً باردًا أو سمَّى المدينة بالإيمان؛ لأنَّها مظهره (﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾) من قبل هجرة المهاجرين؛ وهم الأنصار (﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾) ولا يثقل عليهم (﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾) من أنفسهم (﴿حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾) ممَّا أُعطِي المهاجرون من الفيء وغيره وبقيَّة الأوصاف ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] قال في «فتوح الغيب»: وحاصل الوجوه الأربعة يعود إلى أنَّ عطف «الإيمان» على «الدار» إمَّا (١) من باب التَّقدير، أو من باب الانسحاب، والإيمان إمَّا مُجرًى على حقيقته، أو استعارة؛ ففي الوجه الأوَّل الإيمان حقيقةٌ والعطف من باب التَّقدير، لكن يُقدَّر بحسب ما يناسبه، وكذلك في الوجه الثَّالث العطف فيه للتَّقدير لكن بحسب السَّابق، وفي الثَّاني والرَّابع العطف على الانسحاب، والإيمان على الوجه الثَّاني استعارةٌ مكنيَّةٌ، وعلى الثَّالث مجازٌ أُضِيف بأدنى ملابسةٍ، وعلى الرَّابع استعارةٌ مصرِّحةٌ تحقيقيَّةٌ، فشبَّه في الوجه الأوَّل الإيمان من حيث إنَّ المؤمنين من الأنصار تمكَّنوا فيه تمكُّن المالك المتسلِّط في مكانه ومستقرِّه بمدينةٍ من المدائن الحصينة بتوابعها ومرافقها، ثمَّ خَيَّل أنَّ الإيمان مدينةٌ بعينها تخييلًا محضًا، فأطلق على المُتخيَّل باسم الإيمان المُشبَّه، وجُعِلت القرينة نسبة التَّبوُّء اللَّازم للمُشبَّه به على سبيل الاستعارة التَّخييليَّة؛ لتكون مانعةً لإرادة الحقيقة، وعلى الرَّابع شُبِّهت طيبة -لكونها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان- بالتَّصديق (٢) الصَّادر من المخلص المُحلَّى بالعمل الصَّالح، ثمَّ أطلق الإيمان على مدينته ﵊ بوساطة نسبة التَّبوُّء إليه، وهي استعارةٌ مصرِّحةٌ تحقيقيَّةٌ، لأنَّ المُشبَّه المتروك -وهو المدينة- حسِّيٌّ، والجامع النَّجاةُ من مخاوف الدَّارين، ففي الأوَّل: المبالغة والمدح يعود إلى سكَّان المدينة أصالةً، وفي الثَّاني: بالعكس، والأوَّل أدعى لاقتضاء المقام؛ لأنَّ الكلام واردٌ في مدح الأنصار الذين بذلوا مهجهم وأموالهم في نصرة الله ونصرة رسوله ﷺ ، وهم الذين آووه ونصروه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿يُحِبُّونَ … ﴾» إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ «الآية» (٣).

стр. 7237

٣٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) المِعْوَليُّ -بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو- البصريُّ، وسقط «ابن ميمونٍ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة في الأوَّل والجيم في الثَّاني، المعوليُّ البصريُّ (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ﵁: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني، ولأبي الوقت: «أرأيتم» أي: أخبروني (١) (اسْمَ الأَنْصَارِ، كُنْتُمْ) ولأبي الوقت: «أكنتم» (تُسَمَّوْنَ بِهِ) بفتح السِّين المهملة والميم المُشدَّدة، قبل القرآن (أَمْ سَمَّاكُمُ اللهُ) به؟ (قَالَ) أنسٌ ﵁: (بَلْ سَمَّانَا اللهُ) زاد أبو ذرٍّ: « » أي: به؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال غيلان: (كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى أَنَسٍ) ﵁ بالبصرة (فَيُحَدِّثَنَا مَنَاقِبَ الأَنْصَار) ولأبي ذرٍّ: «بمناقب الأنصار» بزيادة المُوحَّدة قبل الميم (وَمَشَاهِدَِهُمْ) بالنَّصب أو بالخفض (وَيُقْبِلُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (أَو عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَزْدِ) -بفتح الهمزة وسكون الزَّاي- غيري، أو المراد بالأزديِّ: غيلان، والشَّكُّ من الرَّاوي، هل قال: عليَّ، أو أبهم نفسه؟ (فَيَقُولُ) مخاطبًا لي أو للرَّجل: (فَعَلَ قَوْمُكَ) يريد: الأنصارَ (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا) يحكي ما كان

стр. 7238

من مآثرهم في المغازي ونصر الإسلام، واستُشكِل: بأنَّه ليس قومه من الأنصار، وأُجيب بأنَّه باعتبار النِّسبة الأعمِّيَّة إلى الأزد؛ لأنَّ الأزد يجمعهم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في آخر «أيَّام الجاهلية» [خ¦٣٨٤٤]، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». ٣٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، وثبت: «قال» في الفرع وسقطت في «اليونينيَّة» (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ) بضمِّ الموحَّدة وتخفيف العين المُهمَلة وبعد الألف مُثلَّثةٌ، أو بالغين المُعجَمة، أو هو تصحيفٌ، أو بالوجهين عن الأَصيليِّ؛ كما حكاه عياضٌ، أو بالمعجمة فقط لأبي ذرٍّ، غير مصروفٍ للتَّأنيث والعلميَّة؛ لأنه اسم بقعةٍ، قال ابن قُرْقُول: على ميلين (١) من المدينة، وقع فيها حربٌ بين الأوس والخزرج، وكان سبب ذلك أنَّ من قاعدتهم أنَّ الأصيل لا يُقتَل بالحليف، فقتل رجلٌ من الأوس حليفًا للخزرج، فأرادوا أن يُقِيدوه فامتنعوا فوقعت الحرب بينهم؛ لذلك قيل: بقيت الحرب بينهم مئةً وعشرين سنةً حتَّى جاء الإسلام، وكان رئيس الأوس فيه حُضَيرًا والد أُسَيدٍ، وكان أيضًا فارسهم، وقال أبو أحمد العسكريُّ: قال بعضهم: كان يوم بُعاث قبل قدومه ﷺ المدينة بخمس سنين، وقُتِل حُضَيرٌ وكثيرٌ من رؤسائهم وأشرافهم، وكان ذلك اليوم (يَوْمًا قَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ¬) إذ لو كانوا أحياءً؛ لاستكبروا عن متابعته ﵊، ولمنع حبُّ رياستهم عن حبِّ دخول رئيسٍ عليهم، وسقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (فَقِدَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬)

стр. 7239

المدينة (وَ) الحال أنَّه (قَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ) أي: جماعتهم (وَقُتِلَتْ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول (سَرَوَاتُهُمْ) بفتح السِّين المهملة والرَّاء والواو: خيارهم وأشرافهم (وَجُرِّحُوا) بضمِّ الجيم وتشديد الرَّاء المكسورة بعدها حاءٌ مهملةٌ، من الجرح، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «وخَرَجوا» بخاءٍ مُعجَمةٍ فراءٍ مفتوحتين فجيمٍ، من الخروج، أي: خرجوا من أوطانهم (فَقَدَّمَهُ اللهُ) بتشديد الدَّال، أي: ذلك اليوم (لِرَسُولِهِ ﷺ ¬) سقطت التَّصلية لأبي ذرٍّ (فِي) أي: لأجل (دُخُولِهِمْ) أي: الذين تأخَّروا (١) (فِي الإِسْلَامِ) فكان في قَتْلِ من (٢) قُتِلَ من أشرافهم ممَّن كان يأنف أن يدخل في الإسلام من (٣) مقدِّمات الخير، وقد كان بقي منهم من هذا النَّحو عبد الله بن أُبيِّ ابن سَلُولٍ، وقصَّته في أَنَفَتِهِ وتكبُّره مشهورةٌ لا تخفى، و «في» هنا تعليليَّةٌ كهي في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] و ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ [النور: ١٤] أي: لأجله، وفي الحديث [خ¦٢٣٦٥] «دخلت امرأةٌ النَّار في هرَّةٍ حبستها» أي: لأجلها. ٣٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بالفوقيَّة ثمَّ التَّحتيَّة المُشدَّدة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ الضُّبَعيِّ البصريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: قَالَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) يعني: عام فتحها بعد قسم غنائم حُنَينٍ، وكان بعد فتح مكَّة بشهرين (وَ) الحال أنَّه (أعْطَى قُرَيْشًا) -ممَّن

стр. 7240

لم يتمكَّن الإيمان من قلبه؛ لما بقي فيه من الطَّبع البشريِّ في محبَّة المال- غنائمَ حُنينٍ يتألَّفهم بذلك؛ لتطمئنَّ قلوبهم وتجتمع على (١) محبَّته؛ لأنَّ القلوب جُبِلت على حبِّ من أحسن إليها؛ ولذا لم يقسم أموال مكَّة عند فتحها، ومقول قول الأنصار: (وَاللهِ إِنَّ هَذَا) الإعطاء (لَهُو العَجَبُ، إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ (٢) مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ) حالٌ مقرِّرةٌ لجهة الإشكال، أي: ودماؤهم تقطر من سيوفنا، فهو من باب القلب؛ نحو: عرضت النَّاقة على الحوض، قال: لنا الجفنات الغُرُّ يلمعْنَ في الضُّحى … وأسيافُنا يقطُرْنَ من نجدةٍ دمًا والمعنى: أنَّ سيوفنا من كثرة ما أصابها من دمائهم تقطر (وَغَنَائِمُنَا) أي: التي غنمناها (تُرَدُّ عَلَيْهِمْ) أي: لم يُعطِنا منها شيئًا (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الذي قالوه (النَّبِيَّ ﷺ ¬) ذكر ابن إسحاق عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁: أنَّ الذي أخبر النَّبيَّ ﷺ بمقالتهم سعدُ بن عُبادة (فَدَعَا الأَنْصَارَ) وفي «غزوة الطَّائف» [خ¦٤٣٣١] من وجه آخر عن أنسٍ: «فجمعهم في قبَّةٍ من أدمٍ ولم يَدْعُ معهم غيرَهم فلمَّا اجتمعوا» (قَالَ) أنسٌ: (فَقَالَ) لهم رسول الله ﷺ : (مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ وَكَانُوا) يعني: الأنصار (لَا يَكْذِبُونَ، فَقَالُوا: هُو الَّذِي بَلَغَكَ) أي: قلنا الذي بلغك، وفي «المغازي» [خ¦٤٣٣١] «فقال: ما حديثٌ بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أمَّا رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأمَّا ناسٌ منَّا حديثةٌ أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم» (قَالَ) ﵊: (أَوَلَا) بفتح الواو (تَرْضَوْنَ

стр. 7241

أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالغَنَائِمِ) من الشَّاة والبعير (إِلَى بُيُوتِهِمْ وَتَرْجِعُونَ) بإثبات النُّون على الاستئناف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وترجعوا» بحذفها عطفًا على «أن يرجع» (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٣١] «فوالله لَمَا تنقلبون به خيرٌ ممَّا ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا»، فقال ﵊: (لَو سَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا) مكانًا منخفضًا، أو الذي فيه ماءٌ (أَو شِعْبًا) بكسر الشِّين المعجمة: ما انفرج بين جبلين، أو الطَّريق في الجبل (لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ أَو شِعْبَهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «وشِعْبهم» بإسقاط الألف، وأراد ﵊ بذلك حسن موافقته إيَّاهم وترجيحهم في ذلك على غيرهم؛ لِمَا شاهد منهم من حسن الجوار والوفاء بالعهد، لا متابعته لهم؛ لأنَّه ﵊ هو المتبوع المُطَاع لا التَّابع المُطِيع. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٣١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «المناقب». (٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْلَا الهِجْرَةُ) أمرٌ دينيٌّ وعبادةٌ مأمورٌ بها (لَكُنْتُ مِنَ الأَنْصَارِ) ولأبي ذرٍّ: «لكنت امرأً من الأنصار» أي: لانتسبت إلى داركم المدينة، أو لتسمَّيت باسمكم وانتسبت إليكم كما كانوا يتناسبون بالحلف، لكنَّ خصوصيَّة الهجرة سبقت، فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تتبدَّل بغيرها، وقيل غير ذلك، ومراده بذلك: تألُّفهم واستطابةُ نفوسهم، والثَّناء عليهم في دينهم حتَّى رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها (قَالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصم بن كعبٍ الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في «غزوة الطَّائف» [خ¦٤٣٣٠] من «المغازي» بطوله.

стр. 7242

٣٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والمُعجَمة المُشدَّدة، بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المُعجَمة وسكون النُّون وفتح الدَّال المُهمَلة، محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) القرشيِّ الجمحيِّ مولاهم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -أَو قَالَ: أَبُو القَاسِمِ ﷺ ) بالشَّكِّ من الرَّاوي: (لَو أَنَّ الأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَو شِعْبًا) ولأبي ذرٍّ: «وشِعْبًا» بغير ألفٍ والشِّين مكسورةٌ فيهما، أي: طريقًا في الجبل (لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الأَنْصَارِ) والمراد: بلدهم (وَلَوْلَا الهِجْرَةُ) التي لا يجوز تبديلها (لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ) ليس المراد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنَّه ممتنعٌ قطعًا، لا سيَّما ونسبه ﵊ أشرف الأنساب، وكذا ليس المراد النَّسب الاعتقاديَّ؛ فإنَّه لا معنى للانتقال إليه، فالمراد: النِّسبة البلاديَّة، وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمرًا واجبًا، أي: لولا أنَّ النِّسبة الهجريَّة لا يسعني هجرها؛ لانتسبت إلى داركم، ويحتمل أنَّه لمَّا كانوا أخواله؛ لكون أمِّ عبد المطَّلب منهم، أراد أن ينتسب إليهم لهذه الولادة لولا مانع الهجرة، قاله محيي السُّنَّة، وتلخيصه: لولا فضلي على الأنصار؛ لكنت واحدًا منهم، وهذا تواضعٌ منه ﷺ وحثٌّ للنَّاس على إكرامهم واحترامهم، وسبق قريبًا مزيدٌ لذلك (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا ظَلَمَ) بفتح الظَّاء المُعجَمة واللَّام، رسولُ الله ﷺ في هذا القول، أفديه (بِأَبِي وَأُمِّي) أنَّ الأنصار (آوَوْهُ) بمدِّ الهمزة، من الإيواء (وَنَصَرُوهُ، أَوْ) قال أبو هريرة (كَلِمَةً أُخْرَى) مع هاتين الكلمتين، أي: واسَوه وأصحابه بمالهم. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «المناقب». (٣) (بابُ إِخَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بكسر الهمزة (بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) وعند ابن سعدٍ: أنَّه آخى بين مئةٍ (١)؛ خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، وكان ذلك قبل بدرٍ بخمسة أشهرٍ

стр. 7243

في دار أنسٍ، يأتي ذكر من سُمِّي منهم إن شاء الله تعالى في «باب كيف آخى النَّبيُّ ﷺ بين أصحابه» قبيل «المغازي» بعون الله تعالى [خ¦٦٣/ ٥٠ - ٥٨٥٦] وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فما بعده رَفْعٌ. ٣٧٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ) أي: النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، وهذا صورته صورة (١) الإرسال؛ لأنَّ إبراهيم بن عبد الرَّحمن لم يشهد ذلك، لكنَّ المؤلِّف ساق الحديث في أوَّل «البيع» [خ¦٢٠٤٨] من طريقٍ ظاهرها الاتِّصال، وهي طريق عبد العزيز بن عبد الله حدَّثنا إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال عبد الرَّحمن بن عَوْفٍ: لمَّا قدمنا المدينة (آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (وَ) بين (سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء، ابن عمرو بن أبي زُهَيرٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ النَّقيب (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» أي: سعدٌ (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ) وفي «البيع»: «فأَقْسِمُ لك نصفَ مالي» (وَلِي امرَأَتَانِ) اسم إحداهما عَمْرةُ بنت حزمٍ، والأخرى لم تُسَمَّ (فَانْظُرْ) في نفسك (أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ، فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا) بالجزم، جواب الأمر (فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ فَتَزَوَّجْهَا) بالجزم على الأمر (قَالَ) له عبد الرَّحمن: (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ) وفي «البيع» [خ¦٢٠٤٨] «لا حاجة لي في ذلك» (أَيْنَ سُوقُكُمْ؟) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «سوقك» (فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ) بقافٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فنونٍ

стр. 7244

مضمومةٍ وبعد القاف ألفٌ فعينٌ مُهمَلةٌ، غير مصروفٍ على إرادة القبيلة، وبالصَّرف على إرادة الحيِّ: بطنٍ من اليهود أُضِيف إليهم السُّوق (فَمَا انْقَلَبَ) عبد الرَّحمن منه (إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِْطٍ) بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تُسكَّن، قال عياضٌ: هو جبن اللَّبن المستخرج زبده، وخصَّه ابن الأعرابيِّ بالضَّأن، وقيل: لبنٌ مُجفَّفٌ مستحجرٌ يُطبَخ به (وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ) أي: الذَّهاب في صبيحة كلِّ يومٍ إلى السُّوق للتِّجارة (ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) من الطِّيب الذي استعمله عند الزِّفاف (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (مَهْيَمْ؟) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التَّحتيَّة وسكون الميم؛ كلمةٌ يمانيَّةٌ، أي: ما هذا؟ وقال بعض المتأخِّرين: أصلها (١): ما هذا الأمر؟ فاقتصر من كلِّ كلمةٍ على حرفٍ؛ لأمن اللَّبس (قَالَ) عبد الرَّحمن: (تَزَوَّجْتُ) زاد في الرِّواية اللَّاحقة [خ¦٣٧٨١] كالتي في «البيع» [خ¦٢٠٤٨] «امرأةً من الأنصار» ولم تُسَمَّ، نعم هي بنت أنس بن رافعٍ الأنصاريِّ الأوسيِّ، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ: عن أبي هريرة ﵁ بسندٍ فيه ضعفٌ: «أتى رسول الله ﷺ وقد خَضَبَ بالصُّفرة، فقال: ما هذا الخضاب، أعرست؟ قال: نعم» (قَالَ) ﵊: (كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا) مهرًا؟ (قَالَ): سقتُ إليها (نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ) قال: (وَزْنَ نَوَاةٍ) أي: خمسة دراهم (مِنْ ذَهَبٍ) وسقط «من ذهبٍ» هذه لأبي ذرٍّ (شَكَّ إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ الرَّاوي. ومرَّ هذا الحديث في أوَّل «البيوع» [خ¦٢٠٤٨] ويأتي إن شاء الله تعالى زوائد فوائد قريبًا في الحديث التَّالي.

стр. 7245

٣٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) المدينة (وَآخَى رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) الخزرجيِّ، وعند عبد بن حُميدٍ من طريق ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ آخى بين عبد الرَّحمن بن عوفٍ وبين عثمان بن عفَّان، فقال عثمان لعبد الرحمن: إنَّ لي حائطين … الحديث، قال في «الفتح»: وهو وهمٌ من رواية ابن (١) زاذان (وَكَانَ) سعدٌ (كَثِيرَ المَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ) لعبد الرَّحمن: (قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسم امرأتَي سعدٍ إلَّا أنَّ ابن سعدٍ ذكر أنَّه كان له من الولد أمُّ سعدٍ، واسمها جميلة، وأمُّها عمرة بنت حزمٍ، وتزوَّج زيد بن ثابتٍ أمَّ سعدٍ، فولدت له ابنه خارجة، فيُؤخَذ من هذا تسمية إحدى امرأتي سعدٍ، وقال شيخنا الحافظ أبو الخير السَّخاويُّ: إنَّه وجد تسمية الزَّوجة الثَّانية في «تفسير مقاتلٍ» عند قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] وأنَّها حبيبة بنت زيد بن أبي زهيرٍ (فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا) -بالرَّفع- لأجلك (حَتَّى إِذَا حَلَّتْ) بأن (٢) انقضت عدَّتها (تَزَوَّجْتَهَا) بفوقيَّةٍ بعد الجيم السَّاكنة (فَقَالَ) له (عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ) زاد في السَّابقة [خ¦٣٧٨٠] «ومالك» (فَلَمْ يَرْجِعْ) فيه حذفٌ اختصره الرَّاوي، وهو قوله في الرِّواية السَّابقة: «أين سوقكم؟ فدلُّوه على سوق بني قينقاع» [خ¦٣٧٨٠] وزاد في أخرى في «الوليمة» [خ¦٥١٦٧] «فخرج إلى السُّوق، فباع واشترى»، وفي رواية حُمَيدٍ (٣) [خ¦٥١٦٧] «فاشترى وباع فربح، فلم يرجع» (يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ) أي: ربح (شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ) وفي رواية زهير بن معاوية أوَّل «البيوع» [خ¦٢٠٤٩] «فأتى به أهل منزله» (فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا

стр. 7246

يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ) بفتح الواو والمُعجَمة آخره راءٌ، أي: لطخٌ (مِنْ صُفْرَةٍ) أي: صُفْرَةُ خَلُوقٍ، والخَلُوق طِيْبٌ يُصنَع من زعفران وغيره (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْيَمْ؟) كلمة استفهامٍ مبنيَّةٌ على السُّكون، وهل هي بسيطةٌ أم مُركَّبةٌ؟ قولان لأهل اللُّغة، وقال ابن مالكٍ: هي اسم فعلٍ بمعنى «أخبِرْ»، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ: فقال له: «مهيم؟» وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشَّيء، وعند المصنِّف في رواية حمَّاد بن زيدٍ [خ¦٥١٥٥] «قال: ما هذا؟» (قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) قال البيضاويُّ: يحتمل أن يكون (١): «مهيم» استفهامًا إنكاريًّا؛ لِمَا تقدَّم من النَّهي عن التَّضمُّخ بالخلوق، فأجابه بقوله: تزوَّجت، أي: فتعلَّق بي (٢) منها ولم أقصده، ويأتي مزيدٌ لهذا -إن شاء الله تعالى- في موضعه، وقد جزم الزُّبير بن بكَّارٍ في كتاب «النَّسب» أنَّ التي تزوَّجها بنت أبي الحَيسَر -بفتح المهملتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ آخره راءٌ- واسمه أنس بن رافعٍ الأوسيُّ؛ كما مرَّ قريبًا (فَقَالَ) ﵊ له: (مَا سُقْتَ فِيهَا؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «إليها» بدل «فيها» وفي رواية حُمَيد الطويل (٣) في «الوليمة» [خ¦٥١٦٧] «كم أصدقتَها؟» (قَالَ) عبد الرَّحمن: سقتُ إليها (وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَو نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي كما مرَّ، واستنكر الدَّاوديُّ رواية: «وزن نواةٍ»، ورجَّح الثَّانية، ورُدَّ عليه بأنَّ في رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهَيبٍ [خ¦٥١٤٨] «على وزن نواةٍ» وكذا لغيره بالجزم، وهم أئمَّةٌ حفَّاظٌ، فلا وهم في الرِّواية؛ لأنَّها وإن كانت نواة تمرٍ أو غيره لها قدرٌ معلومٌ يصلح أن يُقال: «وزن نواةٍ» ولعلَّ المراد: نوى التَّمر؛ كما يُوزَن بنوى الخَرُّوب، وقيل: كان القيمة عنها يومئذٍ خمسة دراهم، وقيل: ربع دينارٍ كذا قرَّره بعضهم، وعُورِض: بأنَّ نوى التَّمر يختلف في الوزن، فكيف يُجعَل معيارًا لِمَا يُوزَن به؟ وبقيَّة مبحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعه بعون الله وقوَّته (فَقَالَ) ﵊ له: (أَوْلِمْ؛ وَلَو بِشَاةٍ) استدلَّ به: على تأكيد أمر الوليمة؛ إذ إنَّه ﷺ أمر باستدراكها بعد انقضاء الدُّخول، ويأتي إن شاء الله تعالى اختلاف الأئمَّة هل وقتها عند العقد أو عقبه (٤)، أو عند الدُّخول أو عقبه، ومُوسَّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدُّخول [خ¦٦٧/ ٦٧ - ٧٦٦٦].

стр. 7247

٣٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح المُهمَلة وسكون اللَّام آخره فوقيَّةٌ (أَبُو هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، الخاركيُّ -بالخاء المُعجَمة- وخاركٌ من ساحل البصرة (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحزاميَّ المدنيَّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ) لمَّا قدموا المدينة، وزاد في «باب إذا قال: اكفني مؤنة النَّخل» [خ¦٢٣٢٥] من «المزارعة» للنَّبيِّ ﷺ : (اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ) بسكون المعجمة، وفي «المزارعة»: «بيننا وبين إخواننا» ومرادهم: المهاجرون (قَالَ) ﵊: (لَا) أَقْسِم (قَالَ) الأنصار لهم: أيُّها المهاجرون (تكْفُونَا) ولأبي ذرٍّ: «يكفوننا» بالتَّحتيَّة وبالنُّونين (المَؤُونَةَ) في النَّخل بتعهُّده بالسَّقي والتَّربية (وَتَُشْرَِكُونَا) بفتح الفوقيَّة والرَّاء ونونٍ واحدةٍ وبضمِّ الفوقية وكسر الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «ويُشرِكوننا» بالتَّحتيَّة المضمومة وكسر الرَّاء (فِي التَّمْرِ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم، أي: يكون التَّمر بيننا وبينهم شركةً، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «في الأمر» بدل: «التَّمر» أي: الأمر الحاصل من ذلك، وهو من قولهم: أَمِر مالُه -بكسر الميم- أي: كَثُر (قَالُوا) أي: المهاجرون للأنصار: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وإنَّما أبى النَّبيُّ ﷺ أن يقسم بينهم النَّخل؛ لأنَّه علم أنَّ الفتوح ستُفتَح عليهم، فكره أن يخرج عنهم شيئًا من رقبة نخيلهم التي بها قوامهم؛ شفقةً عليهم، ولمَّا فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين؛ امتثالًا لأمره ﵊، ومواساةً للمهاجرين.

стр. 7248

(٤) (بابُ حُبِّ الأَنْصَارِ من الإيمان) سقط لفظ «الباب» لأبي ذرٍّ، فتاليه رَفْعٌ. ٣٧٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج، أبو بسطام العتكيُّ، أمير المؤمنين في الحديث (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد أيضًا (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ، ثقةٌ لكنَّه قاضي الشِّيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الأَنْصَارُ) الأوس والخزرج (لَا يُحِبُّهُمْ) كلُّهم (إِلَّا مُؤْمِنٌ) كاملُ الإيمان (وَلَا يُبْغِضُهُمْ) كلُّهم من جهة نصرتهم للرَّسول ﵊ (إِلَّا مُنَافِقٌ) وفي «مُستخرَج أبي نُعيمٍ» من حديث البراء: «مَنْ أَحَبَّ الأنصار فبحبِّي أحبَّهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم»، وهو يؤيِّد ما مرّ من تقديرٍ من جهة نصرتهم … إلى آخره. والتَّقييد بـ «كلِّهم» مخرجٌ لمن أبغض بعضهم لمعنًى يسوِّغ البغض له (فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ) وإنَّما خُصُّوا بذلك؛ لِمَا فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيوائه ﷺ ومواساته بأنفسهم وأموالهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين إذ ذاك؛ من عربٍ وعجمٍ، والعداوة تجرُّ البغض، ثمَّ إنَّ ما اختصُّوا به موجبٌ للحسد، والحسد يجرُّ إلى البغض أيضًا، فمن ثمَّ حذَّر ﷺ

стр. 7249

من بغضهم، ورغَّب في حبِّهم حتَّى جعله من الإيمان والنِّفاق؛ تنويهًا بفضلهم، وهذا جارٍ باطِّرادٍ في أعيان الصَّحابة؛ لتحقُّق الاشتراك في الإكرام؛ لِمَا لهم من حسن الغَنَاء في الدِّين، وإن وقع من بعضهم لبعضٍ بغضٌ بسبب الحروب الواقعة بينهم؛ فذاك من غير هذه الجهة؛ لِمَا طرأ من المخالفة، ومن ثمَّ لم يحكم بعضهم على بعضٍ بالنِّفاق، وإنَّما حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام؛ للمصيب أجران، وللمخطئ أجرٌ واحدٌ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب»، وابن ماجه في «السُّنَّة». ٣٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ) كذا في الفرع وأصله لكنَّه ضُبِّب عليه، وقال في الهامش: «عن عبد الله» بدل «عبد الرَّحمن»، وهو الصَّحيح (١) (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، وقيل: جابر بن عتيكٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ) أي: علامته (حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ) وقد وقع في إعراب الحديث لأبي البقاء العُكْبريِّ: «إنَّه الإيمانُ» بهمزةٍ مكسورةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ وهاءٍ، و «الإيمان» مرفوعٌ، وأعربه، فقال: «إنَّ» للتَّأكيد، والهاء ضمير الشَّأن، و «الإيمان» مبتدأٌ، وما بعده خبرٌ، ويكون التَّقدير: إنَّ الشَّأنَ الإيمانُ حبُّ الأنصار، وهذا تصحيفٌ، وفيه نظرٌ من جهة المعنى؛ لأنَّه يقتضي حصر الإيمان في حبِّ الأنصار، وليس كذلك، فإن قلت: واللَّفظ المشهور أيضًا يقتضي الحصر؛ أُجيب بأنَّ العلامة كالخاصَّة تطَّرِد ولا تنعكس، وإن أُخِذ من طريق المفهوم؛ فهو مفهوم لقبٍ لا عبرةَ به سلَّمنا الحصر لكنَّه ليس حقيقيًّا بل ادِّعائيًّا للمبالغة، أو هو حقيقةٌ (٢)، لكنَّه

стр. 7250

خاصٌّ بمن أبغضهم من حيث النُّصرة كما مرَّ، أو يُقال: إنَّ اللَّفظ خرج على معنى التَّحذير، فلا يُراد ظاهره؛ ولذا لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضدُّه، بل قابله بالنِّفاق؛ إشارةً إلى التَّرغيب والتَّرهيب، والتَّرهيب إنَّما خُوطِب به من يُظهِر الإيمان، أمَّا من يُظهِر الكفر فلا؛ لأنَّه مرتكبٌ ما هو أشدُّ من ذلك. وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الإيمان» [خ¦١٧]. (٥) (باب قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلأَنْصَارِ: أَنْتُمْ) أي: مجموعكم (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) أي: من مجموعهم، فلا ينافيه أحبيَّة أحدٍ إليه غير الأنصار؛ لأنَّ الحكم للكلِّ بشيءٍ لا ينافي الحكم به لفردٍ من أفراده، فلا تعارض بينه وبين قوله: «أبو بكرٍ» في جواب من قال: من أحبُّ النَّاس إليك؟ قال: «أبو بكرٍ»، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. ٣٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو المنقريُّ المُقعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ مولاهم التَّنوريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيبٍ البُنانيُّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ -قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ عُرُسٍ-) بضمِّ العين والرَّاء، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفي «باب ذهاب النِّساء والصِّبيان إلى العرس» [خ¦٥١٨٠] من «النِّكاح»: «مقبلين من عرسٍ» بالجزم من غير شكٍّ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمْثِلًا) بضمِّ الميم الأولى وإسكان الثَّانية
следующие страницы →